Skip to main content

Full text of "المتلاعبون بالعقول سقطات الإعلام في مصر"

See other formats




المتلاعي.ون بالعقول 


المتلاعبون بالعقول 
سقطات الإعلام في مصر 
د. ياسر ثابت 
تصميم الغلاف: محمد عيد 
رقم الإيداع: 8863 /2015 
9 - 6297-398 -977 -978:ل1.5.8.1 
دار اكتب للنشر والتوزيع 





الإدارة : 10 ش عبد الهادي الطحان من ش الشيخ منصور. 
المرج الغربيّة, القاهرة. 
المدير العام: يَحيى هاشم 
هاتف : 01144552557 - 01147633268 


مزهء. 3201401603500 :اأقما-ع 
دار اكتب للنشروالتوزيع :0016 366آ 





الطبعة الأولى » 2015م 
جَميع الحقوق محفوظة © 
دار اكتب للنشر والتوزيع 


المتلاعيون بالعقول 





د. ياسر ثابت 





دار اكتب للنشر والتوزيع 


إلى 


روح الصديق المثقف الموسوعي المدافع عن حرية 
الصحافة.. 


خالد السرجاني. 


مقدمة 


هذه سطوو عن موضوع الساعة, و تر مو متر الحريات: الإعلام. 

لاشك. أن الحديث عن الإعلام الذي تشهده مصر هذه الأيام 
يشغل بال كل من له حس وطني وضمير حي؛ إذ تحولت الممارسات 
الإعلامية الخاطئة إلى فعلٍ يومي يتراكم حتى أصبح الخطأ هو السائد 
المألوف. خاصة في مجال الصحافة التليفزيونية. 

إعلام في أزمة كبرى, وعليه من الضغوط ما يجعله مقبلاً على 
كارثة أو أنه يعيشها بالفعل. 

مع كل يوم أداء إعلامي منفلت يقود إلى فجوات تتسع وأزمات 
تنفجر وتلاسن يدعو إلى الاستياء. 

الشاهد أنه في السنوات التالية لثورة 25 يناير» تعاظم دور وسائل 
الإعلام في مصر. حتى بلغ ذروته في ثورة 30 يونيو. وبات لاعبسً 
رئيسيا في المعادلة السياسية في مصرء رغم سيل المآخذ على أدائه 
وممارساته التي خالفت في كثير من الأحيان مبادئ العمل الإعلامي 
وأخلاقيات المهنة وموائيقها. 

مع تعاللي الانتقادات للا تطرحه بعض الفضائيات والصحف -ني 
لقاءات الصباح الصحفية وغزوات المساء التليفزيونية- من 
موضوعات كاذبة ومُختلقة ومُلفقة بغرض تسويق الوهم للمُتلقين, 
استغلالا لحالة الأمية ونقص الوعي السياسي التي يعيش فيها الملابين 

اسه 


من أفراد. الشعب المصري.. بدا الوضع كارثياء وأقرب إلى 
"المصطبة" التي يطلق منها البعض قذائف من الأحكام الخاطئة 
والألفاظ المعيبة والآراء التي تفتقر إلى دقة المعلومة وموضوعية الأداء. 

نقف الآن على جبل من الأخطاء.. ولديهم مزيد! 

إن الإعلام المصري محتم عليه أن يواجه نفسه بواقعه وأخطائه, 
مثلما ارتضى لنفسه أن يستعرض مشكلات امجتمع والمواطنين, خاصة 
مع وجود مشهد فوضوي لا يخلو من التجريح والإثارة والابعذال. 
يغذي هذا المشهد الموسف عدم وجود نمط واضح في إدارة العمل 
الإعلامي, والتداخل بين الإدارة والمهئة بشكل سافر. 

المهنة امّهنت يوم تسلل إليها مرتزقة ومدافع للإيجار, وتحوّل البعض 
إلى مندوبين لأصحاب الال والأعمال والشركات الكبرى لدى 
مؤسساقم الصحفية. 

المطلوب اليوم تنظيم وسائل الإعلام -وخاصة المرئي منها- على 
نحو يضع قواعد عامة للعمل, وميثاق شرف بين ملاك القنوات يضبط 
أذاء الإعلاميين, ويضمن دقة الختوى وموضوعيته. 

وإذا كنا نشدد على ضرورة وجود كيانات مؤسسية لضبط 
العمل الإعلامي في مصرء فإننا نرى أيضا أن القائمين على كل قناة 
مسؤولون عما يحدث من تجاوزات على شاشاقم؛ لأنهم ساهموا في 
صناعة أباطرة زيف في الإعلام من بعض الجهلاء والدخلاء على 
المهنة» ليسقط هؤلاء في فخ الزعامة ويتورطوا في لغة المزايدات 
والتجاوزات» مستغلين غياب موائيق العمل المهني. 

-8- 


غير خاف على أحد حجم السقطات المرتكبة باسم جرية الإعلام 
والتعبير عن الرأي؛ بالإضافة إلى الابتعاد عن المهنية» والترهل الذي 
ينخر في مفاصل الفضائيات المصرية على وجه الخصوصء وسط 
غياب -مع سبق الإصرار والترصد- للمعايير وامجالس والهيئات التي 
تراقب وتحاسب وتنظم هذه المهنة بأسلوب حازم وفعال. 

من هناء كان هذا الكتاب محاولة لرصد الملاحظات المهنية على 
الأداء الإعلامي؛ المطبوع والمرئي بل والمسموع كلما وجدنا إلى ذلك 
سبيلاء كي نبدأ رحلة النقد الذاي وتصويب المسار وتعديله وفق 
المعايير الحاكمة لأخلاقيات المهنة ومواثيقها الدولية المتعارف عليها. 

دافعنا الأساسي في هذا هو أن الأزمة الراهنة التي نواجهها في 
مصر لا تكمن في غياب الحلولء بقدر ما تنجم عن اكتفاء أهل المهنة 
بالفرجة على مظاهر الأزمة, في حين يُفضّل البعض تجاهلها وإنكارها. 
وفي مجتمعنا الذي غابت عنه الممارسة الديمقراطية,» وتفشى العقل 
المكابر والاستعلائي الذي يرفض الاعتراف بالخطأ أو نقد الذات» 
باتت الصدور تضيق بالنقد, حتى صارت أي ممارسة من ذلك القبيل 
خروجسً على الألوف. في ظل سلطة لا تتعرض عادة للمراجعة 
والمساءلة من جانب الرأي العام أو ممثليهء وهي بالتالي تتوقع من 
الآخرين أن يقتصر دورهم على الامتثال المقترن بالتصفيق والتهليل. 

وهؤلاء الذين بمالتون السلطة بدون وجه حق, هم أخطر عليها 
من الإرهاب والإهمال؛ إذ إن دوران الإعلام في فلك الدعاية الفجة 
هو الخطر الأكبر الذي يتهدد النظامء ويقوض أسسه من الداخل» 


-9- 


بعلم وسوء نية أو عن جهل وقلة وعي. . 

أما وقد كبر الخطر وتضخم وانتقل من سطح امجتمع إلى بعض 
أعماقه, صار التنبيه إلى تداعياته الكارثية أكثر من ضروري. إن.وقف 
تسميم الإعلام للمجال الغام مهمة لا تفريط فيها ولا تساهل معهاء 
وإلا فإننا سوف نغخسر قضية المستقبل. 

السؤال الحرج هو: من الذي سيدفع تمن خطايا الإعلام؟ 

حتى الآن تأي الإجابة قاطعة: ليس أولئك الذين تسببوا في 
الاأغيار. بل امجتمع ككلء الذي لم يتسبب في معظمه في هذا السقوط 
من قريب ولا بعيد. 

في إعلام هذا الزمان, صرنا أكثر ميلاً إلى خداع الذات منا إلى 
مواجهة الحقائق وسرد المعلومات. من ثم فإن إعلامنا أصبح يتحدث 
عما نتمناه وليس عما هو حاصل بالفعلء ؛ حيث ننهض ونستعيد قوتنا 
ومكانتنا في برامج ''لتوك شو" ونشرات الأخبار وعناوين الصحف» 
لكننا لم نعد على أرض الواقع. 

الا أريد أن أشغل القارئ في هذا ا ملوضوع عقدمة مستفيضة, وأود 
أن أخلي بينه وبين موضوع الكتاب سريعساء لكنني أعرف أن محتوى 
هذا الكتاب لن يعجب كل النائمين على سرير يقينهم الفكري 
والأيديولوجي, ممن يدافعون عن مكاسب ضيقة أو مصالح خاصة 
ترتبط باستمرار المشهد الإعلامي على صورته الخالية, ويظنون أنه 
ليس في الإمكان أفضل مما كان. 


- 10 - 


نعلم أن المواجهة,. خاصة في هذا التوقيت؛ تجر علينا الكثير من 
الانتقادات والاقامات, لكن الهدف واضح جلي والمقصد لا يخفى 
على أحد, خاصة أن كاتب هذه السطور عاش طوال حياته المهنية في 
غرف الأخبار وصالات التحرير والاستوديوهات وغرف التحكم. 

وندرك أن سطور هذا الكتاب ربما تغضب بعض العاملين في 
المهنة» لكن الضمير المهني ومصلحة الوطن والإعلام» أولويات تحتم 
اقتحام تلك المشكلة. 

إن الآراء والمقترحات الواردة في هذا الكتاب هي خطوة أولى نحو 
التصحيح والفهم الشامل لطبيعة التجاوزات التي تقع وسبل معالجتها 
بشكل سليم» بعيدًا عن أي تشنج أو تحيز أو حديث باسم مصالح 
خاصة ضيقة, وكلها من آفات العمل في المجال الإعلامي. 

وما الاجتهاد في الرصد والنقد. والاقتراح بالتجديد والتطويرء 
سوى نتاج ملاحظات باحث حريص على الالتزام بالموضوعية والدقة 
والمهنية؛ وتصورات صحفي درس المهنة ومارسها في مواقع تحريرية 
مرموقة في عدد من أكبر المؤسسات الإعلامية داخل مصر وخارجها. 

سيلاحظ القارئ أيضا بين السطور اهتمامنا الواضح برسم 
ملامح دليل السلوك المهني وسعينا إلى وصف وتحديد أخلاقيات 
المهنة» ومساعدة جميع العاملين على الوفاء بالمعايير العالية للتراهة 
الشخصية والمهنية المطلوبة منهم, مع إعطاء فكرة واضحة عن قواعد 
السلوك التي يجب اتباعها خلال عملهم. 

هذه هي سطورنا وشهادتنا وآراؤنا نضعها بين أيدي القراء, آملين 

-11- 


أن ننتفع بما تعلمنا وأن نتعلم ما ينفعنا. 
أرجو لكم قراءة تجمع بين الفائدة والمتعة. 


ياسر ثابت 
القاهرة 
3 فبراير 2015 


لم .| تقدمع ©ءء طهطاع.يع دمهير تاتقصسع 


20 


أكاذيب مهنية! 


"أتمنى أن يكون لدى مصب رمدرستها الإعلامية الخاصة التي تتسم 
با موضوعية والصدق والقيم الأصيلة التي نحبها جميعاً. حتى 
يقال إن الشعب ا مصري هو لأوعى في العالم. بفضيل تحركنا 
جميعاً وثي مقدمتنا الإعلام. ولذلك أقول مرارا الإعلام.. الإعلام.. 
الإعاذه"' 

وحده الساذج هو من يلتهم الطعام الفاسد رغم أنه شاهد عملية 
التحضير في المطبخ. 

هناك رؤساء تحرير صحف وكُتَابٌ في صفحات الرأي وأعمدة 
الصحف يتصرفون وكأنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة» وفي أوقات 
بعينها. تجدهم يعلقون على الأحداث ويفسروفا للآخرين من وجهة 
نظرهم, ليتحولوا في غمضة عين إلى قادة رأي. 

بعض كُتَاب الأعمدة الصحفية يبنون أسطورقم على المساحة 
الطولية القصيرة التي تقرب المسافات بينهم وبين القراء. يتحدثون أو 
يشرثئرون حول موضوعات مختلفة ويدلون بدلوهم في قضايا الساعة؛ 





7 محمد بصل, “السيسي": تشكيل مجالس شبابية في الرئاسة والحكوهة, موقع "بوابة 
الشروق" الإلكتروي» 8 سبتمبر 2014. 
-13- 


ويصبح .له مريدون. الأمر مغر . خاصة عندما يتم تبادل مقالات 
هؤلاء بالمئات والآلاف عبر شبكة الإنترنت باستخدام أجهزة 
الكمبيوتر والمهواتف الذكية. 

ربما لهذا السبب أصبح العمود الصحفي حلم وأمنية كثيرين» حت 
نحن لا ينتمون بأي حال مهنة الصحافة. تستهويهم فكرة المساحة 
البيضاء التي يسودوفها بحبر كلامهم وآرائهم. ويفضلوفا بطبيغة الحال 
على ثمارسة مهنة الصحفي. العمود الصحفي, من وجهة نظر هؤلا, 
هو المصعد الكهربائي الذي يصعد بهم إلى الطوابق العليا دونما حاجة 
إلى صعود سلم وظيفة الصحافة خطوة خطوة. 

وبدلا من البحث عن المتاعب والتحقيق في موضوعات بعينها. 
يُفضّل هؤلاء الاكتفاء بمشاركة آرائهم وتحليلاقم مع آخرين, على 
صفحات الجرائد أو من خلال ضغطة زر على هذا الموقع الإلكترو 
أو ذاك. 

ويبدو أن المسؤولين عن إصدار الصحف المصرية (وكذلك وسائل 
الإعلام الأخرى) قرروا زيادة المساحة المخصصة للمقالات 
والتعليقات (وامخاورات التليفزيونية)؛ إذ مادام حجم المسموح بمعر فته 
يتضاءل مع مرور الزمن؛ فلا بأس من التركيز على التعليق على ما 
نظن أننا نعرفه2. 


سس لل سس سس ب ببح 


2 د. حلال أمين بصائج لقراء الفتخف امصرية. حريدة “ميري البو القاهرة. 9 أتترير 2014, 


- 14 - 


إن قارئ .الصحف المصرية, حكومية أو غير حكومية, لا بد أن 
يستغرب بشدة من هذا الكم المائل ما تدشره من مقالات بالمقارنة 
بالصحف الأوروبية أو الأميركية, لكنها شهوة الكلام والإدلاء 
بالرأيٍ والدفاع عن أطراف وجهات بعينها بشكل صريح يقترب 
أحيانا من الفجاجة. 

باتت شهرة الصحفي مرتبطة بشكل أو بآخر بالعمود أو المقال 
الصحفي, وليس بالانفرادات المهنية أو الأداء الصحفي الكفء في 
صالة التحرير. نسبح في الآراء والتحليلات» ولا حقائق.. لا معايير 
مهنية» بل في معظم الأحيان "طق حنك" ربما يكون جيد الصياغة, 
لكنه بلا طائل. حكايات تشبه الثرثرة» وصواريخ موجهة لدسف 
أهداف وشخصيات وأفكار بعينها.. وأيقونات جديدة -ليست 
بالضرورة حقيقية- تتشكل كل يوم3. 

للإنصاف؛ فإن العمود الصحفي يعد من أرقى فنون الصحافة 
وكانت هناك أعمدة من نورء مثل "يوميات" أحمد يماء الدين وعمود 
كامل زهيري "من ثقب الباب" تضيء وتشير إلى اتجاه واحد. الآن 
بعض كتاب الأعمدة يتصرفون تصرف فتاة ليل تقف على ناصية 
شارع» ترسل الإشارات في كل اتاه بحسا عن مشتر. 

في زمن مضى, كان العمود الصحفي احتكارًاء ثم أصبح احتقارًا 
(مثال عمود يوميات أحمد بماء الدين: الذي احتله إبراهيم نافع)» قبل 





3 داليا شمسء خلم العمود» جريدة "الشروق”: القاهرةء 29 ديسممر 2013. 


-15- 


أن نشهد احتضارًا للعمود الصحفي.. وقس على أمثلة الحاضر ما 
تشاء. 

أصبح العمود الصحفي تام كما برامج ج "التوك شو" - 
"فرصة" للحديث المرسل وكيل الاقامات والنيل من معارضي النظام 
وإلصاق اقامات متنوعة يُم, ب يقة لا تنحمي إلى لغة العصر ولا تُعبر 
بأي حال عن التحضر. 

من الخصائص الطاغية على النقاش العام والبث الإعلامي في مصر 
اليوم -كما تدلل عليه الصحافة والقبوات التليفزيونية ومحطات 
الإذاعة العامة والخاصة- تغييب المعلومات والحقائق» والصراخ 
والمزايدات» والاستخفاف بقيم الموضوعية وقبول الرأي الآخر دون 
تخوين أو تشويه أو تشهير, مع موجات متتالية من العراك الإعلامي 
حول قضايا تصطنع أ*ميتهاء وتجاهل تام لأمور جوهرية مثل انتهاكات 
الحقوق والحريات المتراكمة وأحكام الإعدام الجماعية. 

أخذ الصراخ الإعلامي يرتفع إلى حدود لا تطاق والأفكار 
الجديدة تتراجع إلى حدود لا تحعمل. 

سمعنا أصوات المحرضين ن والمرايدين بأكثر من أصوات الباحثين 
والمحققين. فالأولون 8 إجابات جاهزة في الموضوع (وربما في كل 
موضوع آخر). في حين أن الأخيرين يسألون أكثر مما يجيبون ويتأنون 
في إصدار الأحكام والتقييمات, حتى تتوافر لديهم المعلومات 
الصحيحة والمقنعة. 

إن شئت فقل إن الآراء والتعليقات أخذت تتوسل بالعضلات 

-16- 


وليس بالعقل؛ وبالتخمين والتكهن لا بالمعلومات. 

هكذا تورط صحفيون وإعلاميون وكُتّاب رأي في عمليات تزييف 
وعي الناس2 وافتعال لحظات "هوجة إعلامية" متكررة يعتاش من 
يعتاشون عليها إما على خبر أو حدث أو رأي لكي يعيدوا إنتاج 
ثنائيات "مع" و"ضد " المختزلة ويصطنعوا الفواصل الواهية بين الخير 
والشر دون كثير اهتمام بكون الأخبار غير دقيقة والأحداث مقتلعة 
من سياقاقا والآراء مجترأة لأغراض التعريض بأصحابها. 

والحوار الذي يُفترض أن يكشف جوانب الرأيء لم يعد إلا 
صراخحً وعنتريات وإسفافًا وتخوي ومصادرة للرأي بغير دليل. 
وما يُفترض أن يكون خوان سلينا تحول بفضل البهلوانيات 
التليفزيونية إلى معارك كلامية مملوءة بقذائف الفاحش من القول 
والتنابذ بالألقاب والقذف والقدح العلني في الأعراض والأنساب» 
فضلاً عن البذاءات التي لا توفر شرف أو معروفا. 

ليس مطلوسًا ولا مقبولاً التضبيق على حرية التعبير» أو كبت 
الصحافة» أو خفض سقف الحريات أمام وسائل الإعلام, ولكن عندما 
تخرج حرية التعبير والإعلام عن الحدود المهنية في الأخبار والإعلام 
والاستقصاء والتحليل والترفيه. فلا بد من وقفة لإعادة الاعتبار 
للحرية المسؤولة. 

الدول المتقدمة ليس عندها صحفي زاعق يصرخ في الناس ويهين 
المسؤولين بدعوى الدفاع عن الوطن, أو مذيع ينتهك حرمات الناس 
ويستبيح أعراضهم بذريعة يحب الوطن؛ أو كاتب صحفي جاهل 

-17- 


يكذب دائمً دون عقاب في عموده الصحفي بحجة أنه يحب 
الوطن. 

الأسوأ من توظيف الإعلام في تلميع المسؤولين ومداهنتهم؛ أن 
يستهدف التوظيف معارضي النظام ويعمد إلى رميهم بالباطل؛ إذ 
بموازاة الشواهد التي أشرنا إليها توّاء فإننا نجد تنافسا أشد . 
الإعلام على كيل الاقام للمخالفين بما يؤدي إلى اغتيالهم افيا 


وأدبيا. فهم بين متهمين بالانتماء إلى الطابور الخامس, أو منخرطين 
وضالعين في الخيانة والعمالة4. 

هذا الانفللات الإعلامي ليس سوى كارثة تنفر أكثر ثم تجذب 
خاصة في ظل غياب المهنية» والميل إلى المبالغات التي تمارس مزايدات 
على مواقف السلطة وتستبيح حقوق الإنسان بدعوى أن ضرورات 
اللحظة تفرض ذلك. 

القضية هنا هي أن التليفزيون يغمرناء ونظرًا لكمية ونوعية ما 
نتعرض له منه فضلاً عن قوة هذه الوسيلة, فإن قطاعا لا يستهان 
به من الجمهور يقعون تحت تأثيره؛ لأن هذا الكم يعجاوز قدراهم 
النقدية وقدرقهم على التفكير الواضح واتخاذ قرار عقلابي. وفي هذا 
الصدد نتذكر كتاب تود غيتانٍ مذاء61 7000 حول وسائل الإعلام 
والذي يتضمن عنوانً فرعي مغيرًا للاهتمام: "وسائل إعلام بلا 
حدود: كيف يكتسح سيل الصور والأصوات حياتنا"5. الاستعارة 


4 فهمي هويدي؛ عن مديح الموالين وهجاء الآخرين: حريدة "الشروق” القاهرة. 28 إبريل 2014. 


5 0مرناه5 لمق كعمه3مما أه أمعمعه؟ عط يوط تلع ]طامنا هألع/85 ,مأاغ)أ© 17000 
.109-10 .صم ,2001 ,رككاهه8 صوأأامممئغعال/ا تعاعملا بيعلا ركعلانا 006 كماعط ممع 0 


- 18 - 


التي يتضمنها هذا العنوان توحي بأن وسائل الإعلام عبارة عن فر 
جارف يحمل الجميع معه. فما بالنا إذا كنا نتحدث عن فمر من 
الأفكار المضللة والتي تقدم لنا عن طريق التلاعب والعاطفية صورة 
مشوهة للواقع أو معلومات محرفة تفتقر إلى الدقة أو الموضوعية ولا 
تتحلى بروح المسؤولية الاجتماعية وتساهم في خلق وعي زائف 
بالأشياء والأحداث! 

مع تطورات الزمن, صارت الصحافة واحدة من وسائل الإعلام, 
وليست أقواها انتشارًا وتأثيرًا. 

برزت تحديات جديدة, في ظل التقدم المذهل الذي تحقق لوسائط 
الإعلام والتواصل الاجتماعي (الفضائيات» والمواقع الإلكترونية؛ 
وخاصة مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وَتُويتر.. إلح). نقول 
هذا ونحن نرى أن القلق مبالغ فيه عند الوسائل التقليدية» من صحف 
وتليفزيون. من تبدلات المستقبل» وطغيان التقنية' البديلة» فهو لن 
يقتلهاء بل أجزم أنه سيزيدها معانا طالما أفها تشارك فيه. إن أكثر من 
خدم وسائل الإعلام التقليدية» ودعمهاء ونقلها إلى مجرات فضائية 
أبعد, هو الإعلام التواصلي الحديث نفسه. الذي كنا نظن أنه الخنجر 
المسموم. 

حدث التغيير لكن البعض استمسك بأدواته القديمة. 

البعض انتقل بفكرة العمود الصحفي من الصحافة المطبوعة إلى 
الصحافة المرئية. 0 


هكذا أصبحت شاشات التليفزيون متخمة بصحفيين وسياسيين 


- 19 - 


ونشطاء ودعاة وفنانين ورياضيين وأذناب مؤسسات أمنية, من يرون 
في التليفزيون ببريقه الوهاج ساحة الناجحين, الذين يصنعون الحدث 
بالصورة. ويصوغون العواطف وامعان المتخيلة» بالصورة أيضا. 

رأى هؤلاء أن التليفزيون أهم وأولىء فهو الأكثر جاذبية 
واستقطابا للجمهور, ومن لا يظهر فيه كأنه غائب عن الحياة 
العامة6. هكذا انتقل نجوم الصحافة المطبوعة من الورق وأحباره 
ومطابعه إلى الشاشات وكاميرات التليفزيون وأضوائهاء وانضموا إلى 
آخرين قادمين من عوالم تليفزيونية مختلفة أو غير تليفزيونية وكانوا 
حاضرين وجاهزين للمشاركة: يسري فودة وشريف عامر ومعتر 
الدمرداش وتامر أمين وإيمان الحصري وعزة مصطفى وأسامة كمال 
وأسامة منير ولبنى عسل وخالد أبو بكر وغيرهم. 

في غياب السياسة تقدم الإعلام لملء الفراغ: وسادت الفضاء 
العام صرخاته,. حيث اندفعت التعبئة الإعلامية إلى ما يقارب 
الحستيريا. في هذه الأجواء الإعلامية المحمومة تسربت الثقة العامة على 
نحو كاد يوحي أننا أمام انتكاسة سياسية وأمنية. 

في مثل هذه الأجواء. بلا سياسة ترشد وتطمئن تكشف الحقائق 
وتصنع التوافقات العامة؛ أفلت كثيرٌ من الكلام في وسائل الإعلام إلى 
التعريض العلني بالمخالفين في الرأي أو ممن يحتفظون بأفكار مستقلة 
ليست بالضرورة متفقة مع رؤية السلطة وممارساتها. 


6 دلال البرري؛ مصر ضد مصرء دار الساقي؛ بيروت؛ 2009: ص 11. 


-20- 


هكذا احتل التليفزيون مكان الحزب السياسي» وأصبح 0 
بين المواطن والسياسة, وتحول بفعل فاعل إلى أحد أشكال الدعاية 
السياسية وتعبئة الرأي العام لما يخدم مصالح أفراد وجهات ومؤسسات 
ذات صلة بالنظام أو رجال الأعمال, أو الاثنين معا. 

تعبئة شعبوية مبنية على الحشد العاطفي واستدعاء الجو النفسي 
لمراحل تاريخية مضت.ء بطريقة دعائية فجة لا علاقة لها بقواعد العمل 
الإعلامي المتعارف عليها دولياء بما يؤكد أننا في مرحلة صارت 
0 محاولة تسيير بحر السياسة فيها عبفاء وانتظار الشراكة وهم مع 
سلطة تعتمد على الأمن والإعلام للنيل من معارضيها وقميشهم, 
ومطاردقم بالتشويه والتخوين وحملات الاغتيال المعنوي الممنهج. 

هيمنت أسراب طيور الظلام على الإعلام وارتفع ضجيجها 
الناشر لسموم التخوين والتشويه مع ادعاءات جوفاء لاحتكار حق 
الحديث باسم الوطنية المصرية. 
00 حشود كتاب الأعمدة الصحفية,» تحتل الآن مقار قنوات 

التليفزيون في مدينة الإنتاج الإعلامي في مصر. الوجوه التي استولت 
على مساحات على الورق, تتباهى بكرم القناة في فائض الوقت 
الممنوح لهاء كي تملا الأثير والشاشة الفضية بآراء وأحكام قاطعة, 
حيث اللسان يأخحذ مداه مع نزر يسير من المعلومات» علمم بأنه له 

كم هي مؤسفة تك الخفة التي نعامل با المعرفة! 

هكذا تواطأ كْتَاب أعمدة مع مقدمو برامج تليفزيونية لا بمتلكون 

21 سه 


الكثير من الأفكار ولا يجيدون إلا التعريض بآخرين, إما طلبًا لشيء 
من الاهتمام العام أو أملاً في أن يلعفت أحدّ في دوائر الحكم واللقود 
والمال أو في أي من مؤسسات وأجهزة الدولة إلى "الخدمات الرائعة 
التي يمكن أن يقدموها لاغتيال المعارضين معنويا وشعبيس. 

بمارس هؤلاء سياسة النفخ في الذات بلا هوادة» حتىق 0 
أحياناء ويُعلقون على الأحداث بطريقة "قلت هذا قبل أن يحدث 
أو "هذا ما حذرت منه قبل فترة" »؛ ويتحدثون بنرجسية عن مواقفهم 
وآرائهم وتاريخنهم؛ ليُخلصوا إلى فكرة أن الذين "يشتموفم" معبأون 
ضدهم لأفهم "ناجحون"؛ تام كما يسبغون على أصحاب السلطة 
والنفوذ المالي والسياسي صفات التفخيمء وينهالون اقرع على 
خصوم هذه السلطة. 

يتحدث بعض هؤلاء الكتبة ومُقدمي ع قار عمن 
يخالفوفهم في الرأي. من الشخصيات الوطنية النبيلة» بطريقة هكمية 
سوقية استظرافية مبتذلة» ويطلقون مدفعية التجريح وسيل الإهانات 
والبذاءات ضد المخالفين. فعندما يتحدثون عن النشطاء السياسيين 
يكتبوفها أو ينطقوفها "النشتاء", ويسمون المناضلين الحقوقيين 
'الحكوكيين", ويصفون من يتحدث بوطنية وإخلاص من قلبه 
ب"النحانيح".. ألفاظ لا يدري أحدٌ من أي مُستنقع آسن 
استخرجوها ونشروها. 

تورط هؤلاء في وصلات الخوض في الأعراضء التي قدمها 
مذيعون ضد كل من يختلف معهم. بدءا من الفتاة. التي عراها جنود 


-22- 


عام 22011 عندما خرج توفيق عكاشة ليشرح ملابسها الداخلية 
بالتفصيل2 ومرورًا بقائمة الاقامات بالتخوين والعمالة والطابوز 
الخامس التي "يرصها" أحمد موسى في برنامجه التليفزيوي ضد المخالفين 
للنظام, وانتهاء بمقالات محمود الكردوسي التي لا تخلو من أوصاف 
مثل الكلاب. المرتزقة» فئران المراحيض, الجزم القديمة, في وصف 
"الإخوان المسلمين" وثوار يناير. مع دعوات متكررة للفاشية» وسحق 
المعارضين.. لخ. 

الغريب أن هذه الشتائم والإساءات -التي تندرج ضمن فئة 
الدعاية السلبية التي تركز على الخصم بدلا من الشخص محل 
التأبيد7- انتشرت بشكل مُقزز في تعليقات كثير من مستخدمي 
شبكات التواصل الاجتماعي من أفراد يفترض أنهم متعلمون وذوو 
مراكز محترمة, والأغرب أنهم يطلقوها بتهكم على كل من ينادي 
بعقد جديد مع النظام الحاكم أساسه -كما هي. الخال في البلاد 
المتقدمة المخترمة- سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وتحقيق 
الدبمقراطية الحقيقية والمساواة والعدالة الاجتماعية8. 

يظهر هؤلاء على الفضائيات الخاصة التي بملكها بعض 
مليارديرات عصر مبارك الذي أسقطه الشعب, ويتهافتون على كيل 
المديح للرئيس وادعاء حُبٌ الوطن والخوف على أمنه والبالغة في 


7 ارملا معل؟ ,ععتعطواع عطء مز ومتوتمعد4م لمععتامم بأءزلمم دلمممعع30-5 رممعا عباوق ممالل 


.208 .م ,1989 عوعمةم 


8 د. طارق الغزالي حرب, يسفهون البادئ ويمسخون الكلام.. ما أتعسه من إعلام جريدة “المصري اليوم", 
القاهرة؛ 14 إبريل 2014. 


-23- 


إظهار الولاء للجيش والأجهزة الأمنية بطريقة تثيلية» "لا يمكن أن 
تكون مبررًا للتجاوز عن كل القيم الأخلاقية النبيلة والأعراف 
الإنسانية السليمة» وأن يكون هذا في إحدى أهم وسائل الإعلام 
وأكثرها انتشارًا وهي التليفزيون"9. 

اللافت للنظر هو أن هوية المتورطين في القصف الإعلامي الذي 
يرمي إلى تزييف وعي الناس» ويعمد إلى تبرير مواقف السلطة وتخوين 
كل من ارتبط بمطالب الديمقراطية والعدالة الاجتماعية؛ تكاد تتطابق 
مع هوية الذين روّجوا وبرروا لتشويه ثورة يناير 2011 وللخروج عن 
الديمقراطية ولانتهاكات الحقوق والحريات. هي ذات الأسماء والأقلام 
والوجوه التي وظفت لإنجاز المرحلة الأولى من إعادة عقارب الساعة 
إلى الوراء وتزييف الوعي - مرحلة التشويه والتخوين وربط إنقاذ 
مصر من أزماتًا بالمؤسسة الوحيدة القادرة (المؤسسة العسكرية) 
وبالبطل المنقذ (وزير الدفاع السابق), تم توظيفها لإنجاز المرحلة الثانية 
من تزييف الوعي - مقايضة الخبز والأمن بالحرية واختزال الوطن 
وقضاياه في شخص واحد والتبرير طويل المدى للابتعاد عن الحق 
والعدل والحرية تحت لافتتّي "مقتضيات الحرب على الإرهاب" 
و"ضرورات المرحلة"10. 

هكذا عاد الإعلام والرأي الواحد الذي كان سائدًا بعد أزمة 
مارس 1954. اصطف العاملون في الإعلام في طريق واحد إما لمدح 
النظام أو الهجوم على أعدائه. 





9 د. طارق الغزالئي حرب, إعلام مُنحط لا يليق بعصرك سيادة الرئيس؛ جريدة “المصري اليوم", القاهرة. 12 


سبتمير 2014. 
0 د. عمرو “مزاري, مرحلة جديدة من تزييف الوعي؛ جريدة "الشروق"؛ القاهرة. 27 إبريل 2014. 


- 24- 


الشاهد أنه بعد أربع سنوات على ثورة 25 يناير» مازالت مصر - 
تكافح قطاع الإعلام السلطوي والقيود على حرية التعبير. فلم تنتهر ١‏ 
أنظمة ما بعد الثورة الفرص لإصلاح إعلام الدولة والإعلام الخاص» ' 
وجرى التحرش بالأصوات المنتقدة وهميشها بواسطة الجهات الفاعلة 
التابعة للدولة وغير التابعة لها. 

اتخذت الأنظمة المصرية المتعاقبة بعد الثورة خطوات للحد من 
حرية التعبير والتحكم في رواية التغطية الإعلامية المصرية. الأمل في 
قطاع إعلامي أكفثر احترافية حطمه الجهاز الإعلامي التابع للدولة 
الذي دعو بن من أجل كل النيات والأغراضء النظام الموجود في 
السلطة أيبا ما كان, والنافذ الإعلامية الخاصة الخاضعة لنفوذ 
أصحابما الأثرياء الذين تربط معظمهم علاقات مع نظام مبارك» 
والاسقطاب الحاد بين المنافذ الإعلامية الإسلاموية وغير الإسلاموية.. 

. كان للإعلام الاجتماعي دور رئيسي في ثورة 5 ينايرء ووفر هذا 
1 قنوات للتعبير عن الرؤى النقدية, متحديا الكيانات الإعلامية 
الراسخة؛ ومنظما الجماهير ضد الحكومة. 

أصبح إيجاد مكان للأصوات الناقدة في منافذ الإعلام الراسخ أمرًا 
شديد الصعوبة. فقد أيد جزء كبير من الإعلام المصري بقوة رواية 
النظام القائم منذ قرارات 3 يوليو 2013: حتى إن عادل إسكندر 
أستاذ الإعلام في جامعة جورجتاون الأميركية يقول إن "معظم وسائل 
الإعلام المصرية تضبط نغمتها إلى حد كبير مع الجيش.. بإرادتًا وعن 
قناعة منها. إذا كنت مع الإخوان المسلمين» فإنك تكون كما لو أنك 


-25 


المؤوسف أن غياب الموضوعية والعقلانية والتوازن عن امجال العام 
في مصر ليس مرتبطا بمجرد حضور مروجي الحل الأمنى كحل 
وحيد ني مواجهة الإرهاب والعنف وبتعالي أصوات المطالبين بثلائية 
الإبادة/التصفية/الفرم وأنصار تجاهل مقتضيات العدل وسيادة 
القانون, بل للغياب هذا علاقة سببية مباشرة بسيطرة الأمنيين, 
وأتباعهم شبه المطلقة على لمجال العام عبر وسائل الإعلام وتنكيلهم 
المستمر برافضي الانزلاق إلى هستيريا العقاب الجماعي. 

تكاد تغيب الأصوات المعارضة من الصحف والبرامج 
التليفزيونية, كما أغلقت الحكومة المنافذ التابعة للإسلاميين. وإذا 
كانت وسائل الإعلام تمارس هذه الدكتاتورية, فإننا ذكر بما قاله 
المستشار عوض المر؛ رئيس المحكمة الدستورية الأسبق من أنه "لا يجوز 
لأحد أن يفرض على غيره صمس ولو كان معزرًا بالقانون"12. إن 
حرية التعبير» بل والحرية المطلقة للتعبير, ليست دعوة طوباوية؛ وإغا 
هي واقع معيش تؤْكده بعض العجارب الدستورية الناجحة, وتؤكده 
التطبيقات التكنولوجية التي أفرزت البث التليفزيو المباشر وشبكة 
الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعي, الأمر الذي أدى إلى تسهيل 





1 كهاا مدهت بممعناتلا ع عملم عمامم مع وزع واومطليا تون أل عاة لاممعطعنا مع بعمبروع م“ رالتتا ممع 


3 ,7 معطو 0 بقع امع دم معععههز الى ”ركيوتاهدنه[ ,ه) اكع نا وبامرع جم ميه0 م عومعمع 

سل سلف سررم معطو ممست جوع 2013/10/7/10إعع عند / مم ديع ععدز لايع سيد /نمعنا 

2 د. محمد محفوظ: كسر الأقلام وقطع الألسنة: حرية التعبير بين القيود المسبقة واححرية المطلقة» مجلة “تشريع" 
غير الدورية, العدد الأول مركز هشام مبارك للقانون, القاهرة إبريل 2012 ص 46. 


-26- 


مهمة المطالبين بكفالة حرية التعبير؛ وتصعيب مهمة الذين يعمدون إلى. 
كبتها ومحاصرقا. 

مازالت منافذ الإعلام الاجتماعي تمثل منيرًا للآراء التي كانت 
ستصبح مهمشة لولاها. ومع أن المنابر الإعلامية الاجتماعية مستقطبة 
كذلك, فهي توفر واحدًا من منابر قليلة يسعى فيها الناشطون إلى 
خلق أرض وسط يمكن أن تعبر عن آرائهم وتوثق انتهاكات حقوق 
الإنسان13. 

أصبحت الريعة لمعتادة في الإعلام ومنابر أخرى لدعم النظام 
ذي الطابع الأمني هي الذريعة نفسها التي تم استخدامها لدعم نظام 
الرئيس الأسبق حسني مبارك حتى سقطء وهي أن "مصر تحتاج إلى 
الاستقرار" رغم أن الولايات المتحدة نفسها ادعت قبل أسبوعين 
فقط من الإطاحة بيظام مبارك, على لسان وزيرة خارجيتهاء هيلاري : 
كلينتون: إن "مصر مستقرة". 

تعالت فيهات دير من أن تكون البداية بالاستبداد الفكري مع 
تصويره على أنه سلمي, ولا يمس إلا المثقفين» لينتهي بنا الأمر 
بالاستبداد السياسي العنيف الذي يعم الخاصة والعامة. فالاستبداد هو 
الاستبداد على اختلاف أنواعه. وقد يربي في المستبّد به عقدة الخوف 
إن لم تكن لدية الشجاعة الكافية لمقاومة الاستبداد. وقد ربي لديه 





3 بموعساميهه اه عولنقة عل مذ دتقلءع0ة ونامبروع بدااسلطة مطممة عتوعميف عه) عمعص مولع 
.4 ,16 براتز رععقء6 امممتعقهمععها 


مقي طارم هناد ادمع موقت منسم الع مح مبييء/2014/07/16 ممع سو لمع يع معف مك8 


27 سم 


عادة النفاق أن يتحول الخطاب السياسي الإعلامي إلى خطاب 
كاذب. يقول باللسان ما لا يعتقد بالقلب14. 

في مصر اليوم ينهار الاستقلال المهني والمالي للإعلام» إن بسبب 
التورط في ثنائية تأييد الحكم وخدمة السلطان في مقابل الحماية ' 
والعوائد المادية والمعنوية أو بسبب التورط في شبكات رؤوس الأموال' 
الخاصة المالكة لوسائل الإعلام والخر والدعاية والممولة لبعض. 
الأحزاب والمجموعات السياسية» علما بأن التداخحل العضوي بين 
الحُكم أو السلطة وبين رؤوس الأموال الخاصة / الثروة في تصاعد 

والحاصل أنه بعد سقوط مبارك استمرت شبكته في السراديب» 
بينهم رجال أعمال وموظفون وضباط.. وهؤلاء خرجوا من 
السراديب وأقاموا قنوات تليفزيون وسوققً لعجارة التسجيلات التي 
تمت منذ ه؟ يناير إلى لحظة اقتحام مبنى جهاز أمن الدولة. 

هذه الشبكات تدشر رواياها المضللة» لا لكي يخرج مبارك من. 
السجن؛ ولكن ليعودوا عبر خروجه إلى الظهور العلني.. ويرسخوا 
رواياقم السقيمة البائسة عن "المؤامرة" التي وقعت يوم 25 يناير. لا 
يستقيم عقليا -على سبيل المثال- أن تتحدث التعديلات 
الدستورية التي تم الاستفتاء عليها عن مرجعية ثورة 75 يناير 
ويتحدث رئيس 0 المنتخب عن ثورة 55 يناير بوصفها ثورة 
الشعب. ثم يخرج علينا مقدم البرامج أحمد موسى ليقود حملة توقيع 





4 د. حسن حنفيء دفاعًا عن حرية الفكرء جريدة “المصري اليوم", القاهرة» 6 مارس 2014. 


- 28 


للمطالبة بإعدام .الخونة الذين خرجوا في 75 يناير لقلب نظام الحكم 
وتقويض الدولة. 

الواقع يقول إنه في السنوات التالية لثورة ينايرء أطلقت قنوات 
خاصة في مصر هي في جوهرها مجرد هياكل بلا عمق» ولا قواعد 
راسخة. جرد شكل فارغ يبدو للئاس من الخارج؛ وليست قنوات 
بالمعنى المفهوم للكلمة إعلاميا. أما التليفزيون المملوك للدولة في 
مصر. فقد بدا محدود التأثير» في ظل إضعافه على مدار سنين طويلة) 
وتفريغه من كوادره وعناصره القادرة على العمل الإعلامي الحقيقي» 
فضلا عن شبهات الفساد وإهدار المال العام التي تتحدث عنها تقارير 


مهدت تلك الأجواء لانتشار ظاهرة المذيعين ومُقدمي البرامج 
التليفزيونية الذين تحولوا إلى نشطاءء يوجهون الرأي العام ويعظون 
المشاهدين كل يوم بآرائهم في مختلف القضايا العامة. حتى صاروا هم 
مقدمو البرامج وهم الضيوف وهم السائلون وهم الجيبون وهم 
المذيعون وهم المعقبوت. : 

استسهل هؤلاء قوالب الكلام وسلاح التعبئة والتجييش والخطابة 
المتشنجة, وأهملوا التغطيات الإخبارية المتنوعة, والتقارير الرصينة» 
والأفلام الوثائقية» والحوارات الموضوعية الحادئة» وكل فنون "الصنعة 
المهنية". 

وبسبب تواضع معارفهم ومحدودية قدراتهمء فإنهم أساؤوا إلى 
المهئة بقدر ما أساؤوا إلى مصر. تحولت هذه الظاهرة إلى وباء أصاب 


-29- 


الأغلبية الساحقة منهم. صار خطاب "الردح" المقنن والمعالج . 
تليفزيونيا في برامج "التوك شو" لغة تستخدم من جانب الأغلبية 
الساحقة في مواجهة جميع المخالفين» سواء كانوا رمورًا سياسية أو 
ثقافية. 


ما كان من هؤلاء إلا تقديم المبررات لافهيار أهمية النخب الحزبية 
والسياسية بالترويج لترشح وزير الدفاع السابق للرئاسة عبر توظيف 
مقولات "مرشح الضرورة" و"رئيس الضرورة والإنقاذ والخلاص" 
و"مقتضيات المرحلة", وبصياغة مقارنات واهية بين ترشح عسكريين 
سابقين للرئاسة وللمناصب التنفيذية في دول استقر بما تداول السلطة 
ورسخخت القواعد الدستورية الديمقراطية وبين ترشحهم في مصر 
البعيدة عن ذلك. 

عمد هؤلاء إلى إسقاط التمييز العقلاب والرشيد بين ضرورة 
الدفاع عن الدولة الوطنية والحفاظ على تماسك مؤسساقا العسكرية 
والأمنية التي يضيرها التورط في شؤون الحكم أو السلطة وهي تواجه 
أخطار الإرهاب والعنف والأوضاع الإقليمية المتفجرة, وبين توظيف 
الخوف على الدولة وأخطار الداخل والخارج التي تواجهها لتبرير 
مقايضة الأمن بالحرية واصطناع شرعية لانتهاكات الحقوق والحريات 
ولتمرير قوانين وتعديلات قانونية قمعية الجوهر - كقانون التظاهر 
وإلغاء الحد الزمني الأقصى للحبس الاحتياطي15. 





5 د. عمرو خمزاويء لماذا لا تجرون الخنط على استقامته؟ جريدة "الشروق" القاهرة» 4 سبعمبر 2014. 


- 30 - 


بل إننا وجدنا منظومة إعلامية -في مقدمتها عددّ من أبرز مقدمي 
البرامج التليفزيونية- تمارس العزف على أنغام التخوين والتشويه 
الزائف للأصوات والمجموعات المدافعة عن الديمقراطية كأعداء للوطن 
وللدولة وللمجتمع» في حين أن هذه الأصوات ولمجموعات تبتغي 
الانتصار للوطن المتقدم وللدولة العادلة ويجتمع التسامح والتعدد 
والسلم الأهلي بالديمقراطية والحقوق والحريات وليس بغيرها. 

إذا وسعنا الدائرة فسنجد أن المشكلة لدى الإعلام المصري تكمن 
في رسوخ فكرة استباحة الآخر المغاير والمخالف. سواء كان في 
الداخل أو الخارج. ذلك أننا نشهد تلك الاستباحة مع المخالفين في 
الداخل تماما كما تشهدها مع المخالفين في الخارج. والقاعدة 
الحاكمة لذلك الموقف هي أنه "لا كرامة لمخالف". وحين يكون الأمر 
كذلك فإن الباب يصبح مفتوحا على مصراعيه لمختلف صور 
التجريح والتجاوز والاستباحة16. 

إن حملات الهجوم الجماعي للإعلام العام والخاص على منظمات 
المجتمع المدني والجمعيات الأهلية والأحزاب السياسية في مصر تسكت 
عن كون هذه الكيانات هي المنوط يما حماية المجتمع من حُكم الفرد 
وصون حقوق المواطن وحرياته» والتعبير عن تفضيلات ومصالح 
القطاعات الشعبية المهمشة والضعيفة والمغيب صوقا؛ لأنها لا تملك 
من الموارد الاقتصادية والمالية ما يمكنها من ذلك أو لأنها تخشى القهر 
والقمع. 





6 فهمي هويدي» يعبرون عن أسوأ ما فيناء جريدة "الشروق"؛ القاهرة» 28 يوليو 2014. 


-31- 


ويوضح جيفري شوير نقطة مهمة في هذا الصدد؛ إذ يقول: 

"من البديهي في عصر الإعلام المهيمن أن التليفزيون قد اغتصب 
إلى حد كبير الدور التقليدي للأحزاب السياسية. تتدفق السلطة على 
أولئك الذين يسيطرون على موجات الأثير (أو الذين يمكنهم شراء 
مساحة عليها)"17. 

في السيرك المنصوب,؛ رأينا هستيريا التعريض الإعلامي بميئات 
حقوقية عالمية كمرصد حقوق الإنساك (طاععهلكا ععطونه ممصدسل) 
ومنظمة العفو الدولية (لههمهأغهممعغه! بودعددمم) بعد تقارير سلبية 
بشأن أوضاع الحقوق والحريات في مصر وبصحف غربية مثل 
"نيويورك تايمز" الأميركية (11065 01لا سعلح) بعد افتتاحيتها 
الناقدة لقضايا الحُكم وللأوضاع السياسية والمجتمعية» وكيل الاتمامات 
الزائفة بالخضوع لنفوذ الإدارة الأميركية والحكومات الغربية الأخرى 
بل وبالعمالة للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين وللأموال 
الطائلة» التي تغدق على محامين دوليين وصحفيين مرموقين» تسكت 
عن كون هذه الهيئات والصحف تتمتع باستقلالية تامة إزاء الإدارة 
الأميركية وغيرها من الحكومات ولا تعد تقاريرها أو افتتاحياهًا أو 
مقالاتها وفقا لأهواء ومصالح ممولين متوهمين18. 


7 باعولا بعلم ,لمنايطا مم معدم عطء لمة مولدأبماء1 نوعاعه5 عئعز8 لمنه5 ع1 عبعطعك برعماعر 
.29 .م ,1999 يدبعرمق وتلل عطواع والد/لا نمع 


8 د. عمرو خمزاوي, صخب السلطوية الجديدة» جريدة "الشروق". القاهرة, 11 أكتوبر 2014. 


-32- 


امتد الأمر ليشمل زعماء ورؤساء دولء ولم تنج بعض الشعوب 
من ذلك رحدث ذلك مع الجزائريين والفلسطينيين والمغاربة). هكذا 
أغلقت رانيا بدوي؛ مقدمة برنامج "في الميدان" الحاتف في وجه السفير 
الإثيوبي في القاهرة, بعد مشادة حول إدارة السدود., واشامه لما 
ب"عدم الفهم", واقمت أمابي الخياط في برنامج "صباح أون" 
الشعب المغربي بممارسة الدعارة تحت شعار الترويج للسياحة لدعم 
اقتصادهاء قائلة إنا من الدول التي تحتل مراتب متقدمة في الدول 
المصابة عرض الإيدزء وقالت حكمت عبدالحميد المذيعة بالتليفزيون 
المصري تعليقا على العدوان الإسرائيلي على غزة "وإحنا مالنا!". 
وطالبت حياة الدرديريء المذيعة بقناة "الفراعين", الجيش المصري 
بضرب قطاع غزة» وهاجم توفيق عكاشة مذيع قناة "الفراعين" أهالي 
غزة؛ ورفع لهم الحذاءء قائلاً: "لا يوجد يما رجلء ولو يما رجال كانوا 
عملوا ثورة على حماس". ووصفهم بألفاظ غير لائقة19. 

هذا المشهد يستدعي مشكلتين» إحداهما في الإعلام والثانية في 
السياسة, ذلك أننا يجب أن نعترف بأن ما سمي بالانفتا ح الإعلامي 
ودخول القطاع الخاص في ميادينه المختلفة وسع كثيرًا من دائرته 
وجذب إلى المهنة أطرافا لم تكن لا علاقة يماء في غيبة ضوابط 
ومؤسسات تحمي المهنة وآذايما والعاملين بماء فإن ذلك أدى إلى 
انفراط العقد وتآكل التقاليد وتغييب المعايير. بحيث أصبحت شروط 
الالتحاق بالإعلام يحددها صاحب رأس المال وليس الجهة المسؤولة 


9 أحمد عبدالرحمن, بالفيديو.. إعلاميون يصنعون أزمات دبلوماسية للدولة, موقع "اليوم السابع" الإلكتروي؛ 24 
عوليو 2014. 


2:33: 


عن المهنة. ومن ثم أصبح بوسع أي أحد أن يصبح كاتا أو 
صحفيا أو مذيعا أو مقدم برامج أو محللاً سياسيسًا. وصار 
بمقدوره أن يجمع بين كل تلك الوظائف ويؤديها في نفس الوقت. ولم 
يعد مستغربا أن يصبح أيضا مندوبا للإعلانات. أما الشروط 
الواجب توفرها في الشخص فهي متروكة لصاحب رأس المال؛ الذي 
تظل عيناه على ما يحققه من ورائه من كسب سياسي أو حصيلة 
إعلانية. وترتب على ذلك أن بند المستوى الثقافي لم يعد مدرجا 
ضمن شروط الالتحاق بالمهنة20. 

السياسة دورها أكبر وأخطر. لأنها منذ أدركت خطورة التأثير 
الإعلامي. فإنها قررت أن تكون حاضرة في ساحته بقوة. وصارت 
تخوض معاركها بأجهزقًا الأمنية الضاربة من ناحية» وبالإعلام من 
ناحية ثانية. ذلك حاصل في بلاد الدنيا كلها بدرجة أو أخرى. إلا أن 
السياسة تلعب دورًا أكبر بكثيز في اتجتمعات غير الديمقراطية ذلك أن 
السلطة تتولى توجيه الإعلام بصورة مباشرة أو غير مباشرة. والتوجية 
له أساليب عدة يعرفها جيدًا المخضرمون في المهنة كما أن له مصادره 
التي تتعدد تبعس لتعدد مراكز الربح السياسية. ولسنا ممن يؤيدون 
الادعاء أن الشتائم والسباب التي يوجهها الإعلام للمخالفين تمارس 
من باب حرية التعبير؛ لأن تلك "الحرية" ما كان لها أن تستمر مالم 
يكن ذلك موافقا لهوى السلطة ومحلاً لرضاها. وقد تابعنا كيف تم 
إيقاف مقدمة البرامج أماني الخياط, عند حدها حين أهانت شعب 


0 فهمي هوبدي, رمالة لم تصل للإعلام, جريدة “الشروق"؛ القاهرة؛ 2 أكتوبر 2014. 


-34- 


المغرب. ليس لأنما تجارزت حدود اللياقة في التعبير» ولكن لأن 
المغرب ليس من الدول المخالفة والمستباحة في خارطة التعبئة 
الإعلامية. 

وبسبب من ذلك فإن تجاوزات الإعلام ينبغي ألا يُحاسّب عليها 
الإعلام وحده؛ لأن السياسة تكمن وراءها دائما2. 

ولكن, ماذا عن موقف المعارضين لهذا التوجه؟ 

في ظل احتكار وسائل الإعلام وسيطرة رجال الأعمال على غالبية 
تلك الوسأئل, مع وجود وسائل إعلام مملوكة للدولة دار بعقلية 
بتروقراطية؛ فإن فرص الاستماع إلى وجهات نظر مخالفة تبدو ضعيفة, 
خخاصة في ظل الأجواء الراهنة في مصر. 

هناك أيضا نظرية في الاتصال يمكنها أن تساعدنا على فهم 
كيف تصبح بعض الأفكار سائدة في المجتمعء وقد وضعتها العامة 
الألمانية إليزابيث نيومان؛ التي كتبت في مقالة مهمة تقول فيها إن 
الأشخاص الذين يعتقدون -بشكل صحيح أو لا- أنهم يمثلون رأي 
الغالبية» لديهم ميل إلى إبداء آرائهمء في حين أن أولئك الذين يؤمنون 
بأنهم بمثلون رأي الأقلية لديهم ميل للحفاظ على الحدوء. وذلك لأن 
الناس لا يرغبون في أن يكونوا معزولين» وأولئك الذين يعتنقون ما 
يعتقدون أنه رأي الأقلية في كثير من الأحيان يقنعون أنفسهم بأن 
رأيهم خاطى22. 


1 المصدر نفسه. 


2 ببرعوعء ل علا "رممادام0 عذأطب6 اه بممعط] هق نععمعازك أه أهعتمك 16 ,وممفصنة لماع أاعمله طععطهؤذناع 


44م 174 ,2 عندذا ,24 .ألا رممتعقء أمنصصق أه إمدعبول 


- 35 


هذا قليل من كثير يلحظه كل من تابع أداء الإعلام المصري, 
والتليفزيوي منه بوجه أخص. 

إن الإعلام هو وسيلة "إعلام وإخبار" الناس بحقيقة ما يجري هنا 
أو هناك, ووظيفته الأساسية أن يبدد العتمة حتى تبدو الأحداث 
والمواقف دقيقة وواضحة ومعلومة للجميع في المجتمع بما يجعلهم 
حاضرين وفاعلين» وشركاء أصلاء في إدارة شؤوفم ومتابعة مصالحهم 
ومراقبة سلوك وتصرفات حكامهم ومدى كفاءة هؤلاء ومقدار 
رشدهم والترامهم بمصالح الوطن وشعبه. 

في ظل الدعوة المتكرّرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي للإعلام 
أن يصنع التفاؤل. ويزرع الأمل في قلوب الناس, وأن يبتعد عن 
الإحباط والتشاؤم, برزت أسئلة من عينة: 

هل نصنع التفاؤل بكلام وردي في الإعلام» أم يإنجازات على 
الأرض؟ هل يصدقنا الناس ويكذبون أنفسهم؟ هل صناعة التفاؤل من 
وظيفة الإعلام؛ أم هي من اختصاص الحكام؟ 

تبحث مصر/الوطن عن طريقها الذي تستحق إلى المستقبل» إلا أن 
الحاصل أن الاغتيال المعنوي -عبر وسائل الإعلام تحديدًا- يطال 
للأسف كل من حاول أن يتلمس الطريق» أو ينبه إلى العثرات ويحذر 
من العقبات؛ أو يبحث عن كلمة سواء تجمع ولا ثفرق. يريد الإعلام 
الموجه أن يكون "حامل الأخبار السارة" المختومة بختم القبول الرسمي 
قبل أي شيء آخر. 

إن الإعلام دوره إعلامي فقط. ينقل الحقائق فقط. هذا هو دوره 

- 36- 


لمتواضع. ليس بديلاً عن السياسة؛ وليس بديلاً عن الحُكم الرشيد.. 
وليس من الحكمة تحميله أكثر من طاقته, إلا في شأن واحد هو: النقد 
والرقابة على أعمال الحكومة, وليس التبرير والتغطية على أخطاء 
الحكومة23. 


يجب علينا أن نتذكر أن وسائل الإعلام هي جزء من امجتمع. إنما 
واحدة من العديد من المؤسسات المختلفة التي توجد ضمن مؤسسات 
المجتمع - و"المؤسسات" هنا مصطلح استخدمه علماء الاجتماع 
ليقوم مقام الكيانات والمنظمات طويلة الأمد نسبيا التي تلعب دورًا 
مهما في الحفاظ على امجتمع. وهي في ذلك تساعد في تشكيل 
هويتنا ومواقفدا تجاه كثير من القضايا العامة والخاصة» سواء عن طريق 
نقل النصوص أو غرس الأفكار والمواد في أدمغة الجمهور واستخدامها 
للحخصول على استجابات معينة» وهذا ما يطلق عليه نظرية حبل 
الاستجابة بصمعطاع لرمطك عندتومهموع عط241. 

والإعلام هو أهم وأفضل وسيلة لنقل التنوع والاختلاف الطبيعي 
بين الناس, سواء في العقائد والأفكار والآراء أو حتى في المصالح, 
وتحويل هذا التباين والاختلاف بل والتناقض من أسباب للشقاق 
والتناحر إلى موضوع للتفاعل والعخاور وإتراة المنهد الوطي بيسنات 
التعدد والتنوع. وتأسيسا على هذه الوظيفة الحيوية وارتباطا بما 
فإن وسائل الإعلام لا بد أن تكون ساحات رحبة مفتوحة لكل هذه 

3 أنور اهواري, خخطرٌ الانفصال عن الواقع...!. جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 23 أكتوبر 2014. 


4 آرثر آسا بيرغرء وسائل الإعلام والمجتمع: وجهة نظر نقدية, ترجمة: صالح خليل أبو إصيع؛ سلسلة "عالم 
المعرفة": المجلسر, الوطني للثقافة والفنون والآدابء الكويت, العدد 386: مارس 22012 ص 23. 


- 37 


. الأفكار والعقائد. والآراء والمصالح المختلفة» لكي تتفاعل وتتنافس 
على رقعتها الحرية ومن دون قيود. 

أول خطوة لإعلام حقيقي تتطلب نظرة جديدة أكثر تواضعً 
لحدود قوة العشريع من جهة, وحدود الإعلام ومسؤولياته من جهة 
أخرى. حان الوقت للتشديد على وظيفة الإخبار الأمين» من خلال 
المعلومات مجردة في المادة الإخبارية» وبعد ذلك يأيَ دور الإعلام في 
تمكين المواطن من فهم الأخبار من خلال مواد التحليل؛ ثم تمكينه من 
تحديد موقفه من خلال إتاحة الفرصة لآراء متنوعة25. 

عو زمارد وسائل ال عادم هر شرط حاكم وضروري لكي 
تؤدي وظيفتها وتصبح فعلا "إعلاما"”. أما لو كانت جميعا كتلة 
ضماء مديجة صُّممت لكي تتحدث كلها بصوت واحد ورأي متكرر, 
فَإها تفقد كل علاقة ها بالإعلام وتصير مجرد أبواق إعلان' ودعاية 
تروّج لبضاعة غالبا ما تكون فاسدة, وفي كل حال تؤذتي إن آجلاً 
أو عاجلاً إلى سوء المصير وقلكة حتمية. 

بطبيعة الخال فإن هذه البضاعة التالفة لها جتمهور تتشكل به, عبر 
خطاب قنوات السيراميك وأخواقاء نواة تشبه الحرب الذي ما زال 
يدعم سفاحا مثل أوغستو بينوشيه؛ دكتاتور تشيلي, ويحتفلون بعيد 
ميلاده. فالثورة أو التغيير لن يقتل هذا الجمهور أو يتخلص منه. لكنه 
يجعلهم في مكافم الطبيعي بعد سقوط آفتهم. 


5 عزت القمحاوي. لجنة التشريعات الإعلامية.. مَنْ يضحك على مَنْ؟: جريدة 'المصري اليوم", القاهرة؛ 30 
ديسمير 2014. 


-38- 


يلعب الإعلام دورًا بالغ التأثبر :في تشكيل اتجاهات الرأي العام 
تجاه القضايا المجتمعية المختلفة, كما أنه عاكس لطبيعة العلاقة بين 
الدولة والمجتمع» من ناحية» وبين النخبة والجماهير» من ناحية أخرى. 
غير أن عوامل مختلفة من شأنها التأثير على أداء وسائل الإعلام لهذه 
الوظائف: منها عوامل تتصل بالبيئة التي بمارس فيها الإعلام دور 
وأخرى تتصل بالإطار التشريعي الحاكم له. وثالثة تعنى بالقائمين على 
الإعلام والعاملين فيه. 
يستخدم ربموند وليامزء وهو مُنظر بريطاي في وسائل الإعلام 
والاتصال؛ مصطلح الطيمنة برصمهدمعوءل! لوصف العملية التي بموجبها 
تشكل الطبقة الحاكمة وعي الجماهير, وهو يقول: 

إن المحيمنة ليست فقطا المستوى الأعلى والواضح 
ل"الأيديولوجية", كما أن أشكال تحكمها. ليست .فقط تلك 
الضروب من "التلاعب" أو "التلقين", إثما هي مجموعة كاملة من 
الممارسات والتوقعات, على كامل معيشتنا: حواسناء استخداماتنا 
للطاقة, وعالمنا. إنما نظام حي للمعان والقيم -التأسيسية والمؤلفة- 
التي بينما يتم اختبارها كممارسات, يتم تأكيدها وتعزيزها بشكل 
متبادل26. 
والإعلام هنا ليس بعيدًا عن دور أداة الحيمنة» التي يمكن أن 
تنحرف فتعمل على ترسيخ دور الطبقة الحاكمة في اجتمع. 





6 .م ,1977 بووعء2 بوتورع ناولا ع0 تعامولا يعلط بعمنعوع 16 ممه تمدتصملة بكمةأالت/نا لممسرقة 
.220 


-39- 


من هنا يرى باحثون أن أداء وسائل الإعلام لدورها يتوقف على 
شكل ووظيفة تلك تلك الوسائل في المجتمع وفقمًا لما يحدده لها النظام 
السياسي للدولة, وحجم الحريات التي بمنحها لما القانون المنظم 
لعملهاء ومدى الاستقلالية التي تتمتع يما في مقابل مالكيهاء إلى جانب 
طبيعة العوامل الثقافية والاجتماعية المتأصلة في امجتمع. كما يبرز دور 
العاملين في الإعلام في هذا الإطار أيضاء إذ ينعكس مدى تحليهم 
بالحيادية والمهنية والمصداقية على مدى تقبل امجتمع للدور الذي يقوم 
به الإعلام في توجيه وتشكيل الرأي العام27. 0 

للإعلام دورٌ ووظيفة ثالثة ربما لا تكون مباشرة لكنها لا. تقل 
أثمية وخطورة عن الوظيفتين السابقتين» فهو الوسيلة الأكثر تأثيرًا 
وشعبية في تنوير الناس وتثقيفهم وقذيب عقولهم ورفع وترقية 
وعيهم, هذا فإن سيادة التفاهة والجهالة والتزوير واستشراء خبطاب 
النفاق والفحش والنصب في ما تبثه الوسائل والأبواق المحسوبة على 
الإعلام -كما يحدث في السنوات التالية لثورة يناير- يقلبها إلى 
أسلحة إعدام وفتك وتخريب مروّع للعقول والأفهام والأرواح 
والأخلاق كذلك28. 

نحن أمام مشهد صحفي وإعلامي بائس» ونقاش عام رديء تغيب 
عنه المعلومات والحقائق والرشادة. وهزلت فيه هيبة الكتابة وانعدم 
عمق التناول المرئي والمسموع والمطبوع على حد سواء. 


7 رانيا هكرمء تقييم حالة الإعلام الخاص في مصرء دورية “لملف المصري": مركز الدراسات السياسية 
والاستراتيجية بالأهرام؛ القاهرة, العدد 4, ديسمير 2014, ص 5. 


8جمال فهمي. يعني إبه "إعلام"؟1, جريدة "التحرير", القاهرة؛ 11 أغسطس 2014. 


-40- 


ليس الأمر مقصورًا على التدهور في الأداء المهني؛ لأن الأداء . 
السياسي شهد مستويات عدة من التدهور ذلك أنه منذ أن تحول 
صحفيون ومقدمو برامج إذاعية وتليفزيونية إلى نشطاءء انخرطوا في 
الاستقطاب وتنافسوا في ركوب الموجة والدفاع عن سياسات النظام 
القائم. وتراوحت مرافعاتهم اليومية بين المبوط في الأفكار والمغالطة في 
المعلومات والبذاءة في التعبير. بحيث أصبح أداء الإعلام المصري أشبه 
بسلسلة من الفضائح التي أسهمت في تشويه صورة البلد في الخارج 
ولطخت ممعتها. ش 

يخلط مقدمو هذه البرامج بين دور الزعيم, وعمل الصحفي الذي 
يفهم ثم يبدأ في توصيل ما فهمه بحرفية ومصداقية» وأدلة ثبوتية» لكن 
ما يجري في البرامج السياسية تجاوز الجربمة في حق المهنة» ليصبح 
حربسً على مصالح الوطن, بالتحريض على كراهية شعوب صديقة» 
أو طوائف دينية. أصبح الإعلام جريمة ضد المجتمع» بتخريب العقول 
وإفسادها. 

في تحليل الظاهرة تبرز عوامل عدة, منها الفراغ السياسي وغياب 
المؤسسات التي تدير المجتمع, الأمر الذي حول التلتّفزيون: إلى قوة 
تأثير هائلة في المجتمع. وتلك من سمات زمن الفُرجة الذي أصبحت 
الصورة في ظله تلعب دورًا مهمسا في تشكيل الإدراك. خصوصً 
في ظل توفر عناصر الابمار والجاذبية التي يتفنن فيها المخرجون. وهو 
ما حفر مكانة خاصة لنجوم التليفزيون الذين باتوا يدخلون كل بيت 
ويؤثرون في إدراك وسلوك الكبار والصغار. 


-41- 


هذا الاغترار بالقوة حين حدث في أجواء الفراغ. حول مقدمي 
البرامج إلى قادة سياسيين» فلم يعودوا يكتفون بتنوير الرأي العام منذ 
أدركوا أن بمقدورهم توجيه وصناعة الرأي العام. 

ابتدع بعض المذيعين لأنفسهم وظائف وأدوارًا لا تمت الهنتهم 
بصلة. من هذه الوظائف وظيفة الدعوة2» وجذورها موجودة في 
الإعلام المصريء الذي خضع طويلاً لنظام الرأي الواحد. 

وحين دخخل القطاع الخاص إلى الساحة وأصبح الرواج والربح 
على رأس أولوياته تحولت المهنة إلى تجارةء وفقدت ضوابطها 
وشروطها أمام الرغبة في الرواج بأي ثمن. فانفتحت الأبواب على 
مصاريعها لكل من يُحسن الكلام ويجيد ركوب الموجة ويتفوق في 
التهليل والتنديد. 

ولأن الإعلام التليفزيوي في مصر ليس له صاحب بعد دخول 
رأس المال الخاص؛ فإن المهنة انقرضت وصارت فبا لتجاذبات 
المهواة وأصحاب المصالح. وإذ تزامن ذلك مع تدهور مستوى الحوار 
وتراجع لغته وآدابه. فقد صار "الردح" لغة مقبولة ومعتمدة ليس 
فقط عبر شاشات التليفزيون, ولكن على صفحات الصحف وعلى 
موجات الأثير أيضا. 

إذاعياء فإن من يستمع إلى بعض "المذيعين الجدد" عبر موجات 
الأثير» سيلاحظ أنهم عادة ما يكونون شبانا وشابات يجيدون 
المصطلحات والتعبيرات الرائجة بين الأجيال الأحدث. ويتسم 
بعضهم بقدر كبير من السطحية والابتذال. 

-42- 


يتصور بعض هؤلاء أنهم باتوا يمتلكون الرؤية الثاقبة والحقيقة 
المطلقة, فتجدهم يدلون بآرائهم بثقة في أمور لا يفقهوفا. 

يتحدث هؤلاء المذيعون الجدد, عبر برامجهم الحوارية في عدد من 
القنوات الإذاعية الخاصة, عن تفاصيل حياتهمء أو ما تناولوه من 
طعامء أو ذكرياتهم أيام الدراسة,» كما يذكرون أسماء أصدقائهم 
وأفراد عائلاتهم على الحواء, أو يتبادلون النكات و"الإفيهات" مع 
بعضهم البعض.. وأخيرًا يعطوننا دروسا في الوطنية والانتماء. 

باختصار, شديد., يرتكب هؤلاء جميع الأخطاء التي حددًا 
أكاديميات_الإعلام في العالم أجمع, وحذرت الدارسين من الوقوع فيها 
عند العمل كمذيعين, لكنهم في الوقت ذاته يحتفظون بوظائفهم, 
. وبمعنون في الخطلء ويتلقون التهائ من جمهورهم على "أدائهم 
الرائع": وتنهال على برامجهم الإعلانات29. 

شهدنا في وسائل الإعلام تلك تدي اللغة والاتجاه إلى استخدام 
العامية في الحديث والكتابة, خاصة مع استخدام ‏ ألفاظ فجة 
وممجوجة. كما لاحظنا سيطرة الدافع التجاري والطابع الإعلاني على 
الإعلام, الأمر الذي زاد من مساحة الإسفاف, وتحول بعض البرامج 
إلى ساحة للتلاسن وتبادل الاقٌامات. 

حدث هذا حين تمكنت من الكثير من مذيعي الفضائيات هواية 
الكلام والاستماع إلى كلام وإدارة حلقات الكلام, حتى باتت بعض 


9 ياسر عبدالعزيز, نحن.. والمذيعون الجدد, جريدة “المصري اليوم" القاهرة» 16 نوفمير 2014. 


-43- 


القبوات الفضائية تتعرض لسخرية المشاهدين» وبخاصة حين أوشك 
المتكلمون على استهلاك كل مخرون الكلام العاقل ولجؤوا إلى كلام 
من نوع آخر. كان بين هؤلاء بطبيعة الحال» مذيعون ومذيعات تفننوا 
في الابتكار غير الخلاق وطرح معلومات غير صحيحة وإبداء آراء 
واجتهادات غير متوازنة ومناقشة موضوعات بدون إعداد وتعمق. 
تجاهلوا وتجاهلن في غمرة انبهارهم وانبهارهن بذواتم أن جهودًا 
تُبذل في مكان آخر لإعادة تقديم مصر وساستها ورجاها ونسائها في 
صورة أزهى وأعقل استعدادًا لدور حجديد. 

في ساحة الإعلام التليفزيوني المصريء لم يعد مهما أن تمتلك. 
وعيا مهيا مناسباء وليس ضروريا أن تصنع تغطيات 
حقيقية. لا يحتاج القائمون على هذا الإعلام المرئي سوى لبعض 
الصور التي يتم اختيارها بعناية» وبعض المكالمات المرتبة جيدًاء فيما 
يتكفل النجم المذيع بالباقي كله. سيتخذ القرارات الصعبة)» وسيصدر 
الأحكام القاطعة» وسيهدد ويتوعدء ويخون المخالفين في الرأي. 
وسيصرخ مدافها عن مصرء وسيهتف "تحيا مصر") وسيجلس 
الجمهور في البيت ليتابعه, مشدوها معجبا بوطنيته وشجاعته30. 

مظاهر الإخفاق في الأداء الإعلامي شملت القضاء على الموضوعية 
والتعددية إلى حد موجع, مع بقاء مظاهر ديكورية ترعم التتوع في 
حين أنها لا تقدم إلا تنويعات محدودة على الرأي الأوحد. غياب 
الموضوعية جعل القنوات مثل "الفتوات", فهي تريد خفض "الصوت" 
وإعلاء "السوط" لفرض الرأي الواحد بالقوة. 


0 ياسر عبدالعزيز. 28 نوفمبر: الرابحون والخاسرون, جريدة "المصري اليوم" القاهرة؛ 30 نوفمير 2014 


- 44 - 


تحوّل تزييف وعي الناس إلى . نشاط مهني» فانتشر الكذبء إما 
نتيجة الغفلة والجهل وعدم التدقيق في الحقائق واستسهال النقل عن 
أي أحد وأي مصدرء أو رغبة في تضخيم كراهية الناس للخصوم 
والمعارضين سواء أكانوا أفرادًا أو جماعات أو دولاً. ولو كان هؤلاء 
قدموا الحقائق بموضوعية ومهنية متقنة بدلاً من الصراخ والزعيق 
والأكاذيب والإدعاءات, لكان ذلك أفضل وأوقع وأكثر تأثيرا على 
: الرأي العام الذي يريد الحقيقة ويدرك خطايا أنظمة سابقة تسببت في 
كوارث وأزمات لا حصر لها. 0 
لنَ ينسى كفيرون أكذوبة جهاد لكان في اعتصام زابعة العدوية 
وغيرها أو أكاذيب أخرى لم يكن ها داع أو ضرورة.. تام مثل 
أكاذيب تخص الولايات المتحدة وسياستها حيال مصرء فلن ينسى 
أحدٌ أيضًا كل تلك الإدعاءات القديمة بشأن شقيق الرئيس 
1 الأميركي باراك أوباما والتنظيم الدولي للإخوان أو الإدعاءات التي 
تدسب تصريحات زائفة وساذجة إلى وزيرة الخارجية الأميركية سابقا 
هيلاري كلينتون. 
مارس الإعلام على يد هؤلاء "النجوم" سياسة الإنكفاء واختصار 
العالم كله في مصر, مع تجاهل واضح للقضايا الإقليمية والعالمية التي 
ثلقي بظلاها على مصرء الي هي جزءً ين اجنم الدولي. حديث 
هؤلاء المكتوب والمسموع والمرئي يبدو منطلقفً من "جنسيته" أو 
"تميزاته السياسية" أكثر ما هو منطلق من "مهنته". 
الإعلام ليس بديلاً عن السياسة؛ إلا أن يكون الأمر من أوله إلى 


- 45 - 


آخرة مباراة في التعبئة العامة والإنشاء الخطابي بلا أفق سياسي يقنع 
ويمتد أثره. والتعبئة الإعلامية بأكثر ثما هو طبيعي عبء آخر ينتقص 
من الثقة العامة في أداء السلطة وقدرقا على الإنجاز. 

المتابع لما يقدمه الإعلام المصري -خاصة المرني منه- سوف 
يلاحظ أن الحوارات والأحاديث التي يتم بثها يغلب عليها الانفعال؛ 
الذي لا يسمح بالتروي والتفكير. وفي حال جرى عرض لقطات 
بعينهاء تعكرر بطريقة مبالغ فيهاء فإن الجمهور هنا يكون مستهدفاء 
من دون أن يفكر أحدّ أن هؤلاء يتابعون تلك اللقطات دون أن 
يختبروا -مع كثرة تكرارها- أسفا أو حسرة أو حتى ضيقا. 

تعلق عملية السيطرة الإعلامية على مشاعر الجماهير وتوجيهها 
-إلى حد بعيد- بكيفية إخراج الحدث. ثمة شق معرفي. مُوَجَل يعتمد 
على حبك التفاصيل: وشق شكلي سريع يعتمد على الخطاب 
والضوت وتعبيرات: اللامخ: :وغيرهاء من: العلامات: يستميل الشق 
الأخير وعدات المتلقي ويُلقنه المشاعر اللحظية المطلوبة. لا تنبني 
المشاعر الْقَحَمّة في أغلب الأحوال على منطق أو تفكبر, بل تدفعها 
دفما عملية التلاعب الإعلامي المثيرة» تلك التي لا ترك قُرصة 
إعمال العقل لضحاياها. 

إلى جانب عملية تشكيل الوعي والأفكار, صار بإمكان الإعلام 
إعادة بريجة الانفعالات والأحاسيسء وقد باتت مُحَاصّرة ومُوجهة 
من خلال عشرات البرامج والمعدين وامخاورين, وعدد لا يُحصى من 
الإشارات والإيحاءات. غدا الرابط بين الحدث. وبين ما يخلقه داخل 


- 46 


النفوس. من مشاعر معدومساء وإذا وُجِدَ فهو غير منطقي. 

لا يقتصر الأمر على المشاعر المتعلقة بمشاهد القعل والعنف. هناك 
وقائع تستدعي بطبيعتها شيئس من القلق» لكن وسائل الإعلام تقابلها 
بالارتياح وهناك أحداث تثير بطبيعتها أيضا الضيق أو الحزن؛ لكن 
وسائل الإعلام تلاقيها بالحماسة والسرور. خديعة تستحق الغضب» 
لكنها تمر وسط مشاعر مرتبكة أقرب إلى البلادة. بين هذا وذاك 
تختلط الأمور على الجمهور31. 

في المقابل, اختار مقدمو البرامج ومن شابحهم من كُتَاب الأعمدة 
الصحفية طريق التبرير للسلطة القائمة, بدلا من مصارحتها بالواقع 
. ومكاشفتها بالوقائع المتعددة وتقديم الصورة الحقيقية لا حتى لو كانت 
موجعة وقاسية32. 

نسي هؤلاء حقيقة مفادها أنه لا أحد على الإطلاق يملك اليقين 
أو يحتكر الصواب, ولعبوا دور النجوم الذين يحاسبون الجميع طوال 
الوقت دون أن يحاسبهم أحدء في ظل غياب مل لمواثيق شرف المهنة 
ومجالس تنظيم الإعلام والإشراف على أداء العاملين فيه. 

أخذث جرعة "الوطنية" الزائدة لدى كتيبة السياسيين والإعلاميين 


الموالين بشدة للسلطة قدد بآثار جانبية بالغة الوطأة على البلاد. هذه 
الجرعة الزائدة دفعت بعض أعضاء جوقة الإعلاميين والسياسيين 


1 بسمة عبدالعزيز, مشاعر إعلامية: جريدة "الشروق" القاهرة, 25 أكعوبر 2014. 
2 ياسر أيواب» لكل هؤلاء على الشاشات وأمامها وحوها: "كلمة أخيرة قبل أن يسقط كل شي مجلة "7 أيام؟, 
القاهرة, 5 أغسطس 2014 ص 33- 34. 


- 47 


الموالين للسلطة إلى المطالبة الصريحة بوقف أي حديث عن حقوق 
الإنسان واحترام الدستور والقانون؛ لأن "الدولة المصرية في خطر". 
وأنه لا صوت يعلو على صوت المعركة ضد الإرهاب, حتى لو كان 
صوتاا حليفاً لنا في المعركة, لكنه مختلف في الأسلوب. . 

هؤلاء لا يحاربون الإرهاب, بل ينفخون في ناره. 

ولا كانت الجرعة الزائدة من أي دواء بمكن أن تؤدي إلى وفاة 
المريض وليس شفاءه. فإن جرعة "الوطنية طنية" التي تتجاوز حدود 
الاعتدال يمكن أن تؤدي إلى استفحال المرض أو تطوره إلى مرض 
أخطر فتتحول التنظيمات الإرهابية المعزولة والمرفوضة وطنيًا إلى 
جماعات, ذات ظهير شعبي نسبي33. 

في السنوات الأخيرة, جرى عُرفٌ على أن تحمل المذيعه او المذيع 
مساحة من الوقت ملكا خاصااء يفعل أو تفعل فيها ما نشاءء تأي 
من تشاءء تقول ما تشاءء, لا أحد يحاسبها أو يراجعها إلا إذا عرّضت 
مصالح أصحاب القناة للأذى. هم سعداء طلما استطاع المذيع أو 
المذيعة جلب الإعلانات. كان منطقيا وطبيعيا في ظروف سنوات 
ما بعد نشوب الثورة أن أي شخص توفرت له عبقرية الكلام واستعد 
لبرامجه بجهاز بمده بالشائعات والأخبار أن يستهلك ساعات في قضايا 
تتعلق بالوضع الداخلي في مصر. نعرف الآن, وإن متأخرًا جدا. حجم 
الضرر الذي أصاب وحدة امجتمع المصري نتيجة انبهار بعض المذيعين 
والمذيعات بأسلوب الخطاب الدعوي في السياسة كما في الاقتصاد 





3 أشرف البربري. حتى لا تخسر الخرب ضد الإرهاب» جريدة "“الشروق". القاهرة, 30 أكتوبر 2014. 


- 48 - 


والأخلاق. وبأساليب أخرى غير متحضرة وغير مناسبة. بل 
ومتعارضة أحيانسًا مع مقتضيات الحفاظ على الأمن الاجتماعي 34. 

دنسب إلى ابن حزم الأندلسي قوله إن اعوجاج اللسان علامة 
على اعوجاج الحال. ما بالناء إذاء بانفلات اللسان؟ 

إن انتشار البذاءة والسب والقذف والتشهير في عدد 0 البرامج. 
التليفزيونية؛ دون محاسبة أو مساءلة وفق القانون وموائيق الشرف 
الإعلامي, وتحول منابر الإعلام وتقنياته إلى أدوات لاستباحة المخالفين 
في الرأي واغتيالهم معنوياء يعد من تجليات ابوط -المروع 
أحيانا- في مستوى الحوار في مصر. وهو هبوط يبلغ أدى مستوياته 
مع المعارضين الذين يتحولون إلى "خصوم" أو "أعداء", خصوصاً 
في غيبة ثقافة الحوار وتقاليده المتعارف عليها في امجتمعات 
الديمقراطية35. 

عندما تنطوي الممارسة الإعلامية على سب. أو قذف. من دون 
امتلاك أي أدلة دامغة, أو عندما تتزلق إلى التحريض على العنف» 
والكراهية, والتمييز بين المواطنين أو الطعن في العقائد والأديان؛ فإن 
اجتمعات الأكثر حرية ودبمقراطية تتدخل لإيقاف هذه الممارسات. لم 
يعد بالإمكان قمع حرية الإعلام بكل تأكيد, لكن لا توجد أي دولة 
رشيدة في العالم تسمح بأن يتم ارتكاب الجرائم عبر وسائل الإعلام 
من دون مراجعة أو محاسبة36. 





4 جميل مطر. لا تحملوا الدبلوماسية المصرية ما لا طاقة ها به جريدة "الشروق", القاهرة: 24 يوليو 2014. 
5 فهمي هويدي؛ انتخبوا وانتحبواء جريدة "الشروق". القاهرة, 2 إبريل 2014. 
6 ياسر عبدالعزيزء التحريض على العدف ليس "حرية إعلام” حريدة “المسري اليوم”"» القاهرة. 2 نرفمير 2014. 


-49- 


وهؤلاء الذين يشيرون على الدولة بأفكار سلطوية وتحريضية عبر 
وسائل الإعلام» يزجون بنا إلى مسارات غير رشيدة, في حين أننا 
تلك بدائل حاضرة أقل كلفة علينا جميعا وأكثر نزاهة وفاعلية 
للمواطن وللوطن وللمجتمع وللدولة. 

تُقدم ردود فعل الإعلام والرأي الغام بشأن قضايا وأحداث 
مصرية مختلفة نموذجا حقيقييا وواضحا لأسلوب تعامل مجتمع 
مسطح مع أزماته؛ الانفعال والصخب والتناقضات والسذاجة في 
تصديق أي شيء واستسهال قذف أي أحد بالطوب والشتائم؛ وكأنه 
أصبح يسعدنا أن نشتم الذي أخطأ أكثر ثما يعنينا أن نعالح هذا الخطأ. 

النتيجة المؤكدة لا تديره القنوات التليفزيونية من معارك وهمية هو 
حجب الأسئلة الأساسية الملحة على صعيد البناء القانوي للدولة 
وعلى صعيد إنقاذ ثروات تضيع إلى الأبد: أراض زراعية يتم البناء 
عليها بسرعة خرافية» وآثار مستباحة» وصحة وتعليم وأزمات بلا 
حل. 

الاستباحة هي الحل! 

سرعان ما بدت "لميديا" أداة سيطرة؛ ليس للنظام السياسي, 
ولكن للدائرة المغلقة للثروة والسلطة. هم بارونات ديانة الاستهلاك, 
وكلما استطاعوا أن يحرضوا أو يثيروا الرأي العام, ويجعلوا المبالغة أو 
الشراهة أو التجاوز عنوان العلاقات والمواقف؛ كانت السيطرة على 
الحكم مضمونة37. 


7 وائل عبدالفتاح: يحدث في رمضانء جريدة "التحرير"؛ القاهرة» 16 يوليو 2014. 


- 50 - 


لا مفاجأة, إِذَاء في امتداد الفاشية الإعلامية وهستيريا التشويه 
المنفلتة من كل إطار إنسائ أو أخلاقي رشيد لتطال دولاً وحكومات 
عربية وأجنبية. لا مفاجأة, إِذَا في أن يتحول الخطاب الإعلامي العام 
والخاص إلى آلة لصناعة "الأعداء" وإلصاق خصائص "الأشرار" 
بأسلوب مذموم ومرفوض لكل طرف عرب أو أجنبي يتصور أو يتوهم 
أن علاقته بالنظام لبيتت على ما يرام38. 

صورة مصر أصبحت مذهلة على مصاطب فضائية يتنكر أبطاها 
لدور. المذيع وبمارسون أدوار الحكيم والزعيم والبلطجي وضابط 
الشرطة. الكلام يكزر نفسه في كل ليلة2» والرهان على ذاكرة 
السمك التي يتصوروفا لدى المشاهد39. 

صحف أبواق الأجهزة الأمنية وبرامجهم الفضائية تدفعك إلى 
السخط وربما الإشفاق على من تدربوا في جامعات ومعاهد أو في 
مخطات مهنية على البحث عن المعلومة وتوثيقها ونشر الحقيقة 
والالترام بالموضوعية والبراهة؛ ثم تحولوا في إطار علاقة "الاستتباع في 
مقابل الحماية والعؤائد" » إما إلى مروجين لتقارير أمنية بدرجة رؤساء 
تحرير صحف أو مرددين لمفردات التقارير هذه كتابة وعلى المهواء 
مباشرة بدرجة *مفكرين كبار" و"خبراء استراتيجيين" أو منفذين 
مباشرين لتعليمات دوائر الحكم والنفوذ والمال أو المؤوسسات 
والأجهزة لتخوين هذا وذاك 0 آخرين معنويا وشعبيً 
بدرجة "صحفيين وإعلاميين مخضرمين"40 


8 د عمرو حمزاوي, أصناف العرب حسب إعلام فاشي؛ جريدة "الشروق". القاهرة؛ 19 يوليو 2014. 
9 عزت القمحاوي؛ مصر ليست كازينو قمار, جريدة "المصري اليوم", القاهرة» 25 فبراير 2014. 


0 د. عمرو +مزاوي» تشوهات خخطيرة. حريدة "الشروق” القاهرة, 19 غبار 2014. 


-51- 


على الشاشة المضيئة» آثر عددٌ من مقدمي البرامج أن يتصرفوا 
كمخبرين في جهاز الأمن الوطني وليس كمنتسبين إلى محطة 
تليفزيونية» ومن ثم أخذوا يقدمون غاذج وأمثلة لانقراض مهنة' 
الصحفي التليفزيوي. أيدوا يما فكرة خضوع البث التليفزيوي 
لتوجيهات أجهزة أمنية. وهي ظاهرة تعددت شواهدها في الساحة 
الإعلامية المصرية, غذاها التغير الحاصل في موازين القوى في امجتمع, 
حين تراجعت قيمة المواطن وارتفعت أسهم الأمن وأهله. بحيث ما عاد 
السؤال في أي محطة تليفزيونية يعمل مقدم البرنامج ولكن إلى أي 
جهاز أمني ينتمي41! 

في زمن مضى, كان مألوفً أن ترسل الصحيفة أحدهم للعمل 
مندوبنً لها لدى إحدى الوزارات؛ ولتككن وزارة الداخلية, فإذا يمذا 
الصحفي يتحول إلى مندوب ترعاه الداخلية في الصحيفة, وتّنحه 


سفرية هنا وتوصية هناك ورحلة حج وعمرة تارة ومؤتهرًا في أوروبا ٠‏ 


ببدل سفر محترم تارة أخرى, المهم.. أن أذى المندوبين المخبرين لم يكن 
يطال زملاءهم, وكان هؤلاء لا يحقق أي منهم مجدًا صحفي يُذكر, 
ويظل دائما تحت السقف. سقف المهنة الذي يلامس السماء وله 
يعرفه إلا من استغنوا عن العمل مندوبين للوزارات في الصحف وعن 
لوثة المنصب والسلطة؛ واشتغلوا من أجل الحرية. 

تغيرت الدنياء وتطور الأداء وتجاوز المقابل السفر والحج 
والمؤتمرات, ودخل إلى ميدان الصحافة المطبوعة -الذي تضاءل أمام 





1 فهمي هوبدي, مؤامرة؛ جريدة 'الشروق", القاهرة؛ 16 إبربل 2014. 


-52- 


سطوة التليفزيون. وأصبح اسمه الشائع (الإعلام)- منافسون أشداء, 
يوظفون الإعلام من أجل إدارة المليارات؛ وإدارة العلاقات مع أجهزة 
الدولة,» وخارج حدود الدولة ذامّاء وظهر جيل جديد من إعلام 
المخبرين بعد أن طوّروا الأداءء وظل آخرون كما هم؛ مندوبين, 
غلابة يقومون بالوظيفة, في حين يحسب المخبرون الجدد حساباهم 
الببكية بالملايين» وتحول بعضهم إلى شريك صغير لأصحاب 
المليارات42. 

اختراق المؤسسة الأمنية لمختلف قطاعات المجتمع ليس جديدًا في 
مصرء ولكن في السئوات الأخيرة التي شهدت انحياز السلطة إلى 
الحلول الأمنية دون السياسية» حدث تطوران مهمان, أوهما التوسع 
الكبير في دور المؤسسة الأمنية» الذي لم يعد متقدمنا على دور 
السياسة فحسبء وإنا صار متقدما على دور القانون أيضمً. 
التطور الثاني تمثل في. الجهر بدور "الأمنجية" وإضفاء الشرعية عليه إلى 
الحد الذي جعل الانتساب إلى المؤوسسة الأمنية من معايير "الوطنية" 
وتجلياقها43. 

في الساحة الإعلامية» كان الصحفي الذي يعمل لمصلحة الأجهزة 
الأمنية يخفي مهمته. وحين يكتشف أمره تحت أي ظرف فإنه يصبح 
محلاً للاحتقار والاستهجان والنفورء لكن الأمر اختلف كثيًا في 
الفترة الأخيرة, حتى شاع مصطلح الصحفي "الأمنجي", وأصبحت 
الإشارة إليه أمرًا عاديا حتى على مستوى رؤساء التحرير. 


42 نور افدى ذكيء: هستيريا التخوين.. وإعلام المخبرين» جريدة "المصري اليوم", القاهرة. 6 نوفمير 2014. 
3 فهمي هويدي. أزهى عصور البصاصين, جريدة "الشروق". القاهرة, 1 أكتوبر 2014. 
5 53 ب 


تسلل بعض هؤلاء إلى برامج الفضائيات التي أخذت تلهو. 
بالأحداث؛ إذ تسابق مقدموها إلى تحليلها مسسدين إلى شائعات» 
وأقاويل وثرثرات وفذلكات بآراء تخلو من أبسط قواعد المهنية» وهي 
المعلومات وحاسة الإدراك. ولعل أكثر ما يثير الاستغراب هو تلك 
القدمات: اللينة بالسفسطة توالترئرة ة التي لجأ اليها معظم مذيعي التوك 
شوء وهو دور ليس مطلوبا بالمرة» لكنها العدوى اللعينة التي 
أصابت الجمبع وتضرب المهنية وأصول العمل ومواثيق: شرف المهنة 
في مقتل. 

تشير الطريقة التي يعالج يما هؤلاء كثيرًا من القضايا الفكرية 
والسياسية التي تشغلنا إعلاميً إلى أنه لا يهم أن يكون المرء مُلمسا 
بجوهر ما يقول, ولا يهم أن يكون قد قد اطلع على جديد الموضوع 
الذي يدلي بدلوه فيه وما طاله من مراجعات, ولا يهم أن يتبع أي 
منهج في عرض ما يطرح من أفكار ولا يهم أن تتضمن الطروحات 
التي يتم عرضها شفاهية» أو كتابة الفكرة ونقيضهاء وأنه دون أن 
يدري يقوم بتسويقهما فَغَ بنفس الحماس. الأهم أننا نفاجاً بأن 
الساحة الفكرية والثقافية تتلقى هذه الأفكار الائمة التي لا قوام لها 
وغبر المؤصلة بالاهتمام» ولا بأس من تسخين هذه المعاللجات لإكسابها 
الانتباه. وفجأة نجد أنفسنا أمام ما بمكن تسميته شبكة سجالات 
الفهلوة, التي تدسج خيوطها حولنا لتورطنا في هذه السجالات التي 
قد تثير الضجيج؛ وتشغل الناس؛ ولكنهما ضجيج وانشغال لا طائل 
ولا فائدة منهماء في ظل اجترار أحاديث مسيسة, وجهل جدي 
ومعرفي بالموضوعات وحقائقها44. 





44 د. “مير مرفسء سجالات الفهلوة. جريدة “المصري اليوم", القاهرة, 1 أكتوبر 2014. 
-54- 


وصل بنا إعلام المخبرين إلى حالة من حالات المستيرياء في. ظل 
شار موجة التخوين» والطعن في الوطنية والاغتيال السياسي 
اللخصوم. ونشر الفضائح وتلفيق الاتهامات التي تنتهي عادة أمام 
القضاء بعد أن تفعل مفعولها في مجتمع يقتات على سير الآخرين 

امتد تأثير هذه الهستيريا ليشمل نشرات الأخبار التي ارتدت في 
كثير من قنوات التليفزيون ثوب مائعاء وكأفها فاصل من برنامج 
منوعات, في ظل الخلط بين المعلومة والرأي,» خاصة في المقابللات 
المباشرة أو على المحاتف؛, ناهيك عن الأخطاء الفادحة في أبسط قواعد 
اللغة العرية 

أصيبت حملات التخوين والتشويه والتشهير في الإعلام الموجه 
بالسعار.. حتى إها اهمت الأصوات المدافعة عن الدبمقراطية وحقوق 
الإنسان . والحريات في مصر بأها "طليعة" مجموعات وحركات 
'التهازية” وامشوقة 10 تحطار الا عن اموي اخارعي رمن 
مساومة الحكم أو السلطة بغية الحصول على عوائد ومنافع شخصية. 
وزادوا على ذلك باقامها بأنها تمارس الاستعلاء على الإرادة الشعبية 
أو على تفضيلات المواطنين» وتتجاهل حتمية تماسك الدولة الوطنية 
ومؤسساقا ومقتضيات السلم الأهليء وأنما لا تكترث كثرًا بسقوط 
ضحايا من الشرطة والقوات المسلحة ومن المدنيين من جراء جرائم 
الإرهاب وأعمال العنف المتتالية45. 


5 د. عمرو حمزاويء أيام الصمت.. مرتكزات حوار هادئ, جريدة "الشروق", القاهرة» 24 مايو 2014. 


-55- 


وهذه في مجملها افتراءات وأكاذيب غير مهنية» للتستر على 
تمارسات الدولة الأمنية وأبواقها الإعلامية, والانزلاق إلى حُكم الفرد 
وتراجع سيادة القانون وتراكم الفساد. 

في حضور هؤلاء على الهواء؛ يتروي المنطق» وينحسر دور العقل 
أما المعالي فهي عادة شحيحة خاوية, لا تعبأ بمدى صحة مضموفا أو 
دقة أوصافها؛ إذ غاب الحساب, فأساء البعض الأدب.. 

لكنها الشاشة الساطعة يا عزيزي؛ مجرد مساحة صحفية محجوزة 
لوجه ماء بمارس لعبة مكشوفة من التواطؤ ويؤدي دورًا معدا له 
ملا ويجعل من كلامه نوع من المأثورات.. في حين يتابعه 
المشاهد بانبهار, فلا يعود يرى شيئسًا آخر أمامه. 


-56- 


المتلاعيون بالعقول 


“أدركت السلطة أنها لن تبقى إلى الأبد تبيع الهواء. وأن 
الإعلاميين الذين تربهم في حديفة القصصرغي رقادرين على تسويق 
إنجازات غير موجودة ولا يبدو أنها ستكون موجودة قريياً, ومن 
هنا انتص رإعلام رهام سعيد ومنى عراقي على إعلام أحمد موسى 
وتوفيق عكاشة. لأن الأول هو الأفيون الشرعي الذي تجبر 
السلطة شعها على تعاطيه دون مسؤولية قانونية علهاء أما 
الثاني فب و نوع من الجحشيش ا مخلوط بالجناء وحبوب البلوسة. 
سيتعاطاه الناس لفترة ثم يحطموا "الغرزة” على أدمغة أصحاببها 
بمجرد معرفتهم الحقيقة "486 

مارس المتلاعبون بالعقول عبر وسائل الإعلام استراتيجية الإلاء 
بالتفاهة, عبر إغراق النّاس بوابل متواصل من الأخبار والقضايا 
التافهة والمعارك الوهمية, في مقابل شح المعلومات وندرمًاء وهي 
استراتيجية ضرورية لمنع العامة من الوصول إلى المعرفة الأساسية. كما 
يعمد هؤلاء إلى إغراق الجمهور في الجهل والغباء والخرافة» لنشر 
عشوائية التفكير والحُكم على الأمور. 

كان لاف أن المجتمع الذي تحاصره ضغوط اقتصادية, ويواجه 
تحديات التنمية» وقضايا الحقوق والحريات العامة, وتطوير التعليم» 





6 تامر أبو عربء عبدالعاطي في العلم. . وريهام في الإعلام: موقع "مصر العربية' الإلكتروي؛ 15 ديسمير 2014. 


7ه - 


والصحة. وتدعيم التنوع والتعددية» ومبادئ الحُكم الرشيد. وقدده 
مخاطر إرهابية, وتموج حدوده من كل جانب بتهديدات وتحديات, 
تطفو على سطح الإعلام فيه مساجلات صاخبة؛ تنتقل بدورها إلى 
الفضاء الإلكتروي المضطرب؛ وتصبح معارك مصر الأساسية ليست 
التدمية والديمقراطية» ولكن الجدل حول عذاب القبر وتوجيهات 
الأنبا بيشوي بشأن حشمة السيدات في الكنائس, وما أورده "صحيخ 
البخاري". 


بالمثل» لم يكن هجوم الشرطة على حمام شعبي عام في الفجالة 
والقبض على رواده بدعوى كونه "وكرًا للشذوذ والجنس الجماعي" 
حدتًا فريدًا, وإن كان قد حظي باهتمام كبير نتيجة للملابسات 
المداثمة التي وقعت في ديسمبر 2014. أثار هذا الحدث بالذات 
ضجة واستنكارًا شديدين بسبب التورط السافر للإعلام في صياغة 
الحدث وليس فقط صياغة الخبر, واختفاء الخط الفاصل بين الصحفي 
الباحث عن الحقيقة وبين مرشد الشرطة. انتفض الصحفيون 
والعاملون في الإعلام وغضبوا عن حق لامتهان مهنتهم التي هي أصلاً 
في محنة فكان التفاخر باختفاء الخط الفاصل بين الباحث والمباحث هو 
القشة التي قصمت ظهر البعير» ونالت منى عراقي مقدمة برنامج 
"المستخبي" على قناة "القاهرة والئاس" النصيب الأكبر من ا هجوم 
المستحق 47: بحكم أنها قادت '"غروة" الحمام واصبحت طرففً ف 
القضية؛ وزادة حدة الهجوم بعد الحكم في 12 يناير 2015 ببراءة 





7 ريم سعد من يحتاج لشرطة الآداب؟ جريدة "الشروق" القاهرة, 14 ديسمير 2014. 


- 58 


| جميع المتهمين في قضية "حمام البحر" من متي “ممارسة الفجوره 
و"ممارسة فعل فاضح مخل بالحياء". 

لم تشعر المذيعة بالخجل؛ بعد أن كشفت تقارير الطب الشرعي أن 
المتهمين لم يسبق لهم إقامة علاقات مثلية, باستشناء ثلاثة تم انتهاكهم 
0 ربما أثناء الاحتجاز. وبدلاً من الندم على ما ارتكبته في حق 56 عائلة 
وملايين المشاهدين رفعت سيفها الخشبي وصاحت في برنامجها: "قالوا 
أمنجية, قالوا غير مهنية» قالوا كاذبة تتاجر بالام الإنسانية. بسيف 
المنطق مي عراقي تواجه حملات التشهير الممنهجة ضدها. ونقول لهم 
استعدوا للاعتذار". على الأرجح لن تتلقى اعتذارًا من أحد بل لم نجد 
بعد براءة من شهّرت م, حرجا ل اهل فكرة الإسداز, وتعريس 
الضحايا عما اقترفته في حقهم وحقنا48. 

بجانب برامج الجن والعفاريتء هناك البرامج التي ترثك عن 
المنشطات الجنسية والعلاقات الخاصة والثلية, ليخسر الإعلام 
المصري كل يوم الكثير من قواعده وقدراته أمام زعامات كاذبة 
وخبرات هزيلة وغياب تام لأهم مبادئ النشاط الإعلامي وهي القيمة 
والمسؤولية . . 

لا يعطي الإعلام فقط معلومات خاطئة, حيث المعلومة الخاطئة 
مكن تصحيحها بمعلومات أخرى صحيحة, لكنه كذلك يحدد فط 
التفكير المسموح به. والذي يجب استخدامه في هذا الأمر أو ذاك, 


8 حسام السكري؛ هنى عراقي و"أبشع تحرش في التاريخ": جريدة "المصري اليوم", القاهرة» 14 يناير 2015. 
-59- 


الهدف هو الدفع بنمط تفكير إِذَاء وليست معلومات خاطتة فقط. 
ما يطلق عليه هربرت شيللر باختزال: "التلاعب بالعقول"49, أي 
ببساطة, تكوين وعي زائف. وهي أداة القهر الأهم. كما يسميها 
"باولو فريري". والذي يلاحظ بذكاء شديد, أن التلاعب بالجماهير, 
وتضليلهم. لا يحدث إلا بالترامن مع ظهور الشعبء. أي الأعداد 
الكبير ة المتجانسة -بدرجة ما بالطبع- من البشرء كإرادة اجتماعية.. 
في مسار العملية التاريخية, أما قبل كذلك, فالقمع المباشر يكفي؛ دون 
حاجة إلى تشديد خطاب إعلامي؛ أو إدارته بطريقة أكثر احترافاء 
وفاعلية في التائير على عقول البشر. ْ 

بعد 30 يونيو 2013 كان الإعلام المؤيد للسلطة هو البطل» كانت 
برامج "التوك شو" تحظى بسب مشاهدة عالية على المقاهي وداخل 
المنازل. مع الوقت أصبحت كل عبارات التأييد مكررة» وكل 
عبارات الحرب على الإرهاب ثملة, وكل عبارات الحث على الصبر 
مستفزة» وكل الوعود بحياة أفضل وبوطن أحسن خيالية. 

انتهت دفعة التسجيلات الشخصية التي سلّمتها أجهزة الأمن 
لعدد من مقدمي البرامج التليفزيونية لعشويه النشطاءء, وانتهت الإثارة 
والمشاجرات من البرامج في ظل استضافة تمثلين لتيار واحد طوال 
الوقت. وبدأت حالة التململ من أداء المذيعين والتنقيب في رواتبهم 





49 هربرت شيلار؛ المتلاعبون بالعقول: كيف يجذب محركو الدذمى الكبار في السياسة والإعلان وومائل الاتصال 
الجماهيري خيوط الرأي العام؟, ترجمة: عبدالسلام رضوان. سلسلة عالم المعرفة, العدد 6ه المجلس الوطني للثقافة 
والفنون والآداب, الكويت, أكتوبر 1986. 


- 60 - 


السنوية والزهد في مشاهدقم. وتفضيل مباريات دوري أبطال أوروبا 
وحلقات "هبة رجل الغراب". : 

وضعٌ مقلق؛ لذا كان من الضروري عن دور آخر يقوم بَهِ الإعلام 
لخدمة النظام. هكذا جرى التحول عن النص الدعائي إلى نظرية "إذا ' 
م تستطع أن تقنع الآخر بوجهة نظرك غير الموضوع". . ش 

لمتابع لأداء القبوات الفضائية القبرا ية بحلول فاية العام 2014 
يدرك بالفعل أن التوجيه قد جاء إليها بتغيير الموضوع وتخفيف جرعة 
السياسة مقارنة بالوضع قبل عدة أشهر مضتء فأصبحت برامج 
الفضائخ والخرافات والاستشارات الجنسية تفوق في عددها وساعات 
بنها برامج "التوك شو". حتى برامج "التوك شو" نفسها بدأ تغيير 
د يطرأ على نوعية موضوعامًا وضيوفها ليصبح من المعتاد أن ترى | 
مذيعا ل يتحدث في شيء بخلاف السياسة في السنوات الأربع 
السابقة يناقش مع ضيوفه أزمة الملل الزوجي أو يستضيف فرقة غنائية 
أو يُحبي ذكرى وفاة شاعر راحل50. 

عرف من الواقع أن بعض برامج وقنوات "التوك شو" واجهت 
مأزقًا حقيقيا في تراجع أهميتها والإقبال عليهاء وبدلاً من أن تعيد 
النظر في طريقة عملها وأدائها فضلاً عن توجهاقاء إذا بما تريد أن 
تأخذنا إلى عالم الشعوذة والدجل, وموضوعات الفضح والإثارةن مع 
تصويرها على أنها أم المشكللات» في تزييف واضح للأولويات 
والاهتمامات لدى الرأي العام. 





0 تامر أبو عرب») مصدر سابق. 


-61- 


3 ملايين و460 ألف مشاهدة حققتها حلقة ريهام سعيد عن الجن 
على موقع "يوتيوب" في 4 أيام, هي وصفة منالية لإعلام يفشل في 
إحراز الأهداف فيتفنن في إضاعة الوقت؛ سينشغل الناس لأيام 
بالقضية؛ سيتحدث البعض عن رأي الدين فيهاء ويدافع البعض عن 
حق الإعلام في عرض أي قضية ويستنكر البعض محاولة شغل الناس 
بقضايا هامشية» ويسخر البعض من المذيعة وموضوع الحلقة: وعندما 
ينتهي الجدل حول الخلقة ستكون هناك حلقة من برنامج آخر جاهزة 
لإثار 8 دوامات جديدة من الجدل. 

إذا غدنا إلى ما تردد على لسان قسم كبير من كُدَّاب الأعمدة 
الصحفية أو مقدمي البرامج المدجنين التابعين للسلطةء خلال 
السنوات الأربع الَو تلت ثورة 25 يناير» سنجد أنفسنا قد انتقلنا إلى 
عالم مواز من الخيالات السامة. التي تتغاضى عن العواقب المأساوية 
للطوفان الذي يكاد يغرقنا. ورغم ذلك كانت كل هذه التعليقات 
ُنقل أو تبث على أنها منطقية وعقلانية في الإعلام الأليف, في حين 
حاول هؤلاء, بالباع والذراع, الانتقاص ثمن يخالفونهم في الرأي 
وقميش من يقدمون رؤية أكثر اتزانا وموضوعية. 

كان هذا درس قاسيً عن قوة الحروب الدعائية التي تشن 
حروبا شرسة على كل من يطالبون بحوار هادئ ونقاش موضوعي 
حول القضايا المختلفة من الإعلام إلى السياسة. ومن الثقافة إلى 
الرياضة, ومن الصحة إلى التعليم. 

المعضلة الأساسية هي أن الآلة الإعلامية والفكرية والدعائية التي 


-62- 


تعولى إنتاج رأس النظام (سواء أكان المشير حسين طنطاوي أم الرئيس 

محمد مرسي أم الرئيس عبدالفتاح السيسي) وتسويقه وتوزيعهء هي 
نفس الآلة التي تتولى نزع هيبته وتنفير الناس من حوله. بسب 
مواقفها الخاطئة وتجاوزاهًا. 

حتى في اختبار اللغة» رسب كثيرون في فشل ذريع للإعلام. 
.0 الأمثلة على المفردات الملتبسة في الإعلام والخطاب العام المصري 
لا تنتهي» والتباسها يحول دون أن يتفق الناس على حد أدىن من امعان 
يكون أساسا للتفاهم بينهم, علاوة على تشويهها للنقاش العام. 

خذ مثالاً كلمة "المتهمين". في وسائط الاتصال؛: تجد متكررة كلمة 
' الإشارة إلى "المتهمين" الذين ألقي القبض عليهم هنا أو هناك. ليس 
خافيس أنه في الأغلبية الساحقة من الحالات؛ هؤلاء "المتهمون" ليسوا 
متهمين بل هم مشتبه بهم لا يصبحون متهمين إلا بعد التحقيق معهم 
وتوجيه قرار الاتهام إلى كل واحد منهم. بشاعة ما يُنسب إلى هؤلاء 
الأفراد ليست مبررًا لإطلاق مصطلح "لمتهمين" عليهم. احترام اللغة 
والقانون يحتم ذلك وأيا كان شعور من يكتب ومن يتلقى تجاه 
الأفراد المشتبه يمم. 

الإشارات إلى "ثأر" الدولة لضحاياها الذين قتلتهم غدرًا جماعات 
العنف المسلح هي مثال آخر مؤسف على استخدام. المفردات 
الملتبسة. الدولة لا تأخذ بثأرء فهي ليست تنظيمسا بدائياء بل هي 
مؤسسة تجتهد للتغلب على البدائية ونشر قيم الحداثة. الدولة 
بتصديها لجماعات العنف المسلح التي تعتدي على حياة ممثليهاء تُقيم 


- 63 


القانون وتفرض سلطتهاء وتمارس حقها في استخدام القوة ضد كل 
الخار جين على النظام العام. 

هذه هي المفاهيم التي يتوقع من الدولة ومن وسائط الاتصال أن 
تبثها في الناس. وهي بها تدشر الثقافة السياسية الحديثة: بل والثقافة 
الحديثة في أبسط معانيها' وترتقي بالنقاش العام, وتعزز شرعية الدولة 
ذاهًا. اعتبار أن الدولة تعتنق نفس المفاهيم المتخلفة جموعات من 
الأفراد يرل بالدولة إلى نفس مستوى هذه المجموعات ويقوض من 
شرعيتهاء بينما هي في حقيقة الأمر تمارس حقنا شرعياً تام لها 
بتصديها للمعتدين على ممثليها. 

مثال آخر هو ما درج المسؤولون الحكوميون, وما درجت وسائط 
الاتصال عليه من الإشارة إلى 'المجرة غير الشرعية"؛ وإلى "المهاجرين 
غير الشرعيين"؛ على الرغم بما في مصطلح "غير الشرعي" من إيحاء 
بأن مثل هذه المجرة جرعة؛ مبرر نعت من بمارسها بأسوأ أنواع 
النعوت والتعامل معهم بأقصى أشكال القسوة, ومشروعية مقاومتهم 
بالعدف الذي يليق باتجرمين» حتى وإن بلغ هذا العنف منتهاه. ليس 
هذا مجال الحديث عن هذا الشكل من أشكال المهجرة ومسبباقاء 
ولكن ربما تكفي الإشارة إلى أن مصر طرف في "الاتفاقية الدولية 
لحماية كل العمال الهاجرين وأفراد عائلاهم". بل إفها أول دولة 
صدقت عليها, وهذه الاتفاقية صريحة في إطلاقها مصطلح "المجرة 
غير المنظمة" على ما درج المسؤولون ووسائط الاتصال عندنا على 
تسميته "الهجرة غير الشرعية". وفي تأكيدها على أن هذا الشكل من 


-64- 


أشكال ال هجرة ليس جريعة51. 
في السنوات الأخيرة: لم يعد الإعلام يراعي ضميرًا مهنياء ولم 
يعد يحترم جمهوراء ولا يحرص على وطن. وجدنا أنفسنا أمام إعلام 
يسيع ولاءه لأطراف لا نعرفهاء منذ أن رفعت اليادين عنه قيود 
الرئيس حسني مبارك فطغى وتجبر. وحتى شكوى الرئيس عبدالفتاح 
السيسي منه لنجومه الذين لم نعرف غيرهم طوال السنوات الأخيرة. 
هذا "اللفيف من الإعلاميين والإعلاميات ومُقدمي البرامج 
بالفضائيات" بتعبير وكالة الأنباء الرهعية, وكالة أنباء الشرق 
:الأوسط., هو بالضبط من يرتكب الجربمة التي اشتكى منها الرئيس. 
العاملين ني الإعلام, كانوا أيضا من شباب المذيعين» رغم أن هناك 
كثيرًا من رؤساء التحرير والعاملين في الإعلام والصحفيين لم يحظوا 
:. بشهرة, لكن لديهم القدرة على التغييرء ولو على المشهورين فيمكن 
' للسيسي أن يستعين يحم في الحملات الإعلانية فقط, 
أعضاء "اللفيف" لم يذهبوا للقاء السيسي في أغسطس 2014 
للعشاور بشأن مستقبل المهنة الذليلة» بل تسابقوا على الجلوس بجوار 
الرئيس, والتقاط الصور معه. وإلقاء الخطب الرنانة» التي جعلت 
الرئيس يطلب من أحدهم, وهو عبدالرحيم علي, أن "يحافظ على 
صحته" بأن يعخفض صوته. 
السيسي قال لهم إن الإعلام ليس "منضبط" وإن عليه وعليهم 
"دورًا كبيرًا في المرحلة المقبلة من حيث التعبئة الفكرية وتكوين 
الظهير الفكري. ومسموح بالاختلاف دون إضراز بالوطن"52. 


1 ذ. إبراهيم عوضء مفردات الخطاب العام جريدة "الشروق" القاهرة؛ 28 سبتمير 2014. 


-65- 


لكننا بالفعل نعيش أزهى عصور الإضرار بالوطن. 

اقتصرت نصيحة الرئيس عبدالفتاح السيسي إلى العاملين في مجال 
الإعلام على مسألة فرعية واحدة تخص الالترام بعدم الإساءة أثناء 
الردّ على الحملات المتجنية من الآخرين, وأعرب عن أمله في أن 
يصل إعلامُنا يمذا الالتزام إلى الدرجة التي يُضرب به المثل فيها حتى 
يصير في مقدورنا أن نقول للعالّم إن لدينا مدرسة منفردة في الإعلام. 

وبغض النظر عن التسليم» أو التحفظ. على أن يكون من 
مسؤوليات الإعلام أن يعولل الرد على مثل هذه الحملات؛. شواء 
بالالترام أو بالانفلات, فإنه كان ينبغي الإقرار بأن الإعلام المصري 
يمر بأزمة حقيقية وأن فراسخ تفصل بيننا وبين المستوى المأمول, كما 
أنه لا يمكن لأحد أن يزعم أن إعلامنا كان متفوقا يوما ماء بل إن 
الثورة قامت ومن أهم شعاراهًا أن يكون لمصر إعلام يقوم برسالته 
التي على رأس أولوياتها تلبية حق المواطدين في معرفة الأخبار وخلفياتها 
ومّن هم المخركون ها وتفسير كيف تجري الأمور واحتمالات سيرها 
وترجيحات ما سوف يترتب عليها.. الخ وأن يُعالج الإعلام كل هذا 
في إطار فنون الوسائل المطبوعة والمسموعة والمرئية. 

وأما الإعلام المصري المملوك للدولة. من صحف وإذاعة 
وتليفزيون, فإن أزمته قديمة ومعقدة وتتداخل فيها الأسباب والنتائج, 
وقد دخل مع عصر مبارك نفقا مظلماء عندما تلاشت القضايا 
الوطنية والقومية واحتلت المصالح الخاصة صدارة النشاط العام 


2 محمد موسىء الإعلام في امتحان رابعة, جريدة "الشروق". القاهرة؛ 13 أغسطس 2014. 


-66- 


باتت السياسات العامة للوطن تُوضّع بلا شفافية وبمعزل عن أي 
ا وأصبح من واجبات الإعلام أن يقوم 
بالتخديم على تحقيق هذه الأهداف ومؤازرمًاء في حين وضع على 
رأس المؤوسسات الإعلامية آحادٌ من أنصاف المواهب, أو من 
المتلاعبين بما يعرفون, ممن لا يعنيهم سوى إرضاء صاحب القرار الذي 
نفحهم مناصبهم بمزاياها ومنافعها الشائلة, وأتى هؤلاء بدورهم بمن هم 
أقل منهم كفاءة ليسهل عليهم قيادهم؛ وأنعموا عليهم بدورهم 
بالمناصب التنفيذية التي تقوم برها بعدوير ساقية اختلط فيها 
.الإعلام, الذي من المفترض ألا يعنيه سوى الجمهور, بالدعاية التي لا 
يهمها سوى الحاكم. وجرى تجريف المجال من أصحاب الكفاءات 
الحقيقية, الذين دفع بهم دفعا إلى خلفية المشهد, ولم يعد لأحد منهم 
نفوذ في تسيير العمل؛ بل ل يُتَح لأحد منهم مساحة للنشر أو زمن في 
الإذاعة والتليفزيون إلا بشق الأنفس وبشروط تُبدّد أي إمكانية 
: للتعبير عن الرأي بحرية. والحقيقة أن ما حدث بعد 30 يونيو هو مجرد 
اتفنيد طفيف في بعض رؤساء العمل, وأما القاعدة التي تشدّ إلى الخلف 
فما تزال على قوقا ولا تزال تبعم بصلاحياتها إلى حد يُكبّل أحيانً 
المسؤولين الجدد53. 

هل تريد صورة للخطأ القديم المستمر بثبات مثير للدهشة؟ الْظر 
إلى نشرة الأخبار على التليفزيون, وقارن مع عصر مبارك, ستجد أن 
كتالوغ العمل لا يزال كما هو وفق قائمة البروتوكول الرسمية التي لا 





3 أحمد عبدالتواب, ولكن الإعلام الناجح يلزمه الكفاءة والزاهة وحُسْن السمعة, جريدة "التحرير", القاهرة, 3 
سبتمير 2014. 


-67- 


تقبل أن يتصدر أحدٌ مكانة الرئيسء فتأي أولاً أخبار الرئيس» حتى لو 
كانت مقابلات روتينية لا تتضمن تفاصيل سوى العبارات المحفوظة 
غيبا عن مناقشة تطورات الأوضاع في المنطقة ودعم العلاقات 
الثنائية بين البلدين والشعبين..خ. 

أين تفاصيل أخبار داعش واحوثيين واضطرابات ليبيا؟ وأين أخبار 
أوكرانيا؟ بل أين أخبار مركبة الفضاء الحندية التي يجحت في الدخول 
في مدار المريخ من أول محاولة؟ وكيف فعلها الحنود؟ هذه كلها تأي 
مختصرة أو يُكتفي بعرضها في جملة واحدة على شريط الأخبار الدوار. 
بل إن خبر التأجيل غير المتوقع للحكم في قضية مبارك جرى حذفه في 
نشرات المساءء بما أجبر الجماهير العريضة على اللجوء إلى القنوات 
الخاصة والأجنبية لمعرفة تفاصيل الخبر وأسبابه وتبعاته. 

هذه العقلية التي لا تزال تتحكم في معظم وسائل الإعلام مقتنعة 
بمهمة الدفاع عن الخط الرسمي بكل ما هو مسَّخّر تحت يدهاء كما أنها 
تقترف خطأ أفدح بتجاهل ما ترى أنه قد يؤدي إلى وضع المسؤولين 
في حرج. وهم يفعلون ذلك حتى مع الموضوعات المهمة التي تحظى 
باهتمام الرأي العام. ومن ذلك غض الطرف عن المخطط الذي دار 
بشكل مركزيء الذي لا يمكن إخلاء ذمة جماعة الإخوان المسلمين من 
التورط فيه. والذي يدير ماكينة أكاذيب وشائعات يومية من المفتررّض 
أن يوليها الإعلام اهتماماءبتبيان ما تحتويه من مغالطات والمستهددف 
منهاء ليس من باب الدفاع عن الحكم» وإنها لأنها قضايا تم الرأي 
العام صاحب الحق الأصيل في المعرفة والذي هو في الأساس الحدف 
الأول للإعلام. 


-68- 


والمفروض أنه ليس هنالك ما يعيب في الاعتراف بكل هذه 
الحقائق المؤسفة وني ذكرها وتكرارها علانية» بل إن هذا أول شرط 
للبدء في الإصلاح. وأما الخطأ الحقيقي فهو القفز فوق الواقع التعس 
وافتراض أن لدينا مؤسسات إعلامية لا ينقصها لبلوغ الكمال إلا 
بعض الرتوش. 

اللافت للانتباه أن وفدًا إعلاميا كبيرًا شهد دورة الجمعية العامة 
رقم 69 التي شارك فيها الرئيس عبدالفتاح السيسيء وضم هذا الوفد 
5 شخصا بينهم رؤساء تحرير وإعلاميون بارزون (لا نعرف كم 
تكلفت رحلتهم ولا من دفع نفقات السفر والإقامة في الفنادق). 
انحصرت مهمة هؤلاء في تسجيل ما قاله الرئيس ورصد تحركاته 
ولقاءاته. وأبلغنا أحدهم في تحليل له أن السيسي غيّر وجه مصر أمام 
العالم في 17 دقيقة (خلال الكلمة التي ألقاها). وقال آخر إن مصر 
قبل المشاركة في اجتماعات الجمعية العامة اختلفت عن مصر بعدها. 
وعلمنا ثما كتبه ثالث أنه بعد اللقاءات التي عقدها الرئيس فإن بعض 
الزعماء قالوا إنهم بدأوا يفهمون ما جرى في مصرء وإن منهم من عبر 
عن اعتذاره لأنه أساء الفهم في السابق. وذهب أحدهم إلى القول بأن 
هذه الدورة للجمعية العامة تستحق أن توصف بأنها "دورة 
السبيسي"...!لح. 

المشكلة تتلخص في أن الإعلام هنا قدم رؤية تتسم بالمبالغة وهذا 
ليبس من صميم دورهاء وقد تجد صدى لذلك نشرته صحيفة 
"المصري اليوم" في الزاوية التي تحمل توقبع "نيوتن", وذكر فيها 


- 69 - 


كاتبها أنه "بقدرة قادر حولت الفضائيات المحلية المصرية الحدث من 
خلال برامج التوك شو إلى مولد شعبي في طنطا أو دسوق أو قناء 
على غرار مولد سيدي السيد البدوي أو إبراهيم الدسوقي أو 
عبدالرحيم القدائي. (حتى) أصبحنا بلا مبالغة أمام مولد سيدي 
عبدالفتاح السيسي"54. 

انتقد الكاتب بشدة أداء الإعلام المصري في هذه التجربة» وأخذ 
عليه لجوءه إلى التسطيح وامجاملة والتهليل؛ والبعد عن العمق وتغييب 
التحليل, واعتبر ذلك تجسيدًا للأزمة التي يمر يماء حتى أنه يقول: 
"المشاركة الأهم في دورة الأمم المتحدة الآن يتم التعامل معها بنفس 
أداء الردح والشرشحة الذي اعتدناه طوال العام. (شوفوا. آهو 
أوباما بتاع أمريكا. هو اللي طالب يقعد مع السيسي أهه). إشايفين. 
آهو رئيس مصر قاعد في مقر إقامته أهه. ولا حد يقدر يقول له تلت 
التلاتة كام). (الرئيس هايلقي كلمة أمام قادة العالم. التخين ما 
يقدرش عنعه). 

بدا هذا المهرجان الإعلامي مقصودًا وله أسبابه المفهومة, لكنه 
جاء تكريسسا للشعار القديم "السياسة في الرئاسة". وهو ما تمنينا له 
أن يختلف بعد الثورة55. 

في حقيقة الأمر. إن هناك رؤية ملتبسة لدى كلا الطرفين - 
الرئيس والإعلام- بشأن دور وسائل الإعلام وضوابطها وأهدافها. 

4 نيوئن؛ زيارة الرئيس السيسيء جريدة 'المصري اليوم", القاهرة» 26 سبتمير 2014. 


5 فهمي هويدي, السياسة في الرئاسة, جريدة "الشروق" القاهرة: 28 سبتمير 2014. 


-370- 


في 7١‏ مايو 2014, أي قبل انتخابه رئيسسا بخمسة عشر يومسااء 
قال عبدالفتاح السيسي, في حوار مع عدد من القنوات الفضائية: 
"سألتقي بالإعلاميين مرة أخرى بعدما يتحقق ما طلبته من الإعلام, 
فيجب عليكم معالجة مشكلات المجتمع دون تحويلها إلى قضية 
سياسية". وأضاف أن "الإعلام لديه مشكلة حقيقية في التركيز على 
الأفق السياسي وتجاهل عدة قضايا أخرى مثل 'أولادنا اللي في 
الشوارع"؛ وتابع: "الإعلام وراء تحويل جميع المشكلات الاجتماعية 
إلى قضايا سياسية. فهناك مهمة قومية للإعلاميين في الفترة المقبلة» 
وهي مساعدة الجيش في محاربة الإرهاب". في ه أغسطس, بعد أقل 
من شهرين على انتخابه رئيساء قال السيسي إن "جمال عبدالناصر 
كان محظوظفً لأنه كان يتحدث والإعلام معه". 

في 7377 أغسطس 4 حذر السيسي في لقاء مع رؤساء تحرير 
الصحف من خطورة "استنمار الأزمات واستغلانها من أجل خلخلة 
الدولة". في اللقاء نفسه خاطب الرئيس الصحفيين بقوله "دوركم 
خطير وعليكم أن تحافظوا على اصطفاف المصريين في مواجهة 
التحديات". اختزل الرئيس دور الإعلام في عملية الدعاية والتعبئة 
السياسية. يبحث الرئيس عن "وزارة للإرشاد القومي". 

الخبر السيى أن هذا الزمن ولى وتأمل ألا يعود. هدف الإعلام أن 
يعكس النوع داخل المجتمع وأن يطرح كل الأفكار والآراء بما في 
ذلك الآراء التي يعصور الرئيس أفها تخلخل الاستقرار في حين قد يراها 
البعض تَنْشّد استقرارًا يقوم على الحقائق وليس الخيالات56. 


6 نجاد البرعي» الرئيس والإعلام, جريدة “المصري اليوم": القاهرة؛ 29 أغسطس 2014. 


-31- 


. إن التمدن في الإعلام يعني صناعة ساحات مستقرة للنقاش حول 
قضايا السياسة ووضعية الدولة ومؤسساهًا وأحوال امجتمع وحقوق 
المواطن وحرياته وظروف معيشته وتشجيع تعددية الآراء والمواقف 
وتمكين الواقفين في خانات الأقلية الفكرية ومعارضي السلطة 
والمغردين خارج السرب من إيصال أصواقم واجتهاداقم إلى الناس 
طالما اتسمت هذه بالطبيعة الدبمقراطية والسلمية؛ لذا فإنه ينبغي 
العمل على تحرير وسائل الإعلام من نط الملكية العامة أو الخاصة غير 
المراقبة وغير الشفافة والذي يورط الإعلاميين في صراعات السلطة 
والمصالح. ومتوقفة على كف يد الدولة ومؤسساتا أو أصحاب 
الملكيات الخاصة عن التأثير على المتداول إعلاميا وعلى كيفية 
تداوله؛ وعلى تطوير الكفاءة المهنية للإعلاميين ولكافة العاملين بمجال 
يحتاج أيضا إلى التطوير المؤسسي. 

ولأنه لا توجد أحزاب سياسية مدنية فاعلة في مصرء فإن وسائل 
الإعلام صارت تلعب الدور الذي كان يُفترض أن تلعبه الأحزاب, 
وبالتالي فإن من يسيطر على الإعلام صار يسيطر على الشارع. 

نتيجة لهذا الواقع فإن هناك معركة شرسة تدور رحاها مذ 
سنوات بين كثيرين للسيطرة على الإعلام في مصر. 

قبل عام 2000 كان يُقال إن المهدف الأساسي لأي رجل أعمال 
كبير هو ضمان صداقة أو شراء أحد الصحفيين المؤثرين, ثم اكتشف 
رجال الأعمال أن امتلاك صحيفة بكاملها أمرٌ أقل تكلفة وأكثر 
يسرًاء والأهم أنه يشبه امتلاك سلاح استراتيجي؛ لأنه يضمن حماية 


- 72 


الثروة وتعظيمها والتأثير في صناعة القرار. 

الصحافة الخاصة في مصرء لم تكن شرًا مطلقا كما يعتقد 
خصومها. لولا هذه الصحافة, ما تراكم الوعي السياسي الذي قاد 
إلى ثورة 25 ينايرء ولولا هذا النوع من الصحافة ربما ما كانت ثورة 
0 يونيو. هذه الصحافة أجبرت نظيرقا الحكومية أو القومية على 
التطور بعد أن تكلست وابتعد عنها القراء والمشاهدون. 
.. المشكلة أنه وسط إيجابيات محددة للإعلام الخاص, برزت خطورة 
وجود احتكار في هذه الصناعة الاستراتيجية وبدأنا نلمس بعض آثاره 
الآن. ثم اكتشفنا أيضحًا أن هذا الإعلام يحاول إيهام الرأي العام أنه 
هوا الذي أقنع الناس بانتخاب عبدالفتاح السيسي رئيسا 
للجمهورية57. 

الآن لم نعد نعرف الفارق بين ما هو إعلامي وما هو سياسي في 
أداء وسائل الإعلام. 

لسنوات؛, لعب الإعلام دورًا أكبر من حجمه, خاصة في ظل 
ضعف الأحزاب السياسية وهيمنة رأس المال ومصالحه على الأداء 
الإعلامي. غير أن الأمور اختلفت بعدما فقدت بعض وسائل الإعلام 
جزءا من مصداقيتهاء حتى إن رئيس الوزراء سابقا د. حازم 
الببلاوي قال إن "الأمور انقلبت وفقد الإعلام بشكل عام الكثير من 
تعاطف الناس, وأصبح غير قادر بدرجة كبيرة على اللعب بمشاعر 


7 عماد الدين حسين, الإعلام المصري في مفترق طرق» جريدة 'الشروق"؛ القاهرة, 24 أغسطس 2014. 


زات 


الناس» سواء بنية سليمة, أو بمبالغات متعمدة.. أنا شخصياء بعدما 
كنت حريصا على مشاهدة القوات الفضائية» فقدت هذا الحماس 
بالدريج"58. 

مع ذلك؛ لوحظ اهتمام السلطة بالإعلام» إدراكاً منها للدور 
المؤثر التي تلعبه هذه الوسائل في تشكيل الرأي العام وحتى التأثير فيه 
وتوجيهه وإحداث التغيير الاجتماعي والثقافي؛ لذا أولت السلطة 
العلاقة بينها وبين العاملين ني هذا المجال اهتماما خاصاء فاق في 
كثير من المناسبات علاقاتها برجال الأعمال. ويبدو أن لدى السلطة 
في مصر عقيدة ثابتة بأن الإعلام هو أداهها للسيطرة والهيمنة على 
المستويين السياسي والاجتماعي. السلطة تعتبر أن من حقها "توعية" 
العاملين في وسائل الإعلام بأهمية تأييدهم لها وتبرير مواقفها 
وسياسائهاء وفي بعض الأحيان تدفعهم ولو بشكل غير مباشر إلى شن 
تلات ضد خصومها في الداخل والخارج؛ وإظهارهم بمظهر من 
يهددون أمن البلاد واستقرارها. 

أما إصلاح الإعلام وتنظيمه. فليس أولوية ملحة, رغم الأخطاء 
التي تقع كل يوم. 

ربما كان أولى بالسلطة, أن تُركز في عملهاء وأن تجتهد في أداء ما 
عليها من واجبات, وألا تشغل نفسها -أكثر من اللازم- بترويض 
الإعلام. إن المطلوب هو تمكين الإعلام من ممارسة حرياته وحقوقه 





8 عماد الدين حسين, الببلاوي يواصل حواره الشامل مع "الشروق": (2م2) فض رابعة بالقوة كان قرارًا 
مصيريم.. وضميري مستريح: جريدة "الشروق"؛ القاهرة: 4 سبتمير 2014. 


-374- 


.ومسؤولياته التي كففلها وأوجبها الدستورء والتي تتسق. مع روح 
العصر, ومع حاجة المصريين إلى آفاق أوسع من خُرية التعبير59. 

على الجميع أيضًا -من إعلام وسلطة ومجتمع- أن يدركوا أن 
في هستيريا الانفلاتات اللفظية ما يمهد لتسميم الجال العام وترويع 
أصحاب الرأي ومصادرة أي قيمة في هذا البلد. 

إن. الالترام بالحد الأديئ من الأخلاقيات العامة من فوق منابر 
الإعلام من متطلبات أي حوار جدي حول المستقبل» فلا حوار محتمل 
في مناخ مسمم ولا احترام لأحد أي كان قدره إذا كان بعض ما. 
يقال تنجل منه البيوت. 
. السؤال الذي يشغل الجميع ونحن في الطريق لتأسيس مجالس 
الإعلام الثلاثة التي نص عليها الدستور هو: كيف تخرج هذه المجالس 
إلى النور؟ من يشكلها؟ من يعين أعضاءها؟ وما هي كيفية اتخاذ 
القرار؟ ثم» وهذا هو الأهم: هل ستكون هذه المجالس فاعلة على 
الأرض؟! 

ونحن نناقش كل ذلك, علينا أن نلاحظ أن البنود والمواد المكتوبة 
في القوانين لا بدٌ أن يكون لا ما يسندها على أرض الواقع. 

على سبيل المثال: كيف يكون لدينا إعلامٌ بملوك للدولة فعلاً 
يوازن الإعلام الخاص الذي تتمدد مساحاته كل يوم والأهم تأثيراته, 
في ظل أن غالبية الصحف القومية مهددة بالإفلاس والإغلاق؟! 





9 أنور ال هواري» هات الطبلة يا غلام هات الزُمَّارة يا ولد!ء جريدة "المصري اليوم"2 القاهرة, 25 أكتوبر 2014. 


-375- 


ثم كيف يمكن للتليفزيون القومي أن .يخرج من مأساته المالية 
والإدارية ليتحول إلى قنوات إعلامية تستطيع المنافسة وعلى أسس 
اقتصادية؟ ثم وهذا هو السؤال الأهم: كيف يصبح هذا الإعلام 
"قوميا" فعلاً. بمعنى أن ,يعبر عن كل المصريين في حين أنه يتلقى 
معظم أمواله من الحكومة؟! 

لعله قد آن الأوان لتنظيم الإعلام وفق أسس سليمة؛ وتحريره من 
سطوة الإعلان وسطوة رجال الأعمال و"تربيطات" جماعات المصالح 
داخل الجماعة الصحفية: وَأن نعيد التوازن إلى إعلامنا بمكوناته 
العلمية والثقافية والاقتصادية والسياسية والترفيهية» ونعيد الوقار 
والرزانة إلى لغة خطابنا الإعلامي, قبل أن يؤثر الانحدار الإعلامي 
على مكانة الإعلام المصري, بل على مكانة مصر ذاها إقليميا 
ودوليا. 

الشاهد أنك تجد نفسك حائرًا بين مواد براقة تتحدث عن الحقوق 
والحريات في نصوص الدستور, وتقدم رؤية إنسانية عميقة وإدراكمًا 
جيدًا للقضايا والأولويات, ثم إذا بك ترتطم بحائط. الحقيقة: مممارسات 
مخالفة لهذه" النصوص "الدستورية وقرارات تباغتك إن تكن تصدمك. 

من هذا مثلاً القرار الذي أصدره رئيس مجلس الوزراء, المهندس 
إبراهيم محلب. ويقضي بتشكيل لجنة -من قانية أعضاء- لصياغة 
التشريعات الصحفية والإعلامية» تضم في عضويتها وزيرين حاليين؛ 
وثالشا سابقء بالإضافة إلى عدد من الصحفيين والعاملين في مجال 
الإعلام. كانت مهمة اللجنة وضع ما سماه القرار "تصورً لمهام الأجهزة 


-76- 


المنصوص عليها في المواد 5١١‏ و١١1١‏ و١1‏ من الدستور وأهدافها 
وتنظيمها". و"الأجهزة" التي تنص عليها هذه المواد هي: "المجلس الأعلى 
لتنظيم الإعلام", الذي يختص بتنظيم شؤون الإعلام المسموع والمرئي 
وتنظيم الصحافة المطبوعة والرقمية وغيرشماء و"الحيئة الوطنية للصحافة" 
التي تختص بإدارة المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة, وأخيرًا "الهيئة 
الوطنية للإعلام" التي تختص بإدارة المؤوسسات الإعلامية المرئية والإذاعية 
والرقمية المملوكة للدولة. 

"قرار مفاجئ ومخالف لنصوص الدستور". 

هذا هو ما دفعت به الجماعة الصحفية للاعتراض على تشكيل هذه 
اللجنة؛ التي ضمت في رئاستها المستشار محفوظ صابر وزير العدل؛ وفي 
عضويتها المستشار إبراهيم المنيدي, وزير العدالة الانتقالية» وشؤون 
مجلس النواب, والمهندس محمد الأمين» رئيس مجلس إدارة مجموعة . 
المستقبل» والدكتور صفوت العالم, الأستاذ بكلية الإعلام جامعة ' 
القاهرة» وأسامة هيكل؛ وزير الإعلام الأسبق, وعصام الأمير؛ رئيس 
اتحاد الإذاعة والتليفزيون, ومكرم محمد أحمد. نقيب الصحفيين الأسبق» 
وصلاح منتصرء الكاتب الصحفي. 

في بيان لهاء قالت نقابة الصحفيين إهًا والمجلس الأعلى للصحافة 
يستغربان بشدة صدور هذا القرار المخالف للدسّتور, وأضافت أن ما 
يفاقم الأمر ويثير المزيد من الشك والريبة بشأن دوافع هذا القرار 
وأهدافه, أنه صدر متجاهلا حقيقة وجود مسار آخر أكثر ديموقراطية 
وتنوعس في التعبير عن الواقع الصحفي والإعلامي, لوضع مشروعات 


533:3 


القوانين المكملة للدستور في ما يخص الصحافة والإعلام: وهذا المسار 
الذي بدأ عمله بالفعل قبل عدة أسابيع من تشكيل اللجنة المذكورة, 
حظي بتوافق من كل المؤسسات والهيئات المعنية؛ ويضم ممثلين من نقابة 
الصحفيين وامجلس الأعلى للصحافة واتحاد الإذاعة والتليفزيون وممثلي 
وسائل الإعلام المرئية الخاصة: فضلاً عن أكاديميين وخبرات قانونية. 
وإعلامية مرموقة. 0 

وطالبت نقابة الصحفيين رئيس الوزراء بالعدول عن مثل قراره؛ لأن 
تشكيل مثل هذه اللجان يعد اختصاصمً أصيادً للمجلس. الأعلى 
للصحافة, والتقابة» وفقا لنصوص الدستور, بحيث لا تنازعهما جهة في 
هذا الحق60: وهو ما دفع حلب إلى التراجع سريع. والقول على . 
لمناة: اشرق باسم مجلس الوزراء إن اللجنة سَتبقَى بصفة . 
استشارية؛ ثما يعني عمليا تجميدها. 

الشاهد أن اللجنة المذكورة غريبة عجيبة» فقرار تشكيبه .س سن 
المبدأ- مخالف للمادة 7 من الدستور التي توجب مشاركة نقابة 
الصحفيين في مشروعات القوانين التي تخص المهنة, كما أنه مخالف للمادة 
0من قانون تنظيم الصحافة التي تنص على ضرورة أخذ رأي المجلس 
الأعلى للصحافة في الأمور المتعلقة بالمهنة. 

يمكن القول إن تشكيل جنة محلب غلب عليه الصبغة الحكومية؛ إذ إن 
جود وزيرين حاليين في عضويتهاء إضافة إلى وزير ثالث سابق؛ يصب في 





0 اسقد سعيد حسانين: "غليان" صحفي بسبب لخنة محلب لصياغة "التشريعات الاعلامية". جريدة "التحربر” 
القاهرة. 17 أكتوبر 2014. 


-78- 


اتجاه تعزيز هذا التصورء رغم أنهم ليسوا أعضاء أساسيين في مجال تخصص 
الإعلام. 

برزت اعتراضات موضوعية على قرار رئيس الوزراء بعشكيل هذه 
اللجنة والمهام المنوطة لهاء خاصة أن القرار حصر القضية في تشكيل 
المجالس الثلاثة التي تنظم مهام وشؤون الإعلام فقط. وتجاهل القضية 
الرئيسية التي قم الجماعة الصحفية بأكملهاء والتي جرى التأكيد عليها 
في جميع الاجتماعات التمهيدية» وهي وضع التشريعات المكملة للدستور 
بما يضمن حرية الصحافة خلال السنوات المقبلة» وبما يستدعي معه إلغاء 
العقوبات السالبة للدنشرء وعقوبات مصادرة الصحف, وتنظيم حق 
إصدار الصحف بالإخطارء وغيرها من المواد المطلوب تعديلها. ٠٠‏ 

شلت الاعتراضات مسألة غياب التمثيل الجيد للجماعة الصحفية 
في هذه اللجنة التي ضمت مثلاً محمد الأمين» مهددس الأدوات الصحية 
ومالك قبوات "سي بي سي' '» وعصام الأمير» رئيس اتحاد. الإذاعة 
والتليفزيون, وهو في الأصل مخرج, وأسامة هيكلء وزير الإعلام 
الأسبق؛ الذي يعرف القاصي والدابي ما جرى للتليفزيون والإعلام في 
عهده؛ والذي يشيد بالدور الذي لعبته وسائل الإعلام المصرية» خلال 
الفترة الماضية, مؤكدًا أن "الإعلام نجح في خلق حالة وعي غير 
مسبوقة لدي الشارع المصري"61. 
:.الأغرب من ذلك أنه لا أحد من أعضاء اللجنة امتلك خبرة في 
التشريعات الصحفية والإعلامية. 


1 نور رشوانء أسامة هيكل: الإعلام نجح في خلق حالة وعي غير مسبوقة بالشارع المصريء موقع "بوابة 
الشروق" الإلكترويء 9 نوفمير 2014. 


79 سه 


لا تكمن المشكلة التي أثارها هذا القرار» إذاء في أن تشكيل اللجنة 
قد خلا من ممثلين للمجلس الأعلى للصحافة ونقابة الصحفيين؛ فضلاً عن 
خلوه من ثمثلين لنقابة الإعلاميين "تحت التأسيس" وللمهنيين العاملين في 
مجال الإعلام بالقطاع الخاص. أو في أنه تجاهل أن هناك بالفعل لحدة تضم 
هذه الأطراف للقيام بمهمة إعداد اقتراحات بمشروعات قوانين تتعلق 
بمذه الأمور وغيرهاء جرت المشاورات لتشكيلها منذ صدر الدستورء بل 
تكمن المشكلة -أساسا في أن المهمة التي كلف القرار لجنة الثمانية 
بالقيام يماء اقتصرت على ما يتعلق بتشكيل هذه الأجهزة. الثلاثة 
واختصاصاتّاء وهي فكرة بيروقراطية تجاوزها الصحفيون _الإعلاميون, 
خلال مناقشاهم حول المهام التي يتعين على اللجنة الي تمثلهم أن تقوم 
بحاء وانتهوا إلى أن هذه المهمة هي وضع اقتراحات بمشروعات قوانين 
مكملة لمواد الدستور التي تتعلق بحرية الصحافة والإعلام جميعها. بما في 
ذلك -بالطبع - المواد ذات الصلة بمذه الأجهزة الثلاثة. 

ما يلفت النظر في قرار رئيس الوزراء, أنه اختار من مواد الدستور, 
المتعلقة بحرية الصحافة والإعلام: ثلاث مواد فقط, وتجاهل ثلاث مواد 
أخرى - على الأقل - منه؛ تتعلق بالجوهر وليس بالشكل؛ وبالحرية 
وليست بالبيروقراطية, هي المواد 3٠‏ والا و؟7 التي تضمن حرية 
الصحافة والإعلام, وتؤسس لا يمكن تسميته "نظامسا إعلامي جديدًا" 
مع أن من بين مهام هذه الأجهزة أو المجالس- طبقا لنص الدستور 
نفسه- ضمان حرية الصحافة والإعلام المقررة بالدستور والحفاظ على 
استقلالها وحيادها وتنوعها. 


- 80 - 


والمواد الدستورية الغلاث, التي أخرجها قرار الحكومة من 
اختصاصات لجنة الثمانية» هي المواد التي تكفل حق إصدار الصحف 
وأجهزة الإعلام للأشخاص الطبيعيين» وتنص على حرية إصدار الصحف 
بمجرد الإخطار, وتحظر -بأي وجه - فرض عقوبات سالبة للحرية في 
جرائم النشر, وتحظر -بأي وجه - فرض رقابة على الصحافة والإعلام أو 
مصادرقا أو وقفها أو إغلاقهاء وتضمن استقلال الصحف ووسائل 
الإعلام المملوكة للدولة لتكون "تعبيرًا عن كل الآراء والاتجاهات 
السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية"62. 

إن القضنية الأساسية هي التوافق من أجل منظومة الإعلام المصري» 
لكن جحنة محلب جاءت لتدسف هذا المهدف من الأساس, قبل أن توأد 
اللجنة في مهدها بعد إسباغ الصفة "الاستشارية" عليها. 

ربما كانت اللقائدة الوحيدة من قرار محلب, هو تحرك الجماعة 
الصحفية, وتشكيل لخنة إعداد التشريعات الصحفية, من 4؟ عضوًا 
من القيادات الصحفية والتليفزيونية» لوضع قوانين تنظيم الصحافة 
والإعلام وفقا لدستور .2١1١54‏ ضمت اللجنة ١١‏ من الصحفيين؛ 
يمثلون هيئة مكتب المجلس الأعلى للصحافة وهيئة مكتب نقابة 
الصحفيين,. و١١‏ آخرين بمثلون الإعلام الخاص واتحاد الإذاعة 
والتليفزيون ونقابة الإعلاميين تحت التأسيس63. 


2 صلاح عيسىء جوهر المشكلة بين حكومة "محلب" والإعلاميين, جريدة 'المصري اليوم", القاهرة» 17 أكتوبر 
014 


3 مينا غالي, “التشريعات الصحفية" تبدأ عملها اليوم لإعداد قوانين تنظيم الإعلام, جريدة “المصري اليوم", 
القاهرة, 22 أكتوبر 2014. 


- 81 


الأكيد أن حال حرية الصحافة في مصر بعد ثورتين لا تسر أحدًا 

فقد كانت حرية الصحافة في مصر في المركز 155 في عام 5.17 ثم 
أصبحت في المركز ١55‏ في عام ١.1‏ واحتفظت بالمركز ذاته )1١69(‏ 
في 7.15 وفقا لتقرير" مراسلون بلا حدود", الذي يصدر في شهر 
فبراير من كل عام. 

بعد ثورة 25 يناير وانتخاب الرئيس الأسبق محمد مرسي, شهدت 
الصحافة تضييقا على حريتهاء بتجاوز عدد البلاغات المقدمة للنائب 
العام نحو . ٠‏ بلاغ؛ بجانب قتل الصحفي الحسيني أبو ضيف» واقتحام 
صحف وحرق مواقع والتعدي على أفراد بتهمة أهم صحفيون؛ فضلاً 
عن اتمامات واجهتها الجماعة بالسعي للسيطرة على الإعلام لماو 
للدولة عبر تعيبنات رؤساء تحرير الصحف القومية .وبعد عزل مرسي 
وتولي الرئيس عدلي منصور الحُكم بصفة مؤقتة, ثم انتخاب الرئيس 
عبدالفتاح السيسيء تم إغلاق بعض الفضائيات وإيقاف بعض البرامج, 
مثل برنامج" البرنامج "الذي كان يقدمه باسم يوسف, وتعرضت صحف 
للمصادرة, ومنها صحيفة" المصري اليوم"؛ لنشرها حوار الفريق رفعت 
جبريل؛ وكيل أول جهاز المخابرات العامة, الشهير ب"التعلب", ثم 
أحيل رئيس تحرير الجريدة؛ علي السيد. وأحد محرريها لنيابة أمن الدولة 
العليا بعد تقديم وزارة الداخلية بلاغ ضدها تزعم من خلاله أن 
الجريدة سرقت أوراق التحقيق في قضية مخالفات انتخابات الرئاسة عام 
.غ» ووجهت لرئيس التحرير والصحفي بالجريدة اقامات؛ من بينها 
"تكدير السلم العام, وادعاء بيانات كاذبة» وسرقة أوراق من 


-82- 


المحكمة"64. 

ضغوط التضييق على حريات الإعلام قد تكون أمنية أو مالية. 

ففي 5 أكتوبر 22014 تعرضت حرية الصحافة في مصر 
لانتكاسة خطيرة» أثارت غضب الجماعة الصحفية وكل أنصار 
الحرية, بعد تقدم وزارة الداخلية ببلاغ ضد جريدة "المصري اليوم", 
قالت فيه إن الجريدة "سرقت" أوراق التحقيق في قضية مخالفات 
انتخابات الرئاسة عام 1.17, في ممارسة تمثل عدوانًا صريمً على 
الحق في تداول المعلومات والقانون الذي يكفل للصحفي حماية مصادر 
معلوماته. وتشكل عودة لعصور تكميم الأفواه» بعد ثورتين من أجل 
الحرية. 

استمرت التحقيقات مع الزميلين أكثر من ١5‏ ساعة, في بلاغ 
مقدم من مساعد أول وزير الداخلية للشؤون القانونية» بشأن ما 
أعلنته الصحيفة عن اعتزامها نشر وثائق التحقيق في قضية مخالفات 
انتخابات الرئاسة عام 27.17 وذلك قبل أن يصدر قرار من النائب 
العام بحظر النشر في القضية؛ التزمت به الجريدة احتراما للقانون. 

انتهى التحقيق بقرار نيابة أمن الدولة العليا إخلاء سبيل علي 
السيدء رئيس تحرير "المصري اليوم", وأحمد يوسف. الصحفي 
بالجريدة؛ بكفالة ١...‏ جنيهء على ذمة التحقيق في البلاغ, بعد أن 


وجهت لما اقامات من بينها "تكدير السلم العام, وادعاء بيانات 
كاذبة, وسرقة أوراق من المحكمة". 


4 سمر النجارء مصر تتراجع في حرية الصحافة.. وحقوقي: انتهاك لخت المجتمع في المعرفة: جريدة “المصري اليوم"؛ 
القاهرة» 17 أكتوبر 2014. 


-83- 


وقال علي السيدء رئيس تحرير "المصري اليوم": "فوجئت في 
التحقيق بأن وزارة الداخلية هي من قدم البلاغ, مع أنها ليست جهة 
اختصاص, واعتمدت على مجرد إشارة في الصفحة الأولى» دون 
التحقق من الأمر, وما أذهلني أكثر أن النيابة وجهت لى ولزميلي أحمد 
يوسف قمة هي الأولى من نوعهاء وهي اتهام 0 باخعادر . 
معلومات من جهات لا تربطنا بما أي علاقة". 

وأوضح أن هذه التهمة سابقة خطيرة في التاريخ ع 
والهدف منها منع الصحفيين من الحصول على اللعلوفات» وإسقاط 
حقهم القانوي في حماية مصادر معلوماتقم, فضلاً عن أن قمة "نشر 
أخبار كاذبة من شأفا تكدير السلم" لم تحدث, لأن "المصري البوم' : 
تدشر شين من الأساس؛ والتزمت بحظر النشرء احتراما لقرار 
النائب العام. وتساءل: "القضية تثبت أن جماعة الإخوان جماعة 
مزورة, وإذا كان للدولة رأي آخر في ذلك, فها هي اتخذت الإجراء 
القانوي بمنع النشر, فلماذا التحقيق معنا؟!"65. 

والحقيقة أنه في ظل عدم وجود أوامر محددة بعدم النشر. من حق 
وسائل الإعلام ومن واجبها البحث والحصول على الوثائق 
والمعلومات, غير أن لقبضة الأمن -على ما يبدو - رأي آخر. 

عندما قال توفيق عكاشة في أغسطس 2014 إن مدينة الإنتاج 
الإعلامي قطعت عن قناة "الفراعين" خطوط الحاتف, وفي طريقها 
لوقف مكيفات الهواء ثم التيار الكهربائي» لم يكن يكذب. عكس 


5 انتكاسة لخرية الصحافة بعد ثورتينء جريدة "المصري اليوم", القاهرة, 17 أكتوبر 2014. 


- 84- 


وقائع كثيرة لا حصر لا انطلقت من شاشة قناته. بالفعل قناة 
"الفراعين" ومعظم القنوات المصرية مدينة بمبالغ طائلة لمديئة الإنتاج» 
لكن السؤال الذي لم يتوقف أمامه أحد: لمّ لا تطالب المدينة بالمديونية 
إلا بعد الغضب على صاحب القناة سياسيا؟ هل هذه السياسة 
ستستمر؟ هل سيكون لها استشاءات ونعود مرة أخرى للتفرقة بين 
القبوات على أساس سياسي؟ هل ستظل المدينة خارج حسابات معظم 
المنتجين الكبار عرسا وَأجانب؟ هل تتوقف عن الإنتاج الدرامي أم. 
تعود له بقوة بدلاً من المشاركة في مسلسلات معظمها فاشل؟ 

هنا تكمن أزمة إهدار أموال المساهمين في شركة مدينة الإنتاج 
الإعلامي التي كان بيد القائمين عليها أن تظل متصدرة البورصة 
المصرية لو تحولت كما كنا نتطلع إلى مركز إعلامي وفني وثقائي يخدم 
منطقة الشرق الأوسط كلها66. 

بعيدًا عن الدخول في جدل وتفاصيل كثيرة: ينبغي أن نتشغل 
بقضيتين أساسيتين في هذا الملف, هما التمويل والمهنية. ش 

تنظيم الإعلام كان أحد أركان بيان 3 يوليو 22013 ومحورًا 
مهما من محاور دستور 2014,: الذي جاء بمجموعة من المكاسب 
الإعلامية أهمها تشكيل ثلاث هيئات منظمة للعمل الإعلامي هي 
"المجلس الأعلى للإعلام" و"الهيئة الوطنية للصحافة" و"الحيئة الوطنية 
للإعلام” (المواد 211.212.213)» وحظر بأي وجه فرض أي رقابة 
على الصخف أو مصادرقا أو وقفها أو إغلاقها (المادة 71). 


6 محمد عبدالرحمن, تخفيف أحمال مدينة الإنتاج الإعلامي, جريدة "التحرير” القاهرة 26 أغسطس 2014. 


-85- 


الغريب أن المطلوب هو حزمة تشريعات في مقدمتها قانون 
لتأسيس المجالس الثلاثة» إضافة إلى تعديل قانون الصحافة وبعض مواد 
قانون العقوبات المرتبطة بالنشرء ولكن الملاحظ أن معظم الجهود 
أخذت ترتكز فقط على قانون واحد فقط. هو قانون المجلس الأعلى 
لنظيم الإعلام؛ وهذا القانون من المفترض أن يُعنى به ملاك القبوات 
التليفزيونية والصحف والذين ينتوون تأسيس صحف أو مواقع 
إلكترونية, في الوقت الذي يتجاهل فيه الناشطون قانوتي الهيئة 
الوطنية للصحافة واهيئة الوطنية للإعلام وهما مرتبطان بحياة ومصدر 
رزق عشرات الآلاف من العاملين في تليفزيون الحكومة ومدينة 
الإنتاج الإعلامي وشركات تابعة لاتحاد الإذاعة والتليفزيون, فضلاً 
عن الصحفيين والإداريين العمال العاملين في الصحف المملوكة للدولة 
والتي يطلق عليها عادة "الصحف القومية"67. 

الأكيد أنه لا معنى للاكتفاء باصدار قانون يختص بإنشاء المجلس 
الأعلى لنظيم الإعلام دون غيبره إلا أن تظل الأوضاع في هذه 
الإمبراطورية الإعلامية التي تملكها الدولة على ما هي عليه الآن؛ 
فتظل الأوضاع في مبنى ماسبيرو دون تغيير ويظل اتحاد الإذاعة 
والتليفزيون قائما باختصاصاته نفسهاء وبتشكيله نفسه. وتظل 
الأوضاع في المؤسسات الصحفية القومية كما هي.. ولا يتحقق ما 
قصده المشرع الدستوري حين نص في المادة ؟/ا من التعديلات 
الدستورية على أن "تلتزم الدولة بضمان استقلال المؤسسات 


7 خخالد السرجابي» من يعيد هيكلة الإعلام؟ جريدة “المصري اليوم"؛ القاهرة, 23 أغسطس 2014. 


-86- 


الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة لاء بما يكفل حيادها وتعبيرها عن 
كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية والمصالح الاجتماعية 
ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة الرأي العام". 

ليست المهمة المطروحة على المعنيين بالأمر على الصعيد الرسممي 
وعلى صعيد المشتغلين بالمهئة» ثمن تممهم حرية الصحافة والإعلام, 
. باعتبارها إحدى الحريات العامة التي يكفلها الدستور للمصريين» هي 
إعداد قانون في .ه أو .5 مادة لإنشاء "المجلس الأعلى لتنظيم 
الإعلام" ولا هي إعداد ثلائة مشروعات بقوانين تشمل هذا الجلس 
والهيئتين الوطنيتين للصحافة "القومية” والإعلام' 'الحكومي", ولكن 
إعداد سلة من العشريعات المكملة لمواد الدستور الخاصة بالصحافة 
والإعلام.. وهي مهمة ليست سهلة, يرى البعض66 أنما تتطلب 
وقمسا وصررًا؛ لأفها تشمل تعديلات في قوانين قائمة؛ وإنشاء لقوانين 
جديدة, وضمان التناسق فيما بينهاء حتى لا تصدر وبما أي عوار 
دستوري يسفر عن الحُكم ببطلانه. 

إن هناك حاجة لإصدار مجموعة من القرارات وسن عدد من 
التشريعات حتى يكتمل شكل النظام الإعلامي في مصر. 

بداية» فإن المطلوب إصدار قانون لإلغاء العقوبات السالبة للحرية 
في جرائم النشرء يلغي كل العقوبات السالبة للحرية في جرائم النشر 
من كل القوانين القائمة» وفي مقدمتها قانون العقوبات؛» بحيث يشمل 
إلغاء بعض المواد التي تتناقض مع الدستور, وإعادة صياغة بعضها 


8 صلاح عيسى: حت لا نُسلق قوانين تحرير الإعلام؟؛ جريدة "المصري اليوم" القاهرة؛ 24 أغسطس 2014. 


-87- 


الآخر, وتحديد الحد الأدبئ والحد الأقصى للغرامة المالية التي تحل محل 
الحبس في بقية المواد.. على أن يلغي هذا القانون كذلك عقوبة إلغاء 
أو وقف بث أجهرة الإعلام. 

ومشروع هذا القانون سبق أن وضعت مسودة له عام ؟..3, 
لجنة شكلتها نقابة الصحفيين» وترأسها المستشار عوض المرّء الرئيس 
الأسبق للمحكمة الدستورية, وهو لا يحتاج إلا لمراجعة أخيرة قبل 
اعتمادة. 

نشدد في هذا المقام على ضرورة تبني هذه المجالس دورًا لضبط 
استغلال الإعلام يمذه الصورة الفجة التي وصل إليهاء عبر آليات تمبح 
الحرية المطلوبة دون أي قيد, لكنها أيضا تملك آلية للتحقيق في 
الشكاوى المقدمة وإقرار العقوبة التي تتمثل في غرامات مالية ضخمة 
إذا ما ثبت الترويج لاقامات مرسلة لا تستند إلى أي دليل؛ إذ لا 
يمكن أن ترك الساحة مفتوحة لكل من يريد أن يشكل وعي الناس 
طبقاً لمصالحه الخاصة بلا أي رادع ولا حساب في حال الوقوع في 
التشويه والتضليل والكذب69. 

كما يتعين إصدار قانون يحل محل القانون رقم 15 لسنة 1995 
بشأن تنظيم الصحافة» يحمل اسم "قانون تنظيم حرية الصحافة 
والإعلام", يتضمن التعريف القانوي للصحف وأجهزة الإعلام المرئي 
والمسموع والإلكترويء وينظم حق إصدار الصحف بالإخطار وحق 
إنشاء الفضائيات بالترخيص. ويضمن حقوق الصحفيين والاعلاميين 


9 كريمة كمال؛ لا تصدّقوهم؛ جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 25 يناير 2015. 


.ويحدد واجباتهم, بما في ذلك حقوقهم. في حال تقديمهم: للمحاكمة, 
ويحدد الشروط الواجب توافرها فيمن بمتلك صحفسً أو أجهزة 
إعلام مرئية أو مسموعة أو إلكترونية» ويضم فصلين. أحدهما عن 
الصحف القومية المملوكة للدولة, يحدد شكل إدارها وطريقة اختيار 
رؤساء مجالس إدارتا ورؤساء تحريرهاء والآخر عن أجهزة الإعلام 
المرئية والمسموعة والإلكترونية التي تملكها الدولة.. ثم فصولاً تضم 
المواد التي تتعلق بتشكيل واختصاصات المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام 
وتشكيل اختصاصات الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام. 

بالإضافة إلى هذين القانونين الأساسيين, فهناك حاجة إلى ثلاثة 
قوانين أخرى, حتى يكتمل النظام الإعلامي المصري, ونعني بذلك: 
قانون تنظيم حرية الحصول على المعلومات طبقا للمادة 54 من 
الدستور؛ قانون بإنشاء نقابة للإعلاميين تنظم الاشتغال بالمهنة, 
وتكفل إصدار ميثاق شرف إعلامي, تتولى النقابة محاسبة من يخالفه, 
وهو مشروع تم إعداده بالفعل وتلقاه مجلس الوزراء؛ قانون بتعديل 
قانون نقابة الصحفيين, يتواءم مع المستجدات التي شهدقا المهنة منذ 
صدوره قبل 20 سنة70. 

إذا توافقنا على أن موضوعية الإعلام تعني تقديم البحث عن 
المعلومة وعرضها على حجبها والاجتهاد لمواجهة مواقع المسؤولية 
السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية بكشف حساب دوري 
للمنجزات وللإخفاقات» تصبح استعادة الموضوعية إلى الإعلام 





0 صلاح عيسى» جوهر المشكلة بين حكومة "محلب" والإعلاميين: مصدر سابق. 


- 89 


المصري مرتبطة. بمقاومة “توجيهات السلطة" وخطوطها الخُمر 
وبالرقابة الذاتية (الإعلاميين) والمؤسسية (وسائل الإعلام) والشعبية 
(عبر البرلمان والقضاء وجهات عامة متخصصة) على الأهواء 
والانحيازات التي ترتبها المصالح وبالحؤول دون انتصارها على المعلومة 
والحقيقة, وبالامتناع الطوعي (من قبل مُلاك وسائل الإعلام وإداراقا 
والعاملين بها) عن التورط في الترويج للصوت الواحد وفي تخوين 
المعارضين أو فرض الصمت على أصواقم وبتوقع الرقابة الفعالة حال 
المخالفة. 

بعبارة بديلة, لن نعيد التمدن والفاعلية والموضوعية إلى السياسة 
والإعلام إلا بالانفتاح على عمليات شاملة وطويلة المدى للتغيير 
امجتمعي والمؤسسي ولتجديد النخب والأفكار والأدوات2» وليس 
ذلك بالأمر اليسير في مواجهة مصالح السلطة ومّلاك وسائل الإعلام 
والنخب التقليدية والمستكينة دوما لثنائية الاستتباع نظير الحماية 
والعوائد71. 

وصلنا إلى مفترق طرق, وبات الجميع في حاجة ملحة إلى المكاشفة 
والمصارحة ومراجعة النفس؛ لأنه لم يعد مكنا الاستمرار على هذه 
الوتيرة وذلك الأسلوب الذي لا يفضي إلا إلى صحراء التيه 
والفوضى والعبث. 

حان وقت تغيير الفكر وأسلوب التناول الإعلامي لقضايا الجتمع, 
حتى لا يخسر كتاب الأعمدة الصحفية وورثتهم على شاشات 
العليفزيون كل شيء حين يجدون أنفسهم خارج الصورة, يتحدثون 
بلغة لم يعد يفهمها الناس أو تجاوزها الزمن. 


1 د. عمرو خمزاويء استعادة شيء هن التمدن إلى السياسة والإعلام, جريدة “الشروق". القاهرة؛ 4 مارس 
14 


- 90- 


ماسبيرو.. رجل الدولة المريض 


"ا مشكلة يا سادة هي ا ممول والبحث عن الريح حتى ل وكان 
بالتفاهة والبلس. وليذهب الوطن ومستقبله إى الجحيم.. 
مشكلة من يدفع فاتورة إعلام دولة فتية ليحل مجحل إعلام لا 
يؤدي إلا إى دولة غبية!" ” 

ثورتان تغيرت فيهما معظم مؤسسات الدولة, عدا جهاز 
التليفزيون المملوك للدولة2» بقي على حاله. ليس في السياسة 
الإعلامية» بل في غغطية أدائه» وتراجع تأثيره. وأيضا في فشل جميع 
الحلول التي اقترحها الخبراء لتطوير الأداء والوصول إلى إعلام 
هادف, لا يكرر أخطاء مرحلة مبارك. 

اتسم أداء التليفزيون المملوك للدولة بالبطء والترهل وغياب 
الكفاءة, في عالم الأسرع يهزم فيه الأقوى أيا كانت مصادر هذه 
القوة. 

يبقى هذا الجهاز التليفزيوي مريضا يحارب الموت الإكلينيكي 
قبل إعلان الوفاة بعد أن وصلت مديونيته إلى ؟؟ مليار جنيه. ني ظل 
عدم وجود سياسة واحدة تحكم الأمر, ولا معايير دف إلى تطوير 
حقيقي يحقق الأرباح. أعطى التليفزيون بتراجعه الفرصة لتفوق 


2 د. طارق الغزالي حربء قول واحد: إفها أجندة إعلامية لدولة غبية» جريدة "المصري اليوم", القاهرة» 22 


ديسمير 2014. 


- 91 


الفضائيات الخاصة.» وسط نداءات استغاثة لإنقاذ ماسبيرو من 
أوضاعه المتدهورة وترهله الوظيفي والإداري. 

أكثر من 42 ألفً يعملون في مؤسسة واحدة خاسرة ومدينة 
بمليارات الجنيهات, بل إن "ماسبيرو" في الحساب الختامي للدولة 
(2014-2013) كان المؤسسة التي حققت أكبر خسارة بين 
مؤسسات الدولة بمقدار أكثر من 4 مليارات جنيه؛ في حين أن لديها 
ديونا مستحقة لدى الغير تصل إلى 1.4 مليار جنيه. 

الرقم أحد أسباب الاندهاش لا يقدمه هذا التليفزيون من خدمة 
سيئة, فالتليفزيون بقنواته المتعددة وقطاعاته المختلفة يعمل فيه هذا 
العدد الضخمء دون أن يثمر ذلك عن تحقيق طفرة إعلامية, بل ساهم 
في ضعف مستوى الخدمة وانتشار الفسادء فضلا عن قمة تضليل 
المصريين إعلاميا على مدى سنوات. 

جيش من "الموظفين" يتقاضون رواتب شهرية تصل إلى 220 
مليون جنيه تدفع اليوم بالكامل من ميزانية الدولة, ومن أموال دافعي 
الضرائب. أما التناقضات الصارخة فحدث ولا حرج, ومن ذلك أن 
توضع القنوات الإقليمية الموجهة لخدمة مناطق جغرافية محددة, 
كمنطقة قناة السويس ومناطق شمال ووسط وجنوب الصعيدء على 
القمر الاصطناعي وتُكلف الدولة ملايين الدولارات سنوياء في حين 
أن فلسفة إنشاء هذه القنوات هي تغطية أقاليمها الجغرافية فقط. 

المؤسف حقا أن هناك وظائف في هذه المؤسسة الإعلامية 
الكبيرة ليس ها أساس أو مسمى في وزارات أخرى. وهناك هياكل 

-92- 


إدارية في ماسبيرو لسنا في حاجة إليهاء واكانت القرابة .عاملاً من 
ضمن تضخم العمالة في المبنى. كما أن لصفوت الشريف ومن بعده 
أنس الفقي دورًا رئيسيا في زيادة العمالة» للتقرب من أعضاء مجلس 
الشعب. وتحسين صورة الحزب الوطني, وذلك لاعتبار أن العمل في 
الإعلام نوع من الوجاهة الاجتماعية لكثر من العاملين فيه. لعقود 
طويلة, كان هناك إقبال شديد من الناس للعمل في ماسبيروء وكان 
الإقبال أكثر على القنوات المتخصصة والإقليمية» وبعد ذلك رحل 
كثيرون إلى القنوات الرئيسية في المبنى. 

تشهد "تيترات" البرامج على تضخم دور القرابة العائلية. حتى إن 
هناك عائلات تحكم المبنى ومنهم من هو خفيّ في مناصب إدارية, 
ومنهم ما هو معلن في أعمال برايجية. 

الهبات والعطايا عرف سائد ومتداول في اللمبنى المتهالك. 

0” ألف جنيه قيمة ما يسدده اتحاد الإذاعة والتليفزيون شهريا 
لع١‏ مستشارًا يعملون في ماسبيرو دون أن يحصل على عمل مقابل 
هذه المبالغ. كان كل مستشار منهم يحصل على راتب شهري لا 
يتجاوز ال.١‏ آلاف جنيه, لكن عصام الأمير رئيس الاتحاد 
والمشرف على وزارة الإعلام قرر زيادة رواتبهم بحكم ترقيتهم إلى 
وظيفة مستشارء حيث وصل راتب المستشار بعد الزيادة إلى "٠4‏ ألف 


الطريف أن هؤلاء المستشارين لا يأتون إلى المبنى غير يوم واحد أو 
يومين في الشهر, ولا بمكن الاستغناء عنهم لأنهم لايزالون في سن 
-93- 


الخدمة. قائمة مستشاري .ماسبيرو تضم علي عبدالرحمن» رئيس 
التليفزيون السابق» وعبدالفتاح حسنء. رئيس قطاع القنوات 
المتخصصة السابق, وفريدة أحمد حمدي مكاوي, مستشار في قطاع 
الشؤون المالية والاقتصادية وعبدالبي فكري غنيمي73. 

بل إن هناك ساعات عمل وهمية للعاملين كي يحققوا "السقف" في 
الدخل المادي, أي أن البعض يعمل على وضع أسماء غير مشاركة في 
العمل من زملائه كي يحققوا سقفهم المالي من الرواتب المتغيرة,» كما 
أن هناك برامج ثابتة في الديكور لمدة .م سنوات, مثل "صباح الخير يا 
مصر",. والعاملون في الديكورات يحصلون على مبالغ مادية عن 
ديكور ثابت. 

يضاف إلى ذلك وجود تضخم في قطاع الأمن يتجاوز ١١‏ آلاف 
شخص.ء كما أن العديد من العاملين في الأمن ووظائف أخرى؛ من 
المتقاعدين من رجال الشرطة والجيش2 ويحصلون على وظائف 
ومناصب ومرتبات كبيرة» ولا حاجة لهم في المبنى. إلا أن تعيينهم 
وتكليفهم بتلك المناصب جاء نتيجة العلاقات الشخصية والوساطة 
مع أقاريهم في المبنى. 

تعسرب الموارد المالية في ظل الإهمال والتقصير وتكدس العمالة» 
فضلاً عن فشل ماسبيرو في جذب الإعلانات. إن إدارة الإعلانات في 
التليفزيون المصري اعتادت أن تعمل كوسيط خبيث, مع وكالات 


3 ألف جنيه رواتب شهرية ل؛١‏ مستشارًا بالتليفزيون, جريدة 'المصري اليوم", القاهرة» 30 سبتمير 
014 


-94- 


الإعلانات لفضائيات أخرى, وسيط يفيد الفضائيات ولا يفيد 
التليفزيون, وما زاد الأمر سوءا في التليفزيون هو تحالف أصحاب 
الوكاللات الإعلانية مع الفضائيات ضد مصلحة التليفزيون المصري» 
ليتم سحب الإعلانات منهء» مع وجود مرونة سعرية في أسعار 
الإعلانات في الفضائيات الخاصة, عكس التليفزيون الذي حدد 
أسعارًا وثبت عليها وهي أعلى من الفضائيات. 

إن إسناد الإعلانات إلى وكالة صوت القاهرة أدى إلى هروب 
المعلن؛ لأنها غير جيدة في تعاملاتها. كما أن المنتج الذي يُقدم غير 
جيدء والعاملين في المبنى غير قادرين على التميزء وبالتالي يهرب 
المعلن. تبدو إدارة التسويق في المبنى غير قادرة على تسويق أي شيء, 
وكان لديهم مباريات دوري كرة القدم المحلي في مواسم عدة, لكن 
نتيجة الإعلانات كانت ضعيفة للغاية حتى إنما تكاد تكون غير 
موجودة74. 

خُرء مستقلء مملوك لأفراد وهيئات؛ كل بنسبء لا يُعبر عن 
طائفة دون أخرىء محايد على أرض الخلاف, وواقعي في نقل الحقائق» 
يبحث عن قيمة ليرسيهاء وعن جنيهات كثيرة يطور نفسه يماء يدفع 
عن نفسه قمة التوجيه. ويحاول أن ينافس محليا ودوليا.. ما سبق 
جرد حلم؛ يقتحم يقظة ومنام كل مصريء يتمنى أن يملك إعلاما 
مصريا حقيقياء يأبى التليفزيون أن يحقق الصورة ويلبي الحلم, 
تقف كل محاولات التطوير على عتبته لتعلن أنها باءت بالفشل 


وبجدارة. 


4 لماذا يهرب المعلن؟, جريدة "المصري اليوم". القاهرة, 4 سمتمبر 2014. 


- 95 


المنتمون للتليفزيون طرحوا عددًا من الحلول لأزماته التي لا 
تنتهي» والتي تبدأ بأكثر من 42 ألف موظف -بينهم 33 ألف موظف 
إداري- وتنتهي ب"هروب الإعلانات" ورغبة الدولة في هيكلته, 
فإذا يحم يواجهون أزمات جديدة تتعلق بجدوى كل هذه الحلول 
المطروحة ومصداقية من اقترحوها. 

يقع جزء من المسؤولية على الدولة؛ التي وضعت التليفزيون تحت 
عباءمًا منذ انطلاقه, ما جعله يفقد القدرة على التطوير وتجديد نفسه؛ 
لأن الدولة جعلته من أهم أدواهًا في التعبير عما تريده وللتأثير في 
ا مجتمع المصري كيفما تريد. 

ماسبيرو ظل منذ افتتاحه وإلى الآن "شاشة الحاكم".. بل إن وزير 
الإعلام لأكثر من 22 سنة. صفوت الشريف, انتشرت عنه مقولة: 
"دي شاشتي": وكان رؤساء القنوات يرددوفها بشيء من التوقير 
المبالغ فيه: "دي شاشة الوزير". 

ولعقود. جمعت علاقة استفادة متبادلة بين التليفزيون المملوك 
للدولة والحرب الوطني الحاكم. كل منهما استأثر بالآخر, التليفزيون 
كان بوق الحرب الإعلامي, ينقل حصريًا اجتماعاته ومؤتراته, 
وتنفرد برامجه بحوارات قياداته. والحرب أيضا يستفيد بأنه يجد الآلة 
الإعلامية التي يصل من خلاها إلى كل بيت: ويؤكد من خلاها 
أيضا وبشكل غير مباشر على شفافيته ونزاهته. 

بدورهاء حملت الدولة ماسبيرو أعباء ليس من الواجب عليه 
تحملها, منها مدينة الإنتاج الإعلامي و"نايل سات" والشركات التابعة 

-96- 


له. وكان هذا ما أثقل كاهل ماسبيرو المنهك اقتصاديا والعاجر 
إداريا. 

رغم الانتقادات التي طالت وزيري الإعلام صفوت الشريف 
وأنس الفقي. فإن المهندس أسامة الشيخ, رئيس اتحاد الإذاعة 
والتليفزيون سابقاء يرى أن د. سامي الشريف, رئيس الاتحاد عقب 
ثورة 25 ينايرء هو المسؤول الأول والأوحد عن الافيار المتسارع 
الذي يعانيه مبنى ماسبيرو؛ "لأنه بعد الثورة كانت هناك نسبة مشاهدة 
وإعلانات وبرامج ناجحة, وأخذ قرار مفاجى. بإلغاء البرامج اللي 
كانت بتجيب فلوس مثل "مصر النهارده" الذي كان بديلا ل"البيت 
بيتك" وكان وحده يدر عائد ١5‏ مليون جنيه في العام مقابل ه7٠‏ 
مليونا للإنفاق عليه, لكن سامي الشريف سرح العمالة المتميزة» 
وكبار المذيعين» ومن هؤلاء خيري رمضان ومحمود سعد وتامر أمين 
ولميس الحديدي, وكلهم ذهبوا إلى الفضائيات الخاصة, وأصبحوا نواة 
محطات خاصة ناجحة. وبرحيلهم رحل معهم كوادر الوكالات 
الإعلانية من صوت القاهرة الإعلايء والتي كانت تعمل بشكل 
تجاري وتدر عائدًا في 25.٠١.‏ .45 مليون جنيهء فعل كل هذا ولم 
يكن لديه بديلء وبالتالي سحبت حصة الاتحاد من الإعلانات وراحت 
للقبوات الجديدة "يبقى كأنه حفر قبر الاتحاد بنفسه"75. 


5 محمد طه. أسامة الشيخ في حوار ل"المصري اليوم": (؟-5) "ماسبيرو" يكفيه ه آلاف عامل والباقي "لابسين 
مزيكا". جريدة "المصري اليوم". القاهرة؛ 30 ديسمير 2014. 


-97- 


في ظل هذه الحالة الرثة لماسبيرو, أثيرت مقترحات ببيع مدينة . 
الإنتاج الإعلامي لتكون شركة مستقلة من شركات الدولة: إضافة 
إلى إعادة تنظيم ملكية القمر الصناعي ١‏ و5 اللذين كلفا ما يقرب 
من . ٠".‏ مليون دولار76. ومن الضروري أيضمً نقل ملكية شركتي 
صوت القاهرة وقطاع الإنتاج إلى شركات حرة ومستقلة تتحمل 
المكسب والخسارة وتسوق لنفسهاء وبالتالي يتم التخلص من هذا 
العبء في النفقات والعمالةيبما يحقق للتليفزيون فائضا يسهم في 
تسديد المديونيات المتراكمة عليه. 


في الفترة الأخيرة» برزت مقترحات بإيجاد بيئة تشريعية جديدة, 
بينها أن يتم تشكيل اليئة الوطنية لاتحاد الإذاعة والتليفزيون, وأن 
يكون هناك تمويل؛ من السهل أن نحصل عليه من خلال بيع الأراضي 
التي يمتلكها التليفزيون ولا يحتاجها في جميع محافظات مصرء فهي من 
الممكن أن تحقق له مليارات الجنيهات. المهم أن يتم هذا التطوير 
والإصلاح الشامل في إطار جراحة عاجلة لكل قطاعات المبنى77. 

لقد عاى التليفزيون كثيرًا سوء الإدارة؛ وظل لعقود ينظر إلى 
عواقب إدارته الفاشلة على أها لا تتعدى لدغة حشرة على جسد هذا 
الفيل الذي يستعرض قدرته على سحق أي مُتحد حقيقي؛ لذا فإن 
أولى خطوات النجاح هي إعادة هيكلة العاملين ف المبنى.,: ويذهب 
البعض إلى القول بأننا في حاجة إلى عدد يترواح بين 7 آلاف و١٠‏ 


.2014 هليار جنيه مديونيات ضاعت على "افواء", جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة, 4 سبتمير‎ 7١6 
.2014 الفضائيات الخاصة تقضي على الأمل في المخافسة, جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة؛ 4 سبتمير‎ 7 


-98- 


آلاف شخص فقط لإدارة المبنى بشكل كامل78, في حين يقول 
المهددس أسامة الشيخ إن عدد العاملين بصورة حقيقية في ماسبيرو 
"حواليي »ه - ه الاف, الباقي لابسين مزيكاء وبيمثلوا إهم 
بيشتغلوا"79. 

تعد الأجور الحاجس الأكبر بالنسبة لأي مسؤول يتولى رئاسة 
المبنى؛ إذ إنما تلتهم ما يقرب من 08٠.‏ من ميزانية التليفزيون. وهناك 
تعاظم في الدخول المادية في ماسبيرو للعاملين خاصة بعد ثورة ه٠٠‏ 
ينايرء وبالتحديد القيادات»2 وهناك إنفاق بدرجة كبيرة فيما يسمى 
(اللجان الومية), كما أن هناك ساعات عمل وشمية للعاملين موجودة 
على الورق فقطء, يأ هذا ني الوقت الذي تتضاءل فيه الإيرادات 
لعدة أسباب, منها أن التليفزيون ليس لديه إدارة في التسويق» وعندما 
ظهرت الفضائيات أكلت سوق الإعلانات منه؛ كما أن التليفزيون 
يقدم خدمات لبعض المصالح الحكومية والوزارات لا يحصل منها على 
مقابل مادي, وبالتالي هناك تكلفة بدون عائد مادي. 

في لقائه مع شباب الصحفيين والعاملين ني الإعلام, تحدث الرئيس 
عبدالفتاح السيسي عن "ماسبيرو", مشيرًا إلى أنه كلف صفاء 
حجازي -رئيس قطاع الأخبار في التليفزيون- وعصام الأمير - 
رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون- وضع تصور للتعامل مع هذا الملف 


8 معايير العمل في التليفزيون.. الأقربون أولى ب"التعيين". جريدة "المصري اليوم", الفاهرة. 4 مببمير 2014. 


9 محمد طله. أسامة الشيخ في حوار ل"المصري اليوم": )١-1(‏ "ماسبيرو” يكفيه نه آلاف عامل والباقي "لابسين 


مزيكا". مصدر سابق. 


خلال 3 شهور, وقال: أعلم أن "ماسبيرو" تدهور تامساء ولكنه قبل. 
ذلك كان يقوم بدور مقبول» ولديه إمكانيات كبيرة ويامكانه العمل 
ب1000 أو 2000 شخص فضلاً عن رواتبه التي زادت لتصل إلى 
0 مليون جنيه والتي كانت جزءا من الزيادة العامة في رواتب 
الدولة التي وصلت إلى 207 مليارات جنيه بعد أن كانت 70 مليار 
جنيه قبل 25 يناير80. 

وطبقا لموازنة 2015-2014 التي اعتمدها الرئيس عبدالفتاح 
السيسي, ونشرقا الجريدة الرسمية, فقد تم اعتماد مبلغ 25 مليونا 
وه74, ألفا و8.م جنيهاتء لمواجهة زيادات الأجورء وتم ربط 
الحساب الختامي لاسبيرو نحو ٠‏ مليارات جنيه و/ا9؟ مليون 
جنيه81. 

مقترحات الخبراء والمختصين لإصلاح ماسبيرو تتركز عادة في: 
الإسراع في تشكيل الهيئة القومية للإذاعة والتليفزيون التي نص عليها 
الدستور في المادة ؟١235‏ وتحويل بعض القطاعات الخاسرة إلى شركات 
مستقلة عن المبنى, ٠‏ تتحمل المكسب والخسارة مثل شركة صوت 
القاهرة ومدينة الإنتاج وقطاع الإنتاج و"نايل سات ت" وشركة علرع ‏ 
للفضائيات, وطرح أسهم باسم العاملين إذا رغبواء - طرح باقي 
الأسهم في البورصة. 


0 علاء الغطريفي, قابلت السيسي.. وماشربتش شاي بالياسممين!!2 جريدة "الوطن" القاهرة؛ 3 ديسمبر 2014. 


1 منصور كامل» الحكومة تناقش هيكلة 'ماسبيرو' خلال أيام» جريدة “المصري اليوم", القاهرة» 20 فبراير 


. 5 


- 100 - 


عن طريق تحديد الوظائف وتصنيفها وترتيبهاء وفتح باب التقاعد 
المبكرء واختصار هياكل الإنتاج المتضخمة؛ وضبط سياسة الأجور 
والحوافر وفقً للعمل الفعلي وتدريب العاملين, وتجديد الأفكار 
والدماء في البرامج وأن يكون التنافس بين العاملين على أساس 
الكفاءة وليس الأقدمية, وأن يتم تحويل الاتحاد إلى مؤسسة خدمية 
عامة بدلا من كونه مؤ سسة اقتصادية, وعرض بعض موجات /(] 
للإيجار. مع وضع ضوابط عمل تمنع الازدواجية والجمع بين عملينء 
فإما العمل في التليفزيون المملوك للدولة أو في الفضائيات82. ١‏ 


يضاف إلى ذلك حلول تتعلق بتطوير قواعد الإعلانات ووضع 
سياسة تتمتع بالمرونة في جذبماء وتفعيل دور شركات الإنتاج التابعة 
لاسبيروء وصيانة مراكز الإرسال» ووضع سياسة إعلامية متكاملة 
تتناسب مع مصر في مرحلة التحول. 

ويقعرح البعض وقف التعيينات في المبنى بضع سنوات, مع إيجاد 
آليات مبتكرة لتشجيع آخرين على الخروج وفق نظام المعاش المبكر. 
أما أبرز المطالبات فهي تلك التي تنادي باختصار حالة التضخم في 
المياكل البرامجية والإدارية خاصة في القنوات المتخصصة والإقليمية, 
ودمج القبوات, على اعتبار أننا لسنا في احتياج إلى 7 قناة 
تليفزيونية في ماسبيروء حتى نتمكن من الإنفاق على التطوير الحقيقي 
شكلا ومضمونا تغيير الشكل. 


2 روشتة العلاج: دمج القنوات وتشكيل الهيئة الوطنية للإعلام» جريدة "المصري اليوم". القاهرة» 4 سبتمير 


4 


- 101 - 


من قلب ماسبيرو, خرجت مقترحات أخرى للخروج من المأزق. 

فقد تقدم عصام الأمير»ء رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون. بمقترح 
لتطوير مبنى ماسبيرو إلى الرئيس عبدالفتاح السيسيء من أجل منع 
تدخل بعض أجهزة الدولة, وإفاء أزمة هيكلة التليفزيون. 

اقترح عصام الأمير ثمانية حلول لعودة التليفزيو: إلى الساحة 
التنافسية مرة أخرى, ويستطيع أن يحقق الاعتماد على نفسه. أولها 
زيادة قرشين على الكيلووات في استخدام الكهرباء, بدلاً من ١‏ مليم 
التي كان يحصل عليها التليفزيون المصري نظير خدمة مشاهدة 
التليفزيون؛ وثانيها أن تكون الزيادة ٠‏ قروشء وأن يتم إعفاء الأقل 
من .0 كيلووات في الشهرء ويتم وضع ضريبة على كل مستخدمي 
راديو السيارة في مصرء ليستفيد الاتحاد منها ب.27 مليون جنيه 
سنويا. وحسب عصام الأمير. فإن من ضمن الاقتراحات أن يكون 
التليفزيون المصري هو من يستغل ويقوم بتشغيل كل الإذاعات 
المصرية, خاصة إذاعة .4.4., وإذاعة نغم, وهتس, وراديو مصرء 
وميجا؛ لأن هذا يدر دخلا ب..؟ مليون جنيه سنويا بدلا من 
٠‏ مليون, قيمة إيجار تلك المخطات للقطاع الخاص. 

كما تضمنت الاقتراحات أن تككون هناك زيادة في نسبة 
الإعلانات لتصل إلى ١6.‏ مليون جنيه بدلاً من 7 مليوناء بعد أن 
يتم تعديل لائحة الإعلانات في الاتحاد» وأن تكون هناك زيادة في 
التسويق العربي البرامجي والدرامي من 50 مليونا ليكون ١٠١.‏ 
مليون جنيه سنوياء ويتوسع الاتحاد في تأجير أجهزة 


- 102- 


6 كلفضائيات» وسيكون دخل إيجار الأجهرة .ه مليون جنيه 
سنوي بدلاً من 4 آلاف دولار شهرياء وكذلك التوسع في 
الإنتاج الدرامي. وأشار الأمير إلى أنه إذا أخذت الدولة بكل هذه 
الحلول فسنحصل منها على 110 مليون جنيه سنويا فقطء رواتب 
للعاملين» وإذا أخذت الدولة باقتراح زيادة ‏ قروش على تعريفة 
الكهرباء سنحصل منها على 5؟؟ مليون جنيه سنوي فقط. وقال: 
"إننا نسعى لنقل القنوات الأرضية إلى التردد الرقمي, وبالتالي ستكون 
لدينا ترددات فائضة كثيرة» وستكون هناك جلسات خلال المرحلة 
المقبلة مع وزارت الاتصالات والدفاع والتخطيط والالية لاستغلال 
تلك العرددات"83. 

غير أن ما قدمه عصام الأمير» يبدو غير كاف ولا عملي؛ إذ إن 
ضريبة الكهرباء مطلب قديم سبق أن رفضه رئيس الوزراء الأسبق 
أحمد نظيف» وهذا ليس د بل مجحرد إجراءات لزيادة الموارد. 
ال ميكل هو عندما تحول ترددات القنوات الإقليمية إلى ديجيتال فيصبح 


عندنا 14؟ قناة إقليمية بدلاً من , يمكن *" > بعضهاء وقتها سيكون 
عندك فرص عملء ثانيا يجب أن تواجه المستجدات؛, حيث لا توجد 


في ماسبيرو إدارة للموارد البشرية وليس لديها إدارة تسويق بشكل 
علمي, وإنها يوجد تكرار رهيب في المراكز الإدارية داخل هيكل 
الاتحاد, كل قطاع لديه إدارة مركزية متمائلة يرأسها وكيل وزارة 
وهو يتبع رئيس القطاع. 


3 محمد طه. "ماسبيرو" يقدم + اقتراحات ل"السيسي" لإفاء “أزمة الميكلة"؛ جريدة “المصري اليوم", القاهرة, 


8 سبتمير 2014. 


- 103 - 


. من المهم إيجاد حلول للأزمة المالية» من خارج جيب الدولة:» بحسن 
إدارة أصول الاتحاد. وهي الأراضي والترددات والأرشيف والبنية 
الأساسية والكوادر البشرية وتحدثت معه عن شركة المحمول الرابعة 
التي ستأخذ ترددات» ومن الممكن أن تكون قيمتها المادية تحل أزمة 
ديون ماسبيرو كلهاء بخلاف الترددات التي سبق أن أخذقا شركتا 
تحمول أخريين, ول يحصل الاتحاد إلا على مقابل قليل. 

نعود إلى رؤية خبير في هذا المجال» وهو المهندس أسامة الشيخ, 
الذي يقول إنه ينبغي إعادة توزيع العاملين في المبنى بطريقة مبتكرة 
ومنطقية, ومن ذلك نقل تبعية قطاع الأمن [ 4118 شخصا] إلى 
وزارة الداخلية؛ لأن حراسة المنشآت مهمتها. كما ينبغي إعادة 
ترتيب الأوراق المتداخلة, إذ إن أحدًا لا يعرف ما الفرق بالضبط بين 
رئاسة الاتحاد وأمانة الاتحاد. لسنوات؛: كانوا كلما وجدوا أنهم بصدد 
قيادة كبيرة في ماسبيرو لا يجدون لا موقما فإنهم يضعون هذه 
الشخصية في منصب رئيس قطاع أو الأمين العام. الأمانة يما ١140‏ 
فردّاء ورئاسة الاتحاد يما 2479 القطاع الاقتصادي 477 الهندسة 
الإذاعية ١7‏ ألفا وحمسمئة فرد. الحل هو أن المجموعة التي تعمل في 
الاستديوهات تصبح نواة شركة لإدارة الاستوديوهات والىلا5 
والإذاعة الخارجية والمونتاج للتأجير للغيرء والباقي للإرسال» وهم 
رمعيسًا يعملون بمعدل أسبوع في الشهر والأسابيع الثلاثة الأخرى 
إجازة. عندما يتم التحول إلى ديجيتال وتقيم مشروع كابل قوي 
باستخدام هذه البئية الأساسية وهؤلاء الذين لديهم خبرة تحتاج مثلهم 
٠‏ مرات. هكذا يمكن عمل مشروع كابل أرضي فيه .6م قناة 

-104- 


وقبوات خاصة ودولية والمشترك يدفع ٠١‏ جنيهات شهريا لتحقق 
صاني ربح .: مليون جنيه في السنة. 

أما قطاع الأخبار فإن عدد العاملين فيه 291١19‏ وميزانيته ١1.0‏ 
مليون جنيه في الشهر تلتهمها المرتبات بالكامل. هكذا أغلق مكاتبه 
وليس لديه مراسلون ولا حتى في إسكندرية» ومراسلوه ومذيعوه 
الجيدون تسربوا. تذهب مقترحات التطوير إلى ضرورة عمل قطاع 
الأخبار على أخبار إقليمية وإقامة مكاتب في النمحافظات» فلا يصح 
مثلاً أن يقع انفجار مديرية الأمن في المنصورة فتسبق قنوات خاصة أو 
عربية ماسبيرو إلى مكان الحدث84. 

الثابت أنه لن يكون التليفزيون المصري مستقلاًء إلا إذا تم تشكيل 
الهيئة العامة للإذاعة والتليفزيون التي نص عليها الدستورء ليعبر عن 
كل طوائف الشعب, رغم أن قانون رقم ١7‏ الذي يحكم التليفزيون 
أنشئ حت يكون اتحاد الإذاعة والتليفزيون مستقلاً وليس تابعا. 

إن إعلام الدولة يجب أن يتم تأسيسه على القانون» وأن عنحه هذا 
القانون استقلالية تحميه من تعسف الحكومات, وتساعده على 
التطويرء وتعطي القائمين عليه القدرة على الإبداع؛ ويجب أن يخرج 
التليفزيون من فكرة السلطة التنفيذية التي تقيد حريته, فلا يمكن أن 
نلوم إعلام الحكومة لأنه لم يحصل على فرصة حقيقية في التعبير 
والحرية» بشكل حقيقي غير مكبل بقوانين وروتين وبيروقراطية 





4 محمد طه؛ أسامة الشيخ في حوار ل“"المصري اليوم": )5-١(‏ "ماسبيرو" يكفيه ه آلاف عامل والباقي "لابسين 
مزيكا": مصدر سابق. 


- 105 - 


عقيمة» وكل مؤسسات الدولة ومنها الإعلام كان أداة من أدوات 
النظام السابق في التعبير عن فكرهم, وكان مجلس الأمناء يختار من 
المرضيّ عنهم والمقربين في فكر الحزب الوطني الديمقراطي. أو أن 
يكون التليفزيون مثل هيئة الإذاعة البريطانية85. 

وفي تقديرنا أن التليفزيون لن يتحمل ديونه إلا إذا كانت هناك 
استقلالية إدارية ومالية. إذا تحررت الإدارة من القيود فسوف ينبهض 
التليفزيون ويصدر أفكارًا مختلفة وجديدة: ربا تُقيله من عثرته وتحسم 
مصير هذا المبنى المريض بكل الأسقام. 

حجر الزاوية في الإصلاح هو إدر اك موقعنا. 

لقد تغير العام وتغير معه الإعلام بشكل كبير. 

في زمن مضىء, كانت هناك ريادة للإعلام» وكان هناك يض 
احتكار للإعلام في ظل قلة القنوات ومحدودية وسائل الاتصال» لكن 
اليوم صار كل الناس "إعلاميين". والملايين من حملة الحواتف الذكية 
بمارسون المهنة» عبر النقل والأخبار والتعليق» ويؤثرون أيضاً في 
مجتمعهم. لم يعد الإعلام خاصا بالقلة من الصحفيين, ولا حكرًا 
على مُلاك الإعلام. 

وقد زادت معاناة الناس مع زيادة حريتهم» في تناسب عكسي 
طبيعي. فقد زاد العبء والمسؤولية عليهم نتيجة زيادة تناقلهم 
المعلومات, عُدلت القوانين» وأسست المحاكم. ووسعت السجون, 


85 استقلال الشاشة يبدأ ب"الخروج هن عباءة الدولة*. جريدة "المصري اليوم". القاهرة: 4 سبتمير 2014. 


-106 


لمواجهة إطلاق تعليقات خاطئة, أو معلومات مضللة, أو انحياز 
متعجل. كل شيء تغير. حتى الأدوار تبدلت؛ كان الصحفيون 
المصدرء واليوم عامة الناس صارت المصادر. وكنا نسمي في الماضي 
من يقرأ الجريدة أو يشاهد التليفزيون: المتلقي, أما اليوم فقد أصبح 
شريكمً للإعلام: يختارء وينسخ, ويطبع؛ ويرسلء» ويصورء ويضيف» 
وينقص, ويلونء ويحرر. اليوم كلنا شركاء في الإعلام؛ الفارق فقط 
بين متفر غ ومتعاون؛ أو بين محترف وهاو86. ش 

لقد ساعد الإعلام المملوك للدولة في زمن مضى على الحفاظ على 
جتمهوره العربي في أقصى لحظات الخلاف السياسي؛ وعندما وقع هذا 
الإعلام في فخ البالغة والتهويل والإساءات الشخصية للزعامات 
العربية فمن نفر من هذا الاتجاه ظل منجذبا إلى راديو مصر من 
أجل البرامج الثقافية والترفيهية الرائعة, مثل "لغتنا الجميلة" لطه 
حسين و"غواص في بحر النغم" لعمار الشريعي و"روائع المسرح 
العالمي": التي قدمها البرنامج الثابي, فضلا عن الدراما الإذاعية التي 
قدمت أروع إنتاج أدباء مصر في مسلسلات رائعة. فكان الإعلام 
المصري كلمطبخ الذي يقدم وجبة شهية غنية بجميع العناصر 
الغنائية 87. 

والمتابع للإعلام المصري المملوك للدولة؛ الذي يقارن بين ما كان 
وما صارء لا بدّ أن يصاب بغصة شديدة ويشعر بقلق على مستقبل 
المواطن الذي يشكله هذا الإعلام وصورة مصر ومكانتها لدى الغير. . 





6 عبدالرحمن الراشدء كلنا إعلاميون؛ جريدة "الشرق الأوسط", لندن؛ 25 نوفمير 2014. 
7 محمد عبدالمنعم الشاذلي» انتبهوا أيها السادة جريدة "الشروق" القاهرة؛ 16 أكتوبر 2014. 


- 107 - 


لغز "1 9 وق الأسون" 


“يجلس القبح كله في الفضباء الواسع .. القبح الليلي كما يسميه 
البعض أو هو الهم الليلي. تمسك بمحرك ا محطات مرة أخرى 
وتعيد الكرة فتنتقل سويعاً من محطة إلى أخرى وكأنك تدرك 
مسبقاً أنك لن تجد ما يشفي حبك للمعرفة أو العلم أو حتى 
التسلية الرزينة.. لا شْيء هناك سوى هم. نفس الوجوه التي لا. 
تزينها إلا كثير من ا مساحيق الباريسية.. هي نفس الوجوه التي 
تكرر بعض من خطاب الكراهمية وكثيرا من خطاب التحريض 
والتطبيل وا مجاملة الفجة والكذب ا معلب بفخامة الصنعة”88 


حدث كل شيء في عام 2014. 

ألغي برنامج "الصندوق الأسود" لعبد الرحيم علي الذي كان 
يقدمه على شاشة "القاهرة والناس". كما أعلن توفيق عكاشة عن 
إغلاق قناته "الفراعين", واستبعدت أماي الخياط من قئاة "أون ب في" 
عقب تعليقها المسيء ةق بحق المغرب بلدا وشعبااء واستغنت قناة 
"التحرير" عن مها يبمدسي بعد تعليقها الفج على حوادث تحرش وهتك 
عرض في ميدان التحرير في يوم تنصيب عبدالفتاح السيسي رئيسا 
لمصر. 





8 خولة مطرء ضجيج الفضاء العربي» جريدة "الشروق", القاهرة» 9 ديسمير 2014. 


- 108 - 


أبرز مقدمي البرامج الذين اختفوا من على الساحة باسم 057 
بعد توقف برنامجه الساخر "البرنامج", الذي كان يعرض على قناة "ام 
بي سي مصر"؛ في يونيو 2014, حيث أرجع يوسف سبب توقف 
برناجه إلى "الضغوط” التي يتعرض لها فريق البرنامج. 

وعن قئاة "سي بي سي" رحلت دينا عبدالرحمن» مقدمة برنامج 
"السابعة مساء", ومن بعدها عماد الدين أديب, وبرنامجه "يمدوء", 
وكذلك المذيع أحمد العسيلي» مقدم برنامج "حكومة منتصف الليل"» 
والمذيعة إنجي أنورء صاحبة برنامج "3 أيام". 

وخلال شهري سبتمبر وأكتوبر, ترك معتز بالله عبدالفتاح» مقدم 
برنامج "باختصار", قناة المحورء والإعلامية هالة سرحان» مقدمة 
برنامج "آن الأوان", بالإضافة إلى مغادرة أسامة منيرء برنامج "90 
دقيقة" بعد 6 أشهر فقط من انضمامه للقناة. 

كما تخلت قناة "القاهرة والناس", خلال شهر أغسطس 22014) 
عن نائلة عمارة مقدمة برنامج "حزرب الكنبة") وعبدالرحيم علي 
مقدم برنامج "الصندوق الأسود". 

وفي قناة "أون ني في" وتحديدًا في 25 سبتمبر, أسدل الستار على 
برنامج "آخر كلام" الذي كان يقدمه يسري فودة, حيث كانت آخر 
كلماته "نحمد الله أن أهمنا مرجعية الضمير والوطن.. وحان وقت 
الراحة"89. 





9 أحمد محمد عبدالباسطء "2014".. عام 'الخروج الكبير" ل12 إعلاميًا عن شاشات الفضائيات» موقع "بوابة 
الوطن" الإلكتروين؛ 28 ديسمبر 2014. 


- 109 - 


المشهد الإعلامي يتغير.. وني قول آخر يُغير من بعض ملامحه. 

بينما كانت مقدمة البرامج التليفزيونية ريهام سعيد تعرض حلقة 
عن الجن» وزميلتها منى عراقي تقتحم وكرًا متهما بأنه وكر 
للمثليين, وهبة قطب تتحدث عن أوضاع الجماع, كان باسم يوسف 
ورم ماجد وعمرو حمراوي قد أجبروا على أن يلزموا منازهم وبينما 
كانت محكمة جنح عابدين تبرئ دينا من قمة إشاعة الفسق في برنامج 
"الراقصة", كان عشرات الشباب يقبعون خلف الأسوار بتهم رسم 
غرافيتي نشر دعاية مضادة للدستور والمشاركة في وقفة احتجاجية. 

تغييرات متلاحقة أوحت بحدوث تغيير ما في المشهد الإعلامي 
المصري. لكن السؤال المعلق في رقبة التغيير ظل عنوانه الأبرز: هل 
سيؤدي ذلك إلى بداية جديدة للإعلام المصري. أم سيستمر هذا 
المشهد المرتبك؟ 

كان توفيق عكاشة -الذي عاد إلى الشاشة وقناته لاحقً- 
مروجي ما يعرف ب"الدعاية المضادة لثورة 2011", فقد واظب 
علي. صاحب برنامج "الصندوق الأسود", على بَث مكالمات 
شخصية لعدد من النشطاء المشاركين في تلك الثورة بدعوى كشفه 
لؤامرة وتوؤرط أصحاب هذه المكالمات في قضايا تخابر. على حد 
تعبيره. 

0 يتوقع مقدم "الصندوق الأسود" أن رجل الأعمال جيب 
ساويرس سيتدخل هذه القوة للتصدي هجومه الإعلامي. وفيما يخص 


-110- 


. قئاة "عكاشة" فكما هو معلوم فإن الدولة حينما تطالب بسداد فواتير 
والتزامات مالية متأخرة» فإن ذلك يكون من أجل محاصرة هذه القناة, 
بالضغط عليها أو للتخلص منها. 

الأكيد أن المشهد الإعلامي في مصر يتسم بالفوضىء, غير أن هذه 
التغييرات أو التحولات ربا تعطي مؤشرًا على أن الإعلام الفضائحي, 
الذي يتعمّد التشهير بالأشخاص, يحمل معطيات هزعته. 

في المقابل؛ يُبدي البعض توجسا أقرب إلى التشاؤم» مشيرين إلى 
أنه على الضفة الأخرى؛ اختفت أصوات أكثر تعقلاً واعتدالاً مثل 
يسري فودة الذي توقف برنامجه "آخر كلام" (قناة أون ف فيح) 2 
وتعرضت عايدة سعوديء المشرف العام على إذاعة "راديو هيتس". 
للإيقاف بسبب تعليقها على أحكام البراءة في القضية المعروفة 
إعلاميً ب"قضية القرن", قبل تدخل مؤسسة الرئاسة لإعادقا إلى 
عملها. 

حدث هذا وسط أجواء تجعلنا نؤمن "إن المضمون في القنوات 
الخاصة "تاه" إلا قليلاً. وذلك إثر قيم جديدة وعادات طارئة. فقد 
صارت الفضائح على الشاشة جالبة للإعلان والمشاهدين» وصارت 
الخناقات على الهواء جالبة للإعلان والمشاهدين,» وصارت اللغة 
السوقية والاتقامات والتخوين جالبة للإعلان والمشاهدين» وصارت 
شتيمة دول والاعتذار المتأخر جالبة للإعلان والمشاهدين"90. 





0 مفيد فوزيء قبل الفاصل وبعده جريدة "المصري اليوم”", القاهرة؛ 20 ديسمبر 2014. 


-111- 


هناك من يرى أنه لا خوف على مستقبل المشهد الإعلامي 
المصري؛ لأنه يُصلح نفسه بنفسه, ويدفع بالقول إن "ملاك القبوات 
التي كانت تقدم هذه البرامج الفضائحية اكتشفواء في النهاية, أن هذه 
المنتجات الإعلامية تضر بمصالحهم.. هكذا أدت 'أبواق السلطة 
الحاكمة" مهمتهاء ول تعد هناك حاجة لوجودها"91. 

في المقابلء فإن إغلاق قناة "الفراعين" بدا أمرًا متوقعاء فقد 
كانت القناة تعاب أزمات مالية مستمرة لعدم تحقيقها إيرادات كافية, 
في حين تكشف واقعة إيقاف برنامج عبدالرحيم علي عن حدوث 
تغير في أجندة تعامل الدولة مع هذا الملف. 

الرهان لدى البعض هو أن ما كان مطلوبس بالأمس لم يعد مقبولاً 
اليوم. ففي السابق رحبت قناة "القاهرة والناس" الخاصة ببرنامج 
عبدالرحيم علي, وتحملت المسؤولية القانونية جراء بثه» وعشرات 
الانتقادات بشأن عدم مهنية ما يقدمه. في فاية المطاف. وجدت القناة 
أن استمرار "الصندوق الأسود" يمثل تعارض مع مصالحها (خاصة 
بعد أن دخل علي في مواجهة مع رجل الأعمال القوي نجيب 
ساويرس). ومصال النظام كذلك, فتم التخلي عنه. 

ععنى آخر, فازت سلطة المال في هذه الجولة على أحد وجوه 
الإعلام (الفضائحي). 





1 جمد رائل؛ بعد عكاشة والحياط- هل سيتوقف الإعلام الفضائحي في مصر؟» موقع “/نا9" الإلكتروي؛ 6 
اسبتمير 2014. 


-112- 


إنها السلطة مجدذا. 

إن جاز استخدام تعبير "الجماعة الصحفية" الذي يفضله البعض, 
فهذه الجماعة كانت تواجه قوة السلطة فحسبء وبعد تغول النمط 
الرأسمالي المشوه في البلاد. أصبح العضو الفاسد من الجماعة خادما 
لسيدين يرعى مصاحه معهما: السلطة ورجل الأعمال. وللحقيقة, 
فالسلطة هي أكثر الأطراف قناعة, ترضى من الغنيمة بالمتاف. ولا 
تسأل عما يفعل الخادم في غيابها. 

لمزيد من التوضيح نقول إنه لا يمكن أن نحصر السلطة في مستوى 
السلطة السياسية أو جهاز الدولة: فهي موجودة في كل مستويات 
الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية والإعلامية» فكل مجموعة, 
وكل هيكل. تكون العلاقات فيهما خاضعة لمنطق سلطوي. وإذا 
ملت الدولة مركرًا لتراكم الممارسة السلطوية لأها قدف إلى 
إخضاع الكل الاجتماعي لهاء فهي لا تنفي مع ذلك عن المجالات 
الأخرى علاقاتها السلطوية92. 

هنا كنا أمام نزال بين سلطة المال وسلطة أخرى سنسميها الإعلام 
الفضائحي. دائم هناك فائر ومهروم. 

تكررت الأزمة, حين انقطع الإرسال عن برنامج "العاشرة مساء" 
على قناة "دريم" في 19 أكتوبر 22014 بعد كشف مقدمه وائل 
الإبراشي عن أدلة جديدة تتعلق بالسيدة التي أنميبت طفلتها في 


2 رضا الزواري. في نقد الأيديولوجيا: الدين- السلطة- الماركسية والديمقراطية. غيون. الدار البيضاء 0.1988 


ص 25. 


5 


-113- 


الشارع أمام مستشفى كفر الدوار بالبحيرة, وأثبت فيها تورط أطباء 
في منعها من الولادة داخل المستشفى, فضلا عن حديثه عن واقعة 
تتعلق تحرش في مدرسة ثانوية للبدات» ووفاة تلميذ سقطت عليه بوابة 
حديدية في إحدى مدارس مطروح. 

وقال وائل الإبراشي إن وقف البث المفاجى عن برنامجه كان 
لأسباب سياسية وليست فنية. مستدلاً على ذلك بأنه تم منعه من 
استكمال الحلقة. 

وأضاف الإبراشي أنه ثم إبلاغه قبل الحلقة أن وزيري التربية 
والتعليم والإسكان غاضبان بشدة من فتح ملفات تتعلق بموت 
التلاميذ في المدارس وبأوضاع المدارس في مصر عموماء 
وبالافيارات في بعض المصانع والمنشآت, مثلما حدث في مصنع 
العبور. وبالفساد في القطاعين عموماء وأنه لا داعي لتناول مخالفات 
تتعلق بالوزارتين» فرفضت ذلك وأكدت ضرورة كشف الفساد 
وحماية المواطئين ما دمت متسلحا بالمستندات وبالقواعد المهنية". 
والتعليم ووزير الإسكان لمارسة الضغوط على القنوات وإغلاق 
البرامج. عليهما أن يهتما أكثر ببناء المدارس والانحياز للطبقات 
الكادحة سواء في التعليم أوالإسكان ومنع اشيارات المصانع والبابي. 

لقد اكتشفت أن إغلاق برنامج عند بعض الوزراء أفضل من 
إنشاء مدرسة أو مصنع"93. 





3 حاتم مال الدين وإيناس عبدالله. “دريم”: عطل وراء قطع الإرسل عن 'العاشرة مساء".. الإبراشي: ندخلات 
سياسية. . والوزراء: ليس لنا أي صمة. موقع “بوابة الشروق” الإلكتروي. 20 أكترير 2014. 


-114- 


وعقب السفير حسام قاويش المتحدث باسم مجلس الوزراءء على 
واقعة قطع البث عن "العاشرة مساء" عبر مداخلة تليفونية مع قئاة 
"أون يَ في" قال فيها: "إن الحكومة ليست لها أي صلة بسياسات 
القنوات, ومحتوى البرامج المقدمة أو تحديد المذيعين, وإن الأمر يخص 
سياسة القناة". ورفض قاويش التعليق على ما قاله الإبراشي عن 
ملفات متعلقة بوزيري الإسكان والتربية والتعليم» مشددًا على أن 
الحكومة حريصة على حرية الإعلام, والالتزام بأخلاقيات وآداب 
المهنة. 

من جهته؛ أكد أسامة عز الدين» رئيس مجلس إدارة قنوات دريم, 
أن انقطاع الإرسال عن برنامج "العاشرة مساء" جاء بسبب عطل في 
"السيرفر" استمر حتى الواحدة إلا عشرة من صباح اليوم التالي» 
نافها أن تكون هناك أي أسباب سياسية أو تدخلات خارجية في 
قطع الإرسال عن برنامج "التوك شو" الرئيسي بالقناة94. 

وقال عز الدين: إن ما تردد على المواقع الاأخبارية حول قطع 
الإرسال عن البرنامج بعد تدخل من مسؤولين كبار بمجلس الوزراء 
محض افتراء» وإنه لم يتلق أي اتصالات من أي مسؤول بهذا الشأن أو 
غيره, مؤكدًا أن "العاشرة مساء" مستمر على شاشة القناة. 


4 “"التحرير" تكشف أسباب قطع قناة "دري" الهواء على "العاشرة مساء", جريدة "التحرير", القاهرة؛ 20 أكتوبر 


4 


-115- 


وعلى الرغم من اجتماع المهندس إبراهيم محلب. رئيس مجلس 
الوزراى مع وائل الإبراشي؛ ومطالبته بالعودة إلى الشاشة مرة 
أخرى95, فإن برنامج "العاشرة مساء" لم يشهد عودة مقدمه 
الإبراشي, لعستمر فضائية "درم 2" في إعادة بث حلقات مسجلة من 
البرنامج لبضعة أيام. 

ولي حوار صحفيء انتقد الإبراشي موقف "دريم" والحكومة, 
قائلاً: "كنت أتخيل أنه بعد ثورة 30 يونيو لن تستجيب القناة 
لضغوط وزيرء فدريم بمصداقيتها عند الجمهور أكبر من أي وزير, 
خاصة أن ولاءنا الأول والأخير للمواطن؛ وبالتالي لا أستطيع اتام 
دريم أنما تفعل ذلك كثيرًا؛ لأنها دفعت الثمن من قبل» ولكن صدمتي 
أن يأب هذا الموقف من وزير أو اثبين بعد ثورة 30 يونيو"96. 

غير أن رئيس الوزراء إبراهيم محلب. نظم جلسة صلح بين 
الإبراشي وبين رجل الأعمال أحمد بمجت. مالك قنوات دري 
والدكتور محمود أبو النصرء وزير التربية والتعليم على خلفية قطع 
البث عن برناجه» ليقول مقدم البرنامج إنه تم إفهاء الموقف وتصارح 





5 كريم البكري. "محلب": قلت للإبراشي إي أفتقده وأنتظر عودة برنائجه. موقع “بوابة الشروق" الإلكتروي. 22 
أكتوبر 2014. 

6 إيناس عبدالله “الإبراشي": يقيني أن هناك وزراء لا يستحقون الانتماء هذه الحكومة. . ولن أعود لدريم إلا 
بضسانات. موقع *بوابة الشروق" الإلكتروي. 23 أكعوبر 2014. 


-116 - 


كل طرف, وأخرج ما في قلبهه مشيرًا إلى أن ما حدث لم يقصد به 
الإساءة لشخص الوزير97. 

وليس عندنا كلامٌ عن مسألة قطع الإرسال؛ التي هي فضيحة بحد 
ذاهَا كشفت عن المدى الذي بلغته الرقابة على البث التليفزيويء التي 
باتت تراعي حساسية السلطة بأكثر ما تحترم المشاهد98:, حتى إفا لم 
تعد تتردد في إهانة مقدم البرنامج أو النيل من سمعة القئاة مجاملة 
للحكومة واستجابة لتحفظاتًا. إن دلالة قطع الإرسال واضحة, ولا 
يحتاج المرء لأن يبذل جهدًا في تسليط الضوء على سلبياتها. 

بعد أيام من واقعة قطع البث على برنامج "العاشرة مساء" على 
قناة "درم" قررت قناة "النهار" منع نحمود سعد من تقدي.م حلقة 
السبت من برنامج "آخر النهار". 

إدارة القناة لم تبلغ سعد بإلغاء الحلقة وبث برنامج خالد صلاح» 
الأمر الذي جعل سعد يفاجأ لحظة وصوله إلى مقر الاستوديو بمدينة 
الإنتاج الإعلامي» بوجود فريق عمل وضيوف خالد صلاح 299 
وعندما سأل إدارة القئاة عما يحدث كانت الإجابة "مش هينفع تطلع 
النهارده", دون إخباره بأي مبررات لذلك100. 


7 منصور كامل ومحمد كامل ومحمد طه ومحمد الصيفي, محلب ل"الإعلاميين": لا نية لتكميم الأفواه.. وموقفنا 
ضعيف في قضايا تحكيم دولي ب١١‏ هليار دولار. جريدة "المصري اليوم". القاهرة, 23 أكتوبر 2014. 


8 فهمي هويدي, سبُّوبة التقد البناء, جريدة "الشروق" القاهرة, 22 أكتوبر 2014. 

9 حاتم سعيد, منع محمود سعد من الظهور على شاشة "النهار" بعد وصوله "مدينة الإنتاج", موقع "بوابة المصري 
اليوم" الإلكتروي, 26 أكتوبر 2014. 

0 أحند فاروق» ندشر كواليس منع محمود سعد من تقديم "آخر النهار"؛ موقع "بوابة الشروق" الإلكتروي؛ 26 
اكتوبر 2014. 


-117- 


أثير كلام كثير حول العلاقة بين منع سعد من الظهور بالبيان 
الذي أصدرته قناة النهار, قبل إلغاء الحلقة بساعات؛ والذي أعلنت 
فيه منع ظهور "مروجي الشائعات" والاقامات الأجنبية ضد البلاد أو 
الجيش» وتابع البيان: "إن شبكة تليفزيون "النهار" وبناء على الإدراك 
للخطر الذي يهدد الأمن القومي المصري. وبناء على المسؤولية 
الوطنية التي تفرض على الإعلام دورًا تاريخيا في مواجهة مخطط 
إسقاط مصرء تؤكد أن السياسة التحريرية للشبكة لن تسمح بهذا 
النوع من التجاوزات في حق جنودنا في سيناء» أو في حق القوات 
المسلحة المصرية على وجه العموم, وتدرك الشبكة أن حرية الرأي لآ 
بمكن أن تبرر أبدًا السخرية من معنويات الجيش المصري ومن 
معنويات شعب مصر الذي يعلق آمالاً كبيرة على هذا الجيش 
للانتصار في الحرب على الإرهاب". 

غير أن المهندس أسامة الشيخ, رئيس قنوات "النهار", أكد لمحمود 
سعد أنه ليس المقصود بهذا البيان على الإطلاق. 

وبعد أخذ ورد قالت "النهار" إن محمود سعد "مستمر" في تقديم 
برنائجه عبر شاشة القناة وإن ما تردد من أنباء عن إيقافه عن الظهور 
على شاشتها "غير صحيح". 

وفي بيان صادر عنهاء قالت القناة: "تؤكد "النهار" أن محمود سعد 
(مستمر) في الظهور على شاشتها مؤدييا دوره كما اعتدناه دوم 
في دعم مسيرة الوطن وارعيه الصنت ورين الفامليل ونواجية 
الفساد والإهمال بكل أشكاله ودعما للمواطن وامجتمع والدولة 


- 118- 


بكل أركانها من أجل رفعة هذا الوطن"101. 

إن فهم ما يجري على الساحة الإعلامية في مصر يجب أن ينطلق 
من حقيقة مهمة, مفادها أن الإعلام» ليس مستقلاً. فهو يعكس طبيعة 
وحدود النظام السياسي. الحديث عن إعلام مستقل في بلد مغل مصر 
يعتبر شكلا من أشكال البالغة. 

وإذا كانت مواد الدستور الخاصة بالإعلام تؤسس لإعلام حر 
ومستقل. فإن النظام السياسي يبدو راغما في توظيفه لخدمة 
مصالحه. خاصة أن مرحلة التحوّل في مصر تتطلب أدوارًا محددة 
بدعوى مواجهة أشكال الدعاية المضادة للنظام. هذا شهدت الشهور 
الأولى من عهد الرئيس عبدالفتاح السيسي تدخلات من جانب 
الرئيس في المشهد الإعلامي. حيث تم تنظيم أكثر من لقاء جمع بينه 
وبين الإعلاميين. رأينا حرصا على استقطاههم باعتبارهم حلقة تصل 
الرئيس بالرأي العام ومن أجل الحفاظ على هالة الزعامة. بل إن 
السيسي تحدث عن قناة محددة معتبرًا إياها ضد النظام في مصرء 
وحذر من موقع إلكتروي بعينه.. وهذا توجيه واضح. 

هل هناك محاولة لصياغة تصور جديد للإعلام؟ 

الإجابة المنطقية بالإيجاب. بالتأكيد هناك محاولة, لكن في ظل 
الارتباك العام وعدم وجود برمان أو وزارة إعلامء لم يتم إنجاز 





1 ميساء فهميء “النهار' توضح موقفها النهائي من الإعلامي محمود سعدء موقع "بوابة الشروق" الإلكتروي» 
8 أكتوبر 2014. 


-119- 


خطوات تُذكر في هذا الإطار. من ناحية أخرى كشف استطلاع 
للرأي أجراه مركز "ابن خلدون" للدراسات الإغائية أن 9/076 من 
المصريين غير راضين عن أداء وسائل الإعلام: لافتقاره للحيادية 
والتنوع» وذلك خلال الفترة من أغسطس 2013 حتى أغسطس 
4. 

هذا الاتجاه العام يدفعنا إلى المطالبة بمراجعة الأداء الإعلامي. فهو 
من ناحية ليس بقرة مقدسة لا يجوز المساس يماء ومن ناحية أخرى فإن 
دور الإعلام وحدوده ورسالته من الأمور المهمة. حتى لا يسقط في 
فخ التبعية لأي طرف من الأطراف على الساحة, وحتى لا يتحول إلى 
جزء من آلة الدعاية, بما يفقده مصداقيته. 

وربما تكون أولى الخنطوات في المراجعة أن نقر بأن دور الإعلام في 
عهود سابقة لم يكن مساعدًا ولا مشجعا على التوعية والتنوير 
وتوصيل الحقائق بشكل موضوعي, بل إنه في النهاية يتحمل نصيبه 
من الإخفاق السياسي. هذا درس مهم؛ لأننا لا يمكن أن نتصور نتيجة 
مختلفة للأداء الإعلامي طالما أننا نتصرف بنفس الطريقة التي أدت إلى 
الإخفاقات السابقة102. 

لعل ما يحدث على الساحة الإعلامية يعد في أحد أوجهه صراعس 
على قيادة الرأي العام بين تكتلات سياسية وأجهرة أمنية وقوى تتمثل 
أسامسا في رجال المال والأعمال. 





2 د عبدالمنعم سعيد, عن الأحلام والإعلام!. جريدة “المصري اليوم". القاهرة, 5 أكتوير 2014. 


-120- 


المشهد الإعلامي يبدو حتى اللحظة فوضويا ويتسم بالعشوائية, 
وعملية التخلص من الوجوه السيئة أو صاحبة الأداء الفضائحي هو 
نتيجة لهذا الصراع المكتوم, الذي يصعب تبينه. هكذا عاشت مصر 
عملية عشوائية لتطهير الإعلام؛ لكنها تتخذ طابع الرسالة بأن لا أحد 
يتمتع بحماية الرئيس. 

في ظل هذه المعطيات: لا يبدو مستقبل الإعلام واضحًا؛ قد 
تتجه الأمور لتأسيس مجلس أعلى للإعلام» وهو السيناريو الأفضلء 
ومن الوارد أن تكون هناك سيطرة مباشرة من جانب السلطة» وهو 
أسوأ سيناريو تحتمل. 

حسب توصيف كاتب صحفي معروف, فإن "الحالة الإعلامية 
فاسدةء و"خربانة", لكن الرئيس فيما يبدو مضطرًا إلى المراهنة على 
هذا النوع من الإعلاميين» فلا الوقت يسمح بآخرين» ولا ظروف 
البلد تسمح. وإذا كان الرئيس يريد إعلاما في مستوى طموحه. 
فعليه أن يبدأ معركة تطهير الإعلام برجال الأعمال الذين يملكونه. 
ويوجهونه لأغراضهم الشخصية, ويوهمون الناس من خلاله أهم مع 
الرئيس ومع الدولة.. وهم أبعد ما يكونون عن ذلك"103. 

إن مهمة الإعلام في هذه المرحلة أن يعمل على التخلص من حالة 
السخونة الجارية في المجتمع المصري والتي تولدت بعد عهد الثورات 


3 محمود الكردوسيء الرئيس والإعلام: لا تراهن ولو سجدوا لك. جريدة "الوطن", القاهرة. 27 ديسمبر 


4 


-121- 


والتي أفقدت الكثيرين رشدًا يعجر عن التفكير أو أن يكون التفكير 
فيه عاجرًا مضطربا وحائرًا ومندفعا. وببساطة, فإن الإعلام يحتاج 
بشدة إلى الخروج من حالة "التحريض" و"التعبئة" إلى الحالة "المهنية" 
التي تقوم على المعلومات والمعرفة. كما يحتاج التخلص من حالة عبادة 
الفرد إلى الولوج إلى ساحة المحاسبة والتقييم» ووزن الأمور وإيرادها 
في المكان الصحيح. وسواء كان الموضوع هذا أو ذاك, فإن الجوهر 
خلق المسافة ما بين السياسة والإعلام, فرغم الروابط بينهماء فإهما 
بجالان منفصلان, لكل منهما ساحته وميزانه. 

وني تقديرنا أن للإعلام دورًا مهما في الحفاظ على الدولة في 
مواجهة المعركة الكبرى مع من يحاولون تقويض أسسها 0 
والعنف والخروج على القانون. المعركة هنا لا تقتصر على مصرء بل 
إها معركة ممتدة بامتداد الإقليم الذي نعيش فيه. ومن المدهش أن 
الإعلام المصري صار إعلامًا حلي في الوقت الذي امتد فيه 
التهديد لكي يشمل ساحة ممتدة من المغرب غرببً وحتى باكستان 
شرقاء عابرًا دولا وأقاليم» وشاملا لتنظيمات ذات أسماء متعددة 
وكلها تعلن عن نفسها من خلال الذبح للأفراد والبربرية من 
الجماعات وامجتمعات والدول. العبء هنا ثقيل؛ ولكن الأيام الصعبة 
تكون مهامها ثقيلة, وما لم تكن مصر قاعدة للوعي والمعرفة بالدين 
الصحيح فإنه لا مجال للحديث عن بوصلة المستقبل. 

إن مصر كلها تمر بمرحلة إعادة بناء المؤسسات, فقد خرج إلى 
النور دستور 2014) كما أجريت انتخابات رئاسية جاءت بعبدالفتاح 
السيسي رئيسا وتلي ذلك الانتخابات التشريعية. هنا فإن الإعلام 
على عاتقه مهمتان: الأولى أن يفعل ما تفعله كل مؤسسات الدولة 


-122- 


الأخرى, وهيتحويل مواد الدستور إلى قوانين؛ فلا قيمة في الحقيقة 
مواد تعطي الحرية دون تحويلها إلى قوانين تطبق من خلال السلطة 
القضائية؛ كما أن المؤسسات التي وردت في الدستور مثل مجلس 
الإعلام القومي, ومنظمة الصحافة القومية؛ ومنظمة الإعلام القومي؛ 
كل منها يحتاج إلى إطار وتقنين تقوده الصحافة والإعلام ونقابة 
الصحفيين. والثانية أنه رما آن الأوان لوضع "الصحافة القومية" على 
الطريق الصحيح للازدهار والنمو بدلا من الإفلاس والتريف المستد.م 
لميزانية الدولة بتحوها إلى مؤسسات عامة لا تملكها وتتحمل 
مسؤوليتها الحكومة» وإنما تطرح للشعب المصري لكي يتملكها 
ويراقبها ويحدد اتجاهاتها عندما يشتري أسهمها دونما احتكار لفرد أو 
جماعة. 

ليس خافيًا على أحد أن الإعلام جزء من التطور الديمقراطي في 
البلاد» وبقدر ما تنجح الصحافة والمحطات التليفزيونية وأشكال 
التعبير الإلكترونن في تجنب العنف اللفظي والإرهاب الفكري؛ فإن 
مسيرة الديمقراطية في مصر سوف تصل إلى نتيجتها المنطقية. هنا فإن 
متابعة المجتمع الأهلي. والحكم المحلي, والمؤسسات السياسية من 
البرلمان إلى رئاسة الجمهورية إلى السلطة القضائية؛ كلها تبني الوعي 
وتنمي المشاركة؛ وتخلق القيم التي لا غنى عنها في مجتمع ديمقراطي 
فعال بالعمل والإنتاج104. 

هذا هو خيط البداية» للخروج من "متاهة" الأداء الإعلامي 
المرتبك. 





4 د. عبدالمنعم معيد, الإعلام والأحلام مرة أخرى!؛ جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة. 12 أكتوبر 2014. 


-123- 


نهاية "الإعلام" 


"يمكنك أن تفعل أي شيء في الإعلام. ففي دنيا الفوضى كل 
شيء مباح مستباح. فلا وازع من لياقة أ وتقليد أو دين أ وأخلاق 
أو غيرها. فالرسالة ا معلنة "شاهد الإثارة والتصق بكرسيك". 
لكي ترانا هكذ/ فضائحيين نبيع الوهم وننش رالرذيلة والانقسام 
والفوضى والخداع والتدليس والكذب والدعاية والتحلل 
والدجل والشعوذة”105 


استبشر الناس خيرًا بإلغاء وزارة الإعلام, بعد أن كانت مجرد 
جهاز حكومي لتبرير النظام السياسي2 ولعبت لعقود دور "الخط 
الأمامي للدعاية للدولة". 

رأى كثيرون في هذا القرار خطوة باتجاه استقلال الإذاعة 
والتليفزيون ووضعهما تحت إدارة هيئة مستقلة من الكتاب والمفكرين 
والأدباء والمبدعين والفنانين لبناء الثقافة الشعبية,» أسوة بالدول 
الدمقراطية المتقدمة, وتكون الصحافة للعاملين يما أو موزعة على 
التيارات الفكرية والسياسية في البلاد. تتحاور فيما بينها حتى يتعلم 
الناس الرأي والرأي الآخر. ليس فقط في الاتجاه المعاكس الذي لا 
لقاء بينه وبين الاتجاه الآخر. بل في الاتجاه الآخر أو المقابل أو البديلء 





5 علاء الغطريفيء إعلام مثل شارعه, جريدة “الوطن", القاهرة؛ 15 ديسمبر 2014. 


-124- 


حرصاً على وحدة الثقافة الوطنية التي هي أساس وحدة العمل 
الوطني والحكم الائتلافي دون إقصاء106. 

وزارة الإرشاد القومي؛ هكذا كان المسمى البديل لوزارة الإعلام 
المصرية في خمسينيات القرن العشرين إلى أن تبدلت الخال في عهد 
الرئيس الراحل أنور السادات بقرار جتمهوري رقم 43 لسنة 1982 
فأصبح للإعلام وزارة مستقلة تحت مسمى وزارة الدولة للإعلام 
ككيان مستقل استمر على مدار 62 عاما. 

في عهود ناصر والسادات ومبارك كان هناك اعتمادٌ كبير على 
هذه الوزارة» لوضع سياسة إعلامية تواكب المشروع السياسي للنظام 
وتحشد له بالإضافة إلى دورها في مراقبة وتوجيه الإعلام الخاص. هذه 
الوظيفة انتهت مع ثورة 25 يناير» ما أدى لفوضى وسيولة إعلامية, 
في ظل غياب أهداف أو استراتيجية واضحة للدولة في التعامل مع 
الإعلام. وتزداد حالة السيولة والفوضى الإعلامية مع وصول عدد 
وسائل الإعلام من فضائيات وقنوات تليفزيونية رسمية» ومواقع 
إلكترونية إخبارية إلى المنات, ١.‏ منها على الأقل لها جمهورها الذي 
تؤثر فيه. زاد هذا الجمهور أو قل. 

3 شخصية تولت تلك الحقيبة الوزارية, بدءًا من فتحي رضوان 
في عام 1952 وانتهاء بالدكتورة درية شرف الدين حتى مساء الاثنين 
الموافق 16 يونيو 2014, حيث صدر قرار إلغاء منصب وزارة الإعلام 


6 د. حسن حنفي, أين صحف المعارضة؟, جريدة "المصري اليوم", القاهرة, 21 أغسطس 2014. 


-2125.- 


وتشكيل مجلس وطن بالتوازي مع التعديل الوزاري الذي قام به 
رئيس مجلس الوزراء إبراهيم محلب. 

المادة 72 من دستور 2014 تنص على أن "تلتزم الدولة بضمان 
استقلال المؤسسات الصحفية ووسائل الإعلام المملوكة هاء بما يكفل 
حيادهاء وتعبيرها عن كل الآراء والاتجاهات السياسية والفكرية 
والمصالح الاجتماعية» ويضمن المساواة وتكافؤ الفرص في مخاطبة 
الرأي العام. وأن تدار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة المملوكة 
للدولة المصرية بواسطة اليئة الوطنية لتنظيم الإعلام وتخضع لإدارة 
نحايدة ومستقلة". 

لعنة الحزرب الوطني والإخوان المسلمين» قادت وزراء إعلام في 
دائرة القضايا والسجون. 

ومن هؤلاء وزير الإعلام الأسبق صفوت الشريفء الذي تولى 
مهام منصبه من عام 1982 وحتى عام 2004. 

كان وبالاً على الإعلام يوم أن اختير لإدارته. من يومها وإلى الآن 
والتوجيه سيد الموقف, فلا أحد ينكر أن سنواته التي قضاها ضابط 
في المخابرات حددت علاقته مع الآخرين ورسمت سياسته في إدارة 
الإعلام» بحيث تحوّل من إعلام الدولة -هكذا نشأ- إلى إعلام الفرد 
-الحاكم غالبً- على يد صفوت الشريف. 

محمد صفوت الشريف» المولود في ١9‏ ديسمير 1933. حصل 
على بكالوريوس علوم عسكرية» وعمل ضابطا في المخابرات 
المصرية في ستينيات القرن العشرين؛ إلى أن حوكم في قضية انحراف 

- 126 - 


المخابرات في عهد صلاح نصر, لكنه استطاع الخروج من أزمته أقوى 
ثما كان عليه. 

لا يُحسب له في تاريخه الإعلامي سوى مساهمته في إنشاء مدينة 
الإنتاج وعدد من القنوات التليفزيونية» وإطلاق القمر الصناعي 
المصري "نايلسات", لكنه لم يضع لها ضوابط ومعايير» فكان ا مرضي 
عنهم أو كل من كان ذا صلة بالدولة أو الحرب الحاكم. يتم تعيينهم 
في تلك الجهات ليحصلوا على رواتب مجزية. 

وضع صفوت التليفزيون في جيب والصحف في الجيب الثابئ, 
واستخدمهما في تحقيق المهدف الأكبر "مصلحة الرئيس"؛ لذا كان 
منطقيا أن يكون الشريف أحد الأعضاء المؤسسين في الحزب 
الوطبي الديمقراطي عام /ا/2191 ويظل لسنوات صوت النظام. 

شغل الشريف عدة مناصب في الحزب الحاكم. كان الأمين العام 
للحزب من ٠.05‏ إلى 23.1١‏ ورئيسا سابقً مجلس الشورى 
حين قامت الثورة. سبق منصبه في الشورى عمله لسنوات وزيرًا 
للإعلام» وفي كل مناصبه كان له سند من أقرانه» وبرحيلهم عن 
النظام بعد ظهور القوى الجديدة "جمال ورفاقه" أصبح من الحتمي أن 
يصبح "الشريف ورفاقه" من الحرس القديم. وأن يكون أول من 
يضحي به مبارك في محاولة لتهدئة الغوار. حيث أقاله من منصبه كأمين 
عام للحزب قبل أيام من تنحيه- أي مبارك نفسه. 

عقب ثورة 25 يناير, أحال جهاز الكسب غير المشروع صفوت 
الشريف للمحاكمة متهما إياه بتحقيق كسب غير مشروع قدره 


-127- 


0 مليون جنيه. وأفادت التحقيقات بأن صفوت الشريف حقق 
ذلك الكسب مستغلاً مواقعه الوظيفية التي تولاها منذ كان رئيس 
للهيئة العامة للاستعلامات, مرورًا برئاسته لاتحاد الإذاعة والتليفزيون 
وتوليه منصبّي وزير الإعلام ورئيس مجلس الشورى. 

الاقامات التي تكشفت بعد ثورة 150 يناير» وأودعت الشريف 
سجن مزرعة طرة, لم يكن منها ما مارسه في مجال الإعلام؛ إذ يعتبر 
كل ما فعله فيه من جرائم لا يعاقب عليها القانون -التوجيه والتسفيه 
والتغييب- أقل القليل في سجل الاقامات التي حوكم عنهاء بدءا من 
استغلال النفوذ والسلطات الوظيفية في تكوين ثروات ضخمة بما 
يتناق مع مصادر الدخل المشروعة له على نحو يمثل كسب غير 
مشروع. وتنتهي باقامه بالتحريض على قتل الفنانة سعاد حسبي107. 

يأبى القدر أن يفرق ما جمعه نظام مبارك. في طرة اجتمع مهندسا 
إعلام النظام الشريف الذي يعتبر من الحرس القديم للرئيس 
المخلوع, وأنس الفقي الذي حمل لواء التجديد في لعبة توريث جمال. 
:تمع الاثنين سجن واحدٌ واقامات مختلفة. وصحف وإعلامٌ عابئ من 
كليهماء وتاريخٌ إن لم يذكر جرائمهما فيكفيه أن يسجل سقطاقما. 

أنس أحمد نبيه الفقي, وبالاختصار "أنس الفقي", مع اندلاع ثورة 
يناير كان قد تجاوز عامه ال1ه بأربعة أشهر. فهو من مواليد ١4‏ 
أكتوبر .195. ترفى دون هبرر واضح في عدد لا بأس به من 





7 صفوت الشريف التوجيه سيد الموقف. جريدة “المصري اليوم”, القاهرة. 4 سبتمبر 2014. 


-128- 


الوظائف المهمةء وشغل مواقع عدة بداية من حصوله على 
بكالوريوس تجارة شعبة إدارة أعمال من جامعة القاهرة عام 19/17؛ 
إذ عمل فور تخرجه مديرًا لتسويق الموسوعات الأجنبية» وأسس عام 
65 أول شركة لتوزيع الموسوعات, كما عمل في مجال النشر 
والترجمة لدوائر المعارف. وأسس مجموعة شركات خاصة في الفترة 
من عام 1986 حتى 20..7 ليعمل بعدها وزيرًا للشباب في حكومة 
أ“تمد نظيف. ومن وزارة الشباب لوزارة الإعلام مباشرة في الحكومة 
نفسهاء وذلك من فبراير 2005 وحتى 15 فبراير 2011. 

المقربون منه عبّروا أكثر من مرة عن دهشتهم من صعوده 
وأكدوا أنه صعود غير مبرر لا بمهارة ولا بموهبة ولا حتى بعلاقات, 
إلى أن قامت الثورة. وطفت على السطح قصص وحكايات عن دعم 
السيدة الأولى وقتها سوزان مبارك له. كان الفقي واحدًا من وزراء 
حكومة نظيف المحسوبين على "لانم" ونجلها في مشروع 
التوريث؛حيث قدم خدمات جليلة؛ ليس فقط في دعم المشروع؛ لكن 
أيضا في السيطرة على الإعلام وتوجيهه حد التدمير. 

ارتبط الفقي بمساحات خلاف واسعة مع أغلب أطراف المشهد, 
وارتبط أيضا بعلاقات بيزنس أودت به وراء القضبان في عدة 
قضايا تتعلق بإهدار المال العام واستغلال المنصب والتربح منه. والتي 
طالت معه أشخاصا ساعدوه في مشروعه. ويكفي أنه في ١7‏ 
سبتمبر ١.١1‏ حكمت محكمة جنايات القاهرة على الفقي بالسجن 
المشدد /ا سنوات في قضية "بث الباريات" والمتهم فيها الفقي 


-129- 


بالإضرار العمدي بأموال اتحاد الإذاعة والتليفزيون بقيمة ١.888‏ 
مليون دولار لإعفائه القئوات الفضائية من سداد قيمة حق بث 
المباريات108. 

كان للفقي قدمٌ غُليا على التليفزيون. نسي دوره كوزير للإعلام 
ككل وعمل مُعدًا رئيسيا لأهم براتجه "البيت بيتك" واستغله في 
الترويج لمشروع "انم" (التوريث للابن), ودخل في صراعات عدة 
مع الفضائيات المصرية بالسعي وراء إصدار قوانين تعرقل عملهاء 
فكان رحيله عن الوزارة يوم عيد للجميع. 

في 0" يناير كتب الفقي -الذي كان عضوًا في أمانة السياسات 
بالحزرب الوطني- غهايته» عندما أصدر أوامره للعاملين في التليفزيون 
بمنع نقل المظاهرات, وسخّر إعلامه لنقل صورة غير حقيقية لحجم 
الاحتجاجات في الشارع المصري وقتهاء كان الفقي يتصل 
بالفضائيات الخاصة وبملي عليها ما تقوله ومن تستضيفه. لكنهم 
فضحوه فسقط قناعه وطارده الثوار ببلاغاته إلى أن حبسه أحد هذه 
البلاغات وعاد به من المطار بعد محاولة هروب. 

وجّه إليه جهاز الكسب غير المشروع اتهامنًا قد أعده المستشار 
علي غلاب. رئيس هيئة الفحص والتحقيق بالجهازء والذي كشف 
فيه أن مقدار الكسب غير المشروع المدسوب للفقي بلغ قيمته 33 
مليونا و400 ألف جنيه. ويتعلق بالفترة من عام 2002 وحتى عام 


8 "الفقي”.. ترك التليفزيون وتفرغ "للتوريث"؛ جريدة “المصري الوم" القاهرة: 4 سبتمير 2014. 


-130- 


71 وهي الفترة التي شغل فيها الفقي مناصب رئيس اهيئة العامة 
لقصور الثقافة؛ تم وزير الشباب والرياضة, ثم وزير الإعلام. 

لم يترك الرجل في سيرته الإعلامية شيئا يُذكر, لكنه ترك 
للإعلام تركة يثقل حملهاء تتكون من إعلام مُوجَّه.. وتليفزيون أوشك 
على الافيار. 

أسامة هيكل, الحاصل على بكالوريوس العلوم من جامعة عين 
مس عام 1986 لم يكن بمنأى عن الأحداث السياسية المتوترة في 
مصرء والتي أعقبت ثورة 25 يناير بعد تقلده منصب وزير الإعلام في 
الفترة ما بين 24 يوليو 2011 وحتى 6 ديسمير 2011. 

وقد قرر النائب العام الأسبق المستشار, عبدالمجيد محمود, إحالة 
هيكل إلى المكتب الفني للتحقيق معه فيما يتعلق بأحداث ماسبيرو, 
بتهمة التغطية الكاذبة التي قام بما التليفزيون المصري أثناء المواجهات 
التي وقعت بين متظاهرين أقباط وقوات الجيشء إلى أن تم تغييره في 
التشكيل الوزاري الذي أعقب حكومة عصام شرف, قبل أن يعود 
من نافذة مدينة الإنتاج الإعلامي في أغسطس 2014. 

صلاح الدين عبدالمقصود., الذي تقلد منصب وزارة الإعلام في 
عهد حكومة هشام قنديل في 2012, كانت الشخصية الأكثر عرضة 
للانتقادات الحادة والهجوم المستمر من قبل النخب السياسية 
والشارع المصري كذلك البرامج الفضائية, بعد ما صدر عنه من 
عبارات وتعليقات شكلت علامات استفهام كبيرة واعتبرها البعض 
خادشة للآداب العامة في أثناء لقاءاته مع بعض المذيعات المصريات 


-131- 


والعربيات. 

وكما طاردت لعنة الوطني وزراء إعلام انتموا له سياسيسء لم 
يسلم أيضا عبدالمقصود من كونه منتميا لجماعة الإخوان المسلمين, 
حيث أحيل وزير الإعلام الأسبق إلى محكمة جنايات القاهرة بتهمة 
الإضرار العمدي بالمال العام؛ لقيامه بتشغيل سيارات البث المملوكة 
للتليفزيون وبث التظاهرات المؤيدة للرئيس المعزول محمد مرسي في 
رابعة العدوية. 

درية شرف الدين هي وزيرة الإعلام السابقة التي أعلنت عن قرار 
سياسي بارز بالتزامن مع وجود حكومة حازم الببلاوي والتي 
تصدرت المشهد عبر شاشات التليفزيون وأعلنت عن بدء فض 
اعتصام رابعة العدوية والنهضة من قبل مؤيدي الرئيس المعزول محمد 
مر سي 109. 

وزيرة الإعلام السابقة صرحت أثناء توليها منصبها بأن العاملين 
باتحاد الإذاعة والتليفزيون وصل عددهم إلى ؟4 ألفاء في حين أن 
الجهاز لا يحتاج سوى من 010/ إلى /1١0‏ من ذلك العدد. الأجور 
الشهرية ارتفعت إلى أكثر من ..؟ مليون في عام 27.1 واقترحت 
الوزيرة على الحكومة أفكارًا لحل المشكلة, ولكن فيما يبدو أها لم 
توفق» ووجدت حكومة محلب الحل في إلغاء وزارة الإعلام والإبقاء 
على ماسبيرو كما هو. رغم خسائره المتراكمة. 


9 مصطفى نداء 'لمجلس الوطني" ينهي تاريخ 62 عامس ل'وزارة الإعلام”؛ موقع “بوابة الشروق" الإلكتروئء 
7 يونيو 2014. 


-132- 


في فترة حُكم ناصر والسادات ومبارك كان هناك اعتمادٌ كبير 
عليها. لوضع سياسة إعلامية تواكب المشروع السياسي للنظام 
وتحشد له. بالإضافة إلى دورها في مراقبة وتوجيه الإعلام الخاص. هذه 
الوظيفة انتهت مع ثورة 25 يناير ما أدى إلى فوضى وسيولة إعلامية؛ 
بدأ الإعلاميون أنفسهم يشكون منهاء ويتحدثون عن ضرورة وجود 
ميثاق شرف إعلامي. 

تورطت في هذه السلبيات مؤسسات وأجهزة عامة تدير بعض 
الصحافة والإعلام» ومصاح اقتصادية ومالية خاصة تملك البقية) 
وطيور ظلام يمن على بعض ساحات وسائل التواصل. 

يبدو الارتباك واضحا على رجال الإعلام الذين عملوا في 
مرحلة الاستبداد والسلطويةء وعايشوا الإعلام الحكومي الموجه 
والمسيطر, وليس بمقدورهم إدراك طبيعة التغيرات التي يمر يما النظام 
السياسيء وبالتبعية دور الإعلام في المرحلة الجديدة, وبمكن القول إن 
رجال الإعلام الحكومي يعدون عقبة كأداء في مسيرة عملية التحول 
الدبمقراطي: فهم أكثر مقاومة لعملية التحول بما تتضمنه من فقدان 
للنفوذ والمكانة التي تنبع من مداهنة الحكومة وموالاتًا على حساب 
كل قيم الإنسانية» وعلى رأسها قيم الحرية» المهنية والديمقراطية. 

ولا يقل إعلام رجال أعمال نظام مبارك ارتباكا واضطراببً 
من الإعلام الحكومي, فهذا الإعلام يعمل لخدمة مصالح أصحاب 
رأس المال وأجندقم. ويحددون مواقفهم من التحولات الجارية من 
منظور ضيق للغاية» وهو منظور المصلحة المباشرة» ومن ثم تسم 


-133- 


مواقفهم بالتذبذب الشديد, فتارة يكونون مع النظام وأخرى يلعبون 
دورًا سلبيهً في حال إدراك أن التحولات تسير على غير 
هواهم110. 

غير خاف على أحد أن من علامات الاستبداد التحكم شبه التام 
في الإعلام» إما بتحكم الدولة الباشرء أو بفرض القوانين» أو عن 
طريق أصحاب القنوات ورجال الإعلام الموالين» أو بتطوع الإعلام 
بفرض الرقابة على نفسه. 

م تعد الرقابة تصلح وسيلة للمنع ولا مشجبا للشكوى. مع 
احترامنا لنواح المهنة» فما لا تذيعه محطة تستطيع إرساله عبر 
"يوتيوب" أو وضعه على فيسبوك وتويتر, وما تمنعه صحيفة لن تعييك 
الخيلة بنشره على مدونة إلكترونية, أو توزيعه على المواقع المفتوحة 
ومجموعات البريد الشخصية, وغالبا ستجد جمهورك الذي تريد 
الوصول إليه. 

كانت نتيجة استخدام أساليب بالية وأفكار قدبعة في عصر متطور 
أن فقدت مصر ريادهًا الإعلامية وأصبحت تشكو وتعابي في ظل 
منافسة قنبوات عربية. وولت أيام كان مقال في "الأهرام" أو برنامج 
في "صوت العرب" يكفي لحز أركان أي دولة في المنطقة. ويمكن 
القول إن "صوت العرب" كله له دور كبير في إسقاط حلف بغداد 





1120 د. عماد جادء دور الإعلام في مراحل التحول الديمقراطي. جريدة “المصري اليوم". القاهرة. 15 ديسمير 


14م 


-134- 


ومشروع ايزهاور, ومن 5 كانت الإذاعة المصرية من الأهداف 
المرصودة في العدوان الثلاثي عام 1111956. 

لقد قدم الإعلام المصري في زمن مضى أجمل وأكمل ما في مصرء 
ولعله كان مبالغً في ذلك ياغفال السلبيات, لكننا الآن أصبحنا 
نقدم أقبح وأبشع ما في مصر بكثير من المالغة عبر أداء إعلامي لا 
يخلو من الرداءة. 

دف ظل انتشار إعلام تجمد ولم يطور نفسه فكريا وفنيً 
وثقاففاء وصار بليدًا سخيفً في براجه وتافهً في اختيار قضاياه 
وبطيت في نقل الأحداثء انتقد البعض "الإعلام المصري الرنممي 
الغارق في الفشل حتى أذنيه والمشبع بالجهل والتخلف وانعدام 
المواهب وغياب الرؤية السياسية والاجتماعية والإنسانية", وكذا 
الإعلام الخاص أو "إعلام الإثارة والبحث عن الفضائح والمتاجرة 
بآلام الناس ومظاهر فقرهم.. إعلام النميمة وتسطيح العقول ونشر 
الوهم.. الإعلام الذي يصنع من الحبة قبة.. ويرى أنه النيابة والقضاء 
متجاهلاً القضاء والنيابة"112. 

ربما جاز القول إن المشكلة الحقيقية التي تواجه الإعلام في مصر 
هي تراجع قدرة الإعلام على أداء دوره الذي لا غنى عنه في المراحل 


التي تلي إسقاط النظم. وهو الدور المتعلق ببناء الدولة وتسهيل عملية 
تحولما باتجاه الدبمقراطية الحقيقية. فرغم تزايد حجم الاستثمارات في 


1 محمد عبدالمنعم الشاذلي, مصدر سابق. 


2 وحيد حامد, اغضبوا.. أو موتواء جريدة "المصري اليوم" القاهرة, 4 فبراير 2015. 


- 135 - 


المجال الإعلامي إلى الحد الذي أحدث تخمة إعلامية في مص فإن 
معاناة الأقنية الإعلامية الناشئة من نفس المشكلات التي يعابي منها 
الإعلام سواء الحكومي أو الخاص, قد جعل من تلك الأقنية تعميقفً 
لأزمة الإعلام وليس مساهمة في حلهاة11. 

تم إنه على الرغم من إقرار دستور 2014 مواد لتنظيم المشهد 
الإعلامي في مصر بما في ذلك المواد التي تضمن حرية واستقلال 
الإعلام وتلك التي تصون كثيرًا من حقوق العاملين في مجال الإعلام, 
ظل أهل المهنة مقصرين ومتقاعسين عن طرح التصورات ومشروعات 
القوانين الكفيلة بتفعيل الدستور فيما يتعلق بالمهنة, ول يتم الالتزام 
بأي جدول زمني واضح لإنجاز المطلوب في هذا الشأن, الأمر الذي 
خلق حالة من الفراغ دفعت الحكومة للتدخلء فأعلن رئيس الوزراء 
إبراهيم محلب عن تشكل لجنة تتولى عملية وضع مشروعات القوانين 
المنظمة للإعلام» وهو ما اعترضت عليه نقابة الصحافة الصحفيين 
وامجلس الأعلى للصحافة. 

نضيف إلى ذلك أن العلاقة بين الإعلام والسلطة التنفيذية ظلت 
ملتبسة» في ظل سعي الأخيرة للسيطرة على وسائل الإعلام 
وتوجيهها. وما بين الإعلام التعبوي والإعلام بوصفه سلطة رابعة, 
تقع المشكلة الحقيقية للإعلام ويقع أيضهًا الحل أو الوضع الأمثل لما 
يجب أن يكون عليه دور الإعلام. ومن هنا يأيّ الحديث المتكرر عن 





3 د. صبحي عسيلة: معركة القوانين المكملة: الإعلام المصري بين مطرقة الحكومة وتقاعس الإعلاميين؛ دورية 
"الملف المصري"”. مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام, القاهرة , العدد 4. ديسمير 2014, ص 8. 


-136- 


الإطار التشريعي الحاكم لعمل الإعلام, بوصفه الضمانة الأولى -وإن 
تكن غير الوحيدة- التي تكفل للإعلام القيام بالأدوار التي يناط به 
القيام بما في اي مجتمع من امجتمعات114. 

وسط هذه الفوضى الضاربة بأطنابما في وسائل الإعلام, نسينا أن 
صورة مصر في الداخل أو الخارج لا ترسمها الحملات الدعائية وشبكة 
العلاقات العامة والمساجلات الإعلامية, وإنما ترسمها بالدرجة الأولى 
الحقائق الماثلة على الأرض. 

آن الأوان أن تعرف وسائل الإعلام أنما تعمل في إطار محتوى 
واضح وضوابط محددة, ولا بد أن تحترم المنظومة القيمية للجمهور 
الذي تخاطبه, فلا إساءة إلى الأشخاص في ذواهقمء أو مقدساتهم أو 
أديانهم ومذاهبهم, ولا للتحريض الطائفي والعنصري, أو الشحن بين 
المجتمعات والدول. 

لعكن وسائل الإعلام تلك عضدًا للبناء والإصلاح والتقريب لا 
ف على الهواء مباشرة للكذب باسم المصداقية: والتشاحن 
والتباغض باسم الحوارء ودس السم في العسل باسم الحرية؛ والعنف 
اللفظي والإرهاب الفكري باسم النقاش. 

إن إنكار الأزمات أو محاولة التستر عليها للتجمل أمام الآخرين 
أو الإحالة إلى مؤامرات الآخرينء لا يُقبع أحدًا ولا يحل قضية؛ لكن 
الذي يُبيض الصفحة ويرد السهام ويخرس ألسنة الناقدين ويجهض 


4 المصدر نفسيه. 


-137- 


جهود المتآمرين هو واقع الحال في مصر؛ إذ إن صلاحه وحده كفيل 
بتحقيق كل ما سبق. أما إذا ظل بيتنا من زجاج فلن يصلح منه إعادة 
طلائه بالألوان الجذابة, أو إحاطته بالستائر التي تحجب ما بداخله عن 
الأعين. أو تغطيته بالطنين الإعلامي الذي يشيد به فإنه سيظل نوع 
من المخدرات التي تُغيب العقل بعض الوقت, لكنها لا تحول دون 
الإفاقة على الحقيقة ني اية المطاف115. 

الحقيقة هي ما ينقص وزراء الإعلام المتعاقبين على المنصب في 
مصر. 

على سبيل المثال» فإن مشكلات ماسبيرو المتراكمة على مدى 
عقود أصبحت الملف الساخن أمام وزير الإعلام -بغض النظر عن 
اسمه- بعد ثورة 25 ينايرء فلم يحرص على وضع استراتيجية إعلامية 
تواكب المرحلةء وبعد إلغاء الوزارة حل أمين عام اتحاد الإذاعة 
والتليفزيون محل الوزير, ولم يشعر أحد باختلاف يُذكرء وبقيت الخال 
على ما هي عليه116. ؛ 

درية كانت آخر وزيرة إعلام في مصر. في حين أن صفوت 
الشريف كان قد توقع يوما أن يصبح آخر وزير إعلام في مصر, 
لكن أشياء كثيرة تأي متأخرة في الحروسة. 


5 فهمي هويديء إذا ظل البيت من زجاجء جريدة “الشروق", القاهرة. 6 نوفمير 2014. 
6 هي عزام, السيسي.. ماسبيرو.. “جوبلز" المصري؛ جريدة 'المصري اليوم”, القاهرة, 2 أكتوبر 2014. 


- 138 - 


صحافة "كفر البطيخ"! 


"ا مانشيت واحد. واسم وشعار الجريدة مختلف. الأخبار واحدة. 
ليس لأن رجلا جالساً في مكتب مظلم يُملي أخبار الصباح على 
غرف الأخبار. ولكن لأن النظام يجعلنا نسخأ -باختلافات 
طفيفة- لنفس ا مانشيت”117 


تعد قصة الصحف القومية في مصر واحدة من أشد القصص 
"درامية" في تاريخ الصحافة المصرية. 

تلك الصحف التي بناها وتملكها أفراد وعائلات في مصر ما قبل 
ثورة يوليو 1952), مثل مؤسسة "أخبار اليوم" التي كانت مملوكة لآل 
أمين (مصطفى وعلي أمين), ومؤسسة "الأهرام" التي كانت مملوكة 
لآل تقلا (سليم وبشارة تقلا)» ومؤسسة "دار الحلال" التي كانت 
ثملوكة لآل زيدان (إميل وجورجي زيدان)؛, ومؤسسة "روز اليوسف" 
التي كانت مملوكة لفاطمة اليوسف. 

عبرت هذه الصحف عن تيارات وأفكار ورؤى مختلفة قبل يوليو 
2 ولكن ما إن قام تنظيم الضباط الأحرار بثورته حتى بدأت 


7 أحمد رجبء لماذا تكتب كل الصحف نفس المانشيت كل يوم؟: موقع “بوابة المصري اليوم" الإلكتروييء 27 
نوفمير 2014. 


- 139 - 


غير جلدها وتتلون جميعها بلون ورؤية العصر الجديد التي تبلورت 
حول فكر الرئيس الراحل جمال عبدالناصرء وبدأت تدافع عن 
توجهاته وسياساته, وتحمد وتمجد قراراته118. 

في 74 مايو .2147 أصدر عبدالناصر قانون تنظيم الصحافة الذي 
نقل ملكية الدور الصحفية الأربع الكبرى, التي كانت قائمة آنذاك, 
وهي "الأهرام" و"دار الهلال" و"دار روز اليوسف" و"دار أخبار 
اليوم" إلى ملكية الدولة. 

بتلك الصحف التي انتزعت من أيدي أصحايماء بدأت الدولة 
تكوين امبراطوريتها الإعلامية الضخمة. كان الهدف تعبئة الرأي العام 
والسيطرة عليه وتوجيهه إلى حيث يريد الحاكم. لم يكن عبدالناصر 
يتكلم "والإعلام كله معاه" كما يردد البعضء, وإنما كان يتكلم 
"والإعلام كله تملوك له". 

في 28 مايو 1960, عقد الرئيس جمال عبدالناصر اجتماعا في 
قصر القبة مع رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحفية ورؤساء 
تحرير الصحف والمجلات المصرية, وكان أول اجتماع بعد صدور 
قانون تأميم الصحافة في 24 مايو؛ حيث جرى احتلال مكاتب رؤساء 
تحرير الصحف ورؤساء مجالس الإدارة في الليلة السابقة واستدعاء 
المعينين الجدد لمقابلة علي صبري بمكتبه في حي مصر الجديدة. 


8 د. محمود خليل: الصحف القومية تبدأ رحلة صناعة "الفرعون ذي اللحية"*, جريدة "الوطن", القاهرة» 22 
أغسطس 2012. 
- 140 - 


بعدها أرسل صلاح سالم برقية شكر إلى الرئيس عبد الناصر باسم 
جموع الصحفيين على الخطوة التي اتخذها بتملك الشعب لأجهزة 
الصحافة في مصرء قال فيها بالنص: "لقد أكدتم امعان الأصيلة لخرية 
الصحافة", وقال أيضاً: "لقد رفعت أعتى القيود وأخطرها عن 
كاهل الصحافة وحميتها من الانحراف وأبعدتًا عن مصالح الأفراد 
وأهوائهم ونرواقم والتي لطالما اصطدمت بآمال وأهداف أمعنا"119. 

الغريب أن الصحف لم تعلق على قرارات التأميم لمدة 4 أيام 
كاملة؛ حتى اجتمع برؤساء تحريرها الرئيس جمال عبدالناصر, الذي 
تحدث قائلا: "في كلامي عاوز أتكلم بصراحة علشان تعرفوا وجهة 
نظري وأريدكم أن تتكلموا بصراحة لكي أعرف وجهة نظركم". 

في هذا الاجتما ع قال عبدالناصر للقيادات الصحفية إنه أن 
الأوان لأن تعبر الصحافة عن الشعب لا عن الطبقات المرفهة 
والفارغة» وأن الشعب لا يوجد في "نادي الجزيرة" ولا "السهرات 
بتاع بالليل", بل في قرية "كفر البطيخ"؛ حيث لا تشغل الفتيات 
أنفسهن كل صباح بالبحث عن فستان مختلف يذهبن به إلى النادي, 
بل عن عمل يشاركن به في إعالة أسرهن. يومها قال عبدالناصر 
أيضا: "أنا أطلب منكم أن تعاونونا في رسم صورة المجتمع اللي إحنا 
عاوزين نعمله.. أنتم كصحافة مجندين خدمة البلد. مش لخدمة ناس 
أبدَاء واللي مش مؤمن بالمجتمع الاشتراكي الدبمقراطي التعاوي... أنا 


9 أحمد عادل, موقع "الرأي للشعب" الإلكتروي؛ 10 يونيو 2014. 


- 141 - 


مستعد أدَي له معاش ويروح يقعد في بيته ولكن اللي بيشتغل لازم 
يكون مؤمن [به]”120. 

أضاف عبدالناصر إلى هذه القضية الأساسية أن ثمة حدودًا لتناول 
مشكلات امجتمع الجادة؛ إذ قال: "نلاقي مقالة بتقول بيعوا القطاع 
العام.. أسمي الكلام ده إيه؟ أسميه انحراف... نناقش كل الأمور ما 
عدا موضوع الانحراف". وستكتفي السلطة بجعل "المدحرف", "يقعد 
في بيته". مستمتعس بمعاشه. 

بعد أيام قليلة كانت كل الصحف -التي انتقلت ملكيتها إلى 
الاتحاد الاشتراكي لتصبح مملوكة للتنظيم الذي يعبر عن "تحالف قوى 
الشعب العامل"- تنشر تحقيقات صحفية عن "كفر البطيخ". وبعد 
أسابيع كان المسرح القومي يفتحح موامه بمسرحية بعنوان "كفر 
البطيخ" من تأليف سعد الدين وهبة. 

نسي هؤلاء ما قاله أحتمد لطفي السيد في مطلع القرن العشرين من 
أن الصحافة في الأمة "برمان غير منظم. وكل صحفي يشبه اا 
عن قسم من الأقسام الانتخابية في البلاد"121. 

بينما سيطر الضباط سيطرة كاملة على الإذاعة منذ اللحظة 
الأولى» اتخذت سيطرقم على الصحافة أشكالاً متغيرة. كانت الرقابة 





0 د. شريف يوز ؛ الزحف المقدس: مظاهرات التنحي وتشكل عبادة ناصرء دار التنوير, القاهرة, 22012 
شريف يونس عن :نظاو مر ير العاهل م 


1 د. !ماعيل حلمي, الديمقراطية في الصحافة المصرية, الهيئة المصرية العامة للكتاب, القاهرة؛ 1994, ص 141. 


-142- 


أول هذه الأشكال؛ لكنها كانت رقابة مركبة, فبالإضافة إلى الوظيفة 
التقليدية» وهي منع نشر أخبار ومقالات معينة: كانت الرقابة تفرض 
أيضا نشر ما يريده الضباط2 كما كانت ترسل نسخة من المواد 
المحذوفة لوزارة الداخلية» الأمر الذي كان مصدر إرهاب للصحفيين» 
خاصة في ظل تعطيل القوانين بموجب الأحكام العرفية وتحرر سلطة 
الضباط في الاعتقال وإنشاء المحاكم الاستشائية بلا أي حساب لحقوق 
أو حريات. 1 

كان العام 1954 حاسم في تقرير مصير الصحافة؛ فقد طوردت 
الصحف ولمجلات المختلفة حتى تم إغلاقها بالعشرات في ذلك العام 
ولم يبق من الصحف اليومية سوى "الأخبار" الموالية» و"الأهرام' 
امحافظة, و"الجمهورية" التي أسسها الضباط الأحرارء وحفنة من 
المجلات الأسبوعية الموالية أو التي اخيرات على الولاء. 

أصدرت سلطة الضباط بيانً بعد أزمة مارس 1954 أدانت فيه 
3 صحفيا و15 جريدة وجلة بالحصول على مصروفات سرية في 
"العهد البائد", لكنها لم تُحلّهم إلى محكمة, بل ولم يُتحَذ أي إجراء 
ضد الصحف والصحفيين, ولم يُمنعوا من الكتابة» مما يُبيّن أن الغرض 
كان محصورًا في التشهير العام بالصحافة وتبرير اتخاذ أي إجراء ضد 
النقابة التي اتخذت موقفً جذريا ضد حكمهم في أزمة مارسء فتم 
حل مجلس النقابة وتعيين لجنة لإدارقهاء بحجة أن سبعة ثمن وردت 
أسماؤهم في الكشف المذكور أعضاء فيه. وفيما بعد غعُيّن صلاح سالم 
الذي أصدر البيان (وأحد أعضاء مجلس قيادة الثورة) نقييا 


-143- 


بعد عام من الحل» صدر قانون نقابة الصحفيين الذي أحكم قبضة 
السلطة على الصحافة, حيث حوّها إلى جهاز مهني بحت: وحظر 
عليها القيام بأي دور سياسي2 وأخضعها لإشراف وزارة "الإرشاد 
القومي" -والاسم دال في حد ذاته- المستجدة عام 1953 (الإعلام 
والثقافة حاليا) في تمارسة كثير من صلاحياقًا المهنية, ومنح الوزير 
فوق ذلك سلطة حل مجلس النقابة في أي وقتء وحظر القانون 
تمارسة مهنة الصحافة على غير أعضاء النقابة» واستبعد في الوقت 
نفسه مُلَاك الصحف من عضويتهاء وأبقى هم حق ممارسة المهنة بصفة 


مؤقتة, أي حسب المشيئة, ٠‏ فأصبح رزق الصحفي والنشاط الصحفي 
مالك الصحيفة مرهونفً بالكامل بإرادة النظام, بالقدر نفسه الذي 


كفلت به الرقابة إخضاع سياسة النشر بالكامل لرؤاهم 
ومصالحهم122. 
كان الهدف في تلك الفعرة ينحصر في منع نقد حكم الضباطء 
وحرمات المعار ضين من استخدام سلاح الصحافة, واستخدم لذلك 
سلاحا الرقابة والتهديد. أما بعد إتمام تعقيم الحياة السياسية, فقد 
وكان الضباط قد بدؤوا في هذا المضمار باصدار صحفهم 
وبجلاتهم الخاصة. فأصدروا في سبتمبر 1952 مجلة "التحرير". ثم 





2 ل. شريف يونس. مرجع سابق, ص 49- 51. 


- 144 - 


أصدروا جريدة "الجمهورية" اليومية في نوفمبر 1953, ثم "المساء" في 
أكتوبر 21956 و"بناء الوطن" الشهرية. إلا أن هذه الصحف التي 
قُصد بما أن تكون لسان حال الضباط بشكل مباشر أثبتت فشلها من 
ناحية إقبال الجمهور عليهاء وظلت الجرائد والمجلات الخاصة القليلة 
لمتبقية أكثر نجاحساء برغم محاولات عبدالناصر المتكررة لإنفاض 
صحفه وتغيير رؤساء تحريرها. من هناء ازداد هنا اهتمام السلطة 
بتوجيه تلك الصحف الناجحة لتروج لسياساقا. كانت أهم خطوة 
انُخذت في هذا المقام هي تعيين محمد حسنين هيكل رئيس لتحرير 
"الأهرام" في منتصف عام 1957. 

بدأ التوجيه السياسي المباشر للصحف بالفعل بعد انتصار مارس 
. 1954 على المعارضة الديمقراطية, بعقد اجتماعات مع رؤساء تحرير 
الصحف لتوضيح الخط السياسي للضباط ليلتزموا به. وأوضح حسين 
الشافعي لكبار الصحفيين في ندوة عن "الرسالة الاجتماعية للصحافة" 
(1955) هدف تجنيد الصحافة للعمل في تعبئة السكان, أن "مصر 
الثائرة اليوم لتحبّ من الصحافة أن تكون دائما المرآة الحقيقية لمذه 
الثورة مُثلها ومبادئهاء حتى تنتهي بالرأي العام إلى أن كل من يطلع 
على جريدة أو مجلة يجد فيها الثورة ثمثلة في أحاديثها ومُثلها 
وأهدافها... [وفيما مضى] رحبنا بالصحافة» ولكن كان من بينها 
صحف ل تقذر الظروف. وقد انتهى أمرها ولن تعود"123. 


3 المرجع نفس ص 52- 53. 


- 145 - 


هكذال إما أن تصبح الصحيفة واجهة دعائية للنظام؛ وإما أن 
"ينتهي أمرها". 

ليس خافيا أنه في الدول غير الديمقراطية عادة ما تحتكر 
الحكومة وسائل الإعلام من إذاعة وتليفزيون وصحافة, ووفق درجة 
سلطوية النظام واستبداده, تكون السيطرة على وسائل الإعلام 
فالنظم المستبدة عادة ما تفرض سيطرقا الكاملة على وسائل الإعلام 
ولا تسمح بالإعلام الخاص, وكلما تراجعت قبضة النظام على 
السلطة؛ تراخت قبضتها على وسائل الإعلام وتسمح بظهور الإعلام 
الخاص؛ وكلما سار النظام على طريق التحول الدبمقراطي» كلما 
تزايدت درجة تحرر الإعلام الحكومي وتطور دور الإعلام الخاص. 

في زمن المنجزات الحقيقية, لا يكون الإعلام بطل التحولات ولا 
الفن صانعها الأول. يُفترض أن يكون كلاهما مرآة للواقع. وليس 
مقبولاً بأي حال أن يقدما لنا صورة تخالف هذا الواقع وتجمّله. 

مع تزايد اهتمامات النظام الأيديولوجيةء والتبلور التدريجي 
لسياساته. أصبح مطلوبا من الصحف ها هو أكثر من مجرد 
الانصياع لتعليمات العسكريين. كان المطلوب هو إظهار التأييد 
للنظام ودعم توجهاته الأيديولوجية على طول الخط. بذلت محاولاات 
لتحقيق ذلك عن طريق ربط الصحف بالاتحاد القومي, باعتباره 
الجهاز المسؤول عن تعبئة الجمهور خلف النظام القائم -حينذاك- 
فصدر قرارٌ جمهوري عام 1958 يقصر حق الترشح لعضوية النقابات 
المهنية, بما فيها نقابة الصحفيين؛ على أعضاء الاتحاد القومي, كما 


- 146 - 


تقرر تكوين جحنة بالاتحاد تضم رؤساء تحرير الصحف, تكون مهمتها 
تحقيق "التعاون" بين الصحافة وقيادات الاتحاد القومي, 

وفي عيد الثورة عام 1959 حدد عبدالناصر مطالبه في شأن 
الصحافة من ناحية دورها الأيديولوجي: 

"الصحافة بتهمل العمل اللي الناس بيعملوه.. العامل اللي 
بيعمل... مهتمين جذًا [: الصحف] بإخواننا العاطلين بالوراثة... إحنا 
النهارده عايزين الرجل اللي شايل شوال والرجل اللي بنى مصنع [أي 
العمال والمستثمرين معا]... [ولكن ما يُنشر في الصحف] شيء لا 
يمثئل هذا امجتمع الاشتراكي الدبمقراطي التعاوبي اللي إحنا عايرين 
نبنيه... طبع ممكن الكلام دا بنوقفه بالأوامرء ولكن مش حنوقفه 
بالأوامر, لازم يقف بالوعي"124. 

لم تكن المشكلة أن ها تبقى من الصحف والمجلات يعارض النظام. 
فقد كان الجميع مؤيدين لكل ما يصدر عنه. وقد أبعدت السلطة 
بالفعل "المغضوب عليهم" من صحفبي الصحف الخاصة بالضغط أو 
بالاعتقال. كانت القضية هي أن الصحف في ظل الفقر الشامل 
للحياة السياسية لا تجد سوى الفضائح والجرائم لضمان رواجهاء 
وبالتالي كان من الصعب أن تستجيب لنداء عبدالناصر. وهكذا تم في 
النهاية اللجوء للأوامر.. بتأميم الصحف. ثما أخضعها للسلطة 
الإدارية لعبدالاصر بشكل مباشر. 


4 المر جع نقسف ص 54- 55. 


-147- 


هكذا تحول الصحفيون إلى موظفين لدى النظامء الذي أصبح 
بوسعه استخدام عصا التهديد بالاستبعاد بقرار إداري في صمت في 
كشركة للأسماك أو شركة "باتا" للأحذية, بقرارات إدارية, بغير 
حاجة إلى إعلان. 

نجحت هذه الأدوات والإجراءات المتنوعة من تأميم ورقابة 
وتدخل إداري وسياسي مباشر في عمل الصحفيين وكتاباقم. في جعل 
الصحف بوقا للنظام. 

انفصل الصحفي عن القارئ وبات همه الوحيد هو إرضاء النظام 
ورجاله؛ أو على الأقل تجسب بطشهم. انتقل ذلك التوجه إلى للقراء 
أنفسهم. فبشهادة فتحي غانم, رئيس تحرير "صباح الخير" -حينذاك- 
» والمنشورة عام 1965 في "روز اليوسف", أصبحت الصحافة: 

"عاجزرة عن مخاطبة اجتمع. ولقد للاحظت من اهتمام الفلاحين أو 
العمال أو الموظفين... بالدشر في الصحافة, أنه اهتمام... يدل على 
الرغبة في مخاطبة المسؤولين. وكان الصحافة ليس لها دور إلا دور 
موظف البريد أو التلغراف. ولقد امتد هذا الطابع على أغلب ما 
يُكتب حتى في التحليلات السياسية. فغالا ما أشعر أنها ليست 
موجهة للقراء. وإنما كاتبها يتمنى في قرارة نفسه أن يقرأها جمال 
عبدالناصر» وهو يكتبها يهذا الغرض وحده". 

هكذا م يعد الرأي العام معني بأمر نفسه. ولكم يعد يكخاطب 
بعضه بعضاء وإنها أصبح يخاطب السلطة للحصول على مكاسب أو 


-148- 


للشكوى من مشكلات إدارية أو مالية؛ أو لإقناع عبدالناصر بتوجه 
ما. من هناء حسب فتحي غانمءكان: 

'المفكر الحقيقي الوحيد في المجتمع والذي يقود الفكر ويؤثر 
بفكره ويتفاعل مع الشعب هو جمال عبدالناصر... من فوق رؤوس 
المثقفين وإعلانات الصحفيين... وإذا كان هناك شيء في الصحافة 
يقدم المعلومات والمبادرة والخدمة الصحفية فهو ما يكتبه محمد حسنين 
هيكل”"125. 

ظلت الأفكار من نصيب الرئيس وكاتبه الصحفي المفضل؛ في 
حين كانت العرائض والشكاوى والمقترحات من نصيب الشعب. ولم 
تكن الصحافة في هذا السياق سوى إحدى أدوات الوساطة» تنقل 
العرائض للسلطة, وتنقل "فكر الزعيم" للشعب. 

أصبح معظم رؤساء تحرير الصحف القومية يهمهم ولاء شخص 
واحدء والصحيفة تصدر للحاكم فقط ولا تصدر للناس. 

في تلك الفترة, شاع مصطلح "كلام جرايد". بمعنى أنه كلام لا 
قيمة له ولا اعتبار.. وهو المصطلح الذي عاش لعقود لاحقة. 

م يكن وصف "القومية" قد تم خلعه بعد على هذه الصحف؛ حتق 
بعد أن تولى الرئيس أنور السادات السلطة عام 1970. وقد كان هذا 
"الوصف" قصة تبدأ خطوطها باللحظة التي قرر فيها الرئيس السادات 
إلغاء الاتحاد الاشتراكي عام 1976. 





5 المرجع نفسهء ص 58- 59. 


- 149- 


بعد إلغاء هذا التنظيم الذي 5 تحديده كمالك لمذه الصحف, 
طبقا لقانون تنظيم الصحافة عام 0؛ أصبحت هذه الصحف بلا 
مالك؛ وربما يذكر كثبرون كيف كان السادات يحب العيش في ظل 
مم "كبير العائلة", ويعشق ارتداء الجلباب والعباءة الشهيرة 
ليجمع الناس حوله ويحدثهم ب"حديث الحكمة". من هذا المنطلق 
تفتق ذهن الرئيس السادات عن فكرة, تتمثل في: إنشاء تنظيم جديد 
بديل للاتحاد الاشتراكي. يحقق حلمه في تسيد "العائلة", وفي الوقت 
نفسه يشكل وريئا للاتحاد الاشتراكي في ملكية هذه الصحف, 
وكان له ما أراد حين تم إنشاء مجلس الشورى بوصفه "مجلس عائلة" 
ليصبح مالك رسميالمذه الصحف التي بدأت منذ ذلك الحين 
تتمتع بوصف "القومية" طبقًا لنصوص قانون سلطة الصحافة 
الصادر عام 1980. 

كان ذلك أعجوبة مصرية, فقد انفكت الملكية العامة للصحف» 
وحلت محلها ملكية "خاصة” لمؤسسة "عامة" هى مجلس الشورى؛. 
بالإضافة إلى أفراد يحصلون على أرباح سنوية, زيفترض أن عليهم 
تحمل الخسائر إذا جدت, ولكن ذلك كان مسألة نظرية. الولوج في 
تعقيدات هذه الحالة سوف يكون مضنيساء خاصة أن القضاء المصري 
تجسب هذا التعقيد في القضايا المعروضة عليه حينما لم ترد مسؤولية لا 
على مجلس الشورى ولا المجلس الأعلى للصحافة ولا مجالس الإدارة 
والجمعيات العمومية» وهي التي كان يجري من خلاهها تعيين الأعضاء 
المعينين بنسبة .5/ في هذه امجالس المنوط يما الموافقة على القرارات 
التنفيذية ووضع الموازنات التقديرية والفعلية لكل مؤسسة126. 


6 د. عبدالمتعم سعيد؛ ماذا نفعل مع الصحافة القومية؟!ء حريدة "المصري اليوم". القاهرة. 19 أكتوبر 2014. 


- 150 - 


وإذا كان من السهل على هذه الصحف أن تُغير جلدها وتلون 
نغمتها بلون العصر الناصريء فقد كان من الأسهل عليها أن ترتدي 
"عباءة" السادات طوال سبعينيات القرن العشرين؛ وأن تصبح أداته 
في الدعاية لسياساته المضادة لسياسات عبدالناصرء والتي وصفها 
البعض بأنها كانت انقلابا متكامل الأركان على توجهات الحقبة 
الناصرية. 

وعندما بدأ السادات في تنفيذ ورقة أكتوبر 1974 والاتجاه ناحية 
الغرب والخروج من المعسكر الشرقي؛ انصب تركيزه على الإعلام 
المملوك للدولة» من خلال محاور عدة, منها: الحرص على توجه 
تعليمات إلى قادة المؤسسات الصحفية والإذاعية؛ الاستمرار في تغيير 
قيادات المؤسسات الصحفية بما يضمن الاطمئنان إلى وضع 
الشخصيات الموالية للسادات في المراكز المؤئرة في صنع القرار 
الصحفي. وبصفة خاصة رؤساء مجالس الإدارت ورؤساء تحرير 
الصحف المملوكة للدولة؛ محاصرة الدور السياسي والمهني لنقابة 
الصحفيين والعمل على تحويلها إلى ناد اجتماعي127. 

وعندما اغتيل الرئيس السادات في حادث المنصة الشهير عام 
1 ورث حسني مبارك ملكه وأدوات حكمه. ومن بينها الصحف 
القومية, التي بدأت تيمم وجهها شطر الرئيس الجديد, وتقوم بدورها 
المعهود في الدعاية لنظامه وتفسير سياساته وتبرير قراراته على مدار 


7 حمادة إمام, انقلاب الأصدقاءء مكتبة جزيرة الورد» القاهرة» 2011. ص 162. 


-151- 


ثلاثين عاماء انتهت بثورة المصريين في الخامس والعشرين من يناير 
1. 

رفعت ثورة 25 يناير -مندذ اليوم الأول لقيامها- قائمة من 
المطالب؛ كان من بينها تطهير الآلة الإعلامية» التي تشتمل على جهاز 
التليفزيون المملوك للدولة. والصحف القومية المملوكة لها أيضً من 
خلال مجلس الشورى, فقد كان وصف "القومية" الذي تم خلعه على 
هذه الصحف وسيلة للتعمية على وضعها الحقيقي كوسيلة دعاية 
للرئيس, وأداة ل"صناعة الفرعون" عبر ستة عقود. 

كان ل"التطهير" الذي دعا إليه الثوار في ميدان التحرير معنى 
واحد. هو منح هذه المؤسسات الصحفية القومية استقلاهها عن أية 
سلطة سياسية لتمارس عملها بالمستوى المطلوب من المهنية» ولتستطيع 
أن تعيد هيكلة أوضاعها داخل السوق الصحفية في مصر. مستعينة في 
ذلك بالعديد من الكوادر المتميزة التي تحتشد بها والتي رفضت أن 
تشارك في شحن بطارية العمل يبمذه الصحف كآلة للدعاية للنظام 
السياسي والرئيس الحاكم بأمره, قأصابما الغين والتهميش لعقود 
4 

بعد الثورة» سارت الأمور في بر مصر بالصورة التي نعلمها والتي 
أدت في النهاية إلى اعتلاء الإخوان المسلمين عرش السلطة في مصر, 
فتسيدت الجماعة مجلسي الشعب والشورىء, ثم .فاز مرشحها محمد 
مرسي في انتخابات الرئاسة, وأصبح مجلس الشورى "الإخواني الهوى 
والغالبية" هو مالك الصحف القومية, بحكم القانون. وبعد ثلاثة أشهر 


-152- 


-بالتمام والكمال- من عقد أول جلسة له يوم 28 فبراير 2012 
قرر مجلس الشورى فتح باب الترشح لرئاسة تحرير الصحف القومية 
وشكل لجنة بمعرفته لاختيار رؤساء التحرير من بين المتقدمين. وفي يوم 
الأربعاء الموافق الثامن من أغسطس 2012 كان الموعد مع إعلان 
أسماء رؤساء تحرير الصحف القومية الجدد. 

سبق هذا الإعلان الكثير من الجدل حول أسس تشكيل اللجنة 
واختيار أعضائهاء والمعايير التي تحتكم إليها في اختيار رؤساء التحرير» 
وأعقبه اعتراض تيارات متنوعة من أبناء المهنة على العديد من 
الأشخاص الذين تم 55 لرئاسة تحرير الصحف والمجلات 
المملوكة للدولة, فمن قائل إن بعض هذه الشخصيات تنتمي إلى 
جماعة الإخوان. ومن قائل إن بعض هذه الشخصيات لا تتمتع 
بالخبرات ولا القدرات التي تمكنها من قيادة الإصدارات المختلفة التي 
تصدر عن الصحف القومية المصرية, والقاسم المشترك الأعظم بين 
كل الغاضبين من حركة اختيار رؤساء تحرير الصحف القومية تمثل في 
الحديث عن "أخونة" الصحف القومية؛ بعد أن آل حكم مصر إلى 
"الجماعة". 

و"الأخونة" هنا لا تعني بأي حال تعيين شخصيات صريحة في 
انتمائها إلى الجماعة كرؤساء لتحرير هذه الصحف؛ إذ يكفي أن يفهم 
أي رئيس تحرير جديد أن الجماعة هي جهة تعيينه حتى يقوم بالدور 
المرسوم في الدعاية للنظام "السيد" والرئيس الذي أفرزه هذا النظام, 
دون أن يتحمل هذا النظام حتى مؤونة توجيهه؛ لذا لم يكن مستغربا 


-153- 


أن يختار "أهل الشورى" بعض الشخصيات التي كانت معروفة 
بدفاعها المستميت عن مبارك ونظامه, وعدائها الصريح للثورة. فتلك 
الشخصيات أقدر من غيرها على "أخونة" المؤسسات الصحفية؛ لأنما 
تجيد لعب دور البوق الدعائي أكثر من غيرها ل"حساب" من يدفع 
فاتورة "حساب" هذه المؤسسات128. 

م تمض ساعات على جلوس الشخصيات المختارة على مقاعد 
رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية, حتى بدأت هذه الصحف 
رحلة اللهاث وراء أخبار الرئيس وأفراد حكومته, لتُقدمها في ثوب 
الحكمة والوطنية والدهاء. 

يقول الفيلسوف الإسباني جورج سنتيانا: "الذين لا يستطيعون 
تذكر الماضي محكوم عليهم أن يكرروه". 

ويبدو أن هذا تحديدًا هو ما نفعله في مجال الإعلام. 

إن إعلامنا يعمل بحماسة ولسان وجاهلية القبيلة أكثر ثما يعمل 
بمهارات وأدوات وآليات الإعلام ا معاصر. وهو حرص على استرضاء 
ولي النعم على حساب الحقيقة والموضوعية. 

أما السلطة أو مؤسسة الحكم فهي تمارس سياسة احتواء الجمهور 
-وخاصة جيل الشباب- من خلال أدوات وطرق متعددة. فمن 
خلال وزارات الشباب والرياضة يتم الصهر والإشراف؛ الثواب 
والعقاب؛ الأولويّات والممنوعات والتوجيه والإغواء. ولذلك 


8 هد«. محمود خليل) مصدر سابق. 


- 154 - 


فالرياضة, البعيدة عن السياسة والتساؤلات, تحظى بالرعاية الأكبر 
بيدما الثقافة المليئة بالتساؤلات وإيقاظ الفكر والضميرء تحصل على 
الرعاية الأدئ. أما لعبة الجزرة والعصا فتُمارس من خلال الأجهزة 
الأمنية المخحصية لكل شاردة وواردة, لكل الطموحات والأحلام 
والمواقف. فالدخول إلى الجامعات والحصول على البعثات. وامتلاك 
جواز السفر, والالتحاق بوظيفة, والترقيات وأمثالها يقررها التقرير 
الأمني وتوصياته وتحذيراته. 


وفي عالم الإعلام المقروء والمسموع والمرئي, تمرر إلى ذهن المواطن 
كل ما يوجّه ويسيطر ويخدع ويشوش ذهنه ومشاعره ونفسيته؛ ليبقى 
مستسلما للوضع الذي يعيشه وقابلاً محدداته ومبررًا لنواقصه. 

صار من تقاليد المتابعة الصحفية اعتبار كل كلام رئيسي الدولة 
والحكومة أخبارًا مهمة, وجميع أقوالهما أفعالاء الأمر الذي أشاع في 
أوساط السلطة أن النشر في الصحف دليل على أن المعاملة تمت 
والمشروع أنج. وهو ما أصبح يقدم لنا تعريفا جديدًا للخبر؛ إذ لم 
يعد ما حدث بالفعل ولا هو المؤكد أو المرجح حدوثه, ولكنه ذلك 
الذي نتمنى حدوثه يوماما. لذلك فإن كبار المسؤولين كثيرًا ما 
أصبحوا يستعرضون منجزاقم على صفحات الصحف بأكثر مما 
يقيموفما على أرض الواقع. وهم في ذلك يراهنون على ثلاثة أشياء 
أولها قوة تأثير تلك الوسائل. وثانيها ضعف ذاكرة المواطنين. أما 
الغالث والأهم فهو اطمئنافهم إلى أن أحدًا لن يحاسبهم أو يراجعهم 
فيما أعلنوا عنه129. 


9 فهمي هويديء إئما الأخبار بالنيات» جريدة "الشروق"؛ القاهرة. 20 نوفمير 2014. 


- 155 م 


يتم ذلك بدعم من مؤسّسة فقهاء السّلاطين التي تحث على عدم 
الخروج على طاعة ولي الأمر. حتى لا تكون فتنة. وإذا أريد غمس 
امجتمع في فتنة طائفية فإنَ لديها التاريخ وكتب التراث وأساطير 
الصّراعات السابقة وكل الرمزيات والتفاسير الدينيّة لتغرف منها 
جميعم ما تشاء130. 

ومن يتابع قراءة الصحف "القومية" يجدها تتشابه في التناول, 
ويجمع رؤساء تحريرها على رأي واحد يكون بالموافقة أو الاستنكار 
حسب مجريات الأمورء ومن يقرأ جريدة من الجرائد القومية لا يحتاج 
إلى قراءة بقية شقيقاقا. 

ونلاحظ في صفحات الآراء الحرة التي يجب أن تكون مفخرة 
الصحف القومية لا يتسع صدرها إلا للمقالات التي لا تعخطى 
الخطوط الحمر والتي هم وضعوها حماية هم من شر يصيبهم» وإذا 
تجاوزت أي مقالة هذه الخطوط الحمر فإن المسؤول عن هذه الصفحة 
يسارع على الفور برفضهاء وإذا تجاوز عنها فإن رئيس التحرير لا 
يرحقه. 

ولنا في مرحلة محمد مرسي وإعلام عصره القصير خير مثال. 

بمجرد أن تسلم عبدالناصر سلامة منصب رئيس ترير "الأهرام", 
بادر إلى إلغاء الصفحة التي كانت ترصد حجم الإنجاز ونقاط التقصير 
في ما تضمنه البرنامج الانتخابي للرئيس خلال المائة يوم الأولى 


0 علي محمد فخروء عامل الدولة العربية مع شباهاء جريدة "الشروق", القاهرة. 23 أكتوبر 2014. 


-156- 


لحكمه. والمطالع لعدد "الأهرام" الصادر يوم الجمعة (10 أغسطس 
2) الصادر صبيحة قرارات الرئيس محمد مرسي بإقالة رئيس 
المخابرات ورئيس الحرس الجمهوري وقائد الشرطة العسكرية ومحافظ 
شمال سيناء بعد مذبحة رفح يلاحظ خيرًا بارزًا (ص 39) عنوانه: 
"اعتبروها الميلاد الحقيقي لصلاحياته.. قوى سياسية ترحب بقرارات 
الرئيس عقب أحداث سيناء". ويشير الخبر إلى ترحيب عدد من 
السياسيين والحزبيين بقرارات الرئيسء معتبرين هذه القرارات الميلاد 
الحقيقي لصلاحيات رئيس الجمهورية» ورد فعل طبيعيًا إزاء هذه 
الأحداث, وأسفل هذا الخبر خبر آخر عنوانه "حركات ثورية: 
الرئاسة تصحح مسار الثورة وتستكمل التحول الديمقراطي". 

ومن ينعش ذاكرته ويحاول أن يسترجع ما نشرته جريدة 
"الأهرام"خلال الثلث الثائ من شهر مارس عام 2005 -بعد صدور 
قرار مرسي بتعديل المادة 76 من الدستور- سوف يجد أن الجريدة لم 
تجدد حتى في ألفاظها "المطلقة" التي تستخدمها في وصف قرارات 
الرؤساء من فصيلة (الترحيب- تصحيح المسار- استكمال التحول 
الديمقراطي) وخلافه. راجع على سبيل المثال هذا المقتطف من مقال 
كتبه إبراهيم نافع بتاريخ (14 مارس 2005), يقول فيه: "يبدو 
واضحا من متابعة الجدل الوطني والسجال الذي ترتب على قرار 
الرئيس حسبي مبارك التاريخي بطلب تعديل المادة (76) من الدستورء 
أن هناك اتفاقا عاما من جانب كل القوى السياسية والفكرية 
المصرية؛ على أن قرار الرئيس يعد بحق قرارًا تاريخياء وبداية لعملية 
إصلاح وتطوير حقيقي في النظام السياسي المصريء والملاحظ أن كل 

-157 - 


الكتابات التي تناولت القرار تعاملت معه بقدر أشهميته. وأكد معظم 
الكتاب الذين ينتمون إلى مدارس فكرية وسياسية متنوعة أنه نقلة 
تاريخية في الحياة السياسية المصرية". 

وإذا كان لفظ "العيدية" ذا صلة تاريخية بالرئيس مبارك في الكثير 
من عناوين الصحف القومية خلال ثلاثين عامًا من حكمهه. فإن 
صحيفة "الجمهورية" لم تجتهد في البحث عن لفظ جديد في وصف 
عدد من القرارات التي صدرت عن حكومة د. هشام قنديل بعد أيام 
من تشكيلهاء فتصدر عددها الصادر يوم 16 أغسطس 2012 
العناوين الآتية: "عيدية حكومة قنديل للمواطنين: إعفاء الفلاحين 
وبدو سيناء المتعثرين من مديونيالهم.. 500 مليون دولار لدعم 
الإسكان ومياه الشرب والكهرباء والصحة والنقل.. 131 مليون 
جنيه مساعدات ل211 ألف عامل.. جولات حُرة لرئيس الوزراء في 
المستشفيات وأقسام الشرطة والحدائق العامة". 

م تكتف الصحيفة بذلك, بل كان الخبر الرئيسي على صفحتها 
الأولى من ذلك العدد عبارة عن تصريحات للدكتور عصام العريان؛ 
نائب رئيس حزب الحرية والعدالة, تقدّم تبريرات لقرارات الرئيس 
مرسي بإلغاء الإعلان الدستوري المكمل وإقالة المشير حسين طنطاوي 
والفريق سامي عنان وحل امجلس العسكريء قدم فيها العريان تفسيرًا 
لقرار إلغاء الإعلان الدستوري الذي جعل الرئيس يستأئر بالسلطة 
التشريعية, قائلا: "استحواذ الرئيس على السلطة التشريعية.. أشبه 
بأكل الميتة”؛ بمعنى أنه يشكّل عبئنا على الرئيس أكثر من كونه ميزة 


-158- 


له. وأضاف أن "أحداث رفح ومنع مرسي من حضور عزاء 
الشهداء.. وراء إقالة طنطاوي وعنان". 

أما ممتاز القط. صاحب مقال "طشة الملوخية" الشهير الذي كتبه 
في مقام مداهنة مبارك وحكى فيه لقرائه كيف أن الرئيس لا يهنأ 
بعيش حياته الطبيعية كغيره من المصريين» فلم يكن مستغربا أن 
يكتب في عموده في جريدة "الأخبار" بتاريخ 11 أغسطس 2012 
قائلاً: "لست إخوانيا ولم أعط صو للدكتور مرسيء لكنني 
أحترمه وأقددره كرئيس للجمهورية؛ لأن احترامه هو جزء من احترام 
مصر وشعبهاء والحرية لا تعني أبدًا النيل من الرئيس وانتقاد أدائه 
بأفظع الألفاظ والكلمات النابية.رغم دماثة خُلقه ومحاولاته الجادة 
للعمل وسط ظروف صعبة. الحرية لا تعني أبدًا محاولة الاعتداء على 
رئيس الوزراء أو قذف سيارات الوزراء بالأحذية. الحرية لا تعني 
النيل من قواتنا المسلحة ورموزها؛ لأن الهدف الحقيقي في النهاية هو 
إحداث الفتنة والوقيعة الكبرى بين المواطنين تمهيدًا لسقوط الدولة". 

ولا يكتفي ممتاز القط بتوظيف مهاراته في الدفاع عن الرئيسء بل 
لا يتأخر عن توظيفها أيضا في "تبييض وجوه" رجاله. وها هو 
يتحدث عن رئيس وزراء العهد الإخواي, قائلاً: "طبعسًا من حق 
الدكتور هشام قنديل أن يلعن اليوم الأسود الذي قبل فيه العمل 
وزيرًا ثم رئيسا للوزراء؛ وأقول لكم بكل صراحة ومن واقع خبري 
الطويلة في العمل كمحرر داخل مجلس الوزراء عاصرت فيها 5 
رؤساء للوزراء آخرهم الدكتور أحمد نظيف- أقول لكم إن تجربة 


- 159 - 


الدكتور هشام قنديل تختلف جملة وتفصيلاً؛ لأنه يعمل في ظروف 
قاهرة ومستحيلة, ووسط مناخ من الشلك والريبة وأخلاقيات شاذة 
أصبحت هي العملة الرديئة التي يتبادهها الناس؛ جاء العالم الدكتور 
هشام قنديل ليجد سفينة الوطن تكاد تجثم في أعماق اليم بعد توقف 
كل أدوات الإنتاج وعدم وجود أي موارد حقيقية جديدة. والأخطر 
أنه جاء في ظل ثقافة مجتمع يتعجل جني مار أشجار لم نزرعها بعد 
وحالة من الانفلات اختلط فيها الحابل بالنابل". 

م يكن رئيس الوزراء هشام قنديل هو الوحيد الذي نال حظه من 
"التدليك اللفظي" على يد القطء بل كان للد كتور. سعد الكتاتني _- 
رئيس مجلس الشعب سابقا- نصيب موفور من ذلك. فقد كتب 
هذا الصحفي في عموده المنشور في "الأخبار" بتاريخ 13 أغسطس 
2 قائلاً: "دماثة أخلاق الكتاتني وذكاؤه وتلقائيته عناصر مهمة في 
إعجاب وتقدير وإشادة المواطنين به. والذين أتيحت لهم الفرصة 
كاملة لمتابعة وقائع جلسات المجلس عبر القناة الخاصة بالبرلمان. ورغم 
قصر المدة التي قضاها الكتاتني في رئاسة مجلس الشعب فإنه ترك 
بصمات واضحة لا يمكن لتاريخ العمل البرلمان أن يتجاوزها أو 
يناساها". وأضاف القط: "وليس من البالغة أن أقول إن الدكتور 
سعد الكتاتني قدم نموذجا نتمنى تكراره في أسلوب الأداء لرئيس 
البرلان ومدى قدرته على الجمع بين الصرامة والحسم وأيضس اللين 
واللطف مع بعض تجاوزات أو هفوات وأخطاء أعضاء البرلمان". لم 
يكتف القط يمذا القدر. بل استطرد قائلا: "الرجل يحاسب نفسه إذا 
أحس بأنه قد قسا على أحد الأعضاء فيسارع في أقرب لحظة بمداعبته 

- 160 - 


وهو ما يكشف عن معدن أصيل لبرلماي قدير أثق في أن وطنيته 
وانتماءه سوف يتيحان الفرصة كاملة أمامه للعودة إلى البرلمان. سواء 
تم ذلك عن طريق القضاء أو في أي انتخابات برلمانية جديدة". 

وعلى مدار الفترة من 10 إلى 17 أغسطس 22012 رصد أستاذ 
الصحافة, د. محمود خليلء ما لا يقل عن 15 مقالاً صحفيا تدافع 
عن الرئيس محمد مرسي ورئيس الوزراء هشام قنديل» استنددت 
جميعها على اهجوم على معارضي الرئيس واههام قوى معينة بمحاولة 
إجهاض تجربته من خلال تسفيه قراراته. ومفاجأته بأحداث قدف إلى 
هر ثقة الشارع فيه» والحديث هنا كان ينصرف إلى "مذبحة رفح" 
ومنعه من حضور جنازة ضحايا المذبحة,» والاعتداء بالأحذية على ٠‏ 
رئيس وزرائهء بالإضافة إلى تحليل قراراته على أرضية المدح الذي 
يصل ب "الممدوح" إلى ساحة"الفرعون"131. 

من ذلك -على سبيل المثال- مقال نشرته جريدة "الأهرام” 
للكاتب مؤمن خليفة يصف فيه قرارات مرسي بإقالة القيادات 
العسكرية قائلا: "في رأبي المتواضع أن معظم الأوصاف التي أطلقت 
على قرارات الرئيس بالثورية أو بالقنبلة لم تكن دقيقة في وصفها؛ لأن 
الرئيس استجاب لمطالب الشعبء. والذين يتابعون المشهد في الشارع 
المصري بدقة وتمعن يدركون أن الرئيس كان سيقدم على هذه 
القرارات عاجلاً أم آجلاء فلا وجود لدولة مدنية يحكمها العسكر. ما 
فعله الدكتور محمد مرسي هو عين العقل وخطوة على طريق 


1 المصدر نفسه. 


-161- 


الاستقرار اين الدولة المدنية التي يحلم يما المصريون, ويكفي أننا 
كنا تحت حكم العسكريين منذ60 عامسا"132. 

ثم جاء عهد الرئيس عبدالفتاح السيسيء لنجد أن الإعلامٌ بأكمله 
معه. بالحق وبالباطل؛ بفهم وبدون فهم. يتنافس على إرضائه الإعلامُ 
القومي والخاص والحزبيء بما يمثل قوة جبارة لم تتوفر لأي رئيس من قبله, 
بما في ذلك الرئيس عبدالناصر نفسه. بما يمذل حالة -لم يسبق لها مثيل- 
من الطغيان الإعلامي لصالح الرئيسء وما يغيب معه الحد الأددئ من 
التوازن الإعلامي المطلوب لاكتمال الصورة وحماية الحقيقة وصيانة 
الوعي العام من تخدير الاتجاه الواحد133. 


في عهد السيسي., اختار المجلس الأعلى للصحافة -بعد تأخير لعدة 


أشهر - قيادات صحفية ل تُنبت في معظمها- أنها أفضل حالاً من 
حيث الكفاءة والمستوى ظ الأسماء السابق الإشارة إليهاء إلا من 
رحم ربي. 


وفي غياب الاهتمام الاقتصادي للمالك الاسمي للصحف القومية, 
" تأخذ الصحافة من شكل القطاع العام سوى الترهل وقلة 
المسؤولية» في حين ظلت كل مؤسسة مرتبطة بتراثها الإداري السابق 
على التأميم. فظل العديد منها أقرب إلى الدكاكين رغم ضخامتهاء 
جما يعنيه ذلك من فردية القيادة, وغياب الوصف الدقيق للوظائف 
الذي يحدد مسؤوليات وامتيازات كل وظيفة. 





2 مؤمن خليفة. ضربة معلم. جريدة “الأهرام". القاهرة. 15 أغسطس 2012. 
3 أنبرر اغواري. مادا العارض السيسي؟!. حريدة “المصري اليوم” القاهرة. 17 أكتوبر 2014. 


-162- 


عانت المؤسسات الصحفية القومية على مدار سنوات من غياب 
تصحيح هياكلها المالية وزحام شديد في أعداد العاملين يماء ورغم 
الحديث المستمر عن تصحيح الحياكل الالية هذه المؤسسات» 
والتفاوض في هذا الشأن مع رؤساء الحكومات المتعاقبة» فإن السلطة 
أو الحكم كان يرى أنه من الأفضل أن تظل الخال كما هي عليه. كان 
هناك إصرار على بقاء الأزمة, وأن تمم المعالجة ب"القطاعي", دون 
إصلاح جذري134. 
بعيدًا عن سوء مآل المؤسسات الصحفية القومية» اشتعلت أزمة 
أخرى بين الأعضاء المنتخبين في مجالس إدارتا وبين المجلس الأعلى 
للصحافة, على خلفية تلكؤ المجلس لأكثر من شهرين كاملين عن 
إعلان التشكيل الجديد نجالس الإدارة. 
في المرتين» لم تعكس الاختيارات تغييرًا يبرر التلكؤ الذي يزيد 
الأداء المرتبك ارتباكسا. بين التغييرين لم يقدم المجلس ملحوظة 
تحريرية أو إدارية أو مالية لمؤسسة من هذه المؤسسات. غلبا بان 
هذا المجلس يختلف عن كل المجالس السابقة؛ إذ جاء راكيًا 6 


ثورية, كان من المفترض أن ينعكس أثرها في عمله, وبالتالي في 
الموْ سسات» 0 بأخذ خطوة من السلطة. واقتصاديا رلك 


إهدار الموارد المادية والبشرية135. 


4 شريف عارفء الكاتب الكبير مكرم محمد أحقد في شهادة للتاريخ: زمن "الزعيم الأوحد" انتهى. جريدة 
“المصري اليوم", القاهرة» 28 يناير 2015. 

5 عزت القمحاوي. فرصة وحيدة وحصرية لإنقاذ الصحافة القومية, جريدة "المصري اليوم", القاهرة, 6 يناير 
115 . 


- 163- 


في ظل ارتباك واضح اختل ميزان القوى الإعلامي في المجتمع» 
بحيث صار الإعلام الخاص هو الذي يبادر بال هجوم, ني حين اكتفى 
الإعلام المملوك الدولة بموقف الدفاع. 

تجلى ذلك خلال الأزمة التي فجّرها بيان إعلان عدد من رؤساء 
تحرير الصحف الخاصة عن شروعهم في تأسيس "غرفة صناعة 
الصحف الخاصة" في نوفمبر 2014, والحجوم الكاسح على هذه 
الخطوة في بيان نقابة الصحفيين.» حيث أكد المجلس "أن وقائع 
وتحركات ومحاولات مريبة ومثيرة للقلق شهدها الوسط الصحفي 
والإعلامي أخيراء يسعى إليها بعض رجال الأعمال للهيمنة على 
الإعلام الوطني وإفقاده استقلاله"136. 

ذكر بيان النقابة هؤلاء الزملاء بأن الغرف الصناعية يؤسسها 
ملاك الصناعة وليس الذين يعملون فيها بأجر وبأهم أعضاء في نقابة 
تضم الذين يبيعون قوة عملهم. دون الذين يشتروفاء وبأن قانوفا لا 
يجيز للعضو أن يكون مالكاا لصحيفة أو مساهما في ملكيتهاء 
وأنذرهم بأنه سيطبق هذا القانون على كل من يخالف منهم. وهو ما 
يعني فصلهم من عضوية النقابة» وحرمافم بالتاللي من تولي مواقع 
رئاسة العحرير. 

وقبل أن ينتهي الأسبوع؛ أصدر من تبقى من هؤلاء الزملاء, بعد 
أن انسحب الباقون. بيانا آخخرء أكدوا فيه حرصهم على وحدة 


6 محمد علي “نقابة الصحفيين” تفتح النار.. غرفة صناعة الصحافة “تعكس تحر كات مريبة ومشيرة للقلق", موقع 
“بوابة الأهرام" الإلكتروي. 9 نوقفمير 2014. 


- 164 - 


العمل النقابي, ممثلاً في نقابة الصحفيين, وقالوا فيه إن بيانهم السابق قد 
أسيء فهمه, والصحيح أن التي أسيئت كانت صياغته. وأنكروا أنهم 
طلبوا الانضمام إلى الغرفة, والصحيح أنهم الذين أعلنوا تأسيس 
الغرفة بعيدًا حتى عن الملاك الأصليين للصحف, وأعلنوا عزمهم 
تشكيل رابطة محرري الصحف الخاصة في إطار نقابة الصحفيين تدافع 
عن مصالحهم. في حين قرر مديرو عموم الصحف الخاصة؛ خلال 
اجتماع المساشمين البدء في إجراءات تأسيس غرفة صناعة الصحف 
الخاصة137. 

والحقيقة أن إصرار البيان المذكور على أن تقتصر غرفة صناعة 
الصحف على الصحف الخاصة دون القومية, يعكس روحسا تنافسية 
غير بئاءة» ويقدم تبريرات إضافية للهجة الحادة والمتشككة التي صيغ 
يها بيان نقابة الصحفيين. 

أيا كانت الأوضاع السابقة على غرابتهاء فإن الوضع الحالي ربما 
كان فيه ما هو أكثر عجبا. 

لقد اختفى مجلس الشورى من دستور 7١١4‏ الذي أعطى حريات 
واسعة للصحافة والإعلام عامة, ولكنه من الناحية "المؤسسية" تجدب 
تماما تعبير "الملكية"؛ فالمادة 5١١‏ التي تقضي بإنشاء "المجلس الأعلى 
لسظيم الإعلام" تحدث عن "تنظيم" شؤون الإعلام و"حماية" حرية 
الصحافة ومنع الممارسات الاحتكارية والتأكد من وجود أدوات 


7 صلاح عيسى. ”نيوتن" يجدها.. ولكن ليس في غرفة صناعة الصحفء جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة؛ 15 


نوفمير 2014. 


- 165 - 


اتباع المعايير الأخلاقية. والمادة ١١*‏ تنص على إنشاء "الهيئة الوطنية 
للصحافة" كمنظمة مستقلة تقوم على إدارة وتنمية المؤسسات 
الصحفية "المملوكة للدولة" وما لديها من ممتلكات مع تحديثها 
وضمان حيادها والتزامها بالمعايير المهنية. وكذلك جاء الخال مع 
الهيئة الوطنية للإعلام" في المادة ١١‏ لكي تكون ممائلة لا جاء في 
المادة السابقة ولكن فيما بخص الإعلام المرئي والمسموع؛ وهنا يتكرر 
مرة أخرى تعبير "المملوكة للدولة", كما يتكرر مرة أخرى تعبير 
"الاستقلال" وأن الأمور كلها سوف يحددها القانون. 

مع استمرار تدهور حال المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة 
استمر سيناريو الدفاع عن الحاكم من جهة, والشكوى من الديون 
المتراكمة على تلك المؤسسات من جهة أخرى. 

خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة دفعت الحكومة مرتبات أو قدمت 
دعما لجميع المؤسسات من أموال دافعي الضرائب والموارد العامة 
للدولة والمملوكة للشعب المصري كله. فمن الناحية الاقتصادية فإن 
مؤسساتنا جرى لما ما جرى لكل المؤسسات الصحفية في العالم وهو 
التدهور المتسارع للصحافة المطبوعة. وفي مصر فإن عدد قراء 
الصحف عام ١951.‏ بلغ 3.5 مليون قارئ. وفي عام ١١.5‏ هبط 
الرقم إلى مليون ونصف مليون وفي الوقت الراهن فإن التوزيع 
الداخلي للصحف في مصر يتعدى بالكاد مليون نسخة. وفي عام 
واحد ما بين 5.١١١‏ و١١.5‏ هبط توزيع الصحف بنسبة 9,6؟/. 
وكما حدث في الإعلام التليفزيوي, حيث تراجع نصيب الإعلام 


- 166 - 


"القومي" -أي الحكومي- من المشاهدين لصالح الإعلام الخاص, فقد 
حدث نفس الأمر تقريبا في الصحافة. وفي الحقيقة فإنه ما عدا 
"الأهرام" و"الأخبار", فإن باقي المؤسسات الصحفية تعاني الإفلاس 
الاقتصادي, ويسير معظمها في ذات الاتجاه الذي سارت فيه صحف 
التعاون والشعب من قبل حيث لم يعد هناك من حل لمعضلتها إلا من 
خلال تفكيكها وتوزيعها على صحف أخرى فكانت سببا في زيادة 
أعباء هذه الأخيرة بالإضافة إلى وضع فاية لها138. 

والحقيقة أنه لم يعدا من المقبول إنفاق كل تلك الأموال على إعلام 
حكومي خاسر مادياء وضعيف مهنيً؛ في بلد يعاني عجرًا 
اقتصاديا يضعه على ضفاف الإفلاس. 

ليس معلومًا ما الذي أثلج صدر البعض -ومنهم محمد 
سلماوي؛ رئيس اتحاد الكتاب- في أن يقول السيسي في أغسطس 
4 إنه "لن يقبل أن تسقط الصحف القومية”139, في وقت يعرف 
فيه الجميع أن تلك الصحف تعان مديونيات لا تستطيع سدادها تصل 
إلى عشرة مليارات جنيه؛ وتحتاج إلى سيولة مالية لمواجهة نفقاها التي 
لا تقل عن المليار جنيه شهريا140. 

دفعت أزمة الصحف "القومية" إلى أن يناشد صلاح عيسى 
الرئيس السيسي التدخل لإنقاذها. حيث "سرد ما تعانيه هذه 





8 د. عبدالمنعم معيد, ماذا نفعل مع الصحافة القومية؟!, مصدر سابق. 
9 محمد سلماويء إنقاذ الصحافة القومية, جريدة "المصري اليوم" القاهرة: 4 سبتمير 2014. 
0 نجاد البرعي, إعلام كفر البطيخ؛ جريدة “المصري اليوم", القاهرة, 6 سبتمير 2014. 


-167- 


المؤسسات الصحفية القومية من مشكلات, تدفع بعض رؤساء مجالس 
إدارات المتعثر منها أحيانً إلى الهروب من الأبواب الخلفية هربا 
من الدائنين", قبل أن يختم قائلا: "إن الإدارة الحالية لم تتوصل بعد إلى 
ترجمة عملية للسياسة التي أعلنتموها بشأن ضرورة الحفاظ على 
المؤسسات الصحفية القومية» وعدم السماح بسقوطهاء وهو ما 
يتطلب أولاً وضع سياسة قصيرة الأمدء لتعويم الخاسر منهاء حت 
يستطيع أن يتخطى ما يواجهه من عقبات2, وقيئة الظروف أمام 
المؤسسات المستقرة منهاء لكي ينطلق الجميع -بعد ذلك- في إقامة 
أساس إعلام المصالح العامة, الذي تمئل هذه المؤسسات حجر الزاوية 
فيه"141. 

استجابة لهذه النداءات» أمر السيسي بتشكيل جنة مشتركة من 
الحكومة والمؤسسات الصحفية القومية بمدف وضع خارطة طريق 
تكون قابلة للتنفيذ للنهوض بالصحف القومية واستغلال أصولها 
الاستغلال الأمثل. 

جاء ذلك خلال لقاء الرئيس. مع أعضاء المجلس الأعلى 
للصحافة برئاسة رئيس المجلس جلال عارف, والأمين العام صلاح 
عيسى,» وحسن عماد مكاوي. أحد أعضاء المجلس ورؤساء 
المؤسسات الصحفية القومية ورئيس وكالة أنباء الشرق الأوسطء 
وبحضور رئيس الوزراء المهندس إبراهيم محلب. ووزير المالية» هاب 
قدري. 





1 صلاح عيسى: خطاب مفتوح للرئيس عبدالفتاح السيسيء. جريدة “المصري اليوم", القاهرة» 8 نوفمير 


04م 


- 168 - 


في الاجتماع المذكور, طالب السيسي بأن تتوصل هذه اللجنة إلى 
0 أو 12 قرارًا تكون قادرة على حل مشكلات المؤسسات الصحفية 
القومية؛ حيث يكون جزء من هذه الحلول من خارج "الصندوق”" أي 
وضع "حلول غير تقليدية". 

وأكد أن الدولة لن تسمح بسقوط المؤسسات الصحفية القومية؛ 
قائنًا: "نريد أن تفوق المؤسسات الصحفية وتشتغل", مضيفا أن 
الدولة تريد أن يكون الإعلام القومي إعلاما ناجحا ولا بد أن 
نكون متأكدين من ذلك142. 

زاد إبراهيم محلب. رئيس مجلس الوزراء, على ذلك بالقول إن 
هناك توجيهات واضحة من الرئيس السيسي بالحفاظ على المؤسسات 
الصحفية القومية ومساندقا لكي تعود لأداء دورها التنويري في 
امجتمع. موضحا أن هناك تكليف من الرئيس يإصلاح هذه 
المؤسسات, وأن تدار بشكل أفضل. وأضافء, أثناء زيارته لمؤسسة 
دار المعارف: "نعلم أن هناك مشكلات وتحديات في المؤسسات 
الصحفية القومية, لكننا سنساندهاء وسيتم تشكيل لجنة لبحث 
مشكلات هذه المؤسسات والعمل على حلهاء وإذا كنا لا نملك 
الموارد فإننا نملك التوكل على الله وإرادة الإصلاح والجهد"143. 


2 وكالة أنباء الشرق الأوسطء "السيسي" يأمر بتشكيل لجنة لحل مشاكل المؤسسات الصحفية القومية موقع 
"بوابة الشروق" الإلكتروي. 8 ديسمير 2014. 

3 منصور كامل., محلب في "دار المعارف": الدولة تسائد المؤسسات الصحفية القومية؛ جريدة "المصري اليوم”. 
القاهرة, 5 يناير 2015. 


- 169 - 


غير أن هناك من يرى أن تلك المؤسسات الصحفية "الحكومية" 
تعتبر شاهدًا على تبديد أموال المصريين من أجل نشر صور "تعبيرية" 
للحكام في الصفحة الأولى» كما حدث في الصورة الشهيرة التي 
نشرقا "الأهرام" في عهد أسامة سرايا للرئيس حسني مبارك متقدمً 
الرئيس الأميركي باراك أوباما وزعماء دوليين آخرين, على خلاف 
الحقيقة. 

كان: مارك أيظسا 'يوفن :يدور تلك الصحخفن» ويتببك 
بوجودها"؛ هكذا نقل عنه نقيب الصحفيين الأسبق مكرم محمد أحمد 
في ١/‏ يونيو 7.0.5 خلال ندوة نظمها معهد الأهرام الإقليمي 
للصحافة ونشرت جريدة "المصري اليوم" تغطية لها. غير أن مبارك 
نفسه كان يرى أن الصحفيين "دول عالم "لبّط"144: و"إما أن لهم 
مصالح خاصة, وإما أنهم لا يفهمون"145. وقال ذات لقاء مع محمد 
حسنين هيكل: "إن الصحفيين يدّعون أنهم يعرفون كل شيء» وإهم 
"فالحين قوي", والأفضل أن يتكشفوا أمام الناس على حقيقتهم, وإفهم 
"هجاصين" لا يعرفون شيئا"146. 

خلال لقاء الرئيس السيسي بمجموعة من شباب الصحفيين 
والعاملين في الإعلام» قفرت مسألة مؤسسات الإعلام "القومية" إلى 
الواجهة. 


44 محمد حسنين هيكل» مبارك وزمانه: من المنصة إلى الميدان, دار الشروقء القاهرق ط2, 2012, ص 50. 
5 المرجع نفسه؛ ص 51. 


6 المرجع نفسه؛ ص 50. 


-170- 


رحب السيسي ببعض المقترحات التي تم طرحها أثناء اللقاء ومن 
بينها تطوير مؤسسات الإعلام القومية لتقوم بدورها جنبا إلى جنب 
مع الإعلام الخاص وتحقق التوازن المطلوب على الساحة الإعلامية, 
وتؤكد دورها كمنبر للتواصل بين الدولة ومختلف مؤسساقا وبين 
الشعب. ودعا شباب العاملين في الإعلام إلى إعداد ورقة عمل 
تتضمن مقترحات محددة لتطوير مؤسسات الإعلام "القومية"147. 
بجددًا. الحديث عن الأزمة؛ في ظل غياب الحلول الممكنة. 


إن إصلاح حال الإعلام المصري لن يتم إلا بتخلي الدولة عن 
ملكيتها للمؤسسات القومية» وتحويل كل مؤسسة إلى كيان اقتصادي 
مستقل (ليكن شركات مساهمة تحدد فيها حدود قصوى للكية 
الأسرة الواحدة) بمجالس إدارة منتخبة بكاملهاء تُحاسّب أمام جمعية 

ربما كان المخرج أيضا بأن تعحول وسائل الإعلام المملوكة 
للدولة إلى إعلام الخدمة العامة» ولكن حتى الآن لم تُبذل أي جهود 
لتحقيق ذلك. كما يجب البحث عن صيغ للحفاظ على حقوق 
العاملين في الإعلام المملوك للدولة؛ وحتى حينه أيضا لم تُبذل أي 
محاولات لتحقيق ذلك أو حتى بحنه للوصول إلى صيغ وأفكار تستفيد 
من التجارب الدولية المشايمة للتجربة المصرية الراهنة. 





7 محسن “مميكة وححسين رمزي, التفاصيل الكاملة للقاء السيسي مع شباب الإعلاميين والصحفيين, موقع "بوابة 
المصري اليوم” الإلكتروينء 2 ديسمير 2014. 


-171- 


في حديث مستقبل مهنة الصحافة, فإن قضية الصحافة "القومية" 
تقف في وسطها تتحدى الجميع, وهي التي تضم أكبر عدد من 
الصحفيين الأعضاء في نقابة الصحفيين» وهي التي باتت تشكل 
نزيفًا ماليسا واقتصاديسًا للدولة النازفة أصلاً من محن أمنية 
واقتصادية مروعة. 

السؤال هو: هل المطلوب هو دعم الفشل؟! 

إن دعم ميزانيات هذه المؤسسات الصحفية المملوكة للدولة 
بمليارات الجنيهات يعني عمل إهدار هذه المليارات دون حل 
المشكلة من جذورها. 

ليس مفهوما -على سبيل المثال- سر تمسك هذه المؤسسات 
الصحفية بإصدارات لا معنى طاء ولا قراءء ولا هدف. زع ذلك 
ها تصدر, ليكون صدورها في كل أسبوع أو شهر نموذجً حيس 
لإهدار المال العام. 

يرى د. عبدالمنعم سعيد أن المؤسسات الصحفية العامة تنقسم إلى 
قسمين: أوهما يضم "لأهرام" و"الأخبار"؛ وثانيهما يضم باقي 
المؤسسات. وأساس التقسيم -وفق د. سعيد- هو أن الأولى رغم أنما 
لجأت إلى الدولة/ الحكومة للحصول على أموال فإها لا تزال تدفع 
مرتبات العاملين فيها. كما أن لديها أصولاً طائلة من أراض 
واستغمارات؛ بل إن لديها شركات تعمل في أوضاع "شبه احتكارية". 
وبشكل عام فإن لديها قطاعات للإعلان والنشر والطباعة والتوزيع 
والاستثمار وتكنولوجيا المعلومات. 


- 172- 


ببساطة فإن كلنا المؤسستين لا تزالان واقفتين على أقدامهما رغم 
العمالة الزائدة إلى حدود غير مقبولة اقتصادينًا. ورغم ذلك فإن 
كلتيهما تحتاجان إلى عملية نقل دم مالية للخروج من فترة الركود 
التي ألمت بمما وبمكن توفيرها من السوق العامة بأن تتحول كلتاهما إلى 
شركة قابضة تضم شركات القطاعات المشار إليها وتطرح أسهمها 
للشراء والتداول مع شرطين: أن يكون المشتري مصرياء؛ وألا 
يحصل المشتري على أكثر من //١‏ من الأسهم. هذه القطاعات قدمت 
أحيانا ما يفوق مليارين من الجنيهات» ودفعت أرباحا وحوافر 
و"أبناط" ومكافآت في الأعياد الصغرى والكبرى ومع افتتاح 
المدارس» وفي الإمكان أن تقدم الآن ما هو أكثر إذا ما أديرت وفق 
أسس اقتصادية. القسم الثابي من المؤسسات الصحفية, وهذه للأسف 
تعاب الإفلاس منذ فترة طويلة» وتعيش في كنف الحكومة منذ 
سنوات, وليس متصورًا إنقاذها إلا بحلول جذرية؛ منها خصخصتها 
والاستفادة من الاسم التاريخي لها مثل "روز اليوسف" أو "دار 
الهلال", إضافة إلى "دار التحرير". الحل الآخر الممكن هو تجميعها في 
شركة واحدة قابضة تضم المنعج الأكثر نجاحا في كل مؤسسة 
(مجلات روز اليوسف, والمصورء وأكتوبر) على أن تضم لها كل 
الأصول الباقية من مبان ومطابع وأصول أخرى تعطي مرونة لادارة 
الشركة على تجهيزها للطرح العام148. 


8 د. عبدالمنعم سعيد؛ الصحافة القوهية مرة أخرى!, جريدة "المصري اليوم". القاهرة, 26 أكتوبر 2014. 


-173- 


شكل الملكية وحده لا يحل معضلة الصحافة "القومية", وفي 
الحقيقة كل الصححافة المصرية, فكلها تواجه مثل ما يحدث في الصحافة 
العالمية من التراجع في التوزيع, ومعه تقلص الإعلانات. وما جرى في 
العالم خلال الأعوام القليلة الماضية هو تغير كبير في الصحافة المطبوعة 
وتحوها التدريجي من مؤسسات إعلامية تندمج فيها وسائل التعبير عن 
الرأي من الكتابة على الورق إلى الكتابة الإلكترونية إلى الأشكال 
الفضائية للتعبير التليفزيوي. لقد انكسرت الحواجز ما بين أشكال 
التعبير المختلفة نتيجة الثورة العلمية التكنولوجية الخحالية والتي جعلت 
مؤسسات مثل "نيويورك تايمز" و"واشنئطن بوست" وأمثاههما في 
أوروبا وآسيا قادرة على الصمود وعبور هذه الأزمات المصيرية وأن 
تؤسس لأشكال جديدة من الإعلام يتضخم قراؤها ومشاهدوها كل 
يوم. 

تم ذلك من خلال عملية مضنية لتغيير "المحتوى" المتميز بالعمق 
التاريخي للتطورات الجارية (الزمان), والقدرة على توقيعها على 
الأرض بما فيها من جغرافيا وديموغرافيا (المكان). وهكذا فإن تغييرات 
عميقة تجري الآن في طبيعة الفنون الصحفية تجعل قدراها أكبر بكثير 
ما كانت عليه في التأثير والمساهمة في بناء امجتمعات. 

هذه الأفكار مازالت بعيدة عن التطبيق في الصحافة المصرية 
عموماء وخاصة الصحافة "القومية". التي تواصل سياساها البالية في 
تمجيد السلطة؛ وتكتفي بالجأر من الشكوى من تراكم مديونياقها دون 
أن تبتكر الحلول أو تدرس تجارب الآخرين في تطوير الإمكانات 


-174- 


وتعزيز الموارد. 

في ملف الصحافة "القومية" -وغيرها- يجب أن يدرك الجميع 
حاجتنا إلى صحافة ووسائل إعلام وتواصل يفرض تنوع توجهاتًا 
وانحيازاهها الأيديولوجية والفكرية والسياسية وتعدد أغغاط ملكياتهًا 
وأشكال إدارقا حدًا أددى من مهنية العمل ومن موضوعية التعامل مع 
الأخبار والآراء بالبحث عن الشق المعلومانيَ ومكون الحقيقة بجانب 
التعبير عن التوجهات والانحيازات. 

نريد وسائل إعلام لا يتقلص دورها إلى النقل غير النقدي لرؤى 
وتفضيلات السلطة التنفيذية أو أن تصمت عن توثيق وكشف 
اختلالات وتجاوزات وانحرافات أفعال الحكام والحكومات حين 
ينتهكون حقوق وحريات المواطن أو يرهقون المجتمع وتنظيماته 
الوسيطة تلويما بالقمع وقديدًا بالاستشاء أو يتغولون على السلطتين 
التشريعية والقضائية أو يطمسون المعلومات والحقائق بشأن نتائج 
الخطط والبرامج وغيرها149. 

نريد صحافة حرة حقيقية لا صحافة يكبلها النظام أو يكبلها 
رؤساء تحريرها طواعية من أجل بقائهم في مناصبهم آمنين سالمين. لا 
نريد صحافة المنافقين والمرتعشين. لا نريد صحافة الطبل والزمر فقد 
سئمنا منها وأصابنا الغثيان منها منذ ستة عقود. 


9 د. عمرو خمراويء هنا وهناك.. أفكار حول تغول السلطة التنفيذية, جريدة "الشروق". القاهرة, 8 نوفمير 


.014 


-175- 


ونحن نفتقد الصحافة التي لا تدسى البحث عن المعلومة والإعلام 
الذي يحترم الموضوعية والتعددية على الأقل بين الفينة والأخرى. 
ووسائل التواصل التي تناهض احتكار السلطة التنفيذية للحقيقة ولا 
تتحول إلى ترويج هستبريا الرأي الواحد وفاشية التخوين والتشويه 
عند الاختللاف. 

الخبر المؤسف. أنه مازال في مصر من يّحن إلى إعادتنا إلى زمن 
إعلام "كبر :البطيخ'. 1 


-176- 


اخترناه! 


"ولهذا فإن علينا ألا نعجب إذا عرفنا أن ا ملك بموجب ألقابه 
الرسمية "سيد ا مصريين" أ و"رهم". وه وأيضاً "السيدتان". أي 
ملتفى الإلبقين الحاميتين اللتين تحميان الشمال والجنوب”150 


في عام 21979 كتب الفيلسوف الفرنسي ريجيس دوبريه محذرًا 
من أن "وسائل الإعلام تتجه نحو الشخصي لا نحو الجماعي؛ نحو 
الأحاسيس لا نحو العقل؛ نحو الفردي لا نحو الكوئ. هذه الخصائص 
الغلاث الملازمة لأركان الإعلام الجديدة؛ والتي هي في الواقع واحدة, 
سوف تُحدّد طبيعة الخطاب المسيطر وبروفيل حامله. إنها تفرض 
استراتيجة فردية وفوضى جمعية. لا حاجة بعد الآن ل"كودات" ولا 
ل"إشكاليات", ولا ل"سياج" من المفاهيم"151. 

المشكلة الجوهرية تحدث حين تتحول وسائل الإعلام إلى أداة 
للتلاعب بالرأي العام, من أجل مصالح خاصة., أو أن تصبح ساحة 
تابعة للسلطة, ليس لا استقلال ذانَ ولا قواعد مشروعة في التعامل 
مع قضايا الساعة بمهنية وموضوعية152. 


0 د. إمام عبدالفتاح إمام, الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي» ملسلة عام المعرفة, العدد 
3 المجلس الوطبي للثقافة والفنون والآداب, الكويت, مارس 21994 ص 25. 


1 ,1979 ,لإقكممة8 نؤأمق8 بععمقعع مع أعباععمااعام] عأملايمم عنا ,لإقعطع0 ؤأوةم 
07م 


2 .2009 ,أأداع5 :5م63 ,0018م323م-1/16013] رمأكه! أمععياقا 


- 177- 


إن الإعلام ليس جزيرة معزولة عن المجتمع الذي يعيش على 
سطحه ويؤثر في أحشائه, وإغغا هو مشدودٌ ومربوط طوال الوقت 
بظروف هذا المجتمع والمستوى الذي حققه من النضج والتطور على 
المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية» كما أن منظومة الإعلام 
في أي بلد شديدة التأثر والحساسية تجاه قضية الدبمقراطية وما إذا 
كانت موجودة أصلاً أو معدومة بالمرة» وكذلك باقة الحريات ومدى 
تمتع الناس يما أو حرمام منها كلها أو أغلبها. وهذا يعني أنه يبصعب 
إيجاد إعلام حقيقي متطور أو قابل للتطور في بلد يعاني أهله البؤس 
والحرمان عموما والحرمان من الحرية على وجه الخصوص153. 

والمتابع للإعلام المصري -المرئي تحديدًا- لا يملك سوى الشعور 
بخيبة الأمل في ظل تدهور حرفية ومهنية الإعلام على يد الكثير من 
"نجومه", الذين حوّلوا مصر التي يتشدقون بالتغزل فيها من جوهرة 
تمينة إلى مجرد سلعة في يد "تاجر خائب". 

مزادٌ الكل يسعى فيه لتحقيق أعلى الأرباح حتى وإن كان الثمن 
الهش في الجسد المريض. ورغم أن السباق المحموم من أبجديات 
العمل الإعلامي, فإنه تحول في مصر من السعي لتقديم "قيمة" للمتلقي 
إلى ثمارسات ساذجة ومراهقة إعلامية عجزت عن التفرقة بين حرية 
التعبير وبين اللهو بمقدرات وطن بمر بظروف بالغة الدقة154. 


3 جحمال فهمي. مصدر سابق. 
4 لينا مظنوم؛ الإعلام المصري.. ومنطق "التاجر الخائب". موقع "بوابة الوفد” الإلكتروي؛ 11 نوفمير 2013. 


-178- 


في ظل التكدس الرهيب في وسائل الإعلام في مصرء فوجننا بأنه 
بدلا من أن يزداد امجتمع علممًا واستنارة سقط في مستقع من 
الإسفاف والانحدار وغياب المفاهيم والمسؤولية. لقد لعب الإعلام 
المصري دورًا كبيرًا في إسقاط نظامين وعزل رئيسين وخاض معركة 
ضارية ضد فساد نظام رحل وتخلف جماعة سطت على السلطة. هذا 
الإعلام سقط مرة واحدة في مستنقع الإسفاف أمام فهم خاطئ 
للحرية ومحاولة يائسة لتصوير جتمع دبمقراطي : يولد بعد وليست 
لديه المؤهلات التي تجعله يخنوض تجارب الدبمقراطية الحقيقية بوعي 
وإدراك. 

يعثل الإعلام المصري الآن واحدة من أخطر الأزمات التي تواجهها 
مصرء خاصة مع حالة الانفللات الي تعيشها سياسيمً وأخلاقها 
وفكرياء وأصبحت الحكومة بكل مؤسساقا عاجرة عن مواجهة 
هذا الأخطبوط الذي يهدد أمن مصر واستقرارها. من السهل أن 
تسمع نقدًا حادًا من كبار المسؤولين للإعلام المصري. ولكن لم 
يتحرك أحد لإنقاذ السفينة. 

إن كل قناة يقف خلفها طابور طويل من أصحاب المصالح 
يدافعون عن وجودهم ويستخدمون كل الوسائل لتحقيق المزيد من 
هذه المصالح. بل إن الأموال التي تدفع من هذه القنوات تمثل لغرًا 
حائرًا؛ لأن الإعلام الآن لا يحقق أرباحًا أو مكاسب تسناسب مع ما 
تتحمله هذه القبوات من نفقات155. 


5 فاروق حويدة, إعلام الدولة أم دولة الإعلام؟ جريدة "الأهرام": القاهرة. 30 يناير 2015. 


-179- 


كانت البدايات قد ظهرت في السنوات الأخيرة من عهد مبارك, 
حين تسربت الطبقة الجديدة من الأثرياء وأصحاب الال والنفوذ إلى 
مجالات الإعلام والعلاقات العامة "وهكذا وقعت عملية تجريف 
مصرء وكان أسوأ ما فيها ما جرى للتعليم» بعدما جرى للإعلام 
والثقافة"156. 

يتعين هنا أن نشير إلى هشاشة وتشوه الثقافة السياسية في المجتمع 
المصري. ذلك أنه حين عُطلت الديمقراطية وتم حل الأحزاب منذ 
تمسينيات القرن العشرين فإن الناس هجروا السياسة واستقالوا منها. 
إلا أن الأغلبية الساحقة إن لم يكن الجميع عادوا إلى السياسة بعد 
ثورة 2011, فدخلوا إليها بغير خبرة أو تراكم معرني. وظلت وسائل 
الإعلام هي المرجع والباب الذي تعرفوا منه على السياسة, الأمر 
الذي نقل إلى امجتمع تحيزات وتشوهات الأداء الإعلامي, فغرس في 
الوجدان العام بذور القابلية للبغض والكراهية؛ التي تجلت ثمارها في 
مرحلة ما بعد ثورة يناير157. 

ليس معروفسً ما إذا كان الغموض الذي يحيط بدائرة القرار 
السياسي راجعً إلى عوامل الحيرة وعدم اليقين التي تكسف 
التفاعلات داخل تلك الدوائرء أم أفا من تقاليد الإدارة العليا في 
مصرء التي تعتبر السياسة ملكسا للرئاسة ولا شأن للرأي العام بماء أم 
أنها من بصمات عسكرة النظام التي تعتبر كل أنشطة العسكر أسرارًا 





6 محسد سين هيكل, ميارك وزمانة: من المنصة إلى الميدان. دار الشروق. القاهرة. 2011. ص 194. 


7 دهسي هويدي. أزمة مقر ف عام الك اهيذ. حريدة "الشروق”. الشاهرة. 24 ديسسر 2013. 


-180- 


لا يجوز للأغيار الاطلاع عليها. أيًا كان الأمر فالشاهد أن المجتمع 
انفصل عما يجري في طوابق السياسة العليا. 

يلتفت المواطن حوله ليعثر على وسيلة إعلام تعمل فقط في 
توصيل المعلومة الدقيقة التي تم التحقق من مصادرها وجرى نقلها 
بأمانة» فلا يجد سوى من يوصلون الكذب الساذج إلى المنازل» وهم 
لا يعرفون أن العالم قد تغير, والجمهور أيضا تغير. 

ورغم أن المشهد الإعلامي بعد ثورة 25 يناير يعطي انطباعً 
باتساع هامش الحريات, فإن ذلك جاء على حساب الالتزام المهني 
واجتمعي, خاصة في ظل وجود نخبة سياسية واقتصادية تعيش بقدم في 
زمن مبارك الذي لا يموت نظامه ولا شبكاته, وقدم في التطورات 
الاجتماعية الكبيرة التي تشهدهاء دون أن تفهمهاء وها هي تواصل 
تقديم الإعلام, الحكومي والخاصء بنفس الطريقة الكاذبة القديمة. 

وكلما مارس باحث التفتيش عن الحقائق وسط ركام من أحداث 
وتغطيات إعلامية لا تنتهي, اكتشف أن غالبية هذه الحقائق تم طمسها 
بما يشبه العم ثم أعيد استعمانها في غير مواضعهاء أو إعادة 
استخدامها بما يفيد مستخدميهاء بغض النظر عن الحقيقة التي 
انتهكت. 

هذا حدث, ومازال يحدث, دون أن يطل علينا أحدٌ في وسائل 
الإعلام لتصحيح وضع أو لتصويب معلومة, وكأن الجميع قد 
استعذب حالة التزييف الجماعي التي يعيشها الرأي العام في كنف 
إعلام بمارس جزء كبير منه التضليل يومياء ويعمد إلى تزييف 


-181- 


الحقائق وتزويرهاء بما يعنيه ذلك من إهدار حقوق وتشويه 
شخصيات. 

ومع تعمد النخب المسيطرة اليوم في مصر فرض القيود على حرية 
التعبير عن الرأي والحريات الإعلامية» جرى تنميط المحتوى الإعلامي 
(في الصحافة وفي القنوات التليفزيونية) انطلاقا من مضامين أحادية 
هي تأييد ترتيبات ما بعد 3 يوليو 2013, وأولوية "الحرب على 
الإرهاب", والتجريم الجماعي للإخوان المسلمين ومؤيديهم وحلفائهم 
في اليمين الديني» وتشويه المدافعين عن حقوق الإنسان والمطالبين 
بالتحقيق في الانتهاكات وممارسات الدولة الأمنية158. 

لقد أحدثت صححافة خدمة السلطان وأبواق الأجهرة الأمنية 
وبرامجهم الفضائية تشوهات حادة في المساحة الإعلامية المصرية 
والمهن المرتبطة يما. وهذه التشوهات يتصدر قائمتها الطويلة إلغاء 
قيمة المعلومة والحقيقة والموضوعية والتراهة المهنية. وإحلال ممالأة 
السلطان ونفاق الحكام وقبول الالتحاق بدوائر النفوذ والمال بحن 
عن الحماية والعوائد والمصالح الشخصية (معنوية ومادية) كمنظومة 
بديلة ليس للا إلا أن تفسد العمل الصحفي والتليفزيوي. 

ويلي ذلك خطر صرف نظر واهتمام الأجيال الوسيطة والشابة 
العاملة في المجال الإعلامي عن الاجتهاد والتطور الذابي وتنمية 
القدرات المهنية ومن ثم عرقلة الارتقاء جماعيا بالصحافة وبالقبوات 





8 د. عمرو حمزاوي. هامش لبددمقراطية.. مرض البدائية. حريدة "الشروق”. القاهرة؛ 12 بوفمير 2013. 


-182- 


الفضائية. جيل الشيوخ ولمجموعات المتقدمة في العمر حسمت 
اختياراتًا وبين صفوفها أسماء كثيرة لم تنقلب على المعلومة والحقيقة 
والموضوعية؛ وأسماء أكثر قبلت الاستتباع وخدمة السلطان وتمارسهما 
يامكانات تتفاوت. 

الأجيال الوسيطة والشابة هي التي تتحول إلى ضحية بدفعها بعيدًا 
عن القراءة والإطلاع والمتابعة والتوثيق واختبار أساليب جديدة في 
الكتابة الصحفية والتغطية التليفزيونية» والزج با إلى البحث عن 
موضع قدم في شبكات الممالأة والنفاق الواسعة ومزاحمة من سبقوهم . 
إلى الاستتباع وبنفس الأدوات المعهودة - الترويج لتقارير الأجهزة 
الأمنية وتنفيذ تعليمات الحكام والنافذين وملاك الصحف والقنوات 

أما التشوه الثالث الذي طال العاملين والمشتغلين في المجال 
الإعلامي وتجاوزهم فيتمثل في صناعة صورة نمطية بالغة السلبية عن 
الصحافة والبرامج التليفزيونية كمواطن لنشر الإفك وساحات تغيب 
عنها المعلومة والحقيقة والموضوعية وتعجز عن تناول قضايا الوطن 
وتحدياته الكبرى بجدية وبعين على التقدم والتدمية والعدل والحق. 
لذلك تخفق الصحافة والبرامج التليفزيونية في الاضطلاع بالمهمة 
المقدسة المنوطة بالإعلام في المجتمعات المعاصرة, مهمة السلطة الرابعة - 
التي تراقب باسم الصالح العام ونيابة عن المواطنات والمواطنين 
السلطات العامة ومؤسسات وأجهزة الدولة والجهات الخاصة وتتتبع 
أفعالها وممارساهًا وتكشف اختلالاتها ومناحي الفساد يما وتطالب 


- 183 - 


بتغييرها وتصر على الشفافية والمعلومة والحقيقة, إن في السياسة أو 
خارج سياقاتا159. 

ولعل متابعة البيانين الصادرين على التوالي من المسؤولين عن 
القنوات الفضائية واتحاد الإذاعة والتليفزيون, ثم رؤساء تحرير أغلب 
الصحف القومية والخاصة والحزبية» في أكتوبر 2014: تكشف 
جانبا من أزمة الإعلام في مصر. 

اختصر البيانان دور الإعلام والصحف في مكافحة الإرهاب عبر 
مساندة الدولة» وعدم نشر البيانات والكتابات التي تروّج للإرهاب 
وتشكك في مؤسسات الدولة, دون حديث عن دوره الأساسي في 
محاربة الأفكار التي تصنع الإرهاب. لكن أبِنا من البيانين لم يفصح 
إلى أي حد تكون هذه المساندة» هل تخص المعارك الدائرة ضد 
المجرمين, أم يمكن أن تطال حق نقد السياسات العامة للسلطة في ما لا 
يتعلق بالإرهاب. مثل الانحيازات الاقتصادية,» وتردّي الخدمات 
العامة وضعف كفاءة تشغيل هذه الخدمات2, وسياسات إجراء 
الانتخابات البرمانية» وقرارات وتشريعات للها علاقة بحياة الناس؛ أم 
أن رؤساء التحرير قرروا تأجيل الأمر كله إلى ما بعد القضاء على 
الارهاب؟ 1 

وماذا عن التوقف عن نشر البيانات المتعاطفة مع الإرهاب؟ هل 
يعني هذا مثلاً أنه لو أن جماعة ما. تبنت عملية إجرامية ماء عبر بيان 





9 د. عمرو حمزاوي. تشوهات خطيرة. جريدة "الشروق”. القاهرة. 19 فراير 2014. 


- 184 - 


منسوب إليهاء أنه لن يُنشر في الصحفء. أو فيديو ماء بثته إحدى 
الجماعات لعملياقا يُظهر كيف جرت ويجيب عن أسئلة للرأي العام 
لن ينشر؟ 

في أثناء الحرب على الإرهاب مثلاً. وقبل الذكرى الثالثة لثورة 
يناير» استنفرت القوات الأمنية وخرج وزير الداخلية ليؤكد 
جهوزيتهاء وقال قوله الأثور: "اللي عاوز يجرّب يقرّب". وبعد 
ساعات فجّر إرهابيون مديرية أمن القاهرة. هل الإشارة إلى تقصير ما 
في السياسات الأمنية هنا يعد في نظر رؤساء التحرير دعماا 
للإرهاب؟ وهل نشر فيديو السيارة التي فجرت المديرية في كل 
القبوات بما يؤكد التقصير كان عملاً غير وطني؟ 

بهذا المنطق؛ بأي معيار وطني أو مهني يرى رؤساء التحرير تلاعب 
"وكالة أنباء الشرق الأوسط" الرسمية بمضمون مقال جريدة "نيويورك 
تابمز" الأميركية وتزوير ترجمته, فحدثت المساجلة الشهيرة بين جريدة 
"الأهرام" التي تورطت في نقل الترجمة والجريدة الأميركية الشهيرة؟ 
بيان الوكالة تقريبا ذهب إلى ما ذهب إليه رؤساء التحرير في بيافهم, 
حين قال إن الوكالة ُحركها الثوابت والمصالح الوطنية وعدم المساس 
بالأمن القومي. هل المصلحة الوطنية تعني تلفيق التراجم والكذب 
على الرأي العام؟ هل يكون الصحفي وطنيا حين يتمسك بمهنيته 
ولا يكذب, أم أنه من الأفضل له أن يكذب من أجل الوطن؟ هل 
وطنية الصحفي في مهنيته واحترامه للرأي العام والقانون والدستور 
ولوائح المهنة ومواثيقهاء أم في تفسيره للأشياء بمنطق المصلحة الوطنية 


-185- 


حتى لو كان سيكذب ويخدع الناس ويخدع حتى السلطة التي يحخرص 
عليها حين لا يقول الحقيقة؟160 

وطنية الصحفي في مهنيته. . أن لا يكذب, وأن يكون موضوعياً 
ودقيقا ونزيهس وقريب من الحقيقة. 

بيان رؤساء التحرير يبدو معتدلاً إذا قورن بحملة الترهيب 
والتنديد التي انطلقت في بعض النابر الإعلامية» ونادى بعضها بالكف 
عن الحديث عن الدبمقراطية والحريات العامة وحقوق الإنسان» كما 
لم يتوقفوا عن الغمز والتنديد وتوجيه أصابع الاقام إلى المنظمات 
الحقوقية ودعاة المجتمع المدب. وهو ما استسلم له بعض عناصر النخبة 
حتى نقل عن عميد حقوق القاهرة السابق وأستاذ القانون لاحقاء 
قوله إن حرية الرأي والتعبير يجب أن تتنحى جانبا لحين وقوف 
الدولة على قدمين تابتتين. أما البعض الآخر فذهب إلى أبعد 
بكثير 161. فمنهم من نادى باستخدام البطش والعنف بحق المخالفين. 
ونيم من وج احقانا :إل الرئيس. السيقي نئي .“ركف 
ب"سيناء" يا سيادة الرئيسء وأعلن مصر من أسوافها إلى مطروحها 
"نكنة عسكرية" إذا لزم الأمرء وتُقطع اليد التي تكتب حرف 
ضدك.. يُقطع اللسان الذي يتجرأ ويسألك: "بتعمل إيه؟".... ضع 
الأخلاق جانبا وكن فاشيا يا سيادة الرئيس. اقتل كل أعداء 
دولتك التي تحلم با.. إهم كفار. إهم صهاينة,» بل أشد خطرًا 

0 أحمد الصاويء أن تكون صحفيا ووطنيساء جريدة "التحرير"؛ القاهرة: 28 أكتوبر 2014. 


1 فهمي هويديء السبناريو الكابوس. حريدة "الشروق” القاهرة, 2 نوفمبر 2014. 


-186- 


وحقارة, ولا تدس أن تعيد "كلاب الداخل" إلى مواسير الصرف التي 
خرجوا منها"162. 

إن إحدى مشكلات الكتابة الصحفية أو التعليق التليفزيوبي في 
زمن الخوف أن ضغوطه ترفض حتى الحياد والاستقلال؛ وإنما تصر 
على الإلحاق والاستتباع. وهي في ذلك ترفع شعار 'إذا لم تكن معنا 
فأنت ضدنا". وهو ما ينتهي بتصنيف غير الموالين ضمن المشتبهين 
وغير المرضي عنهم. وهذا التصنيف يدرجهم ضمن قوائم النظام 
السوداءء وهذه ها تبعاهًا التي لا حدود لمراتب الأذى فيها. 

الضغوط التي تمارسها أجهزة الدولة على وسائل الإعلام المقروءة 
والمرئية تحشر المسؤولين عن التحرير في مأزق. وهؤلاء يتوزعون على 
أربع فئات: فمنهم الصامدون الذين يتمسكون بأصول المهنة والولاء 
للجمهور ويبذلون جهدهم للحفاظ على ذلك الموقف ولذلك يبدون 
الاستعداد لمراجعة السلطة والحوار معهاء ويرفضون الاستسلام 
لضغوطها. ومنهم المرتعشون الذين يسارعون إلى الالترام بالتعليمات 
تأكيدًا للولاء وحرصا على كسب رضا السلطة» حتى إذا كان 
ذلك على حساب الحقيقة والجمهور. ومنهم المزايدون الطامحون 
الذين يوسعون من نطاق التجاوب إلى حد الانبطاح الذي يجعلهم 
سلطويين أكثر من السلطة ذاقا. أما الفئة الرابعة فتضم الذين حسموا 


2 محسود الكردوسى. سيادة الرئيس.. علنه "العسكرتي” 7 اك. حريدة "الوطن". القاهرة. 25 أكتوير 
مسو ردو سي رئيس .. صيع رفي حواك. خر لوطن : 


.4 


-187- 


أمرهم من البداية وأصبحوا ممثلين للأجهزة الأمنية في الجريدة أو القئاة 
التليفزيونية» وهم الذين يوصفون في خطابنا الإعلامي ب"الأمنجية". 

مع شيوع التصاغر السياسي واستمراره؛ تراجعت القامات التي 
تنتسب إلى الفئة الأولى» وصارت القيادات الصحفية الجديدة تتوزع 
بين فئات المرتعشين والمزايدين والأمنجية. وأصبح صاحب الرأي 
المستقل ضحية للثلاثة مجتمعين. وبات عليه أن يدفع ثمن استقلاله 
مرتين» مرة لأنه ليس مرضيا عنه من السلطة وذلك يكلفه الكثير في 
بلد تسيطر فيه السلطة على المقدرات والمقاليد. الأمر الذي يهدد أمنه 
واستقراره وموارده وطموحاته ومصالحه هو وأسرته. ومرة ثانية لأنه 
يتعرض للمعاناة في عرض أو نشر مادته. من جانب المرتعشين 
والمزايدين والأمنجية163. 

م يجح رؤساء تحرير الصحف المصرية في أول اختبار تعرضوا له 
بعد البيان الذي أصدروه دفاعسا عن النظام والمهنة, في أعقاب 
اجتماعهم في 26 أكتوبر 2014. ذلك أنهم كانوا قد أعلنوا في بياهم 
عن رفضهم التطاول والتشكيك في مؤسسات الدولة. وأكدوا 
حرصهم على حرية التعبير وعلى التناول الموضوعي للأخبار 
والتقارير. وشاءت المقادير أن تصدر خلال الأيام القليلة التالية ثلاث 
وثائق سياسية وحقوقية تناولت الأوضاع الراهنة بمنتهى الموضوعية» 
وخلت من أي تطاول أو تشكيكء كما أفها خرجت من كيانات لا 
علاقة لها بالإخوان وكانت في مقدمة الذين احتشدوا ضد نظامهم في 


3 فهمي هويدي. الكتابة في زمن النوف» جريدة "الشروق", القاهرف؛ 1 مايو 2014. 


-188- 


0 يونيو. رغم ذلك تم تجاهل تلك الوثائق؛ إذ إن أغلب الصحف 
قاطعتهاء في حين أن صحيفة أو اتنتين اخترلت بعضها ونشرت 
مضموفًا مبتسرًا. ولولا مواقع التواصل الاجتماعي التي تناقلتها 
كاملة لما معنا با164. رسالة الوثائق الثلاث يمكن تلخيصها فيما 
يلي: 

* بيان الحزب الديمقراطي الاجتماعي صدر في 28 أكتوبر 2014 
وانطلق من تأييد موقف السلطة في مواجهة الإرهاب, مع تقدير 
الدور الذي تقوم به القوات المسلحة؛ بما يعني أنه يصطف في معسكر 
تأييد النظامء» لكنه انتقد السياسات المتبعة في سبعة أمور هي: إصدار 
قوانين توسع من اختصاص القضاء العسكري وتضيف إليه جرائم 
يرتكبها مدنيون ضد منشآت مدنية بالمخالفة للدستور ‏ التضييق 
على منظمات امجتمع المددي من خلال التخوين والترهيب» وعدم 
طرح بدائل تشجع دورها التدموي والحقوقي ل تعديل قانون 
العقوبات بما يضع كل نشاط سياسي أو نقابي أو حزبي تحت طائلة 
مواد فضفاضة يمكن أن تصل إلى عقوبة الإعدام ‏ رفض الحكومة 
الاستماع إلى أية آراء أو مقترحات بشأن قانون التظاهر, الذي لم 
يحقق نتائج على الأرض سوى تقييد حق التظاهر السلمي الذي كفله 
الدستور ا عجز الحكومة عن التقدم بأية سياسات أو رؤية 
تتعامل مع الاضطرابات في الجامعات. واللجوء إلى استخدام شركات 
أمن خاصة فيما ينذر باستمرار التوتر والعنف في المحيط الطلابي ب 


4 فهسي حويدي. نتيحة الاحشار الأول. جد بدة "الشروق”. القاهرة. 3 نوفسر 2014. 


- 189 - 


استمرار الغموض بشأن الانتخابات البرلمانية والإصرار على أن تتم 
تلك الانتخابات في ظل قوانين معيبة تسعى لتقليص العمل الحزبي 
والعودة بامجلس التشريعي إلى سيطرة العصبيات والمال ل تقاعس 
الحكومة عن اتخاذ أية إجراءات أو الإعلان عن أي برنامج لتطوير 
أجهزة الشرطة والنيابة والقضاء بما يرسخ العدالة الانتقالية. 

* بيان أصدرته 5 منظمة ومجموعة حقوقية مستقلة في 30 
أكتوبر 2014 بخصوص توسيع صلاحيات القضاء العسكريء بمقتضى 
القانون رقم 136 لسنة 2014 الذي أخضع جرائم التعدي على طيف 
واسع من المدشات والمرافق العامة للقضاء العسكري. على أن يستمر 
العمل به لمدة عامين؛ إذ ذكرت المنظمات المذكورة أن القانون يسمح 
جمحاكمة أي مدي يتهم بتخريب المتلكات العامة أمام محكمة 
عسكرية. وهي التهمة التي كثيرًا ما توجه إلى المتظاهرين المعارضين 
للحكومة. وهذا القانون يعد خرقا للمادة 204 من دستور 2014 
التي اشترطت محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري أن يكون هناك 
اعتداء مباشر على المنشآت العسكرية. عبرت المنظمات الخمس 
عشرة في البيان عن قلقها من تلك الخطوة, وخشيتها من تبعات 
تقويض نظام العدالة المدب بدعوى محاربة الإرهاب. ودعت إلى 
سحب القانون حفاظفً على التوازن الضروري بين الإجراءات 
الفعالة لمكافحة الإرهاب والاحترام اللازم لحقوق الإنسان الأساسية 
عموجب الدستور المصري والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها 
مصر. 


6 


-190- 


* الوثيقة الثالئة تمئلت في التقرير الذي أعده مركز القاهرة 
لدراسات حقوق الإنسان في 31 أكتوبر 2014 لكي يقدم ضمن 
تقارير المنظمات المستقلة إلى مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة, 
ضمن الاستعراض الدوري الشامل لملف الحقوق المصري (5 نوفمبر). 
النقطة الجوهرية في التقرير أن جميع العناصر المعارضة لمتظاهرين أو 
نشطاء أو مدافعين عن حقوق الإنسان قدموا محاكمات غير عادلة 
أمام المحاكم العادية أو العسكرية, ووجهت إليهم قم وفقا لقوانين 
لا تتفق ومعايير حقوق الإنسان. وكانت إجراءات محاكمتهم أبعد ما 
تكون عن ضمانات المحاكمات العادلة. الأمر الذي أدى إلى 
اخضاعهم لعقوبات قاسية؛ في حين لم تتم محاسبة أفراد قوات الأمن 
على الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبوها بحقهم. 

مع نشوء بوادر مكارثية في الإعلام المصري تحاول إقصاء وتخوين 
المخالفين في الرأي. وتنادي بإعلام الصوت الواحد والرأي الواحد, 
ظهر من يسخر من هذا التوجه الاستبدادي, ومن هؤلاء حسام 
السكري, الذي كتب قائلاً: 

'في ظل الاصطفاف الوطني الذي ننعم به اليوم» لا يصبح من 
المفيد أن نسمح لأي من هذه الأصوات الارقة ببلبلة الرأي العام. 
ومع وجود عدد كبير من المحطات والقنوات التليفزيونية والإذاعية 
يظل احتمال تسرب الأصوات النشاز واردًا. السيطرة الكاملة قد 
تتحقق لو أخذنا قرارًا شجاعا بإغلاق جميع محطات التليفزيون 
والإذاعة» ولا مانع أيضا من إغلاق الصحف. يكفينا إذاعة واحدة, 


- 191 - 


ومحطة تليفزيون وربما صحيفة. وهو ما سيسهل السيطرة على ما 
يدشر أو يبث. فلا جدوى من إنفاق هذه المبالغ الطائلة على مختلف 
الوسائل الإعلامية طالما أننا نعرف الرأي الصائب والطريق الصحيح. 
طريق راديو زاريا ودولتها"165. 

منذ ثورة 25 يناير. عاش الإعلام المصري أطوارًا عدة تذبذب 
فيها تأثيره على الرأي العام المصري إلى حد كبير. 
مبارك, وحاول تغيير جلدهة, وأخذ ف الشهور الستة التالية للنورة 
يتحرى العزف على نغمة الشارع, ويجتهد في نقل همومه ومشكلاته 
ومطالبه إلى صانع القرارء ويسسد بقدر ما إلى الشفافية والعلانية في 
التعامل مع الأحداث. 


رأينا الإعلام الخارج للتو من معركة خاسرة في نقل الأخبار 
والحقائق في ظل التفوق الواضح لمواقع التواصل الاجتماعي بشكل 
خاص. ووسائل الإعلام الحديث بشكل عام. يحاول غسل سععته 
وتدشيط دوره. 

هكذا أخذ الإعلام المصري يُذكر نفسه باستمرار بأنه أداة للرقابة 
قبل أن يكون بوقا للدعاية, كما لو أنه اكتشف تلك الحقيقة 
متأخرًا. إلا أن الأمر ل يخل أيضنًا من منغصات كان أبرزها حكاية 
"الخط الأحمر" في وصف الجيش وأسلوب إدارته للمرحلة الانتقالية. 


5 حسام السكريء إذاعة زاريا ودولتهاء جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 29 أكتوبر 2014. 


- 192 - 


بموازة ذلك, شهدت الصحف الخاصة تطورًا كميكلا بعد ثورة 
5 يناير. حيث ظهر العديد من الصحف المستقلة والحزبية» وقد عبر 
المحتوى المقدم من قبل هذه الصحف عن حالة الاستقطاب التي عاشها 
امجتمع المصري. وانقسمت بين مؤيد ومعارض لتيار الإسلام 
السياسي. وعملت هذه الصحف على استدراك أخطاء ما قبل ثورة 
يناير مباشرة, والتي تسببت في تراجع تأثيرها على امجتمع» ولجوء 
كثيرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة أساسية للحصول 
على الأخبار. توسعت الصحف الخاصة في حضورها على الأرض من 
خلال أعداد كبيرة من المراسلين الصحفيين2» وأفردت مساحة 
لمشاركات ما بات يُسمى ب"المواطن الصحفي", كما اتجهت إلى 
تطوير مواقعها وبوايما الإلكترونية وإنشاء وتدشيط صفحاتًا على 
مواقع التواصل الاجتماعي166. 

كان من اللافت للغاية خلال هذه المرحلة اختفاء وزارة الإعلام, 
حيث تم تشكيل وزارة د. عصام شرف دون أن يكون من بين 
أعضائها وزير إعلام. تفاءل الشعب بالخطوة -التي كانت الثانية من 
نوعها بعد اختفاء وزارة الإعلام مؤقعا من حكومة د. مصطفى 
خليل في أكتوبر 1978- وظنها ضربا من ضروب الاستجابة 
لاستحقاق تحرير التليفزيون الرسمي من قبضة السلطة. وتم تعيين د. 
سامي الشريف رئيسا لاتحاد الإذاعة والتليفزيون (أوائل مارس 
1)؛ غير أن معين التفاؤل نضب وشح مع تسمية المجلس الأعلى 


6 رانيا مكرم, مصدر سابق» ص 5. 


-193- 


للقوات المسلحة, الخحرر العسكري أسامة هيكل وزيرًا للإعلام (7 
يوليو 22011). لتبدأ أجهزة الإعلام في الخروج من عباءة الثورة 
لترتدي "السترة الميري"167. 

يومها قال وزير الإعلام الجديد إنه تلقى تكليف محددًا بإعادة 
هيكلة الإعلام المصري. مشيرًا إلى "أننا في مرحلة حساسة جدًا في 
تاريخ مصر"168. 

كان دخول أسامة هيكل بوابة ماسبيرو إيذانا ببدء الانقالاب من 
دولة الثوار إلى دولة الجنرالات ودخول الإعلام إلى عالم العسكرة؛ 
ذلك العالم الذي عرفه هذا الجهاز جيدًا منذ قيام حركة الضباط في 
يوليو 1952, وكان أهم مؤشر على ذلك صعود دور مراسلي المجلس 
العسكري. 

ويمكن القول إن ليلة (9 أكتوبر 2011) كانت ليلة فارقة في 
كشف هذا التحول. حين وقعت أحداث ماسبيرو التي راح ضحيتها 
ما لا يقل عن 28 مصريا غالبيتهم من الأقباطء وأصيب فيها 
المئات. والكل يذكر كيف تحولت الشاشة الفضية الرسمية يومها إلى 
شاشة سوداء تدعو المصريين المسلمين إلى حماية جنود الجيش المصري 
من المهجمة المباغتة التي قام بما مسيحيون ضدهمء وأخذ يتحدث عن 


7 د. محمود خليل, الإعلام المصري.. من “الثورة".. إلى “السترة الميري".. إلى “اللحية": جريدة “المصري 
اليوم", القاهرة 1 يناير 2012. 

8 منصور كامل وأبو السعود محمد ومحاسن السنوسيء أسامة هيكل: الحكومة كلفتني بإعادة هيكلة الإعلام» 
جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 8 يوليو 2011. 


- 194 - 


سقوط ضحايا من أفراد الجيش المصري؛, وبدأت الأعصاب تلتهب» 
والحناجر التليفزيونية تزعق وتدعو وتحرض. 

الأدهى من ذلك أن ملايين المصريين فوجئوا ليلتها بقوات الشرطة 
العسكرية تقتحم استوديوهات الحواء الخاصة بقناة "الحرة" وقناة "25 
يناير". وتابعوا بشغف المذيع الذي يرتعد والمذيعة التي تصرخ على 
الهواء مباشرة رعبا من مرأى القوات وهي تشهر سلاحها في وجوه 
من في الاستوديو. قبل هذه الواقعة بعدة أيام تمت مداهمة مكتب قناة 
"الجزيرة مباشر مصر" بالقاهرة للمرة الثانية على التواليي من جانب 
قوات الأمن, وتم إيقاف بث القناة من القاهرة. 

كانت الرسالة الواضحة يومها تقول: إن الخطاب الإعلامي أصبح 
ينتج تحت ديد السلاح ويتم إعداده في أروقة المجلس 
العسكري169. وقد سبق هذا الحدث بشهر وقوع محاولة اقتحام 
السفارة الإسرائيلية في 9 سبتمبر 2011» وبدأ مصطلح البلطجة يولد., 
ومع ميلاده أحيل مصطلح "الفلول" نسبيا إلى التقاعد إيذانا 
بوضع الثورة نفسها على رفوف التاريخ. أخذ الخطاب الإعلامي يثير 
قضية اندساس مجموعة من البلطجية بين المتظاهرين في المواجهات 
والاحتجاجات الثورية. 

عقب أحداث السفارة وموقعة ماسبيرو. خرجت وثيقة د. علي 
السلمي إلى النور. في محاولة تهدف إلى "دسترة" أوضاع الجيش الالية 


9 د. محمود خليل؛ الإعلام المصري.. من “الثورة".. إلى "السترة الميري".. إلى “اللحية", مصدر سابق. 


- 195 - 


والتشريعية» وتراوحت نوافذ الإعلام ما بين الترويج ها والهجوم 
عليهاء وكان ذلك قبل الأحداث الفارقة التي شهدها شارع محمد 
محمود التي سقط فيها ما يزيد على 42 شخصما. 

خلال هذه الأحداث ازداد تأكيد الخطاب الإعلامي على قصة 
البلطجة في وصف الثوار. ولم تدس القنوات التليفزيونية والكثير من 
الصحف أن تسير على هوى المجلس العسكري في الحديث عن أن 
ضحايا أحداث ماسبيرو ومحمد محمود وقصر العيني -بعد ذلك- تم 
قتلهم على يد مجهولين. ومع بيان وزير الدفاع -حينذاك- المشير 
حسين طنطاوي إلى الأمة في 22 نوفمبر 2011, بدأت ساعة الصفر 
للعشويه الصريح للغورة والثوارء وبدا الخطاب أكثر جرأة عن ذي 
قبل في الدفاع عن فكرة الحكم العسكري والترويج لمسألة ترشح 
المشير طنطاوي كرئيس للجمهورية. 

وبالإضافة إلى التأكيد على بلطجية الثورة والثوارء وأن استمرار 
امجلس العسكري في إدارة المرحلة الانتقالية ضرورة» بل والتفكير في 
إهداء كرسي الرئاسة إلى رئيس المجلس, أخذ الخطاب الإعلامي 
الرسمي وكذا بعض أدوات الإعلام الخاص تلعب دورًا مشبوها في 
خلق نوع من الانقسام بين أفراد الشعب المصري. تواطأت وسائل 
الإعلام تلك مع غخبة عتيقة محنطة بشكل أدى إلى ثمارسات وطنت 
حالة من صناعة الفرقة وصناعة الانقسام فضلاً عن صناعة الفوضى 
بلغ الأمر باحدى القنوات الخاصة حدًا غير مسبوق حين قدمت 
خطابا إعلاميً “فرغو يدافع عن العسكر وحكم 


- 196 - 


العسكر170. 

ومع بيان المشيرء بدأ الخطاب الإعلامي ينقسم بين ثوار التحرير 
المطالبين بتنحي المجلس ورواد العباسية المطالبين باستمرار المجلس. وفي 
الوقت الذي حاولت فيه الكثير من النوافدذ الإعلامية الرسمية والخاصة 
أن تبدو متوازنة بين الفصيلين» كانت -من حيث تدري أو لا 
تدري- تجتهد في التسويق لدولة الجنرالات» لتقدم نموذجا للأداء 
التعبوي الذي يرتدي الزي العسكريء بما يعتمد عليه بناء الخطاب 
تحت هديد السلاح» والدعاية للسلطة القائمة بالحق وبالباطل» 
والاعتماد على تسفيه واقام الخارجين على المجلس العسكري 
والرافضين استمراره؛ والاستناد إلى رسالة إعلامية مشوشة تستطيع 
أن تداعب خيال الجمهور المشوش, وتصونه من أي خطاب إعلامي 
آخر ومغاير يمكن أن يدفعه إلى السير في الاتجاه المعاكس. 

أبت بورصة الإعلام أن تصمد كثيرًا على فكرة الترويج لدولة 
الجنرالات بعد أن بدأت اللحى تملأ شوارع مصر على هامش 
الانتخابات البرلمانية التي بدأت في 28 نوفمبر 2011. فمع الساعات 
الأولى لبدء التصويت بالمرحلة الأولى ظهرت مؤشرات تؤكد أن 
الإسلاميين في صعود, هنا بدأ الإعلام هو الآخر يلتفت إلى ضرورة 
الارتقاء إلى مستوى الحدث. وكانت الوجوه التي تزينها اللحى هي 
الأكثر سطوعا على شاشات التليفزيون وعلى صفحات الجرائد» 


0 المصدر نفسه. 


-197- 


وأخذ الخطاب الإعلامي في قيئة الرأي العام للدولة الجديدة "دولة 
الإسلاميين". 

من الأمور الفارقة بصورة كبيرة في أداء الكثير من القبوات 
التليفزيونية الرسمية والخاصة, أها حاولت بعد فوز الإسلاميين (حزب 
الحرية والعدالة وحزب النور) بأغلبية المقاعد في المرحلة الأولى شن 
نوع من اهجوم على هذه الفصائل في محاولة للتأثير على اتجاهات 
الناخبين» ومن عجب أن هذا النمط في الأداء أدى -كما هو معتاد- 
إلى حصد الإسلاميين للمزيد من المقاعد خلال المرحلة الثانية» ليثبت 
جما لا يدع مجالة للشك عجز الإعلام عن التأثير الفاعل في اتجاهات 
الجمهور, وأن المصريين يتعاملون بقدر كبير من العناد مع توجهات 
الخطاب الإعلامي؛ إذ ينظرون إليه كمكون من مكونات السلطات 
الواجب عنادهاء وأن الحق دائما لا بد أن يكون في الاتجاه الذي لا 
تروج له السلطة171. 

لقد كانت النخب الليبرالية» التي تحتل مساحات كبيرة وتمول 
قطاعا أكبر من النوافذ الإعلامية (الخاصة على وجه التحديد), 
تعيش مأزقا يرتبط بحالة التوجس والقلق التي سيطرت على أفرادها 
جراء إحساسهم بقرب ساعة اعتلاء الإسلاميين للسلطة, بما يمكن أن 
يترتب على ذلك من إقصاء لأفراد تلك النخبة كصناع للإعلام من 
ناحية وكمنتجين للرسالة الإعلامية من ناحية أخرى, وإحلال نخبة 





1 المصدر نفسه. 


- 198 - 


جديدة محلهم تبشر بالفكر الجديد الذي يتبناه الإسلاميون حال 
سيطرقم على الحكم. 

ورغم اهتمام الإعلام بالأحداث التي شهدها شارع قصر العيني 
ومجلس الشعب والتي راح ضحيتها 14 شخصاً على الأقل؛ فإنه لم 
يربط بينها وبين حالة التخاذل التي تعامل يما الإسلاميون بجميع 
أطيافهم مع المشهد الثوري. والتفت الإعلاميون بالدرجة الأكبر إلى 
التعبير عن ذعرهم من الصعود الإسلامي المدوي في الانتخابات وما 
يمكن أن يترتب على ذلك من نتائج تضر بمصالحهم ليباع دم الضحايا 
رخيصا مرة أولى برصاص الشرطة العسكرية وثانية بتخاذل 
الإسلاميين وثالثة بغيبوبة الإعلاميين الذين استغرقوا في التفكير في 
المستقبل» بالإضافة إلى الاستمرار في العزف على النغمة التي أنتجها 
إعلام دولة الجنرالات؛ والتي أصبحت تنظر إلى التوار كبلطجية. 

وكما هو معلوم, فإن الانقسام استمر خلال مرحلتي الانتخابات 
الرئاسية,» حتى وصل محمد مرسي إلى السلطة. بدأ النظام عهده 
باستدعاء إعلاميين إلى النيابات» كما حدث مع محمود سعد وريم 
ماجد وإبراهيم عيسى وجمال فهمي, وكان ذلك مجرد مقدمة للا هو 
أسوأ؛ إذ وقعت اعتداءات على صحفيين أثناء أحداث مختلفة ومنها 
أحداث قصر الاتحادية» واستدعي باسم يوسف مقدم برنامج 
"البرنامج" بتهمتي إهانة الرئيس وازدراء الأديان» وتم تحويل كل من 
جابر القرموطي وشيماء أبو الخير إلى النائب العام بتهم مختلفة؛ لتبدأً 
مرحلة جديدة وقاسية من العصف بالحريات وتكميم الأفواه ومطاردة 


- 199- 


الإعلاميين172. 

قاد الإعلام المرئي الخاص حملة واضحة ضد نظام مرسيء. وكانت 
العداوة تتجاوز في كثير من الأحيان أي معيار مهني أو أخلاقي من 
معايير وموائيق الشرف الصحفي. وبدا جليا أن مصالح مالكي تلك 
القبوات تتعارض وتتقاطع مع رؤى الإخوان المسلمين وحلفائهم, التي 
فشلت بدورها في تقديم خدمة إعلامية تستحق الاحترام أو المتابعة 
سواء في الإعلام المملوك للدولة (ماسبيرو) أو القنوات المحسوبة على 
التيار الإسلامي؛ التي سقطت في غالبيتها في مستنقع التطرف والتشدد 
وتشجيع الفكر الظلامي. 

كانت الحرب مفتوحة ومعلنة, حتى إن أنصار الشيخ حازم صلاح 
أبو إجماعيل حاصروا مدينة الإنتاج الإعلامي في مدينة 6 أكتوبر غير 
مرة. تصاعدت حدة المواجهة2» خاصة خلال معركة تمرير الدستور, 
ووصلت ذروهًا مع بدء العد التدازلي لثورة 30 يونيو. 

والشاهد أن حرية الإعلام كانت أولى ضحايا عهد الرئيس 
مرسي, الذي أخضع أجهزة الإعلام الرسمي لوزير من جماعته. كتم 
أصوات المعارضين, وبدّل رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية 
بصحفيين يدينون له بالولاء»ء وأغلق صحفا وقنوات تليفزيونية 
بقرارات إدارية2» وقدم إعلاميين للمحاكمة بتهمة إهانته والمساس 
هيبته. وعيّن مجلسا أعلى للصحافة يقوده أتباعه, وسمح مشروع 


2 خيالد السرجاي» باسم يو سف ليس وده جريدة "المصري اليوم", القاهرة» 2 ابريل 3. 


- 200 - 


دستوره بحبس الصحفيين بعد أن كان دستور 1971 يحظر ذلك.. 
كانت الطامة الكبرى عندما قرر حلفاؤه الاعتداء على مقر جريدة 
"الوفد". وفرض حصار على مدينة الإنتاج الإعلامي التي قرروا 
تعديل اسمها إلى مدينة الإنتاج الإسلامي173. 

الأنكى من ذلك أن الأشهر الستة الأولى من عهد محمد مرسي 
شهدت حملة ملاحقات للصحفيين والعاملين في مجال الإعلام» بلغت 
أربعة أمنال ما تعرضوا له خلال عهد حسني مبارك الذي استمر 30 
عاما174. 

ثم جاءت ثورة 30 يونيوء لدشهد في الإعلام بشكل عام حالة من 
السّعارء يرى البعض أنما كانت انعكاسا لحالة السعار التي وُجدّت 
على الأرض في جانب من الشارع المصري175. 1 

بعد أن استفتح المنافقون والشتامون دورهم الخالد خلال ثورة 30 
يونيو وفي أعقابماء فتحت صنابير الحوارات والأغاب عن آخرها في 
تمجيد القائد والمنقذء ول تعوان قنوات التليفزيون ومحطات الإذاعة عن 
تكرار الأغاني التي تتغزل في القائد الجديد مرة تلو الأخرى, ونشرت 


3 حمدي قنديل؛ الحريق في مصر كلهاء جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 17 ديسمبر 2012. 

4 أحقد شلبي ومحمد ماهر وحازم يوسفء, "الشبكة العربية": ملاحقات الإعلاميين 4 أضعاف عهد مبارك, 
جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة. 20 يناير 2013. 

5 أ“قد فاروق: يسري فودة: السيسي شخص لديه قدرة على قراءة الموقف.. ومن حقه الترشح للرناسة؛ موقع 
"بوابة الشروق" الإلكتروي؛ 6 نوفمير 2013. 


- 201- 


الصحف صوره على صدر صفحتها الأولى أو الأخيرة» كأننا في سباق 
أينا يكون أقرب إلى قلب القائد الجديد. 

أصبحت الصحف والقنوات التليفزيونية كلها "تتشابه علينا", بلا 
تفرد في الشخصية, ولا تنوع في الآراءء ولا تهيز ني التغطية الخيرية 
ولا العلامة التجارية لكل إصدار أو قناة. 

الحاصل أن "مزيفين" نالوا مكانًا دائمً على شاشات 
التليفزيون: وقالوا ما" .يدو الممهور فيا السماعه: والصلنا 
مترلقين في السائل الذي يحمي جنين الفكر المشترك176. وسرعان ما 
ازدادت شهرة "لمزيفين" طرديً مع مسايرقم الأفكار المسبقة 
والرياح السائدة, وتحريضهم بطريقة مكارئية على إقصاء المخالفين في 
الرأي أو الأيديولوجياء كي يخلو هؤلاء المريفين وجه السلطة. 

في تلك الفترة, لعب الإعلام التقليدي, وفي القلب منه الإعلام 
الخاصء دورًا مهمسا في تشكيل وعي المجتمع حول "المخاطر" التي 
تحدق بالدولة, ونجح في حشد الجماهير ضد حكم جماعة الإخوان 
المسلمين, من خلال التركيز على أخطائها وسلبيات حُكمها. 

من الضروري فهم ما يجري في سياق ما تمت به إدارة الحرب 
الإعلامية في مصرء منذ الفترة التي بدأت بتولي محمد مرسي للرئاسة, 
وحتى اللحظة الراهنة؛ شبكات المصالح العملاقة التي تشكلت, 


6 باسكال بونيفاسء المثقفون المزيفون: النصر الإعلامي لخبراء الكذب, ترجمة: روز مخلوف. دار ورد دمشق» 


3 ص 23. 


- 202- 


وبسرعة شديدة» بكفاءة عالية؛ لتكوين قنوات تليفزيونية» ومنابر 
إعلامية والدفع ناحية ضخ رسائل إعلامية ثابتة وشديدة التأثير. وهي 
شبكات عرّفت نفسها منذ اللحظة الأولى» وبدقة وكفاءة حقيقيّة, 
كضد للثورةء مع سقوط حسني مبارك المدوّي, واخترلت ثورة 25 
يناير في الإخوان المسلمين, لاعتبارات العدد والتنظيم» ومن ثم؛ ومع 
الوقت, اعتمد كثير من متابعيها هذه الرؤية عن أنفسهم. بعد عزل 
مرسيء بدأ الإعلام يردد بأن الإخوان لم يكونوا الثورة؛ بل إفهم كانوا 
ضدها. 

عن طريق هذا فقط. يصبح من الممكن فهم تغيّر السياسات 
الإعلامية المفاجى, في جميع هذه القنوات بالترامن, في التعامل مع 
قضية بعينها مثل قطع الكهرباء, فالمشكلة التي أفسح مجال واسع 
لنقاشهاء والتحدث عنهاء وتوضيح الفشل في التعامل معها. خلال 
صيف 2013., أصبحت في الصيف التالي قضيّة صبر واحتمال واجب 
التحلي به ريثما نبني الدولة على مهل, حيث إن الأشياء لا تحدث بين 
يوم وليلة طبعسا177. 

يتعين أن نشير أيضا إلى أن المرحلة التالية لثورة 30 يونيو 
شهدت تناقص أعداد الصحف الخاصة بشكل ملحوظ؛ بسبب توقف 
أغلبية الصحف التي تمثل التيار الديني في مصر. وتحول بعضها إلى 
إصدار أسبوعي, ليصبح عدد الصحف الحزبية 8 صحف (الوفد, 
الأهالي, الشعب, الكرامة, النور, الحرية والعدالة, الأحرارء والعربي), 


7 أحمد جمال سعد الدين. آكلو الجواسيس» موقع “بوابة الشروق" الإلكتروني. 30 إبريل 2014. 


- 203 - 


و25 صحيفة يومية وأسبوعية هي: (الأسبوع؛ وطني, الموقف العربي, 
الشروق, صوت الأمة, الخميس, الوطن, الدستور. صوت الملايين» 
الجماهيرء الفجر. فيتو. المصريون, الأنباء الدولية؛ النبأ. المصري 
اليوم اليوم السابع, التحرير, النهار, الموجزء الفتح, الناس, البديلء 
والشارع)178. 

ما حدث من الإعلام أثناء التصويت في الانتخابات الرئاسية للعام 
4 كان ثقيلاً ومخريًا ويكشف عن اختلال كامل في العلاقة ما 
بين الإعلام والرأي العام. ما حدث لا يمكن فهمه أو الدفاع عنه, أو 
حتى تركه بمر من دون تسجيل أو ماروا كانت امرة الأولى الي 
تتكاثر فيها النخب الإعلامية, بكامل عدهًا تقرياء على الرأي 
العام» كما أعتقد أنها المرة الأولى التي يستبيح فيها الإعلام جمهوره 
لدرجة سبه علانية وبألفاظ مخجلة» ومعايرته» ووصلت الأمور إلى 
التهديد المباشر من بعض الإعلاميين, والمذهل حقا أنه بالتوازي مع 
ذلك كان الإعلام يعتمد على ما يعتقد أنه صواب عبر متابعته غير 
الدقيقة لحقائق أمور التصويت, أو ربماء كما بميل كثيرون, كان يفعل 
ذلك وفق أوامر هباشرة من بعض قيادات عهد بائد,» وفي كل 
الأحوال, وَأينا كانت الدوافع, كان ما ارتكبه الإعلام جريمة كاملة, 
وني لحظة هي مرتبكة بالأساس, لم تكن تحتاج لمزيد من الارتباك 
والعبث والتجاوز كما فعل الإعلام. 


8 رانيا مكرم. مصدر سابق» ص 6. 


- 204- 


الإعلام» قرر فجأة في تلك الانتخابات الرئاسية أنه الوصي على 
الشعب, يعلمه ويهذبه ويؤدبه ويربيه. بعدوان واضح على جميع 
معايير المهنة وأخلاقياقا. ووصلت الأمور لانفلاتات غير معقولة, 
بعضها طائفي. يعاير الأقباط مثلاً أن كنائسهم احترقت وأهم 
مضطهدون فكيف لا يصوتون ويقفون بجوار الرجل الذي أنقذهم, 
وبعضها طبقي يصرخ في وجه الفقراء والمساكين بأهم سيعاقبون في 
أعمالهم وفي رواتبهم ولا يلومون إلا أنفسهم حينما يجدون خصومات 
في رواتبهم: والبعض الآخر فاشي وسافل بلغ السباب العلني بأقذاع 
الشتائم» كل هذا حدث دون خجل أو مراجعة. أو اعتذار أو حتى 
تبرير خائب يغلق هذا الملف على جروحه وتقيحاته. بل اعتبروا ذلك 
دورًا وطنيا إلزاميا من لم يقم به يعد في صفوف الخونة, وهذا هو 
العار بعينه. المؤسف أن التطاول وصل للجنة المشرفة على الانتخابات 
وهم من رجال القضاء. والذين اضطروا تحت كل هذه الضغوط 
الرهيبة» كما ذكر أحدهم.ء إلى مد التصويت ليوم ثالث حتى يستريح 
الإعلام ويهداً, وتخمد تورته الكاذبة الخادعة غير الأخلاقية والمنافية 
لشرف المهئة179. 

الفضيحة اكتملت مع تقارير المراقبين الدوليين. الذين أشادوا 
إجمالا بالانتخابات ومعاييرها التي مائلت العايير الدولية,» وكانت 
ملاحظاتهم السلبية فقط على الإعلام الخاص وما فعله, فحتى الإعلام 
الحكومي تمت الإشادة بأدائه وحياديته» وطبعا لم تستطع تقارير 





9 عمرو خفاجي. عدوان على الرأي العام جريدة "الشروق"” القاهرة. 4 يونيو2014. 


- 205 - 


المراقبة المصرية إلا أن تذكر الشيء نفسه والملاحظات ذاتاء أما 
الفضيحة الأكبر أن وسائل الإعلام لم تقدم الاعتذار عما حدث وهو 
اعتذارٌ واجبٌ وضروريء؛ احتراما للرأي العام واحتراما هذه 
المهنة المقدسة. 

في السنوات الأربع الأولى لثورة 25 ينايرء لمع نجم عدد من 
المتفوقين في وصلات النفاق والردح الإعلامي» من أعادوا أيجاد سمير 
رجب في جريدة "الجمهورية", وممتاز القطا صاحب مقالة "طشة 
الملوخية" في جريدة "أخبار اليوم”180: وأسامة سرايا الذي كتب 
مقالة التهمت الصفحة الأولى من جريدة "الأهرام" في 4 مايو 2008 
الذي يوافق عيد ميلاد مبارك, جاءت تحت عنوان: "يوم أن وُلدت 
مصر.. من جديد". وقد شغلت صورة عملاقة لمبارك أشبه بجدارية 
نحو لي الصفحة, وأسفل الصفحة تعليق يبدأ بعبارة "مبارك رمز 
وجودنا..". وتنتهي كلمة سرايا بمخاطبة امحتفى بميلاده قائلة: "ما 
دمت بخير فإن مصر وثشعبها بك ومعك بخير دائمً"181. 
ولاستكمال جرعة عبادة الفرد المكثفة,» تضمن عدد "الأهرام" نفسه 
يلكا عار ارين ازع معزت خارعة عد واد ارك الا 
عن صفحات إعلانية لتهنئة الرئيس. وتصدرت قائمة المهنئين في هذا 
العام شركة حديد أحمد عزء رجل الأعمال المحتكر لمذه الصناعة 
والقيادي في الحزب الحاكم وصديق جمال؛ نجل مبارك182. 


0 ممتاز القط. حمال اهموم. جريدة “أخبار اليوم". القاهرة؛ 30 يوليو 2005: ص 1. 
1 أسامة سراياء يوم أن ولدت مصر من جديد, جريدة "الأهرام" القاهرة, 4 مايو2008, ص 1. 


2 راجع الملحق الخاص عن الرئيس حسني هبارك وصفحات الإعلانات, جريدة “الأهرام", القاهرة. 4 مايو 


..8 


- 206 - 


ويجوز العذكير يما أورده كاتب السلطة مير رجب في مدح مبارك 
ذات يوم في مقال له ف صحيفة "مايو' الناطقة باسم الحزب الوطني 
المنحل؛ إذ قال نفاقً وزناء وتزلفسً: "حسبي مبارك هو الدذرة 
الثمينة التي وهبنا إياها الله سبحانه وتعالى ليظل دائمً وأبدًا وأملاً 
ورمرًا ونورًا وضياء". واستخدمت أيامها الجريدة مصطلح "البيعة", 
وهي أمور تقترب من آليات صناعة الحاكم الفرد المتفرد183. 

والذاكرة لا تتسى أن مير رجب رئيس مجلس إدارة دار التحرير 
سابقاء قرر في يوم الاستفتاء على بقاء مبارك لفترة رئاسية -ضمن 
الفترات الرئاسية التي تولاها تباعا- أن يضع في الجانب الأيسر من 
مقالته على الصفحة الأخيرة من جريدة "الجمهورية" آية قرآنية تقول 
"إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" (الآية العاشرة من سورة الفتح). 
وهي واقعة ليست خارجة عن سياق مقرئ قرآن شهير ابتدأ تلاوته 
في إحدى المناسبات الدينية قبل دخول ارقم صبيط نفمه ركسع 
الآية نصفين 'وَهْدَا كناب أَنْلْنَاة مُبَارَكٌ فَائبعُوهُ وَانْقُوا لَعَلَكُمْ 
ُرْحَمُوَ".. بحيث توا قراءته دخول مبارك وهو يقول 'مْبَارَكُ 


ين مدعي 


فاتبعوة". 

من سلالة رجب والقط وسراياء ذاع صيت قناة الفراعين 
وصاحبها توفيق عكاشة وأصبح مر تضى منصور ضيف الضيوف 
على غرار نجم النجوم. واختير رؤساء تحرير ورؤساء مجالس إدارات 


3 محمد فتحي يونس» صاعة الآهة: دراسة في أساليب الدعاية للقادة السياسيين, الهيئة العامة لقصور الثقافة, 
القاهرة» 2012. 


- 207- 


صحف, بل ووزراء إعلام لا يجبيدون العمل الإعلامي فضلاً عن 
الكتابة نفسهاء وتحوّل عددٌ كبير من مُقدمي البرامج التليفزيونية -من 
عمرو أديب وليس الحديدي إلى أمابى الخياط وأحمد موسى ونائلة 
عمارة ومحمد الغيطي- إلى حديث المصاطب, بعد أن اختلط الأمر 
عليهم بين دورَي الصحفي والناشط السياسي. 

تسببت هذه "الزعامات" التليفزيونية وغيرها في حدوث انقسام في 
الشارع المصري. كان الإعلام هو المسؤول عن توسيع هوة الخلاف 
واحتدام الصراع بين ثوار يناير وثوار يونيو» ونصب الإعلام فركا 
للدفاع عن هذا والهجوم على ذاك وتحوّل المذيعون إلى منصات 
لإطلاق الصواريخ كل ليلة. 

بموازاة ذلك, غابت قيم الحرية والتعددية والموضوعية والعقلانية 
عن المجال العام والمساحات الإعلامية بعد أن أعيد تأسيس هيمنة 
منظومة السلطة ومؤسساهًا وأجهزقًا النافذة على امجال العام 
ووظفت هي سطوقا ووظفت النخب الاقتصادية والالية المتحالفة 
معها ملكيتها لوسائل الإعلام لتوجيهها المباشر لمصلحة بناء نموذج 
سلطوي. وتشويه الطلب على الديمقراطية وتخوين المدافعين عن 
الحقوق والحريات» وقبلت النخب القابعة في واجهة المساحات 
الإعلامية أن يقتصر دورها على التبرير للسلطة والترويج للخوف 
ولهيستيريا العقاب الجماعي ولمقايضة الحرية بالأمن وأن تتجاهل 
الحقائق والمعلومات بشأن المظالم والانتهاكات أو تتعامل معها بمعايير 
مزدوجة؛ أو بالأحرى عادت لقبول كل ذلك بعد فترات انقطاع أو 


- 208 - 


صمت قصيرة العمر أعقبت يناير 1842011. 


ضح كنيرون بالشكوى من تدهور مستوى الأداء الإعلامي 
ومنهم أصحاب أقلام كانوا حق وقت قريب من أشد من التافجين 
عن السلطة القائمة) حق أن إحدى هؤلاء كتبت مقالاً موجها إلى 
السيسي قالت فيه نصا: 

"ازداد تعجبي في حفل أكتوبر, حين طالبت يإعلام غير مسي 
وكأنك يا سيدي لا تعلم ما يدور حولك في دائرتك الضيقة!.. 
رجالك يا سيدي هم من يصنعون الوحوش, ولا أحد سواهم!.. 
أنتم من تزرعوهم في الفضائيات بالأمرء فيستقوون بكم. ويصيبهم 
جنون العظمة, فيتمادون في التفحش الإعلامي!.. نجد منهم على 
سبيل المثال من يخوض في عرض نساء دولة شقيقة, ثم إذا به في أقل 
من اشهر يعؤه اللظهون على قاثة اخرى!) عد متهم على سيل 
المغال أيضا من اشتهر بتأليف الشائعات على خلق الله وتوقيع الناس 
في بعض, ثم فجأة تخصص له برنامج على قناة فضائية» حيث وصف 
فيه منافسك أثناء الانتخابات بلفظ شديد البذاءة» ثما اضطر إدارة 
القئاة لقطع المواء عليه, فإذا برجالك بعدها يحاولون تصعيده 
سياسيا وكأهم يكافئونه على لفظه البذيء!.. نجد منهم أيضا من 
"تردح" لمعارضيك بالعين والحاجب, فيتم إيقاف برنامجها لسقوطها 


4 د. عمرو حمزاوي. النقطة الأبعد, جريدة "الشروق",. القاهرة» 23 يناير 2015. 


- 209- 


الجماهيري؛ لكنها لصلتها المعروفة برجالك تستعد الآن للظهور مرة 
أخرى على نفس القناة الفضائية"185. 

وتتابع غادة شريف قائلة: "لقد سبق أن وجهت لكم يا سيدي 
مقالة عتاب بعد إعلان فوزكمء وكتبت فيها: "كما أزعج الكثيرين 
جلوسك إلى بعض الصحفيين والإعلاميين» حيث منهم الوصوليون 
والوصوليات والأمنجية والأمنجيات!", 2 أقصد هؤلاء وغبرهم, 
لكن يبدو يا سيدي أنك راض بما يفعله رجالك؛ فمن كنت أقصدهم 
استمروا في حضور لقاءاتك المعلنة واجتماعاتك "غير المعلنة"!.. 
أحدهم يا سيدي قلها صراحة في برنائجه بأن علاقته بالرئاسة مثل 
الزواج العرفي!.. فكيف تشكو من الإعلام المسيء وأنتم رعاته 
الرسميون؟!.. رجالك يا سيدي هم من يباعدون بينكم وبين 
الاعلاميين المحترمين باصطفائكم هؤلاء.. الجميع يعلم أن هؤلاء أبعد 
ما يكونون عن المهنية» ولولا أهم "تبعكم" لما قامت لهم قائمة.. 
رجالك يا سيدي لا يريدون إعلاميين محترمين» بل يريدون الذين 
"على راسهم بطحة" حتى يكون ولاؤهم لك. وليس للوطن؛ 
فيسبحون بحمدك عند اتخاذك أي قرارء وعند اللزوم ينقضُّون 
مسعورين ينهشون من يعارضك أو ينتقدك". 

في هذا الم تبدلت ارا فأصبح المذيع يفا وأصبح 
الضيف بلطجيسًا أو تاها أو "خبيرًا", وأصبح كلاثما يصرخ 


5 د. غادة شريف؛ عفوًا سيدي الرئيس.. من يصنع الوحوش؟!؛ جريدة “المصري اليوم", القاهرة: 15 أكتوبر 


.-.4 


-210- 


ويشتم ويضرب أمام أنظار مشاهدين يتعجبون لذلك "الإعلام” الذي 
اجتاحته حفلات الجن والعفاريت؛ وأسئلة اللواط والإلحاد, واللهاث 
وراء ميلودراما الغلابة وفواجعهم186. 

ليس المرء بحاجة إلى جهد كبير كي يلاحظ أن غالبية الأحداث 
التي تدشغل يما وسائل الإعلام وتبرزها برامج "التوك شو" هي غالب 
قضايا واهتمامات بعيدة عن متن الأجندة العاجلة والضرورية التي 
يحتاجها الوطن والمواطنون, وبالتالي يدشغل الرأي العام بقضايا ليست 
بالضرورة هي القضايا التي يجب أن ينشغل با. 

وفي ظل ظروف جعلت مصر منذ 25 يناير 2011 تنتقل من 
مرحلة انتقالية إلى أخرى: وجدنا الإعلام يركز على قضايا ليست 
بالضرورة هي القضايا الكبرى, التي بات الإعلام ورجال السياسة 
يُرحلونها إلى فترات لاحقة, أو تؤجل هي من تلقاء نفسها تحت دعوى 
تركها للنظام المستقر المستمر, الذي طال انتظارة187. 

بات الإعلام مغل حكومات تسيير الأعمال, يتعامل مع اللحظة 
الآنية ويقدم أقراص أسبرين لصداع حاد في ملفات السياسة أو 
الاقتصاد أو الأمن أو الرياضة, لكنه لا يتحرك بشكل مدروس 
للتصدي لقضايا تتعلق بالمستقبل وسبل النهوض والتقدم على أسس 
راسخة وسليمة. 


6 محمود الكردوسيء الرئيس والإعلام: لا تراهن ولو سجدوا لك. مصدر سابق. 
7 عمرو خفاجي, الأمل المراوغ؛ جريدة “الشروق"؛ القاهرة؛ 6 نوفمير 2013. 


- 211 - 


حينما تبدأ الأحداث في الخفوت, ويهداً كل هذا الغبار: ستبداً 
أسئلة المستقبل في طرح نفسها على الرأي العام ليتنبه المواطنون 
عندها ويبدأوا بدورهم في السؤال عن مستقبلهم؛ وماذا يجري - 
حقيقة- في حاضرهم؛ هنا فقط سيكتشف المواطن الخديعة الكبرى 
التي تعرض لا على يد إعلام أغرقه بحكايات هامشية ومعارك ثانوية 
وأحداث يومية» دون أن يساعد في إيجاد تصورات واضحة وحلول 
فعالة لقضايا المستقبل. 

يقول هربرت شيللر "إن تضليل عقول البشر هو. على حد قول 
باولو فرير, "أداة للقهر". فهو بمثل إحدى الأدوات التي تسعى النخبة 
من خلاها إلى "تطويع الجماهير لأهدافها الخاصة". فباستخدام 
الأساطير» التي تفسر وتبرر الشروط السائدة للوجودء بل وتضفي 
عليها أحيانا طابعا خلاباء يضمن المضللون التأييد الشعبي لنظام 
اجتماعي لا يخدم في المدى البعيد المصالح الحقيقية للأغلبية. وعندما 
يؤدي التضليل الإعلامي للجماهير دوره بنجاح؛ تنتفي الحاجة إلى 
اتخاذ تدابير اجتماعية بديلة"188. 

تمل التضليل وقائع كثيرة» منها على سبيل المثال أنه في كل مرة 
يرغب فيها أحدّ في ال هجوم على احتجاجات الشوارع وفي دعم عنف 
الشرطة أو الجيش تجاه المتظاهرين» يتم استخدام قول منسوب إلى 
رئيس الوزراء البريطاي ديفيد كاميرون, خلال أحداث ومواجهات 


8 هربرت شيلنر. مرجع سابق. 


- 212 - 


لندن في أغسطس 2011, نصه: "عندما يتعلق الأمر بالأمن القومي 
فلا يحدثني أحدّ عن حقوق الإنسان". 

يقول وائل جمال في مقال مهم يفند تلك الأكذوبة: "والحقيقة أن 
الاقتباس مزيف ولح يقله كاميرون. وفي 26 سبتمبر 2013 نفت 
السفارة البريطانية في القاهرة رسميا أن يكون كاميرون قد قال هذا 
في خطابه في أكسفورد شاير يوم 15 أغسطس 2011. بل ووزعت 
السفارة النص الكامل للخطاب على الصحفيين الحاضرين للقاء مع 
السفير جيمس وات. حسب وكالة أنباء الشرق الأوسط الحكومية 
المصرية. في الخطاب, يمكنكم الاستماع إليه كاملاً على 2 
يتحدث كاميرون كثيرًا عن تمكين الشرطة من وقف "العصابات" 
وعن إعطائها الدعم القانون لمواجهة العنف.. إلخ. لكن ما لا يذكره 
أحد أن كاميرون تحدث أيضا عن ضرورة تحليل أسباب نشوء تهرد 
الشوازع العاصف. أما ذكر حقوق الإنسان الوحيد فجاء في خطاب 
آخرء قال فيه رئيس الوزراء البريطااي إن "أي ادعاءات زائفة عن 
حقوق الإنسان لن تمنعه من نشر أسماء المطلوبين على ذمة الجرائم التي 
ارتكبت أثناء الأحداث"189. 

هكذا أيضًا تداولت المواقع الإلكترونية معلومات زائفة عن 
امتلاك قطر نسبة من أسهم صحيفة "الغارديان” البريطانية» وتحدث 
صحفيون وكتاب عن هذه المعلومة الخاطئة في مقالات صحفية 
وبرامج تليفزيونية» في سياق الرد على انتقادات الصحيفة للسياسات 


9 وائل جمال, الوقانع الصحيحة ثورة, جريدة *الشروق". القاهرة؛ 4 نوفمير 2013. 


- 213 - 


في مرحلة ما بعد ثورة 30 يونيو. واكتملت الصورة بانتقاد أحمد 
المسلماني» المستشار الإعلامي للرئيس المؤقت؛ للصحيفة اليسارية, 
أحد أعرق الإصدارات البريطانية؛ إذ قال إنها "سقطت تماما في بثر 
الكراهية والتحريض". وإهها "تنقل من مواقع وصفحات الثورة 
المضادةء وبذلك انضمت الصحيفة إلى الإعلام الأسود المعادي لحق 
الشعب المصري في حماية ثورته وصناعة المستقبل"190. 

من المضحك حقا اتام "الغارديان" بأنها تملوكة لقطرء في حين 
أن الجريدة ليست كذلك, وإنا تعتمد على نظام الوقف. يقول موقع 
الجريدة على الإنترنت إنها تدشر من قبل شركة "الغارديان للدشر 
والإعلام”, وهي النشاط الرئيسي مجموعة الغارديان الإعلامية التي 
يمتلكها مساهم واحد فقط هو "ذي سكوت ترست" (أو وقف 
"سكوت". الذي أنشئ في يونيو 1936 "ليحمي القيم الليبرالية 
والحريات الصحفية", "بضمان الاستقلال التحريري والمالي"191. 

أما اتام الجريدة بالتحول إلى معسكر الإعلام الأسود أو أنما 
أصبحت جريدة صفراءء فهو اجتراء يصل إلى حدود الافتراىء لا 
يقدر عليه إلا أولتك الجهابذة الذين معرفتهم الكاملة بدهاليز العمل 
في الجرائد المناهضة لمصر والتي تعمل لصالح الاستخبارات الأجنبية 
والموساد والإسلاميين, وفقا لنظرية المؤامرة. 


0 المسلماي: ما تنشره "الجارديان” بشأن مصر لا قيمة له. جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة. 29 أكتوبر 


.13 


151 رعاأأقطعيي ”“وواألمةنعوعط)” ‏ ,مضوألعدن© ‏ عط 0ه بوم ئوزنز 


0/1 ع لاقع لام .30 أل نت نععحا. ببيياييا/ /: مخخطا 


2-214 


إن بيتنا من زجاج؛ إذ تزخر الصحف بالعناوين المضللة أو 
الاقتباسات المبتسرة, أو تلك التي لا علاقة بالمتن. ولدينا وسائل إعلام 
تُغذي الإحساس بالمؤامرة. يكشف مثلاً توفيق عكاشة الذي يستمع 
له الكثيرون في المقاهي والبيوت كيف "ترسل شركة بيبسي العالمية 
شفرة خطة الإخوان من خلال دعايتها", ويفسر ذلك بأن إسرائيل 
تدفع لبيبسي حتى تساعد الإخوان, ويستند إلى إعلان بعينه» مشيرًا 
إلى الأرقام المكتوبة على فانلات لاعبين كرة القدم في الدعاية؛ وينبه 
إلى مؤامرة قادمة يوم 25-1-2014, وذلك بتجميع الأرقام الموجودة 
في الإعلان. عكاشة أيضا له جمهوره. والجرائد توزع أكثر وأكثر 
عندما تنشر مثلاً تقريرًا بالوثائق عن مؤامرة تستهدف العراق ومصر 
وسورياء بمدف إعادة تقسيم المنطقة. لا أحد يلاحظ أن الأوراق 
المنشورة على أساس أفها سّربت من اجتماع سري تم في الفترة ما بين 
6 و 18 أغسطس 2013, بقاعدة عسكرية أميركية في منطقة 
دارمشتات بألمانياء سٌجلت الدقائق على طرفها باللغة العربية» كما 
لفت مجلة "الايكونوميست"البريطانية» رغم أن المشاركين ليسوا 
عربا. 

وعلق عليها كذلك موقع (ه]نذ.تاءعه نعي هئام كدمء. اام 
مستغربا أن المعلومات المذكورة لم تسفر عن أزمات دبلوماسية أو 
اعتراض رسمي من السلطات المصرية192. 





2 داليا ثفس, "عوكل" يعرف أكثر, جريدة "الشروق"؛ القاهرة؛ 3 نوفمير 2013. 


- 215- 


مآها إلى الفشل كل مساعي السلطة التنفيذية والمؤسسات الأمنية 
والمصالح الاقتصادية والالية والإعلامية الكبرى المتحالفة معها لتبرير 
الأزمات المتراكمة والمظالم والانتهاكات المتكررة عبر الإحالة إلى 
مؤامرات كونية أو إقليمية» واستدعاء مقولات الخطر والخوف على 
المواطن والمجتمع والدولة من أعداء الداخل والخارج؛ والتشديد على 
حتمية "الحل الأمني". فقطاعات شعبية متنوعة لم تعد تستسيغ حديث 
المؤامرات الكونية والإقليمية ما لم يرتبط به عرض مقنع لمرتكزات 
وعناصر استراتيجية المواجهة ولسبل تحسين ظروف الناس المعيشية 
ووضع المواطن وامجتمع والدولة على طريق التدمية والتقدم, وكثيرون 
يدركون أن المظالم والانتهاكات والسلطوية التي تتجدد دماؤها تخلق 
بيئات مجتمعية قابلة للإرهاب والعنف وتشجع على تغوله193. 

الشاهد أنه عقب ثورة 30 يونيوء تبى القائمون على وسائل 
الإعلام في مصر فلسفة قوامها "التحريض هو أقصر مسافة إلى كل 
الأهداف". في حين اختفى مفهوم المحاسبة والمساءلة وفق معايير مهنية, 
لعدور المكلمة التي تشوه الإدراك وتُغيب الحقائق كما طواحين الهواء. 

قامت جوقة تقود الإعلام المصري في كثير من أوعيته بدور, لا 
يؤدي فقط إلى مزيد من صناعة الكراهية؛ ولكن يسهم أيضاً في 
تراكم حالة الالتباس وما ترتب عليها من بناء مواقف تتناقض في 
مبناها وتتنافر في معناها لتشكل حالة من الازدواجية المقيتة» والتي 
تجمع في الشخصية الواحدة بين الرأي ومضاداته والحجة ونقيضها. 


3 د. مرو حمزاوي. مالات فشلء جريدة "الشروق". القاهرة؛ 18 ديسمبر 2014. 


- 216 - 


ومن المؤسف حقا أن يحدث ذلك الانفصام إلى الدرجة التي تتعدد 
فيها المعايير وتختلف المواقف في ظل اختفاء الميزان الذي يحقق معاي 
الإنصاف والعدل في الحكم على مسار الأحداث وعلم الأشخاص 
وكذلك عالم الأفكار194. 


سامت هذه الجوقة بكل نشازها في الترويج للصيغة العسكرية- 
الأمنية» التي عادت للسيطرة على الدولة والشأن العام وأزمات 
السياسة, والتي يصعب أن تنتصر للحقوق وللحريات المتساوية 1 
تُمكن فعلاً للدولة المدنية وجتمع المواطنة اللذين نحتاجهما جميعً 
للنجاة من الأزمات الراهنة ولإنقاذ السلم الأهلي والعيش المشترك 
ولاستعادة إنسانيتنا الضائعة. 

وتورطت أبواق إعلامية من الوجوه القديمة والجديدة في تشويه 
وتزييف الوعي العام» وعاثت في المساحة العامة ترويجا لمقوللات 
تبريرية لانتهاكات حقوق الإنسان والانتقاص من الحريات؛ وغرسا 
لمقولات الكراهية؛ وتغييبا للمعلومة والحقيقة, ونشرًا للإفك. 

في الخطاب السياسي والإعلامي, بدا المسيطرون على مقاليد 
الأمور أكثر ميلا لأصوات التصعيد والانفعال ودعاة إذكاء الحريق» 
بأكثر من الاستجابة لصوت العقل والرشد. 

على هذا المنوال, أخذ الوزراء والمحافظون بمطروننا بكلمات 
المديح وبرقيات الولاء ني االتصريحات والمناسبات والأعياد, ونافسوا 
في النفاق سائر وسائل الإعلام. ٠‏ 


4 د. سيف الدين عبدالفتاح, الميزان النصف في بناء الموقف, جريدة "الشروق", القاهرة, 2 نوفمير 2013. 


-217- 


ولعل البعض يجهل أن إقامة الدولة البوليسية والحكومة العسكرية 
والعودة إلى قانون الطوارئ, هو مترلق خطر لا يعيد إنتاج دولة 
الاستبداد فحسب» ولكنه يُفرغ الثورة من مضموفاء ناهيك عن أنه 
يفتح الأبواب على مصراعيها لتأجيج نار الحريق وتوسيع نطاقه. 

والحقيقة أن من استفادوا ويسعون للاستمرار من الاستفادة من 
الفساد يعرفون جيدًا خطر وجود ديمقراطية وتداول حقيقي للسلطة 
عليهم: فقد اعتادوا أن ينموا ويكبروا ويتوغلوا في كنف سلطة 
فاسدة؛ ولذا وجدناهم يحاولون استعادقا. 

مع موت صحفة الخبر. وغياب اليقين في وسائل الإعلام؛ 
انتشرت الصحافة التعبوية التي أصبحت تخدم النظام بأكثر ثما تخدم 
القارئ؛ وتخاطب الانفعالات بأكثر ثما تخاطب العقول حتى باتت تحث 
على التهليل بأكثر ما تحث على النقد والتفكير. 

موت صححافة الخبر من أصداء موت السياسة وتراجع سقف 
الحريات العامة. ذلك واضح في الأخبار والتقارير الصحفية التي باتت 
تنسب إما إلى مصادر سيادية أو مصادر أمنية. 

ما عاد سرًا أن المؤسسة الأمنية المصرية هي التي تقف وراء 
الصحافة التعبوية. من خلال تزويدها بنوعية معينة من الأخبار 
والتقارير الجاهزة لديها والتسجيلات التليفزيونية التي تقوم بما. ولأها 
المصدر الذي دأب على أن يوصل إلى الرأي العام ما يخدم سياساته 
وليس ما يريد أن يعرفه القارئ, فإن مجال حركة الصحفيين بدا 
محكوما بحدود البث الذي ترغب فيه المؤسسة الأمنية: من ثم فإن 


- 218 - 


كفاءة الصحفي أصبحت لا تقاس بمقدار حصوله على الأخبار التي 
قم القارئ أو تثير فضوله ل وهذه أبوابما مغلقة في الغالب- لكنها 
أصبحت تقاس ععدى قربه أو بعده من تلك المؤ سسة. وما صارت 
تتباهى به بعض النابر الإعلامية مدعية أنه "انفرادات", لا يعبر عادة 
عن أي جهد يبذله الصحفيون؛ ولكنه يعكس مدى قوة ارتباطهم 
بالمؤوسسة الأمنية195. 

يعرف المشتغلون بالمهنة أن الأجهزة الأمنية لما رجاهما في مختلف 
وسائل الإعلام؛ الذين زرعتهم ورعتهم طوال العقود التي خلت حتى 
أوصلت بعضهم إلى أعلى المناصب في المهنة. وذلك أمرٌ مفهوم؛ بل 
هو إجراء طبيعي في أي دولة بوليسية تحاول التأثبر على الرأي العام 
بتقارير وأخبار مضللة أو تتعمد إخفاء جوانب من الحقيقة196. 

علاقة الأجهزة الأمنية بالإعلام مرت بمرحلتين أساسيتين. في 
الأولى كانت تلك الأجهزة تحرص على أن تعرف ما يجري في 
الصحف من خلال رجالها الذين زرعتهم أو جندقم. وفي نفس 
الوقت كانت تحاول استمالة الكتاب وأصحاب الرأي بأساليب حذرة 
وغير مباشرة. في المرحلة الثانية» أصبحت الأجهزة تستخدم 
الصحفيين في التأثير على الرأي العام من خلال الترويج لأخبار بذاتا 
أو تبني وجهات نظر تخدم سياسات بذاها. ما عادت تكتفي باستمالة 


1535 فهمي هويدي, موت صحافة الخبرء جريدة "الشروق". القاهرة, 8 فبراير 2014. 
1066 عط لصخ قن عط؟ نعقلالا 0اه© أقعبطانه قط]؟ ركع0تناة5 تمممؤد وععموع 
.0 ,رؤوعءظ يبرعلا عط عاعن لا مزعلا ر5داع11ع١‏ 300 كاعمةْ أ0 لاروللا 


- 219 م 


أصحاب الرأي؛ وإنما أصبحت تجندهم وتلقنهم بما تريد. وفي 
المرحلتين فإن علاقة رؤساء التحرير مع الأجهزة الأمنية كانت قائمة, 
لكنها في المرحلة الأولى كانت علاقة حوارء وفي المرحلة الثانية 
أصبحت علاقة تبعية واستخدام. 

في المرحلة الأولى كانت الأجهزة الأمنية تستخدم المخررين وكانت 
اتصالات رؤساء التحرير تتم مع القيادات السياسية. وفي المرحلة 
الثانية التي تراجع فيها دور أهل السياسة اختلفت الصورة تهامساء 
بحيث أصبح الاتصال الأساسي للأجهزة الأمنية يتم مع رؤساء 
التحرير مباشرة الذين أصبحوا 207 وأعوانا نها. وأصبح 
امحررون يتلقون تلقينا شبه يومي من عناصر تلك الأجهزة. وحين 
أصبح الأمر يهذه الصورةء فإن تبعية الجميع للأجهزة الأمنية أصبحت 
أمرًا مألوفا لا خفاء فيه ولا حياء منه197. 

وني كل الأحوال؛ بقي نفرٌ من الصحفيين تمن يكتبون تقارير عن 
زملائهم لجهات أمنية مختلفة2» وما نعرفه "أن بعضا من كتاب 
التقارير صاروا نجوما في الصحافة والتليفزيون في الوقت الراهن. 
وطول الوقت كانت موهبتهم الوحيدة تنحصر في وفائهم للذين 
زرعوهم ورعوهم حتى أوصلوهم إلى ما وصلوا إليه"198. 

هنا يطوف في الذهن قول الكاتب الصحفي أحمد يماء الدين: 
"ولي صحفناء لا تخلو صحيفة على الإطلاق من "محررين نشطين" 


7 فهمي هويدي., يصنعون التاريخ ويكتبونه. جريدة "الشروق" القاهرة, 4 نوفمير 2013. 
8 المصدر نقسه. 
-220 - 


يعكفون على كتابة التقارير إلى أصحاب السلطة مع اختلاف في 
المستويات: بداية من يرتفع مستواه على الكتابة إلى المباحث. وهي 
كتابات أثرت كثيرًا في حياة الصحافة والصحفيين وعلاقات المهنة 
بالسلطة"199. 

لا عجبء إِذَاء أن تجد إعلاميين تحركهم رؤوس أموال فاسدة 
وجهات أمنية معروفة يهاجمون أي صوت معارض أو متعقل وسط 
هذا الكرنفال الصاخبء, كما لو أنهم يرفضون هذا التعدد في الآراء 
ويحاولون وأد التجربة الحزبية الوليدة قبل نموها. استخدم هؤلاء 
دعايتهم الشعبوية للانتقاص من شأن المعارضين أو من يتحفظون على 
التأييد الزاعق للسلطة. ولسان حاهم يقول: فليذهب المتعقلون 
والمخالفون إلى الجحيم, وليعد من يقدمون رشى انتخابية من سلع 
تمويئية وخدمات شخصية مقابل أصوات البسطاءء, ولتبق السلطة بيد 
من بيده السلطة الآن للأبد. 

يروج إعلاميو رؤوس الأموال الفاسدة وأجهزة الدولة الأمنية 
لمفهوم رشوة الناخبين للحصول على أصواتهم حتى تظل اليد العليا لمن 
ملك الأموال التي يسرقها من الفقراء. ثم يعيد إليهم فتاتا مقابل 
أصواتم ليبقى في السلطة أو موقع النفوذ. فتكتمل دائرة الفساد 
الجهدمية200. 


9 أحمد اء الدين؛ "محاورايَ مع السادات": ط 2, دار الهلال, القاهرة, 1987. 


0 زياد العليمي.حتى لا تعود فسادستان, جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 1 نوفمير 2013. 


- 221 سم 


ومن أبرز المآخذ على خطاب هذه النخب الإعلامية» والتي 
تشترك فيها مع كثير من القوى المدنية,احتكار الوطنية؛ إذ إهم قد 
يتحدثون عن الوطنية وكأن الله قد اختصهم يما دون سواهم.. ليقعوا 
في نفس الخطأ الذي وقع فيه بعض الإسلاميين الذين يتحدثون عن 
الإسلام وكأنهم قد احتكروه دون سائر المسلمين201. 

وني حقيقة الأمر, فإن أكثر عوام المصريين قد يكونون أكثر وطنية 
وإسلاما وتجردًا وإخلاصا من الطرفين؛ لو كانوا يعلمون. 

في إطار هج إقصائي كريه. عمد هؤلاء إلى تشويه شخصيات 
سياسية وثقافية واقتصادية, لا لشيء سوى لأا ترى الأمور من 
منظور مختلف عن السائد, ومن ذلك ما جرى مع قامة محترمة مثل د. 
محمد البرادعي نائب الرئيس» الذي استقال احتجاجا على استخدام 
القوة لفض احتجاجات رابعة العدوية والنهضة؛ خشية السقوط في 
دائرة عنف لا تنتهي. حدث هذا وهو الذي بطبيعة الخال لا يتفق مع 
عهد محمد مرسي جملة وتفصيلاً. لكن كانت له رؤيته بشأن كيفية 
الخروج من الأزمة بعيدًا عن الحل الأمني بتداعياته وكلفته البشرية 
الكبيرة. 

بلغ الأمر بالإعلام وهو بمارس عملية شيطنة البرادعي أن يزعم أنه 
ترأس أحد اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان المسلمين في الخارج, 
وأن جدول الأعمال تركز على كيفية إفشال خريطة الطريق. وبعد 


1 د. ناجح إبراهيمء خطاب القوى المدنية يحتاج إلى مراجعة (1 ل 2)). جريدة "الشروق"؛ القاهرة, 2 
نوفمير 2013. 


-222- 


ذلك زعمت بعض وسائل الإعلام أن قيادات ممن يسمون أنفسهم 
تحالف .دعم الشرعية ذهبت إلى جنيف من أجل تقديم ملف لمفوضية 
حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ضد الرئيس عدلي منصور والمشير 
عبدالفتاح السيسي» تتهمهما فيه بانتهاك حقوق الإنسان, وأن هؤلاء 
عرضوا الملف على د. البرادعي من أجل استشارته في تفاصيل إثارته 
في بعض وسائل الإعلام أو من أجل أن يتولى هو نفسه تقديمه في 
وسائل أخرى. 

ويوم غادر البرادعي مصرء بعد استقالته من منصب نائب رئيس 
الجمهورية, قال خبير أمني إنه سافر إلى بروكسلء وإن أعضاء من 
قيادة التنظيم الدولي للإخوان استقبلوه على سلم الطائرة. قال ذلك 
على المواء في أحد البرامج الحوارية. ورغم أن الجميع يعلم أن 
البرادعي سافر إلى فبينا وليس إلى بروكسل فإن البرامج الحوارية 
جعلتها مادة لكي تنال منه. وحتى تضعه في موقف العداء للنظام الذي 
تأسس في 3 يوليو, مع أنه أحد الذين صاغوه وشاركوا فيه. 

رأينا مسعى في وسائل الإعلام لتحويل البرادعي إلى العدو الأول 
للنظام الجديد وللشعب المصري بديلاً عن جماعة الإخوان» ووقف 
وراء هذه الحملة بقايا نظام ساهم البرادعي في إسقاطه. 

بدأت هذه البقايا عملية الانتقام من قبل أن يترسخ وجودها في 
السلطة؛ إذ خذت تشوه صور البدائل المتاحة لكي تصبح هي المؤهلة 
لكي تتبوأ السلطة في أعقاب فاية الفترة الانتقالية. بدت هذه الحملة 
غير منقطعة الصلة عن ارتفاع خطاب "افرم يا سيسي"2 واقام 


- 223- 


حكومة د. حازم الببلاوي بارتعاش الأيادي, ذلك الخطاب الذي 
يدعم الاتجاه القمعي داخل الحكومة بقيادة جناحها الأمني ويهاجم 
الاتجاه الأكثر ديمقراطية الذي يعمل على إيجاد صيغ سياسية لبناء 
دولة تستجيب لأحلام الحرية والعدالة الاجتماعية202. 


وهو خطاب ينسحب على كل أشكال المعارضة ويجرمهاء سواء 
كانت من بطل رياضي يرفع إشارة رابعة العدوية مثل محمد يوسف 
بطل الكونغ فو الذي تم ترحيله بعد أن فاز ببطولة عالمية» أو إعلامي 
ساخر مثل باسم يوسف, أو حتى نائب رئيس الوزراء د. زياد بماء 
الدين حينما ير على الاعتراض على قانون التظاهر فتتهمه كاتبة 
صحفية بأنه "صاحب مشروع إفشال الدولة"203؛ وحسام عيسىء؛ 
وغيرهما من الوزراء المحسوبين على ثورة 25 ينايرء وأبرز اتام لكل 
هؤلاء أفهم من رجال البرادعي204. 

بل إن المتحدثين باسم عصر مبارك؛» الذي انتقص من كرامة 
المصريين وتسبب في إفقارهم, أخذوا يرددون أن يونيو هو الثورة 
وليست ينايرء ومن ثم فإن قائدنا هو عبدالفتاح السيسي» وليس 
الشعب وانتفاضته. حملة الشعلة الإعلامية لعصر مبارك لم يختفوا 
أصلاً. انتقل هؤلاء من "صباح الخير يا مصر" و"البيت بيتك" و"مصر 





2 د. رباب المهدي, الأيادي المرتعشة, جريدة "الشروق", القاهرة؛ 6 نوفمبر 2013. 
3 د. غادة شريف, موت يا حمار!ء جريدة "المصري اليوم", القاهرة» 1 توفمبر 2013. 
4 خالد السرجاي» لماذا يصمت البرادعي؟, جريدة "المصري اليوم", القاهرة: 1 نوفمبر 2013. 


- 224- 


النهارده", إلى محطات "سي بي سي" و"التحرير" و"روتانا مصرية" 
وغيرهاء من دون أن تطرف لهم عين. ولم يكن هناك بأس من التضحية 
ببعض الرموز السياسية في طرة, "لبعض الوقت". تدريجيسا, أخذت 
تلتثم أجنحة العصر المباركي سياسيًا واقتصاديا وإعلاميء 
وتواصل التحليق الذي لم ينقطع بفورة. أو بيان للتخلي عن 
الحكم205. 

عمدت "النخبة" الإعلامية إلى التأسيس ليلاد طاغية جديد, أبن 
كان اسمه. غير قابل للنقد تلميحا أو تصريحسء "دكر" بالتعبير 
العامي المبتذل. يروض البلد بمن فيهاء ويعيد الأمن, فينام الجميع في 
رحاب الأحلام السعيدة. وفي هذا ترويج لمصطلح "المستبد المستدير” 
أو "المستبد العادل", وهو الحل الذي ارتآه جمال الدين الأفغاب حلا 
لمشكلات الشرقء ورد عليه كثيرون لاحقًا206. 

صناعة الطاغية هنا مشهدٌ أو موقف به تكرارٌ لا كتبه صلاح 
عيسى في مقال له في جريدة "الأهالي" المعارضة في منتصف ثمانينيات 
القرن العشرين؛ حين رصد قرب فماية الفترة الأولى للرئيس مبارك 
هجمة غواية محكمة من جانب "رابطة صناع الطغاة", كما وصفهم 
عيسى وقتها. بي هذا المقال, استقرأ عيسى ما حدث لبارك وعصره 


5 محمد موسىء لأننا نحب جيشنا وقائده. جريدة “الشروق" القاهرة؛ 30 أكتوبر 2013. 
6 د. عزت قري, العدالة والحرية في فجر النهضة العربية الحديثة, سلسلة عالم المعرفة, العدد 30 المجلس الوطني 
للثفافة والفنون والآداب, الكويت», يونيو 1980, ص 39. 


- 225- 


المديد فيما تلى ذلك. وهو يتحول إلى طاغية بأيديهم, ربما قبل أن 
يكون قد حسم أمره. 

تم عاد صلاح عيسى في عام 2012 وكتب تحت العنوان نفسهء 
منتقدًا "رابطة صناع الطغاة" في عهد محمد مرسي "التي نظمت حملة 
البلاغات ضد الصحفيين. وني ظبها أنها بذلك تحصن الرئيس ضد 
النقد. وقدد كل من يفكر في أن يرشه بالماء بأن ترشه بالدم.. فكانت 
النتيجة أن أساءت إلى الرئيسء ولو كنت منه. لأمرت بأن يلحق 
هؤلاء بكتاب الشيخ نكلة و أميتهم السياسية!"207. 


وغخشى أن الصورة القائمة بقيت كما هي. والدور المشبوه لأعضاء 
تلك "الرابطة" استمر على حاله. مع تغير الأسماء والعهود. بالغت 
تلك الرابطة بممثليها في النخب المختلفة في الصراخ والتضليل؛ حتقى 
استقطبت كثيرين من العامة إلى أفكارها المشوهة وتصوراقا المضللة. 

لا يكل هؤلاء من وضع المصريين أمام خيارين» ومن الإصرار على 
أن يختار المواطن أحدهما. لقد ساهم هؤلاء في دفعنا نحو العيش في لعنة 
الثنائيات الأبدية. 

خمّرنا هؤلاء المزايدون والمهللون بين أن نشارك ف حملة مديح 
الجيش وتسويق السيسي أو أن نصمت. وجزاء الذين يفعحون 
أفواههم بما يخالف هذا السيناريو أن يتعرضوا للتشويه والتخويف 
والتخوين. 


7 صلاح عيسى؛ رابطة صناع الطغاة؛ جريدة “المصري اليوم" القاهرة؛ 25 أغسطس 2012. 


-226- 


وهؤلاء من الدببة "الذين نصّبوا من أنفسهم حتماة للجيش ودعونا 
إلى تقديسه. فأساؤوا إليه من حيث لا يحتسبون؛ إذ زعموا تارة أنه 
"فوق الجميع" وحدثونا تارة أخرى عن أنه يمثل "خط أحمر" لا يجوز 
الاقتراب منه ناهيك عن تجاوزه, وقرأنا أن منهم من طالب "بقطع 
لسان" كل من داس للجيش على طرف أو ذكره بغير المديح 
والإجلال. وقال قائلهم إن أي ذكر من ذلك القبيل يعد إهانة له 
وإهدارًا لثوابت الأمة"208. 

في إحدى الفضائيات المصرية» وصف متصلّ من الإسكندرية 
باسم يوسف. مقدم برنامج "البرنامج"”. بأنه عميل» وقال: لولا 
القوات المسلحة كان زمانا منداسين بالجزم. وأضاف المذيع من عنده: 
قلت لككم المرحلة دي عايزة دكرء وللمتغاظين من الكلمة دي» 
(واتسعت ابتسامته), أقول هم عندنا عبدالفتاح السيسي. 

أما المتصل فرانسوا فقال إن السيسي هو كل الزعماء في واحد. 
ناصر وزغلول وعرابي» ومن يتطاول عليه صرصار ندوس عليه. 

تعائل الإعلوم "الرني والمطبوع) مع عبد الفاح : السيسي ردح 
لحالة يحب أن نراجعها ونعيد النظر فيها بمعايير مهنية. تعامل كثيرون 
منا مع الرجل بنفس الطريقة التي كانت مع حسني مبارك؛ كانت 
الصحف تذهب إلى قرية كفر المصيلحة سنوي منذ عام 1981 
وتستنطق 27 من أهلها بكلمات الإشادة بمبارك وحكايات عن 


8 فهمي هويديء الخط الأحمر. جريدة "الشروق", القاهرةء 31 أكتوبر 2013. 


-227- 


جديته وعبقريته منذ الطفولة» والطريف أنه حين رحل مبارك عن 
الحكم ذهب بعض الصحفيين إلى كفر المصيلحة يستنطقون أهلهاء 
لعسا وسباب في الرجل, واكتشفوا فجأة أنه لم يفعل شين لأهل 
القرية وكان جاحذدًا هم. المهم في كل هذا أن مبارك ليس ابن كفر 
المصيلحة فعلياء بل هو من عزبة الراهب التي تتبع كفر المصيلحة» 
وني الأرياف هناك بعض العزب أو الكفور تتبع القرى الكبيرة؛ ومن 
ثم فكل الزيارات والتغطيات الصحفية من داخل كفر المصيلحة, 
كانت بعيدة عن مسقط رأس مبارك, فضلاً عن أنه تربى خارج 
المنطقة, حيث كان والده موظفا بسيطا يتنقل بأسرته حيث مكان 
عمله. وكان ذلك دأب الإدارة المصرية» حتى منتصف القرن 
العشرين؛ إذ حرصت على ألا يعمل الموظف في قريته أو منطقته 
السكنية؛ خشية الانحياز والتأثر لصاح أو ضد أحد في عمله. 

بعد قرارات 3 يوليو 2013؛ هرول صحفيون ومراسلون بحثًا عن 
أقارب السيسي أو جيران أسرته قديماء وزيارة إلى محل أحد أقاربه. 
قبل إنه عمه, في خان الخليلي» وبدأنا نسمع حكايات عن الرجل في 
طفولته. بل تحدث أحدهم.: عن أدق علاقات السيسي مع مرسي, 
علما أنه قريب من الدرجة الرابعة. ويوم الاستفتاء على الدستور, 
ذهبت إحدى الكاميرات إلى لجنة بمنطقة الجمّالية» ويخرج التعليق أن 
أهالي الجمّالية يردون الجميل إلى السيسيء رغم أن اللجنة لم تكن 
أكثر زحاما من كثير من اللجان داخل القاهرة وخارجهاء ثم كيف 
يمكن أن نصور التصويت بأنه نوع من رد الجميل؟! مشروع الدستور 
الذي صوّتنا عليهء هو دستور مصر والمصريين الذي وضعته لجنة 

- 228- 


الخمسين2» وكانت تمفل أطياف الأمة المصرية» ولم يضعه السيسي 
وليس دستوره هو إنه دستورنا جميعا. 

ما لا يدركه هؤلاء أن السيسي ليس بحاجة إلى ذلك كله. بل إن 
هذا الأداء المهني المتردي بمكن, على المدى البعيد أن يكون له تأثير 
سبي على الرجل وعلينا جميع209. 

لا يممكن أن يكون هذا الإعلام مُحبا للسيسي ولا للقوات 
المسلحة, ولا نتصور أن تؤدي هذه البالغات المكشوفة إلى تعزيز 
الدور الحقيقي للإعلام. وهؤلاء الذين يقمعون ني وسائل الإعلام كل 
من يبدي تخنوفه من لعب الجيش دورًا سياسيا في مرحلة ما بعد 3 
يوليو 2013, لا يكتفون بالدفاع عن احترام القوات المسلحة وتقدير 
دورها النبيل في الدفاع عن الوطن, ولكنهم يريدون تحويل الاحترام 
إلى نوع من التقديس, والاحترام صيغة مسكونة بالحبة التي تحتمل 
التفاعل والأخذ والرد في إطار الحرص والثقة. أما التقديس فإنه يقترن 
بالخضوع والخوف. 

إنه دور خطيرٌ ومريب لجماعات المصالح التي تدير وسائل الإعلام 
وتتكسب من ورائها أموالاً طائلة ونفودًا كبيرًا ونجومية معيبة بكل 
المقاييس. 

إنهم يكررون أغنية "اخترناه" التي شنفت آذان الرئيس مبارك في 
أحد الاحتفاللات الصاخبة, ويريدون منا أن ندشد معهم أغنية "تسلم 


9 حلمي النمنم؛ الإعلام والسيسيء جريدة "المصري اليوم" القاهرة؛ 29 يناير 2014. 


-229:- 


الأيادي", وأن نردد أغنية شعبان عبدالرحيم التي يقول فيها: "دي 
مشاعري ودي أحاسيسي والكل بعينه خاف.. لو كله زي السيسي 
إحنا ماكوناش نخاف.. دايا تفكيره مبتكر والناس كلها عاشقاه.. 
صحيح ده راجل دكر والشعب كله وراه". 

أغرقنا هؤلاء في سيل من أغنيات مبتذلة لا تخلو من رياء. مع أن 
الوقت وقت جد؛ لإنقاذ مصر من خراب دام 33 عاما هي مدة 
حكم مبارك والسئوات الثلاث العجاف التي تلت ثورة 25 يناير. 

منذ عهد مبارك وحتى اللحظة. وجدت السلطة التنفيذية والمصالح 
الاقتصادية والالية والإدارية والحزبية المتحالفة معها أو الموالية للها في 
وسائل الإعلام التقليدية كالصحافة والبرامج الإذاعية والتليفزيونية 
مساحتها المفضلة لممارسة احتكار الحديث باسم الوطن وامجتمع 
والدولة» ولإلغاء وجود المواطن الفرد.» وفرض صوقًا على الناس 
كصوت أوحدء ولترع المصداقية عن كل ما عداه تارة تخويبً وتارة 
تشويها. 

وضعية السيطرة على وسائل الإعلام وممارسة الضغط الأمني 
المستمر على المجموعات المدافعة عن الحقوق والحريات وعلى امجتمع 
المدبي الذي تغلق أمامه ساحات الفعل العلني بقوانين قمعية وعلى 
المواطن المهدد عبر استخدام قوانين قمعية أخرى بالاستبعاد من المجال 
العام ما لم بمتخل لصوت "الصالح العام" الأوحد تزيئان للسلطة 
التنفيذية في مصر: 1) الاستغناء عن السياسة يإماتتها وقصر صناعة 
القرار على المؤسسات والأجهزة والدوائر الرسمية. و2) الاكتفاء 


- 230- 


بانتاج مقولات شديدة العمومية عن دفع الوطن وامجتمع والدولة إلى 
الأمام لا رؤى ولا أفكار ولا توجهات محددة بماء و3) واختزال 
المواجهة الضرورية للإرهاب وللعنف في أدوات عسكرية وأمنية لا 
ينكر أحد مركزيتها ثم توظيفها لتعميم المعالجة الأمنية لجميع قضايا 
المواطن والوطن وامجتمع والدولة210. 

المؤسف أن جنيع هذه المضامين تروج لها وسائل الإعلام ذات 
الملكية العامة والخاصة بكثافة بالغة» لتزداد عقدة الإعلام 
استحكاما. 


0 د. عمرو حمزاوي؛ للسلطة فمجها فماذا عنا؟؛ جريدة "الشروق". القاهرة, 25 نوفمير 2014. 


-231-- 


موت "التوك شو" 


"البلطجية الآن أفندية. ببدل وكرفتات. وبيظهرون على 
الفضائيات. البلطجية يدشنون فضبائياً وبعترف بهم. نفر من 
البلطجية يمارس قطع الطريق على الهواء مباشرة. يغتالون 
مخالفهم أو منافسههم يدم بارد. يمعنون في القتل ا معنوي. قتل 
خارج القانون”211 


في مصر, "التوك شو" علينا حق! 

فإن كنت من المهتمين أو المضطرين إلى متابعة أي من قنوات 
التليفزيون في مصر, سواء أكانت حكومية أم خاصة, سياسية أم 
رياضية؛ عامة أم دينية» فإن شبح برامج "التوك شو" سيحوم داخل 
مساحة الشاشة, وينقض عليك كأنه قدرٌ محتوم. 

بوسعك طبعا استخدام جهاز التحكم عن بُعد لكن "الريموت 
كونترول" لن يرحمك؛ وستجد نفسك تنتقل من مضيف إلى آخرء 
كلهم يُجارون السائد ويتحدثون عن الموضوع ذاته. في حين يتنقل 
الضيوف من هذه القناة إلى تلك, ومن هذا البرنامج إلى ذاك, على 
اعتبار أن 'المصلحة واحدة" و"كله في مدينة الإنتاج"! 


1 مدي رزقء .. وبلطجية الفضائيات ببدل وكرفتات» جريدة "المصري اليوم", القاهرة» 16 أغسطس 


.4 


--234-- 





في الغالب الأعم. سيكون الحاور أو المضيف جالسًا إلى طاولة ماء 
ليتحدث نصفه العلوي إلى الجمهور مباشرة» في 'مونولوغ" على 
شكل محاضرة أو عظة أو وصلة ساخرة, وإن لزم الأمر فلا بأس من 
استضافة ضيف أو أكثر للحوارء مع مداخلة هاتفية وقت اللزوم. 
ولن يكون بوسعك أن تقاوم الدهشة وربما الضحك حين تجد المضيف 
الحائر ما بين شهوة الكلام وضرورات الفاصل الإعلااي. يطلب 
شايا أو قهوة على الحواء, أو يسأل زملاءه "هل التسجيل جاهز؟". 
أو يكلم شخصية غامضة في غرفة التحكم عبر سماعة الأذن طالب 
منه التزام الصمت حتى يسمع ضيفه أو مقترحا فكرة أو ضيفً 
لحلقة مقبلة. مع الإشارة بين الفينة والأخرى إلى تعليقات ظريفة 
يرددها على مسامعه المخرج أو امعد في غرفة التحكم! 

هكذا صنع المصريون آلهة من تمر امها "التوك شو" المصريء على 
نسق "تكلم براحتك"! 

ولعل المتابع لأداء وسائل الإعلام. على اختلاف أشكاا 
وتوجهاقاء سيلاحظ سيطرة الأسلوب الأول؛ وسيادته على غيره من 
الأساليب.. فوسائل الإعلام, لا سيما التليفزيون وبرامج "التوك 
شو" أصبحت تعتمد بشكل رئيسي على مجريات الأحداث؛ وعلى 
الأخبار اليومية» وتعتمد هذه البرامج في مضامينها على "التساهيل"؛ 
لذا ترتفع وتنخفض في أدائها حسب الأحداث, ولما تسفر عنه 
مجريات الأمور. وقد انتقل هذا الداء إلى كثير من البرامج اليومية, 
وغير اليومية» بحيث أصبح المشاهد على موعد مع سيل من البرامج 


-233- 


المتتالية التي تتناول الموضوعات ذاقاءوبالضيوف أنفسهم. وبالتعليقات 

على شاشات التليفزيون, ظهر هؤلاء منفلتين في إطلاق الأحكام 
العشوائية على سياسات ومواقف دول وجماعات2, بدون روية أو 
عودة إلى مصدر يحقق وينقي ويعقل. آخرون استضافوا خبراء نميمة 
برعوا في عمليات غسيل سير الناس واغتيال شخصيات لها وزن 
واحترام. 

في البرامج الحوارية أو ما يطلق عليها ««همط5 |12 تبارى 
مقدموها في استثارة المشاهد والتهجم على ضيوفهم والخروج عن 
حرفة الإعلامي المفروض حياديته, والخروج على مظهر ووقار المهنة. 
فنجد مذيعين ومذيعات حاصلين على أعلى الشاهدات الاكاديمية له 
يتورعون عن الرقص مع ضيوفهم, ولكن إذا أخذ هذا الضيف. 
موقفا معاكسا فإن نصيبه التطاول والتجرع, ثم ما يلبث الموقف 
المعاكس أن يختفي إذا أحجم الضيوف المعاكسون عن الظهور. 

لم يكتف مقدمو البرامج بذلك. بل راحوا يجرحون الدول 
الصديقة والكبرى. من دون مراعاة للحرفية واللياقة أو حتى الأدب. 

المتابع لكثير من القنوات التليفزيونية في فترة ما بعد ثورة 25 يناير 
يجد أها فقدت الهوية المميزة لهاء فلا فرق بين قناة وأخرى في تغطية 
الأحداث اليومية؛ هناك تنويعات في الأشكال؛ غير أن المضمون 
واحد؛ هناك اختلاف في مستوى الصوت وطبقته. غير أن البصمة 
الصوتية والأداء واحد؛ هناك اختلاف في ألوان الملابس والمكياج, غير 


- 234 - 


أن الميكل البرامجي واحد, وهو ما قد يصيب المشاهدين بقدر غير 
قليل من النفور. ومن عدم القدرة على الاستمرار في المشاهدة, 
والمؤكد أنه قد حدثت حالة من تكدير المزاج العام للمشاهدين212. 

وف حقيقة الأمر فإن هذا أولاً ليس "توك شو" بالمعايير المتعارف 
عليها في الإعلام على المستوى العالمي. فلا نحن نقدم شكلاً يقعرب مما 
يقدمه مضيفون مخضرمون مثل ستيف ألن وجاك بار وأوبرا وينفري 
وإد سوليفان ورش ليمبوء ولا نحن وضعنا ضوابط مهنية لهذا القالب 
من البرامج. نستطيع القول إن ما نراه الآن في مصر ليس إلا محاولة 
تجريدية أو حتى تكعيبية لتطوير مفهوم "المصطبة" الشهيرة في الريف» 
والتي كان الرئيس أنور السادات من عشاقها خلال زياراته المعكررة 
لقريته ميت أبو الكوم. 

الطريف أن برامج "التوك شو" قد بدأت في الغرب في خمسينيات 
القرن العشرين» وأخذت في التراجع والانحسار تدريجياء باستتناء 
برامج "توك شو" السهرة -ذات الطبيعة الساخرة والاسكتشات 
الكوميدية- التي يقدمها مضيفون مثل جاي لينو وديفيد ليترمان 
وجون ستيوارت وجيمي فالون. في الفترة الأخيرة,» بدأت تلك 
النوعية من البرامج تختفي من التليفزيون لتظهر على راديو الإنترنت» 
والمدونات مثل ععمءامعمعط طودد8. 

غبر أننا في مصر نتعامل مع هذه البرامج كما لو أها "اكتشاف" 
العصرء, ونفرط في استخدامها كأنها من أحدث القوالب الإعلامية في 
الراديو والتليفزيون على حد سواء. 


2 د. سامي عبدالعزيزء "ورطة" الإعلام وأزمته الحالية!» جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 6 نوفمبر 2013. 


- 235 - 


والجمهور المغلوب على أمره يتساءل: هل كُتب علينا أن نتخلص 
من تليفزيون المنوعات ومذيعات الربط وجملة "سيداي آنساي 
سادي", لندخل في عصر اللون الواحد كأنه زي المنتخب القومي؟! 

أين القوالب الأخرى؟ أين الصحافة الاستقصائية؟ أين القنوات 
الإخبارية؟ بل أين باقي محافظات مصر من تلك البرامج النائمة في 
حضن مدينة الإنتاج الإعلامي مركزة على العاصمة؛ ولا تقدم شين 
يُذكر من محافظات الدلتا والصعيد وامحافظات الساحلية إلا في 
مناسبات نادرة, ذرًا للرماد في الأعين. 

كثيرٌ من تعليقات الناس» وما تؤكده بحوث المشاهدين, تشير إلى 
أن الناس أصابتهم تخمة برامجية فأصبحوا لا يقدرون على متابعة 
وسائل الإعلام وأصيب البعض منهم بجلطة فكرية, فأصبح لا يقدر 
على تنفس الأفكار الصحيحة ولا يميز بين الغث والثمين منهاء 
وأصيب البعض منهم بغيبوية كاملة فأصبح يعيش في عالم غير العالم 
الحقيقي. وفي كل الأحوال تأثر المزاج العام للمواطنين. 

تقول تقارير المشاهدة إن نسب مشاهدة البرامج السياسية انمارت 
تماما في شاية عام 2013 لصالح برامج المنوعات ("ذا فويس" 
و"أراب أيدول"). وهو ما يدفع القبوات بشكل تلقائي إلى تقليص 
مساحات السياسة لصالح مساحات الترفيه» ولكن لا أحد يطرح 
السؤال الصحيح. هل اغيار نسب مشاهدة البرامج السياسية نتيجة 
ملل مفاجئ أصاب الجمهور, أم لانخفاض مفاجى في سقف البرامج 
السياسية, حوّها إلى برامج بلا روح, يعفّ عنها الجمهور. 


-236- 


إن عزوف الناس عن برامج "التوك شو" المسائية» كما يؤكد 
أغلب المراقبين والمتابعين للفضائيات المصرية, له أسباب عدة لا تقف 
فقط عند حدود الشعور بالملل من تكرار الكلام والوجوه والضيوف. 

ربما لا تكون العلة في "التوك شو" وإلا لما شعر الجمهور المتابع 
للاعلامي الأشهر لاري كينغ بالأسف لاعتزاله تقديم برنامجه الشهير 
"كل ليلة حيس" على قناة بعد لال بعد 6120 حلقة؛ بالعكس, 
طالبه الجمهور بالاستمرار أيا كانت الوسيلة؛ تليفزيونية أو إذاعية. 

ونحن نرجح أن العلة تكمن في الطريقة التي دخل بها "التوك شو" 
مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية وخرج منها في صيغة مبهمة ومرتبكة 
أصابت الناس بالاستقطاب والملل واليأس والبلادة خصوصا بعد 
ثورة 25 يناير التي انتعش بعدها سوق "التوك شو "في مصر. رغم أن 
المستفيدين من هذا الانتعاش خصصوا برانجهم لاحقفًا للانقضاض 
على الميدان» معظمهم طبع وليس جميعهم. 

إن هناك شروطما وقواعد مهدية مستقرة لبرامج "التوك شو" إذا 
خرج القائمون على البرامج عنها صار من الممكن تصنيف ما يقدمونه 
باعتباره بأنه كلام فارغ دون تجن. 

في الدول المتقدمة, متوسط مدة أشهر برامج التوك شو هو أقل 
من 60 دقيقة؛ لأنهم يعتبرون أن وقت الجمهور من ذهب. 
هناك برامج يتزل فيها موسيقى الختام وأسماء فريق العمل؛ في حين أن 

-237- 


الضيف يحاول استكمال عبارات يريد أن يلقيها على المشاهدين» 
والمذيع غبر قادر على منعه من الاستمرار. 

يضاف للفقرة السابقة أنه لا يوجد التزام بحد أقصى للفاصل 
الإعلابي» ما يدفع بعض المشاهدين لمشاهدة الفقرات المهمة عبر 
يوتيوب فقط حفاظا على أعمارهم؛ والمتعارف عليه نظريً أن 
مدة الفاصل الإعلابي تتراوح ما بين 3- 5 دقائق كل نصف ساعة 
بث تليفزيوي؛ على أن ترتفع أسعار الإعلانات كلما زادت الإقبال 
على البرنامج لضمان عدم زيادة المدة الزمنية للفاصل الإعلاي؛ لكن 
ما يحدث أن الواقفين في غرفة التحكم. يتلقون المدد الزمنية 
للإعلانات دون إنذار مسبقء ما يؤدي في أغلب الأحوال لعدم تقديم 
المضمون المتفق عليه مسبقا كما هو هذا إذا كان هناك أصلا 
مضمون متفق عليه بالمعنى الاحترافي للتعبير. 

أيضاً في الدول التي يتابع مشاهدوها برامج "التوك شو" هناك 
مدة متعارف عليها للتقرير التليفزيويء والمداخلة الحاتفية» لا تزيد في 
الأغلب عن 3 دقائق. 

هناء يمكن أن يستمر الاتصال لنصف ساعة وأكثر. حتى إن 
المشاهد يدسى من كانوا ضيوفسًا في الاستوديو, لا يوجد الترام بأي 
قاعدة تتعلق بالوقت أو بأسلوب محدد لسيناريو البرنامج. لا أعمم 
بالتأكيد. فهناك استثناءات؛ لكن حتى هذه الاستثناءات أحيانًا تحت 
الضغوط تتخلى عن القواعد التي يلتزم يما فريق العمل. 

الأمر نفسه ينطبق على المدد المخصصة للحوار مع الضيوف؛ في 

- 238- 


"التوك شو" الحقيقي معظم الحوارات لا تزيد عن 25 دقيقة, ما عدا 
حالات خاصة يمتد فيها الحوار إلى 50 دقيقة. الأسئلة مكتوبة بعناية, 
والضيف يجيب على السؤال» وليس على ما يريد قوله. 

يرتبط بغياب القاعدة الأخيرة في برامج "التوك شو" المصرية 
الكثير من المخالفات المهنية الأخرى. حيث يحق لضيوف المدللين من 
المذيعين, ال هجوم على أي شخصيات دون التزام بآداب الحوارء ويحق 
لهم تحديد من يجري مداخلات هاتفية؛ أو منعها لو أرادواء ويحق لهم 
بث ونشر أي أرقام أو وثائق يفاجأ بما المذيع الذي لا يقوم عادة بدور 
محامي المشاهدين إلا لو كان استدعى الضيف للهجوم عليه . 


في برامج "التوك شو" في مصرء هناك ضيوف يعلم القائمون على 
البرامج مدى مخالفتهم للقواعد ومع ذلك يكون مبرر استضافتهم أنهم 
يجذبون المشاهد. هذا التعبير الغامض واللملتبس لا يتحدثون عن 
المضمون والجودة وإنها يركز على تحقيق نسبة مشاهدة مرتفعة؛ أينًا 
كانت الوسيلة213. 

باختصار يمكن تبسيط طريقة اختيار الضيوف للظهور في برامج 
"التوك شو", باستخدام نموذج "حوض السمك". فكل أطقم البرامج 
يقفون أمام حوض سمك لا يجدد إلا نادراء بالتالي تتشابه الأمماء / 
الأسماك, التي تظهر على الشاشة ثم تعود مرة أخرى للحوض انتظارًا 
لمهمة جديدة. 


3 محمد عبدالرحمن» قل هري شو .. ولا تقل توك شو جريدة "الأخبار", بيروت؛ 19 هايو 2014. 


239.5 


أخيرًا لونرامج القاوات "اللتزعة عادر مهنية روشياهة” عريرية 
واضحة, لا يتكلم المذيع للكاميرا إلا في إطار ضيق ومحدد مهنيب 
وزمنياء ويكون هدفه التمهيد للحوارء أو الربط بين فقرة وأخرى, 
والكلام يكون مكتوبا قبل التصوير وليس مرسلاً حسب ظروف 
كل حلقة. 

هنا تتراوح فترة توجه المذيع أو مقدم البرنامج بالكلام للجمهور 
مباشرة, ما بين 5 إلى 45 دقيقة على الأقل» سواء في فقرات متصلة, 
أو عبر إفماء وافتتاح فقرات البرنامج بكلام مرسل من المذيع؛ والجميع 
يتكلم بدون حوار مكتوب مسبقساء وهو ما يساهم في زيادة 
المعلومات الخاطئة أو الشحن في اتجاه غير صحيح, والكلام الذي 
يصدر من المذيع أمام الملايين ثم يظهر عدم دقته لا يمكن استعادته مرة 
أخرى من أذهان الجمهور. 

كل ما سبق لا يعني أن "التوك شو" سيستمر طويلاً في مصر. 
هناك حالة رفض جماهيرية رصدقا القوات المصرية بالفعل ويتكلمون 
عنها في الكواليسء لكن الأمر مرتبط بالقدرة أولاً على الالتزام 
بالمعايير المهنية المتعارف عليها دولياء والاهتمام بتحويل التليفزيون 
إلى صندوق للرؤية لا أن يكون توأما سيامي للراديو» حيث 
الكلام هو البطل والصورة غائبة. 

من الهم أيضا التخلص من الوجوه المكررة التي ترفض 
التجديد؛ وحتى لو جددت والترمت بقواعد "التوك شو". فاستعادة 
المصداقية ليست بالأمر الهين. 


- 240 - 


الامر مرتبط أيضا بالرغبة في طرح وجوه جديدة, تدربت 
بالفعل على العمل الإعلامي وتعرف القواعد المهنية جيدًاء ومهمتها 
بناء شعبية من المضمون المقدم على الشاشة لا من الأداء الارتجالي 
للمذيع نفسه. هنا ستجبر المنافسة الجميع على بذل مجهود أكبر في 
استعادة الجمهور مرة أخرى. حتى ذلك الحين, الكرة كالعادة في 
ملعب المشاهدين, الذين يجب أن يتوقفوا عن الجلوس مسحورين أمام 
الشاشات, دون أن يصنفوا المعروضء هل هو "توك شو" أم شيء 
آخرا! 

الدعوات لإصلاح المشهد التليفزيوي انطلقت حتى من القنوات 
الخاصة؛ إذ يرى محمد هابيء نائب رئيس مجلس إدارة قنوات "سي بي 
سي"", أن "هناك حاجة إلى إصلاح حقيقي للإعلام بشكل شاملء وأن 
تكون هناك ثورة حقيقية والثورة لا تعني "الميصة", ولكن لا بدّ من 
نظرة إلى أدق التفاصيل مثل نوع الوجوه التي تظهر على الشاشة 
والخطاب المقدم". ويشير هاب إلى أن العاملين ني الإعلام "لا بد أن 
يكون لديهم الشجاعة في أن يواجهوا أنفسهم. وأن يكون هناك 
إصلاح من الداخل"214. 

غير أننا لم نر حتى الآن ما يؤكد جدية الإصلاح وإعادة ترثيب 
البيت من الداخل في الإعلام المرئي المصري. 

إن برامج "التوك شو" في مصر لم تكتف بأن تكون “التطور 
الطبيعي للحاجة الساقعة". فتستغني من الأصل عن الجمهور -ربما 


4 محمد هاب ل"التحرير": "الإعلام المحايد" وهم, جريدة 'التحرير" القاهرة. 21 نوفمبر 2014. 


- 241- 


باستثناء برنامج باسم يوسف قبل توقفه- أو تتحدث بلغة عربية 
رصينة مفهومة للمشاهد العربي -مثلما يفعل يسري فودة قبل توقفه- 
أو تقدم الخبر دون توابل انفعالات وآراء شخصية -كما يفعل 
شريف عامر- وإنما قدمت وصفة المضيف المتحدث مباشرة إلى 
الكاميرا بطريقة خطابية أو لجلجة تجعلك تحار أحيانًا في المعنى 
المقصود. لا عجب إذا أن يجد بعض رسامي الكاريكاتير والرسوم 
المتحركة في أمثال هؤلاء وجبة دسمة تستحق تسجيلها وتجسيدها في 
أعمال فنية. 

في برامج "توك شو" السهرة في أميركا مثلاء قد يستهل المضيف 
حلقته بحديث مونولوج -عادة ما يكون ساخرًا- ثم يشرع في 
استضافة ضيوفه واحدًا بعد الآخر أو على شكل مجموعة. نادرًا ما 
تكون السياسة هي المخورء لكن هذه البرامج تستضيف رؤساء دول 
وشخصيات عامة ونجوما من العيار الثقيل» لتتحدث عن جوانب 
جديدة وخفية من حياقم ونشاطهم الإنسابي أو الخيري. 

وإذا كانت برامج "التوك شو" التليفزيونية في أميركا تستضيف 
عادة مشاهير لتناول أحدث أعماهم أو أنشطتهم أو الحديث عن 
حياقهم الشخصية, وتلك التي في اليابان تنظم جلسات حوار تُدعى 
"توكو بانغومي" في أوقات الذروة في القنوات الرئيسية الأربع هناك, 
ويشارك فيها عدد من الكوميديانات والمشاهير.. فإننا في مصر اخترنا 
أن يكون مضيفو تلك البرامج, ومعظمهم رؤساء تحرير صحف 
حاليون أو سابقون أو من رموز إعلام غابر -إلا من رحم ربي- ممن 


- 242- 


لا بمتلكون خبرات حقيقية في عالم التليفزيون, فلا هم يعرفون الكثير 
عن التصوير أو المونتاج أو باقي تفاصيل هذا العمل. هم فقط جلسوا 
على الطاولة إياها وتحدثوا. بعضهم أجاد, وكثير منهم وقعوا في الفخ 
فأطلقوا أحكاما غير مهنية» ورددوا معلومات سرعان ما يتبين عدم 
صحتها أو دقتهاء مع بروز مثال الصحفي/الناشط السياسي الذي 
يخلط بين دوره المهني في استقصاء الأخبار والمعلومات أو ما يعتقد أنه 
يشكل الحقائق النسبية في موضوعه وبين دوره التنظيمي أو السياسي. 

وني هذا السياق» يرصد الباحث القدير نبيل عبدالفتاح حالة من 
السيولة والإثارة والاستعراضات السياسية واللفظية والمرئية في برامج 
الحوار السجاليةء وانتشار ظاهرة المحاكمات الموازية التي يجريها 
الإعلام وبعض أهله والبرامج الحوارية والأحرى السجالية الصاخبة 
على بعض الفضائيات» ما تسبب في إثارة بعض شرائح الرأي العام, 
وأهالي المجني عليهم ضد قضاء الدولة وقضاقاء على نحو أدى إلى 
زعزعة الثقة في الجماعة القضائية» وكيل الاقامات القاسية إلى بعض 
القضاة215. 

لقد جاءت مرحلة. من مراحل عدة في السنوات الثلاث التالية 
لثورة 25 يناير» انتشرت فيها برامج الكلام كما ينتشر الفطر البري 
المعروف باسم "الكما" أو "الفقع" في مطلع الربيع. غذت تلك 
البرامج واقع الاستقطاب الرهيب الذي أصاب امجتمع السياسي في 
مصر. هذا الاستقطاب دفع إلى الواجهة الإعلامية بالحريصين عمدًا 


5 نبيل عبدالفتاح, النخبة والثورة: الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية, دار العين؛ القاهرة» 2013. 


- 243 - 


على نسف أسس الثورة وبالمنبهرين والعائدين والساخطين والمنافقين. 
بعض هؤلاء جاء مستعدًا لمرحلة إعلامية جديدة انتقل خلالها بقدرة 
قادر عظيم من كلام الثورة والدبمقراطية والحريات والكرامة وحقوق 
الإنسان. ومن كلام العبادة والتدين والخلافة الإسلامية والدولة 
الدينية إلى كلام بعضه أيضا في العبادة. ولكن هذه المرة» عبادة 
الفرد216. 

لقد دخل المئات إلى مهنة الإعلام من بوابة "مذيع برامج". 
ومعظمهم غير مؤهل علميا أو ثقاففاء وبعضهم لا يتحلى بدرجة 
الرشد والأهلية الاجتماعية الملائمة لوظيفة تتطلب ممن يشغلها أن 
يتصل بالناس» فضلاً عن أن يكون حارس على بوابتهم الإعلامية, 
في مجتمع يكاد يكون نصفه من الأميين. 

وبعيدًا عن فئة قليلة ومميزة من المذيعين الدارسين والجادين 
والموهوبين موهبة حقيقية» هناك عشرات من التحقوا يذه المهنة وهم 
أبعد ما يكون عن متطلباتها وأخلاقياها ومعاييرها ومهاراهًا. 

ولأن بعض وسائل الإعلام المصرية لا تدار بطريقة مؤسسية ولا 
قم وزيا للمعايير المهنية أو لا تدركها في الأساس, فإن كثيرين من 
أصحاب الأداء المشوه والممسوخ باتوا عويت للأسف؛ لأن القائمين 


على القنوات التي يعملون يما لا يدركون الفارق بين أن تكون 
مذيعا أو ممثلاً هزليا أو بلطجيسً في حارة217. 


6 ميل مطرء برامج الكلام. جريدة "الشروق". القاهرة؛ 5 مارس 2014. 
7 ياسر عبدالعزيز اشتغل مذيعساء جريدة “المصري اليوم", القاهرة» 29 يناير 2013. 


- 244 - 


يتحمل الجمهور أيضا مسؤولية كبيرة عن تفاقم تلك الظاهرة؛ 
إذ يشجع قطاع من المشاهدين والمستمعين الممارسات الحادة والشاذة 
الي تصدر عن بعض المذيعين, بل وتتم مكافأة هؤلاء المذيعين أيضا 
بأن يزيد الإقبال على مشاهدقم أو الاستماع إليهم كلما خرجوا عن 
المألوف أو بالغوا في إهانة المعايير المهنية أو تلفظوا بالعبارات المبتذلة 
أو اصطنعوا المعارك الوهمية. 

غير أن ما يعنينا هنا هو أن التجارب تنبت مرة بعد أخرى أن هذا 
الإعلام القائم على "التوك شو" لا يؤمن بحرية التعبير أو تعدد الآراء. 
بقدر ما يهدف إلى ضمان مصالح معينة لأصحاب امال والأعمال 
الذين بمولون هذه البرامج وتلك القبوات. 

تأمل ما جرى حين حاول باسم يوسف, مقدم برنامج "البرنامج" 
على قناة "سي بي سي" أن ينتقد في حلقته الأولى -بعد غياب 
طويل- المزايدات في الإعلام والسياسة بعد ثورة 30 يونيو. 

في الجزء الأول من تلك الحلقة؛ قال باسم إن المصريين مختلفون 
حول تسمية ما حدث في 30 يونيو "انقلاب أم ثورة". ولخص 
الأحداث في فقرة جاء فيها: "سنة كفاية» سسحقهم, شرعية شرعية, 
حرس جمهوري, الإخوان بيقتلوا بعض؛ الجيش اللي بيموت بعضه. 
عجبك اللي حصل في رابعة, ترحيلات أبو زعبل, انقلاب ثورة, 
انقلاب ثورة, مصر تحارب الإرهاب, مرسي راجع. ضرب في سيناءء 
آر بي جي في المعادي. يستاهلوا الحرق. شكلك إخوان؛. مصر أم 
الدنيا وهتبقى قد الدنياء تسلم الأيادي, رابعة رمز الصمود, اللي 


- 245 - 


ماتوا ملهمش ذنب وبتوع الجيش يعني اللي ليهم ذنبء قمع الداخلية 
رجع تابيء بكرة تشوفوا مصر, إنت مع مين: لازم أبقى مع حد, يا 
خاين يا عميل يا إرهابي". 

وعرض باسم يوسف أغنية "بعد الثورة جالنا رئيس", وجاءت 
كلمات الأغنية كالآيَ: "بعد الثورة جالنا رئيس.. كان مفكرنا 
قراطيس.. جاء بالصندوق وسبناه يسوق عشان عايزين مالبهضة 
ندوق.. والرئيس طلع كداب.. والنهضة كانت فكرة هباب.. خوّف 
شعبه بالإرهاب.. ساق في غباوته ولم جماعته ولبسنا في الشلة بتاعته.. 
والشعب قرر ينور.. ياخد جماعته ويغور.. مش عايزين إخوان برمه 
©0. حارب الشعب فتزل الشعب حرق للشعب وكمل لعب.. 
والسيسي طرقع بيان قرر ي... الإخوان.. قاله معاك يومين كمان.. 
قاله أحيه. . بتعمل كده ليه.. معايا شرعية تمشيني ليه. . السيسي لعبها 
صح.. الإخوان ابتدوا بالدح.. حسوا إن الكرسي بح.. اعتصموا في 
رابعة وهفضة وجيزة والهتافات كانت لذيذة.. أحيه أحيه بتعمل كده 
ليه معايا شرعية تمشيني ليه.. والسلطة بدأت تضيع.. قفشوا خيرت 
وبديع.. صفوت اللي طلع فظيع.. عمل سكسوكة هرب في فلوكة.. 
كان ناقص يلبس باروكة. اعتصموا في رابعة وففضة وجيزة والحتافات 
كانت لذيذة.. والإعلام ماسابش حد لو قلت رأيك تتشد.. تبقى 
إرهابي وتتمد.. تبقى إخوان وعميل وجبان.. وكمان مسنود من 
الأمريكان". 

وفي الجزء الثابي عرض باسم فقرة عن مدى معرفة المصريين 


- 246 - 


بالرئيس المؤقت عدلي منصورء وطرح معلومات عنه. كما تناول 
بشكل ساخر تعظيم المصريين وعدد من وسائل الإعلام للفريق أول 
عبدالفتاح السيسي وزير الدفاع. 

قامت قيامة البعض, وتقدم كثيرون ببلاغات إلى النائب العام 
ضده. واقموه ب"العمل على إشاعة الفوضى في البلاد وإثارة الفتنة 
وقهديد الأمن والسلم الاجتماعي"218. كان الحجوم ثلائيا من 
الإخوان المسلمين وحلفائهم؛ وفلول نظام مبارك وبقايا عصره. وعدد 
من النخبة الفاسدة التي لا تعرف أن تعيش وتكير الأموال والمناصب 
إلا في كنف نظام استبدادي يقدمون له فروض الطاعة والولاء. 
اجتمع مُريدو هذا الثلاثي القبيح على كلمة غير سواء تمثلت في 
هجوم عنيف لا يخلو بعضه من بذاءة ضد البرنامج ومقدمه219. 

كل جرعة باسم يوسف هي أنه استكمل مشوار لفت النظر إلى 
السلبيات والثغرات, التي أوصلتنا إلى ما نحن عليه؛ إلا أن السابحين في 
العمق من أصحاب المصالح في النظام القديم -ومنهم رجال المال 
ورجال العمل في الدولاب القديم ومنهم رجال مؤسسات أمنية 
وتيارات رجعية- كل هؤلاء دخلوا من بوابة 30 يونيو بغرض 


8 أحمد شلبي, النائب العام يأمر بفتح تحقيق مع باسم يوسف, جريدة “المصري اليوم", القاهرة,» 29 أكتوبر 
3. 

9 د. طارق الغزالي حرب؛ وكشف "البرنامج” حلف أعداء الديمقراطية: الإخوان والفلول والفاسدين!؛ جريدة 
“المصري اليوم"؛ القاهرة» 4 نوفمبر 2013. 


- 247 م 


الخلاص من الفاشية الثيوقراطية التي هددت مصالحهم ومصالح كل 
الناس. 1 

رأى هذا الحلف الجديد أن انحياز القوات المسلحة بقيادة 
عبدالفتاح السيسي لفورة 30 يونيو فرصة لكي يسلكوا طريق دعم 
نفوذ هذا الحلف. وتثبيت مصالحهم, وإعادة الأمر إلى ما كان عليه 
من سلطة تزاوج المال, وعودة الدولة القمعية الأمنية. عندها اصطنعوا 
المعارك التي تجعل من القوات المسلحة وقيادهًا مادة للاستقطاب 
وليس للإجماع كما كانت» وتشكل على الأرض فريقا "كمل جميلك” 
و'السيسي رئيسي" و"مش بمزاجك" وغيرها من التشكيلات التي 
دخلت صراعا مع بعض قوى ثورة 25 يناير220. 

ظهر ذلك بوضوح أمام مسرح راديو عندما رَُفعَت صورة 
السيسي في مواجهة صور باسم يوسف؛ وهذا ما كان يريده الخلف 
الجديد القديم الذي دخل على النورة في 30 يونيو. أراد أن يحتمي 
بالقوة الخشنة التي تثبت تغبت أفا الظهير المدافع والمساند للثورة» وهو 
القادر على الإنجاز ل لحظات الصراع الفاصلة في طريق تحقيق 
أهداف الثورة. حدثت هذه المزايدات رغم أن السيسي وقف مع 
المؤسسة العسكرية على مسافة واضحة من هذا الاستقطاب 5 

هكذا تعرض باسم يوسف هجوم من الكاتب الصحفي مصطفى 


بكري, الذي تقدم مدافعً ومنافحسًا عن المؤسسة العسكرية 
واهمته فئانة مثل غادة عبدالرازق بإيذاء مشاعرها وخدش حيائها. 


0 أمين اسكندرء أراجوز وهمصر هيدان, جريدة "المصري اليوم", القاهرة. 5 نوفمير 2013. 


- 248- 


وقال اللواء سامح سيف اليزل, الخبير العسكري, إن ما شاهده في 
الحلقة "يعد هجوما مباشرًا على القائد العام (للقوات المسلحة, 
السيسي)» يصب في صالح جماعة الإخوان ومن يساندهاء كما أنه 
يسيء إلى 30 يونيو"221. 

كان بيان قناة "سي بي سي" -التي تولت في تلك الفترة عرض 
"البرنامج" بشكل حصري- تعبيرًا عن رعشة هذا الحلف من صوت 
لاهب يجسده باسم يوسف. الغريب أهم لم يتحملوا سوى حلقة 
واحدة رغم أن مرسي وجماعته تحملوا عاما كاملاء رغم ما نعرفه 
عنهم من ضيق الأفق والتعصب في الرأي. 

نأت القئاة بنفسها عن باسم يوسف., وأصدرت بياقا قرأته 
ميس الحديدي؛ تضمن رفض مجلس إدارة قنوات "سي بي سي" لبعض 
ما جاء في الحلقة الأولى من "البرنامج". حيث أعلن أن الشبكة تابعت 
ردود الفعل لشعبية على الحلقة الأخيرة من البرنامج, والتي جاءت في 
معظمها رافضة لبعض ما جاء في الحلقة. وأكد مجلس إدارة القناة أنه 
سيظل داعم لغوابت الشعور الوطني العام ولإرادة الشعب 
المصري, مشيرًا إلى أن الإدارة ترفض استخدام أية ألفاظ أو إيحاءات 
أو مشاهد تؤدي إلى الاستهزاء بمشاعر الشعب المصري أو رموز 
دولته222. 





1 ذاليا عثمان وأكرم عبدالرحيم وباهي حسن ومعتز ناديء"باسم" يفجّر المعارك ب"الحديث عن الجيش") 
جريدة “المصري اليوم", القاهرة؛ 27 أكتوبر 2013. 

2 أحمد الريدي؛ قناة "86" تعتذر عن "إيحاءات" برنامج باسم يوسفء موقع “العربية نت" الإلكتروي» 27 
أكتوبر 2013. 


- 249- 


انتهى الأمر بأن قرر مجلس إدارة القناة إيقاف إذاءة الحلقة الثانية 
من الموسم الثاني لبرنامج "البرنامج"؛ "لين حل المشكلات الفنية 
والتجارية" مع منتج البرنامج ومقدمه. باسم يوسف. 

وأصدرت القئاة بيانًا قرأه هذه المرة خيري رمضان, وجاء فيه 
أنه "تأكيدًا على ما جاء بالبيان الصادر من مجلس الإدارة يوم السبت 
6- 10- 2013 بخصوص الحلقة الأخيرة من برنامج "البرنامج" 
والتي تمت إذاعتها بتاريخ 25- 10- 2)2013 وحيث إننا فوجئنا 
باختوى الإعلامي المسلم لإدارة القناة.بحلقة اليوم للبرنامج والذي 
يخالف ما ورد ببياننا الصادرء ما يعني استمرار إصرار منتج البرنامج 
ومقدمه الدكتور باسم يوسف على عدم الالترام بالسياسة التحريرية 
للقبوات والواردة ضمن وثائق العقد الموقع بيننا مع منتج البرنامج 
ومقدمه وبعد ردود الفعل الشعبية الغاضبة, رغم أننا وفور إذاعة 
الحلقة الأخيرة قد لفسا انتباه منتج البرنامج ومقدمه بضرورة الالتزام 
بما جاء بالبيان الصادر بتاريخ 26- 10- 2013, يُضاف إلى ذلك 
عدم الترام منتج "البرنامج" بتسليم أعداد الحلقات المتفق عليها رغم 
استلامه مستحاقته المالية وإصراره على الحصول على مبالغ إضافية 
لإنتاج حلقات جديدة., ما يمثل إخلالا في العقد المبرم بينناء وعليه 
تقرر وقف البرنامج ولحين حل المشكلات الفنية والتجارية مع منتج 
ومقدم البرنامج» وعلى الله فليتوكل المؤمنون. رئيس شبكة قنوات 
سي بي سي - مهندس (محمد الأمين)"223. 


3 محمد عاشور إدارة '68)0" تقرر وقف "البرنامج" بعد إخلال باسم يوسف بشروط التعاقدء موقع "بوابة 
الوطن" الالكترويء 1 نوفمير 2013. 


- 250- 





بدا القرار توعسا هن العام وفنيا هابطً أنتجته مجموعة من 
المزايدين وأصحاب المصالح, ثمن يسيطرون على سوق الإعلام الخاص 
في مصر. إن حرية التعبير هي أم الحريات, إذا اقتصرت على من نتفق 
معهم فهي شعار أجوف. والشجاعة هي في الدفاع عنها وليست في 
قمعها. 

حصد البيان سخط محبي "البرنامج" الذين شنوا هجوم حادًا 
على القناة ترجموه إلى آلاف التغريدات التي تدعمه وتتضامن معه على 
توبتر» وعشرات الصفحات التي تطالب بمقاطعة القناة على فيسبوك, 
وني المقابل حصد باسم يوسف مزيدًا من الإعجاب, وأغنية سريعة من 
فريق "تاكسي باند" كتبها وخْنها مادو تحمل عنوان "باسم يوسف 
فين؟"2 تقول كلماهًا "واحد اتنين.. باسم يوسف فين؟ وقفوله 
البرنامج علشان بيقول إيحاءات, مش ذه أيام مرسي, كان ماشي على 
هواك, قالوا عليه خاين.. وعميل للأمريكان» كان مكن ليكو يطبل.. 
لو كان فعلاً جبان.. ياما فضح الفساد.. لو ناسيين اللي فات ومخافش 
على نفسه.. واسألوا مرتضى سيديهات"224. 

باسم يوسف كان نافذة مهمة لكثير من الناس. لم يكن برنايجه 
منشورًا أيديولوجياء أو نشرة حزبية معارضة:؛ وإنما كان متنفسا 
للمعارضين بل ولبعض المؤيدين ولحرب الكنبة. كي يروا أمور حياقم 
وطريقة السلطة في حُكمهم بطريقة ساخرة. 

منْع "البرنامج" كان كاشفا لأزمة كبيرة في الإعلام المصري. 
أزمة موروثة من بنية نظام يرى في الإعلام أداة ترويض للشعب, 
وترويج للثقافة السائدة. 


4 خنيدة أبو *ميلة, أزهة باسم يوسف و"686".. أين الحقيقة؟: موقع "التحرير" الإلكترويء 3 نوفمير 2013. 


-251 ه 


مكان الإعلام لم يتغير وكان إرشادًا مع النظام الاشتراكي (أو مع 
رأسمالية الدولة...),» وحساسا للاقتراب من الخط الأ“مر لمبارك 
وزمرته عندما دخلنا عصر (السماوات المفتوحة). النظرة واحدة, 
الإعلام كتلة واحدة يديرها تملوك خاص في السلطة (يفهم طبيعة 
المرحلة, من عبدالقادر حاتم إلى صفوت الشريف وانتهاء بأقلّهم 
إدراكا أنس الفقي) ويتابعها مندوبون للسلطة (ضباط» رؤساء 
تحرير. أصحاب محطات تليفزيونية)225. 

قبل أن تبدأ الألفية الثالثة, تغير شكل ملكية الإعلام, في ظل 
هجمة من جانب رجال الأعمال يمدف امعلاك أو إصدار وسيلة 
إعلام» سواء أكانت مرئية أو مطبوعة, ومن ذلك القنوات الخاصة 
"دريم"226 (2001).: و"اغخور"227 (2002), و"الحياة"228 (2008). 


5 وائل عبدالفتاح, ليس مجرد نفاق عادي, موقع “التحرير" الإلكتروي؛ 4 نوفمير 2013. 

6 قرر أحمد بمجت إنشاء قناة "دريم" الفضائية؛ من منطلق دفعة سنوي نحو 40 مليون جيه إعلانات في 
التليفزيون المصري والفضانيات؛ فقرر استثمار هذا المبلغ في إنشاء المحطة لكي تغطي تكلفة الإعلانات على "دريم" أول 
قناة فضائية مصرية خاصة في 2001 برأسمال يبلغ تقريينا 40 مليون جنيه مصري. وهو موزع بين اتحاد الإذاعة 
والتليفزيون المصري بحصة تبلغ 610 أي 4 ملايين جنيه. ورجل الأعمال أ“قد شمجت بنسبة 9/090, الباقية أي 36 
مليون جنيه. 

7 تأمسست المحور كثابي قناة فضائية مصرية: وذلك في هيئة شركة مساهمة برأسمال مدفوع بالكامل» قيمته 
5 مليون دولارء مقسمة على كل من: أحمد معروف بنسبة 9.25 أي تقريي 1.305 مليون دولار “باع 
حصته". راتحاد الإذاعة والتليفزيون بنسبة 905 أي تقريا 705.775 ألف دولار. والشركة المصرية للأقمار 
الصناعية "نايل سات" بنسبة 9704.66 أي 658 ألف دولارء ومدينة الإنتاج الإعلامي بنسبة 903.02 أي 


252:2 


وشارك رجل الأعمال أحمد عرز أمين التنظيم بالحزب الوطني 
الدبمقراطي -حينذاك- في شركة "البيت بيتك" بحصة حاكمة 
(9/051)» في إطار اتفاق لتأسيس محطة تليفزيونية فضائية جديدة باسم 
"البيت بيتك"229. 

وربما يعود ذلك -فضلاً عن أهداف تجارية واستثمارية- إلى 
الشعور بقوة وتأثير وسائل الإعلام وقدرقا على التأثير في الرأي 
العام خصوصا عندما يتعلق الأمر بقضايا رجال الأعمال. وعلى 
حد تعبير د. أحتمد يمجت فإن "لمالك يتدخل في الإعلام ويبقى عبيط 
إذا لم يتدخل”"230. ويقول محمد حسنين هيكل: "كل من يسمي نفسه 
رجل أعمال يسعى أو سيسعى لامتلاك جريدة. ومن لديه جريدة 
سيسعى لامتلاك قناة تليفزيونية. وربما يجمع بين الجريدة والقناة في 


3 ألف دولارء ومجموعة سما *“حسن راتب وآخرون" بنسبة 9078.07 أي 11.019 مليون دولار "ارتفعت 


إلى ها يزيد على 9/080". 


8 يمتلك "الحياة" عدد من رجال الأعمال, ويتولى رئاسة مجلس إدارقًا رجل الأعمال السيد البدوي شحاتة, 
عضو اليئة العليا للحزب الوفدء ورئيس شعبة صناعة الدواء باتحاد الصناعات. تم توجيه هيزانية ضخمة؛ تصل إلى 70 
مليون جنيه؛ يوضع ثلث الميزانية (25 مليونا) في إنتاج البرامج الخاصة بالقناة و15 مليون جنيه لشراء أفلام سيئمائية 
جديدة, و20 مليونا لشؤون القناة الهندسية و5 هلايين جنيه للبرامج الرياضية وحدهاء بالإضافة إلى تكلفة 
الاستوديوهين. تشير التقارير إلى أن د. السيد البدوي يساهم ب 50 مليون جنيه من ماله لإطلاق قنوات "الحياة". 

9 منال لاشين؛ عز ينافس تليفزيون أنس الفقي بنجوم الإعلام الخاص, جريدة "الفجر" القاهرة, 6 سبتمير 
0,: ص 2. 

0 نعمان الزياي وزينب إبراهيم ومحمود عبدالعظيم, أحمد يمجت في حوار العمر: قناة دريم قنبلة ذرية» مجلة 
"الأهرام الاقتصادي" القاهرة» 14 سبتمير 2009. 


ب 253 


وقت واحد. وهذا وضع ستكون له توابعه الكثيرة. وال هدف من كل 
هذه الإصدارات أن تكون الصحف والقنوات التليفزيونية منابر 
للدفاع عنهم والعرويج لفكرهم. وتطويع اجتمع لما يريدونه. وأنا 
دهشتي كبيرة من أحوال رجال الأعمال في مصر"231. 

يمكن القول إن كثر ما بميز تجربة رأس المال الخاص العامل في مجال 
الإعلام في مصرء هو عدم وجود رأسهال متخصص في النشاط 
الإعلامي2 وإغا يأب التوجه للاستثمار في المجال الإعلامي غالبا 
كمكمل لإمبراطور اقتصادية متعددة النشاطات, لكي يخدم مصالحها 
ويعبر عنهاء كما يُلاحظ أن ثمة اتجاها من قبل مولي الإعلام الخاص 
إلى إنشاء ما بمكن وصفه بأنه "لوبي" الإعلام الخاص؛ للمحافظة على 
مكتسبات معينة232. 

ف أروقة الإعلام ومسرح الأحداث ف مصر اختلط الترقب 
بالخوف؛ إذ إن انفتاح شهية أصحاب الثروة في استثمار أموالهم في 
صناعة الإعلام, أدخل معايير جديدة جعلت للمكاسب والأرباح قيمة 
تعلو في بعض الأحيان على القيم المهنية وعلى مبادئ حرية الرأي 
والتعبير233. 


1 يوسف القعيد. جلسة مع الأستاذ في عيد ميلاده ال85. جريدة “الدستور الأسبوعي". القاهرة. 26 
سبتمير 2008. 

2 رانيا مكرم, مصدر سابق. ص 7. 

3 سلامة أحمد سلامة. رأس الذنب الطائر!ء جريدة "الشروق", القاهرة» 11 أكتوبر 2010. 


- 254 - 


لكن الإعلام بقي أداة في يد الدولة وأجهزقا المختلفة. ظل 
للسلطة مفتاح في باب كل وسيلة إعلام» وكان هذا شرط 
الاستمرار. كان الربموت كونترول في أمن الدولة, حيث كاد الضباط 
أن يتحولوا إلى معلدّين لبرامج التوك شو بماء يديرون أو يتحكمون في 
إيقاع الغضب والطاعة234. 

ومع انتقال ملكية الحكومة إلى القنوات الخاصة, فإنه كان انتقالاً 
تحت السيطرة؛ لأنه وضع شرطا في الملكية يضمن فلترة» وثقة إلى 
حدود أن أصحاب المحطات كانوا موظفين عند حاشية مبارك؛ أو من 
النوع الذي يسمى رجال أعمال وهو مجرد شخص حصل على 
تصريح بجمع الثروات من مبارك؛ يعرف أنه ولي نعمته. 

ويلفت البعض الانتباه إلى ضعف مناعة رجال الأعمال أمام 
السلطة وضغوطها السياسية والاقتصادية؛ إذ يقول حمدي قنديل: "لا 
يعرف أحد في هذا البلد من أين تأ الأوامر العلياء سواء كان الأمر 
يتعلق بالتليفزيون أم بغيره, والأرجح أن هناك دوائر عليا متعددة لكل 
منها مصالحها وتقديراقاء ولكل منها وزنما أيضاء وإذا كنت 
صاحب قناة فضائية فعليك أن تستكشف الطريق الأكثر أمانا في 
هذه الغابة متعددة المسالك الحاشدة بالوحوش المتنمرة. أما إذا كانت 


4 وائل عبدالفتاح, ليس مجرد نفاق عادي؛ مصدر سابق. 


- 255 - 


لديك أعمالك الخاصة فلا بد أن تكون أكثر حذرًا وحرصا حتى 
تحمي أموالك وقنواتك معا"235. 

تجلت تلك العلاقة الوطيدة بين رجال الأعمال -من مالكي 
القنوات التليفزيونية الخاصة- والسلطة في سلسلة حوارات صحفية, 
قال فيها أحمد يمجت: "يعني لو جالي تليفون قال إقفل قناة "دريم" 
هاعمل إيه؟ هأقفل قناة "دريم".. هنقدر نعمل إيه.. هنحارب الدولة؟ 
ما نقدرش"236. وحين سئل عما إذا كان قد فكر يومنا في التخلص 
من القئاة بسبب المشكلات التي تسببها له بعض برامجها رد قائلاً: 
"مرتين» كنت عايز أقفلها, مرة بعد حديث الأستاذ هيكل في الجامعة 
الأميركية, وبعد حاجة تانية حصلت من فترة» بس لم أنصح هذا يعني 
*ما مش مرحبين بأها تتقفل"237. 

أما نجيب ساويرس فقال ردًا على سؤال عما إذا حدث وأن 
تضايقت الدولة من برامج تعرضها قناته "أون ب في": "الحمد لله لحد 
دلوقتي أنا ماشي جنب الحيط ومش عايز أزعل حد, بس ممكن حد 
يطلع يقول حاجة غلط في القناة ويبقى ليها تبعات ونتمى ده ما 





5 خقندي قنديل, إعلام “دريم”" المخترم» جريدة "المصري اليوم", القاهرة. 19 أكتوبر 2009. 

6 ششيماء البرديني» الفضائيات والدولة: 8 سنوات من "حروب الوا" الحلقة الأولى.. أحمد بهجت: لو قالولي 
اقفلها.. ح أقفلها واطلع من بره؛ جريدة “المصري اليوم", القاهرة, 19 يوليو 2010. 

7 شيماء البرديني؛ الفضانيات والدولة: 8 سنوات من *حروب الهوا" الحلقة الثانية.. أحمد بمجت: الإعلام 
المصري هاشي بسياسة “خط الكوز تحت البزبوز" جريدة “المصري اليوم"؛ القاهرة, 20 يوليو 2010. 


- 256 - 


يحصلش"238. ساويرس أكد أيضاً أن قناته لا تحقق له ربح 
مالينا: "مافيش نجاح مادي, فشل اقتصادي وصداع ضخم جذاء 
وبالتالي في أي لحظة عامل حسابي إن أنا ممكن أقفلها"؛ لذا فهو يبرر 
هدف إطلاق قناته بالقول: "بالنسبة لي أرى أن بلدي ها فضل عليّاء 
ومش عايز أبقى ناكر للجميل ولا مقصر, وشايف إن قناة زي كده 
مستقلة سياسية مهمة جدًا وشايف إن كل ما ييجوا يكلموا قطر عن 
الجريرة يقولوهها دي قناة خاصة ومالناش دعوة بيها ومش تابعة ليناء 
طب ماشي إحنا كمان عندنا قناة خاصة عشان لا يغلطوا فينا نغلط 
فيهم"239. 

ومن الواضح أن الاستثمار في صناعة الإعلام -المطبوع والمرئي- 
في مصر يواجه مشكلة عويصة, حيث يمكن الضغط على أصحاب 
رأس المال والمستثمرين من خلالالمؤسسات الالية أو الضرائب أو 
السلطات الأمنية والسيادية؛ "لإجبارها على تغيير أساليبها والرول 
بسقف حرياقاء والتدخل لدى محرريهاوكتابها ومُقدمي البرامج لمراعاة 


8 شيماء البرديني, الفضائيات والدولة: 8 سنوات من *حروب الوا" الحلقة الثالثة.. صاحب قنانَ "أون نْ في" 
و"أو ان في" يتحدث عن علاقة الفضائيات الخاصة بالعمل السياسي: (1- 2) نجيب ساويرس: أنا ماشي جنب الحيط.. 
ومش عايز أزعل حد", جريدة “المصري اليوم", القاهرة؛ 21 يوليو 2010. 

9 شيماء البرديني؛ الفضائيات والدولة: 8 سنوات من "حروب الهوا" الحلقة الرابعة.. صاحب قنابي "أون ب في" 
و'أو 8 في" يتحدث عن علاقة الفضانيات الخاصة بالعمل السياسي: (2- 2) نجيب ساويرس: أطلقت القناتين اعترافا 
يجميل البلد.. ومستعد لإغلاقهما في أي وقت. جريدة “المصري اليوم": القاهرة: 22 يوليو 2010. 


2597ب 


الحدود والقيود المفروضة, وإلا تعرضت لضايقاتوملاحقات يصعب 
تجاوزها"240. 

بعد ثورة 25 ينايرء ل تتغير بنية الإعلام ولا موقعه. لكنه فقد 
المملوك الفاهم ومندوبيه امخترفين في الإيقاعات. حاولت الشؤون 
المعنوية في عصر المجلس العسكري وفشلت؛ وحاولت المجموعات 
الإعلامية امخيطة محمد مرسي وفشلت أيضاء حيث فقدت الإدارة 
عبر الحاتف فاعليتها. 

ومع غياب مركز/ ولي النعمة خلال فترة ما بعد ثورة يناير» صعد 
الإعلام وهبط في موضوع الحريات؛ إلى أن تصورت بقايا الدولة 
القديمة أن 30 يونيو هو أوان ترميم الدولة القدبمة. وإعادة دوران 
ماكيناهًا كما كانت. وجرى البحث هنا في الإعلام عن مركز يضمن 
المصالح, ويكون هو الخط الأحمرء وتصورت المحطات أن خطتها الآن 
هو بناء المركز الذي يحمي مصالحهاء وتحميه برسائل إعلامية تعيد 
زهوة "الترويض/ الترويج"241. 

أرادت الدولة العميقة بروافدها من الفلول الفاسدين والمتملقين 
القدامى والجدد أن يكونوا هم خيول السلطة الجديدة وحاملو المباخر 
لهاء حتى يأكلوا جزءا من الكعكة242. 


0 سلامة أحمد سلامة؛ رأس الذئب الطائر!ء مصدر سابق. 
1 وائل عبدالفتاح» ليس مجرد نشاق عادي؛ مصدر سابق. 
2 د. محمد أبو الغارء مستقبل الحريات وباسم يوسفء جريدة "المصري اليوم” القاهرة؛ 5 نوفمير 2013. 


- 258 - 


زاد من تعقيد المسألة أن الإعلام المرئي الخاص في مصر نشأ وعمل 
في فضاء غير منظم أو محكوم بميغاق شرف ملزم. ومع التزايد الملحوظ 
في عدد الفضائيات الخاصة بعد ثورة ينايرء تبلور مفهوم جديد في 
المشهد الإعلامي وهو "الإعلام التجاري", تمثل في ظهور نمط جديد 
من الممولين للقنوات الفضائية» يعمل كل منهم على تمويل قناة فضائية 
أو أكثر يتداسب مضموفا مع مصالحه أو مصالح البيزنس الذي يديره 
إذا جاز التعبير. 

وبرزت في هذا الإطار. نوعية القبوات ذات الطابع السياسي 
والإخباري. لا سيما في ظل هيمنة المناخ السياسي عقب الثورة, 
فتربعت برمج "التوك شو" على عرش البرامج التليفزيونية في تلك 
القبوات. وكما هي الخال في المجتمع؛ انعكست أيضا حالة الانقسام 
على توجهات القنوات الفضائية ومحتواها الإعلامي» وساد جو من 
الشحن والشحن المضاد بين أطراف مختلفة, بعضها داعم لثورة 30 
يونيو وبعضها الآخر معارض ها أو متحفظ على مآلاقا وقراراها. 

بدت السياسة في تلك القنوات غير معنية بالموضوعية بقدر 
اهتمامها بالتوجهات السياسية ومصالح رأس امال الخاص الذي 
بمتلكهاء خاصة في ظل ثمط ملكية يخلط بين الإدارة والتحرير» الأمر 
الذي جعل الفضائيات الخاصة عرضة في مناسبات كثيرة لأن تكون 
بوقا دعائيس لهذه المصالم, ومثالاً صارخسً على الانفلات وغياب 
المهنية» وهو ما أسهم في زيادة حالة الاستقطاب في امجتمع243. 


3 رانيا مكرم. مصدر سابق» ص 7-6. 


ب2259- 


ععنى آخرء أصبحت وسائل الإعلام طرف في الصراع السياسي 
الحاد بين القوى السياسية وفئات امجتمع,. وسط ارقان الكثير من 
وسائل الإعلام لتوجهات رأس المال, وعدم القدرة على الاستفادة من 
مساحة الحرية التي أتيحت لاء ليتحول المشهد برمته إلى فوضى 244. 

هنا تصادم القادمون من عالم "النيو ميديا" -مثل باسم يوسف- 
بحريته. وطموحاته. مع العائدين إلى دولة السيطرة بإرشادها وتصنيعها 
مركز نظام تملوكي جديد. 

الغريب حقً أن بعض من كانوا يمجدون باسم يوسف وقت 
انتقاده لسياسات جماعة الإخوان المسلمين. أخذوا يرجمونه بعد أن 
شعروا أنه ينتقد المزايدات السياسية والإعلامية التي تنافق السيسي. 

في عهد الإخوان, كان السؤال هو: لاذا يخافون من الأراجوز؟ 

هذا هو السؤال الذي طرحه باسم يوسف أكثر من مرةء 
متحدثًا عن نفسه في مواجهة "أصحاب مشروع دولة الخلافة".. 
الذين يحاولون بناء صدم كبير في قلب مديئة مسّعها روح الثورة. 

في قصيدة فؤاد حداد بعنوان "الأراجوز", قد نجد الإجابة: 


"أنا والدي مات مبسوط 


لأنه عَكس أمر الملك 
أيام ما كان الملك ملك 


4 د. صبحي عسيلة؛ مصدر سابق» ص 8. 


- 260- 


ومصروف الأمل مضغوط"245 

سخرية باسم يوسف» الطبيب الذي أطلق برنامجه في البداية على 
موقع يوتيوب» مبنية على عمل جادء ومعرفة تجعله صياد مفارقات 
التقت مع مزاج تكسير الأبوية بثقلها السلطوي. 

"هنا تصادم الأراجوز والخليفة مرسي الذي تربى على السلطوية 
وعاشس في ظلها وأصبح له مكان؛ لأنه ابنها البار.. وكلما خضع 
للسلطوية ترقى في مكانه واتسعت سلطاته.. إلى أن قادته الصدفة لأن 
إعادة بناء صنم الحيبة.. وتألق في اللحظة نفسها التي حشدت الجماعة 
كل قوقًا لإعادة بناء صدمها. 

"ولأن باسم في حرب مع بناة الأصنام. تحول كل مكان إلى 
مسرح للاستعراض من المسرح إلى الشاشة.. ومن المقهى إلى مكتب 
النائب العام.. كلها مسارح للحرب بين الأراجوز.. والخليفة الذي 
بدلا من بناء برنامج سياسي.. يبني هيبته الفارغة.. وني الحرب بينهما 
© : باسم "وتختاره "تام" ضمن أهم 100 200 يي مؤثرة" على 
حساب مرسي الذي تصور أنه يقود الغزوة الكبرى"246. 

صم الإخوان المسلمون وحلفاؤهم آذائهم عن نصيحة من قيادي 
إسلامي سابق2» هو د. ناجح إبراهيم» الذي قال: "إن المادة التي 


5 فؤاد حدادء الأراجوز: يضرب علي الوجيعة ويلاقي على الطبطاب, افيئة المصرية العامة للكتاب» القاهرة, 


157 
6 وائل عبدالفتاح» حكايات من القاهرة: الآراجوز والخليفة, جريدة "السفير", بيروت. 20 ابريل 2013. 


- 261 - 


يطرحها باسم هي من إنتاجنا وكلماتنا ومواقفنا وفيديوهاتنا.. ولو أن 
أصحاب هذه الفيديوهات استفادوا من سخرية د. باسم اللاذعة 
وصوّبوا خطابهم وصححوا مسارهم أو استفادت مؤسسة الرئاسة أيام 
د. مرسي من الأخطاء القاتلة التي ذكر بعضها - ما وصلنا إلى ضياع 
كل شيء"247. 

نسخة مكررة من هذا الخطأ في التعامل مع برنامج باسم يوسف» 
ارتكبها هذه المرة أصحاب الأعمال والمصالح بعد عودة "البرنامج" في 
نوفمبر 2013. 

وربما كنا في حاجة بحق إلى هذه الحلقة لضرب حالة التجييش» 
التي يسعى البعض لخلقها من خلال الإعلام "الموجه". النغمة التي 
أخذت تظهر تدريجيسء وترتفع نبرتَا هي نغمة لا يخطنها كل من 
يؤمن بالدولة المدنية الحديثة» ويتمى وجودها. نغمة تكرس لمكارثية 
وليدة تسطر خريطتهاء وتضع قاموسها يوما بعد يوم. نغمة تعيد 
خلق "التابو" مستغلة حالة الحنق على الإخوان, وحالة الجزرع من كل 
ما يرتكبونه في الشارع من فوضى إلى إراقة الدماء من سيناء إلى 
الوراق إلى الإسماعيلية إلى الدقهلية248. 

أدرك باسم الخطرء الذي بدأ يلوح في الأفق فقرر ضربه بسلاح 
السخرية, ولسان حاله ما قاله "أراجوز" الشاعر سيد حجاب: 


7 د. ناجح إبراهيم, د. باسم.. الشيطان الذي سيهدي التيارات المدنية, جريدة "المصري اليوم", القاهرة,» 7 
نوفمير 2013. 
8 كريمة كمال لا صوت يعلو فوق صوت المعركة, جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة» 3 نوفمير 2013. 


- 262- 


"راجل والرجولية لا عضلات 

ولا ألابندة وسيما وحركات 

الرجولية الحقيقية ثبات 

أحمي قراريط الناس من مين؟ 

من الناس الأرى أرى إيه أرى إيه؟ 

من الناس القراميط الملاعين"249 

خن نواجه خطر الإرهاب, ونحن ندفع غُن هذا في كل الحظة 
لكننا لسنا على استعداد لأن ندفع الثمن من مستقبل هذا البلد ليظل 
الموْ سستين دوز متحدد ومكانة معروفة, ينبغي تقديرها دون المبالغة ف 
ذلك على حساب ملامح الدولة المدنية التي نريدها لمصر. 
السخرية كانت -وستظل- أداة وسلاحا مصريا شهيرًا لتحمل 
الظلم وللتكيف معه وللتمرد عليه. وتجاهل هؤلاء أن النكتة سلاح 
معروف في مصر لانتقاد الحكام وبطانة السوء250, من أيام جمال 
عبدالناصر إلى عهد محمد مرسي., وما بعد ذلك. 


9 سيد حجاب, مختارات سيد حجاب, مكتبة الأسرة, الهيئة العامة للكتاب» القاهرةء 2005, 


0 عادل حمودة. كيف يسخر المصريون من حكامهم. دار سفنكس.ء القاهرة, 1994. 


- 263 - 


هل ننسى لافتات المعتصمين في التحرير خلال الثمانية عشر 
يوما الخالدة: شاب أشعث الشعر يرفع لافتة تقول "هتمشي 
هتمشي., إنجر عشان أحلق"؛ رجل يحمل طفله على كتفيه ولافتة 
تقول "ارحل كتفي وجعني"؛ لافتة أخرى تنادي "ارحل.. الولية 
عاوزه تولد والولد مش عايز يشوفك": وأخرى "طبيب أسنان: جاي 
أخلع مبارك". ثم وني يوم الرحيل رفع شاب لافتة تقول "ارجع يا 
ريس, كنا بنهزر معاك", تمهورة بتوقيع "الكاميرا الخفية". حتى النكتة 
السائدة "الشعب المصري أيمر العالم في 25 يناير وأسقط مبارك. 
وحيبهر العالم ويرجع مبارك". تشير إلى تلك الطبيعة الساخرة لدى 
المصريين. 

إن الإلغاء المفاجى والغامض للبرنامج من قناة سي بي سي" 
المصرية, ثم وقف عرضه لاحقا بعد ضغوط على قناة "ام بي سي 
مصر". لفت الانتباه بشكل كبير إلى مسألة تقييد الحريات الإعلامية 
في مصرء رغم أن باسم يوسف ل ينتقد السيسي وإنما انتقد المهووسين 
بتمجيده؛ في وقت تمتلى فيه موجات الأثير بالتملق للجيش وقائده. 

خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده لشرح تفاصيل وقف 
"البرنامج" لثابي مرة أو في ثاب قناة» قال باسم يوسف: "لا ألوم القناة 
[ام بي سي مصر] على ما حدث, والظروف والضغوط كانت أكبر 
من أي شخصء حاربنا وكان هناك نوع من الصراع". 

وأضاف: "قرار المنع تم دون معرفة محتوى الحلقة, وهذا يدل على 
أن هناك رغبة لوقف البرنامج, ولو عرضنا البرنامج على اليوتيوب لن 


- 264- 


نستطيع الإنفاق عليه. واعتبر أن وقف البرنامج انتصار له ورسالة 
أقوى من استمراره؛ من الآخر الرسالة وصلت"251. 

الرسالة جاءت صادمة؛ حيث لم يكن متصورًا أن يكون ذلك 
مصير برنامج ساخر تمتع بجرأة عالية في تناول الشأن العام, بعد ثورة 
5 يناير. وقد مارس تلك الجرأة اللاذعة إزاء رئيس الدولة بصورة 
أسبوعية طوال السنة التي حكم فيها د. محمد مرسي الذي لم تخل 
حلقة من نقد ممارساته وإضحاك الملايين عليها. إلا أن صدور أولي 
الأمر لم تعد تحتمله بعد 30 يونيو. حيث ظل يتعرض للضغوط 
والترهيب طوال عشرة أشهر , إلى أن اضطر إلى التوقف في فاية 
المطااف. 

.لم تعد المشكلة مقصورة على أننا حُرمنا من نموذج فريد من 
السخرية السياسية بدد بعض مشاعر الإحباط والكابة التي باتت 
تحاصرناء ذلك أن المشكلة الأكبر تمئلت في أن الضغوط التي أدت إلى 
تعثر البرنامج ثم أفضت إلى إيقافه جاءت دالة على أن مؤشر حرية 
التعبير في انخفاض مستمرء وأن ضيق الصدر بالنقد لم يعد يححمل حتى 
السخرية التي هي إحدى صور التنفيس التي لجأ إليها المصريون على 
مدار تاريخهم, وكل الذي حدث أن باسم يوسف نقلها من الشارع 
إلى التليفزيون؛ لذا فإن كل فعله الإيقاف أنه منع بث البرنامج على 
التليفزيون» في حين أن عرضه مستمر في الشارع252. 





1 أحمد يوسف, باسم يوسف: منع البرنامج تم دون معرفة محتوى الحلقة.. والرسالةوصلت, جريدة "المصري 


اليوم", القاهرة؛ 3 يور 2014. 


2 فهمي هويديء وصية الملك خرتي» جريدة "الشروق"” القاهرة. 4 يونيو 2014. 


- 265 - 


باسم يوسف رفع كلمة "النهاية". 

فاية لا تخلو من ذكاء. كعادة النجم الذي اخترق الدائرة المغلقة 
للإعلام وغبر مفهوم السخرية من مهارات فطرية إلى عمل دؤوب. 
وهذا ما تم رفضه في لحظات الانتقال إلى حُكم جديد حينذاك. 

أدرك باسم اللحظة المربكة. ولم يرغب في أن يكون ضحيتهاء أو 
بطلها الانتحاري. تعامل بما يجعله منتصرًا هو وفريقه المميز. انتصار 
بمعنى إضافة قيمة جديدة لهنة الإعلام تضع المهنة في مقابل السلطة لا 
خادمة ها ولا منافسة لماء فالمذيع ليس رئيسا بالإنابة عن الرئيس 
وليس منافسا له في وضع الجماهير في جرابه. 

الانتصار في تقديم معنى جديد يكشف الفزع الذي ينشره 
المبشرون بالحكم الجديد أو الباحثون عن فرصة عمل في فرق الحراسة 
أو الخدم؛ ومواجهته ليس بالتفاوض السري تحت الطاولة» أو القبول 
باللعب في هامش الديمقراطية أو في فرقة تجميلهاء ولكن بإعلان أن 
"الملك عار".. والضغوط أكبر ثما يتحمله برنامج253. 

أخذدت الحرية تتفي دوعي كما يسحب الضوء نينا من 
المسرح ليصعد الحاكم الجديد, الذي أراته جوقة المنافقين صما 
ليبقوا هم في أماكنهم المميزة باعتبارهم "بناة أصنام". كلمة "النهاية" 
التي حملها باسم يوسف أمام عدسات المصورين, كانت كاشفة عما 
يتم في الخفاء من مقاولي هدم الحريات, الذين انتشروا فجأة في كل 





3 وائل عبدالفتاح؛ عندما أنقذ باسم يوسف نفسه. جريدة “التحرير", القاهرة, 4 يونيو 2014. 


- 266- 


مكان يريدون إعادة "السقف” إلى مستوى ما قبل مبارك.. أو على 
الأقل يعيدون الحرية إلى مساحتها العفنة: الحامش. 

إن وقف بث حلقات "البرنامج" ليس فقط قرارًا قمعياء وليس 
فقط إنذارًا لكل من يجرؤ على نقد الأوضاع العامة في مصرء لكنه 
أيضما كاشف عن أمر آخر بالغ الأمية. ذلك أن المشكلة لا تكمن 
فقط في أن إحدى القنوات منعته وأخرى دفعته إلى التوقف. وإنا 
المشكلة الأكبر أنه ما من قناة أخرى في مصر باتت مستعدة لاحتماله. 
وإذا كنا نتحدث عن نحو عشرين قناة تابعة لاتحاد الإذاعة 
والتليفزيون الحكومي وعشرات القنوات التابعة للقطاع الخاصء فلا 
بد أن يثير دهشتنا ألا نجد بين ذلك الكم الكبير من القنوات واحدة 
تتمتع باستقلال حقيقي يجعلها قادرة على احتمال برنامج ينتقد 
الأوضاع العامة والشخصيات العامة بجرأة وحرية254. 

في ظل سياسة المنع والمنح, والتحكم في الإعلام وحرية الرأي 
والتعبير» واصلت برامج "التوك شو" في مصر مسيرة في اتجاه واحد: 
مديح أهل السلطة؛ وحماية أصحاب المصاح. 

وأصحاب المصالح هؤلاء هم بارونات الإعلام من رجال الأعمال» 
مل محمد الأمين وأحقد أبو هشيمة وحسن راتب وأحمد بمجت 
وصلاح دياب وغيرهم من مُلاك وسائل الإعلام والقائمين على 
إدارتًا. هم في فاية الأمر أصحاب مصالح يبحثون عنها دائماء بل 





4 فهمي هويدي» لحظة كاشفة, جريدة "الشروق" القاهرة: 5 يونيو 2014. 


- 267 - 


إن بعضهم ينشى تلك الوسائل من أجل دعم مصالحه تلك. التي 
تكون في الغالب أكبر بكثير من تكلفة الاستنمار في الوسيلة 
ا : 

وسرعان ما يتحالف رأس امال مع عدد من الوجوه العاملة في 
حقل الصحافة أو التليفزيون. من أجل توجيه الرأي العام أكثر من 
تقد.م عمل إعلامي مهني يلتزم الموضوعية والدقة» ويدعم حرية الرأي 
والتعبير. هنا نشأت ظاهرة برامج المصاطبء التي تفتقر إلى كثير من 
مقومات العمل التليفزيوي وفق معايير متعارف عليها عالميا. 

نريد إعلامسا يوحّد الشعب على كلمة سواءء ولا يفرقه. إعلام 
يركز على الأولويات» والحاجات الملحة للمجتمع. فقه الأولويات 
الإعلامية يجب أن يسود على ما عداه. 

الإعلام ينبغي أن يكون إعلاما محترفا.. لا وجود للهواة في 
عصر امحترفين.. ولا مكان لأنصاف المواهب وللذين يخلطون عملا 
نافع ومعلومة صحيحة بعمل ضار وبمعلومة خاطئة. في دنيا الإعلام 
امخترف لا وجود للخطأ الثابئ.. خطؤك الأول هو خطؤك الأخير. 
الإعلام في مصر المستقبل هو إعلام يقوم على المعلومة والحقائق أكثر 
من اعتماده على الرأي والتعليق. معظم برايجنا ومضاميننا الإعلامية 
تقوم على الرأيء والرأي نسبي, وآفة الرأي المهوى والمصلحة. ليست 
المشكلة في الآراءء ولكن في كون معظم هذه الآراء غير مبنية على 
معلومات أو على حقائق. 

الإعلام في مصر يجب أن يقوم على الفصل بين الملكية والإدارة. 


- 268- 


معايير المهنية والاستقلالية يجب أن تسود العمل الإعلامي. ينبغي أن 
يكون له إطار قانوي يحكم أصحابه ويحكم العاملين به. إطار قانون 
يحدد التزامات كل قناة وما ينبغي عليها القيام يما للاستمرارء كما 
يحدد الحقوق التي تكتسبها هذه القناة» وتسعى جاهدة للمحافظة 
عليها. ترك الأمور للصدفة؛ وللحلول الشخصية:؛ وللمبادرات التي 
تقوم على المزاج الشخصي لأصحابماء ليس من الإعلام في شيء. 
والإعلام في مصر المستقبل يجب أن يلتزم العاملون به بمواثيق الشرف 
الإعلامية. نحن لا نخترع العجلة. موائيق الشرف الموجودة في الشرق 
هي نفسها الموجودة في الغرب. هناك قيم عامة وأفكار ينبغي تطبيقها 
في كل الأماكن. هل يختلف أحد على أن تطبيق المصداقية والمهنية, 
وتحري الدقة» والموضوعية, وحماية الأطفال,» وذوي الاحتياجات 
الخاصة, والامشناع عن التحريض والكراهية والعنف. هي كلها أفكار 
إنسانية ينبغي الأخذ يما هنا أو هناك؟! 


وهذا غيض من فيض.. يا أهل "التوك شو". 


- 269- 


معركة الغضائيات 


"بعض ما يحدث في إعلامنا ه وانتكاس حقيقي. لا يليق بتاريغنا 
ودورنا في هذا ا مجال"255 


كان المشهد عبثًِ إلى أقصى حد. 

ففي قاعة واحدة, جمع وزير الإعلام الإخواي صلاح عبدالمقصود 
رمورًا إعلاميةورؤساء قنوات فضائية وصحف خاصة, ومعهم رموز 
من قادة الإسلام السياسي يتقدمهم القيادي السلفي حازم أبو 
إسجماعيل, الذي طلما حرّض على الإعلام والإعلاميين» وقاد أول 
حصار لمدينة الإنتاج الإعلامي. وذهب أنصاره للاعتداء على مقر 
جريدة "الوفد". كما ضم الاجتماع عاصم عبدالماجد, الذي يعد من 
رموز جماعات العنف الديني خلال تمانينيات القرن العشرين, وخالد 
عبدالله مقدم البرامج بقناة "الناس" الدينية. 

كان عنوان الاجتماع هو "مستقبل الإعلام في مصر ووضع ميثاق 
شرف إعلامي". بدا مستغربا أن نجد الداعين إلى قتل العاملين في 
مجال الإعلام وإرهايهم وترويعهم يشاركون في النقاش حول مستقبل 
الإعلام, تحت رعاية وزير مختص يسيطر وجماعته على أكثر من 9/080 


255 حلمي النمنم. بؤس إعلامي» جريدة "المصري الوم" القاهرة, 24 ديسمبر 2014. 


-270- 


من الإعلام المملوك للشعبء؛ لكنه يتهم الإعلام بالتضليل والإعلاميين 
بالانفللات256. 

أول قرار بقانون اتخذه محمد مرسي عندما امتلك السلطة 
التشريعية, كان إلغاء الحبس الاحتياطي للصحفيين في قضايا الدشر. 
تلك هي رؤية صلاح عبدالمقصود وزير الإعلام في الاجتماع 
المذكورء غير أن ضياء رشوان نقيب الصحفيين قال إن ما ألغاه 
الرئيس باليمين أعاده باليسار في أكثر من موضع في قانون حماية 
الثورة الذي صدر بعد الإعلان الدستوري. 

الحكومة والذين معها اعتقدوا أن الأمر المنطقي هو الموافقة 
الفورية في الاجتماع على "ميئاق شرف صحفي"؛ لكن ضياء رشوان 
قال إنه لا خلاف على الميثاق» لكن الأولوية أيضا ينبغي أن تكون 
لالغاء القوانين المقيدة والسالبة للحريات الإعلامية في القوانين الحالية» 
وإنه لا يُعقل أن يلغي مبارك قانون حبس الصحفيين ويعيده مرسي 
وبتوسع شديد في قانون حماية الغورة. صلاح عبدالمقصود حاول 
صياغة القضية باعتبارها حماية للفورة» لكن ضياء رشوان قال: وهل 
الصحفيون هم أعداء الثورة؟! 

الخطير حقا هو ما قاله صلاح عبدالمقصود من أن المشرع أو 
الشارع أو الحكومة يحتاج أولاً علامات أو دلائل أو تحرك من 
الإعلاميين محاسبة أنفسهم قبل أن يتم إلغاء هذه القوانين. عبدالمقصود 





6 يحبى قلاش, محنة الإعلام ووعظ الشيطان؛ جريدة "المصري اليوم", القاهرة؛ 2 إبريل 2013. 


-271- 


قال إنه ضد هذه القوانين السالبة للحرية» لكن جوهر حدينه يعني أنه 
لا إلغاء لهذه القوانين قبل أن يحاسب الإعلاميون أنفسهم. 

في ذلك الاجتماع. ألقى حازم أبو إسماعيل محاضرة على 
الصحفيين بشأن الأداء الإعلامي المطلوب, وهو الذي زعم في حديث 
لقناة العربية أن علاقته بالإعلام ممتازة» ووصف حصار مدينة الإنتاج 
الإعلامي بأنه رائع؛ مؤكدًا أنه كان عملاً سياسي257. تصريحات 
تعبر عن حالة من العشى السياسي. وربما الحول السياسي, تام 
كالذي يقصد هدفا فيذهب إلى طريق آخر لا يوصل إلى الحدف. 

لقد كشفت تجربة حُكم الإخوان النقاب عن تخوفات تستبدٌ 
بالإسلاميين لعجزهم عن ترويض الإعلاميين والتفاعل مع المثقفين 
والفتانين فتجعلهم يشتون حملات شعواء على هؤلاء بدعوى التطهير 
والتأديب. 

والحاصل أنه خلال عام من حُكم الإخوان المسلمين. بات الإعلام 
المصري ير سف في قيود المنع والإغلاق والمطاردة واخاكمة والحصار. 
وجرى استهداف وسائل الإعلام والتضييق عليها وتخويف العاملين 
فيها ومطاردة مالكيها؛ لأسباب تم تصنيعها وافتعانها بطريقة آخذة في 
الاتساع. 1 

أصبحت البلاغات ضد الصحفيين والكتاب والناشطين ظاهرة؛ 
لأن آحاد الناس تتقدم بمذه البلاغات وقتم با النيابة العامة 


7 عمر خالد, "أبو (ماعيل": علاقتي بالإعلام متازة وحصار “الإنتاج الإعلامي" رائع» جريدة "المصري اليوم". 


القاهرة: 9 إبريل 2013. 


-272- 


وتستدعي المبلغ ضدهم وتفرج عنهم بكفالات: وهو ما يعني أن ستتم 
إحالتهم إلى امحاكم بتهمة إهانة الرئيس. ويغفل هؤلاء أن الجرائم التي 
تقع عن طريق النشر الصحفي أو البث التليفزيوي أو الإلكتروي هي 
في كل الدول التي تحترم حرية التعبير تقام عبر الدعاوى المباشرة 
وليس عبر آحاد الناسء وبالتالي فإن من يقدمون هذه البلاغات 
يهينون الرئيس؛ لأنهم يضعونه في موقع الخصومة المباشرة مع أفراد من 
المجتمع258. 

عي الا سيو ابض انه ادن ادر لدنة العامة :فلا ب أن 
يتصلّق ببعض من عرضه على الناس؛ لأنه لا محالة مشتوم, حتى وإن 
واصل الليل بالنهار", كما يقول ابن حزم الأندلسي. 

هز استدعاء الصحفيين بشكل يومي شبه متكرر أمام النيابة 
والقضاء منظومة حرية الرأي والتعبير على نحو فادح, وعاد بالدولة 
المصرية إلى عصور الحاكم الفرد. وبلغ الأمر حد أنه قبل مليونية 
"إسقاط الرئيس" في 30 يونيو 2013» أرسلت وزارة الاستخمار إنذارًا 
إلى القنوات الفضائية الخاصة. تتوعد فيه بإغلاق أي قناة دون 
الرجوع إلى القضاء إذا لم تلتزم بالمعايير المهنية والحيادية, في تغطية 
الأحداث التي تمر يما البلاد. 

الخطابات المرسلة اسسندت إلى أحكام سابقة لصالح العامة 
للاستثمار والمناطق الحرة» تمسحها حق غلق أي شاشة وتسويدها بقرار 


8 خالد السرجانيء من الذي يهين الرنيس؟, جريدة “المصري اليوم", القاهرة. 5 إبريل 2013. 


-273- 


من الحكومة دون الرجوع للقضاءء, لمدد تصل إلى 45 يوما وأكثرء 
تمهيدًا لمراقبة التغطيات الإعلامية خلال مظاهرات 30 يونيو. 

وفي إطار سياسة تضييق الخناق على القبوات الخاصة, اتخذ يحبى 
حامد, وزير الاستثمار قرارًا بتغيير مجلس إدارة المنطقة الحرة 
الإعلامية. ليتم إقصاء ثمثلي قنوات "دريم". و"سي بي سي"", 
و"النهار"259. 

قبل ذلك بشهورء أرسلت وزارة الاستثمار خطابا لقنوات "سي 
بي سي" تتدخل فيه فيما ليس من اختصاصها وهو مضمون البرامج 
التي تعرض على شاشات القنوات2, وكل ذلك يعني أن استهداف 
الإعلام أصبح سياسة معلنة, وممنهجة, وهو ما يتطلب تصديا من 
نوع خاص يختلف عن الأساليب السابقة التي كانت تعتمدها الجماعة 
الصحفية والإعلاميين260. 


امتد هذا التوجه إلى ماسبيرو. 
شهد البنى حالات لا تحصى من التدخل في سياسات البرامج 


التحريرية, وفي اختيارات الضيوف. فضلاً عن قمع حرية التعبير» 
رصدقا تقارير حقوقية وإعلامية عدة261. 


9 محمد طه ومحمد عبدالعاطي, الحكومة تنذر الفضائيات بالغلق إذا لم تلتزم بالمهنية 'في مظاهرات إسقاط 
الرئيس". جريدة “المصري اليوم", القاهرة. 29 يونيو 2013. 

260 إبراهيم الطيب», كيف تتصدى الجماعة الصحفية للهجمة الشرسة على حرية الإعلام؟ عريدة “المصري 
اليوم". القاهرة؛ 9 إبريل 2013. 

1 وائل علي, "الشبكة العربية" تطالب “ماسبيرو" بالتوقف عن تكميم أفواه الإعلاميين جريدة 'المصري اليوم"» 
القاهرة؛ 5 يونير 2013. 


- 274- 


وني تقرير لها حول مبنى الإذاعة والتليفزيون في عهد أول رئيس 
منتخبء قالت الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان إنه منذ تولى 
صلاح عبدالمقصود مهام منصب وزير الإعلام, خلفا للواء أحمد 
أنيس في إطار وزارة د. هشام قنديل» تعرض أكثر من 28 من 
إعلاميي ماسبيرو لأشكال مختلفة من التضييق باستخدام أدوات 
الإدارة البيروقراطية» تراوحت بين الإحالة للدنيابة العامة في حالة 
واحدة (8 إعلاميين) والتحويل للتحقيق الإداري مع توقيع جزاءات 
تعسفية بالخصم من الراتب والوقف عن العمل والمنع من دخول مبنى 
الإذاعة والتليفزيون وإلغاء البرامج أو تغيير صفتها من برامج تبث 
على الحواء إلى برامج مسجلة في 18 حالة مختلفة. 

وقال التقرير إن أكثر الإجراءات حدية تم اتخاذها ضد من يعرف 
عنهم معارضة النظام أو من تكررت مشاركتهم في فعاليات احتجاجية 
للمطالبة بعحسين ظروف العمل بماسبيرو. ومن المهم ملاحظة أن 
تحديد المعارضين في هذا الإطار لم يختلف باختلاف النظام الحاكم, ما 
يؤكد أن مشكلة السلطة تتعلق عمارسة المعارضة بأي شكل كأمر لا 
بمكن التهاون في مواجهته. وقد شملت مظاهر المعارضة التي عوقب 
بسببها إعلاميون: المشاركة في فعاليات احتجاجية والتعبير عن 
معارضة النظام بشكل صريح, والتعبير عن رأيهم في طريقة العمل 
داخل ماسبيرو. وترديدهم عبارات تستخدم في الاحتجاجات. 

ففي فبراير 2012 قام وزير الإعلام السابق ورئيس اتحاد الإذاعة 
والتليفزيون السابق ورئيس القناة الأولى السابق بتحرير محضر رمي 


- 27ت 


ضد قانية من الإعلاميين العاملين بعاسبيرو يتهمهم فيه بإهدار المال 
العام من خلال تعطيلهم العمل بأحد الاستوديوهات' والتجمهر أمامه. 

والواقعة في الأساس كانت تتعلق بمطالب لتعديل هياكل الأجور 
وتحقيق العدالة بالمساواة بين العاملين في وظائف متمائلة بين قطاعات 
التليفزيون المختلفة. وبعد عام كامل وفي عهد وزير الإعلام صلاح 
عبدالمقصود, فوجئ الإعلاميون الثمانية باستدعائهم من قبل نيابة 
بولاق أبو العلا للتحقيق معهم في القضية الخاصة يُذا المحضر. 

كما ثم إيقاف مقدمة برنامج "الضمير" الذي يُذاع على القناة 
الثانية هالة فهمي عن عن العمل وذلك بسبب تقديمها حلقة من برنامج 1 
ظهرت خلاها تحمل الكفن حدادًا على الدولة بعد منع قضاة المحكمة 
الدستورية من دخول المحكمة ومحاصرقا من قبل بعض المحسوبين على 
تيار الإسلام السياسي» فضلاً عن قيامها بانتقاد النظام الحاكم. 

وألغى اتحاد الإذاعة والتليفزيون برنامج "ستوديو 27" الذي كان 
يقدمه المذيعان عاطف كامل وكامل عبدالفتاح بالقناة الأولى» وذلك 
للتخلص منهما بسبب رفضهما المتكرر ال القيادات في البرنامج 
وتحديد الضيوف الذين ينتمون دائمً لتيار الإسلام السياسي؛ 
وفرض العديد من الأسئلة على مقدمي البرنامج. 

وتمت إحالة المذيعة بثينة كامل للتحقيق بعد خطأ فني أثناء عرض 
أحد التقارير الخاصة باحدى جوللات وزير الدفاع» حيث ظهر صومًا 
فجأة وهي تردد عبارة "شالوا ألدو وحطوا شاهين". وبعد انتهاء 
النشرة تم إيقافها عن العمل وتحويلها للتحقيق, كما أحيلت مرة ثانية 


-276- 


للتحقيق على خلفية قراءتا إحدى النشرات والتي تزامست مع مليونية 
"الشرعية والشريعة"., حيث قالت أثناء استكمالها أخبار النشرة "وما 
زلئا مع النشرة الإخوانية.. حيث نفت جماعة الإخوان الأنباء التي 
ترددت حول محاصرة الإخوان للمحكمة الدستورية”العليا"2 وهو ما 
ترتب عليه إيقافها عن العمل قرابة الشهرين. 

. وقال التقرير إن من يديرون هذا الجهاز يهتمون باختيار ضيوف 
البرامج وما يصدر عنهم حتى في أدق تفاصيله. وعادة ما يتعرض 


* الإعلاميون للعقاب بسبب استضافة شخص بعينه أو بسبب ما يعد 


قاونا منهم بالسماح للضيف بقول ما يعتبر مسيئاا للنظام أو 
رموزه دون تعقيب. ومن أمثلة ذلك: إحالة فريق برنامج "مارك 
سعيد" للتحقيق وهم مقدمة البرنامج سارة حنفي, والمعدة تغريد 
الدسوقي, والمخرج ربمون فؤاد, وذلك بعد استضافة البرنامج مدير 
تحرير جريدة الكرامة "عماد صابر" في فقرة الصحافة, والتي انتقد 
فيها أداء الحكومة والمؤسسة العسكرية في التعامل الأمني في سيناء 
وحزب الحرية والعدالة» وتحدثه عن مشروع النهضة والمائة يوم الأولى 
من حُكم مرسي. 

كما تم إيقاف المذيعتين عزة الحناوي وهبة عز العرب مقدمتي 
برنامج "مع الناس" بالقناة الثالغة» عقب إذاعة حلقة كانت تتحدث 
عن الاستفتاء على الدستورء بالإضافة إلى مناقشة المؤتمر الخاص 
بالمرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين محمد بديع, الذي قام خلاله 
المرشد بسب الإعلاميين قائلًا: "أنتم آكلون السحت. ولكم الويل 


-277- 


على ما تفعلونه",» وكان ضيف الحلقة الكاتبة الصحفية فريدة 
الشوباشي؛ وفي تعليقها على المؤتمر استدكرت سياسات الرئيس د. 
محمد مرسي, وانتقدت الأوضاع والسياسات التي تقوم بها جماعة 
الإخوان المسلمين. وهو ما لم ترض عنه رئيسة القناة سوزان حامد 
التي أمرت بقطع الاتصال والخروج بفاصل. وبعد الفاصل جاءت 
مكالمة تليفونية من عضو حزب الحرية والعدالة عبدالظاهر مفيد ٠‏ 
الذي قام بتوجيه السباب للكاتبة دون التطرق للموضوع الحلقة, فضلا 
عن استفساره عن اسم مقدمة البرنامج لتقد.م شكوى بحقها لوزير 
الإعلام. 

وتمت إحالة المذيعة ماجدة القاضي, مقدمة برنامج "ستوديو مصر" 
على قناة "نايل سينما", للتحقيق بتهمة الخروج عن النص؛ على 
خلفية استضافتها في إحدى حلقات البرنامج, الفنان محمود قابيل؛ 
وسؤاله عن مدى تمتع مرسي بكاريزما من عدمه فأجاب قابيل بعدم 
امتلاك مرسي أي كاريزماء وقد تم وقفها عن العمل حتى بعد .نقلها 
لقناة "نايل لايف". 

وأحيلت المذيعة ريادة مير بشبكة الشباب والرياضة الإذاعية 
للتحقيق الإداري على خلفية شكرها متصلاً كان ينتقد الرئيس محمد 
مرسي قبل أن يقوم الكونترول بقطع الاتصال عنه. ما دفع المذيعة 
لتوجيه الشكر للمتصل واستكمال البرنامج» حيث رددت عبارة 
'نشكر المتصل وهانكمل البرنامج عادي": وقد قررت الشؤون 
القانونية خصم الحوافز الشهرية للمذيعة» ومنعها من تقديم برامج 


-278- 


بشكل منفصل. 

وإضافة إلى النماذج السابقة التي يتداخل فيها تمرير الصوت 
المعارض للنظام بالمساس بصورته فإنه حتى النقل المحايد لممارسات 
مسؤولي النظام التي تمئل إحراجا له يعتبر خطأ يتحمل مسؤوليته من 
نقله. والتموذج الأبرز لذلك كان إحالة المخرج المنفذ الذي أشرف 
على الحلقة الخاصة من برنامج "واجه الشعب" التي تمت إذاعتها من 
مجلس الوزراء أثناء الجلسة التي عقدها هشام قنديل مع عدد من 
قيادات ومذيعي التليفزيون المصري التي أدلى فيها قنديل بتصريحات 
أثارت كثيرًا من الجدل حول النظافة الشخصية للسيدات للتحقيق» 
بناء على تعليمات من وزير الإعلام صلاح عبدالمقصود. 

ويمكن أيضً إدراج التعليقات العفوية لأحد المذيعين على الهواء 
مما يشتم فيه السخرية من سياسات الحكومة, ومن أمثلة ذلك إحالة 
مقدمة برنامج "الشارع السياسي" على القناة الفضائية المصرية المذيعة 
منى خليل للتحقيق على خلفية ترديدها جملة "واضح أن الترشيد 
ابتدى", وذلك عند عودة التيار الكهربائي بعد انقطاعه عن 
الاستوديو أثناء حديثها مع ضيوف البرنامج الذي يبث على الفواء 
مباشرة عن قرض صندوق النقد الدولي وكيفية سداذه. 

هذا الوضع المزري دفع جمال الشاعرء مدير معهد الإذاعة 
والتليفزيون. مقدم برنامج "كلم مصر",. إلى إعلان استقالته على 
الهواء في حلقة البرنامج, قائلا إن هذه الخطوة جاءت نتيجة الضغوط 
التي يتعرض للا طيلة عام, منذ تولى صلاح عبدالمقصود مسؤولية 


-279- 


وزارة الإعلام, فيما يبخص اختيار ضيوف وموضوعات برنامجه. مؤكدًا 
أنه لم يعد يتحمل ما يحدث في المنى الذي 'يتأخون على نار 
هادئة"262. 

وخلال احتجاجات 30 يونيوء قرر صلاح عبدالمقصودء وزير 
الإعلام, إلغاء برامج الهواء بجميع قنوات التليفزيون, وبث القبوات 
الرئيسية: الأولى» والثانية» والفضائية المصرية, و"النيل للأخبار", 
و"النيل الدولية". و'نايل لايف", و"النيل الثقافية"', من غرفة بث 
مر كزية, يمدف إحكام السيطرة على الادة المذاعة خلال تغطية 
المظاهرات. 


ومنح الوزير كوادر جماعة الإخوان بالتليفزيون؛ أحمد عبدالعزين 
مستشار الرئاسةء وياسر الدكابي» رئيس تحرير نشرات "النيل 
للأخبار". وبدر الشافعي, مدير عام البرامج بقطاع الأخبار, 
صلاحيات كاملة لإصدار الأوامر إلى جميع قيادات ماسبيرو, للتحكم 
في نشر الأخبار والتقارير المصورة. وأصدر تعليماته بالتركيز على 
مظاهرات رابعة العدوية التي احتشد فيها مؤيدو الرئيس مرسي263. 

أصبح التداخل في أدوار مسؤولي الإدارة والمسؤولين الحزبيين 
للحزب الحاكم أحد مظاهر طبيعة المهاز الإعلامي كأداة للنظام تابع 





2 محمد طه؛ "الشاعر" بعد الاستقالة: ماسبيرو يتأخون على نار هادئة؛ جريدة "المصري اليوم", القاهرة,» 29 
يونيو 2013. 

3 محمد اله ونحسن حسفي ووائل علي وأسامة المهدي, التليفزيون "يتأخون" تركيز على “رابعة" ورقابة 
'حديدية" على البرامج, جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة, 1 يوليو 2013. 


- 280- 


لحربه الحاكم», ما يسمح للمسؤولين الحزبيين بالتعامل مع موظفيه' 
بإملاء الأوامر أو بالتهديد أو بأي طريقة خارجة عن القواعد الطبيعية 
دون أن قتم الإدارة بمواجهة هذا السلوك. من أمثلة ذلك» تعرض 
مقدمي برنامج "ستوديو 27" على القناة الأولى يوم 10 ديسمبر 
2 أثناء الحلقة التي أذيعت عقب الوقفة الاحتجاجية التي قام بما 
إعلاميو ماسبيرو ضد سياسات وزير الإعلام وإدارته - لاقامات 
بعدم المهنية و"انعدام الأخلاق" من أحد قيادات حزب "الحرية 
والعدالة" الذي اقمهم بأنهم مأجورون وغير حياديين. 

كما اهم أحد قيادات حزب "الحرية والعدالة" المذيعة آيتن الموجي 
مقدمة برنامج "مباشر من مصر" على الفضائية المصرية بعدم الحيادية 
المهنية» فضلاً عن سبها وإهانتها حيث قال لها "أنا هجيبك من شعرك 
وهسحلك على الأرض". وتوجه أحمد سبيع؛ المتحدث الرسمي لحرب 
الحرية والعدالة بالتعنيف وتوجيه اللوم الشديد لكل من طارق حسن 
ومنال حجازي أثناء تقديمهما حلقة من برنامج "مع الناس" الذي 
يذاع على القناة الثالثة264. 

هذا المسلك المرفوض ووجه بانتقادات شديدة؛ ومن ذلك الهجوم 
الذي شنته جبهة الإنقاذ الوطني على محمد مرسي وجماعة الإخوان 
المسلمين, لما وصفته ب"لحهجمة الشرسة" التي يشنها نظام الحُكم 
وجتماعة الإخوان على حرية الإعلام المصري والإعلاميين» في محاولة 


4 تقرير: 28 من إعلاميي "ماسبيرو" تعرضوا للتضبيق والتدخيل في أعماهم. جريدة “المصري اليوم". القاهرةء 9 


إبريل 2013. 


- 281- 


لتكميم الأفواه وإسكات أصوات النقد, وبينها الإنذار الذي وجهته 
الميئة العامة للاستثمار لقناة "سي. بي. سي" بسحب ترخيصها 
وإغلاقها في حالة استمرار عرض برنامج باسم يوسف بنفس سياسته 
الخالية دون تغيير. وقالت الجبهة إن الإنذار بسحب تراخيص قناة 
"سي . بي. سي" دليل واضح على الكيفية التي أصبحت ججماعة 
الإخوان تُسخّر فيها أجهزة الدولة ومؤسساقا لقمع أي أصوات 
معارضة للا أو حتى مختلفة» في تكرار واضح لسياسات نظام مبارك, 
خاصة أن ذلك يتم بشكل انتقائي لا يتعرض من قريب أو بعيد 
للقنوات المسماة "الدينية" المؤيدة التي تحوي أضعاف أضعاف ما في 
غيرها من القنوات من شتائم وإساءات وخروج بيّن على التقاليد 
المهنية265. 

الأخطر من ذلكء؛ تعاظم التوجهات والقيود التي سعت إلى إدخال 
الإعلام المملوك للدولة في حظيرة الإخوان. فقد أصدر رئيس اتحاد 
الإذاعة والتليفزيون -حينذاك- إسماعيل الششتاوي, توجيهات تحدد 
مخاور للتعامل مع كل ما يخص الحكومة إعلاميساء وفي بيان تم تعميمه 
في هايو 2013 على القطاعات البرامجية» أشار رئيس الاتحاد إلى 
التركيز على عودة الأمن والأمان لمصرء وتعزيز المهوية المصرية 
وتأصيلها عبر الموضوعات التي تطرحها برامج الإذاعة والتليفزيون, 
والتأكيد على تحقيق أهداف الثورة خاصة العدالة الاجتماعية,» كذلك 


5 محمود رمزي, "الإنقاذ": سياسة 'شيطة الإعلام" لدى “مرسي والإخوان" فاقت "نظام مبارك", جريدة 
“المصري اليوم". القاهرة, 4 إبريل 2013. 


- 282- 


التركيز على توفير فرص عمل كريمة وزيادة الاستثمارات. وقّيئة بيئة 
تشريعية مُحفزة. 

تضمن البيان الذي تم نشره في قطاعات الإذاعة والتليفريون 
والقنوات المتخصصة وقطاع الأخبارء توجيها بالتركيز على 
المشروعات الكبرى. والتي ذكر منها البيان مشروع محور قناة 
السويس. وشرق التفريعة والساحل الشمالي وتدمية همال خليج 
السويس 266. 

لم يكن بيان رئيس الاتحاد سوى محاولة للعودة إلى سياسة الإعلام 
الموجه.ء وتسخبر المواد الإعلامية في تليفزيون الدولة لخدمة الحكومة 
وتلميع المسؤولين. وإذا كانت هذه التوجيهات تأي في ظل النظام 
السابق بشكل شفويء فإهها أصبحت في عهد الإخوان معلنة وعبر 
بيانات رنعية يتم تعميمها. 

ولا يمكن قراءة البيان المذكور بعيدًا عن تلك الضغوط التي تمارس 
ضد المعدين والمذيعين لإاعادقهم لطاعة الحكومة, والتي كانت قد 
سقطت بسقوط دولة الحزب الوطني المنحل؛ ومنها طلب رؤساء 
القبوات الاطلاع على نصوص الخلقات "الاسكربت" قبل التصويرء 
والتدخل بحذف أو تعديل محاور الحوار والأسئلة, أو على الأقل إبداء 
عدم الرضا لإشاعة جو من الريبة والحذر في نفوس فريق العمل أثناء 
تصوير الحلقة, كذلك الاطلاع على الضيوف الذين يختارهم فريق 


6 حاتم جمال الدين؛ منشور رمي في ماسبيرو لإعادة إعلام الشعب لطاعة الحكومة؛ موقع "بوابة الشروق” 


الإلكترويي؛ 11 مايو 2013. 


-283- 





العمل بالبرنامج, والتدخل بالحذف أو الإضافة بحجة إحداث حالة من 
التوازن بعرض الرأي والرأي الآخر. وما الهدف الحقيقي من تلك 
الإجراءات سوى إقحام عناصر من الخزب الحاكم وجماعة الإخوان 
المسلمين على البرامج ليكونوا دائمًا في صدارة المشهد الإعلامي, 
خاصة أن هناك برامج لا تحتمل وجهتي نظر. 

وني ظل رغبة مرسي والذين معه أن يجعلوا الوطن مثل الجماعة, 
لا أن يجعلوا الججماعة مثل الوطن, تسارعت وتيرة كسر محاور الممانعة 
بالاستئصال أو التشويه أو التسفيه أو التخوين, بمدح الشخص حين 
يقول نعم, وذمه حين يتجرأ ويقول لا. 

وحتى يحدث ذلك. سعى النظام في عهد الإخوان إلى التحكم في 
مفاصل مؤسسات الأمن والقضاء والإعلام؛ الذي يُراد له أن يدكسر 
"إما بملاحقات قضائية, أو بضغوط مادية وسياسية: أو حتى بتشويه 
صارخ يتناقض مع كل ما فعله هذا الإعلام طوال سنوات سبقت 
الغورة من فضح للفساد والإفساد. وعرض لقضايا الجماعة بذاقَاء 
لذلك تبقى محاولات السيطرة على الإعلام عبر إعلاميي السمع 
والطاعة والمؤلفة قلويهم هي الحل؛ لكسر حور مناوئة صعب"267. 

بشكل عام؛ لكي تسيطر على منظومة إعلامية» أنت في حاجة إلى 
شيئين محددين؛ أوهما التحكم في تعيين القيادات: وثانيهما تويل عجز 
تلك الوسائل. 





7 حمد الصاوي, مجتمع السمع والطاعة, جريدة “الشروق"؛ القاهرة. 22 إبريل 2013. 


- 284 - 


هذا ما أخذت جماعة الإخوان المسلمين تفعله إزاء وسائل الإعلام 
المملوكة للدولة؛ لقد سيطرت عليها عبر تعيين القيادات وتمويل 
العجز؛ إذ تحكم وزير الإعلام "الإخوابي" في الوسائل المرئية 
'والمسموعة, وسيطر مجلس الشورى ذو الحيمنة الإخوانية على 
المؤوسسات الصحفية القومية. 

أكثر من 28 قناة تليفزيونية» وتسع شبكات إذاعية» تصدر عنها 
عشرات الخدمات, وثاي مؤسسات صحفية تصدر عنها نحو 55 
صحيفة باتت تحت قبضة جماعة "الإخوان المسلمين" الغليظة268. 

وني .عام واحد, قضاه محمد مرسي في منصب الرئيسء استطاع 
الإخوان أن يؤسسوا كيانات إعلامية خاصة يممء وصلت إلى 19 
شركة تم تسجيلها في هيئة الاستثمار, تمهيدًا لإطلاق 20 قناة فضائية؛ 
قرر الإخوان أن تكون صوقم الإعلامي, لتواجه به القنوات الفضائية 
الخاصة وتأثيرهاء غير أن ثورة 30 يونيو وحدها هي التي أجهضت 
هذا المخطط. 

تكشف المستندات حصول صفوت حجازي على تراخيص 4 
قنوات فضائية باسم مجموعة قنوات الشعب هي: "الشعب أخبارء 
والشعب دراماء والشعب سبورتء والشعب عامة", وتم بيعها رغم 
نفيه من قبله ملكيتها وتأكيده اقتصار دوره فيها على تقديم البرامج 





8 ياسر عبدالعزيز, "أخونة" الإعلام العام جريدة "المصري اليوم". القاهرة؛ 12 مايو 2013. 


- 285 - 


وتتصدر قائمة الشركات التي كوّها الإخوان وأصدروا تراخيص 
لها في الهيئة العامة للاستثمار "الشركة العربية التركية للإنتاج 
الإعلامي". التي تأسست في 21 يناير قبل خمسة أشهر من عزل 
مرسي. وهي شركة إنتاج لديها نشاط في إطلاق القبوات تحت 
التأسيس وملكيتها مشتركة بين مصريين ولبنانيين» وشركة "دي ميديا 
الإعلامية". التي تأسست في 26 مارس 2013 وأطلقت قناة 01/1 
ويعلكها رجال أعمال مصريون, فضلاً عن شركة "آي في سي". التي 
تأسست في 7 إبريل 2013 وأطلقت بالاسم نفسه. ويملكها رجال 
أعمال مصريون. 

وتضم وثيقة أسماء الشركات التي كوَّها الإخوان اسم شركة 
"ميديا سبوت" للقنوات الفضائية, التي تأسست في 26 مارس 2013 
وأطلقت ثلاث قنوات فضائية» هي قناة (وء00:1م بردام) وقناة "بلاي 
فيلم" وقناة "بلاي دراما", وبمتلكها رجال أعمال مصريون, وشركة 
"أطياف" للقنوات الفضائية والإعلام» تأسست في 14 إبريل 2013 
وأطلقت قناة "أطياف الفضائية" برأسعال سوري. وشركة "المصراوية 
للقبوات الفضائية" تأسست في 7 إبريل 2013 وأطلقت قناة 
'المصراوية” بملكية مصرية؛ وشركة "صوت اليمن للإنتاج الإعلامي", 
التي تأسست في 14 إبريل 2013 وحصلت على موافقة بإطلاق قناة 
بملكية يمنية, لكنها لم تعمكن من إطلاق القناة بعد ثورة 30 يونيو. 

وتضم القائمة شركة "السلام لالإنتاج التليفزيوبئ والقبوات 
الفضائية", التي تأسست في 7 إبريل 2013 وأطلقت قناة "الرشاد” 


- 286 - 


بملكية مصريين» وشركة "العلم والإيمان للإنتاج الإعلامي والقنوات 
الفضائية", تأسست في 14 إبريل 2013 وحصلت على ترخيص 
بإطلاق قناة "العلم والإيمان", بشراكة سعودية مصرية2» وشركة 
"أوسكار للقبوات الفضائية", التي بدأت نشاطها في 26 مارس 
3,؛ وأطلقت قناة "أوسكار دراما" وأصحابما مصريون, وشركة 
"فيكو للإنتاج الإعلامي والقنوات الفضائية", التي حصلت على 
موافقة في 14 إبريل 3 وأطلقت قناة النور الفضائية بملكية 

وتعتبر شركة "مجموعة زاد للإنتاج الإعلامي والقنوات الفضائية” 
الأحدث في قائمة التأسيس2 حيث أسسها الإخوان قبل ثورة يونيو 
بأيام, في 24 يونيو 2692013. 

غير أن المشكلة بقيت؛ لأن رسائل الإخوان عبر تليفزيون الحكومة 
أو حتى عبر القوات الخاصة التابعة لهم افتقدت المصداقية أو تناقضت 
مع تمارسات النظام ومواقفه. وذلك يعني أن الإخوان ليس عليهم 
إصدار تعليمات لقيادات التليفزيون أو إجبار الصحف القومية على 
أن تخصص معظم مساحات صفحات الرأي لعناصرهم.ء وإنا عليهم 
أولاً أن يغيروا رسالتهم لتصبح أكثر مصداقية وواقعية» وهي لن 
تكون كذلك إلا بتغيير سياستهم الإقصائية التي تسعى للهيمنة على 
المجال السياسي وإقصاء كل القوى السياسية الأخرى عنه270. 





9 محمد طهء “المصري اليوم” تكشف خطة الجماعة ل"أخونة الإعلام" خلال "عام المعزول".: جريدة "المصري 
اليوم”, القاهرة, 27 أكتوبر 2013. 
0 خالد السرجان» ماذا فعل الإعلام الرسمي للإخوان؟, جريدة "المصري اليوم"؛ القاهرة: 11 يونيو 2013. 


- 287 - 


غاب وعي الإخوان بتطورات العصر في مجال 0 وعجزهم 
عن تطوير الإعلام الرسمي بحيث يصبح منافسا مهيا للإعلام 
الخاص المناوئ لهمء وذلك يرجع لوجود خلل لديهم حول الإعلام 
نفسه وفلسفته والمهارات التي يجب أن تتوافر فيمن يعمل به. يضاف 
إلى ذلك اهم أفم ناصبوا «الأعلام العداء سواء أكان إعلاممً 
ريم أم إعلاممً خاصساء فقد أرادوا أن يكون الإعلام الرسمي 
خادمًا لهم. أما الإعلام الخاص فقد شيطنوه وجعلوه عدوهم 
الرئيسي؛ لأنه يقدم خدمة إعلامية تظهر فشلهم وعدم كفاءهم وقلة 
حيلتهم 271. 


عداء استدعى لغة الاعتداء. 

وقرعت للنة حماية الصحفيين الدولية أجراس الخطر. حين دعت 
الرئيس -حينذاك- محمد مرسي إلى أن يطالب أنصاره بالتوقف عن 
الاعتداء على الصحفيين, مشيرة إلى أن معظم الأدلة توضح أن جماعة 
الإخوان ترتكب هذه الاعتداءات, التي تستمر منذ فترة طويلة في 
تخويف ومضايقة وسائل الإعلام. وشددت اللجنة, المعنية بحماية 
الصحفيين حول العالم. على أن جميع الأطراف يجب أن توقف هذه 
الفجمات على الصحفيين» موضحة أن ما لا يقل عن 13 صحفي 
تعرضوا للاعتداء في اشتباكات أنصار الجماعة ومعارضي الرئيس في 
القاهرة والإسكندرية, خلال تظاهرات الإخوان. المطالبة بتطهير 
القضاء. 





1 المصدر نفسه. 
- 288 - 


ولفتت اللجنة إلى أن أعمال العنف تأنّ عقب حملة تصعيد ضد 
وسائل الإعلام المستقلة, المنتقدة لأداء النظام, وتتضمن هذه الحملة 
محاكمات قانونية واعتداءات جسدية وترهيبسً للإعلاميين272. 


وخلال الأحداث التي سبقت أحداث 30 يونيو وواكبتهاء طالبت 
منظمة "مراسلون بلا حدود" السلطات المصرية بالتراجع عما وصفته 
ب"القرارات التعسفية" التي تشكل خطرًا على استقلالية وسائل 
الإعلام العامة والخاصة؛ منددة بسلسلة الانتهاكات التي طالت 
إعلاميين خلال المظاهرات. 

وذكرت المنظمة الدولية؛ التي تعنى بحقوق الصحفيين حول العالم 
في بيان لها أن أكثر من 10 صحفيين تعرضوا لاعتداءات أثناء تغطية 
المواجهات بين عناصر المعارضة وأنصار الإخوان المسلمين في القاهرة 
ومناطق أخرى بالبلاد. وطالبت السلطات باجراء تحقيقات مستقلة 
لكى لا يفلت المعتدون من العقاب, مشددة على أن من مسؤوليتها 
توفير الحماية للإعلاميين حتى يتمكنوا من أداء عملهم بحرية وأمان 
تام. وأشارت إلى عدد من التقارير الحقوقية التي وثقت اعتداءات 
على الصحفيين خلال تلك الفترة, منها مقعل الصحفي صلاح الدين 
حسنء من صحيفة "شعب مصر"؛ في انفجار قنبلة تقليدية الصنع 
بمدينة بورسعيد, وإصابة 7 آخرين بين يومّي 28 و30 يونيو 
3.. 


2 بسمة المهدي., "الصحفيين الدولية” تطالب بوقف اعتداءات "الإخوان" على الإعلاهميين. جريدة "المصري 
اليوم” القاهرة؛ 26 إبريل 2013. 

3 بسمة المهدي, 'مراسلون بلا حدود” تطالب السلطات بالتراجع عن "خنق الإعلام". جريدة “المصري اليوم". 
القاهرة. 4 بوليو 2013. 


- 289- 


وقد أعلنت المنظمة في مايو 2013 تقريرها السنوي الذي يرتب 
بلدان العالم وفق "مقياس حرية الصحافة", حيث وضعت مصر في 
المرتبة 158 من بين 179 دولة, ووصفت الموقع الذي احتلته مصر في 
هذا الصدد ب"غير المشرف", وأشارت إلى أن من بين الأسباب التي 
أدت إلى بلوغ مصر هذا الموقع المتدي ما جرى من "تعيينات على 
رأس المؤسسات الإعلامية الحكومية» والاعتداءات الجسدية, 
وامخاكمات المتكررة التي طالت الصحفيين". 

وفي مطلع شهر مايو 22013 أعلنت منظمة "فريدوم هاوس" 
بدورها تقريرها السنوي عن حرية الصحافة في بلدان العالم المختلفة, 
حيث أكدت أن مصر انتقلت إلى خانة أسوأ تصنيف ضمن دول 
العال في مجال الإعلام؛ وهو تصنيف "دولة غير حرة". 

ويفيد تقرير 'حرية منتهكة.. انتهاكات حرية الإعلام في مصر 
72, الصادر عن "مركز دعم لتقنية المعلومات". أن عدد 
الانتهاكات التي وقعت بحق حرية الإعلام خلال العام 2012 وتم 
رصدهاء بلغ 185 انتهاكاء وأن هذه الانتهاكات شملت الاحتجاز 
والتعدي بكل أشكاله. والتهديد. والسب والقذف. والتحرشء 
والقعل؛ والتحريض, والمنع من النشرء والتدخل القسري في السياسة 
التحريرية, والإقالة» والتهديد بالغلق» إضافة إلى الاتهامات ب"إزدراء 
الأديان", و"إهانة رئيس الجمهورية", وغيرها. 

ويؤكد جمال عيد. مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان 
في مصرن أن عدد البلاغات التي قدمت بحق صحفيين وإعلاميين 


- 290 - 


ومواطنين, على مدى 200 يوم من رئاسة محمد مرسي. بتهمة "إهانة 
رئيس الجمهورية" يزيد على عدد البلاغات الممائثلة المقدمة طوال ثلاثة 
عقود تحت حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك274. 

لم يتغبر الإعلام لكن الإخوان المسلمين تغيّر موقعهم؛ صاروا 
سلطة. وعضوا يد الإعلام التي امتدت لهم وقت الحظر والمطاردة. 
أنكروا جميل من دفعوا ثمن ظهورهم والترويج لهم؛ بقي الإعلام كما 
هو ناقدًا للسلطة, وتحولت السلطة التي استفادت من الإعلام إلى 
عدو له ومتربص به مثل سابقتها275. 

دارت الدوائرء وسقط نظام الحكم الإخوانن. وخرج الإعلام من 
عباءة الميمنة الدينية» غير أن الضغوط ولملاحقات والمضايقات 
استمرت. فقد ارتفع عدد الصحفيين الذين قتلوا في مصر في الفترة 
من 78 يناير 5.1١‏ حتى 78 مارس 5.14؛ ليصل إلى 11 صحفياء 
دون أن تطال يد العدالة أغلب المسؤولين عن قتلهم. حسب تقرير 
أعدته الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان276. 

المسؤولية في حوادث قتل هؤلاء الصحفيين2.» حسبما تشير 
القرائن. تقع على عاتق جهاز الشرطة (ه ضحايا), جماعة الإخوان 


4 ياسر عبدالعزيز: الحرب الإعلامية في مصر الثورة. مجلة “الديمقراطية": القاهرة. 26 يولير 2013. 
5 أحمقد الصاوي. يا ناكر المعروف. جريدة "الشروق”". القاهرة, 2 إبريل 2013. 


6 وائل علي, “الشبكة العربية”: استشهاد 5/3) صحفيا في مصر منذ ينابر 3]3317]. حريدة “المصري اليوم”. 


القاهرة. 8 سبعمير 2014. 


- 291- 


المسلمين ومؤيديها ١(‏ ضحايا)» والقوات المسلحة رضحيتان). في حين 
يظل المسؤول عن ضحية أخرى مجهولاً حتى هذه اللحظة. 

في الكتيب الذي أصدرته الشبكة العربية لمعلومات حقوق 
الإنسان» تحت عنوان: "شهداء الصحافة في مصرء والإفلات من 
العقاب", نطالع توثيقا لأسماء وتواريخ وظروف مقتل 11 
صحفي ما بين محترف وهاو بينهم صحفيان غير مصربين (أميركي 
وبريطاي) قضى قضى أغلبهم أثناء وجودهم في مناطق شهدت أحداث 
عنف أو تظاهرات؛ فيما قُتل بعضهم في ظروف تشير إلى استهدافهم 
بسبب كوفم صحفيين. وتضمن الكتيب الذي صدر في هه صفحة 
من القطع المتوسط. أسماء الصحفيين ال 11 وصورهمء. كوثيقة 
تسلط الضوء على ظاهرة لم تكن معروفة في مصرء وهي قتل 
الصحفيين, لكنها أطلت برأسها بقوة» مصحوبة بظاهرة الإفلات من 
العقاب المترسخة في مصر منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك 
وحتى اليوم وفقا للشبكة. 

يكن مستغرببً والخال كذلك, أن تحعل مصر المرتبة الرابعة في 
التقرير السنوي لمنظمة "مراسلون بلا حدود" لعام 2.5.١4‏ من حيث 
اعتقال الصحفيين؛ بعد الصين وإريتريا وإيران؛ وأن تحتل مصر المرتبة 
4 من حيث حرية الصحافة؛ في ظل ما سماه تقرير المنظمة "التأويل 
المفرط لمفهوم حماية الأمن القومي على حساب الحق في المعلومة 
وتلقيهاء وذلك يعثل قديدًا لحرية الإعلام'277. 





7 هينا غالي» "مراسلون بلا حدود": مصر رابع دولة في اعتقال الصحفيين, جريدة "المصري اليوم", القاهرة, 


- 292- 


لأزمة العلاقة بين السلطة والصحافة جذور عميقة وحكايات 
يطول شرحهاء خاصة في عهد مبارك. 

لم ولن ينسى الصحفيون ذلك اليوم, الذي شهده محيط النقابة في 
شارع عبدالخالق ثروت, أثناء مظاهرة للصحفيين احتجاجهً على 
الاستفتاء على التعديلات الدستورية في عام 2005, عندما تعدت 
الشرطة على المتظاهرين» وشهد ذلك اليوم عددًا كبيرًا من حالاات 
التحرش الجنسي بصحفيات, من جانب قوات أمن بملابس مدنية, 
مدشنة مرحلة جديدة من مراحل انتهاك حرية الصحافة» وحبس 
الصحفيين وقمع حريات الرأي والتعبير. 

ورغم وعد رئاسة الجمهورية بالغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر 
عام 2004» والتشدق بعبارات فضفاضة عن الديمقراطية وحرية 
الرأي» ورأي الصحافة والرأي الآخر. فإن مبارك شهد "انتهاكات 
ضد الصحفيين والإعلام وحرية الرأي والتعبير". وفقا للمدير 
التنفيذي لمؤسسة حرية الفكر والتعبيرء عماد مبارك؛ الذي يرى أن 
أزمة عصر مبارك لم تكن في أن يكون لك رأي. لكن أن تعلن هذا 
الرأي, سواء عبر الصحف أو القبوات أو الحركات الطلابية أو أي 
وسيلة تعبير فنية أو أدبية"278. 

شهد عصر مبارك العديد من القيود, واتسمت سنوات عهده 
بقمع الصحفيين والإعلاميين أثناء عملهم, فضلاً عن إغلاق القنوات 

8 هدير الحضري ولينى عبدالباسط؛ في عهد المخلوع: 167 حالة قتل ب"التعذيب" في 16 عاما.. و411 


انتهاكا للتعبير عن الرأي» موقع "بوابة الشروق" الالكترريء 5 ديسمير 2014. 


- 293 - 





والصحف. وفرض قبضة أمنية على جميع النشاطات الإبداعية والفنية 
التي هدد النظام. تلك القبضة الأمنية على حرية الرأي والتعبير» أدت 
إلى تعطيل قانون تداول المعلومات, ما ساهم في انتشار الفساد الذي 
نعابي منه حتى الآن. بسبب التعتيم على القرارات والمعلومات 
والإحصائيات والبيانات», بالإضافة للتوسع في قرارات حظر الدشر في 
القضاياء وتعريض الصحفيين للحبس والغرامات. 

ورصد تقرير للمنظمة المصرية الحقوق الإنسان, عن الفترة بين 
عامّي 2000 و2009 نحو 411 حالة انتهاك لحرية الرأي والتعبير» 
تنوعت بين 168 محاكمة لصحفيين, والتحقيق في 33 قضية لصحفيين 
أمام النيابة العامة ومصادرة 130 مطبوعة ومؤلفساء و38 حالة سوء 
معاملة للصحفيين, بالإضافة إلى 30 حالة اعتقال ومحاكمة للمدونين» 
و12 انتهاكا ضد الفضائيات. 

وأكدت المنظمة في تقريرها أن أوضاع حرية الرأي والتعبير بصفة 
عامة, وحرية الصحافة بصفة خاصة؛ لم تشهد تطورًا ملحوظً خلال 
السنوات اللاحقة لإطلاق الوعد الرئاسي بإلغاء الحبس في جرائم 
النشرء وازدادت الصورة قتامة» في ضوء استمرار سياسة تكميم 
الأفواه. وحبس الصحفيين, والمغالاة في الغرامات الالية المفروضة 
عليهم؛ فضلاً عن الانتهاكات بحق المدونين» ومصادرة المؤلفات 
الفنية279. 


9 المصدر نفسه. 


- 294 - 


وفي 5 سبتمبر 2007, تم استدعاء إبراهيم عيسى, رئيس تحرير 
جريدة "الدستور" وقتهاء للتحقيق في "أمن الدولة". على خلفية اقامه 
بإذاعة أخبار كاذبة عن صحة مبارك, في عدة مقالات نشرها خلال 
الفترة من 24 إلى 30 أغسطس, وقضت المحكمة بحبسه 6 أشهر مع 
الشغل., وكفالة 200 ألف جنيه, وفي الاستئناف تم قبول الاستئناف 
المقدم منهء وتخفيف الحكم إلى شهرينء وإلغاء الغرامة, ثم أصدر 
مبارك قرارًا جمهوريا بالعفو الرئاسي عنه في 6 أكتوبر من العام 

وقضت محكمة جنح العجوزة بالحبس لمدة سنة, وغرامة 20 ألف 
جنيه. وكفالة 10 آلاف جنيه؛ لكل من رئيس تحرير جريدة "الفجر", 
عادل حمودة, ورئيس تحرير جريدة "صوت الأمة" الأسبق؛ إبراهيم 
عيسى, ورئيس التحرير التنفيذي ل"صوت الأمة". وائل الإبراشي, 
ورئيس تحرير جريدة "الكرامة" الأسبق, عبدالحليم قنديل؛ في القضية 
رقم 1799 لسنة 22007 بتهمة تعمد الإساءة لرئيس الجمهورية, 
بصفته رئيس الحزب الوطبي؛ وأمين لجنة السياسات في الحزب؛, جمال 
مبارك. 

ورصدت منظمات حقوقية 38 حالة سوء معاملة للصحفيين» و33 
حالة حظر نشرء ففي 8 إبريل 2008, تعرض طاقم تصوير تابع لقناة 
الجزيرة القطرية للإيقاف من جانب أفراد أمن بملابس مدنية» خلال 
تغطيتهم أحداث المحلة. وزيارة رئيس الوزراء لهاء واحتجاجات عدد 
من أهالي المعتقلين. 


29 5 


واقتحمت قوات الأمن مترل المدون والناشط في حركة "كفاية" 
بالغربية, ضياء الدين جاد. صاحب مدونة "صوت غاضب", في 6 
فبراير 2009», وألقت القبض عليه؛ كما اقتادته إلى مكان غير معلوم, 
وأودعته في سجن القطاء دون حكم قضائي» على خلفية توجيهه 
انتقادات لتعامل الحكومة مع أزمة الاعتداء على الشعب الفلسطيني. 

وأغلقت أجهزة الأمن مكتب قناة "العالم" الإبرانية في 23 يوليو 
8 كما صادرت عددًا من أجهزة الكمبيوتر, والأفلام, ومعدات 
التصوير. بدعوى عدم حصول القناة على ترخيص بالبث» رغم أن 
القناة كانت تعمل في القاهرة منذ عامين» ورصدت المنظمة المصرية 
لحقوق الإنسان. 12 انتهاكا ضد الفضائيات, و130 انتهاكا ضد 
المطبوعات, في العام نفسه. 

من المؤسف أن ظاهرة الإفلات من العقاب التي دشنها مبارك 
توسعت وانتشرت لتشمل الصحفيين أيضفاء ورغم ثورة 70 يناير 
التي كان شعار الكرامة الإنسانية ضمن شعاراتهَا الأساسية, فإن 
الحكومات المتعاقبة تورطت بشكل كبير في نفس الممارسات؛ لتظل 
العدالة مغيبة وسيادة القانون مطلبً ملح يهدره غياب الإرادة 
السياسية لإقراره. 


وقد رصدت مؤسسة "حرية الفكر والتعبير" 12 انتهاكفً 
وفعت بحق صحفيين ومصورين على يد قوات الأمن, أثناء تغطيتهم 
الصحفية للاحتجاجات التي انطلقت عقب صدور أحكام البراءة في 
القضية المعروفة إعلاميا ب"قضية القر ن"280. 





0 هيا غالي “الفكر والتعبير": 617 حالة اعتداء على الصحفيين خلال يومين بعد البراءة . جريدة “المصري 


اليوم”. القاهرة؛ 3 ديسمير 2014. 


- 296- 


فقد أصيب عبدالرحمن سليمء الصحفي بجريدة "الفجر", بطلق 
خرطوش في قدمه اليسرى. وتعرض محمد صلاح,. مصور جريدة 
"الفجر". للاعتداء بالضرب عليه وتكسير عدسة كاميرته, ومسح ما 
قام بتصويره بناء على طلب من أحد الضباط» ووجه أحد القيادات 
الأمنية السباب لعمر عبدالرحمن, من نفس الجريدة. واعتدى أحد 
الضباط على محمود أشرف العيسوي. مصور بجريدة "فيتو", بجوار 

وطبقا لشهادتي المصورين كريم عبدالعزيز ومصطفى يجبى» من 
جريدة "اليوم السابع"., تعرض المصور مصطفى السيد للإصابة ياحدى 
قنابل الغاز المسيل للدمو ع, والتي سقطت بالقرب منه. وعند سقوطه 
على الأرض, إثر الإصابة» تم القبض عليه وترحيله لقسم شرطة 
عابدين. 

وتم احتجاز محمد نورء مراسل "البوابة نيوز". داخل إحدى 
المدرعات في ميدان عبدالمنعم رياضء وبعدها تم ترحيله لقسم شرطة 
عابدين» حيث احتجز لبضع ساعات قبل إطلاق سراحه طبقا 
لبسام إبراهيم؛: مصور في "البوابة نيوز". والقبض على محمد الجبالي» 
مراسل موقع "دوت مصر". 

وخلال تمشيط قوات الأمن للمناطق المحيطة بميدابئ التحرير 
وعبدالمنعم رياض» 3 القبض على محب عماد, مراسل موقع "مصر 
العربية" الإلكتروي, من إحدى المقاهى بالقرب من شارع صبري أبو 


- 297 ب 


وقال عماد إنه تم القبض عليه عشوائيا مع من تم الاشتباه يم 
في المشاركة في المظاهرة, وتم الاعتداء عليه بالضرب عدة مرات على 
يد بعض أفراد القوات الخاصة. 

وفي “٠.‏ نوفمبر 4 ثم الاعتداء على محمد كمال وحازم 
عبدالحميد, المصورين بجريدة "المصري اليوم", من قبل مجندين أثناء 
تصويرهما الأحداث الجارية في ميدان عبدالمنعم رياض من أعلى 
كوبري " أكتوبر. وعندما أعلن المصوران أفهما صحفيان قيل لهما إن 
ذلك لا يعطيهما الحق في التصوير, بعدها تم اقتيادهما لسيارة الشرطة, 
وهناك اعتدى أحد الضباط الملثمين على كمال بالضرب على وجهه. 
ما تسبب يإصابة في عينه, وتم إطلاق سراحهما بعد طلباتهما المتكررة 
لفحص هويتيهما الصحفية. 

وأثناء محاولات الفضء, تم الاعتداء بالضرب على أحمد حسني, 
الصحفي في جريدة "اليوم السابع"؛ وضرب غُمر إسماعيل» مراسل 
جريدة "الوفد", على يد مجموعة من المجندين, بعدما تلقوا أمرًا من 
أحد الضباط بضرب المصورين رغم استئذانهما من أحد قيادات الأمن 
قبل التصوير والتزامهما بالوقوف وراء أحد الأسوار الحديدية بناء 
على طلبه. 

اكتسب الإعلام المصري من تلك التجارب الأليمة والتصدي لها 
بمختلف الطرق القانونية والنقابية الممكنة, قدرة أكبر على الصمود في 
وجع الضغوط, وربما حاجة أشد إلى إعادة ترتيب البيت من الداخل» 
وفق ميثاق شرف إعلامي. لضمان إدارة أهل المهئة شؤوفهم بشكل 
يستقيم مع متغيرات المرحلة. 

- 298 - 


عندما تصمت الحقيقة 


"أنا قلب يكان شخشيخة أصبح جرس 
جلجلت به صحيوا الخدم والحرس 
أنا ا مبرج.. قمت وليه خفتوليه 

لا ف إيدي سيف ولا تحت مني فرس 
عجبي”'281 


ف يوم الغلاثاء الموافق 4 ديسمبر 2:؛ كانت مصر على موعد 
مع احتجاب الحقيقة. 


فقد احتجبت 11 صحيفة حزبية ومستقلة الاحتجاب, 
احتجاجسا على مواد الصحافة والحريات بمشروع الدستورء تنفيدًا 
لقرار بجلس نقابة الصحفيين بالاحتجاب», حال استمرار تجاهل 
الجمعية التأسيسية مطالب الجماعة الصحفية. 

والحاصل أن الجمعية التأسيسية رفضت كل اقتراحات نقابة 
الصحفيين تقريباء مثل حظر الحبس في جرائم الرأي والاكتفاء 
بالعقوبات المدنية» وحظر المصادرة أو الإيقاف أو التعطيل حتى بحكم 
قضائي2, وكذلك النص على استقلال الصحف ووسائل الإعلام 


1 صلاجح جاهين: رباعيات» مكتبة الأسرة, الهينة المصرية العامة للكتاب, القاهرة» 1996. 


ت 299 


المملوكة للشعب عن السلطة التنفيذية والحزب الحاكم. كما أوردت 
في مشروع عور نصوصً مطاطة تسمح بتقييد حرية الصحافة 
والإعلام, انتقامً من الإعلام لدوره في كشف الأخطاء وفضح 
الأكاذيب. 

والصحف التي احتجبت عن الصدور احتجاجاً علي تقيبد 
الخريات هي: الشروق, والتحريرء والوطن, والمصري اليوم» واليوم 
السابع» والوفدء والأسبوع, والأحرارء والفجرء والأهالي, 
والدستور282. 

كان الحدث استثنائيا في ظل تضامن حمس قنوات فضائية - 
وهي قنوات 080011 و"دريم" و©8. و"الحياة" و"القاهرة والناس"- 
مع الصحف وتعهدها بعسويد شاشاقًا في اليوم التالي مباشرة, من 
الساعة 6 مساء حتى 2 صباحماء وهو ما تعذر إنجازه إثر تفجر 
الأوضاع وتصاعد حدة المواجهات الدامية والمؤسفة أمام قصر 
الاتحادية الرئاسي. 

تزامن قرار تسويد شاشات قنوات فضائية مصرية مع تصاعد 
وتيرة استهداف قوى إسلامية لمدينة الإنتاج الإعلامي. رغم أن 
القبوات الفضائية العاملة فيها كانت وسيلة الإسلاميين أنفسهم 
للظهور للرأي العام والحصول على الشرعية؛ في زمن المنع والحظر في 
عهد مبارك. 


2 ججمال لهسي: جنيع الصحف الحزبية والمستقلة تحتجب اليوم. جريدة “روز اليوسف"؛ القاهرة. 4 ديسمير 


.012 


- 300 - 





يذ كر أن الشركة المصرية لمدينة الإنتاج الإعلامي -التي حاصرها 
أنصار الشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل غير مرة- أنشئت في المنطقة 
الحرة بمدينة السادس من أكتوبر 1997 طبقًا للقانون 230 لسنة 
8 والقانون رقم 8 لعام 1997, وقيدت في البورصة 1999 برأس 
المال المصرح بقيمة 5 بلايين جنيه مصريء ورأس مال مدفوع بقيمة 
2 بليون جنيه موزعة على 172 مليون سهم283. 

كان في تقدير عدد من شيوخ مهنة الصحافة أن الاحتجاب يعد 
خطوة أولى ضمن سلسلة إجراءات تصعيدية للحفاظ على حرية 
الصحافة, باعتبارها حقا للشعب المصري بأكمله وليس خاصً 

جاء ذلك وسط جدل حول مواد الدستور الجديد التي تمثل ردة 
عن حرية الرأي والتعبير» وتبدو أسوأ من مواد دستور مبارك. ونحن 
لا نجاوز الحقيقة حين نقول إن وضع الصحافة في مواد مشروع 
الدستور بدا كارثياء خاصة المادة 48 التي تعد عدوانا على سلطة 
الصحافة وتقييدًا لحرياتها.. وكأن الثورة لم تحدث أصلاً ولم تناد 
بالحرية» وسط شعور عام لدى الجماعة الصحفية بوجود رغبة من 
النظام الحاكم في الإبقاء على العقوبات السالبة للإرهاب لعكميم 
الأفواه ومنع الرأي الآخر. 


3 مدينة الإنتاج من منصة الشرعية للإملاميين إلى هدف لنحرب. جريدة "المصري اليوم"”, القاهرة.» 10 


ديسمير 2012. 


- 301- 


وفي ظل تنامي قوة تيارات الإسلام السياسي. وقعت قاطرة 
الإعلام الملصري ورجاها بين سندان "العداء والقمع" ومطرقة "الصدام 
أو التمكين". أو فتح الباب أمام الفوضى أو ثورة جديدة بانت 
إرهاصاهًا قبل معركة تمرير الدستور. ووسط كل هذا الصراع 
السياسي بين الصحافة . والسلطة الحاكمة. كانت جماعة الإخوان 
المسلمين تبسط سيطرفًا على الصحف والمؤسسات القومية, التي 
أصبحت تتحدث بلسافا بنفس الصورة التي كانت تتحدث ها أيام 
الرئيس السابق مبارك. 

ويبدو أن السلطة في عهد مرسي لجأت إلى تكتيك يتمثل في أن 
تبدأ بالأكثر شهرة ميا ولا ردق العلاقات مع المجتمع المدي 
المصري والدولي, لكي ترسل رسالة إلى الباقين بأنه ليس هناك من هو 
عصي على التحقيق» حتى لو وصل الأمر إلى الحبس ولا يخفف من 
وطأة هذا التوجه. خطوة متأخرة, على غرار ما أعلنه المتحدث 
الرسمي باسم رئاسة الجمهورية؛ من أن مرسي أمر بسحب جميع 
البلاغات المقدمة ضد الصحفيين؛ والتي تتعلق بإهانته أو نشر شائعات 
حوله284. 

وإذا كان النظام قد بدأ عهده باستدعاء الإعلاميين إلى النيابات» 


كما حدث مع محمود سعد وريم ماجد وإبراهيم عيسى وجمال فهمي, 
فإن كل ذلك كان مقدمات لا هو أسوأل بدأ مع استدعاء باسم 


4 تجلاء سليمان. مرسي يأمر بسحب جنيع البلاغات المقدمة ضد الصحفيين بتهمة 'إهانة الرئيس". موقع "بوابة 
الشروق” الالكتروي. 10 ابريل 2013. 


- 302 - 


يوسف مقدم برنامج "البرنامج" بتهمتي إهانة الرئيس وازدراء 
الأديان» وتم تحويل كل من جابر القرموطي وشيماء أبو الخير إلى 
النائب العام بتهم مختلفة؛ لتبدأ مرحلة جديدة وقاسية من العصف 
بالحريات وتكميم الأفواه ومطاردة الإعلاميين285. 


يكفي أن نشير إلى أن الفترة منذ تولي الرئيس مرسي في 30 يونيو 
2 حت مطلع مايو 2013 اتسمت بخنصوصية شديدة فيما يتعلق 
بالاعتداءات التي تعرض لها الصحفيون المصريون, بالنظر إلى ما شاب 
تلك الفترة من اشتباكات عنيفة في الاتحادية والمقطم وغيرهما. حتى 
بلغ عدد الصحفيين المصريين الذين تعرضوا لاعتداءات مرصودة 64 
صحفيا يمثلون 9/031 من إجمالي الصحفيين المصريين الذين تعرضوا 
لاعتداءات مند ثورة 25 يناير. 

إن هذا الرصد -الذي أعده مركز المصري للدراسات 
والمعلومات- اعتمد على البلاغات الموجهة للنائب العام من الشؤون 
القانونية بنقابة الصحفيين» وتقارير لجنة حماية الصحفيين الدولية, 
والمنظمات الحقوقية ذات الصلة وكذلك التقارير الإعلامية المعنية, 
وحسب تقرير المركز فإن: "الرقم قد يكون أقل بقليل أو بكثير عن 
الاعتداءات التي وقعت بالفعل ولم يتم الإبلاغ عنها أو تغطيتها 
إعلاميا". 

وأشار المركز في دراسته إلى أنواع الاعتداءات التي تعرض لا 
الصحفيون المصريون في الفترة من 1 يوليو 2012 حتى 30 إبريل 


5 خالد السرجاي» باسم يوسف ليس وحدى جريدة "المصري اليوم", القاهرة. 2 إبريل 2013. 


- 303 - 


3:؛ وأفهم تعرضوا لنحو 92 اعتداء من 13 نوعاء بلغ أكثرها 
حالات الاعتداء بالضرب 5 حالة. كما اشتملت على 11 حالة 
إصابة بطلقات خرطوش أو رصاص حي أو مطاطي, هذا إلى جانب 
حالة قتل واحدة متمثلة في الصحفي الحسيني أبو ضيف. الذي لقي 
مصرعه بعد أسبوع من إصابته بطلق خرطوش في الرأس أثاء تغطيته 
أحداث قصر الاتحادية في ديسمبر 2012. 

ويظهر الرصد حالتّي اختطاف, الأولى محمد الصاوي من موقع 
"مصراوي", الذي تعرض للاختطاف في فبراير 2013 من قبل رجال 
يرتدون ملابس مدنية أجبروه على ركوب سيارة بزعم عملهم مع 
الشرطة واضعين عصابة على عينيه حيث اقتادوه إلى مكان مجهول, ثم 
أطلقوا سراحه بعد ضربه والاستيلاء على متعلقاته. وكذلك فوزي 
هويدي بجريدة "المساء" ني مارس 2013 الذي اخشطف أمام مترله. 


كما اشتمل الرصد على 9 حالات استدعاء للتحقيق جاء أغلبها 
في اقهامات تتعلق باهانة رئيس الجمهورية» وتكدير السلم والأمن 
القومي. وازدراء الأديان. وإهانة السلطة القضائية» والتعليق على 
أحكامها. ومنهم إسلام عفيفي, الذي قررت المحكمة حبسه 
اخياط على ذمة قضية اقهامه بإهانة الرئيس من خلال نشر "أخبار 
كاذبة". وهو ما أعقبه إصدار مرسي قرارًا بقانون بالغاء الحبس 
الاحتياطي للصحفيين في أغسطس 2012. 

يضاف إلى ذلك حالات الاحتجاز المؤقت والاعتقال» والإساءات 
اللفظية وتوجيه التهديدات, والقيام بأعمال البلطجة من خلال تكسير 


- 304- 


السيارات والاستيلاء على المتعلقات الشخصية. 

وفيما يتعلق بالجهة القائمة بالاعتداءء يتضح أن التكرار الأعلى 
جاء لصاح المتظاهرين بإجماللي 23 حالة وبنسبة 9036 من إجماللي 
حالات الاعتداء, أخذا في الاعتبار أن 9/83 من حالات تعدي 
المتظاهرين جاءت من قبل أنصار جماعة الإخوان المسلمين يإجماللي 19 
حالة, وهو ما يزيد على حالات الاعتداء من جانب قوات الشرطة 
التي بلغت 14 حالة. ويلاحظ في هذا الشأن الارتفاع الكبير 
للاعتداءات التي يقوم بها مجهولون بنسبة 7020.3 والتي تمثل جزءا 
من ظاهرة عامة لخحالات الاعتداء التي يقوم يما مجهولو الهوية. 

وفيما يتعلق بتوزيع الصحفيين الذين تعرضوا لاعتداءات وفق 
الوظيفة» يلاحظ يما وجود نسبة عالية نسبيا من المصورين بإجمالي 
3 مصورًا بنسبة 9036 من تعرضوا للاعتداءء وهو ما يرجع إلى 
سهولة الاستدلال على الصحفي المصور من خلال أدواته ورغبة 
المعتدي في منع تسجيل الاعتداء أثناء وقوعه. هذا إلى جانب رسام 
كاريكاتير واحدء وهي الرسامة في جريدة "المصري اليوم” دعاء 
العدل. التي تم استدعاؤها للتحقيق في ديسمبر 2012 بتهمة ازدراء 
الأديان286. 


6 محمود الواقع وهركز المصري للدراسات والمعلومات؛» دراسة: 64 صحفيا تعرضوا لاعتداءات بين القتل 


والاختطاف تحت حكم "مرسي". جريدة "المصري اليوم". القاهرة, 4 مابو 2013. 


- 305 - 


نشير أيضا إلى رصد 202 انتهاك ضد إعلاميين ومؤسسات 
إعلامية»؛ خلال 2012, من بينها 126 حالة في عهد محمد مرسي, 
تمثلت في القعل والتحرش والسب والقذف والضرب والتهديد 
والتحريض, وهم بازدراء الأديان, وإهانة رئيس الجمهورية. 

ويكشف التقرير السنوي المركز دعم لتقنية المعلومات أن 
الانتهاكات الموجهة إلى الإعلاميين في عهد مرسي بلغت 14 حالة, من 
أصل 185 خلال عام 2012. وأن عدد الانتهاكات الموجهة إلى 
وسائل الإعلام 12 من أصل 17 خلال العام. واحتل شهر ديسمبر 
المركز الأول في عدد الانتهاكات الموجهة إلى الإعلاميين» بواقع 55 
حالة, فيما احتل مايو المركز الثابي» ب28 انتهاكساء وفبراير المركز 
الأخير بحالة واحدة. 

ورصد التقرير 29 حالة ضرب, و44 تحقيقاء و19 احتجاراء 
و14 تحقيقا إدارياء و14 تحقيقا أمام القضاء العسكريء و11 
إهانة للرئيس2, وحالة اختفاء واحدة, وتجاوزات تمدئلت في وقف 
برامج. وأشار إلى أن عام 2011 شهد 280 انتهاكاء منها 190 
خلال الأيام ال18 الأولى لثورة 25 يناير287. 

نشير أيضسا إلى أن عدد البلاغات المرفوعة ضد الصحفيين 
والإعلاميين بسبب آرائهم أو مناقشتهم قضايا المجتمع والسلبيات 





7 فتحية الدخاخني وحسام الهندي. مرسي يسحب بلاغاته ضد الصحفيينء جريدة “المصري اليوم", القاهرة: 


1 إبريل 2013. 


- 306 - 


الموجودة فيه. وصل إلى نحو 600 بلاغ منذ تولي محمد مرسي مقاليد 
السلطة. آخر يونيو 2012, وحتى مارس 2013, ثما يعد رسالة 
موجهة لكل صحفي يعارض النظام الحاكم, لإسكات صوته. والقضاء 
على حرية الرأي والتعبير» وفرض نوع من الوصاية على امجتمع 
المصري288. 

الأكى من ذلك أن الأشهر الستة الأولى للرئيس محمد مرسي 
شهدت حملة ملاحقات للصحفيين والعاملين ني مجال الإعلام,» بلغت 
أربعة أمثال ما تعرضوا له خلال عهد الرئيس حسني مبارك الذي 
استمر 30 عامًا. 

وحسب جمال عيدء مدير الشبكة العربية لمعلومات حقوق 
الإنسان. فإن الملاحقات القضائية التي تعرض لها الصحفيون 
والعاملون في الإعلام خلال الشهور الستة الأولى من عهد مرسي 
وصلت إلى 24 مرة ضعف عدد القضايا التي شهدقًا فترة الرئيس 
الراحل أنور السادات؛ وهي أكثر من كل حكام مصر منذ بدء العمل 
بالمادة التي تجرم إهانة رأس الدولة في عام 21909 وتم استخدامها 
لأول مرة في عهد الخديو عباس حلمي الثا ضد الصحفي الراحل 
أحمد حلمي289. 


8 وائل علي "المنظمة المصرية": 600 بلاغ ضد إعلاميين منذ تولي “مرسي”. جريدة “المصري اليوم", القاهرة. 
3 إبريل 2013. 

9 أحمد شلبي ومحمد ماهر وحازم يوسف. "الشبكة العربية”: ملاحقات الإعلاميين 4 أضعاف عهد مبارك, 
جريدة “المصري اليوم". القاهرة. 20 يناير 2013. 


- 307 - 


بل إن وضع الصحافة أصبح أكثر سوءًا بعد انتخاب أول مجلس 
شورى عقب ثورة 25 يناير؛ إذ أخذ هذا المجلس -الذي قيمن عليه 
قوى الإسلام السياسي- يتدخل في أمور ليس له الحق فيهاء منها 
تأديب الصحفيين وسلب هذا الحق من نقابة الصحفيين» وظهر هذا 
بوضوح في قضية عزل جمال عبدالرحيم رئيس تحرير جريدة 
'الجمهورية" من منصبه, علما أنه ليس في الفصل الخاص بالمجلس 
الأعلى للصحافة من قانون تنظيم الصحافة (96 لسنة 1996) أي نص 
يجيز لرئيس امجلس. أو المجلس نفسه. أن يعين أو يفصل أي محرر في 
الصحف القومية, فما بالك أن يكون رئيس لتحرير صحيفة يومية 
قومية» وليست به أي إشارة لما يوصف بعقوبة "الوقف عن العمل". 
واللائحة النفيذية لهذا القانون, لا تعطي "جنة القيم" بامجلس الأعلى 
للصحافة. أي اختصاص بالتحقيق مع الصحفيين أو توقيع أي 
عقوبات عليهم290. 

وذكر هنا بأن أول قرار بقانون يصدره محمد مرسي بعد أن 
انتقلت إليه سلطة التشريع. تضمن مادتين فقطء الأولى تقضي بتعديل 
نص المادة 41 من قانون سلطة الصحافة الصادر عام 1996, التي 
كانت تنص على أنه "لا يجوز الحبس الاحتياطي في الجرائم التي تقع 
بواسطة الصحف», إلا في الجريمة المنصوص عليها في المادة 179 من 
قانون العقوبات", بحيث يلغى الاستشناء الوارد في المادة» وتنطبق على 





0 صلاح عيسى؛ هوامش قانونية على قرار فصل "جمال عبدالرحيم"؛ جريدة “المصري اليوم", القاهرة. 20 
أكتوبر 2012. 


- 308 - 


كل الجرائم التي تقع بواسطة الصحف بما في ذلك جريمة إهانة رئيس 
الجمهورية التي تنص عليها المادة 179 من قانون العقوبات» وتدنص 
الثانية على أن ينفذ هذا القانون بمجرد صدوره. وكان الغرض 
الأساسي من هذا القرار بقانون هو حبس إسلام عفيفي رئيس تحرير 
جريدة "الدستور" الخاصة بتهمة نشر بيانات وشائعات كاذبة تنطوي 
على إهانة رئيس الجمهورية, من شأها تكدير الأمن العام. 

ومع ذلك فإن قوة الإعلام الخاص والحربي في مصر تكمن في 
إخفاق التيار الإسلامي في صنع تجارب إعلامية مثل الموجودة على 
الساحة؛ لافتقادها الموهبة والمهارة المهنية التي تمكنها من التأثير مباشرة 
في المواطنين. 

المشكلة أن النظام في عهد الإخوان المسلمين لم يخف موقفه المعادي 
للصحافة والإعلام, وظهر هذا بوضوح من خلال تصريحات مرشد 
الإخوان محمد بديع» بل رئيس الجمهورية نفسه. حينما وصفوا 
الصحفيين بأهم "سحرة فرعون" و"مرتشون"201. 

هجوم مرشد الإخوان على وسائل الإعلام تكرر لمرات عدة في 
الرسائل الأسبوعية التي ينشرها على موقع الجماعة؛ وتعتبر تلك 
الرسائل السياسة العليا ورسم الطريق أمام أفراد الجماعة؛ ومن ضمن 
تلك الرسائل ما نشر يوم 6 ديسمبر 2012 حيث اَم "بعض وسائل 


1 خلف علي حسن وفاروق اللممل ومينا غالي, الإعلام.. مدفعية الثورة, جريدة "المصري اليوم", القاهرة: 31 


ديسمير 2012 


- 309 - 








الإعلام المقروءة والمرئية والمسموعة بالمساعدة على إثارة البلبلة 
والتشكيك, والنيل من بعض الشخصيات والهيئات". 

كما نال مرشد الإخوان من الإعلام في رسالة أخرى نشرها في 
7 ديسمبرء حيث قال: "والذين يعملون لتقدم الأمة وهضتها يجب 
ألا يلعفتوا إلى الضجيج الإعلامي المثبط, الذي أضحى يكذب 
ويتحرى الكذب في كل ما يتناوله ولنحذر من أن نشغل أنفسنا 
بالرد على ما يفترون؛ لأنه يستهلك الأوقات والجهود في جدل 

وني 8 ديسمبر شارك المهندس خيرت الشاطر, نائب محمد بديع 
في مكتب الإرشاد, في الحجوم على الإعلام» وذلك عقب مؤتمر هيئة 
حقوق الإصلاح2, وهي تجمع للإخوان والسلفيين.» حيث هاجم 
الشاطر الإعلام قائلا: "إنه إعلام المال الفاسد يضلل الشعب» لكن 
فاهم أن الشعب المصري بفطرته عيزء وسيكتشف أهم مضللون 
وفاسدون". 

لم تكن تلك المرة الأولى التي يهاجم فيها الشاطر الإعلام» حيث 
نشرت له من قبل وكالة الأناضول تصريحات هاجم فيها الإعلام يوم 
3 أغسطس 2012 في لقاء ضم عددًا من ممثلي الحركات الشبابية 
والنسائية» وجبهة إنقاذ الثورة» حيث منعت وسائل الإعلام من 
حضوره ما عدا وكالة الأناضول وشبكة يقين على الإنترنت» وقال 
الشاطر, وقتها "إن الإعلام مازال مرتبطا بالنظام السياسي السابق, 
ولا بد أن ينحاز لمصلحة الوطن, ولا يقوم بمحاربة عملية التغيير 


-310- 


الوطني"292. ا 

دعونا لا ننسى أن نائبا من نواب جماعة الإخوان المسلمين 
طالب عام /ا..27 أثناء نظر مشروع قانون بإلغاء عقوبة الحبس في 
بعض مواد قانون العقوبات المتعلقة بالصحافة والنشرء واستبداها 
بالغرامة المالية بأن يكون البديل للحبس هو جلد الصحفي -الذي 
يدان بتهمة القذف- ./ جلدة في ميدان عام تطبيقا لما يتوهم أنه 
الشريعة الإسلامية. بل إن رئاسة الجمهورية في عهد محمد مرسي 
خططت لحملة ملاحقات قضائية لكل من يتناوله بالنقد, وأن لجنة 
شكلها حزب "الحرية والعدالة" المدحل. قدمت بلاغ للنيابة 
العامة ضد صحفيين وإعلاميين في سياق هذه الحملة, وأن القنوات. 
التليفزيونية الناطقة باسم مرسي وجماعته. كانت تذيع برامج يومية 
تدعو للطائفية» وقدد الصحفيين المعارضين لحكم مرسي بالويل 
والغبور وعظائم الأمورء وتطعن في أعراضهم, وتطالب بوضع أقفال 
على أفراههم؛ أو قطع ألسنتهم أو ضرم بعصي من حديد.. وأن 
فريقا من حلفاء الجماعة حاصر مدينة الإنتاج الإعلامي لكي بمنع 
العاملين في مجال الإعلام من تقديم برامجهم. وأشعل آخرون النيران في 
بعض دور الصحف203. 


2 حسام الهندي؛ جماعات الإسلام السياسي تدق "طبول الحرب" ضد الإعلام. جريدة "المصري اليوم", القاهرة. 
2 يناير 2013. 
3 صلاح عيسى, الإرهاب أعلى مراحل الديكتاتورية» جريدة “المصري اليوم". القاهرة. 1 نوفمير 2014. 


-311- 


والشاهد أن حرية الإعلام كانت أولى ضحايا عهد الرئيس 
مرسي, الذي أخضع أجهزة الإعلام الرسمي لوزير من جماعته. كتم 
أصوات المعارضينء وبدّل رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية 
بصحفيين يدينون له بالولاء» أغلق صحفا وقنوات تليفزيونية 
بقرارات إدارية, وقدم إعلاميين للمحاكمة بتهمة إهانته والمساس 
هيبته» وعيّن مجلسا أعلى للصحافة يقوده أتباعه, وسمح مشروع 
دستوره بحبس الصحفيين بعد أن كان دستور 1971 يحظر ذلك.. 
كانت الطامة الكبرى عندما قرر حلفاؤه الاعتداء على مقر جريدة 
"الوفد". وفرض حصار على مدينة الإنتاج الإعلامي التي قرروا 
تعديل اهمها إلى مدينة الإنتاج الإسلامي294. 

وبتفصيل أكبرء نجد أنه ومع تعيين مجلس الشورى رؤساء تحرير 
جدد للإصدارات الصحفية القومية» انكشفت لعبة ترويع الصحافة 
عبر إحلال بعض الموالين للإخوان في مواقع المسؤولية داخل 
مؤسسات صحفية, ليبدأ العصف بالحريات داخل الإصدارات 
الصحفية القومية» ويشهد بعضها مذبحة للحريات» ويتم إلغاء التنوع ش 
من معظم هذه الصحف على النحو الذي رصده تقرير لشبكة العربية 
لمعلومات حقوق الإنسان. فقد مُنعَ مقال الروائي يوسف القعيد "لا 
مع ولا طاعة" يوم السبت 11 أغسطس 2012 من النشر بصحيفة 
"الأخبار". حيث كان المقال يتضمن انتقادات لجماعة الإخوان 
المسلمين, وذلك إثر الاعتداءات التي تعرض لها بعض الإعلاميين 
بمدينة الإنتاج الإعلامي. 


4 حمدي قنديل؛ الحريق في مصر كلهاء جريدة “المصري اليوم", القاهرة؛ 17 ديسمبر 2012. 


- 312 - 


كما تم منع مقال الكاتبة الصحفية عبلة الرويني» رئيس تحرير 
"أخبار الأدب". التي طالتها حملة التغيير في التعيينات بعد عام ونصف 
العام من رئاستها تحرير "أخبار الأدب" بسبب اعتراضها على حذدف 
كلمة "أخونة الصحافة". في إشارة منها إلى حركة التغييرات الصحفية 
التي أجراها مجلس الشورى يوم الأربعاء 8 أغسطس. وقد ذكرت أنما 
بعد امتناعها عن الكتابة يوم 9 أغسطسء استجابة لدعوة امتناع 
كتاب الرأي التي أطلقها رؤساء التحرير مساء يوم الأربعاء 8 
أغسطس 2012: سلمت مقالها الذي تكتبه تحت عنوان "فار" الذي 
كانت تشير فيه إلى سبب احتجابما وامتناعها عن الكتابة 9 أغسطس» 
إلا أنها فوجئت بالمشرفين على الصفحة التي ينشر بما المقال يقولون إن 
الأوضاع تغيرت وإن ما كان يسمح به أمس لا يمكن أن يتم السماح 
به اليوم. وتم اليا منع المقال الأسبوعي للروائي إبراهيم عبداجيد 
من جريدة "الأخبار" وذلك يوم 9 أغسطس 2012 والمقال الأسبوعي 
للكاتب والسيئناريست مدحت العدل بعد امتناعه عن كتابة مقاله 
الأسبوعي بجريدة "الأخبار" احتجاجا على تعيينات مجلس الشورى 
في تلك الفترة» وتضامنا مع الكتاب الممتنعين عن الكتابة» وكان 
مقاله بعنوان "سيادة الرئيس.. مصر أم الجماعة؟!". المقال عبارة عن 
رسالة للرئيس مرسي طالبه فيها بخلع عباءة الإخوان المسلمين إذا أراد 
أن يحكم مصر. وتم أيضمًا منع نشر مقال الكاتب وانحامي ثروت 
الخرباوي القيادي الإخواني السابق: الذي كان يتناول الدولة المدنية 
في الإسلام بعنوان "ليت الذين يحكموننا يفهمؤن", وجاء قرار منع 
نشره دون إبداء أي أسباب واضحة تذكر للكاتب الذي تم الاتفاق 


-313- 


معه منذ فترة على كتابة مقال أسبوعي ينشر صباح كل حميس في 
جريدة "الأهرام". 

وتم إلغاء صفحة "آراء حرة" بجريدة "الأخبار" يوم 15 أغسطس» 
ال يكفين يما كتاب من خارج مؤسسة "الأخبار" مثل إبراهيم 
عبدامجيد ومدحت العدل ومحمود الورداني» وغبرهم من كبار الكتاب 
والمفكرين والمبدعين. وتم استبقاء كاتب واحد من بين كل الكتاب 
هو بدر محمد بدر المنعمي لجماعة الإخوان المسلمين. وبعد ذلك تم 
التضييق على نقيب الصحفيين الأسبق جلال عارف حتى ترك الكتابة 
في بيته. وانتقل إلى جريدة "التحرير", ثم مُنعَ مقال أحمد طه النقر 
المتحدث باسم الجمعية الوطنية للتغيير. 27 مجلة "آخر ساعة"", تم 
إيقاف مقالات عدة كتاب في مقدمتهم سلمى قاسم جودة ومنى 
ثابت. 

وفي جريدة "الجمهورية" تم منع مقال الكاتبة غادة نبيل من الدشر 
بعنوان "الخحرية والعدالة.. كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في 
الميزان", الذي وجهت من خلاله الانتقادات لحرب الحرية والعدالة, 
بصفة خاصة؛ وتيار الإسلام السياسي بصفة عامة, بعد منع نشر 
مقالات عدد من الكتاب والصحفيين في الصحف القومية. وتم إلغاء 
الصفحة الثقافية بجريدة "الجمهورية" التي كانت تشرف عليها. بسبب 
المقال المشار إليه. وقال رئيس تحرير "الجمهورية" السابق جمال 
عبدالرحيم إن الصفحة سوف تعود بعد تطويرهاء مهاجما غادة نبيل 
وطالب بعودقًا لقسم الترجمة بالجريدة!.. ولكن جمال نفسه أطيح به 


-314- 


من منصبه وحصل على عدة أحكام قضائية بالعودة لكنها لم تُنقذ. 

ومُنَعَ الكاتب الصحفي عبدالجليل الشرنوبي منسق "جبهة الإبداع 
المصري", من الكتابة في الصفحة السياسية ب"مجلة الإذاعة 
والعليفزيون" بسبب آرائه. وذكر الشرنوبي أن إدارة تحرير "مجلة 
الإذاعة والتليفزيون" طلبت منه عدم الكتابة في قسم السياسة؛ لأن 
إدارة المجلة لا تستطيع أن تتحمل تبعات معارضته للنظام الحاكمء 
خصوصا في ظل تبعية وجود القيادي الإخوانئ صلاح عبدالمقصود 
على رأس وزارة الإعلام, وأنه مضطر للكتابة في قسم الفن فقط. وتم 
إيقاف نشر باقي حلقات كتاب "عائد من جنة الإخوان" للكاتب 
الشاب سامح فايزء في مجلة "المصور", الذي يحكي عن قصة فايز مع 
جماعة الإخوان المسلمين» وكانت امجلة قد نشرت حمس حلقات بعد 
اتفاق مع الصحفي حمدي رزقء رئيس تحرير امجلة السابق. 

وتم استبعاد الكاتب إبراهيم حجازي من كتابة مقاله الأسبوعي في 
عدد الجمعة من جريدة "الأهرام", الذي يداوم على كتابته منذ 22 
عاماء وذلك بعد طلب رئيس التحرير منه تقليص المساحة 
المنخصصة لقاله إلى نصف المساحة. وبعد رفض إبراهيم حجازي هذا 
الطلب, نشر العدد مع اعتذاره عن الكتابة في العدد من دون إشارة 
لعودته للكتابة في الأسبوع التالي. كما تم التضييق على أحمد 
عبدالمعطي حجازي وصلاح فضل وعاطف الغمريء الأمر الذي 
دفعهم إلى الهجرة للكتابة في صحف أخرى. وتم وقف مقالات نبيل 
عمر ونبيل عبدالفتاح, إلا أن الأخير عاد للكتابة مرة كل أسبوعين 


315ل 


بدلا من الكتابة الأسبوعية» وتم نقل كتاب من صفحة الرأي في 
"الأهرام" إلى الملحق الثقافي» وهم مكاوي سعيد وحسن طلب 
وإبراهيم فتحي وعبدالمنعم رمضان, ثم تم رفع مقالاقم من الح بن 
ذلك. وبعد ذلك توقف أسامة الغزالي حرب عن الكتابة طوعا؛ 
لأنه رأى أن الإطار الذي يكتب فيه ليس مناسبا بسبب انحياز 
"الأهرام" إلى الإخوان والتيارات السلفية. 


ويرى الكاتب الصحفي خالد السرجاني أن هذا التفريغ من 
الكتاب الذي يعكس التنوع الفكري في المجتمع, كان بمدف إخلاء 
الساحة لتيار واحد وهو "الإخوان المسلمين", حيث أصبحوا الكتاب 
المسيطرين على صفحات الرأي في جريدة مثل "الأهرام", بغض النظر 
عن مهاراتهم أو مؤهلاتهم. وتم توزيع كتاب الإخوان على أيام 
الأسبوع في جريدة "الأهرام", التي كانت صفحات الرأي فيها تعج 
بكبار الكتاب من لطفي الخولي وحسين مؤنس ومحمد سيد أحمد 
وزكي نجيب محمود ونجيب محفوظ ولويس عوض ويوسف جوهر 
وتوفيق الحكيم وحسين فوزي وغيرهمء ليصبح كبار الكتاب هم: ٠‏ 
ياسر عليء المتحدث الرسمي باسم رئاسة الجمهورية, الذي ظهرت 
عليه أعراض الكتابة بعد تولي منصبه -وهو في الأصل طبيب أمراض 
جلدية- ويكتب في "الأهرام" كل سبت, وحازم غراب, مدير قناة 
"مصر 25" الإخوانية» وكان يكتب في "الأهرام" كل ثلاثاء. إضافة 
إلى هؤلاء هناك بدر محمد بدر وكان يكتب كل أحدء وجمال حشمت 
وكان يكتب كل أربعاء. ومعه الكادر الإخوابي د. إبراهيم بيومي 
غانم. أما يوم الخميس فقد تخلص "الأهرام" من الباحث نبيل 

- 316 - 


عبدالفتاح ف البداية وأخلى مكانه للكادر الإخوابي اح حلمي 
الجزار295. 

وفي سياق الهجوم القانون. حرص محامو جماعة الإخوان وبعض 
القريبين منهم على تقديم بلاغات في وقت سابق ضد عادل حمودة, 
رئيس تحرير جريدة "الفجر", والكاتب الصحفي د. محمد البازء 
بالإضافة إلى بلاغات ضد جريدة "الدستور" ورئيس تحريرها السابق 
ورئيس مجلس إدارقاء كما قدموا بللاغات ضد قناة "الفراعين" وتوفيق 
عكاشة, مالك القناة, التي تم إصدار قرار بإغلاقها بدعوى حنها على 
الفتنة. 


واتهم بلاغ عبدالحليم قنديل؛ رئيس تحرير جريدة "صوت الأمة", 
بسب وقذف رئيس الجمهورية محمد مرسيء بناء على نشر قنديل في 
أكتوبر 2012 موضوعاكء يحمل عنوان '100 يوم من الكذب.. 
مرسي يبيع المهوا للمصريين وينفذ أوامر أوباما"296. 

كما تقدمت رئاسة الجمهورية ببلاغ ضد الصحفية علا الشافعي 
والكاتب الصحفي خالد صلاحء. رئيس تحرير "اليوم السابع", 
يتهمهما باهانة رئيس الجمهورية» وذلك إثر مقال كتبته علا الشافعي 
في "اليوم السابع" تحت عنوان "جواز مرسي من فؤادة باطل". في 

5 خالد السرجابي. 6 شهور من استهداف الصحفيين و"شيطنة" الإعلام, جريدة “المصري اليوم", القاهرة» 2 
يناير 2013. 


6 شيماء رشيد. بدء التحقيق همع عبدالحليم قنديل بتهمة إهانة رئيس الجمهورية: موقع "بوابة الشروق”" 


الإلكتروي؛ 2 يناير 2013. 


-317- 


اليوم نفسه. أمر النائب العام بفتح التحقيق مع كل من إبراهيم 
عيسىء, واللواء سامح سيف اليزل, في بلاغات مقدمة ضدهما من 
النائب السلفي اخامي تمدوح إسماعيل. 

كما ورد في البيان بلاغات ضد مقدم البرامج الساخرة باسم 
يوسف. الذي نال أيضمً تسيا كنا من نقد التيار الإسلامي 
والدعاوى القضائية297. 

هذه المؤشرات كلها تثير تخوف العنيين بالإعلام على مستقبل 
حرية الرأي والتعبير في ظل الدستور الجديد في مصر, خاصة أن هناك 
من يصف وضع الصحافة والإعلام بالدستور الجديد بأنه الأسوأ. إذا 
ما قورن بوضعها السيئ في دستور 2081971. 

إن الدساتير السابقة منذ عام 1923 كفلت حرية الصحافة, 
وأضافت إليها بعض المكتسبات بعد ثورة يوليوه وجاءت المواد 
الخاصة بالصحافة والنشر في دستور 2012 لتلغي ما حققته الجماعة 
الصحفية من مكاسب في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك. ويكفي 
أن نشير إلى أن المواد الخاصة بالصحافة في هذا الدستور تسمح 
باغلاق وتعطيل وسائل الإعلام بالضوء الأخضر الذي سوف تنحه 
للمشرع لسن قانون يقيد به الصحافة وحريتها. 





7 حسام الهندي, جماعات الإسلام السياسي تدق 'طبول الحرب” ضد الإعلام. مصدر سابق. 


8 ابراهيم الطيب. عبدالله خليل: حرية الرأي في الدسعور الجديد "أسوأ" من دستور 71 “السيئ”. جريدة 


"الصراي اليوعا, القاهرة. 2 اير 2013,. 


- 318 - 


بدا منطقيء والحال هذه, إعلان مجلس نقابة الصحفيين رفضه 
التام دعوة د. أحمد فهميء رئيس مجلس الشورىء. رئيس المجلس 
الأعلى للصحافة» رؤساء تحرير الصحف القومية والحزبية والخاصة, 
إلى اجتماع لبحث المواد الخلافية في مشروع الدستور. 

ورأت النقابة في بيان لها أن الاجتماع في ظل الإصرار على طرح 
الدستور للاستفتاء بالمواد التي تعترض عليها الجماعة الصحفية ثماطلة 
وتسويف, وناشدت رؤساء تحرير جميع الصحف مقاطعة الاجتماع. 

وزاد على ذلك جمال فهمي. وكيل أول النقابة. بالقول إن رؤساء 
تحرير جميع: الصحف التي شاركت في الاحتجاب أبلغوا مجلس النقابة 
بعدم حضورهم الاجتماع, مشيرًا إلى أنهم وصفوا الدعوة بأنها خدعة 
واضحة:؛ ولا يمكن أن تمر على طفلء وأفهم لا يرون قيمة أو معنى 
للدعوة بعد الانتهاء من الدستور وطرحه للاستفتاء. 

وحسب فهمي, فإن الدولة لو كانت لديها نية حقيقية لحل 
مشكلات الصحفيين» أو حتى الاستماع إليهم؛ لكان الأولى بما أن 
تلتقيهم أثناء وضع الدستورء أو أن توقف الاستفتاء لحين حل 
المشكلات؛ مؤكدًا استمرار النقابة والجماعة الصحفية في النضال من 
أجل الحريات العامة, والحريات الصحفية, منتقدًا محاولة جماعة 
الإخوان المسلمين إظهار الأمر على أنه مطالب فئوية. من جهته, رأى 
كارم مود سكرتير عام النقابة, أن اللقاء ليس له أي جدوى. ولن 
يكون سوى حصة مدرسية, يعرض فيها فهمي فوائد الدستور ومميزاته 
من وجهة نظر جماعته وحزبه299. 


9 فاروق الجمل؛ نقابة الصحفيين ترفض لقاء “فهمي" مع رؤساء التحرير.. وتناشدهم المقاطعة: جريدة “المصري 
اليوم", القاهرة؛ 6 ديسمبر 2012. 


-:319ت 


تكن هذه هي المرة الأولى التي تحتجب فيها الصحف المصرية, 
حيث كانت المرة الأولى عام 1914 حينما قررت جريدة "العالم' 
الناطقة بلسان الحزب الوطني. الذي أسسه الزعيم مصطفى كاملء 
الاحتجاب اعتراضا على قرار فرض ال حماية البريطانية على مصر 
ورفضها نشر هذا الإعلان. وبدا أن قسوة الرقابة العسكرية كانت 
من أسباب احتجاب الصحف. 

كانت التجربة الثانية عام 1923 بسبب مصادرات الصحف 
وشدة الرقابة في أواخر عهد الحماية البريطانية. وجاءت التجربة 
الثالثة إثر اجتماع عقده رؤساء تحرير الصحفء, أثناء أزمة مشروعات 
القوانين التي قدمها النائب اسطفان باسيلي إلى مجلس النواب, 
وشاركهم فيه أصحاب الصحف. قرر هؤلاء في هاية اجتماعهم أن 
تحتجب جميع الصحف في يوم واحد هو الخامس من أغسطس 2190١‏ 
احتجاججا على ما تضمنته هذه المشروعات من تقييد لحرية 
الصحافة. ومع أن النائب كان قد تراجع عن مقترحاته في مواجهة” 
موجة التضامن الواسعة مع حرية الصحافة, التي شملت كل الأحزاب 
والوزارات والنقابات؛ فإن رؤساء تحرير الصحف وأصحاهاء بما في 
ذلك الصحف التي تنطق بلسان الحزب الذي ينتمي إليه النائب الذي 
اقترح هذه التشريعات؛ أصروا على تنفيذ قرار الاحتجاب في موعده 
المحدد. وتمسكت نقابة بائعي الصحف بقرارها بأن تضرب في اليوم 
نفسه عن العمل وأن تمع عن توزيع أي صحيفة تخرق قرار 
الاحتجاب, على سبيل التحذير من التفكير في إصدار مثل هذه 
القوانين في المستقبل. 


-320- 


احتجبت الصحف المصرية دون القومية في عهد الرئيس المصري 
السابق مبارك ثلاث مرات؛ جاءت الأولى في عام 1995 اعتراضً 
على القانون رقم 93 الذي يغلظ عقوبات الحبس في جرائم النشر 
حتى تم تعديله بالقانون 96 لسنة 21996 وتم إسقاط هذا المخطط 
الذي تضمن تحصيسً للفساد بمنع الاقتراب من وثائقه وملفاته ويجعل 
الصحفي مدانا إن تساءل: "من أين لك هذا؟". 

أثناء أزمة القانون رقم 9 لسنة 141405., اجتمع رؤساء تحرير 
الصحف الحزبية» وكانت معظمها آنذاك أسبوعية, وقرروا احتجاب 
عدد واحد من كل صحيفة على مدار الأسبوع, احتجاجً على ما 
تضمنه هذا القانون من تغليظ لعقوبة الحبس في كل مواد قانون 
العقوبات المتعلقة بالصحافة والنشرء وتوسيع مجال التأثيم في بعضها 
الآخرء ووافق رؤساء الأحزاب التي تنطق هذه الصحف باسمهاء وهم 
أصحاب الامتياز الذين يملكون عمليا سلطة تنفيذ القرار على 
ذلك. وكما عاشت مصر عام ١40١‏ يوما كاملاً بلا صحافة 
عاشت عام 1490 أسبوعا كاملاً بلا صحف حزبية. 

ثم جاءت التجربة الثانية في عهد مبارك والخامسة في تاريخ مصر 
في عام 2006 اعتراضا على مشروع القانون الذي يسمح باستمرار 
العمل بعقوبة الحبس في قضايا النشر على الرغم من إجراء تعديلات 
على قانون العقوبات تلغي هذه العقوبة. ولكن هذه التعديلات 
استحدثت نمسا يوجب حبس الصحفي إذا تم الطعن في الذمة المالية 
للموظفين العموميين وأعضاء المجالس النيابية المنتخبة والمكلفين بخدمة 


- 321 م 


عامة. وانتهى الأمر بأن أصدر مبارك أوامره مجلس الشعب باستبعاد 
هذه المواد وإلغاء الحبس فهائينًا في قضايا الدنشر. 

في تجربة الاحتجاب الأولى,» كان النظام مستهترًا برسالته, 
وخرجت "روز اليوسف" في مانشيت على صفحتها الأولى: "مصر 
اليوم بلا شتائم", قاصدة أن المعارضة تشتم وأن احتجابها ليته بمتد إلى 
الأبد. ووصف رئيس تحرير جريدة "الأهرام" أسامة سرايا هذا 
الاحتجاب بأنه مزايدة من جريدة هامشية - يقصد "المصري اليوم". 

غير أن الاحتجاب نجح, وقاطع الرأي العام يومها الصحف 
القومية التي انخفض معدل توزيعها إلى أقل من النصف, واضطر النظام 
إلى التراجع أمام الإعلام وقوة تأثيره ودعم الرأي العام له. في المرة 
الثانية» قاتل النظام السابق بمؤسساته الإعلامية والأمنية لمنع 
الاحتجاب, لكن فشله كان ذريعا. 

كانت المرة الثالثة في عهد مبارك في عام 22007 حيث احتجبت 
5 صحيفة حزبية ومستقلة احتجاجمًا على اعتداء الحكومة علي 
حرية الصحافة بإصدارها أحكاما على مجموعة من الصحفيين 
ورؤساء التحرير استنادًا إلى عدة اقامات: أبرزها إهانة قيادات في 
الحزب الوطني السابق وتحريف تصريحات أحد رموز النظام300. 


110 صحيفة حزبية ومستقلة تعيد إحياء ظاهرة احتجاب الصحفء, جريدة "روز اليوسف"", القاهرةق» 4 


ديسمير 2012. 


-322- 


وني تجربة 4 ديسمبر 2012, كان لافنا تجاهل معظم ما تسمى 
ب"الصحف القومية" تغطية الاحتجاب الذي قامت به الصحف 
الخاصة والحزبية. كان التعليق فقط من جانب كل من جريدنَ "روز 
اليوسف" والأخبار", بيئما لم تعلق كل من جريدة "الأهرام' 
و"الأهرام المسائي" بأي خبر عن الاحتجاب2, غير أن جريدة 
'الجمهورية" نقلت وجهة نظر الدكتور نصر عبدالسلام؛ رئيس حرب 
البناء والسمية, الذي يمثل الجماعة الإسلامية301. 


"روز اليوسف" نشرت في أعلى صفحتها الأولى على خلفية 
سوداء: "حداد على حرية الصحافة". وعلق جمال. طايع؛ رئيس تحرير 
الجريدة. في مقاله على احتجاب الصحفء قائلاً إنه "لا أحد عاقلا 
يمكن أن يقبل الاعتداء السافر علي حرية الصحافة بالشكل الذي 
ورد في الدستور المسلوق علي عجلء ولا يمكن السكوت أبدًا عن 
هذا الاعتداء الذي يعرض الصحفيين للحبس في قضايا النشر". 
وطالب طايع الرئيس محمد مرسي بضرورة عدم ارتباط انمه ببس 
الصحفيين. قائلاً إن "الصحفيون لن ترهبهم مهزلة قميشهم 
وترويعهم بمواد دستورية غير عادلة وسالبة للحريات, وسنظل نقاوم 
هذا المد المؤوسف على حقوق الصحفيين, واحتجاب الزملاء في 
الصحف المستقلة والحربية إحدى هذه الطرق» ولكن هناك أساليب 
أخرى عديدة من التصعيد ستظهر فيما بعدء» وسنشارك فيها إذا ما 


1 حسام الهندي, "الأهراه" تحتجب عن تغطية الاحتجاب "روزا" تعلن الحداد.. و"الأخبار" لديها اعتبارات» 
جريدة "المصري اليوم", القاهرة. 5 ديسمبر 2012. 


-323- 





تمادى الإصرار على ترويعنا وسلب حرياتنا في العمل لخدمة القارئ 
وتنوير المجتمع وإمداده بالأخبار والمعلومات وما يدور في كواليس 
السلطة والحكومة ومن يحكموفم"302. 

كما نشر موضوع داخل العدد للتعريف بالاحتجاب وعدد 
الصحف المشاركة فيه. بالإضافة إلى تاريخ الاحتجاب في مصر. 

أما جريدة "الأخبار" فعلقت تحت عنوان: "أسرة تحرير الأخبار” 
أنها لم تحتجب مثلما فعل الآخرون لاعتبارات ثلاثة, الأول الالترام 
المهني بتغطية الأحداث, والاعتبار الثاني أن الجريدة على مسافة 
واحدة من كل التيارات والأحزاب المصرية, وثالث تلك الاعتبارات 
هو أن الصحافة مهنة رأي, واجبنا كأسرة تحرير "الأخبار" أن نتواصل 
مع القارئ دون انقطاع, وأن نظل معه دون احتجاب, مهما كانت 
الأسباب. 


أما جريدة "الجمهورية" فكان لها نصيب من التغطية ولكن بطريقة 
أخرى, حيث نقلت تصريحات للدكتور نصر عبدالسلام. رئيس 
حزب البناء والتسمية» قال فيها إن إفلاس الصحف والفضائيات 
إفلاس للمعارضة. بينما لم تعلق جريدة "الأهرام” على الاحتجاب حتى 
أن "رأي الأهرام" في الصفحة الثانية لم يسجل وجهة نظر الجريدة في 
الاحتجاب, سواء بالرفض أو القبول, والأمر نفسه تم في "الأهرام 
المسائي". 


2 جمال طايع. سيادة الرئيس المنتخب.. لا تربط اسمك بحبس الصحفيين, جريدة "روز اليوسف" القاهرة. 4 


ديسمير 2012. 


- 324 - 


وتاريخ الصحافة في مصر عريق؛ إذ بدأ عندما أصدر محمد علي 
واليى مصر أمرًا في عام 7 بإصدار "جرنال الخديوي", بهدف 
إعداد نشرة خاصة يطلع من خلالها على شؤون البلاد؛ ولكنه لم يلبث 
أن شعر بحاجة الشعب للاطلاع علي أحوال الحكومة فحوها إلى 
صحيفة "الوقائع المصرية". 

الأكيد أن حرية الصحافة ليست هبة من أحدء وأن الصحافة 
سلطة رقابية مهمة, بوصفها عين الشعب على السلطات الثلاث, 
فكم من قضايا فساد وعوار وفضائح وكوارث أخلاقية وجنائية 
وسياسية كشفتها الصحف التي لولا أداء رسالتها المهنية لكانت مصر 
عائمة على بحور من الفساد. 

ولا نتسى هنا الدور المؤثر الذي لعبته بعض الصحف الخاصة 
ومعها بعض برامج الحوار في القبوات الفضائية الخاصة» في كسر 
احتكار الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب التابع للدولة والنظام 
للسوق الاعلامية. وشاركت وسائل الإعلام تلك بدرجات متفاوتة 
في الانتقادات التي كشفت فساد النظام السابق في مصر وفضحت 
القمع الأمني والسياسي, على نحو أدى إلى تغيير ما في بنية الوعي 
الشياسي شبه الجمعي خلال السنوات الأخيرة التي سبقت ثورة 25 
يناير303. 





3 نبيل عبدالفتاح ريحرر الطبعة العربية), سارة بن نفيسة, بلاندين ديستريمو ربحررا الطبعة الفرنسية)» مرجع 


سابق, ص 26. 


- 325 - 


إن احتجاب الصحف في هذا التوقيت الحرج نوعٌ من الاحتجاج 
المشروع والمقبول والفعال» ومحاولة للاحتجاج بالصمت الذي يكون 
أحياننً أبلغ من الصراخ. وفي تقديرنا أن الاحتجاب رسالة قوية 
للرأي العام بأن الإعلام في مصر يواجه اتّامات تبدأ من كونه 
'"وسوسة شياطين". ولا تنتهي عند وصفه ب"الفاجر الفاسق", 
بالترامن مع وجود إجراءات تعسفية تبدأ بالإغلاق والمصادرة ولا 
تنتهي عند الاعتداء بالضرب على الإعلاميين في الشوارع أو أثناء 
أداء مهام عملهم الصحفي. 

وليس خافيً على أحد أن الفضاء الإعلامي هو الملعب الذي 
تدور الباراة على أرضه من خلال الإدراك الذي يشكله والحقائق 
التي يصنعها والرموز والنجوم التي يصفهاء الأمر الذي يجعل الإعلام 
وجتميع الوسائط السمعية والبصرية صاحبة اليد الطولى في صنع 
القيادات وإيجاد النجوم وإضفاء القيمة وإعطاء الأولويات والمراتب. 
لعل هذا ما دفع كاتا صحفي إلى القول "إن أهم حزب معارض 
للرئيمس مرسي هو التليفزيون. صحيح أن الصحف الخاصة تقف 
بدورها في صف المعارضة, إلا أن تأثيرها يظل هامشيا إذا ما قورن 
به"3004. وتشير التقارير إلى دراسة في رئاسة الجمهورية المصرية أعدها 
أحد الخيراء حول تحليل مضمون الخطاب لخمس عشرة قناة 
تليفزيونية خاصة: بِيّست أنه من بين مائة ساعة حوارية تجرى يوميً 
ثإن ما بين 6 و08 منها فقط يؤيد موقف الرئيس مرسي. في حين أن 


304 لهمي هويدي. الصراع في زمن الفرجة؛ جريدة "الشروق". القاهرة؛ 18 ديسمبر 2012. 


- 326 - 


الحوارات الأخرى كلها تنحاز ضده. وأثار الانتباه في تلك الدراسة 
التي أعدت في شهر أكتوبر 2012 أن نسبة التأييد للرئيس في قنوات 
التليفزيون الحكومي تتراوح ما بين 9/022 و9/032 فقطء الأمر الذي 
قد يعني بشكل ضمني أن نسبة لا يستهان يما من خطاب التليفزيون 
الرسمي ينتقد الرئيس ويعارضه305. 

إن الإعلام أصبح قوة ناعمة لا يستهان يماء ولديه قدرة على 
تشكيل الرأي العام وحسم المعارك السياسية, وهذا ما يثير تنوفات 
أعداء حرية الصحافة. صحيح أنه يمكن رصد حالة من السيولة 
والإثارة والاستعراضات السياسية واللفظية والمرئية في برامج الخوار 
السجالية», مع بروز مثال الصحفي/الناشط السياسي الذي يخلط بين 
دوره المهني في استقصاء الأخبار والمعلومات أو ما يعتقد أنه يشكل 
الحقائق النسبية في موضوعه وبين دوره التنظيمي أو السياسي306) 
وهذا بالمناسبة خطأ تقع فيه وسائل الإعلام المؤيدة لمرسي والمعارضة له 
على حد سواءء, لكن يبقى أن التشاور مع الجماعة الصحفية ونقابة 
الصحفيين أمرٌ ضروري لعالجة مثل هذا الخلل وفق موائيق العمل 
الصحفي والأدلة الإرشادية ذات الثقل والوزن المهني, التي تنظم 
معالجة الصحفي لمشكلات وظواهر وقضايا المجتمع والدولة. 

أما تخويف العاملين في مجال الإعلام؛ والتهديد بعقوبات تتراوح ما 
بين السجن أو المصادرة أو الإيذاء بأي شكل من الأشكال؛ فهو نوعٌ 


5 المصيدر نفسه 


6 نبيل عبدالفتاح؛ النخبة والثورة: الدولة والإسلام السياسي والقومية والليبرالية؛ مرجع سابقء ص 229- 234 


- 327 سمس 





من أشكال الضغط التي ترمي إلى الانقضاض على وسائل الإعلام؛ 
وتكميم الأفواه, والسيطرة على السلطة الرابعة لتكون طوع بنان 
السلطة أو الجماعة أو الحزب الحاكم؛ أيا كان هؤلاء. 

يبقى أن احتجاب الإعلام هو على المدى البعيد رسالة تحذير من 
أن مصر على وشك الاحتجاب, وأن الدولة تدخل مراحل خطيرة 
وفي طريقها للتفتت وإفاء كيافها. 

حالة التوجس من جانب السلطة إزاء دور وسائل الإعلام, 
وتجاهل صافرات التحذير من الخطر الداهم» تسببت في عهد مرسي 
وعهود سابقة» في كوارث ومآس لا تنسى. 

إن من حقنا أن نتساءل: لماذا ترفض الحكومة والأجهزة والميئات 
المسؤولة في مواقع وقطاعات مختلفة قراءة الصحف والاستماع إلى 
تحذيرات وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمطبوعة على حد سوا 
إلى أن تقع الواقعة ويدفع الثمن ضحايا أبرياء. فتفيق هذه الأجيدة 
من سباهًا العميق ونومها الذي تغط فيه وتطلق سيلا من التصريحات 
والوعود البراقة بالإصلاح والمراجعة, قبل أن "تعود ريبما إلى عادتا 
القديمة"؟! 

"حوار الطرشان" بين الإعلام والحكومة تكرر كثيرًا في 
السنوات الأخيرة» وأصبح عادة مستديمة؛ لأن الحكومات في مصر 
ترى أن الصحافة تبالغ أو تكذب أو تعادي ما تحقق على يدها من 
منجزات تدعو إلى الفخر لا المساءلة. 

فقد سبق للإعلام فسي مصر أن حذر من نذر الخطر وشبح 

-328- 


الكارئة في مواقف وأزمات سابقة, منها -على سبيل المثال لا 
الحصر- حال المساكن والنازل المتداعية؛ إذ طالب البعض باتخاذ 
إجراءات مشددة لمراجعة أساسات المنازل خاصة المتصدعة منهاء 
ودعت إلى تطبيق "كود مقاومة الزلازل" في جميع العمارات 
والمساكن الحديثة. وظلت هذه الأصوات صيحةً في واد سحيق, 
إلى أن وقعت كارثة زلزال أكتوبر 1992 التي هرت عددًا من 
محافظات مصر وأودت بحياة المثات. ونبّه الإعلام أيضا إلى مخاطر 
إقامة المنازل عند ممخرات المياه إلى أن وقعت كارثة قرية درنكة؛ في 
محافظة أسيوط, عام 1994: حين التهمت القرية كرة من لهبء 
فأحرقت سكافا النائمين بعد أن هبطت عليهم النيران المشتعلة من 
منطقة مرتفعة لتحصد أرواحهم البريئة. 

وأطلقت الصحافة صيحات التحذير بشأن أزمات المياه والسيول» 
لكن الحكومة لم تُبال بذلك حتى وقعت كارثة زاوية عبدالقادر في 
الإسكندرية؛ إذ إنه بعاريخ 4 ديسمبر 1991 ومع نسائم الفجر, 
والأهالي يغطون في نوم عميق في زاوية عبدالقادرء فوجى 
السكان بالمياه تقتحم عليهم حجرات نومهم وبيوقم بعد أن تسربت 
من خلال 4 فتحات في بطن جسر ترعة غرب النوبارية إلى نحو 
0 مترًا تجاه الزاوية والمناطق امحيطة بما وتصدعت مساكن الضحايا 
وتركتهم مشردين في العراء. 

وحذرت الأقلام الصحفية من تدهور مستوى الإعلام وبالذات 
التليفزيون المصري حتى أصبحت فضائحه على المواء مباشرة, 


- 329- 


واكتفت ماسبيرو بالتشدق بمسألة الريادة إياها. 

ولولا الصحافة ما عرف الئاس بفضيحة "لاظوغلي جيت"؛ إذ 
فجّرت صحفة "الوفد" عام 1988 تلك الفضيحة التي تورطت فيها 
قيادات وزارة الداخلية في ذلك الوقت. ونشرت "الوفد" وثائق 
تكشف تورط وزير الداخلية في ذلك الوقت اللواء زكي بدر 
في التجسس على أحزاب المعارضة ونواب رئيس الوزراء والوزراء 
والمحافظين. وفي أعقاب الكشف عن وثائق تلك القضية في 
الصفحة الأولى» صدرت أوامر بتعديل أرقام ملفات تقارير التجسس 
على كبار المسؤولين,» كما صدرت تعليمات مشددة بالرقابة على 
تداول الوثائق داخل مباحث أمن الدولة. 

إن هناك أمثلة أخرى لا تعد ولا تحصى. حاولت فيها الصحافة أن 
تكون عين الحكومة, لكن الأخيرة لم ترّ في مثل هذا النقد سوى 
صورة للعداء. ونسيت أنه لا الحكومة "شمشون" ولا الصحافة 
"دليلة", وأغفلت حقيقة ساطعة مفادها أن هذا النقد كان محاولة 
للمسامة في رفع مستوى الخدمات والمرافق وإعادة الاعتبار 
للمواطن وتحسين المستوى المعيشي وتوفير سبل الحياة الكريمة 
للمصريين, ونعني بذلك جميع المصريين» وليس فئة القادرين كما 
يحدث الآن. 


إها رسالة الإعلام.. فهل تفهم الحكومة واجباتا؟! 


- 330- 


حظر النشر.. تاريخ من المنع 


"السعد والريان". "نواب الفروض “» "قطار الصعيد". "السلام 

1" "ا مبيدات ا مسرطنة”. "بي مزار". "هايدلينا". '"اللآثار 
٠ 0‏ “كنيسة القديسين". "مفتل سوزان تميم". "التحرش 
الجنسي". "هند الحناوي وأحمد الفيشاوي".. نماذج لقضايا 
طالها قرار حظر النشرء الذي وصل في 12 فبراي ر2015 إلى محطة 
قضية “مقتل شيماء الصباغ” ٠‏ عضو التحالف الشعبي الا شاراكي, 
التي قتلت خلال مشاركها في تظاهرة سلمية قرب لون 
حرب في الذكرى الرابعة لثورة 25 يناير. 

يُعذر المواطن المصري إذا عبر عن عدم ارتياحه إزاء القرار الذى 
أصدره النائب العام بحظر الدشر فى جريمة قتل شيماء الصباغ؛ إذ رغم 
احترام المقامات والقرارات» فإنه يبدو من المستغرب وغير المفهوم أن 
يصدر القرار بعد مضي 18 نوما من وقوع الجربمة. لا غرابة والأمر 
كذلك أن يشيع الانطباع بأن ثمة علاقة بين لحظة الاقتراب من تحديد 
الضابط الذي قتل شيماء وبين صدور قرار حظر الدشر. 


حظر الدشر تمل في فترات سابقة عددًا من قضايا الرأي العام 
التي شغلت جزءا كبيرًا من تفكير واهتمام الرأي العام في مصر على 
مدار نحو ربع قرن, ومنها "قتل المتظاهرين في 25 يناير", "القصور 
الرئاسية", "تزوير الانتخابات الرئاسية"؛ "تخابر الرئيس المعزول محمد 


- 331 - 


مرسي". "سخرة امجندين"., "فريد ميس وقضاة مجلس الدولة". 

الطريف أن نص الادة ١9*‏ من قانون العقوبات» الذي تضمن 
حظر نشر أخبار بشأن تحقيق جنائي قائم. كان قد تم إلغاؤه عام 
0١‏ بموجب القانون رقم ؟م5, وكانت مبررات الإلغاء كما 
أوردقا المذكرة الإيضاحية للقانون, "أن تلك المادة لا يوجد لها شبيه 
في التشريعات الجنائية". غير أن المادة أعيدت فجأة إلى الحياة عام 
7 . 

يتذكر كثيرون قرار المستشار هشام بركاتء النائب العام» بحظر 
الدشر في قضية تزوير الانتخابات الرئاسية التي أجريت في مايو 
65 لصالح الرئيس المعزول محمد مرسيء وإعلانه فائزًا عنصب 
رئيس الجمهورية, على حساب منافسه الفريق أحمد شفيق. 

واعتبرت الدعوى أن قرار حظر النشر يخالف الدستور والقانون 
والمواثيق الدولية» ويهدر الحق في حرية تداول المعلومات» وكفالة 
القانون للرأي العام بأن تكثف له الحقائق» خصوصا في الأمور 
التي تتعلق بصالحه العام, ومستقبل وطنه ومجتمعه. 

وفي 2 إبريل 22014 قررت المحكمة جنايات القاهرة برئاسة 
المستشار شعبان الشامي» حظر النشر في قضية تخابر الرئيس المعزول 
تحمد مرسي وإخوانه بداية من الجلسة التالية. | 

ف 8 مارس 2013 أصدر المستشار طلعت عبدالله, النائب 
العام, قرارًا بحظر النشر في القضية المتهم فيها الرئيس الأسبق حسني 
مبارك بالاستيلاء على الأموال المخصصة للإنفاق على القصور 

- 332 - 


الرئاسية, واستخدامها في الإنفاق على الفيلات الخاصة به وبنجليه 
علاء وجمال؛ في شرم الشيخ وجمعية أحمد عرابي وأرض الجولف, 
والفيلا التي كان يقطنها بمصر الجديدة. 

وتضمن القرار حظر الدشر في جميع وسائل الإعلام المرئية 
والمسموعة ولمقروءة, حرصا على ما سمته سلامة حسن سير 
التحقيقات. 

وفي 3 نوفمبر 2012: قررت محكمة جنايات الجيزة حظر النشر 
في قضية "سخرة امجندين". المتهم فيها اللواءان حبيب العادلي» وزير 
الداخلية الأسبق» وحسن عبدالحميد فرج, مساعد أول الوزير لقطاع 
قوات الأمن السابق» والعميد محمد باسم أحمد لطفي محمدء قائد 
حراسة الوزير الأسبق, لحين الانتهاء من سماع الشهود. 

وف 12 إبريل 2012», قررت محكمة جنايات القاهرة حظر النشر 
في القضية, التي حوكم فيها الدكتور أحمد نظيف. رئيس مجلس 
الوزراء الأسبق, والمتهم بتحقيق كسب غير مشروع قيمته 9ه مليون 
جنيه باستغلال نفوذه ووظيفته في جمع الأموال بطريقة غير مشروعة, 
وبررت القرار بالحفاظ على شهود الإثبات من أعضاء هيئة الرقابة 
الإدارية» وقررت التأجيل إلى جلسة ١١‏ مايو المقبل لسماع مرافعة 
الدفاع. 

قضية أخرى تعود وقائعها إلى عام 2"5..7 شغلت الرأي العام في 
مصرء وهي القضية المعروفة إعلاميً باسم "المبيدات المسرطنة" التي 
بدأت وقائعها بإحالة نيابة أمن الدولة العليا ١1+.‏ متهما للمحاكمة, 


-333- 


بينهم د. يوسف عبدالرحمن» وكيل وزارة الزراعة السابق» رئيس 
البورصة الزراعية, وراندا الشامي, المستشار الفني بالبورصة الزراعية 
مانا بعد أن كشفت التحقيقات تورطهم في العديد من الاقامات 
التي وصلت إلى ١‏ اقاماء من بينها الموافقة على استيراد مبيدات 
محظورة قانونا "تبين أنها تسبب السرطان". 

في قضية فريد حيس وقضاة مجلس الدولة» كشف تقرير هيئة 
الرقابة الإدارية الذي أعده المقدم معتصم فتحي» عضو الحيئة,» أن 
القضاة حصلوا على رشى من رجل الأعمال مقابل استصدار أحكام 
لصالحه وهي القضية التي تم حظر الدشر فيها. 

وفي قضية قتل المتظاهرين, التي حوكم فيها الرئيس المخلوع محمد 
حسني مبارك ونجلاه علاء وجمال ووزير الداخلية السابق حبيب 
العادلي وستة من مساعديه. عادت حالة حظر النشر إلى الواجهة من 
خلال السرية التي فرضتها محكمة الجنايات برئاسة المستشار أحمد 
رفعت على شهادة كل من المشير محمد حسين طنطاوي» رئيس 
المجلس العسكري سابقاء والفريق سامي عنان» رئيس الأركان 
ونائب رئيس المجلس العسكري سابقاء وعمر سليمان؛ مدير 
المخابرات العامة المصرية الأسبق» ووزيري الداخلية السابقين, محمود 
وجدي ومنصور العيسوي. 

التزمت جميع وسائل الإعلام بحظر النشر في الشهادات في تلك 
القضية, مع الاكتفاء بدشر ما يتعلق بوصول الشهود إلى مقر المحاكمة 
بأكاديمية الشرطة أو اعتذارهم وعدد ساعات الشهادة وتفاعل 


- 334 - 


المتهمين مع الشهادات. 

وفي 24 يناير 2011, أمر المستشار عبدامجيد محمودء النائب العام, 
بحظر النشر في التحقيقات, التي تجريها النيابة العامة في حادث كنيسة 
القديسين بالإسكندرية, 

وفي 16 نوفمبر 2008, أصدرت محكمة الجنايات, التي تنظر قضية 
مقتل المطربة سوزان تيم قرارًا بحظر النشرء بشأن القضية المذكورة 
التي اتهم فيها رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى ورجل الأمن 
السابق محسن السكري. 

عن قرار حظر النشر يقول الفقيه الدستوري د. محمد نور 
فرحات؛ إن خرق قرار حظر النشرء الذي يتم فرضه بقرار من 
المحكمة يعد جريمة منصوصً عليها في القانون» ويعد القضاء المصري 
هو الجهة المسؤولة؛ من خلال النيابة» عن تحريك دعوى قضائية ضد 
المسؤولين عن خرق القرار باعتبار الجريمة وقعت على الأراضي 
المصرية . 

لمفارقة أن حظر النشر الم يطل قضايا شغلت الرأي العام مثل 
التخابر والجاسوسية, التي كان من بينهاء قضية محمد صابر المهنددس 
يميئة الطاقة الذرية, والمعروفة إعلاميا باسم "الجاسوس النووي", 
وبدأت محاكمته في ١١‏ مايو 17. .23 وانتهت بإدانة محكمة أمن الدولة 
العليا له بتهمة التخابر لمصلحة إسرائيل. وفي "قضية نواب القروض" 
عام 1996 لم يصدر قرار بحظر الدشر رغم الأ"مية التي أحاطت يماء 
وكوفما قضية مثلت نقطة فاصلة في تاريخ الاقتصاد المصري وتحديدًا 
قطاع البنوك. 


-335 - 


ضد النظام 


فجأة. أخرج الرئيس عبدالفتاح السيسي ورقة من جيبه. وأخذ 
بهيدوء شديد يتلو بضبعة أسماء ما وصفها ب" الوسائل الإعلامية 
ا مناهضية" للنظام في مصر. وذكر منها موقع "العربي الجديد" 
وقناة "مصر الآن" الفضائية. إى جانب قنوات أخرى سمَاها 
شركة "ميديا ليميتد". مؤكدا/ أن "هذه القنوات وا مواقع 
الصحفية تتبنى أفكارا هدامة من شأنبها الإساءة لسمعة مصصبر 
والعبث بمقدرات شعها وضرب استقرارها" . 


تطرق السيسي, خلال لقائه مع رؤساء تحرير الصحف القومية 
والحربية والخاصة في مصر. إلى ما أسماه ب"حروب الجيل الرابع", 
كاشفا عن وجود موقع إلكتروين عري يُدعى عمدءا0 يتحدث 
عن تشجيع الثقافة والعمل الفني العربي ويدفع مقابل ذلك ألفي دولار 
شهريا لكل مقال أحياناء ثم قال: قد يتكلف ذلك 0 مليون 
دولارء لكنه مبلغ بسنيط للذين يدفعون مقابل أن يشتروا أو يضمنوا 
ولاء كل النخبة العربية307. 

في اللقاء الذي عُقَدَ في قصر الاتحادية بتاريخ 24 ابكار 4 
الهم السيسي وسائل الإعلام المذكورة بآلها "تتلقى دعما من قطر 


7 عماد الدين حسين, السيسي في لقاء الساعات الثلاث مع رؤماء تحرير الصحف: لم نتدخل عسكريا في 
ليبيا حتى الآن. موقع “بوابة الشروق"* الإلكتروي. 4 أغسطس 2014. 


- 336 - 





وتركيا ودول أخرى. وتتخفى وراء ادعاءات تشجيع الثقافة والفنون 
ومساندة القضية الفلسطينية؛ لكنها في الواقع تعمل على إفشال 
الأنظمة العربية المستقرة» وتثير الفوضى في المنطقة". 

ودعا إلى تشكيل جبهة إعلامية للتصدّي لهذه "الكيانات المضرّة 
بحصر"". والمساهمة بذلك في تحصين المواطنين ضدّ الشائعات التي تتبنى 
الفوضى. كانت هذه المرّة الأولى التي يُسمّي فيها السيسي وسائل 
إعلام؛ ويهاتمها منذ توليه رئاسة الجمهورية في يونيو 2014. 

على أرض الواقع» هناك مجموعة من القنوات الفضائية التي 
يعتبرها البعض من أذرع جماعة "الإخوان المسلمين", التي اجم 
السلطة القائمة في مصر بعد قرارات 3 يوليو 2013, ومنها: 

"مصر الآن". التي تعد القناة الرسمية المعبرة عن موقف الجماعة, 
والتي تأي امتدادًا لقئاة "مصر 25" التي انطلقت بقرار من مجلس 
شورى الجماعة قبل وقف بنها مع باقي القنوات الدينية في النالث من 
يوليو 2013. 

وتبث القناة التي انطلقت في 16 نوفمبر 2014 من تركياء ويتولى 
رئاستها الإخوابي أحمد عبده» كما يتولى خالد بركات؛ الصحفي في 
"الأهرام", منصب نائب مدير القناة والمشرف على المحتوى الصحفي 
بما. 

وقالت مصادر إخوانية إن القناة تمول من جماعة الإخوان ويشرف 
على محتواها أعضاء مجلس شورى الجماعة, في مقدمتهم جمال 
عبدالستار المقيم بتركيا. 

- 337- 


ومنذ الساعات الأولى لانطلاق القئاة شهدت أولى الأزمات بعدما 
رفض عدد من الشباب بها سيطرة الجماعة عليهاء مؤكدين ضرورة 
أن تعمل بشكل احتراني بعيدًا عن عقليات قيادات "شيوخ الإخوان", 
حتى لا تنتهي إلى ما انتهى إليه مصير قناة "مصر 25" التي كان يشرف 
عليها مباشرة نائب مرشد الجماعة خيرت الشاطر. 

أما قناة "رابعة", فقد انطلقت في 11سبتمبر 2013, مثيرة حوها 
ضجة كبيرة بسبب الشخصيات الذين يقدمون برامج بما وخاصة أن 
معظمهم من المطلوبين أمنيا في مصرء ومن برامجها "دروس ثورية" 
الذي يقدمه الداعية الإخوابي وجدي غنيم. و"مصر إسلامية" الذي 
يقدمه عضو مجلس شورى الجماعة الاسلامية عاصم عبدالماجد 
المطلوب على ذمة عدد من قضايا التحريض على العنف. 

وتتخذ القئاة التي تبث من مدينة اسطنبول التركية» من شعار 
رابعة العدوية الشهير شعارًا لا. ووفقفً لبيان تعريفي يماء قالت 
إدارة القناة إنه يشرف على تمويلها عدد من رجال الأعمال المصريين» 
فيما ترددت أنباء أن رجل الأعمال المقرب من الأحزاب الإسلامية 
عاطف عبدالرشيد الذي كان يطلق عددًا من القوات الإسلامية, هو 
الذي يقف وراء تمويلها. 

تعد "الشرق" من أبرز القنوات المحسوبة على الإخوان» وتصدر 
من تركيا بتمويل من رجل الأعمال باسم خفاجي, وتقدم عددًا من 
البرامج» في مقدمتها "مع معتز" الذي يقدمه معتز مطر, الذي ظهر في 
البداية في تقديم البرامج الرياضية على قناة "مودرن سبورت" قبل أن 


- 338 - 


ينتقل إلى قئاة "مصر 25" ومنها إلى "الشرق". وهو برنامج توك شو 
يومي يستعرض الأحداث في مصر. 

ويحخيط بتمويل قناة "مكملين" غموض كبير, إلا أن بعض العاملين 
يما يؤكدون أنها تمول من جماعة الإخوان» وتبث من تركيا أيضماء 
وتعتمد بشكل كبير على عدد من الصحفيين الشباب, المنعمين لجماعة 
الإخوان, وتقدم مجموعة من البرامج الحدينة, والدشرات الإخبارية 
على مدى اليوم جميعها عن الوضع في مصرء وتركز على نقل 
تظاهرات طلاب الاخوان وأنصار مرسي في الجامعات والقرى 
والمدن, على المواء مباشرة؛ عبر اتفاق مسبق مع عدد من المتظاهرين. 

صدرت "القناة" في أكتوبر 22014 وتبث من مدينة اسطنبول 
التركية, وتختلف عن باقة القبوات الإخوانية في أنما لا تقتصر على 
الشأن المصري فقط؛ حيث تقول إدارقا إنها قناة الربيع العربي. 

أذرع الإخوان في وسائل الإعلام تشمل مجموعة من القنوات 
الأخرى التابعة لأفرع الجماعة في عدد من الدول العربية مثل 
"الزيعونة" التونسية, و"اليرموك" الأردنية و"سهيل" اليمنية التابعة 
للإخوان والتي يديرها وبملكها القيادي الإخوابي في اليمن حميد الأجمر 
قبل أن يغلقها الحوثيون, و"الحوار" التي تبث من العاصمة البريطانية 
لندن وتنتهج نفس الخطاب الإخوابي308. 


*” محمد خيال؛ "الشروق" ترصد منصات التحريض الإخوانية» موقع "بوابة 


الشروق" الإلكتروي؛ 20 نوفمير 2014. 


-339- 


اللعب بورقة وسائل الإعلام المعارضة لنظام الحكم في مصر يبدو 
أقدم بكثير من لحظة الحاضر. 

خلال حرب الفليج الثانية (1991-1990)» رعت القيادة العامة 
العراقية إطلاق ثلاث محطات إذاعية موجهة باللغة العربية» كانت 
أولاها موجهة للقوات المسلحة المصرية باسم "صوت مصر العروبة" 
أما الثانية فكانت للقوات المسلحة السورية باسم "مكة المكرمة", في 
حين كانت الثالثة للقوات المشتركة والشعب السعودي وحملت اسم 
"المدينة المنورة". كما خاطبت محطة إذاعية حملت اسم "أم المعارك" 
أفراد القوات المسلحة العراقية وكذلك القوات العربية المشاركة في 
التحالف الدولي لتحرير الكويت. وفي مقدمتها مصر. 

حاولت آلة الدعاية العراقية الإيجاء بتصاعد حركات المعارضة في 
مصر بسبب موقفهما من الاحتلال العراقي للكويت» وبثت دعاية 
تحرض على القيام بانتفاضة شعبية» واللعب على وتر المشاعر القومية 
والوطنية والدينية لدى المصريين لتأليبهم على نظام الحُكم في مصر ‏ 
حينذاك- مع إثارة البلبلة في صفوف القوات المصرية والسورية, 
والتلويح بوجود خلافات بين القادة العسكريين في البلدين» وبين 
القيادات السياسية. 

عقب زيارة الرئيس أنور السادات إلى إسرائيل في 19 نوفمبر 
7» ووصولا إلى توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل؛ دأبت 
إذاعة "صوت الجماهير" المدعومة من نظام الرئيس العراقي صدام 
حسين على مهاجمة نظام الحكم في مصر وتوجيه سهامها إلى السادات 


- 340 - 


وسياساته. 

واجه الرئيس جمال عبدالناصر» إعلامًا خارجيًا رمت تمثل 
في عدد من المحطات الإذاعية الموجهة ضد نظامه وسياساته؛ مثل 
"صوت الإصلاح" و"صوت مصر الحرة", و"راديو باريس" و"صوت 
لبنان". 

ولعل أول إذاعة سرية في الوطن العربي كانت فرنسية. الطريف 
في الأمر أنها حملت اسم "صوت العرب" للرد على الخطة الإذاعية التي 
تحمل هذا الاسم في مصرء؛ لأا بدأت قاجم فرنسا في أغسطس 
3 بعد نفي محمد الخامس من المغرب واشتد المجوم عليهم بعد 
اج الووة اخزائرية وامغرارها ف تلض 15954:و33 و لقث نصر 
وقفة مشرفة مع الجزائر وأرسلت دعم ماديا ومغنويينا إليها. 

ولمعاقبة مصر والرئيس مال عبدالناصرء أنشأت فرنسا إذاعتها 
السرية ضد مصر باسم "صوت العرب" وعلى نفس موجة "صوت 
العرب" المصرية. وكان المهندسون المصريون يغيرون موقع فريق 
العمل أثناء بث الإرسال, ولذلك فشلت الإذاعة الفرنسية وأغلقوها. 

وانطلقت إذاعة أخرى تحمل اسم "صوت مصر الحرة", بدأت 
تبث برامجها في 28 يوليو 1956. واعتقدتالسلطات في مصر - 
حينذاك- أن هذه الإذاعة تعمل في فرنساء وهو ما سارعت إلى 
تأييدهالمخابرات البريطانية للتعمية والتمويه. إلا أنه أتضح بعد ذلك 
أن الذين كانوايديرون هذه المحطة -انطلاقا من بيروت ثم عدن- 
هم من عائلة أبو الفتح صاحب جريدة "المصري", وكانوا من كبار 


- 341 - 


الوفديين ولكن اختلفوا مع الثورة. 

ويروي زهير عسيران؛ نقيب الصحافة في لبنان» جابا آخر من 
حكاية هذه الإذاعة المعارضة لعبدالناصرء فيقول: 

"على أثر الخلاف الذي نشأ بين نظام "الضباط الأحرار" وآل أبو 
الفتح الذين صودرت جريدقم "المصري" ومطابعها وشردوا خارج 
مصرء طرأت فكرة إنشاء إذاعة تعمل ضد النظام الجديد في مصر. 
فاجتمع في بيروت محمود أبو الفتح وبعض النتسبين إلى "الإخوان 
المسلمين" ومنهم كامل الشريف من مصر الذي أصبح في ما بعد 
ائبا ووزيرًا في الأردن, والشيخ مصطفى السباعي من سورياء 
وتقرر في ذلك الاجتماع إنشاء إذاعة في لبنان تعمل ضد النظام في 
مصر. لكن السؤال كان: "كيف؟ وأين يكون مقر هذه الاذاعة؟" 
فرددت على السؤال فورًا: "توضع في مررلي". قلت ذلك وأنا لا 
أعرف كيف يتم ذلك. فاتصلت بالسيد لويس رزق المهندس في 
"إذاعة لبنان" للاستعانة برأيه وخبرته,ء وقبل أن أدخل معه في 
الملوضوع. وهو من أصدقائي المفضلين: قلت له: "إي أستشيرك في أمر 
مهم حبذا لو تقسم على أن يظل سرًا بينناء سواء تحقق الأمر أم لم 
يتحقق". فقال: "أنت صديق عزيز ويسعدي أن تبقى ثقتك بي تامة لا 
تتأثر بشيء". فأطلعته على فكرة المشروع وهل من الملائم فنياا ان 
يقام في المنزل أم لا؟ أعتقد أن الفكرة لم تزعجه؛ لأنه في طبعه لا يحب 
الأنظمة الدكتاتورية,» فقال: "ني الإمكان وضع الإذاعة في غرفة 
خاصة من المنزل, شرط ألا يدخلها أحد". 


- 342- 


"فباشر العمل تبعينا ايعفن الآلات الموجودة محليًا. فولدت 
الإذاعة باسم "صوت مصر الحرة" موجهة نحو القاهرة فقطء ثم جعلها 
السيد رزق تصل إلى مصر وسوريا ومحيطهاء بعد ما سافر أبو الفتح 
إلى سويسرا وعاد ببعض القطع اللازمة. وبذلك أصبحت لدينا شبه 
إذاعة: وأجرينا عليها تجارب يإذاعة آيات قرآنية سمعت في القاهرة 
وكان أول خطاب للشيخ مصطفى السباعي ثم تلاه كامل الشريف 
أحد أركان "الإخوان المسلمين" بجوم شديد على النظام مطالبا 
بتغيير 6 ثما لفت أجهزة السلطات في القاهرة» فاتصلت بالسلطات 
اللبنانية طالبة وقف هذه الإذاعة, فبدأت التحريات فورًا وحدد 
الرادار الحي والشارع بالذات الذي تعمل منه الإذاعة. فاتصل بي 
مدير الأمن العام الصديق الأمير فريد شهاب وأبلغني أن الشبهة تحوم 
حول بيت . ولما أنكرت قال لي: 5 سبيل للإنكار, وأنا أنصحك بأن 
تخرجها من المنزل قبل مداهمته". 

"أمام خطورة مصادرة الإذاعة والنتائج» أخذت بنصيحته 
وعمدت فورًا إلى تفكيكها وإعطاء السيد رزق ما يحتاجه منهاء 
ووضعت البقية في صناديق نقلت إلى مطابع جريدي, وهي بعيدة 
نسبياعن البيت"309. 22 


وقد أذاعت هذه المحطة أثناء حرب قناة السويسء في 1956: خبرًا 
كاذبسًا مفاده أن الرئيس عبدالناصر قل في مبنى قيادة الثورة نتيجة 





*” زهير عسيران؛ زهير عسيران يتذكر: المؤامرات والانقلابات في دنيا العرب» 


دار النهار» بيروت» 1998. 


- 343 - 


القصف الجوي البريطانيء وهللت وكبرت وفرحت وجاءت بعملاء 
كمواطنين مصريين يعلنون فرحتهم بمقتله. قبل أن تتضح الحقيقة. 

بعد ذلك فوجئت القيادة السياسية في مصر بإذاعة سرية أخرى 
تأي من عمان واسمها "صوت العرب". وجاؤوا بشخص يقلد صوت 
أحمد سعيد, الإذاعي الشهيرء ويردد تعليقاته, ولكنها فشلت. وبعد 
تولي عبدالكريم قاسم حكم العراق وإجهاض ثورة يوليو 1958 أنشأ 
إذاعة ضد مصر إلى أن قامت ثورة اليمن واشتدت حرب الإذاعات», 
فأنشأت السعودية إذاعة في جبال جيزان جنوب غري المملكة متاحمة 
للحدود اليمنية» وردّت مصر عليها بإذاعة سرية. كما أنشأت إيران 
إذاعة سرية ضد عبدالناصر في الفترة المذكورة. 

في خطاب الرئيس جمال عبدالناصر في المؤتمر الشعبي الذي أقامه 
الاتحاد القومي للاحتفال بمرور سبع سنوات على ثورة 23 يوليو 
تحدث ناصر عما وصفها ب"حرب الدعاية المسمومة". وربما كان من 
الواجب نقل هذه الفقرات المهمة من خطاب عبدالناصر في 22 يوليو 
9؛ إذ قال نصمً: 

"حرب الدعاية والسموم, تسع محطات سرية وفرقة سيمفونية من 
محطات الاستعمار وإسرائيل وأعوان الاستعمار بتذيع كل يوم طول 
النهار وطول الليل. وكنت لا باطلع أجازة ني أي مكان.. في برج 
العرب أسجمع تسع محطات سرية بتقول كلام لا يمكن أن يتصوره 
إنسان؛ شتيمة واقّامات. وتسمع محطات الاستعمار. تسمع محطة 
"صوت مصر الحرة" و"صوت الحق", وبعدين تحول تسمع إسرائيل؛ 


- 344 - 


وتسمع بغداد, تسمع باقي المحطات إلى آخر هذه المحطات, وكان أي 
واحد يفتح هذه الإذاعة يسمع سموم.. اتامات وتشكيك وسبء 
ولكن هل نفع هذا الكلام؟ ما نفعتش حرب الدعاية» وما نفعتش 
حرب السمومء وكان من الواضح ان أعداءنا اللي بيوجهوا هذه 
الدعاية لنا لا يريدوا لنا خير بأي حال من الأحوال؛ ولكنهم يريدوا 
شر.. بيوجهوا هذه الدعاية لنا علشان يستخدمونا كما استخدمونا 
في الماضي وسيلة ليتوسلوا يما علشان يسيطروا علينا ويدخلونا ضمن 
مناطق النفوذ. تسع محطات بتهانيَ ما عملت أي شيء في هذا 
الشعب. ولم تحقق أي هدف من أهدافها. ولغاية النهارده محطة إذاعة 
"صوت مصر الحرة" لازالت بتهانيء واللي بيسمعها واللي ما 
بيسمعهاش بيعرف أن "صوت مصر الحرة" دي محطة بتتكلم باسم 
الاستعمار وبتذيع من باريسء وإنما هي تعبر عن الحقد اللي بيشعر به 
الاستعماريين والدول الاستعمارية بعد أن فشلوا وبعد أن انمزمواء 
وبعد أن انتزعنا منهم النصر. 

"وكان هذا أكبر مثل نستطيع أن نضربه للشعوب: إن حرب 
الدعاية لن تؤثر عليناء وإن حرب السموم والحرب النفسية لن يمكن 
بأي حال من الأحوال أنما تخلي واحد مننا -إحنا الشعب اللي حقق 
حريته. واللي حقق استقلاله بدمه وبكفاحه- لن تستطيع حرب 
الدعاية ولا الحرب النفسية. ولا الدكاترة اللي جابوهم علشان 
يديروا حرب الدعاية والحرب النفسية؛ لن يستطيعوا بأي حال من 
الأحوال انهم يحققوا أي شيء بواسطتا. بمكن هم يصدقوا الكلام 
اللي بيذيعوه.. بمكن هم يصدقوا الإذاعة اللي بيعلنوهاء. ولكن 


- 345 - 


الشعب هنا اللي عنده تجربة الماضي الطويل مع الاستعمار ومع أعوان 
الاستعمار. واللي شاف ازاي دخل بالخديعة ضمن مناطق النفوذ, 
وازاى دخل بالخديعة ضمن مناطق الاحتلال البريطاي» وازاي دخل 
بالخديعة علشان تسيطر عليه القوات المعتدية الخارجية والقوات 
المستغلة الداخلية؛ لم يقبل بأي حال من الأحوال أن يخدع مرة 
أخرى. وأنا مؤمن ومعتقد وانكا أن زي ما كنت باسمع هذه 
الإذاعات وباسخر منهاء كان كل فرد من أبناء هذه الأمة -وبس 
مش من بلدنا.. من جميع أنحاء الأمة العربية-- كان يستمع إلى هذه 
الإذاعات وكان يسخر منهاء ويعتبرها دليل على الغيظ وعلى الحقد 
للي فقدوا موقعهم. واللي فشلوا في إنهم يحطونا ضمن مناطق النفوذ, 
واللي فشلوا في إنهم يسيطروا علينا؛ وكان هذا العمل وهذا الوعي 
فخر.. فخر وحده جيل كامل من الأجيال". 

في الخطاب المذكور, غمز ناصر من قناة آخرين؛ حيث قال: 

"بدأت دعاية مسمومة ضد الاتحاد القومي, وقالوا: دا الاتحاد 
القومي ذا فاشية أو حزب واحدء وعقوفيا الشيوعيين.. بنمسك 
حتى صحف الشيوعيين في العراق وني لبنان؛ وهات يا حملة على 
الاتحاد القومي, وقالوا: دا حزب واحدء ودا فاشي وبتاع. والشيوعية 
بتتبنى الحزب الواحد. وهي سياستها مبنية على الحزب الواحد. ليه 
الاتحاد القومي مش حزب واحد؟ وإيه هو الحزب الواحد؟". 

وني كلمة عبدالناصر في بورسعيد بمناسبة عيد النصرء بتاريخ 23 
ديسمبر 1961: أعاد ناصر الحديث عن وسائل الإعلام المعارضة 


2-346 - 


لنظام الحكم في مصر؛ حيث قال نصا: 

"مؤامرات ضدنا بالإذاعة بيطلعوا يتآمروا بعض الخونة المصريين 
اللي مشيوا بره واللي كانوا بيشتغلوا أيام الوفد وبيستغلوا؛ ببروحوا 
يقدموا خدماقم لفرنسا وكم واحد. 

"أجل أبو الفتح, حسين أبو الفتح, المراغي. . كلنا عارفين 
الأشكال ديء وبيشتغلوا مع فرنسا في ضواك مضر ارة؛ بيخدموا 
يمذا فرنسا اللي هي حليفة إسرائيل.. طبعا وبيخدموا إسرائيل. 

"برضه ما حاولناش أبدًا إن إحنا نخلص من هؤلاء الناسء, ماذا 
كده كان ضدنا 4 محطات سرية أو ١١‏ محطة سرية, ولكن وعى 
الشعب المصري استطاع أن يهزم ال محطات السرية» وجت إنجلترا 
عملت في قبرص محطة اسمها صوت بريطانياء وبعدين بعد كده 
اعترفت بخيبتها القوية؛ وقفلت صوت بريطانيا ومشيت من هناك 
وقفلت حتى محطة الشرق الأدئ. 

'إذا إحنا شعب ماحدش حيقدر يضحك عليه.. مؤامرات 
.ماحدش حيضحك عليناء ولا حدش حيستطيع أن يتآمر على أهدافنا 
وعلى مبادئنا وعلى المثل اللى إحنا بنتمنى إن إحنا نبنيها". 

تاريخ وسائل الإعلام التي اتخذت موقف المعارضة من نظام الحكم 
في مصرء يمتد بجذوره إلى سنوات سابقة للعهد الجمهوري. 


في رسالة دكتوراه بعنوان "صحافة المعارضة في مصر دراسة 


- 347 - 


المفهوم التاريعخي خلال الفترة من 1924 إلى 1954" أجرى الباحث 
حسني نصر دراسة تاريخية تحليلية لكل الأعداد المتوافرة من صحف 
"البلاغ" و"السياسة" و"كوكب الشرق" و"السياسة الأسبوعية" 
و"الأخبار" و"الجهاد" و"الأحرار الدستوريون" و"الثغر" و"الإخوان 
المسلمون" و"النذير" و"الوفد المصري" و"الدستور" و"الأساس" 
و"الملايين" خلال الفترة من 1924 حتى 1954. 

توصل الباحث في رسالته؛ المقدمة إلى قسم الصحافة كلية الإعلام 
جامعة القاهرة (1995). إلى عدد من النتائج أهمها: انقسام خارطة 
المعارضة وبالتاليي صحافة المعارضة إلى قطاعين أساسين, هما صحافة 
المعارضة الحزبية وصحافة المعارضة غير الحزبية. كما لاحظ الباحث 
أن الازدواجية التي تميزت بما خارطة الصحافة المعارضة ناتجة عن 
ازدواجية النظم السياسي الذي قسم معارضيه إلى فريقين. 

وتحدث نصر عن ارتباطا صحافة المعارضة بقطاعيها بالنخبة 
السياسية أو الطبقة البورجوازية, وهو ما يتعارض مع المفهوم العام 
لصحافة المعارضة. كما أشار إلى أن صححافة المعارضة لم تطرح رؤى 
طبقية معارضة أو رؤى تمس أهداف النخبة الإستراتيجية. 

إنه الإعلام, سلاح النظام والمعارضة على حد سواء. في زمن 
سطوة الإعلام على الرأي العام. 


- 348 - 


سيرة موجزة 


ياسر ثابت, صحفي مصريء من مواليد ألمانيا عام 1964. 
حاصل على درجة الدكتوراه في الصحافة عام 2000. 

عمل مديرًا للأخبار في قناة «سكاي نيوز عربية», أبوظي» 
الإمارات العربية المتحدة (2011)., ومنتجا أول للأخبار في 
قئاة «الجزيرة» في قطر (2002). ورئيسا لتحرير غرفة 
الأخبار في قناة «الحرة» في الولايات المتحدة (28007)), 
ورئيسا للتحرير في قناة «العربية» في دبيء الإمارات العربية 
المتحدة (2007). 

له مؤلفانت عدة, بينها: 

«صديق الرئيس: حكام مصر السريون» (دار اكتبء القاهرة 
015) 

«دين مصر: أمراء الدم والفيديو» (دار اكتبء القاهرة 2015) 
«حروب الموانم» (دار اكتب» القاهرة 2015) 

«مصر قبل المونتاج» (دار دلتاء القاهرة 2015) 

«حكام مصر من الملكية إلى السيسي» (دار الحياة» القاهرة 
14) 

«غرفة خلع الملابس: وجوه وقياسات» (دار اكتبء القاهرة 


- 349 - 


))014 

«أجمل القعلة» (دار اكتبء القاهرة 2014) 

1ق (دار اكتب» القاهرة 2014) 

«الصراع على مصر: ذئاب مبارك والعهد الجديد» (دار كنوز, 
القاهرة 2014) 

«أيامنا المنسية» (منشورات ضفاف. بيروت/ منشورات 
الاختلاف, الجزائر 2014) 

«تحت معطف الغرام» (دار اكتبء القاهرة 2014) 

«مراودة» إدار اكتبء القاهرة 2014) 

«زمن العائلة: صفقات المال والإخوان والسلطة» (دار ميريت» 
القاهرة 2014) 

«صناعة الطاغية: سقوط النخب وبذور الاستبداد» (دار اكتبء 
القاهرة 2013) 

«رئيس الفرص الضائعة: مرسي بين مصر والجماعة» «دار 
اكتبء القاهرة 2013) 

«حروب العشيرة: مرسي في شهور الريبة» (دار اكتب, القاهرة 
0013 ظ 

«دولة الألتراس: أسفار الثورة والمذبحة» (دار اكتبء القاهرة 
013) 

«محاكمة الرئيس: البحث عن القانون الغائب» (دار اكتبء 


- 350 - 


القاهرة 2013) 

«شهقة اليائسين: الانتحار في العالم العربي» (دار التنويرء القاهرة 
د01) 

«قصة الثروة في مصر» (دار ميريت, القاهرة 2012)., (طبعة 
ثانية, مكتبة الأسرة, القاهرة 2013) 

«هيا بنا نلعب: عن الأوطان والأوثان» (دار اكتبء القاهرة 
0012 

«فضة الدهشة: تغريد على غصن تويتر» (دار العين, القاهرة 
0012 

«لحظات تويتر: ألف تغريدة وتغريدة» (دار العين2 القاهرة 
1 

«جرائم بالحبر السري» (مركز الحضارة العربية» القاهرة 
010))) 

«حروب كرة القدم» (دار العين, القاهرة 2010) 

«فتوات وأفندية» (دار صفصافة, القاهرة 2010) 

«فيلم مصري طويل» (مركز الحضارة العربية» القاهرة 2010) 
«كتاب الرغبة» (الدار العربية للعلوم ناشرون, بيروت 2010) 
«جرائم العاطفة في مصر النازفة» (الدار العربية للعلوم ناشرون, 
بيروت 2009) 

«يوميات ساحر متقاعد» (دار العين» القاهرة 2009) 


-351- 


«قبل الطوفان: التاريخ الضائع للمحروسة في مدونة مصرية» 
(كتاب «ميزان», القاهرة 2008)., (طبعة ثانية,» دار كنوز, 
القاهرة 2013) 

«جمهورية الفوضى: قصة انحسار الوطن» وانكسار المواطن» 
(كتاب «ميزان». القاهرة 2008). (طبعة ثانية» دار كنوز, 
القاهرة 2013) 

«ذاكرة القرن العشرين» (مكتبة الدار العربية للكتاب, القاهرة 
0001 

«موسوعة كأس العالم» (مدبولي الصغير, القاهرة 1994). 


-352-- 


الفهرس 


إهداء 
مقدمة 

أكاذيب مهنية! 

المتلاعبون بالعقول 

ماسبيرو.. رجل الدولة المريض 
لغز "الصندوق الأسود" 

فهاية "الإعلام" 

صحافة "5:ة البطيخ"! 
اخترناه! 

موت "التوك شو" 


-353ت 


13 


57 


51 


108 


124 


139 


177 


232 


معركة الفضائيات 
عندما تصمت الحقيقة 
حظر النشر.. تاريخ من المنع 


ضد النظام 


- 354 - 


200 


209 


331 


336