Skip to main content

Full text of "القاموس النقدي للأفلام"

See other formats


مركز دراسات الوحدة العربية 








السينما والمجتمع 
فى الوطن العربب 


القاموس النقدى للأخلام 


إبراهيم العريس 








هذا الكتاب 





تندّر الكتب التي ترصّد الحركة السينمائية في الوطن العربي» تأريخاً 
وتقييماًء بالرغم من أهميّة هذه الحركة وتنوّعاتها على المستويين ع: الفني 
والثقافي» وما لهذين المستويين من دور مؤثّر في تكوين الذهنيّات العامة 
لدى الجمهور وفي تشكيل الوعي الجمعي» ولا سيما منذ البدايات 
الأولى في القرن الماضي وصولاً إلى المرخلة الراهثة. 

المكتبة العربية تعاني من هذا النقص في التأريخ السينمائي المعمّق» 
ولولا المتابعات والحوارات. الصحافية» وبعض الدراسات المتفرقة: 
وبعض المشاريع في الجامعات» لكان يمكن القول بفراغ المكتبة العربية 
من هذه الموضوعات,. ولا سيّما على مستوى وضع كتاب شامل ذي 
طابع موسوعي يجمع بين التأريخ والتحليل والنقد. 

الناقد السينمائي ابراهيم العريس تصدّى لهذه المهمّة.فانكبٌ منذ 
سنوات على تأليف موسوعة قاموسيّة - تحليليّة ترصد الإنتاج السينمائي 
العربي من زوايا متنؤعة تحت عنوان: «السينما معي ماوت 
العربي»؛ وتقع في ثلاثة مجلّدات. وتعتمد مبدأ التصنيف المنهجي على 
أساس ثلاثة عناصر هي: ١‏ - الأفلام. ١‏ - المخرجون. * - التحليل. 
المجلد الأول بشبيل فصر عضي فلم فيما يتناول المجلّد الثاني تجارب 
مئتيى مخرج. وتختتم تُختّتم الموسوعة في المجلّد الغالث بدراسة تقييميّة 
جامعة. 

إنَّ مركز دراسات الوحدة العربيّة إذيقدّم اليوم المجلّد الأول من هذه 
الموسوعة يأمل بأنْ هذا المشروع سيكون له دورٌ كبير على طريق سد 
النتقص في التأريخ السينمائي العربي. 
إبراحيم العريس 

« باحث وناقد وكاتب سيناريو سينمائي عربي. تولّى رئاسة تحرير 
عددٍ من المجلات السينمائية والثقافية» وترجم أربعين كتابً؛ وأصدر /7 
كتاباً تناولت قضايا السينما والثقافة. 


مركز دراسات الوحدة العربية 


تكانة: لآنيت: النيهمة 1 فيا | : ال ل نفام 7 
بناية ابيت النهضة»» شارع البصرة» ص.ب الثمر:: 76 دولاراً 
الجعراتت وبريت ننه 4؟ و88 _لبتات 3 

تلفون: 85١:هلا‏ مم١‏ ١٠هلا_كمء١٠وهلا_لار١٠ ٠‏ هلا )+9511١(‏ ل سجر 


برقيا: (مرعربى) ‏ بيروت -978-9953-82 :801 


15 
فاكس: )+951١(1/60088‏ 
00115.01.1 110 :1لقما-ةء 


. كنتوء.1717/177//: 1 :511 ماع11 9 7 





السينما والمجتمع 
في الوطن العربي 
القاموس النقدي للأفلام 


الفهبرسة ألناءالنشر ‏ إعداهد مرك دراسات الوحذلة العربية 
العريس» إبراهيم 
السيئما والمجتمع في الوطن العربي: القاموس النقدي للأفلام/ إبراهيم العريس. 
ا 
978-9953-82-996-8 15811 
.١‏ السينما العربية. ؟. الأفلام السينمائية. ”. المجتمع العربي. أ. العنوان. 
122120017 
العنوان بالإنكليزية 
طوعة عغطا هأ جاعاء50 لسع قوسعمات 
5 88) “101 وتدسمماءلط لدعم ع1 


مكفس رآ بمن[ه«ط1 ترق 

الآراء الواردة في هذا الكتاب لا تعبّر بالضرورة 

ا عن اتجاهات يتبناها مركز دراسات الوحدة العربية 

مركز دراسات الوحدة العربية 
بنإية #بيت النهضة»؛ شارع اليصرة» ص.ب: ١١17-55١١‏ 
العدر اف يروت 11 لبئان 
تلفون: 16٠١85‏ فلم١٠:٠ه/ا-_‏ كم١0١‏ هلا لالم ١‏ :هل )+9511١(‏ 

برقياً: «(مرعربي» - بيروت 
فاكس: 0848:٠6/ا(4511+)‏ 


طا.عنه.كناهء6 مقط :اتقدسرء 
<018,15. كناقع. 7/7/7 //ن > :5116 علا 





حقوق الطبع والنشر والتوزيع محفوظة للمركز 
الطبعة الأولى 
بيروت» آب/ أغسطس 506 


إهداء 


توفيق صالح 
حكرىق يوسفب شاهين. - 0 
ظ سيد و: - 
د 0 
5 أت المي ومحمد - 
1 كير 1 غيرهم من 
7 سم 
١ 0‏ أسهل الدروسب 
لم يختاروا 0000 
ة أعمالا جعلتها بحزتن 
فأعطوا السينما العربية أعما 0 
فنأ عظيماً بير الفنوت الجميلة 


لعريسل 
إبراهيم أ 


مقدمة 
«آن الأوان» 
«أبناء الصمت» 


«الأبواب المغلقة؟ .. 


«الأجنحة المتكسرة» 


«أحلى الأوقات» 1 


«أحلام المدينة» 


«الاخختيار» 


«الإعصارة 


ومميوومثومووووه 


وووةووةوةوو 


«ووووووروووةه. 


وممبمفوةوه 


و6.م. 


فلوو 


وووووووومه. 


ووووووووووومومه 


ممم مومووووو ونه 


«ملدممووووووةو ووه 


معءمموووةوثعووووة 


وقومهمءيوءوةووروووو هه 


#ووموموووووووووهة 


ووووووووووووووه. 


هووومووووووموءعه 


المحتويات 


«أغنية على الممر» 


«أهل القمة» 
«الأيام الأيام» 


«ياب الحديدة ... 


اباب الشمس؟ ... 


باب المقامة 


وموووة 


وعقوممه 


322000000 


32033 


فوموءثوةوة وو 


فممم ووو و وووووهة 


هووم مو ومع عدم نيوو هه 


ووو ووو ووم ممه دومويءوهة 


ووفوو ووو ووو 6 


ووفممء ووو ووو ووو وو 0 


ووهووةوثمءووثوووةيد ووه 


وممووو ووو وو مودوووة 


وووممموة ةمود وةووعءوووه 


ممم ء دو وو ووو و 


وقول ووو ووو 


وووووووةووءمموةووةوووه 


هوووووةثووعهووووءونهةه. 


«#باب الواد سيتي» 
لبحب السيما» 
«البحث عن سيد مرزوق» 
«بداية ونهاية» 


«البو سطجي 6 
«بياع الخواتم» 
«ألبيت الزهر» 
#بيروت الغربية» 
«بيروت يا بيروت» 
«بيني وبينك بيروت؟ 
«التائب» 
«تراب الغرباء؟ 
«تشريح مؤامرة» 
"ثرثرة قوق النيل؛ 
«ثلاثة على الطريق» 
«ثلائية الأطفال والأحلام» 
«الجبل 2 
«جميلة الجزائرية) 
«الجنة الآن» 


«الحب فوق هضبة الهرم» 
«حتى إشعار آخر» 


وهومووء.ه 


ووفوعممءوءوءيه 


ووفهوووووومث.ه 


ووسمدموووومووووووةه 


وووووه 


ووعوثممهمءوءودودووووةه. 


وموووةووووة 


وقوووعمموةةدووووووة 


ووفوفووووووووو ووه 


وووةووة 


ووهووةووةوهة 


وووووووووووووووه 


وعقوووةومة. 


وووووووووه 


وووووودوووهة 


عومميءءءيثموةهة 


وووقوءءيءيءييهة 


وووووةوءة.ه. 


وفومووووة 


وووووووووة 


ووهووووووهة 


ووووةهوووووهة 


وووووموووهة 


«حروب صغيرة» 0 0 000000000 
«الحزيف؟ امح وار حو هم 188 
احسن ونعيمة» 000 
«حكاية شرقية» م 1 
«حلاق درب الفقراء» 1 
«حلفاوين - عصفور السطح» 0ل 
«حلق الوادي» 11 
«حمام الملاطيلي» 010000000000 
«حياة أو موت» 1 
«حيفا» 1 
«خارج الحياة» 0 0 
دخان الخليلي» 110/7 
«خلي بالك من زوزو» ا م ١/6:‏ 
«دائرة الانتقام؟ م 11/17 
«دخان يلا نار» 1 0000 
«درب المهابيل» السو 1 
«دعاء الكروان» ااا 
«دنيا» ووه ا ا 180 
اديكور» 000 
«الرجل الذي فقد ظله» 16 
«الرجل المحجّب» 1١16‏ 
«رُدَّ قلبي» 1 
«رسائل شفهية» 00000 
«الرسالة» ممع مله للع لع لف لع ءء /ل9آ 
#رسالة من زمن المنفى» 1 
«ريا وسكيئة» 0 0 
«ريح الأوراس» 37 
«ريح السدّ» 00 





«زائر الفجر» 

«الزمن الباقي» 
«زنار النار» 
ازوجة رجل مهم» 
«زوجتي والكلب» 
«زيارة السيد الرئيس» 
«سارا أونياة 


وووفممءمممءثديره 
ووموءءيةوورم 
مممءء مي ووووووووو 
322200-0-301 
مممموفروة 
02221115 
وومووءموووةءثوووهة 
وتمموةووروووهة 
ووهومووم ءءء م ريلوةه 
وووهوءهومءءث مور 
ووومةووةث مم ووو 
022011111113135 
لعمءء ان ءممرورووهة 
00000 


وووموووووووه 


«سوبر ماركت» 

«السوق السوداء» 
«شاطيع الأطفال الضائعين» 
اشباب امرأة» 
شحاذون ونيلاء» 
«الشرقي أو الصمت العنيف» 
#شفيقة و متوا لي 0 
اشمس الضباع» 
لاشيء من الخوف» 
«صانع النجو م( 
«الصدمة» 
«صراع الأبطال» 
لاصرا اع في النيلة 


.ومووروووو” 


لومعم روه 


ووموموقميءويةه 


عومم دلوو 


معومميمووووووة 


وووجووجوووووومهوهةء 


ووهوءوموةويمويءهه 


0 0 


وعموءةوووويه 


#لموووووة 


ووومويءعءعه 


ووووءويءه 


وفوووومره 


ووووويويه 


وومووويوه. 


ووموووويءعه 


وووهووءونه 


ومومءءثمهه. 


ووفوهوومه 


وموووووو 


ومثومرثومه. 


ومومووومة 


وقوهيةةوةه 


ووموميوة 


«طيف المدينة» 
«ظلال الصمتة 


«العار '( 


«عرس الزين؟ 


«العصفور» 


«على الحافة» 
«على من نطلق الرصاص» 
«علي زاواه 
«عمارة يعقوبيانة 
«عمر» 
«عمر قتلته الرجولة؛ 
«عنتر وعبلة» 
«العوامة رقم 6/٠‏ 

«عودة الابن الضال» 


ووفهوووومثثمعوءوه 


وععووورورمهة 


وقوموووثية 


#وووووهوووووووو ووه 


مودممموعوردوةيووو وود 


وقميءثمثءوه 


وومعوءووووو” 


وومهووةوورددوةوو. 


فوووةةو ممم ووة ووو 


وووفووووروءمثدوءعه 


عءممثومةة ووو و5 


عملم معووو وو ووو 


وووهوعوةوةثةه 


ووهووووووو ووو مثمءمعويم موده 


مففووة 


ومممءيءءية نود ووه 


وعمقءة رمه 


وقوقيه 


وووووووما مم موةءوةوةوووودة 


وومووووييهها 


«عمولموووه 


ووموةوثءه. 


وعوومموءوهة 


وموووةوموثوةة 


ووممةءوريدويه 


وووءووووه 


وومووقووثوم 


«مموووووه 


..لءمعوووه 


ومفوووووةومه 


وووموووءههة. 


مووعمء.ةةه 


فمومعم ينه 


مقدمة 
«آن الأوان» 
«أبناء الصمت» 


«الأبواب المغلقة؟ .. 


«الأجنحة المتكسرة» 


«أحلى الأوقات» 1 


«أحلام المدينة» 


«الاخختيار» 


«الإعصارة 


ومميوومثومووووه 


وووةووةوةوو 


«ووووووروووةه. 


وممبمفوةوه 


و6.م. 


فلوو 


وووووووومه. 


ووووووووووومومه 


ممم مومووووو ونه 


«ملدممووووووةو ووه 


معءمموووةوثعووووة 


وقومهمءيوءوةووروووو هه 


#ووموموووووووووهة 


ووووووووووووووه. 


هووومووووووموءعه 


المحتويات 


«أغنية على الممر» 


«أهل القمة» 
«الأيام الأيام» 


«ياب الحديدة ... 


اباب الشمس؟ ... 


باب المقامة 


وموووة 


وعقوممه 


322000000 


32033 


فوموءثوةوة وو 


فممم ووو و وووووهة 


هووم مو ومع عدم نيوو هه 


ووو ووو ووم ممه دومويءوهة 


ووفوو ووو ووو 6 


ووفممء ووو ووو ووو وو 0 


ووهووةوثمءووثوووةيد ووه 


وممووو ووو وو مودوووة 


وووممموة ةمود وةووعءوووه 


ممم ء دو وو ووو و 


وقول ووو ووو 


وووووووةووءمموةووةوووه 


هوووووةثووعهووووءونهةه. 


«#باب الواد سيتي» 
لبحب السيما» 
«البحث عن سيد مرزوق» 
«بداية ونهاية» 


«البو سطجي 6 
«بياع الخواتم» 
«ألبيت الزهر» 
#بيروت الغربية» 
«بيروت يا بيروت» 
«بيني وبينك بيروت؟ 
«التائب» 
«تراب الغرباء؟ 
«تشريح مؤامرة» 
"ثرثرة قوق النيل؛ 
«ثلاثة على الطريق» 
«ثلائية الأطفال والأحلام» 
«الجبل 2 
«جميلة الجزائرية) 
«الجنة الآن» 


«الحب فوق هضبة الهرم» 
«حتى إشعار آخر» 


وهومووء.ه 


ووفوعممءوءوءيه 


ووفهوووووومث.ه 


ووسمدموووومووووووةه 


وووووه 


ووعوثممهمءوءودودووووةه. 


وموووةووووة 


وقوووعمموةةدووووووة 


ووفوفووووووووو ووه 


وووةووة 


ووهووةووةوهة 


وووووووووووووووه 


وعقوووةومة. 


وووووووووه 


وووووودوووهة 


عومميءءءيثموةهة 


وووقوءءيءيءييهة 


وووووةوءة.ه. 


وفومووووة 


وووووووووة 


ووهووووووهة 


ووووةهوووووهة 


وووووموووهة 


«حروب صغيرة» 0 0 000000000 
«الحزيف؟ امح وار حو هم 188 
احسن ونعيمة» 000 
«حكاية شرقية» م 1 
«حلاق درب الفقراء» 1 
«حلفاوين - عصفور السطح» 0ل 
«حلق الوادي» 11 
«حمام الملاطيلي» 010000000000 
«حياة أو موت» 1 
«حيفا» 1 
«خارج الحياة» 0 0 
دخان الخليلي» 110/7 
«خلي بالك من زوزو» ا م ١/6:‏ 
«دائرة الانتقام؟ م 11/17 
«دخان يلا نار» 1 0000 
«درب المهابيل» السو 1 
«دعاء الكروان» ااا 
«دنيا» ووه ا ا 180 
اديكور» 000 
«الرجل الذي فقد ظله» 16 
«الرجل المحجّب» 1١16‏ 
«رُدَّ قلبي» 1 
«رسائل شفهية» 00000 
«الرسالة» ممع مله للع لع لف لع ءء /ل9آ 
#رسالة من زمن المنفى» 1 
«ريا وسكيئة» 0 0 
«ريح الأوراس» 37 
«ريح السدّ» 00 





«زائر الفجر» 

«الزمن الباقي» 
«زنار النار» 
ازوجة رجل مهم» 
«زوجتي والكلب» 
«زيارة السيد الرئيس» 
«سارا أونياة 


وووفممءمممءثديره 
ووموءءيةوورم 
مممءء مي ووووووووو 
322200-0-301 
مممموفروة 
02221115 
وومووءموووةءثوووهة 
وتمموةووروووهة 
ووهومووم ءءء م ريلوةه 
وووهوءهومءءث مور 
ووومةووةث مم ووو 
022011111113135 
لعمءء ان ءممرورووهة 
00000 


وووموووووووه 


«سوبر ماركت» 

«السوق السوداء» 
«شاطيع الأطفال الضائعين» 
اشباب امرأة» 
شحاذون ونيلاء» 
«الشرقي أو الصمت العنيف» 
#شفيقة و متوا لي 0 
اشمس الضباع» 
لاشيء من الخوف» 
«صانع النجو م( 
«الصدمة» 
«صراع الأبطال» 
لاصرا اع في النيلة 


.ومووروووو” 


لومعم روه 


ووموموقميءويةه 


عومم دلوو 


معومميمووووووة 


وووجووجوووووومهوهةء 


ووهوءوموةويمويءهه 


0 0 


وعموءةوووويه 


#لموووووة 


ووومويءعءعه 


ووووءويءه 


وفوووومره 


ووووويويه 


وومووويوه. 


ووموووويءعه 


وووهووءونه 


ومومءءثمهه. 


ووفوهوومه 


وموووووو 


ومثومرثومه. 


ومومووومة 


وقوهيةةوةه 


ووموميوة 


«طيف المدينة» 
«ظلال الصمتة 


«العار '( 


«عرس الزين؟ 


«العصفور» 


«على الحافة» 
«على من نطلق الرصاص» 
«علي زاواه 
«عمارة يعقوبيانة 
«عمر» 
«عمر قتلته الرجولة؛ 
«عنتر وعبلة» 
«العوامة رقم 6/٠‏ 

«عودة الابن الضال» 


ووفهوووومثثمعوءوه 


وععووورورمهة 


وقوموووثية 


#وووووهوووووووو ووه 


مودممموعوردوةيووو وود 


وقميءثمثءوه 


وومعوءووووو” 


وومهووةوورددوةوو. 


فوووةةو ممم ووة ووو 


وووفووووروءمثدوءعه 


عءممثومةة ووو و5 


عملم معووو وو ووو 


وووهوعوةوةثةه 


ووهووووووو ووو مثمءمعويم موده 


مففووة 


ومممءيءءية نود ووه 


وعمقءة رمه 


وقوقيه 


وووووووما مم موةءوةوةوووودة 


وومووووييهها 


«عمولموووه 


ووموةوثءه. 


وعوومموءوهة 


وموووةوموثوةة 


ووممةءوريدويه 


وووءووووه 


وومووقووثوم 


«مموووووه 


..لءمعوووه 


ومفوووووةومه 


وووموووءههة. 


مووعمء.ةةه 


فمومعم ينه 





(عيون لا تنام» 
«غزل البنات» 


«الغتوة» 


افو قَ الدار البيضاء 


الملائكة لا تحلّق» .. 


«في بيتنا ر جل 2 
«القبطان» 
لاقصة ثو اني4 
«قنديل أم هاشم» 
#سكر بنات/ كاراميل؟ 
«الكرنك؟ 


وممويءموة. 


ووووووه 


ممووييويوءويوووه 


وهوهوووووووووهة 


ووومءءثممموءء نوه 


وعمموثووءيونةه. 


ووموووروه 


ووو 


وقوءمءثءءويوةه. 


وهومومممءوومه. 


وعقوووه 


وووووووووووووهة 


مهووووووووووووهة 


ووفوومثووثموعدووو. 


فومووووووووووهة 


ووهوووووووووءوو. 


وووووووووووووة 


ومووممءوعءعويعويوهة 


وموووهووءوةءووةه. 


وفوثوووووووووووه 


وووموووموووويو هه 


ووووووء م ءموووووهة 


وهوووومثووو ووه 


ووووووةووووووة 


1١ه‎ 


«ليه يا بنفسج؟؛ 


#مان 2 


#ميرامار» 
«النائب العام» 
«الناصر صلاح الدين؟ 
«نجوم النهارة 


ووووووومووموثءعوءعيوهة 


ووموووووه 


وومووووووثوثوومه 


ووووووووووو و6 


ووللمثمءثءعو.ه 


وفوووووووثمءوعوموه 


ومقويويووو.ء. 


ووثوويووووة 


وموووثووءءءءءويوه 


فوووووووووو. 


فففمءووووووووووء 


وومفووعمءعدويه 


وووقوووم 66 0ه 


مهوووةووووودو.. 


موفف ووو و ووو و0 


ممووويووو وه 


هوووووووو.ه 


لعءموءثعوءووهة 


ووثوووووووو. 


ووووووووروة 


وومومموءءوءوه 


مممممونووو.ه 


معوعموثووووم. 


ووموووةورو” 


ووومووووو. 


«لمووووووه 


وووءعووو و6 


وووووووووه 


ووفووموووءه. 





«الوداع يا بونابرت6 353*395 
«وقائع سنين الجمر» 255585 
لوهلا لوين؟» 6 


1١١ 


ايا خيل الله» 7 535*ظ1ظهظ2 


فيا دنيا... يا غرامية 00 
(يا سلطان المديئة» 2117 


#اليوم السادس؟ 2113111 
اليوم مر.. يوم حلوة 35000 


(يوميات نائب فى الأرياف» 


025-00-00-0-00 


ولموقوووةو 


مقدمة 


والمجتمع في الوطن العربي» وهمّ سبر الطريقة التي عبّرت بها السينما العربية» ممثّلة بهذه 
الأفلام تحديداً» عن التطورات الاجتماعية على مدى ما يقارب القرن. ثم - وهذا لا يقل أهمية 
في رأينا - كيف اشتغلت هذه الأفلام على الذهنيات العربية وساهمت في تطويرها. 

هي إذا بالنسبة إلينا لعبة الفعل والتفاعل؛ طرح الأفكار والاستجابة لهاء كما مارستها 
مئات الأفلام العربية واشتغل عليها مئات المخرجين العرب. أما الفكرة الأساس هنا فتنطلق 
من أنه منذ زمن بعيد بات واضحاً أنه إذا كان ثمة حيّز يتجلّى فيه بشكل منطقي وبارز» نوع من 
الوحدة في الذهنيات والأفكار العربية» فإن هذا الحيّز هو الحيّز الثقافي. فمن البذيهي أن معظم 
العرب يقرأون غالباً الكتب نفسها ويعرفون التاريخ نفسه ويطربون للأغاني نفسها ويتابعون 
المسرحيات نفسها ويشاهدون الأفلام نفسها. صحيح أنه كانت هناك على الدوام مآخذ عديدة 
» مثلأ» على شيء من المركزية المصرية في هذا المجال: أو العراقية أو السورية أو اللبنانية في 
ذاك.. غير أن التاريخ الذهني في القرن العشرين وما يليه» يؤكد لنا أن ثمة وحدة - تزداد تبادليّة 
وابتعاداً عن المركزية بالتدريج - ثقافية عربية يمكن التوقف عندها ودراستها. 

وفي المجال الذي يهمنا في هذا المشروع؛ أي السينماء يبدو الأمر أكثر وضوحاًء بحيث 
إننا إذ نتحدث عن السينمات العربية - من حيث الإنتاج والتعبير - قد يمكننا أيضاً أن نتحدث 
عن السينما العربية - بالمفزد ‏ من حيث التلقي. وإذا كان في وسعنا أن نقول إن الوقت قد 
حان للتوقف عند تاريخ ما.للسينما العربية» فإننا نرى في الوقت نفسه أن ما هو جدير أكثر 
بأن نتوقف عندهء إنما هو تاريخ السينما العربية الكبيرة» أي تلك التي على مدى عقود طويلة 
من عمر السينما العربية» عرفت كيف تجعل لنفسها مكانة ثقافية» أولاً لدى نخب المتفرجين 
العرب ثم في الخارج. كما لاحقأء من خلال انتشارها على التلفزة وما شابههاء لدى المتفرج ' 
العربي عموماً. 

وهذه السينما بات لها اليوم تاريخ وأعلام» ناهيك بأنهاء على عكس السينما الجماهيرية 
التي يغلب عليها الطابع الاستهلاكيء صارت خلال العقود الأخيرة على أية حال؛ متعددة 
المنابع» بحيث إنها مصرية وفلسطيئية ولبنانية وجزائرية ومغربية وتونسية وسورية... إلخ» 
أكثر منها مصرية فقط. ومن هنا فإن مشروعناء في الوقت الذي نتطلع فيه إلى دراسة ما نسمّيه 
بالتاريخ الاجتماعي للسينما العربية - ولا سيّما من حيث اشتغال السينما شكلاً ومضموناً على 
الذهنيات العربية بشكل عام خالقة فيها تلك «الطبيعة الثانية»» وعلى الأقل في مجالات النظر 
إلى أمور مثل الحب والعائلة والمال والسلطة والدين والسياسة والمرأة والآخر... إلخ. نتوختى 
تقديم تاريخ - هو الأول من نوعه في اللغة العربية - للسينما العربية الكبيرة التي باتت تحمل 
عشرات التواقيع من صلاح أبو سيف ويوسف شاهين إلى برهان علوية وإيليا سليمان ونوري 


15 


مقدمة 


بوزيد وميشال خليفي ومي مصري ونبيل المالح ومحمد ملص ومحمد الأخضر حامينا ومرزاق 
علواش وجلالي فرحاتي... وغيرهم. 

لدراسة هذا التاريخ ولا سيّما في علاقته مع الديناميات الاجتماعية - وتجلياتها في 
مجالات الإنتاج والتلقي » جعلنا أساس المشروع الأول دراسة تركيبية/ تحليلية تنطلق من 
تاريخ السينما العربية بشكل عام إلى تاريخ السينما الإبداعية بشكل خاص» وبخاسة للتوقفت 
مطولاً عند الكيفية التي انتقل فبها الإنتاج السينمائي من كونه لغبة إتاجية استهلاكية تعيل دائماً 
إنتاج المواضيع نفسها إلى حمهور لم يعد يرغب في شيء آخرء إلى كونه عمليات إبداعية تنجز 
من طريق فتانين أفراد تخطوا البخدود الوطنية ليساهموا معآ في انتاج أممال بات لها في التهز 
الثقافي مكانة الشعر والمسرح والأعمال الأدبية الكبيرة. ولسوف ندرس هنا بالتحديد دور 
مؤسسات القطاع العام في مصر والجزائر وسورية خاصة في تسهيل عملية الانتقال هذه. 

وستأتي هذه الدراسة تدريجية إذ ننطلق» في هذا المجلد. من دراسة تحليلية للأفلام 
التي نعتقد أنها تمثل بشكل جيد عيّنات من الأعمال ذات العلاقة بالمجتمعات التي تعبّر عنهاء 
ونشدد هنا على فكرة العيّنات لأننا نعرف أن ما تضمه دقَّتا هذا المجلد؛ ليس سوى نزر يسير من 
الأربعة آلاف ونيّف من الشرائط التي حُقّقت ت في الوطن العربي» والتي لن نذيع سراً إن أكدنا أن 
الغالبية العظمى منها أفلام مصرية» مع تأكيد إضافي لا بد منه وهو أن نسبة الجيّد إلى الرديء في في 
السينما المصرية تقل كثيراً عنها في السينمات العربية الأخرى» وهذا أمر طبيعي بالنظر إلى أن 
مصر كانت الوحيدة التي خلقت «صناعة سيئمائية؛ فيما خلق الآخرون أفلاماً» والفارق كبير بين 
الأمرين بالطبع. 

أما في المجلد التالي فتتناول صانعي هذه الأفلام وغيرهم من المخرجين العرب الذين 
أقل ما يمكن أن يقال عنهمء إنهم تعاطوا مع الفن السينمائي كما يتعاطى بقية المبدعين مع 
فنونهم الحقيقية؛ فكانت أعمالهم إبداعاً اجتماعياً يستلهم هموم الوطن والمرحلة بحيث يمكن 
للباحث الجاد أن يستخلص من تسلسل تلك الأعمال وارتباطها بزمنها نوعاً من السيرورة 
الفكرية/ الجمالية المتكاملة ما يكشف عن الوحدة الداخلية للمتن الإبداعي لكل مخرج؛ مركزاً 
على العناصر التي مكنت ذلك المتن من أن يفعل فعله المؤثر في المجتمع. 

وعلى هذا النحوء بعدما يكون المجلدان الأولان قد قدّما بساطاً من المعلومات 
والتحليلات حول المخرجين الذين نرى أن إنتاجهم يرتبط حقاً بالهمّ الاجتماعي المحيط بهم 
في مرحلة من المراحل» نتوقف في المجلد الثالث والأخير عند تلك النظرة التحليلية/ التركيبية 
الباحثة في العلاقة بين السينما كفن إبداعي فرديّ واجتماعي في آن معاً وكنتاج صناعيّ تجاريّ 
من ناحية أخرئة وبين الميجتمعات والبحقية التي أنتجت ت في سياقها. 


17 


مقدمة 


إذأ» بكل تواضع؛ نضع هذا المجلد بين أيدي القرّاء وكلنا أمل في أن الفكرة سوف تكتمل 
مع اكتمال صدور المجلدات الثلاثة» وكلنا تطلّع إلى أن يكون المشروع ككلء في نهاية المطاف» 
إضافة ليس فقط إلى المكتبة السينمائية العربية» بل كذلك إلى الدراسات المهتمة بكشف العناصر 
التي ساهمتء في العقود التي ندرس انتاجاتها السينمائية» على الأقل في إحداث تبديلات في 
الحياة الاجتماعية نحب أن نعتقد أنها كانت دائماً نحو الأفضل. 


بيروت - تموز (يوليو) 5١١6‏ 


إبراهيم العريس 


آن الأوان 


دآن الأوان» 


019497 8 د. (ألوان) 
آخرا اج: جان كلود قد سي 
سيناريو: جان كلود قدسي 
تصوير: وف 
موسيقى: توفيق فر 

بعد سنوات من العمل في إطار السيئما 


اللبنانية الجديدة كمؤلف ومخرج للأفلام 
القصيرة» حقق جان كلود قدسي فيلمه الروائي 
الطويل الأول «آن الأوان». ومنذ البداية لفت 
الفيلم الأنظار بتقنيته الإخراجية» وكشف 
عن طاقات فنية خصبة: من الممثلين دارينا 
الجندي وسيمون أبكاريان إلى المصور ميلاد 
طوق» مروراً بالموسيقي توفيق فروخ. لكن 
كثراً رأوا أن قدسي أخفق في الوصول إلى 
جمهوره لأسباب بدت متنوعة. 

كان السؤال الأول أمام هذا الفيلم هو: 
هل بات أخيراً بالإمكان أن تصبح الحرب 
اللبئانية جزءاً من الذاكرة؟ بكلمات أوضح: 
هل يمكننا من الآن فصاعداً الحديث عن هذه 
الحرب بصيغة الفعل الماضي لا بصيغة الفعل 
المضارع؟ إن فيلم جان كلود قدسي الروائي 
الطويل الأول يقترح علينا هذاء ويستطرد بأنه 
ربما كان بإمكان العائدين إلى لبنان بعدما 
أمضوا سئوات الحرب بعيداً منه» أن يبدوا 
أكثر قدرة على مبارحة الحرب. واستطراداً 
ريما كانت السيئما اللبنانية هي أقدر الفنون 


على محاولة تتجاوز هذه الحرب. بتحويلها 
إلى ذاكرة» بطردها من داخل الروح والجسد» 
بتحويلها من ذات إلى موضوع. 

ومن هذا المنطلق. تختلف سيئما قدسي 
عن سينما مارون بغدادي وعن سيئما برهان 
علوية» وتبدو مناقضة كلياً للرؤية التي عبر 
عنها سمير حبشي في فيلمه الروائي الأول 
«الإعصار». «آن الأوان» فيلم يبدأ من حيث 
وصل الآخرون أو أملوا في الوصول. هذا 
الأمر يشكل قوة الفيلم» لكنه يشكل نقطة 
ضعفه الرئيسية في الوقت نفسه. 

يدور فيلم قدسي حول شخصين يعودان 
إلى لبئان» بعد غيبة طويلة» يعودان كما لو أن 
مياه المنفى طهّرتهما من البلد ومن مآسيه: هو 
يعود مفلساً ليضع أغنية مقابل مبلغ من المال. 
وهي تعود للبحث عن طفلها الذي تعتقد أنه 
اختطف. لقاؤهما معاً يبدأ في الياخرة التي 


«الوطن» الذي كان بعيداًء يبدأ قبل ذلك بكثير» 


من خلال ذاكرتهما التي لم تستطع مبارحة 
الوطن. فالوطن هو في خاصرة كل مثهما جرح 

يخفق البطل في نهاية الأمر - كعادته - في 
وضع أغنية» ويهتم بدلاً من ذلك بتتبع حكاية 
البطلة وجمع خيوط الأحجية التي صورتها له. 
وهي تحاول بدورها أن تعثر على ابنها عبر تتبع 
مسار الأشخاص الذين خطفوه. والمهم أن كلا 
منهما يتتهي إلى التصالح مع ذاته ومع الوطن. 
لكن ليس هذا هو المهم في «آن الأوان». في 
هذا الفيلم» المهم هو الصورة. المهم هو 


آن الأوان 


النظرة. حتى لو كان جان كلود قدسي أخفق 
في إيصال موضوعه. وفي إعطاء بئية منطقية 
للأحاجي التي راح يرسمها على مدى أحداث 
الفيلم» وكذلك في وضع نهاية مقنعة تلتقي 
عندها الخطوط التي راح يرسمها متقاطعة 
ومتوازية طوال الفيلم... فإنه نجح بالمقابل في 
بناء سياق سردي متميز. سياق زاد من اتميزهة 
افتقاره إلى الموضوع افتقاراً أزعج عملية 
تواصل الجمهور مع الفيلم. 

مشكلة «آن الأوان» الأساسية أن مخرجه 
ظل يحرك شخصياته ويكثر من التقاطع بين 
تفاصيل أحداثه. ويقود متفرجه خطوة خطوة» 
ولكن ليصل به في نهاية الأمر إلى اللامكان. 
وكأن بين يدي المخرج حساسية سينمائية 
فائقة. ومشاهد مرسومة في ذهنه بعناية» 
وذكريات حاول أن يؤالف بينهاء مستقاة من 
تجربته الحياتية نفسهاء لكنه تبدّى عاجزاً عن 
توظيف هذا كله في بئاء منطقي. هو أمر قد 
يسمح لنفسه به فيم فندرزء حيث يجعل شكل 
فيلمه هو مضمونه كما في «أليس في المدن» 
أو #وضعية الأمور» أو حتى في «الصديق 
الأمري يكي» الذي يحاول «آن الأوان» أن ينتمي 
إليه بشكل أو آخر. ولكن سيئما فندرز ترتسم 
في سياق متكاملء ونمط فكري معين يتيح 
للشكل أن يحل مكان كل شيء. وهو نوع من 
الترف لا يمكن لأي مخرج أن يقدم عليه منذ 
فيلمه الأول» حتى ولو كان كما هو حال جان 
كلود قدسي - قوي التعبير» متين التقئية» نابضاً 
بالذكريات وقادرا على زرع الدلالات في كل 
لحظة من لحظات الفيلم. 


إن كل ما في «آن الأوان» كان يقول لنا إننا 
هنا أمام سينمائي متمكن من فنه: التعامل مع 
الشخصيات والممثلين من أداء دارينا الجندي 
وسيمون أبكاريان المتميز» وصولاً إلى الأدوار 
الثانوية: رضا خوريء أنطوان ملتقى وبخاصة 
ثلاث دقائق رائعة من ريمون جبارة» ضبط 
الإيقاع» اختيار موسيقى تحمل توقيع توفيق 
فروخ الذي عرف كيف ينقل التوتر والإيقاع 
إلى المتفرج» ورسم المشاهد في حد ذاتها 
مشهد لعبة البوكر قد يصلح لفيلم من توقيع 
جون هيوستن. أفكر بأحد مشاهد اتبحت 
البركان». 

كل ما في «آن الأوان» أعلن يومها ولادة 
مخرج لبناني جديدء ولا سيّما أننا كنا نتتظر 
عمل جان كلود قدسي الأول منذ عشرين عاماً: 
فهو في الحقيقة من ذلك الرعيل الذي برز 
منذ أواسط السبعينيات» والمدهش أن بدايته 
تأخرت كل هذه السئين. 

لكن المتفرّج حتّى لو وضعنا جانباً عنوان 
الفيلم الذي لا يعني شيئاً على الإطلاق» يبقى 
على ظمئه في النهاية: فالمخرج رسم فيلمه» 
منذ مشهد العرس والكمين في البداية» مروراً 
بمشاهد باريس والباخرة والتعرف بين بطلي 
الفيلم» وصاغ حكاية خطف الطفل التي بقيت 
حتى هي مبهمة في سياق السيناريو» وجعل 
بطله يتخلى عن مشروعه الأول وضع أغنية 
عن لبنان ليتابع الأحجية التي تلمّسها من خلال 
حكاية الفتاة ومشكلاتها العائلية... كل ذلك 
كي يقول لنا في النهاية إن السرء كل السرّء 
يكمن في انتحار «الشاف رينيه» رئيس فصيل 


أبناء الصمت 


ميليشيا أول الحرب» قرب جثث مواطنين 
أعدمهم مقاتلوه «على الهويّة»: انتقاماً من 
مقاتلي الخندق المعادي الذين نصبوا له كمينا 
قبل دقائق! 

من هنا فإن «آن الأوان» أخفق في إيصال 
موضوعه. وهو أمر محزن بالطبع. يزيد من 
الأسف أنه كشف في الوقت نفسه عن إمكانات 
تعبيرية طيبة لدى مخرج تأخر في الوصول 
إليناء ثم حين وصلء كان وصوله أقل من 
المستوى المتوقع. 


«أبناء الصمت» 





)1١91/:4(‏ 8 د.(ألوان) 
إخر اج: محمد راضي 
قصة وسيناريو وحوار: مجيد طوبيا 
تصوير: ماهر راضي 
موسيقى؛ لع حلي 
تمثيل: ميرفت أمين» نور الشريف. 


محمود مر سي 


إذا كانت الأفلام القليلة الأولى التي 
حققها مخرجون ينتمون إلى جماعة السينما 
الجديدة في مصرء قد أنت إلى حد كبير 
سوداوية فى تعبيريها عن هزيمة /21951 فإن 
التالى من إنتااجات بعض أفراد هذه الجماعة» 
اتىء ولا منيّما بعد فاتعصار أكتوير» الذي 
حدث عام 19177», بعد سئوات من حرب 
الاستنزاف. أتى محدثا نوعا من التوازن بين 
سوداوية الهزيمة وتفاؤلية النصر. وربما يكون 


هذا البعد قد انعكس بأفضل ما يكون في فيلم 
«أبناء الصمت» لمحمد راضي الذي كان, إلى 
جانب علي عبد الخالق» وغالب شعثه من 
أبرز ري الجماعة. 

و«أبناء الصمث» فيلم عن الحالتين: عن 
الإردة كنا هن الس عير أن لم يضدلهما 
على جبهة واحدة هى جبهة القتال عند «الحدود 
المدنّسة مع إسرائيل»» بل في جبهتين: فهناك 
من ناحية أولى» الخط العسكري إبان حرب 
الاستنزاف حيث يمارس الجنود بطولاتهم في 
انتظار العبور؛ وهناك من ناحية ثانية» المدينة» 
حيث يمارس الآخرون فسادهم وتخليهم عن 
مبادئ الثورة وتاريخهاء ممارسين بهذا خيانتهم 
لجنود الجبهة. 





7” 


هذا البعد أتى واضحاً في الفيلم من دون 
أي التباس» بل أحيانا بمباشرة قد نراها اليوم 
فحّة. لكنها فى ذلك الحين كانت تبدو ضرورية 
للقول إنه إذا كان ثمة انتصار قد تحققء فهو 
تحقق رغم فساد المدينة وخيانة المدنيين» 
وليس بفضلهم. 

عن هذا عبر الفيلم إذ قسّم لمسرحه) 
قسمين. فعند الجبهة لدينا نماذج عدة من 
المقاتلين إبان حرب الاستنزاف (بين ١91١‏ 
وأكتوبر »)١917/7‏ يمثلون شتى شرائح الشعب 


الأبواب المغلقة 


المصري: العامل محمود. الفلاح شلبي» صابر 
الصعيديء مجدي الجامعي» وماهر المهندس. 
إنهم هنا على خط الجبهة مجنّدون ليثاروا 
من الهزيمة. ولكن هناك في المديئة يمارس 
«الآخرون؟ حياتهم القاهرية وكأن ليس ثمة 
حرب ولا هزيمة. 

أما الرابط بين الجهتين فهو نبيلة؛ الصحافية 
خطيبة مجديء التي تكتب في مجلة «ثورية» 
كان رئيس تحريرها ذات يوم من أعمدة ثورة 
يوليو» لكنه الآن يفضل أن ينشر في مجلة أخبار 
الفنانات والمجتمع» بدلاً من أن يدع محرريه 
ومن بينهم نبيلة» يتحدثون عن الحرب وآفاقها. 

وعلى هذا النحو ينتقل الفيلم بين الجبهة 
والقاهرة» مصوراً الفوارق في الاستعدادات 
والذهنيات» ولا سيّما من خلال كتابة نبيلة 
لخطيبهاء الذي سوف يستشهد بعد حين خلال 
عملية تسلّل بطولية يقوم بها ورفاقه خلف 
خطوط العدو. لكن نبيلة بدلاً من الاستسلام 
إلى السوداوية أمام مقتل مجديء يعطيها 
استشهاده دافعا إضافيا لفضح ما يحدث في 
القاهرة» والحديث عما يدور على الجبهة» 
وهكذا تكتب تحقيقاً متفجرأعن مجدي 
ورفاقه» تنشره رغم اعتراض رئيس التحرير. 


غير أن اعتراض هذا الأخير لن يطولء إذْ ' 


سوف يفاجئه؛ كما يفاجئ الجميع» ذلك العبور 
الذي حقق نصر أكتوبر 1417... والذي ينهي 
الفيلم على رنّتين: رنّة تفاؤل بأولئك الأبطال 
الذين أعادوا إلى مصر أرضها وكرامتهاء ورنة 
تساؤل حاد وشائك. عن أولئك الذين سوف 


بف 


يكونون هم من سيستفيد من ذلك النصرء هناك 
في القاهرة حيث السياسة والفساد. 


«الأبواب المغلقة» 

٠ 6000‏ د.<ألوان) 
إخراج: عاطف حتاتة 
قصة وسيناريو: عاطف حتاثة 
تصوير: سمير بهزان 
موسيقى: هشام نزيه 


محمود حميدة سوسن بدرء 


من الصعب» بالتأكيد., تصور أن هذا 
الفيلم كان الروائي الطويل الأول لمخرجه. 
الذي كان عرف له قبل ذلك فيلم قصير هو 
«الكمان». ومع هذا تمكن عاطف حتاتة من 
أن يقدم هنا فيلماً ناجحاًء يقول من خلال ما 
يقل عن ساعتين» وفي شكل مبكره الكثير من 
أحوال مصر وآلامها وأحلامها المجهضة... 
وبالتحديد من خلال عدد محدود من 
الشخصيات»؛ وكمّ قليل جداً من الأحداث. 
غير أن كل شخصية في هذا الفيلم أتت ذات 
دلالة وموقع محدد. بدءاً من فاطمة تلك المرأة 
الشعبية التي تعمل في البيوت كي تتمكن من 
إعالة نفسها وإعالة صغيرها المراهق الذي تريد 
أن تكمل له تعليمه بعدما طلقها أبوه وتركهما 
وسط عواصف الحياة» فيما تخلى عنهما 
الابن الأكبر الذي رحل إلى السودان ولم تعد 
تصلهما أخبار منه. 


الأبواب المغلقة 


إنهما أم وابن» من النمط الذي نجد له 
شبيهين في كل مجتمع وفي كل زمان» ومن 
النوع الذي يصعب أن تمر حياته من دون أن 
تكون هناك دراما تدمّر هذه الحياة. وبالفعل 
تكون الدراما هنا في الولد نفسه» والذي يمر 
بمرحلة مراهقة بالغة الصعوبة. 

ولكن لأننا في مصر عند بدايات القرن 
العشرين» زمن اشتداد حمّى الصراعات 
الاجتماعية والأيديولوجية» لأن الأم منهمكة 
طوال النهار في عملها الذي ينقلها من بيت 
إلى بيت» سوف يُترّك المراهق لأن يربي 
نفسّه بنفسه؛ قليلاً في المدرسة» ولكن كثيرا 
في الشارع؛ حيث نراه ينتقل بين السيارات 
محاولا الحصول على قروش قليلة تساعده 
على العيش. وهو هنا سيكون بالطبع فريسة 
سهلة للجماعات المتطرفة التي سوف تجئده» 
وصولاً إلى تجنيده ضد أمه. 

ففي تلك الأثناء ستكون الأم قد التقت 
بأستاذ ابنها في المدرسة؛ وتنجذب إليه هي 
التي تعاني وحدتها في شكل مزرء وبخاصة أن 
الأستاذ سيحاول أن يعطي دروساً خصوصية 
للمراهق» ما يدخله في شكل طبيعي إلى 
المنزل» في الوقت نفسه الذي ستجذب الفتى 
إلى بيتها جارةٌ مستهترةٌ تحاول أن تبعد الفتى 
عن الهوس بأمه» والبالغ حد الجنون إذ يكاد 
يعتبرها الأنثى الوحيدة في هذا العالم. 

وهنا يتضافر اكتشاف الفتى - وغالباً 
بتحريض من الجماعات المتطرفة - سلوك أمه 
وعلاقتها بأستاذه. في يُعده الأخلاقي» ولكن 
أيضاً في بعده الفرويدي - ولا ننسينٌ هنا أن 


ارا 


المخرج هوابن الدكتورة نوال السعداوي؛ 
المحللة النفسية المعروفة في مصر والمدافعة 
عن حقوق المرأة » لينتهي به الأمر إلى 
قتل الأم» من ناحية أولى استجابة لإلحاح 
الجماعات المتطرفة التي تطالبه ب «قتل 
الخطيئة حيثما يراها حتى ولو في عقر داره»؛ 
ومن ناحية ثانية انتقاماً منها لخيانتها له مع 
أستاذه. 

والحال أن فعل القتل المزدوج هذاء كان 
هو ما دفع الناقد الراحل رفيق الصبان., إلى 
أن يتساءل في حديثه عن الفيلم: «هل قتل 
محمد الصغير أمه؛ استجابة لدواعي الدين 
أو لغيرة مكبوتة طغت على حواسه بعد أن 
اكتشف علاقتها الجنسية بأستاذه». 

ويتابع الصبّان: «أن هذا الفيلم يغوص 
في أعماق مراهق صغير... كما لم يفعل أي 
فيلم مصري من قبله؛ إلى جانب المهارة 
التقنية التي أظهرها عاطف حتاتة في أول 
فيلم (طويل) يخرجه. إلى جانب تركيزه 
على إظهار الخلفية السياسية والاجتماعية 
والاقتصادية بصورة شديدة الذكاء لتواكب 
الأحداث وتعطيها نورها الكاشف إلى جانب 
إدارته للممثلين وللكاميرا والنجاح في خلق 
الأجواء المناسبة. «الأبواب المغلقة» فيلم 
مدهش في كل تفاصيله؛ لكن الأكثر إثارة 
للدهشة هو توقف مخرجه الشاب عن تقديم 
فيلم آخر بعده... رغم الضجة الإيجابية التي 
رافقت عرض الفيلم». 


الأجنحة المتكسرة 


«الأجنحة المتكسرة» 


() غير متوافر د. (أسود وأبيض) 
إخراج: يوسف المعلوف 
سيناريو: فاضل سعيد عقل 
قصة: جبران خليل جبران 
تصوير: أنطوان صباغة 


تمثيل: نضال أشقرء بيار سلامة. فيليب عقيقي 


لم يستغرب أحد حين اختير المصري من 
أصل لبناني يوسف معلوف من قبل شركة 
المنتج توفيق كيروزء لتحويل رواية جبران 
خليل جبران «الأجنحة المتكسرة»» إلى فيلم 
سينمائي. ولعل أغرب ما في الأمر هناء هو أن 
كيروز تمكن من الحصول على إنتاج مشترك 
للفيلم (الأجنحة المتكسرة) من سورية. وهو 
ما سوف يتكرر بعد سئوات طويلة. حين 
سيقوم السوريون بإنتاج أول مسلسل تلفزيوني 
عن جبران: بدلا من أن يقوم به لبنانيون. 

المهم أن معلوف حقق الفيلم» ليبدو نيزكاً 
غريباً في فضاء ما كان قد بدأ يُصنع في لبنان: إذ 
ها هو جبران يقدّم سيئمائياً للمرة الأولى. وها 
هو يحقق في لبئان أول عمل مقتبس من نص 
أدبي محترم. وها هو معلوف يسند البطولة إلى 
فنانة شابة آتية لتؤها من المسرح الشكسييري 
في بريطانيا (نضال الأشقر). وها هي عودة غير 
متوقعة إلى اللهجة اللبنانية التي كان جورج 
قاعي وجورج نصر وغيرهما قد أخفقوا في 
فرضها. في اختصار: ها هي تقوم محاولة 


>32: 


للتصدي للتيار الذي جره محمد سلمان وراءه 
إلى لبنان. 

فيلم #الأجنحة المتكسرة» على رغم 
نواقصه وسذاجة كتابة السيناريو له» وهئّاته 
التقنية» اعتّبر يومذاك ولايزال» إحدى 
العلامات الأساسية في تاريخ السينما اللبنانية» 
ناهيك بأنه كان أول تعاون سينمائي بين سورية 
ولبنان» وذللك قبل دخول المهندس نادر 
الأتاسي على الخط في مجال إنتاج الأفلام 
الرحبانية» وقبل أن يصبح الثنائي السوري دريد 
لحام ونهاد قلعي جزءاً من سينما ذلك الحين 
اللبئانية. 

غير أن هذا كله لا يمنع من القول إن 
التجربة أتت فاشلة على صعيد شباك التذاكر 
والأسواق العربية» ما سوف يدفع يوسف 
معلوف, بعد فترة قصيرة في اتجاه العودة إلى 
الحظيرة السائدة» من خلال فيلم «المليونيرة» 
الذي» حتى وإن كان قد اتسم بلمسات لبنانية/ 
سورية... يبقى فيلماً مصري الموضوع والجوء 
والحوار الذي أتى؛ على أية حال» خليطاً 
سورياً - مصرياً ‏ لبنانياً. 

أما بصدد «الأجنحة المتكسرة» فلعل من 
الطريف هنا أن ننقل ما قاله أصحاب الغيلم 
عنه لمناسبة واحد من عروضه أو قيل على 
لسانهم: «لقد أراد المنتج والمشرف الفني 
لهذا الفيلم ومواطن جبران - أي توفيق 
كيروز الذي كانت له؛ كما يبدوء اليد الطولى 
في صياغة الفيلم وتوجيهه الفكري - أن تأتي 
قصة «الأجنحة المتكسرة» فيلماً سينمائياً 
يترجم رغبة جبران بأمانة وإخلاصء آخحذاً 


أحلى الأوقات 


في الاعتبار» الظروف والاعتبارات العديدة 
للقصة؛ وتقديم هذا الإنتاج باللهجة اللبنانية. 
وتقديمه للجمهور بطابعه اللبناني الواقعي 
الذي كان في عام .١407‏ وحيث إن ظروفاً 
كثيرة لا تسمح بتصوير ثورة جبران» بكل 
اندفاعها وكما دوّنهاء فقد عمل المتتج ما في 
وسعه لتبيان ما يمكن عرضه من هذه الثورة. 
وقد أخذ لأدوار القصة الرئيسية الآنسة نضال 
أشقر خريجة المعهد الملكي البريطاني للتمثيل 
والسينماء لدور سلمىء وبيار سلامة الفنان 
العالمي المعروف لدور جبران, والفنان فيليب 
عقيقي لدور فارس كرامة والد سلمى (...). 
وقد نوقش هذا الفيلم على صفحات الجرائد 
المحلية والعالمية واختلفت الآراء بصدده من 
مؤيد ومن معاكسء كما لم يناقش فيلم عربي 

واضح أن هذا الكلام لا يحتاج إلى أي 
تعليق» باستثناء لفت النظر إلى أنه؛ إذ يشير إلى 
أن يوسف معلوف خريج المعاهد الأمريكية» 
لايقول ولا كلمة عن مصريّته وتاريخه الطويل 
السابق في السيئما المصرية. 

وهنا تفرض نفسها ملاحظة إضافية في هذا 
المجال» وهي أن الشيخ توفيق كيروز منتج 
الغيلم» تييكون هو ئفسة مننخ فيلم البناتي 
خالص» آخر هو «وداعاً يا لبنان» للمخرج 
العراقي حكمت لبيب. أما بالنسبة إلى يوسف 
معلوف. فإنه» بعد الإخفاق التجاري - على 
الأقل ‏ ل «الأجنحة المتكسرة»» سيخوض 
السينما التجارية السائدة أكثر وأكثر. وسيكون 
رحيله مفجعاً ومأسوياً عند نهاية تلك الحقبة» 


320و 


إذ سقط ميتاً في الطريق وهو خازج من عرض 
فيلم أمريكي في إحدى صالات ساحة البرج! 





«أحلى الأوقات» 

(فيققة 8 د. (ألوان) 
إخراج: هالة خليل 
قصة: هالة خليل 
سيناريو وحوار: وسام سليمان 
تصوير: أحمد المرسي 
موسيقى: خالد حماد 
تمثيل: حنان ترك منة شلبي» هند صبري 


نحن هنا أمام فيلم أنثوي» لمرة نادرة في 
السيئما المصرية. ولا نقول: أنشوي؛؟ بمعنى 
أنه يدور من حول بطلات نساء وحسب. فهذا 
نشاهده كثيراً في هذه السينما وأصلاً أحياناً إلى 
ذروة من التآلف كما في «يا دنيا... يا غرامي» 
مثلاه بل هو أنئوي أيضاً بمعنى أنه من كتابة 
امرأة وإخراج امرأة» كانتا هنا تخوضان عملهما 
الروائي الطويل الأول. 


ومن ناحية مبدئية قد يدين هذا الفيلم لعمل 
من توقيع محمد خان («أحلام هند وكاميليا») 
أو يدين لفيلم مجدي أحمد علي (يا دنيا... 
يا غرامي؟. لكنه» هنا يبدو أقل تراجيدية من 
هذين الفيلمين» وأكثر ارتباطاً بكثير بالحساسية 
الأنثوية ولا سيّما أن شخصيات الفيلم الثلاث 
مسيطرات تماماً على أحدائه ومشاهده وعالمه: 
من دون أن يكون ثمة اصطدام حقيقي لهن 


بعالم الرجال (كما في سينما إيناس الدغيدي)» 
أو من دون أبُلسة الرجال (كما فى يا دنيا... 
يا غرامي»). هنا كل شيء لؤهاذنا. والعثاء 
في الفيلم يبحثن عن الحب لا يهربن منه. لكنه 
الحب بشروطهن وربما استجابة لتصورهن 
الراسخ عنه. 

والبنات الثلاث في الفيلم رفيقات منل 
الدراسة الثانوية» يتابع الفيلم أحوالهن بدءاً من 
سلمى التي نراها بعد وفاة أمها وقد وصل زوج 
الأم الثاني» الطبيب» للتعزية دون أن يظهر عليه 
أي تأثر حقيقي. وسلمى التي تعيش الآن حيرة 
بسبب رسائل حب تصلها من مجهول تروح 
تتساءل عمن يكون متأرجحة بين أشخاص 
عدة يعرفونها وتفترض أن كل واحد منهم 
يمكن أن يكون المرسل. وهي تبدأ الآن السعي 
إلى الالتقاء بصديقتها ضحى المخطوبة إلى 
صاحب محل لتصوير السندات» ثم تبحث 
الإثتتان عن يسرية التي بعدما تركت الدراسة ها 
هي الآن زوجة وأم. 

مهما يكن فإن الفتيات الثلاث يعطين 
أنفسهن قسطاً من إجازة للبحثء حقاً عن 
مرسل الخطابات. وهن في طريقهن يعشن 
حياة متئقلة بين مكان وآخرء وتواجههن 
مشاكل منها احتجازهن في قسم للشرطة 
لا يخرجهن منه سوى الطبيب ربيع زوج أم 
سلمىء الذي سيعود ويساعد هذه الأخيرة 
على أن تخوض غمار التمثيل السينمائى 
لكنها لن تنجح في التجربة. بعد ذلك تتتابع 
اللقاءات والتنقلات حتى وصول الفتيات 
إلى الإسكندرية حيث تعتقد سلمى أن أباها 


أن 


الحقيقى يعيش هناك. تلتقيه ولكن بعدما ينقلن 
يسرية إلى المستشفى إذ جاءتها آلام المخاض 
لتضع مولوداً جبديدا: لكن الأب بالكاد 
يتعرف في سلمى على ابنة له. 

في نهاية الأمرء وفي عودة إلى حكاية 
الوشان حوف :كيف سل أن ززيعا هو 
الذي كان يبعث بالرسائل إليهاء في وقت 
كانت الخلافات قد بدأت تنشب ين البباك 
وقد راحت كل منهما تتهم الأخريات بالتسبب 
في فشل حياتها. غير أن الأمور سوف تسؤّى 
حين ستعرف سلمى أن هشاماء الجار الفئان 
قدتقدم إلى خطبتهاء في وقت كانت فيه 
ضحى (الصديقة الثانية)» قد أعادت علاقتها 
مع خطيبها طارق» وعادت يسرية إلى أحضان 
زوجها وعائلتها وقد ازداد عدد أفراد العائلة 
الطفل الجديد الذي أنجبته. 





واضح هنا أننا أمام واحد من تلك الأفلام التي 
تحاول أن تصوّر بعض شرائح الحياة كما هي من 
دون أوهام» لتقدم من خلال حكاية ثلاث بنات 
معاصرات» من الجيل الذي لم يعد يدين بشيء 
للثورة وما بعدهاء صورة للمجتمع المصري 
المعاصر... لكنها أنت» على عكس ما يحدث 
عادة في مثل هذا النوع من الأفلام؛ صورة من 
دون تشنجات. لحياة من دون أحلام كبيرة. 


أحلام المديئة 








دأحلام المدينة)» 

٠ 21985‏ د. (ألوان) 

سيئاريو: محمد ملص» سمير ذكرى 

تصوير: إردوغان إنجين (منوم8 مدوهلم5) 

موسيقى: (غير متوافر) 

تمثيل: ياسل الأبيض» ياسمين خلاط» 
أيمن زيدان؛ رفيق السبيعي 


حتى وإن كان شيء من السيرة الذاتية قد 
تسلل إلى بعض سينما يوسف شاهين وبعض 
سينمات مبدعين سينمائيين عرب آخرين؛ قبل 
«(إسكندرية.. ليه؟»» فإن هذا الفيلم كان هو 
مانسجلء في شكل رسمي» البداية الفعلية 
لحضور سينما السيرة الذاتية في السينما 
العربية. قبل ذلك لم يكن من المعهود أن يقدم 
السينمائي» ومهما كان شأنه. على «تدوين» 
سيرة حياته» أو حتى فصولا يسيرة منهاء في 
عمل فني تبلغ تكاليفه مبالغ طائلة... ويجازف 
بألا يلقى رواجاً لدى الجمهور العريض أو 
الأقل عرضاً. بل إن في إمكاننا القول إن تلك 
السيرة لم تكن رائجة حتى في السينما العالمية» 
حتى جاء مبدعون من طيئة الإيطالي فلليني 
والروسي تاركوفسكي والسويدي برغمان 
لييدأوا. 


المهم أن شاهين فتح الطريق في السينما 
العربية لتكر السبحة من بعده؛ وتتكائر أسماء 
السينمائيين الواضعين حكاياتهم الخاصة على 
الشاشة. ولكن حتى هناء يصعب القول إن 


يفا 


ما كان يشامّد يومهاء ضمن هذا الإطارء كان 
دائماً شديد الخصوصية. فالحال أن معظم 
الذين تابعوا شاهين في سيرته؛ اتبعوا خطاه 
أيضاً في ربط ما هو خاص لديهم؛ بما هو عام؛ 
فكان الفيلم على أيديهم نوعاً من تأريخ للذات 
ضمن إطار التاريخين الاجتماعي والسياسي. 


وفي هذا الإطار يبدو واضحاً دائماً أن 
محمد ملص كان أول من سار على الدرب 
الشاهينية في فيلمه الروائي الطويل الأول 
الذي حققه في العام تنياحة «أحلام المدينة». 
إذ إن هذا الفيلم الذي سرعان ما قفز بالسينما 
السورية» حال ظهوره؛» خطوات إلى الأمام» 
أتى فى الوقت نفسه تاريخاً خاصاً بمخرجه 
الذي كان كاتبه أيضاًء وتاريخاً عاماً لحقبة 
الخمسينيات المدهشة من التاريخ السوري في 
القرن العشرين. 

المديئة التي يتحدث عنها عنوان الفيلم 
هي» طبعاء دمشق. أما صاحب أحلامها فكان 
فتى يعيش أولى سنوات مراهقته في السنوات 
القليلة التي يروي لنا الفيلم أحدائهاء وهي 
السنوات الواقعة بين ربيع العام *00 
وبدايات العام ...١1408‏ وكانت خمس 
سئوات مضت بين احتفال السوريين بعيد 
الجلاى وا احتفالهم بعيد قيام الو حدة مع 
مصرء في ما عرف حينها بالجمهورية العربية 
المتحدة. 

ولعئن كان محمد ملص - وشاركه في 
كتابة السيناريو زميله سمير ذكرى - قد اختار 
الحديث عن تلك السنوات بالتحديد» فإن هذا 


أحلام المدينة 


يعود إلى تضافر البعدين اللذين شاء مزجهما 
في الفيلم: سنوات اكتساب الوعي لدى الفتى 
المراهق؛ ديبء أناه/ الآخرء كما عرفنا على 
الفور» وسنوات الزهو القومي في سورية التي 
كانت نالت استقلالها بجلاء القوات الفرنسية 
المنتدبة عليها قبل ذلك بعقد من السنين» ثم 
دخولها الحلم الوحدوي العربي أيام المدٌ 
الناصري في مصر. 

وكانت مراهقة الفتى ديبء وولوج 
سورية حلمها العروبي؛ قد تطابقا خلال تلك 
السنوات» ليس فقط سيئمائياً» بل حياتياً أيضاء 
طالما أن محمد ملض كان حينها في سنّ ديب» 
وأيضاً طالما أن سيرة حياة محمد ملص نفسهاء 
تحكي لنا أنه» مثل ديبء أتى يومها إلى دمشق 
مع أمه وأخيه المقارب له سنأ من مسقط 
رأسهم في مديئة القئيطرة الواقعة إلى الجنوب 
الغربي من سورية عن هضبة الجولان. إثر 
موت الأبء ورغبة الأم في شق طريق جديد 
للعيش في العاصمة حيث الأهل والأقرياء 
والفرص مفتوحة أمام الطفلين. 

مالدينا منذ أول الفيلمء إذء هو أم 
وولداها يصلون في الباص الريفي إلى المدينة 
دمشقء التي كانت تمثل العالم كله» بحضارته 
واتساعه؛ وعظمته. في أنظارهم؛ كما كانت 
تمثل المستقبل وآفاقه بالنسنبة إلى الأم البائسة. 
وطبعاً زاد من حجة ذلك الشعور أن الثلاثة 
وصلوا المدينة» وراحوا ينظرون إلى شوارعها 
وزينتها بدهشة وعظمة؛ يوم احتفال دمشق بعيد 
الجلاءء حيث كان الصخب منتشراء والزينة 
لا تضاهى: جاعلة منها شيئاً يختلف كلياً عمًا 


584 


عرفته الأسرة البائسة في القنيطرة. كان مشهداً 
يسمح بكل أنواع الأحلام بالتأكيد. بيد أن 
تلك الصورة الباهرة المبهرة سرعان ما سوف 
تخبو بالتدريج؛ وعلى الأقل في نظر الفتى 
ديب» الذي سنرى معظم الأحداث لاحقاً من 
وجهة نظره؛ وهذا أمر طبيعي في فيلم له سمة 
السيرة الذاتية» طالما أننا نعرف أن ديباً حين 
سيكبر لاحقاً ‏ بعد أحداث الفيلم بأزمان 
طويلة - سيكون هو نفسه مخرجهه أو شيئاً من 
هذا القبيل» غير أن واحدة من مشاكل السيناريو 
الأساسية في الفيلم كمنت هناء في حقيقة 
الأمرء وذلك لأن هذا السيناريو عجز عن 
مواصلة التقاط النظر إلى الأحداث من وجهة 
نظر ديب. 

غير أن هذا مع ذلك - لم يقلل من قيمة 
الفيلم» ولا من صدقية أحدائه التي راحت تتابع 
ما سوف يطرأ على حياة الأسرة» كما على حياة 
المدينة - والوطن بالتالي - خخلال السنوات 
الخمس التالية. من الناحية السياسية - 
التاريخية التي ينقلها إلينا الفيلم عير تفاصيلها 
الحديثة المعروفة» حيث شهدت سورية على 
التوالي دكتاتورية أديب الشيشكلي الذي كان 
استولى على الحكم عبر انقلاب عسكري من 
نوع تلك التي تكائرت في سورية بين أواخر 
سنوات الأربعين» وزمن أحداث الفيلم... 
غير أن دكتاتورية الشيشكلي سرعان ما انتهت 
ليحل الرئيس «الديموقراطي» شكري القوتلي 
في الحكم» في وقت كان فيه السوريون يرقبون 
بعين الحماس والفرح ما يحدث.في مصر من 
صعود لرئاسة جمال عبد الناصر وتأميم لقناة 


أحلام المدينة 


السويسء وتوجهات للحكم المصري نحو 
المعسكر الاشتراكي فالعدوان الثلاثي... إلخ. 

ولم يطل الأمر بالسوريين وهم يقومون 
بدور المراقب المتحمس لما يحدث في مصرء 
إذ ما إن حل العام 219404 حتى قامت الوحدة 
بين مصر وسورية» صحيح أنها كانت وحدة 
لن تدوم سوى شهوره لكن الفيلم لن يصل 
إلى هذاء بل سيتوقف مع احتفالات الوحدة 
ليكون بهذا قد أطر أحدائه بين احتفالين. وهو 
في طريقه أطَّر كذلك بين هذين تلك المرحلة 
من حياة العائلة» ومن حياة ديب على وجه 
الخصوص. 

وحياة ديب وأمه وأخيه. لم تكن؛ على 
أية حال» سعيدة» سعادة الصورة الوطنية 
الخارجية؛ وهناء تحديدأء في هذا التصوير 
الذاتي للتفاعل مع الأحداث السياسية الكبيرة» 
يكمن عنصر أساسي من عناصر قوة «أحلام 
المدينة»» وذلك التمفصل بين المأساة العائلية 
الجوانية» والوهم الكبير الذي سوف يقترح 
علينا الفيلم» أنه كان في خلفية ما يحدث. 

ولسوف يبدو واضحاً من خلال أي تحليل 
منطقي لهذا الفيلم» أن محمد ملصء» ككاتب 
لسيرته على شكل سيناريو ثم على شكل 
فيلم سينمائي» كان أكثر ذكاء و«ملعنة» من أن 
يقدم لنا حكايته بطريقه ميلودرامية» تضافر بين 
احتفالية في الخارج» ومأسوية في الداخل. 

إذ هناء إذا كانت حياة الأسرة قد عرفت 
على التوالي ضروب البؤس والعذاب وخيبات 
الأمل» من الزواج الثاني للأم؛ أملاً بأن 


ألا 


يساعدها هذا الزواج على «السترة» وعلى أن 
تنشئ ولديها في شكل كريم. 


كما عرفت عذابات ديب خلال الأعمال 
المتعبة التي رؤاج .يشتغلها بغية الحصول على 
ما يحرر أمه ويقوم بأوّده وأوّد أخيه» ومعاناتهم 
معاً من تنكّر الأهل وقسوة الجد ووحشية 
الزوج الجديد ولؤمى فإن هذا كله لا يوضع 
هناء في خخانة الحظ السبّى والمعاناة الشخصية» 
بل يوضع في خانة الذهنية الاجتماعية التي» 
لئن كمنت هي نفسهاءفي خلفية الاندفاع 
الوطني. الغام» وفي دعم مرحلة الزهو القومي» 
فإن هذا «التقدم» لميكن سوى الصورة 
الخارجية ليؤس ولؤم اجتماعيين» هما غماد 
الذهنية الشعبية العامة. 

فإذا ما حاولنا هنا أن نغوص في الموضوع 
قليلاً؛ أبعد مما يتحمله التحليل السينمائي» 
سنجدها صارخة تلك المفارقة التي لم يرد 
الفيلم أن يصل إلى تبيانها بكل قوة» بين ما 
هو عليه المجتمع في حقيقته» وما يتخيله 
من صورة عن نفسه... لكن «أحلام المدينة» 
اكتفى هنا برسم الإشارات الأولية وحسنا 
فعل إذ إن هذا أنقذه من أن را إلى عرالمر 
سوسيولوجية أخلاقية. 

مهما يكن من أمرء في هذا السياق» نجح 
محمد ملصء المولود في العام »١4565‏ والذي 
بعد بدايات أدبية درس السينما في موسكو 
ليتخرج العام 2141/4 أي في لحظة كان جزء 
أساسي من السينما السوفياتية - ومن ثم 
السينما الأوروبية - واقعاً ‏ تحت تأثير سينما 


أحلام هند وكاميليا 


أندريه تاركوفسكي وتجديداته ولا سيّما في 
مجال سيئما السيرة الذاتية. 

وهنالم يكن غريباًء لدى الحديث عن 
فيلم «أحلام المدينة» أن يقارب كثرء في مجال 
موضوع وعلاقة بطله الفتى بأمهء كما في مجال 
اللغة السينمائية الميالة إلى الحركة الشاعرية 
البطيئة» بواحد من أجمل أفلام تاركوفسكي 
وأقواها «المرآة». 

ومن بعد «أحلام المديئة» لم يحقق ملص 
سوى عدد قليل من الأفلام القصيرة؛ إلى 
جانب أربعة أفلام طويلة أخرى هي «الليل» 
و#باب المقام؛ و«المهد؛ وأخيراً «سلّم إلى 
دمشق» الذي أنجزه في صيف العام 7١17‏ 
ليشارك به في مهرجان تورنتو السينمائي» 
جاعلاً موضوعه على ارتباط بالثورة السورية 
التي اندلعت في أول ربيع العام .1١1١‏ 


دأحلام هند وكاميليا» 

(44؟١1) ٠‏ د.(ألوان) 
إخراج: محمد خان 
قصة وسيناريو: محمد خان 
حوار: مصطفى جمعة 
تصوير: محسن نصر 
موسيقى: عمار الشريعي 


تمثيل: نجلاء فتحي؛ أحمد زكى: عايدة رياض 


من المؤكد أن ليس في مقدور أحد أن 
يزعم أن السينما المصرية لم تكن منصفة في 


* 


حق المرأة. فنادرة هي الأفلام - التي تستحق 
اسم أفلام ‏ التي لم تقف إلى جانب المرأة 
وحقوقها بشكل أو آخرء ولاسيّما خلال 
الستينيات والسبعينيات يوم صارت قضية 
المرأة قضية اجتماعية تهمّ الناس جميعاً. 

وطبعاً حين نقول هذا لا نعني أن هذه 
السينما التي نتحدث عنها كانت من التقدم إلى 
درجة الوقوف إلى جانب حرية المرأة وإنصافها 
حقوقيأء وما إلى ذلك من المطالب التي لم 
تكف جمعيات حقوق المرأة عن المجاهرة 
بها في وجه مجتمعات أغلقت عيونها وآذانها 
مستكثرة على المرأة أن تعتبر نصف المجتمع 
ومربيته. لكننا نعني أن عدداً كبيراً من الأفلام 
حاول التصدي لقهر المرأة وريما لمساعدتها 
على الحصول على حقوقها العاطفية إضافة 
إلى بعض حرياتها. 

ولئقل هنا إنه حتى قد حدث أن سينمات 
من الأكثر شعبية والتماشي مع السائد مثل تلك 
التي حققها هنري بركات وأحمد ضياء الدين 
وبخاصة حسن الإمامء بين آخرين» شكلت 
صرخات من أجل المرأة» دون أن ننسى هناء 
صلاح أبو سيف الذي حقق بين الخمسينيات 
وأواسط الستيئيات» مجموعة أفلام مقتبسة من 
روايات تحررية لإحسان عبد القدوس» جعلت 
متخلفى المجتمعات العربية يصرّون على 
أسنانهم غضباً... 

غير أن كل ذلك المتن السينمائي ظل دائماً 
سينما ذكورية تصنع من أجل المرأة» وظل 
عاجزاً عن المطالبة للمرأة بحريتها كفرد عامل 
في المجتمع يقرر لنفسه بنفسه؛ ككائن يقبض 


أحلام هند وكاميليا 


على مصيره بيده. مثل هذا النوع السينمائي كان 
عليه أن يتنظر أفلام إيناس الدغيدي وربما ناديا 
حمزة ثم بنات الجيل الأصغر من الممخرجات 
مثل ساندرا نشأت وهالة خليل وهالة لطفي 
وكاملة أبو ذكري - كي نحصر حديثنا هنا في 
السينما المصرية ‏ قبل أن يظهر. 

ومع هذاء فثمة فيلم لا بد من التوقف عنده 
دائماً في مثل هذا الحديث. صحيح أن مخرجه 
وكاتبه كان رجلاً وواحداً من أفضل الذين 
أعادوا إلى السينما (الشعبية» المصرية قوتها 
وروئقها في سنوات الثمانين» لكن الفيلم في 
حد ذاته كان أنثوياً بامتياز» أي كان فيلماً غاص 
في مسألة حرية المرأة ومكانتها في المجتمع 
إلى حدّ ندر أن غاص إليه أي فيلم مصري 
من قبله» سواء أكان من توقيع امرأة أو رجل. 
ونتحدث هنا عن محمد خان وعن فيلمه 
«أحلام هند وكاميلياة الذي حُقّق وعرض في 
العام 1944. 

ومهما يكن من أمر هناء لا بد من التأكيد 
أن هذا الفيلم لم يكن الوحيد الذي دنا فيه ان 
من هذا الموضوع ولن يكون الأخير. لكنه هناء 
أوصل موضوعه إلى أقصى مداه خالقاً للمرأة 
والسيئما العربيتين الفيلم - المرجع في هذا 
المجال. ومع هذاء لو نظرنا إلى «أحلام هند 
وكاميليا من خارجه لرأيئاه فيلماً يتضمن 
السمات نفسها التي اعتادت السينما المصرية 
الشعبية الرائجة أن تتضمنهاء من حضور 
مكثف للنجوم في أدواره؛ إلى السياق الحكائي 
الخطّي الذي لا يترك مجالاً واسعاً لتشظي 


١ 


اللغة السيئمائية كما يجدر بالسينما الطليعية أن 
تحاول... 

بيد أن الذي يمكن تأكيده في هذا المجال 
فهو أن محمد خان لم يكن ليفوته وهو 
السينمائي المتمرّس والذي يعرف السينما 
الطليعية المتقدمة في العالم جيداً» أن عليه هنا 
أن يقدّم الموضوع - وربما أيضاً «الرسالة» 
الاجتماعية التي يتوخى إيصالها ‏ على أي 
شيء آخرء طالما أن فيلماً من هذا النوع سيبدو 
وكأنه من المبشّرين بين مؤمنين» إن هو اكتفى 
بإيصال رسالته إلى النخبة كما اعتاد أن يفعل 
أصحاب الأفلام الطليعية ومواضيعها المتقدمة 
حين «يصعّبون؛ الأمور على الجمهور؛ فيبتعد 
هذا عن أفلامهم وبالتالي لا تعود رسائلهم 
سوى نفخ في الهواء... 

إن حبكة #أحلام هند وكاميلياء من 
الحبكات التي يمكن العثور عليها في أي فيلم 
شعبي مصري على أية حال: انها تدور من 
حول الصبيتين البائستين هند وكاميليا اللتين 
تعملان في خدمة البيوت ولكل منهما في 
الوقت نفسه حياتها الخاصة: 

هندء الأرملة البسيطة الوديعة التي بعد 
موت زوجها تضطر للعيش مع أسرتها الفقيرة 
والعمل خادمة في البيوت كي تساعد الأسرة 
في الوقت الذي تحلم فيه بزوج وحب وبيت 
دافئ... أي بتلك الأمور «الصغيرة» التي ترى 
أنها سوف تنتشلها من هوانها. 

أما كاميليا فهي من ناحيتها مطلقة تعمل 
خادمة في البيوت وتعيش مع أسرة أخيها 
التي تتولى هي إعالتها وكلها أمل في أن تعثر 


أحلام هند وكاميليا 


هي الأخرى على ما يحررها من تلك الحياة» 
وبخاصة بعد أن تُجبّر على الزواج ثانية من 
رجل قبيح يكبرها سناً لمجرد أن تساعد أخاها 
وتمكنه من القيام بأود عائلته. 

واضح أن المرأتين غير راضيتين عن هذه 
الحياة» وأن كل واحدة منهما تعيش أحلاماً 
تفوق طاقتها... ومع هذا ها هما تمضيان 
الوقت في المقاومة» وفي محاولة العثور على 
العيش الكريم كما على الحرية إن أمكن... 
وعلى بعض المال إن لم يكن على الكثير منه. 

وفي تلك الأثناء تكون هند قد ارتبطت 
بالشاب عيد الذي يمارس» كشبان كثر مثله في 
الحارة المصرية» ألف عمل وعمل ولا يتورع 
عن القيام بسرقات صغيرة.. وهو الآخر يحلم 
على أية حال... وبخاصة في أن يتزوج من هند 
ولاسيّما بعد أن حملت منه وأنجبت طفلة فيما 
يكون هو قد رمي في السجن لسرقة اقترفها 
وخبأ المال الذي جناه منها في مكان لن يعرف 
به سوى هندء وكاميليا بالتالي. 

الطفلة التي تنجبها هند ستطلق عليها 
الصديقتان اسم أحلام... وذلك بالتحديد 
تيمّناً بأحلامهما المشتركة» والتي ربما نكتشف 
بالتدريج أن ما من أحد من ذكور الفيلم؛ بما 
في ذلك عيد نفسه وقد صار نزيل السجن 
الآن» يشكل جزءاً منها. فالمرأتان ليستا بعد 
تجاربهما الحياتية من النمط الذي في إمكانه 
بعد أن يثق بأن في إمكان أحد أو حتى في 
إمكان المجتمع ككل» أن يعطيهما شيثاً. 

ولا ننسينٌ هنا أن أحداث فيلم محمد خان 
هذاء تدور في ذللك الزمن المعروف بزمن 


7 


«الانفتاح» حيث أدت الفوضى الاقتصادية في 
مصر إلى فرز طبقي مريع أدى بالفقراء إلى 
فقر أشد قسوة.. وأناس مثل هند وكاميلياء هم 
من حثالة الحثالة ولذا لا تستطيع المرأتان أن 
تحلما بالكثير: مجرد قسط من الحرية» وبعض 
المال» والأمل بتنشئة لأحلام الصغيرة تعرضان 

وهناء في لحظة من لحظات القيلم» 
تبدو الآمال الصغيرة على وشك أن تتحقق» 
وتحديداً بفضل المال الذي كان عيد قد سرقه؛» 
إذ إن هند تعثر على المال لتعيش لحظات 
مرح وأمل مع كاميليا والصغيرة أحلام.. 
وذلك تمهيداً للذهاب إلى الإسكندرية لمجرد 
مشاهدة البحر للمرة الأولى» كتعبير واضح عن 
توق إلى الحرية غير محدود. 

وبالفعل تتجه المرأتان إلى بحر 
الإسكندرية ومعهما أحلامهما ‏ بالمعنى 
المزدوج للكلمة -» ولكن هنا سيحدث ما 
يحدث عادة للفقراء في مثل هذه المواقف: 
سيستولي أشرار على المال تاركين المرأتين 
بائستين خائبتي المسعى... ولكن على بعد 
خطوات من الشاطئ وغير بعيد من مكان 
الطفلة. حسناً لقد فقدت المرأتان المال» لكن 
البحر هناك ينتظرهما ومعه ولو جزء يسير من 
الحرية التي لطالما سعتا إليهاء ثم هناك الطفلة 
أحلام رمز التطلع إلى المستقبل والأمل الذي 
لا برء منه. 

فهل كان يمكن اعتيار تلك النهاية نهاية 
سعيدة في هذا الفيلم الذي تلقفه الجمهور 
بحب واحتضان منذ عروضه الأولى؟ ليس 


الاختيار 


تمامء لكنه أتى فيلماً بسيطاً يصوّر الحياة كما 
هي لا كما يجب أن تكون؛ ويصور الأحلام 
الصغيرة وحدودها من دون مواعظ أو 
معجزات: وهنا كمنت قوته ومكانته في مسار 
السيتمائي محمد نان الذي كان يكثر في تلك 
الأيام من تحقيق أفلام أعادت الثقة بالسيئما 
المصرية على غرار ما فعل زملاء مجايلون له 
ضمن إطار ذلك التيار الذي سمي حينها (تيار 
الواقعية الجديدة في السينما المصرية» مثل 
علي بدرخان وخيري بشارة والراحل عاطف 


الطيب وداود عبد السيد. 
«الاختثيار» 
(الاة1) 8 د. (ألوان) 
إخراج: يوسف شاهين 
قصة وسيئاريو: نجيب محفوظء يوسف شاهين 
تصوير: أحمد خورشيد 
موسيقى: علي إسماعيل 
تمثيل: سعاد حسني» عزت العلايلي» 
هدى سلطان 
حتى اليوم لا يبدو واضحاً تماماً ما الذي 


يعنيه أن يكون فيلم «الاختيار؛ حاملاً» في 
خانة كتابة السيناريو اسمين هما من أبرز 
الأسماء في عالم الإبداع العربي المصري: 
نجيب محفوظ ويوسف شاهين. ويزداد 
الغموض حين نتذكر أن الفيلم ليس مبنياً على 
قصة أو رواية لمحفوظء بل هو كما يبدو 
واضحاً - سيناريو أصيل كتب ليصور فيلماًء 


رذن 


وتشارك في كتابته محفوظ وشاهين خلال 
الحقبة التالية لهزيمة حزيران/ يونيو /1951» 
حين كان المثقفون يبحثون في ثنايا الواقع» أو 
في ثنايا أفكارهم على الأقل» عن «مشجب؟ ما 
يعلقون عليه أسباب الهزيمة. 

ونحن, إذا صدقنا «الخطاب» الذي يحمله 
«الاختيارة سنجد أن المثقف المصري» 
وانفصاميته» هما السبب الأساس - وريما 
الخفى ‏ لتلك الهزيمة. فى فيلمه السابق 
«الأر ضه كان شاهين قد دنا عون هذه الفكرة 
ولكن جزثياً. فهو كان وضع تقابلاً بين شخصية 
محمد أبو سويلم (الفلاح المناضل والمتمرد 
الذي ينهزم في النهاية أمام الإقطاع والسلطة 
الممثلة بعسكرها) وبين شخصية الشيخ 
حسونة» المناضل السابق والمثقف الذي كان 
رفيق سلاح لأبو سويلم في ثورة 21419 لكن 
تردده وعجزه عن أي فعل وانخراطه الراهن في 
السلطة» يضعه خارج لعبة بناء المستقبل التي 
على الفلاح أبو سويلم أن يخوضها من دون 
هذا «النصف الآخر». 

«الاختيار؛ هو فى هذا المنظور فاتحة 
النصف التالي من إبداع يوسف شاهين 
السينمائي» على مستوى الشكل على الأقل. 
لكن الشكل هنا أتى حتمياء مرتيطاً بجوهر 
الفيلم وموضوعه غير مقحم عليه من خارجه. 
في كلمات أخرى: ما كان تجريبياً في بعض 
لحظات «الأرض» الأكثر كلاسيكية» عا هناء 
في «الاختيار» جوهر الفيلم وموضوعه. وكيف 
لا يكون كذلك في فيلم جعل من الانفصام 
موضوعاً لى ومن أزمة هذا المثقف جوهراء 


الاختيار 


ومن العلاقة بين المثقف والسلطة. والمثقف 
ونفسه؛ سؤاله الكبير؟ 

سيثمائيا انيع شاهين موضوعه في شكل 
كامل» مجازفاً بآلا يتتهي به الأمر إلى تحقيق َي 


فيلم ناجح جماهيرياء اللهم إلا إذا د تم التركيز 
في الكلام الخارجي عنه على أنه #فيلم ضد 


المثقفين» وجرى حتى الحدود القصوى 
استغلال غضب يوسف السباعي (الكاتب 
الرومانسي المعروف ووزير الثقافة في أواخر 
العهد الناصري وأوائل العهد الساداتي) على 
الفيلم لاعتباره إياه يطاوله في شكل أو آخر. 

طبعأء لم يكن لا في نية نجيب محفوظ 
ولا في نية يوسف شاهينء عمل فيلم يندد 
بيوسف السباعي» حتى وإن كانت ثمة إشارات 
مرمية في أوله؛ تضع السباعي في البال» لكن 
انفصامية المثقف/ الكاتب في الفيلم» أتت من 
الصدق - بل لنقل: من التجاوب مع ماهو 
معهود من صورة المثقفين العرب ‏ إلى درجة 
أن مثقفين كثراً (ولمّ لا يكون يوسف السباعي 
واحداً منهم؟) كان يمكنهم أن يروا ذاتهم 
معكوسة على شاشة هذا الفيلم. 

المثقف هوء هناء «بطل؟ الحكاية؛ من 
دون أن يكون للحكاية بطل بالمعنى المعهود 
للكلمة. لنقل إذا إنه البطل المضاد. إنه كاتب 
ناجح» له علاقات مثمرة وقوية بأركان الدولة» 
أعماله - بصرف النظر عن قيمتها الفنية أو 
الفكرية الحقيقية - تقدّم على أرفع مسارح 
الدولة. اسمه سيد» وهو يسافر كما يحلو له 
في هيات كوي زوجته حسناءء. تنتمي 
إلى نوع يبدو لنا بائداً من الأرستقراطية» لكنها 


عرفت - ظاهرياً على الأقل - كيف تنكيف. 
مع المجتمع الذي تعيش فيه: مجتمع النخبة 
السياسية والفكرية الذي يصول فيه زوجها 
ويجول على سجيته. 

ونحنء في أول الفيلم» أمام سيد وقد جاء 
يستأذن وزير الثقافة في السفر لحضور مؤتمر 
أدبي في أوروباء لتكتشف أيضاً أن سيد يستعد 
لقفزة جديدة في حياته» إذ ها هو على وشك 
أن يعيّن ملحقاً ثقافياً في بلد أوروبي. كل شيء 
إذا ناجح ومريح في حياته: السلطة؛ المكانة» 
المال» الزوجة والغد المشرق. ولكن وسط 
هذا كله ها هي الشرطة تعثر على المدعو 
محمود قتيلاً. ومحمود ليس في حقيقة أمره 
سوى الشقيق التوأم لسيد. شبيهه كلياً في 
الشكل على الأقل. أما فى نمط الحياة فإنه يبدو 
لنا نقيضاً خالصاً له: انه بحار ومشاكس اختار 
لنفسه أن يعيش كما يهوى من دون أن يتطلع 
إلى مكسبء أو أن يقدم أية تنازلات. 

حتى الآن يبدو كل شيء منطقياً... وها هما 
ضابطان في الشرطة يحققان في جريمة قتل 
محمود. ونحن من خلال هذا التحقيق» سوف 
نشاهد خلال النصف الثاني من الفيلم» الوجه 
الآخر للميدالية... الوجه الآخر لحياة سيد» 
وليس فقط لأنه توأم محمود. ما يعني أن هذا 
«التكامل؟ بينهما منطقيء بل لأن الأمور أعمق 
من ذلك بكثير» ظاهرياً ثم باطنياً: 

ظاهرياء لأن نمط حياة محمود. إذ نبدأ 


باكتشافه من حول لعبة الرحلة المكوكية بين 


الحاضر والماضيء مروية لنا بلسان الراوي» 
يكشف في الوقت نفسه كل العفن الذي يأكل 


2” 


الاختيار 


حياة سيد. ثم لأننا سنكتشف أيضاً أن زوجة 
سيدء رداً على الفراغ العاطفي الذي تعيشه 
وسماجة حياتها الاجتماعية التي يرميها فيها 
زوجهاء انتهى بها الأمر ذات يوم إلى الارتماء 
في أحضان محمود. كل هذا يشكل بالطبع 
سياق الجانب الحدثي البوليسي في الفيلم 
الذي يتخذ هنا شكل الفيلم البوليسي 

غير أن ثمة في الأمر باطناً لا علاقة لهذا 
الجانب الذي تتحدث عنه؛ به في سطح 
الأمور على الأقل. وهذا الياطن يكاد يعكس 
كون محمود وسيد هما في نهاية الأمر شخصاً 
واحداً. , 

الانفصام هو هناء وليس في داخل شخصية 
سيدء بمعزل عن محمود. ولكأن نجيب 
محفوظ - وليس يوسف شاهين - طور في 
هذه الفكرة» ما كان تقاعس عن تصويره في 
روايته «الشحاذة» حيث لدينا التوأمة» ولكن 

بين البطل ورفيقه المناضل السابق» الذي يغدر 
به البطل تاركاً إياه ذ في السجن فيما يخرج هو 
ليعيش حياة مرفهة» يظل يغوص فيها حتى 
اليوم الذي تندلع فيه أزمته الخاصة» من خلال 
علاقته بابنته» التي يكشف له جمالهاء سقوطه 
وسقوط زوجته؛ وتكشف له طهارتهاء أزمة 
حياته كلهاء فيزوجها من صديقه الذي كان 
أبقاه في السجن - ريما كناية عن رغبة مزدوجة 
لديه ليس هنا مجال التعمق فيها: أولاً فى أن 
يعود إلى طهارته الثورية والأخلاقية السابقة؛ 
وثانياً في أن يعرّض بهاء وهي شبيهة أمها 
حين كانت في عمرهاء عما انحدر إليه وضع 
هذه الأم -. هذه الازدواجية بين البطل ورفيقه 


>” 


السابق» مجسدة» كيدل في «تقاسم» ابنة 
البطل» هي نفسها في نهاية الأمرء الازدواجية 
بين محمود وسيد. مجسدة في «تقاسمهماء 
زوجة سيد. لكن ما كان فعلاً طوعياً #تطهيرياً» 
في «الشحاذة يصبح هنا 00 ا بين 
التوأمين» يدفع واحد منهما حياته ثمنا 

واضح أن ازدواجية 00 في 
«الاختيار»؛ بقدر ماعمقت رؤية نجيب 
محفوظ لازدواجية المشقف. في علاقته 
بالمجتمع وبذاته» كما تجلت في أعمال كثيرة 
له سابقة» أنت لدى شاهين كنوع من الإجابة 
عن أسئلة كانت قد بدأت تشغل ذهنه من 
حول المثقف ودوره.؛ منذ زمن بعيد... ولكن 
بعفوية الفنان. وهو بالتالي وضعها كتقابلات 
لم يكن بعدء في استطاعته تجاوز دلالتها 
الأخلاقية: بين قناوي (بائع الصحف... أي 
ناشر الثقافة بشكل أو آخر) ورجل النقابات» 
ابن البلد المكتسب وعياً (فى «باب الحديدة)» 
طالب العلم الناوي السفر إلى ألمائياء وسيدة 
المجتمع التي تكتسب بدورها وعياً ثورياً 
(في «فجر يوم جديدة)» ثم بخاصة بين محمد 
أبو سويلم؛ و«المثقف» الشيخ حسونة (في 
«الأرض4). 

في كل هذه التقابلات»؛ كانت الإدانة 
أخلاقية إلى حد كبير. ولكن في «الاختيار» 
تبدل الأمر تماماًء صرنا أمام ازدواجية 
سكولوجة (تجوانية) 23 تفسّر في نهاية الأمر 
سياسياًء وتفسّر في طريقها ما يسميه الفيلسوف 
الفرنسي جوليان بندا #خيانة المثقفين». 
وآاية ذلك في «الاختيار» أنناء مئذ النصف 


الاختيار 


الثاني للفيلم» لا نعود مهتمين كثيراً بالتحقيق 
البوليسي؛ بقدر ما نهتم بما يعتمل داخل 
الشخصية التي نراها أمامناء والتي يحدث لنا 
حقاء بين الحين والآخرء أن نصل إلى حد 
العجز عن معرفة ما إذا كان هذا الذي نراه على 


الشاشة هو سيد أو محمود. 
وليس هذاء فقط. لأن سيد يتقمص 


شخصية محمود. بل لأنهماء في جوهر هذا 
العمل؛ء شخص واحدء كما أشرنا. إذ هناء بعد 
أن صارت الهزيمة حقيقة واقعة (بني الفيلم كله 
على وجودهاء على عكس ما حدث. مثلآ» في 
«الأرض»؟ حيث إن النص سابق على حصول 
الهزيمة. بل حيث إن الأحداث المروية نفسها 
هي أحداث تدور في ثلاثيئيات القرن العشرين» 
استخدمها شاهين. وليس عيد الرحمن 
الشرقاوي؛ في إسقاط واع على الحاضرء كان 
لا يزال - على أية حال - يتساءل عما إذا لم 
يكن المثقف قد ساهم ‏ سلبياً في تردده على 
الأقل - في حصول الهزيمة)» صارت إمكانية 
إدانة المثقف واضحة» وخصوصاً أن المثقف 
صار منذ زمن بعيد جزءاً من السلطة التي قادت 
إلى الهزيمة. 

وحسْبنا هنا أن نراجع تاريخ مصر - على 
الأقل - في سئوات الخمسين والستين» كي 
ندرك أن المثقف صار جزءاً أساسياً من السلطة. 
وليس فقط لكونه مستشاراً كان قادة الغورة 
يصغون إليه (محمد حسنين هيكل» مغلا 
وليس فقط لكونه فناناً أو مبدعاً وروائياً وما 
إلى ذلك ولد مع الثورة وراح يبرر لها كل ما 
تفعل. بل؛ لكونه صار وزيراً وقائداً... ولمَّ 


ك7 


لا نقول إن معظم الضباط الأحرار الذين قاموا 
بثورة 11657» كانوا يفخرون بكونهم قرَاءً 
وكتاباً ولهم مؤلفات؛ بل إن كبيرهم» الراحل 
عبد الناصرء كان لا يفتأ يستخدم أمهات الأدب 
مراجع له في خطبه وأحاديئه» ونشر ذات زمن 
رواية ثمن الحرية التي يقال إنه كتبها بوحي من 
عودة الروح لتوفيق الحكيم. 

حسناً... إن هذا كله قد يبدو مقحماً بعض 
الشيء هنا... ولكننا سقناه لوضع «الاختيار» 
في إطاره؛ وتوضيح تلك الرغبة الحاسمة التي 
استشعرها يوسف شاهين» تحت رعاية نجيب 
محفوظء لتعرية المثقف. من الداخل ومن 
الخارج. وهو أمر سوف يواصل القيام به» منذ 
ذلك الحين» بأشكال متنوعة تبدو أحياناً أكثر 
وضوحاً... ولكن فقط» حتى تحقيقه فيلم 
«المصير»... إثر مروره في #مطاهر» عديدة 
جعلته يراجع مواقفه من المثقف والثقافة» 
فقط على ضوء التطورات الاجتماعية (كما في 
«الوداع يا بونابرت» و«اليوم السادس») حيث 
راح يكتشف بالتدريج أن التأزم الاجتماعي 
والسقوط والهزائم, التي قد يكون المثقف 
مشاركاً في المسؤولية عنهاء كان المثقف نفسه 
ضحية لها... أو أنه لم يكن الأخطر بين مسيبيها. 

أو لنقل» على الأقل إن شاهين راح 
بالتدريج يكتشف أن المثقفين ليسوا كتلة 
واحدة تدان مرة وإلى الأبدء لأنه إن واصل 
تلك الإدانة فلن يتمكن من جعل أحد يدين 
من يضطهد ابن رشدء أو يحاول اغتيال الشاعر 
مروان (فى «المصير») على سبيل المثال. غير 
أن هذا الوعي كان لا بد له من أن يتأخر بعض 


الأراجوز 


الشيء. ففي ذلك الحين (سنوات ما بعد هزيمة 
7 كانت المسألة لا تزال مسألة تخبط في 
تحديد المسؤوليات» كي لا نقول ما هو أكثر 
من هذا. 

ومهمايكن من أمرء سيقول شاهين 
لاحقاًء إنه إذا كان في «الأرض» قد نظر إلى 
الصراع الطبقي على أنه مسؤول عن الهزيمة 
لأن الغلبة فيه كانت للطبقات الإقطاعية 
المسيطرة؛ التي يسكت عنها المثقفون و«رجال 
الدين» أيضاًء فإنه في «الاختيار» دان انتهازية 
المثقفين وانفصاميتهم» وبقي عليه أن يدين 
السلطة نفسهاء بيروقراطيتها وفسادها. وهذا 
ما سوف يفعله في فيلمه التالي «العصفور». 
ولعل في وسعنا القول هنا إن «الاختيار» فيلم 
يطاول وعي الهزيمة من جانبء. فيما يطاول 
«العصفور» هذا الوعي من جانب آخر» مع أن 
أياً من الفيلمين لا يصل إلى اجتراح الحلول أو 


الرد. 

«الأراجوز) 

٠ )1١1948(‏ :.(ألوان) 
إخراج: هاني لاشين 
سيناريو وحوار: عصام الشماع 
تصوير: محسن أحمد 
موسيقى: عمار الشريعي 


تمثيل: عمر الشريف. ميرفت أمين» هشام سليم 
كان عمر الشريف قد عاد من الغرب 


يذنا 


طويل. وهو لئن كان قد لعب أول الأمر في 
فيلم تلفزيوني - عرض في السينما على أية 
حال - مأخوذ عن قصة لنجيب محفوظهء فإنه 
كان في حاجة إلى أن يلعب في فيلم سينمائي 
حقيقي. وهكذا تضافرت جهوده مع جهود 
المخرج الشاب هاني لاشين؛ الذي كان هو 
من قدّمه في «أيوب» راعياأ عودته المصرية» 
لحوين هذه المكرة العديدة المي كان من 
الواضح أن الدور الرئيس فيها مرسوم على 
مقاس النجم الكبير ومقاس عودته إلى سينما 
بلاده. 





وهل هناك دور للنجم العالمي أكبر من 
الدور الذي لعبه هناء وراح فيه يصول ويجول 
أمام الكاميراء في لعبة مزدوجة: فهو من ناحية 
لعب دور فنان يؤمّن عيشه من تجواله بين 
المثاطق ملعا الأراجوز» وعزاسه محاولة أن 
يربي ابنه ويؤمن له تعليمه الجامعي وهو يريد 
له أن يمارس مهنته» التي يراها أعرض وأهم 
كثيراً من مجرد العرض الفكاهي. فالحقيقة 


الأرا اجوز 





أن عمر الشريف» يستخدم استعراضاته 
الأراجوزية» هنا كي ينشر أفكاراً بين سكان 
القرى والأهالي؛ ما كان في إمكانه أن ينشرها 
بأية صورة أخخرى: إِنّها تدعو إلى الاشتراكية 
وإلى الوعي» تحت ستار الضحك والإضحاك. 

غير أن الابن يمعن في دراسته الجامعية 
إلى درجة لم يعد يرى معها أن مهنة أبيه تصلح 
له» من دون أن يفهم بوضوح كيف أن أباه» عبر 
عروضه. يساهم في توعية الناس بالأحداث 
السياسية التي تدور من حولهم. لقد كبر الابن 
وارتفع مستوى تعليمه؛ وبات لا يرى في مهنة 
أبيه وممارساته سوى تهريج خالص يصيبه» 
ولا سيّما حين يبدأ التقرب من زميله ابئة البيك 
الكبير. 

وهنا يحدث ما لم يكن الأراجوز يتمناه أو 
يتوقعه: يبدأ ابنه بالتخطيط مع البيك الكبير» 
كامل» لإقامة مشروع استثماري كبير من النوع 
الذي كان قد بدأ يسود أيام الانفتاح. وهكذا 
يشتد الصراع بين الأراجوز وابنه. لكن الأدهى 
من هذا أن الابن يكتشف حين يطلب من 
«شريكه كامل بيك أن يجمعه بامرأة يشتهيهاء 
أن هذه ليست سوى امرأة أبيه. صحيح أن 
الابن ينفصل هنا عن كامل بيك ويخوض 
الانتخابات ضده. لكن الأراجوز يظل واقفاً 
ضد ابنه» حتى اللحظة التي يحاول فيها أحد 
رجال كامل بيك أن يقتل الابن الذي بات 
متجرئاً الآن على تحدّي سيده؛ لكن الرصاصة 
تصيب إنعام زوجة الأراجوز التي تفتدي الابن 
بحياتهاء ثم إذ تنقل إلى المستشفى تضع جنينها 
فيما هي تلفظ أنفاسها. ولسوف يكون هذا 


كنا 


الجنين عزاء للأراجوزء إذ إنه هو الذي لاحقاً 
سوف يكمل معه مشواره في فنه النضالي. 
واضح أن العمود الأساس في قوة هذا 
الفيلم تكمن في حضور عمر الشريف فيه 
ممثلاً ومناضلاً ومغنياً إلى درجة أن كثراً 
أقاموا نوعاً من المقارنة بين أدائه في هذا الفيلم 
وتحوله فيه إلى نجم استعراضي من الطراز 


الأول» وبين ٠‏ أداء سعاد حسني الرائع ة في «خلي 
بالك من زوزو». 
ولكن الثئن حقق ق هذا الفيلم الأخير نجاحاً 


جماهيرياً مدهشاً وكبير» ووضع بطلته في 
مكانة متقدمة جداً بين فنانات السينما العربية» 
من دون أن يحظى الفيلم نفسه برضى النقاد 
إلا متأخراء وبالتدريج» فإن «الأراجوزة نال» 
منذ البداية إعجاب النقاد» لكنه بالنسيبة إلى 
الجمهور العريضء لم يلق القبول المتوخى؛ 
وربما لأن هذا الجمهور كان قد نسي عمر 
الشريف «المصري»؛ منذ زمن بعيد؛ أو ربما 
لأنه لم يستسغ غناءه وقفزاته بين مشهد وآخر» 
على رغم كل النيات الطيبة التي ملأت الفيلم 
جاعلة إياه من الأفلام المنددة بسياسة الانفتاح» 
حتى من دون أن تكون له القوة التعبيرية أو 
الفنية التي اتسمت بها أفلام «انفتاحية» مصرية 
عديدة» مثل أفلام محمد خان أو علي بدرخان» 
أو عاطف الطيب أو؛ بخاصة» داود عبد السيد. 

والحقيقة أن هاني لاشينء لو كان قد 
بذل بعض الجهد الإضافيء لكان من شأنه 
أن يعتبر» بفضل هذا الفيلم تحديدأء واحداً 
من أبناء التيار المتميز الذي شكله هؤلاء في 
السينما المصرية. 


الأرض 








«الأرض» 

9 1) . .(ألوان) 
إخراج: يوسف شاهين 
إنتاج: المؤسسة المصرية العامة 
قصة: عبد الرحمن الشرقاوي 
سيئاريو وحوار: حسن فؤاد 
تصوير: محمد نصر 
موسيقى: علي إسماعيل 
تمثيل: عزت العلايلي» نجوى إبراهيم » 


محمود المليجي 


بشكل أو بآخر كان «فجر يوم جديد» فيلماً 


صغيراء صغيراً من ناحية ميزانيته» حرص 
شاهين أن يحيط نفسه فيه بعدد من الفنانين 
والتقنيين المقربين منه والذين سوف نجد 
سمير نصريء الذي بعد تجربتين أخريين؛ 
ويعيش جزءاً كبيراً من حياته في لبنان» قبل أن 
يعود إلى مصر ويرحل فيها وهو بعد في مقتبل 
العمر: إلى رشيدة عبد السلام مولّفته الدائمة» 
ونصري عبد النور مهندس الصوت الأشهر في 
مصر... أما التمثيل فلم يضم أي نجم كبير: 
كانت هناك سناء جميل (في دور نايلة) وهي 
كانت دائماً واحدة من أفضل الممثلات في 
السيئما المصرية؛ لكنها لم تكن نجمة أبداً. 
وكان هناك سيف الدين الذي سيلمع زمناً ثم 
يختفي مكتفياً بظهور لافتء إنما محدود في 
معظم أفلام شاهين التالية. في كل المعاني كان 


َه 


«فجر يوم جديد؛ فيلماً صغيرا وكأن شاهين 
أراده» في كل المعاني أيضاء تجربة استعداداً 
لاقتحاماته المقبلة. وأول هذه الاقتحامات 
سيكون (الأرض». 

من ناحية مبدثية» وكما أشرنا في ما تقدم» 
ليس «الأرض؟؛ فيلماً عن الهزيمة» حتى وإن 
كان شاهين قد صوّره بعد عام ونصف العام 
من حدوث الهزيمة. كذلك هو ليس فيلماً 
عن القضية الفلسطينية» كما قال كثر من بينهم 
شاهين نفسه. كل هذا من الناحية المبدثئية» 
لكن شاهين بعد كل شيء؛ حين حقق الفيلم 
انطلاقاً من سيناريو كتبه حسن فؤاد لرواية 
الأرض لعبد الرحمن الشرقاوي؛ استحوذ على 
موضوعه كل الاستحواذ ليجعله فيلماً راهناً: 
عن الهزيمة» عن فلسطين» عن الصراع الطبقي» 
عن الحب» عن خيانة المثقفين... عن السير 
في درب الحياة لطفل يراقب ما حوله... عن 
الاستعمار. 

في أصل الفيلم إذأء رواية عبد الرحمن 
الشرقاوي المعروفة منذ زمن بعيد» والتي من 
الواضح أن الشرقاويء الذي كان شيوعياً في 
صباهء كتبها متأثراً برواية فونتامارا للإيطالي 
إيغناتسيو سيلوني» الذي كان بدوره شيوعياً 
في شبابه. أما حسن فؤاد كاتب السيناريو فكان 
هو الآخر شيوعياء ولكنه متحرر» كما كان 
فناناً حقيقياً ووجهاً بارزاً في الحياة الثقافية 
المصرية. وفي عمله مع قطبّي الفكر اليساري 
المصري هذين ما كان يمكن مبدثياً لشاهين أن 
#يتلاعب؛ بالسيناريو والقصة كثيراء كما فعل 
ريما في «فجر يوم جديد»» وكما سيفعل في 


الأرض 


«العصفور» وما بعده. وربما يكون هذا قد أتى 
في مصلحة الفيلم» الذي خرج في نهاية الأمر 
كلاسيكياً وحقق من الإجماع ما يضعه دائماً 
في المرتبة الأولى أو الثانية في لائحة أفضل 
فيلم عربي على مرّ تاريخ السيئما. 

يقودناهذاالأمرهناإلى ملاحظة 
لابد من التوقف عندها وهي أنه إذا كان كل من 
الفيلمين» المفتتح والمختتمء لهذه السلسلة. 
مأخوذاً من أفكار ساهم شاهين في رسمهاء 
في المرة الأولى مع سينمائي يجرب حظه في 
الكتابة مباشرة للسينماء وفي المرة الثانية مع 
شاعر ورسام (هو صلاح جاهين الذي كتب 
الفكرة الأساسية والسيناريو ل ةعودة الابن 
الضال» مع شاهين»» فإن الأفلام الثلاثة التي 
تتوسط هذه السلسلة أخذت من أعمال أدبية 
لكتاب يمكننا أن نسميهم محترفين» وبعضهم 
(نجيب محفوظ وعبد الرحمن الشرقاوي) 
يعتبر من كبار الكتاب الروائيين في مصرء فيما 
الالث (لطفي الخولي) كاتب مبدع مرموق» 
وكاتب سياسي كبير. 

ومع هذاكله. في الأفلام الخمسة معأ 
بصعوبة نكاد أن نستبعد حضور يوسف 
بتوتر كاميراه وحواراته المتلعثمة» وعلاقته 
الندية مع الممثلين والتوليف العصبي والقفز 
خارج اللخطية الزمنية» ناهيك بتوقف كاميراه 
طويلاً وتكراراً أمام مناظر الطبيعة. فإذا أضفنا 
إلى هذا اشتغاله الخلاق على الموسيقىء بدءأ 
من استخدامها تزييني في #فجر يوم جديد؛ 
و«الأرض» وصولاً إلى الاشتغال عليها كجزء 


أساس من عملية الحكي وإضفاء المعنى في 
بعد تكاملي مع السرد الروائي؛ ثم بعد ذلك 
وصولاًء إلى تحويل أجزاء كبيرة من الفيلم إلى 
كوميديا موسيقية (كما الحال في «عودة الابن 
الضال») يمكننا أن نفهم كيف زاوج شاهين 
بين موضوعات أتت من خارجه؛ ولغات 
سيئمائية كانت من ابتداعه. 

وفي هذه المزاوجة من المؤكد أن المخرج 
وصل إلى بداية طريقه التي ستقوده إلى 
التحول من سينمائي يقدم أفكاراًء أو يحاول 
ذلك» مستخدماً ما تيسر من لغة سينمائية» إلى 
مبدع يجدد في هذه اللغة بل يثورها. ولعل 
قراءة لتطور لغة السرد والقطع و«الكولاج» 
السينمائي لديه» من خطية «فجر يوم جديد». 
إلى «الكولاج» المطلق في «العصفور»» 
وصولاً إلى تلاقي الأنواع في «عودة الابن 
الضال؟». 

لعل هذه القراءة تكشف لنا عن كيف أن 
شاهين» طور سينماه في شكل ثوري» خلال 
تلك الفترة نفسها التي كان فيها يغرق في 
الحيرة السياسية» التي ستقوده من رصد الواقع 
#الشوري» بحماسة دعائية نسبياً (في #فجر 
يوم جديد») إلى رصد للحاضر على ضوء 
الماضي والصراع الطبقي (في «الأرض»)» إلى 
البحث عن أسباب الهزيمة» في خيانة المثقفين 
(في «الاختيار»)» ثم البحث عن أسباب 
هذه الهزيمة في الفساد البيروقراطي (في 
«العصفور»): وصولاً إلى استخلاص النتائج 
وتبئي صراع الأجيال وكشف الصراع الدموي 


الأرض 


على السلطة وفتح آفاق جديدة للمستقبل (في 
#عودة الابن الضال»). 

في «الأرض» إذاء وبالاستناد إلى رواية 
عبد الرحمن الشرقاوي التي تحكي أحداثاً تقع 
أواسط ثلاثينيات القرن العشرين في الريف 
المصريء بدأ شاهين يتلمس»ء في إسقاط 
مُوارب» أسباب «الهزيمة» التي لم تكن» 
على أية حال؛ قد حلّت بعد. لكن اللافت 
هنا هو أنه رصد هذا كله بنظرة الطفل الذي 
يروي لنا ما حدث. إنه طفل آتٍ من المدينة 
إلى الريف في إجازة. ولم تكن لهذا الطفل 
معرفة بأوضاع الريف» ولا بالحب ولا بالمرأة 
ولا بالصراعات الطبقية ولا بالاستعمار... 
لهذا ها هو هنا يراقب ويستكشف ليكشف 
في طريقه لمتفرجين يفترض أنهم يكتشفون 
مثله ومعه. وبالتالي لشاهين نفسه كسينمائي 
مديني لم يعش الريف ولم يعايش مشاكله من 
قبل» سلسلة من الأحداث والمشاكلء التي 
بمقدار ما تبدو متفرقة» تبدو متداخلة» ولو في 
سياق نظرة المخرج/ الطفل/ المتفرج الآتي 
من الخارج. 

والحال أنه بين وقوع نظرة الطفل على 
هذا الريف أول الأمرء والصور المكبرة لقبضة 
محمد أبو سويلم على التراب» مدمى تجرّه 
البهائم بعد أن فشلت ثورته؛ لقوة أعدائه؛ 
ولكن أيضاً لخيانة حلفائه» يمر على الشاشة 
أمام أعينناء جزء كبير مما كانت الأرياف 
المصرية؛ والعربية أيضاًء تعانيه» ليس فقط في 
ثلاثينيات القرن العشرين» بل حتى زمن تحقيق 
الفيلم» ثم حتى زمئننا. 


١ 


في هذا المعنى وانطلاقاً من النظرة التي 
جعلنا شاهين نلقيها على ذلك الريف وأحدائه» 
نصبح كذلك أمام فيلم عن السينما. لأن ما 
نطالعه هنا هو «فرجة؛ يتم خلالها التعامل 
مع الأحداث وتطورها من خارجها اندفاعاً 
حتى التماهي مع قبضتّي محمد أبو سويلم 
في اللقطة الأخيرة التى تدعهما أغنية حماسية 
شديدة العذوبة والقوة والجمالء مغناة على 
خلفية أرض جرداء تتدفق الدماء من يدي 
أبو سويلم لسقايتها. وتتخذ هذه اللقطة الرائعة 
كل دلالتها من هذه السقاية» لأن جذر موضوع 
الفيلم برمته يغوص في قضية الري في الريف. 

إن الذي يعرف أرض مصر وطبيعتها وكون 
«مصر هبة النيل» يفهم تماماً أهمية الماء في 
حياة هذا البلد العريق» وكيف أن قضية الري 
شكلت ومنذ الأزمان القديمة عصب الحياة 
والصراعات والعيش هناك. من يملك السيطرة 
على الماء يملك السيطرة على مقدرات الناس. 
ومن هنا تصبح قضية الماء مسألة حياة أو 
موت. ويبدأ فيلم «الأرض» مع قرار حكومي 
مركزي يتخذ لمصلحة الإقطاعبين يقضي بأن 
تقصّر أيام تزويد أراضي الفلاحين بالمياه» 
شهريأء من ٠١‏ أيام إلى خمسة. ولما كان 
الري لمدة ٠‏ أيام» أصلاء لا يكفي» يصبح 
من الواضح أن ري خمسة أيام فيه انتحار عام 
للأرض وأصحابها. 

أما الجواب» بسبب غياب أي عمل 
شعبي تنظيمي وأي تضامن بين الفلاحين» 
فيكون في تصاعد الأنانيات التي تفرق بين 
هؤلاء الفلاحين وبدء المناورات والخيانات 


الأرض 


والصراعات. وعلى هذه الخلفية يزيد بلة 
الطين أن الإقطاعي, ذا الأصل التركي والذي 
يملك بدوره أراضي وقصراً منيفاء يريد الآن أن 
يشق طريقاً توصل ضيوف سهراته إلى قصره 
من دون مشقة... وهو كي يشق تلك الطريق 
يحتاج إلى نهب أراضي الفلاحين» تحت رعاية 
جنود يؤتى بهم من جنوب البلاد (سودانيين 
أو نوبيين) وتردد الشيخ حسونة» رجل العلم 
والدين المقيم في القاهرة والذي كان الأهالي 
يعتمدون على صوته لإيصال شكواهم ثم 
ازدياد الفرز إلى درجة يصبح معها محمد 
أبو سويلمء الفلاح الكهل (الذي كان ناضل 
بقوة خلال ثورة 1919» مع الشيخ حسونة 
رفيقه في السلاح) وحيدا مع عبد الله صهره 
الموعود؛ في صراع بات شرساً ودائماً مع 
فلاحين آخرين وقفوا حيئاً إلى جانب السلطة 
وحيناً إلى جانب الإقطاعيين» واختبأوا أحياناً 
تحت عباءة تردد الشيخ حسونة بل خيانته 
للقضية. وهكذا يتحول الصراع من صراع مع 
السلطة والطبقة التي تمثلها والقوى المسلحة 
الآنية لحمايتهماء إلى صراع بين الفلاحين 
أنفسهم. وهذا الصراع لا يختفي حتى حين 
تقع مصيبة مشتركة (رمزية من دون شك) إذ 
تسقط جاموسة في ترعة ويهب الجميع تلقائياً 
لإنقاذها. 

على هذه الخلفية كلهاء لم يفت شاهين» 
بالطبع أن يرسم لنا جملة من أحداث أخرى: 
حكايات حب» وصورة للشعوةة المقترفة 
دائماً في الأرياف المتخلفة ‏ ممارسة هذه 
المرة من طريق نصاب سرعان ما يتكشف 


حت 


التربية العاطفية» بل الجنسية» للطفل المديني 
الذي نشاهد جزءا كبيرا من هذا بعينيه» وإن 
كنا سننسى هذه الوساطة لاحقاً في الفيلم» ما 
شكل نوعا من القصور في السيناريو لم يهتم به 
كثر فى حينه. فالحقيقة أننا هناء فى «الأرض»» 
نجد أنفسنا أمام ما يشبه المعادلة التى كانت 
حكمت «فجر يوم جديد»): معادلة التوليف بين 
رؤية المخرج» الذي هو «مؤلف» للعمل حتى 
من خارج عالمه وفكره. صحيح أن يوسف 
شاهين قال دائماً إنه منذ قرأ الأرض أواسط 
سئوات الخمسين حين كان يشتغل على 
(جميلة الجزائرية» مع عبد الرحمن الشرقاوي 
نفسه» قرر أن يحوّلها إلى فيلم» لكن شاهين 
كان قد تطور وطور ليسقط لغته السينمائية» بل 
حتى علاقته بالسينما وبالتاريخ خلال السنوات 
التي انتظر فيها تحقيق ذلك المشروع. 





ومن هنا حين قيّض له أن تنتج الدولة 
الفيلم» بعد بداية تفكيره فيه بما لا يقل عن 
عشر سنوات» وعهد هو إلى حسن فؤاد بكتابة 
السيناريو» كان يعرف جيداً أنه لا بد من أن يضع 
من داخله أشياء كثيرة في الفيلم. وفي يقيننا أن 


الأر ض 


أهم ما وضعه كان نظرة الطفل» مقابل قبضة 
المتمرد التي أتت من الشرقاوي/ فؤاد لتصبح 
جزءاً أساسياً من عالم شاهين. أما نظرة الطفل 
فهي نظرة السينما. ومن هنا حتى لو حافظ 
«الأرض» على رواية الشرقاوي وأجوائهاء فإن 
حصيلته النهائية أتت سيئمائية خالصة؛ بصرية» 
ما يجعل من فيلم «الأرض» واحداً من الأفلام 
النادرة في تاريخ السينما المصرية؛ بل حتى في 
تاريخ سينما العالم» الذي يتجاوز في قوته؛ قوة 
النص الأدبي الذي أخذ عنه أصلاً. 

فهناء إذا كان شاهين قد أصرّ على أن 
يوائم نظرة سمير نصري ذات اللغة السينمائية 
والشخصيات الجديدة» مع تطلعاته السياسية 
التي كانت مؤيدة لثشورة جمال عبد الناصرء 
من دون تحفظ في افجر يوم جديد4» فعل 
العكس في «الأرض»: أضفى بعداً سينمائياً 
خالصاً على عمل كان يتسم أصلاً بمقدار 
كبير من النزعة الأيديولوجية. فكان الزواج 
موفقاًء وقدم شاهين من خلال «الأرض» فيلماً 
ذا طبقات: كلما خيّل إلينا أننا من خلال رصد 
طبقة فيه نكشفه في كليته» نجد طبقة أخرى. 

من هنا اختلفت التفسيرات وتشعيت ليرى 
فيه بعضهم أمثولة #مسبقة» حول الهزيمة» 
وبعضهم الآخر فيلماً عن الصراع الطبقي» 
وآخعرون فيلماً عن القضية الفلسطينية أو 
غيرهم» حتى» عملاً. ينطلق من مشكلة الري» 
ليبرر ويفسر ضرورة استكمال بناء السد 
العالي. أما شاهين الماكرء فإنه وافق على 
كل تلك التفسيرات» مع أنه بقي على الدوام 
مدهوشاً متسائلاً: تُرى» كيف لم يدرك» حتى 


و 


النقاد السينمائيون أنه إنما حقق فيلماً عن 
السينماء جمال السينماء ودور السينمائي في 
المجتمع؛ في الوقت نفسه الذي عرى فيه 
خيانات المثقفين» وندّد بالكبت الجنسي الذي 
يقود إلى الاستلاب والإحباط والجريمة» 
معرجاً بين هذا وذاك إلى تصوير طبيبة 
الإنسان في عمق أعماقه حين تستدعي الأمور 
ذلك (موقف القائد الأسود لقوات الهجانة» 
الذي رفض قمع المواطنين» وتآخى مع محمد 
أبو سويلم؛ وموقف الفلاحين؛ إلى أي خط 
انتمواء حين استدعت الأمور تضافرهم أمام 
المصيية). 

لكن الأهم من هذا كله؛ أن شاهين أكد 1 
في هذا الفيلم ان الرداءة الفنية ليست قدرآء 
وأن تحريك الفئان لملكات الإبداع والخلق 
لديه. يمكن أن يصبح حقيقة واقعة حين 
يقرر فعل ذلك. من هنا ليس مجاناً القول إن 
«الأرض» وبغض النظر عن مدلولاته السياسية 
وكونه فيلماً أعاد فيه شاهين أسباب النتكوص 
والهزائم إلى الريف. هناك حيث «الأرض»6 
كان شاهين يتهم دائماً بأنه يهمل الممثل 
لحساب حركة الكاميرا... فأتى أداء محمود 
المليجي (محمد أبو سويلم) وعزت العلايلي 
(عبد الله) ونجوى إبراهيم ويحيى شاهين 
(الحاج حسونة) وغيرهم, ليقول إذ مثلوا 
هنا بعض أروع أدوار حياتهم السينمائية» أن 
المخرج الجيد في الوقت الذي يصنع فيه فيلمه 
في شكل جيدء يكشف كذلك مكنونات بقية 
العاملين معه متيحاً لهم أن يقدموا أفضل ما 
عندهمء من حسن فؤاد ككاتب للسيناريو إلى 


أريد حلا 





عبد الحليم نصرء كمدير للتصوير التقط للريف 
المصريء وكذلك لحركة الفلاحين وعلاقتهم 
بالأرضء مشاهد أدهشت حتى أولئك النقاد 
الذين كانت لهم على الفيلم مآخذ كثيرة» أما 
رشيدة عبد السلام» فقدمت» في واحدة من 
أولى تجاربها الكبرى» استجابة فنية رائعة بحال 
التوليف لما كان تلعثم ورؤى يوسف شاهين 
يريدان. 

في النهاية أتى «الأرض» أكثر من ساعتين 
من المتعة السينمائية والفكرية» من دون أن 
ينسي متفرجه أنه هنا أمام فيلم يتعمد أن تكون 
نهايته سوداوية (هزيمة محمد أبو سويلم 
وخطه الشوري)» كي يوقظ متفرجه هذا من 
سباته ولا يضحك عليه بأحلام انتتصارات 
وهمية بائسة كاذبة. وكان هذا الأمر متلائماً 
مع تلك المرحلة» حيث إن الفيلم عرض بعد 
هزيمة حزيران (يونيو) في وقت كانت فيه 
الهزيمة أطاحت كل أمل جاعلة الناس» غير 
قادرين على القبول بمن يكذب عليهم. 

هنا في «الأرض» قال يوسف شاهين 
الهزيمة؛ غاضباً... ولكن ممهداً لتوضيح ما 
يتراءى له من أسبابها. وهوء للوصول إلى 
هذا سيكون عليه أن يحقق فيلمين تاليين» 
أولهما عن نص لنجيب محفوظ (الاختيار)» 
والثاني عن نص للطفي الخولي (العصفور). 
كما سيكون عليه أن يستخلص النتائج العامة 
لتشخيصه في العمل الذي اشتغل عليه مع 
صلاح جاهين, ليكون بالتأكيد الأكثر شاهينية 
بين أفلام شاهين قاطبة «عودة الابن الضال؟. 


3 





4 ٠. 

«أاريد حاذ 
(ه/91١1) ٠‏ د. (ألوان) 
إخراج: سعيد مرزوق 
قصة: حسن شاه 
سيتاريو: سعيد مرزوق 
حوار: سعد الدين وهبة 
تصوير: مصطفى إمام 
موسيقى: جمال سلامة 


تمثيل: فاتن حمامة» رشدي أباظة» أمينة رزق 
هو واحد من تلك الأفلام التي تكون قد 
منت لها كل عناصر النجاح منذ البداية» من 
بطلة في حجم فاتن حمامة؛ إلى مخرج طليعي 
له وزن سعيد مرزوق الذي كان قد سبق له أن 
أثبت مكانته الكبيرة في ذلك الحين كواحد من 
مبدعي السينما الطليعيين في مصرء إلى كاتب 
حوارات من طينة سعد الدين وهية؛ الذي عرف 
كيف يجعل من كل عبارة وجملة أمراً له أهميته 
في سياق موضوع متفجر: موضوع الطلاق 
عند مستواه القانوني» وانطلاقاً منه للغوص في 
قضية المرأة» وكل هذا لتغليف حبكة عرفت 
الكاتبة حسن شاه؛ بعدما استقتها من قضية 
قضائية/ اجتماعية حقيقية» كيف تنسجها فناً 
وفكرياً في شكل قال معه بعضهم: لقد صار 
لقضية المرأة» أخيراً سينماها في مصر! 
صحيح أن هذا الكلام أتى حاملاً شيئاً من 
المبالغة؛ فقضية المرأة في مصر كان قد سبق 
لها أن تلاقت مع سينماها في أفلام تفاوتت 
في قوتها وفعاليتها حملت حيناً توقيع صلاح 


أريد حلا 





أبو سيف وأحياناً توقيع بركات أو حتى حسن 
الإمام - وإن على مستوى مختلف -_؛ غير أن 
الواقع يقول لنا إنها كانت واحدة من المرات 
القليلة» والفعالة» التي يصل فيها الأمر إلى 
مساءلة القانون نفسه؛ في هذا السياق» وليس 
تصرفات الأفراد. 

وحتى وإن كانت نجمة من حجم فاتن 
حمامة هي المعنية هناء وتعمّد الفيلم أن يبتزها 
طبقياً وثقافياً - ما اعتّبر من قبل بعض النقاده 
شبه نقيضه في الفيلم -» فإن الفيلم عرف كيف 
يضيف على قضية المرأة وحقها في اختيار 
حياتها من خلال حقها في الطلاق؛ تعميماً 
كشفته قضايا قضائية عدة أخرى؛ مر بها سياق 
الفيلم من خلال متابعته محاولة فاتن حمامة 
الحصولء قضائياء على الطلاق: قضية أمينة 
رزق التي لن ينصفها القضاء بتمكينها من 
الحصول على نفقة إلا بعد أن تلفظ أنفاسهاء 
وقضية تلك السيدة التيء لا تجد لها من 
حل أمام القضاء الرافض إعطاءها حقهاء إلا 
بالتحول إلى عاهرة تحت رعاية قواد يتنطح 
لمساعدتهاء أو حكاية تلك السيدة الثالثة التي 
تضطرء أمام تعنّت القانون رفضه إعطاءها 
حقها إلى جرح نفسها للزعم بأن الزوج هو من 
جرحها... إلخ. 

من خلال مثل هذهالحكايات 
«النموذجية»» كان واضحاً أن المستهدف في 
هذا الفيلم» ليس المحكمة نفسهاء ولا في كل 
من الحالات: الأزواج الذكور؛ ثم في قضية 
فاتن حمامة» الساعية إلى الطلاق من زوجها 
(رشدي أباظة)» هذا الأخير بل القانون نفسه» 


0 


وكان هذا هو الجديد المهم في هذا الفيلم 
الجريء. لمرة نادرة» استخدمت السيئما على 
شكل مرافعة ضد ماهو راسخ في الحياة 
الاجتماعية» كاشفة عن ظلمه وتعسفه وكونه 
مصنوعاً من الذكور في مجتمع للذكور. 
ونعرف طبعاً أن حكاية «أريد حلا تدور 
من حول دريّة (فاتن حمامة) التي تريد اليوم» 
بعد عشرين سنة من الزواج» وبعد أن ودعت 
ابنها وقد سافر إلى أوروبا للدراسة وانتهت 
من وداعه في المطارء تريد أن تتابع قضية 
طلاق من زوجها مدحت (رشدي أباظة)» 
ستعرف أنها تأخرت في رفعها عشرين سنة» 
هي التي كانت قد اكتشفت خيانته لها منذ 
شهور زواجهما الأولى وأرادت الانفصال عنه 
باكراً لكن أباها رفض ذلك بقوة وأجبرها على 
البقاء مع الزوج. أما اليوم فإن هذا الأخير هو 
الذي يريد أن يجبرها على ذلك» ليس حباً فيها 
بالطبعء بل لأن كرامته الاجتماعية لا تسمح له 
0 والقانون إلى جانبه. 5 


وهكذا نجدنا في سياق الفيلم نتابع حكاية 
دريّة وتجوالها في دهاليز المحكمة وصراعها 
مع القضاء والقانون» واحتكاكها بحكايات 
أخرى» بعضها يشبه حكايتها وبعضها الآخر 
لا يشبههاء بل يفوقها قسوة.. وعنفاً. لكن هذا 
كله ينتهي باصطدام المرأة بجدار القانون» 
القانون الذي يحمي عناد الزوج وتعنته 
ولا يقف بأية حال من الأحوال مع حق المرأة. 

والحال أنه إذا كان فيلم «زوجتي والكلب» 
قد صنع لسعيد مرزوق مكانته كسينمائي 


سد الصحر أء 





طليعي أوائل سبعينيات القرن العشرين» وقدم 
سينماه الاجتماعية ضمن إطار بعد سيكولوجي 
لاشك فيه فإن 2أريد حلاً» أعطاه فرصة 
ليعزز مكانته كمخرج يعرف كيف يستخدم 
لغة سينمائية كلاسيكية؛ موظفاً أكبر قدر ممكن 
من التفاصيل ومستفيداً من المواهب العديدة 
التي تحلقت من حوله. ليقدم عملاً كلاسيكياً 
ذا رسالة اجتماعية واضحة... أي واحداً من 
تلك الأفلام التي كان يمكن لها أن تكون ذات 
فاعلية كبرى على صعيد المجتمع والقانون 
وممارسات السلطات القضائية»ء كما على 
صعيد الوعي الاجتماعي بقضية المرأة. 


(أسد الصحراءع: 





٠ )194435(‏ :.(ألوان) 
إخراج: مصطفى العقاد 
سيناريو: هادي غريغ 
تصوير: جاك هيلديارد 
موسيقى: موريس جار 


تمثيل: أنطوني كوين إيرين باباس» أوليفر ريده 
رود ستيجرء جون جيلغود؛ راف فالوني 


كان مصطفى العقاد السينمائي العربي 
الأكثر ارتياداً للمهرجانات السينمائية» 
ولاسيّما العربية منها. كان حاضراً دائماً» 
يتجول بين أهل السينما وأهل النقد يناقش 
الأفلام ولا يتوقف عن الحديث عن مشاريعه 
المقبلة. كان عقل الرجل مليئاً بالمشاريع؛ 
لكنها كانت تدور كلها من حول نوع معين 


5 


من سينما تاريخية يرى ضرورة تحقيقها 


«الاستنهاض الهمم والتعرف بالصورة على 


لحظاتنا المجيدة» كما كان يؤكد. 

غير أن المشكلة مع مشاريع العقاد» التي لم 
يحقق منها خلال حياته سوى عملين: أولهماء 
#الرسالة؛ عن ولادة الإسلام» والثاني «أسد 
الصحراء». أنها كانت مشاريع 00 نجوم»» أي 
باهظة التكلفة» تماثل نفقات الواحد منها تكلفة 
ما لايقل عن خمسين فيلماً عربياً متوسط 
التكلفة. بالنسبة إليه؛ إِمّا هوليوود عربية» أو 
لا شيء. 

والحقيقة أن نظريته لم تؤْتٍ ثمارهاء حيث 
إن فيلميه الوحيدين كانا حقاً هوليووديين» 
لكنهما أسفرا عن دلا شيء#» حتى وإن كان ثمة 
من يعتبر «الرسالة» و#أسد الصحراء؛ أو واحداً 
منهما على الأقل» بين أبرز و«أفضل؛ ما حققته 
السينما العربية في تاريخها. 

والمدهش أن هذا صحيح. من الناحية 
الإنتاجية على الأقل» ولكن ما يخفف من 
الحماسة. حتى لهذا البعد هو أن الفيلمين 
يُعتبران من أكثر الأفلام تحقيقاً للخسارة 
المادية في تاريخ السينما. وينطبق هذاء على 
«أسد الصحراء» في شكل خاصء الفيلم الذي 
أنفقت عليه السلطات الليبية المنتجة نحو ه” 
مليون دولارء فلم تزد عائداته على المليون! 

ومع هذا كان العقاد منتجاً ومخرجاًء قد 
حشد لفيلمه الثاني هذا كل ما اعتيره عناصر 
نجاح: نجوماً عالميين كباراً من طيئة انطوني 
كوين وإيرين باباس وأوليفر ريد ورود ستيغر 


وراف فالوني وجون جيلغود (معظمهم 


إسكندرية ليه؟ 





من عباقرة السينما والمسرح في بلادهم 
وعالمياً)» وضخامة ديكورات وإكسسوارات» 
وطواقم عمل كان من بينها صحافيون ونقاد 
راح المنتج/ المخرج يستدعيهم إلى أماكن 
التصوير للترويج له ولفيلمه قبل أن يشاهدوا 
لقطة واحدة فيه» مقابل مكافآت سيقال لاحقاً 
إنها أفسدت النقد ولم تفد الفيلم... بما فيها 
صفحات (ملونة) مشتراة في مجلات السينما 
العالمية. وهذا كله لتصوير فصل من فصول 
التاريخ الليبي يتحدث عن الكفاح البطولي 
الذي خاضه المدرّس الوطني العجوز عمر 
المختار ضد الاستعمار الإيطالي والذي انتهى 

هذا الفصل لا يجهله أحد في ليبياء أو 
في الفيلم وكأنه يميط اللثام عن سر تاريخي. 
لكنه قدمه في شكل جعل نقاداً محايدين» 
لم يكونوا من بين الذين قبلوا دعوات العقاد 
ومكافآته» يقولون إن الفيلم» في نهاية الأمرى 
وبسبب سيناريو تبسيطي تحول وحول معه 
القضية إلى ما يشبه الصراع بين الخير والشر؛» 
تحول إلى مايشبه حكايات رعاة البقر في 
الأفلام الأمريكية» وتحولت فيه الشخصيات 
إلى كاريكاتور. فالاستعماري استعماري كما 
ينبغي له أن يصور في المخيلة الشعبية الوطنية» 
بما في ذلك حواراته وطريقة نطقه لها. والبطل 
الوطني بطل وطني» من رأسه حتى ملابسه 
مروراً بحركات يديه ونظراته. 

كقزر من الممثلين الأجانب الكبار الذين 
عملوا في الفيلم مقابل أجور اعثبرت خيالية 


و2 


في ذلك الحين» سوف يعلنون بعد ذلك أنهم 
كانوا يمثلون من دون أن يشعروا أن ثمة ممثلاً 
يديرهمء وأحياناً من دون أن يدركوا حقاً ما هو 
موقع أدوارهم ومشاهدهم في الفيلم. فقط ظل 
في ذاكرتهم صعوبات التصوير في لهيب الحر 
الصحراويء رغم أن الإنتاج بنى لإقامتهم 
مدينة عصرية في قلب الصحراء مزودة بكل 
وسائل الراحة بما في ذلك صالة عرض 
كانت تعرض لهم كل شيء؛ باستثناء المشاهد 
المنجزة من الفيلم والتي كانوا يتطلعون يومياً 
لمشاهدتها لمعرفة أين هم وماذا يفعلون؟! 


«إسكندرية ليه 





(و9و١)‏ ه” د. (ألوان) 
إخراج: يوسف شاهين 
إنتاج: مصر العالمية و«أونسيك» الجزائر 
قصة: يوسف شاهين 
سيناريو وحوار: بوسف شاهين؛ محسن زايد 
تصوير: محسن نصر 
موسيقى: قؤاد الظاهري 
تمثيل: نجلاء فتحي» أحمد زكيء فريد شوقي» 

محسن محي الدين 


رغم أن ثمة» في تاريخ الفن السابع» أفلاماً 
كثيرة يمكن أن تعتبر منتمية إلى فن السيرة» فإن 
الأفلام التي تتناول السيرة الذاتية لمبدعيهاء 
لا تزال قليلة جداً في السينما العالمية؛ كما في 
السينما العربية. وطبعاً يمكننا أن نتصور ضآلة 
عددها المطلقة وسط ثقافة عربية لم تعرف 


إسكندرية ليه؟ 





في الأصلء كتابة أو غير كتابة» هذا اللون من 
الإبداع. ففي الثقافة العربية؛ بشكل عام» ليس 
للفرد» مبدعاً كان أم غير مبدع» ذلك الحضور 
الذي يؤهله لأن «يعرّي» نفسه أمام الآخرين 
إلى درجة تجعلهم. مطلعين على أدب يكاد 
يشبه الاعترافات بشكل أو آخر. 

وفي هذا الإطار يصعب حتى اعتبار سيرة 


أبن خلدون الذاتية (ابن خلدون ورحلته شرقاً 


وغريا) شير ذاتية حقيقية» وكذلك الحال 
بالنسبة» مثلاً» إلى ما أملاه ابن سينا على الفقيه 
الجوزجاني واعتبر دائماً سيرة ذاتية لابن سينا. 
وكان عليناء بالطبع» أن ننتظر القرن العشرين 
وسيادة نوع من الفكر الليبرالي قبل أن نقرأ 
الأيام وإبراهيم الكاتب وقصة عقل وقصة نفس 
وحياتي وسبعون وهي نصوص لطه حسين 
وإبراهيم المازني وزكي نجيب محمود وأحمد 
أمين وميخائيل نعيمة» تدنو من المفهوم 
العلمى للسيرة الذاتية. فإذا كانت هذه حال 
الأدب» فكيف بالسينما التي هي» في شكل 
ماء إبداع جماعي لا فردي؛ ما يجعل أي دنو 
من السيرة الذاتية للمخرج/ المؤلف عبئاً على 
الإنتاج؟ 

غير أن هذا لا يمنع بالطبع من اعتبار بععض 
الإبداعات السينمائية الحقيقية لفنانين كبا 
نوعاً من الدنو من الذات. وفي هذا الإطار» 


يمكن دائماً - على سبيل المثال - تحليل 


معظم أفلام يوسف شاهين الكبرىء انطلاقاً 


من حواره الدائم مع ذاته وتاريخه. والحال 
أن شاهين إذ فعل ذلك. وبإصرار عنيد» حتى 
منذ فيلمه الأول #بابا أمين؟ إنما مهد الطريق» 


م 


ولو في شكل عفوي غير مدروس تماما 
لريادته لاحقا في سينما السيرة الذاتية. ونقول 
لاحقاً لأنه احتاج إلى انتظار ثلاثين سنة» قبل 
أن يجرؤ على التنطح لوضع سيرته الذاتية في 
فيلم» سيكون فاتحة تحة لأفلام ثلاثة ة أخرىء دنا 
فيها كلهاء من سيرته الذاتية في شكل مباشر 
أمين» على الأقل» لنظرته هو إلى تاريخه. 

ونعرف, طبعاًء أن ريادة يوسف شاهين 
فى هذا المضمار أثمرت لدى آخرين. إذ 
شهدنا من بعده» دواخل شبان من السينمائيين» 
مثل التونسيين فريد بوغدير ونوري بوزيد» 
والسوري محمد ملص ومواطته أسامة محمد» 
والمصريين يسري نصر الله وخالد الحجرء 
منشورة في أفلامهم لم يقل معظمها عن أفلام 
أستاذهم شاهين جرأة وكشفاً. 

إذاء بدأ كل شيء» في هذا الإطار» في العام 
»؛ حين حقق شاهين ذلك الفيلم الجميل 
«الإسكندرية ليه؟» الذي جويه بمعارك شرسة 
منذ عرضه الأول في تونس... ولكن لأسباب 
سياسية. أما من الناحية الفنية ومن ناحية 
جدة الموضوع وقوته فكان مدهشاً ومفاجتاً. 
صحيح أن نقاداً كثراً - ومن بينهم كاتب هذه 
السطور ‏ رأوا ان (الإسكندرية ليه؟؟ هو 
سيرة لمديئة من خلال وعي شاب مراهق 
فيها خلال سنوات الأربعين» بقدر ما هو سيرة 
لذلك الشاب. غير أن هذا إنما يجدر اعتباره 
جزءاً أساسياً من لعبة شاهين وهي لعبة تمزج 
بين ثلائة عناصرء تبدو واضحة لنا في الفيلم 
كله: سيرته الذاتية» سيرة مدينة الإسكندرية 
في ذلك العصر الانعطافي من تاريخهاء ثم 


إسكندرية ليه؟ 





بخاصة وبالضرورة سيرة سينما معينة. وكان 
كل واحد من هذه العناصر الثلائة يفضي إلى 
الآخر. فإذا كانت السينما فناً كوزموبوليتاً» 
بامتياز» فإن الإسكندرية مدينة الكوزموبوليتية 
المتوسطية بامتياز أيضاً. وابن للإسكندرية ولد 
أواسط العشرينيات» ونما وعيه في الأربعينيات 
من القرن العشرين» ما كان له إلا أن يكون ابن 
حضارات عديدة؛ كانت تتفاعل في ذلك الحين 
في تلك المدينة المدهشة. وما كان يمكن أن 
يكون» هو نفسه؛ سوى فنان أيضاً انطلاقاً من 
عناصر عديدة» لعل أهمها هامشيته وانتماؤه 
إلى الأقلية» دينياً وجغرافياء في تلك المدينة... 
ومعروف أن معظم الذين يتجهون إلى الإبداع 
وينجحون فيه أناس هامشيون وينتمون إلى 
أقلية ما تخرجهم عن الدرب الجماعي القويم. 

من هناء وكما نرى في الفيلم» يخلق مدينة 
اللقاءات والصراعات التي كانتها الإسكندرية 
أواسط القرن العشرين» من ذلك الفتى ابن 
المحامى الشامى الأصلء الفوضوي التوجه» 
فناناً لشكسبير مكانة أساسية من حياته. ومن 
شكسبير إلى السينما خطوة كان لا بد للفتى من 
أن يقطعها ولكن... عبر المرور بدراسة التمثيل 
في هوليوود. 

ومن هنا فإن فيلم «الإسكندرية ليه؟ «يرينا 
إرهاصات ذلك المصير الذي ستكون عليه 
حياة يوسف شاهين. يرينا السنوات السابقة 
على ركوب الباخرة إلى أمريكا. أما الذي 
نشاهد تحت ملامحه صورة ماء لصبي يوسف 
شاهين الإسكندراني» فهو في الفيلم يحيى 
شكري محسن محبي الدين الذي يعيش أيامه 


ا 


متأرجحاً بين حبه للمدينة» ومتابعته للنضالاات 
الوطنية ضد الاحتلال الإنكليزي فيهاء وبين 
رغبته العارمة في السفر إلى أمريكاء واللقطة 
الأخيرة في الفيلم» وهي لقطة شاهينية بامتياز 
ترينا يحيى شكري على متن الباخرة وقد وصل 
إلى نيويورك... ليجد متعصبي اليهود في كل 
مكان وليجد تمثال الحرية يغمز له غمزة كريهة 
جداً. 

طبعاء في فيلم #الإسكندريةليه؟» 
ستتوقف بنا الأحداث عند تلك اللقطة» لكن 
شاهين سيعود» بعد ذلك بربع قرن ليقول لنا 
ما الذي حدث بعد ذلك. جاء هذا في فيلم 
«إسكندرية/ نيويورك؛ الذي أوصل فيه شاهين 
لغة السيرة الذاتية إلى درجة قصوىء بخاصة 
إذ ضم إلى سيرته الحقيقية سيّراً أخرى عديدة 
متخيلة» أجملها وأقواها هي تلك التي تدور 
من حول ابن أمريكي له يرفضه لأنه يحتقر 
العرب. واضح أن هذه الإضافة تشكل صورة 
لوعي شاهين الفائض عن سيرته. وهي تشكل 
أحياناً ذريعة إنتاج الفيلم ومبرره. وفي عودة 
إلى «الإسكندرية ليه؟ يمكننا أن نرصد الشيء 
نفسه من خلال جانب سياسي مهم جداً أضفاه 
شاهين المبدع الناضج» على شاهين المراهق» 
وهو يتعلق بالنضالات الوطنية - التي يؤكد لنا 
في الفيلم أن يحيى شكري لم يكن ليعبأ بهاء 
وهو المفتون بفكرة أن يصبح فناناً - كما يتعلق 
خصوصاً بجانب أثار عاصفة في وجه شاهين 
يومها. وذلك كان حين «اكتشف؛ بعثيون 
عراقيون خلال مهرجان قرطاج السينمائي» 
حيث كان العرض الأول للفيلم» أن بعض 


الإعصار 





جوانب هذا الفيلم يبدي تسامحاً إسكندرانياً 
تجاه أهمل المدينة من اليهود.» ويصور حكاية 
حب بين شاب مسلم أحمد زكي وفتاة 
يهودية نجلاء فتحي فقامت قيامتهم وألبوا 
«مناضلين؟ محليين في تونس للهيجان ضد 
الفيلم. ومع هذا فإن قراءة واعية لهذا الجانب 
من «الإسكندرية ليه؟5 يمكنها أن تقول لنا إن 
الإدانة الأساسية موجهة فيه إلى الصهيونية التي 
أفسدت يهود المدينة وغرّبتهم عن شركائهم 
في الوطن. 


هذا النوع من سوء التفاهمء أو بالأحرى 
سوء الفهم الأيديولوجي» كان على أية حال» 
من حظ سينما شاهين دائماً... ولريما يعود 
السبب إلى إبهام مقصود يترك المخرج؛ 
بمشاكسته المعهودة» مجالاً واسعاً له وهو 
عارف أن الأمور ستعود إلى صوابها لاحقاً 
حين يفهم فيلمه وتفهم أبعاده الحقيقية بعيداً 
من صخب الأيديولوجيا الحمقاء. 


وما نقوله هنا ينطبق بخاصة على بعض 
أهم وأجمل أفلام شاهين» من «المصير» إلى 
«#حدوتة مصرية؛ ومن #باب الحديد؛ إلى 
«الأرض» و#العصفور؛ وإلى «عودة الابن 
الضال"... وهي قيم ليست فقط في مسار 
يوسف شاهين بل في مسار السينما العربية 
ككل تقف بقوة إلى جانب رباعيته الذاتية: 
«الإسكندرية ليه؟4) فحدوتة مصرية»)» 
«إسكندرية كمان وكمان» وأخيراً (إسكندرية/ 
نيويورك». 





«الاعصار» 

١ )114940(‏ د. (ألوان) 
إخراج: سمي ر حبشي 
قصة وسيناريو وحوار: سمير حبشي 
تصوير: غريغوري بولكوت. ميلاد طوق 


موسيقى: إيغور غلوتشوك؛ سيرغاي سيروتسكي 
تمثيل: آرام مانوكيان» فيليب عقيقي» 
جوليا قصار» شوقي متى 


عشية عودته إلى بيروت من روسيا حيث 
كان يتابع دراسته؛ يرى أكرم في نومه كابوساً 
يصور تفجيرات في بيروت ومجزرة تتعرض 
لها عائلته. يفيق من نومه منهكا مرعوبا. بعد 
العودة تجابهه الأوضاع الدموية في لبنان» كما 
يجابهه العالم الذي كان تركه لدى سفره... 
وتتقاطع المصائر أمامه» بين أصدقاء قدامى لى 
غيرتهم الحرب» وحكايات جديدة وجد نفسه 
منخرطاً فيها هو الذي كان لا يريد لنفسه هذا 
الانخراط لولا القتل المتتالي وانفراط كل شيء 
فى المدينة... وهكذا يبدأء رغماً عنه» بممارسة 
القتل كما يفعل الجميع... وينتهي الفيلم على 
رؤية ملحمية فيها ألوف التوابيت» وزيّاح على 
إيقاع النشيد الوطني وصورة للسماء مدماة. 

الإنتاج المشترك هوء ما أتاح لسمير حبشي 
أن يحقق فيلمه الأول هذاء «الإعصار»؛ وهوء 
في كل المقاييس» أفضل ما حققه سينمائي 
لبناني ينتمي إلى الجيل الجديد حتى ذلك 
الحين - أوائل التسعينيات -. فحبشي الذي 
درس السينما في كييف. والذي يتحدث 


الإعصار 


برهم عن عودة ما إن اتناف في كل وليه 
الأول هذاء تَاضِيجا متنك من فنه وقادرا د 
ور مجدوديت على إجارة مرليط اوقا الي 
بموضوعه حتى نهايته المنطقية» مع غمزات 
أسلوبية ناحية سينما جورجية يبدو أن حبشي 
تأثر بها. لقد أتى فيلم «الإعصار» فيلماً روائياً 
لافتا عن ذلك الطالب المسالم الذي يغود من 
موسكو إلى ينان في خضتم الحزب والقتل» 
الجن سو رقنا لطر ل ولاو إلى لعية القت 






في «الإعصار» كليشيهات طبعاًء ولكن 
فيه لحظات في غاية القوة والتعبير ومنها مثلاً 
دتائقه الأخيرة حيث يطلق الطالب العائد 
رصاصاته في اتجاه الفضاءء ومنها مشهد 
الكنيسة وقد دخل المسيح المتخيل في ملابس 
وكل كرانقناءومتها مشاه الججازر الجماعة 
والجنازة الراقصة (مشهد يليق بالمخرج 
الجورجي/ الأرمنى سيرغاي بارادجانوف 
حقاً). «الإعصار)» الذي أثار سخط الرقيب 
اللبناني فأعمل مقصه في عدد من أجمل 
مشاهده أثاز إعحات النتاد والمشاهدين في 





امك 


ل افج جنات الع رض م اعمريا 
في قرطاج. ولكن لئْن كان هناك من أدهشه هذا 
الإجماع حول الفيلم» فإن هذا الشخص هو 
سمير حبشي نفسه الذي يقول مبتسما بتواضع 
«لكني كنت أعتقد أنني إنما أتمرن من أجل 
تحقيق فيلمي المقبل». 

كان «الإعصار» أول فيلم روائي طويل 
يتحقق بعدما سكت دوي المذافع في لبنان. 
صحيح أنه كان فيلما لزمن ما بعد الحرب» 
لكنه أتى» في الوقت نفسه؛ واحداً من الأفلام 
التي ترفض الحرب كليء من دون أن تنظر بأي 
حنان إلى أي فريق. 

الحرب كلها مدانة هناء بوصفهاء لبس فقط 
فعل قتل ودمار للجميع» بل أيضاً وخاصة» 
فعل استلاب البراءة من الذين كانوا قد قرروا 
أصلاً أن هذه الحرب ليست حربهم, وبالتالي 
لعبة تدمير داخلي للروح. 

ولعل هذا الجانبء إضافة إلى حسن 
اشتغال حبشي» الذي درس السينما في 
العهد الذهبي لروسياء متأثراً بخاصة بالسينما 
الزومائية بو متلبائى وريم أيضا بأزادجاترقة): 
هما ما أعطى «الإعصار» نجاحه الكبير حيثما 
عرض. 

سمير حبشي كان يوم عرض «الإعصار' 
منهمكاً في التحضير لأكثر من مشروع نعرف 
أنه حقق معظمها لاحقا ولاسيّما منها 
فيلمه الروائي الطويل الثاني «دخان بلا ناراء 
حتى وإن كان سيخصص وقتاً أكبر للعمل 
التلفزيوني. 








أغنية على الممر 


أما بالنسبة إلى #الإعصار» فإن حبشي 
عثر لتحقيقه وتمويله على إنتاج مشترك في 
موسكو: «لكنها تجربة لن تتكررة قال حبشي 
يومها متطوعاً موجّهاً ناظرّيه ناحية أخرى ناحية 
فرنسا مثلاً. 


«أغنية على الممر» 





0 /او١)‏ 6 ذ. (أسود وأبييض) 
إخراج: علي عبد الخالق 
قصة: علي سالم 
سيناريو وحوار: مصطفى محرم 
تصوير: رفعت راغب 
تمثيل: محمود مرسي. صلاح قابيل» محمود 


ذات مساء خلال أحلك أيام الحرب 
الأهلية اللبنانية في العام /191» اكتشف 
متفرجو التلفزيون اللبناني» أن الشاشة الصغيرة 
التي في وسعها أن تعرض طرائف وسخافات 
من كل الأنواع ومن تهافت أحيان» وسذاجة» 
أحياناً أخرى؛ في وسعها أيضاً أن تعرض 
أعمالاً جيدة وتقاعدة. 


ففي ذلك المساء أتت السهرة التلفزيونية» 
ومن دون مقدمات» من نصيب فيلم «أغنية 
على الممرة لعلي عبد الخالق» الذي كان يعتبر 
يومها واحداً من أبرز شبان السيئما الجديدة 
في مصر. وكان من المعروف في ذلك الحين 
أن هذا الفيلم بالتحديد كان واحداً من أعمال 


ون 


سينمائية قليلة صنعت لما كان يسمى #جماعة 
السيئما الجديدة» معظم مجدهاء قبل أن تنطفئ 
كما اعتاد أن ينطفئ كل ما هو إيجابي في الحياة 
الثقافية العربية بعد أن تكون عقدت آمال كثيرة 
عليه. 

«أغنية على الممر؛ بكل اختصارء فيلم 
بدا منذ عروضه الأولى متميزاً ثم حين عرض 
تلفزيونيً» ظهر تميّزه من جديده وكان ذلك 
بعد سنوات من عروضه التجارية الفاشلة. 
غير أن تميّز هذا الفيلم وجودته وجذته» في آن 
معاء أنت كأمور تضعنا مرة واحدة في مواجهة 
جملة من الأسباب التي أدت إلى وأد ‏ السينما 
البديلة - وهي بالكاد تخرج من مهدها. 

أما جملة الأسباب هذه. فلا يمكن للمرء 
أن يوردها هنا من باب السلبية أو اللوم» وإنما 
في محاولة لوضع بعض النقاط على بعنض 
الحروف. ولا سيّما أن الفيلم الذي شاهده 
جمهور التلفزيون يومها في عز كآبة الحرب 
اللبنانية» كان يعتبر واحداً من أفضل الأفلام 
#البديلة» هو الذي سبق له أن فاز بأكثر من 
جائزة» ونال الكثير من الإطراء. 

والمرء لدى رؤية الفيلم مجدداء كان 
يمكنه مرة أخرى أن يكشف فيه عدداً كبيراً من 
الحسنات» بل أن يكتشف فيه عالماً سينمائياً 
قائماً في ذاته. فرغم أن موضوعه لم يكن 
جديداً بما فيه الكفاية (مجموعة من الجنود 
تحاصر من قبل الأعداء؛ لكنها تظل صامدة 
حتى يُقضى عليها)» رغم هذاء يحمل الفيلم 


جديده في ثلاث نواح رئيسية: 


افق عا المر 





١‏ - التركيبة الاجتماعية والسلوكية 
لشخصياته (الرئيسية»» فهنا ينعدم مفهوم البطل 
الفرد ويقدم المخرج شخصياته في مأزقهم» 
من دون أن يلقي إليهم أية مصادفات تحمل 
إليهم طوق النجاة. 

؟ - بساطة الإنتاج» حيث صَنع الفيلم 
بميزانية بسيطة» واستعان بممثلين ليس من 
بينهم الكثير من الأسماء المعروفة» وبفريق 
صغير من التقنيين» كان العمل بينهم جماعيا. 

“ - أسلوب الإخراج الذي اعتمد البساطة 
والاقتصاد والتقشف. حيث جاء الفيلم خاليا 
من أية تزويقات أو بهلوانيات تقنية» من التي 
اعتاد بها إبهارنا بعض المخرجين الكبار» حتى 
والجيّدين منهم. 

هذه النواحي الثلاث طبعت الفيلم بميسمها 
لتجعله رائدا في مجال السينما البديلة» بحيث 
كارف حيو مندلارن فى بينيالة طلويلة 
ل ل 

لكن هذه المزايا التي أعطت الفيلم 


جديته وجدّته في آن معأ ساهمت في الوقت 
نفسه في جعله غير قادر على التعامل مع 
الجمهور المعتاد للسينماء في وقت كان 
لايزال فيه الجمهور البديل قيد التكون. 
فالفيلم لا يحمل أية تنازلات تجارية: 
لا نجوم كبيرة ‏ لا ميلودراما ‏ لا عنف 
مبتذل - لا نهايات سغيدة. بل وحتى الأغاني 
البسيطة التي حملها كانت مختلفة تمام 
الاختلاف سواء فى مضمونها أو فى الشكل 
الذي قُدّمت به. ْ 


0, 





من هنا كله كان من الطبيعي أن يصدم فيلم 
كهذاء جمهور السينما العربية» وأن يكون مجرد 
تجربة فاشلة وغير قادرة على البقاء والتجدد. 
وفى هذه النقطة بالذات كمن المأزق المميت 
الذي وقعت فيه السينما البديلة العربية. 

هنا كان في وسعنا طبعاً أن ندبج العرائض 
والمقالات الاتهامية» مندّدين بالرقابة في هذا 
البلد أو ذاك... وكان في وسعنا اتهام الموزعين 
والمنتجين. غير أن هذا كله سيكون دون 
جدوى. لأن جوهر المسألة يكمن في أسلوب 
التعامل السينمائي مع جماهير لا تخضع 
للمطارق الأيديولوجية السائدة وحسبء بل 
تخضع لأشكال سينمائية وتعبيرية» باتت تصنع 
لها طبيعتها الثانية... تلك الطبيعة التي ليس من 
الصعب فكّها عنها. 

يومها كان من الواضح أن ما يسمّى السينما 
البديلة» إذا كانت تريد لنفسهاء حقاء أن تكون 
جماهيرية وفعالة» وقادرة على التصدي 
للأيديولوجية السائدة» لم يكن ينبغي عليها أقل 
من أن تدرك أولا طبيعة الصراعء والمرحلة» 
ونوعية جمهورها... وأيضاً أن تدرك كيفية 
الوصول إلى هذا الجمهور (ولا نعني هنا 


أفواه وأرانب 


ذلك الجمهور البديل الأسطوري الذي 
يتحدث عنه الكثيرون ولم نرّه حتى الآن). 
فإذا كانت الأيديولوجيات السائدة تصل عن 
طريق أشكال تم ترسيخها. فإن الأيديولوجيا 
البديلة لا يمكنها - في الوقت الأولي» على 
الأقل - أن تصل إلا من طريق أشكال ومقاييس 
متعارف عليها. 

صحيح أن في هذا الكلام ما من شأنه أن 
يفجع أسماع بعض الذين لا يؤمنون إلا بنظرية 
«الكل أو لا شيء6. لكنه الواقع الذي لا نحبه» 
ونطمح إلى تغبيره. وإذا كنا حقاً نريد تغييره» 
فلا يمكننا أن نغيره إلا بالانطلاق منه» من 
أرضيته؛ ومن أقل مساوئه حدة. 

فالجمهور السينمائي القليل العدد الذي 
شاهد «أغنية على الممر» في الصالات 
السينمائية القليلة العدد التي عرضته. هذا 
الجمهور فوجئ بالفيلم... ليس لأنه رآه سيئاً 
إلى حد ماء بل لأنه طرح عليه أكثر من جديد 
واحد في وقت واحد... وهو أمر من المؤسف 
القول إن تقبله صعب للغاية. 

من هنا لمناسبة عرض هذا الفيلم حينها 
سادت الدعوات إلى الاستفادة القصوى 
من تجارب أولئك الشبان المخلصين» 
من السينمائيين الذين اعتقدوا أن الجدية 
والصدق كافيان لتغيير الأمورء والانطلاق 
من تلك التجارب لبناء سينما عربية جديدة... 
قادرة ‏ على الأقل ‏ على تغيير الجمهور 
والسير معه على طريق التقدم. 


نان 


«أفواه وأرائب» 





٠ )1 91‏ د.(ألوان) 
إخراج: هنئري بركات 
قصة وسيئاريو وحوار: سمير عبد العظيم 
تصوير: وحيد فريد 


تمثيل: فاتن حمامة. محمود ياسين؛ فريد شوقي 


مما لا شك فيه أن فيلم «أفواه وأرانب؟ كان 
واحداً من الأفلام العربية التي اجتذبت العدد 
الأكبر من المتفرجين عام عرضه الأول في 
مصر. وإذا كان من الممكن عزو هذا النجاح 
إلى وجود فاتئن حمامة على رأس ممثلي 
الفيلم» فإن هذا الوجود لا يكفي في حد ذاته 
لتفسير هذا الإقبال. لذا ينبغي البحث عن 
أسبابه في مجال آخرء لعل ما يطرحه الفيلم في 
حد ذاته» يشكل جانباً أساسياً منه. 

الفيلم؛ هو من إخراج هنري بركات» 
المخرج الذي سبق له أن أدار فاتن حمامة 
في بعض أقوى أفلامها: #دعاء الكروان» 
و#الحرام؟ على سبيل المثال لا الحصر. وهذا 
التفصيل قد يبدو ثانوياً بالنسبة إلى الجمهور» 
غير أنه يتخذ أهميته الكبرى في مجال البحث 
عن أسباب النجاح. 

كان هنري بركات» مخرجاً متمكناً من 
الناحية التقنية» وكان يوصف عادة بأنه أفضل 
من يقتبس. أعمالاً أدبية للسينما. واستناداً إلى 
مقدرته هذه وإلى سمعته.» جمع بركات في 
«أفواه وأرائب؟ عصارة ماضيه؛ وصبّها كلها 


أفواه وأرانب 





في هذا العمل الذي ستبدو حبكته للوهلة 
الأولى عادية جداً: نعمت (فاتن حمامة) 
صبية تقدم بها العمر بعض الشيء» تعيش في 
منزل شقيقتها الكبرى وصهرهاء وتساعدهما 
على تربية وإطعام أطفالهما التسعة» وسط 
جو من الفقر الشديد, الذي يركز الفيلم على 
أن كثرة عدد الأطفال هي سببه الأساسي.. 
وربما الوحيد. ترفض نعمت الزواج خوفاً من 
أن يكون مصيرها مشابهاً لمصير أختها ذات 
الزوج السكّير (فريد شوقي)» ترفض عريساً 
إثر عريس. لكن هذا لا يمنعها من التلاطف 
مع شاب يود الزواج منها وبه تلتقي» بين الحين 
والآخر لمناسبة من المناسيات. 


.تلتقي نعمت ببائع للفراريج عجوز (علي 
الشريف) يعجب بها ويسعى إلى الزواج 
منها. ترفضء ورغم رفضها يضغط عليها 
الصهر بسبب حاجته إلى مال بائع الفراريج» 
فتهرب باتجاه المدينة في الوقت الذي يتولى 
الصهر كتب كتابها تزويرأء بالوكالة عنها. 
تنجه نعمت إلى جيران قدماء لأهلها يعرّفونها 
على وكيل مزرعة تعمل فيهاء وهناك تلتقي؛ 
مصادفة» بصاحب المزرعة (محمود ياسين) 
وتهتم به وبطعامه» حتى تضحى شيئاً من 
حياته لا يستطيع الاستغناء عنها بخاصة أنها 
سرعان ما تبدي اتزاناً وشطارة أو فهماً للكبائر 
والصغائر. وهكذا بعد نجاحها في إدارة 
المزرعة؛ تنتقل نعمت مع صاحب المزرعة 
إلى بيته فى المدينة لتشرف على أحواله. شيئاً 
فشيئاً نكتشف بداية ميل نعمت باتجاه سيّدهاء 
لكنه ميل خفيء لا يبرز بوضوح إلا حين 


00 


يخطب هذا السيد فتاة من عائلة ثرية» ويبدأ 


معها بالإعداد للحياة المقبلة. 
هنا تحس نعمت بطعنة في ظهرهاء لكنها 


تحاول أن تخفي مشاعرها. الخطيبة تحس 
(ضمن إطار الحدس النسائي) بحاجة خطيبها 
إلى خادمته» وبميل هذه الأخيرة إلى الخطيب» 
فتقرر طردها. لكن السيد يرفض هذاء بل 
يستغني عن خطيبته ويقرر الزواج من الخادمة 
رغم معارضة الأهل والأصدقاء. وكما يحدث 
عادة» يتمكن السيد من التغلب على معارضيه 
ويطلب من نعمت زيارة أهلهاء فتطلب منه أن 
يمهلها ريثما تزورهم وحدهاء على أن يلحق 
بها. 

وفي القرية وسط الاستقبال الحارء تفاجأ 
نعمت بأنها متزوجة - من دون علم منها ‏ ببائع 
الفراريج الذي يأتي في اللحظة المناسية مطالباً 
باسترداد زوجته؛ طبعاً يخي جو من المأساة 
على البيت الفقير... وتزداد حلة الفجيعة 
حين يصل السيد فجأة ليكتشف ما يدور في 
الخفاء» ويغضب ويقرر السفر إلى لندن. لكن 
أحد أطفال الأسرة يلحق به ويخبره بالحقيقة. 
فى تلك الأثناء يحاول أحد أبناء الأسرة قتل 
بائع الفراريج دفاعاً عن خالته» ويتتهي البائع 
والصهر إلى البوليس حيث يعترف الصهر بما 
دبّر لأخت زوجته تزويراً ويزعم أنه هو الذي 
حاول قتل البائع... ويُسجن الإثنان» بينما يعود 
السيد إلى حبيبته» يصحبها معه إلى المزرعة... 
ولكن برفقة كل الصغار. وينتهي بنا الفيلم كما 
بدأ على لقطات لأطفال عديدين في الشارع» 
وأغنية متفائلة حول المستقبل. 


أفواه وأرانب 





قد يلاحظ القارئ هناء شيئاً من الإسهاب 
في وصفنا أحداث الفيلمء لكننا لم نورده 
مصادفة» فالتفاصيل هنا بالغة الأهمية» بخاصة 
أن هذا الفيلم - من الناحية السينمائية - مشغول 
بدقة وباهتمام زائد بالتفاصيل» ومن الناحية 
الفكرية» مشغول بذكاء يجعله واحداً من 
الأفلام القادرة أكثر من غيرها على خدمة 
الأيديولوجية السائدة حالياً في مصرء وعلى 
أكثر من مستوىء وهو ما سنأتي إليه لاحقاً. 

في مجال الشكل السينمائي»؛ يتعامل 
بركات مع فيلمه بكلاسيكية هادثة تبعد الفيلم 
عن صورة الابتذال السائدة حالياً في السينما 
المصرية: حبكة مشغولة بدقة وفيها تبرير لكل 
ما هو دون المعقول ‏ ممثلون, أدوا أدوارهم 
بإبداع وتماسك في ظل سيطرة مخرج.ء ربما 
كانت فضيلته الأولى على الدوام قدرته على 
السيطرة على ممثليه ودفعهم إلى تقديم خير 
ما عندهم - تصوير متقن لا يترك أي تفصيل 
يفوته» ويهتم اهتماماً زائداً بمسألة توزيع 
الإضاءة توزيعاً سيكولوجيا متناسباً مع التوتر 
النفسي للشخصيات: كلما كانت فاتن حمامة 
مسرورة؛ يشرق الضوء في المشاهد الداخلية» 
وتزداد نعومة حركة الكاميراء وكلما كانت 
أمورها تتعقد» يزداد الضوء حدة» والكاميرا 
سرعة وعنفاً - وممثلة كبيرة لعلها واحدة 
من الممثلات القليلات في السينما المصرية 
اللواتي ينحو الجمهورء ومنذ اللقطة الأولى 
للفيلم؛ إلى التماهي معهن - حوار بالغ القوة 
والذكاء حتى ليخال المرء نفسه أمام مرجع في 


061 


اللغة النابعة من الحكمة الشعبية» كلما تحدثت 


فائن حمامة... إلخ. 
لقد استخدم المخرج كل هذه العناصر 


السينمائية لتقديم فيلم «نظيف» (إذا استعملتا 
لغة أصحاب المهنة)... لكنه استخدمها أيضاً 
لخلق ذلك الإيهام بالواقع - من جهة - ولخلق 
علاقة تماه وتعاطف بين الجمهور في الصالة» 
وبين الشخصيات الخيّرة في الفيلم (بخاصة 
فاتن حمامة» ومحمود ياسين وأبئاء الأخت)» 
والمخرج أمسك. منذ البداية» بكل واحدة من 
شخصياته ورسم لها خط تطورها الذي يبرر 
كل أفعالها ومنطقها وتصرفاتها. 

وهو للوصول إلى هذاء تفادى إحداث 
أي انعطافة نفسية لدى أي من شخصياته (إذا 
استثنينا موقف فريد شوقي الأخير). من هنا 
جهّز المخرج جمهوره - منذ البداية - لتلقي 


نتائج الأحداث. 
والآن» لنرٌ كيف وظّف بركات كل هذه 
العناصر. 


يتمحور مضمون الفيلم» بصورة عامة» 
حول بعدين أساسيين: 

١‏ - فكرة التصالح الطبقي. 

؟ - فكرة تحديد النسل. 

وعن هذين البعدين تتفرع بقية عناصر 
الفيلم» من صراع بين الخير والشرء ومن 
ملاحقة الإنسان لطموحاته» ومن ضرورة تأدية 
كل امرئ لعمله في الشكل الأفضلء ومن فكرة 
أن الجريمة لا تفيدء إلى عظة: من حفر حفرة 
لأخحيه وقع فيها. 


أفواه وأرانب 





فكرة التصالح الطبقي محورها خطان: 
نعمتء المتتمية إلى الطبقة العاملة والمتدرجة 
في الصعود الطبقي حتى تصبح سيدة 
محترمة...؛ ومحمود ياسينء رمز البورجوازية 
المصرية الجديدة التي بنت نفسها على 
أسس «عصامية» وتتحلى بالأخلاق الحسنى 
وبالنبالة. 

منذ البداية ليس بين الطرفين أي صراع. 
الصراع يقوم بين كل واحد منهما وبين 
أنداده الطبقيين (نعمت تصارع صهرها 
وبائع الفراريج - المنحط طبقيا رغم ثرائه 
النسبي - ووكيل العزبة» ومحمود يصارع أخته 
وأصدقاءه وخطيبته. والصراعان معاً يتخذان 
شكلاً أخلاقياً هو جوهر الصراع في الوقت 
نفسه). أما اللقاء بين هذين الطرفين فلا يتم إلا 
بعد أن يتتصر كل منهما على طبقته» بالإقناع أو 
بالعناد» أو باستعادة الحق السليب. 

فكرة التصالح الطبقيء التي قد تبدو 
للوهلة الأولى غير منطقية وغير معقولة» إذا 
انطلقنا يبحثها من أرضية الواقع نفسه» تصبح 
منطقية ومعقولة على الشاشة» وتحديداً يلجوء 
المخرج إلى العناصر السينمائية التي تحدثنا 
عنها أعلاه. وعلى غير ما قد يعتقد بعضهم,ء لم 
يصارع كل من الحبيبين في سبيل الحب؛ ولكن 
استخدم كل منهما موقعه كعاشق» للحصول 
على حقه ‏ الذي ينكره عليه المجتمع - في 
أن يصل إلى المصالحة» والمهم في هذه النقطة 
هو الإجابة عن هذا السؤال: كيف اكتسبت 
نعمت قلب سيدها؟ 


لاه 


على عكس ما يحدث في «دعاء الكروان» 
حيث يكون لجمال فاتن حمامة دور أساسي 
في حب المهندس أحمد مظهر لهاء نلاحظ 
هنا أن المخرج شاء لنفسه أن يكون أكثر 
واقعية» فجعل لفاتن حمامة صفات أخرى إلى 
جانب الجمال: الطيبة» المثايرة» النطق بالكلام 
الحسن» خدمة السيد بكل إخلاص وتفان... 
إلخ. 

ولعل هذه الصفات كلهاء ولا سيّما 
مسألة الحوار - هذا الحوار الذي يتجاوز 
إمكانية الفرد الواحدء حتى ولو كان فاتن 
حمامة ‏ لعلها تنحو إلى إعطاء الشخصية 
بعدها الرمزي. وهلعلها» هنا نستخدمها لكي 
نتفادى إمكانية الخلط بين الحكم على العمل 
الفني والحكم على النيات.. لكننا في الحقيقة 
أقرب إلى اختزالها. فمما لا شك فيه - بمعنى 
من المعاني - أن فاتن حمامة؛ هنا لا تمثل 
نفسهاء بل هي تمثل طبقة بأسرها. 

وفي هذا المجال بالذات» يلعب «التماهي» 
بين الجمهور والبطلة دوراً أساسياً. وكان 
حسب القارئ أن يلاحظ ميدانياًء أي في 
الصالة نفسها حجم تفاعل الجمهور مع بطلته» 
ليدرك خطورة هذا الاستخدام. 

إِذأء ليست المسألة هنا كما فى #دعاء 
الكروان6 مثلاً حيث تتخذ المسألة بعداً نفسياً 
أخلاقياًء ويكتفي طه حسين بإعطاء شخصيته 
الرئيسية طابعها الخاص المتفرد مستخلصاً 
من الموقف نفسه دروساً ومواعظ - ليست 
المسألة هنا مسألة حب يقع بين فتاة تنتمي 
إلى طبقة مسحوقة» وشاب ينتمي إلى طبقة 


الأفوكاتو 


ساحقة ‏ المسألة هنا تدور حول إمكانية تخطي 
كل «العقبات المصطنعة» للوصول إلى تلاحم 
بين المسحوق والساحق» وسط جو لا يتخذ 
فيه الساحق يعد الساحق» ولا المسحوق بعد 
المسحوقء ويتحول الصراع كما قلنا أعلاه» 
إلى صراع أخلاقي» بحت: صراع بين أشرار 
وطيبين بصرف النظر عن الدوافع الاجتماعية 
التي تحرك الصراع. 

ولكنء إذا كان الفيلم ينحو إلى إدانة كثرة 
الإنجاب. فإنه لا يغفل ضرورة أن ينتهي الفيلم 
بإيجاد حل سحري لهاء حل على طريقة الحل 
الذي أنهى مشكلة فاتن حمامة: يأتي الأمير 
الساحر (السيد - محمود ياسين) ويصطحب 
العائلة معه في المشهد الأخير للفيلم إلى 
المزرعة ”التي تحتاج إلى الكثير من الأيدي 
العاملة». 

ومن الواضح أن هذا الحل الفوقي 
والغيبي للمشكلة: ينطرح هنا كبديل منطقي 
(منطقي ضمن إطار منطق الفيلم ككل) للحل 
البورجوازي الصغير الذي ينحو إلى إزالة 
«المشكلة» بإزالة أسبابها: من طريق الحد من 
النسل. ونقول إنه حل برجوازي صغير (وربما 
حل فيه مسحة فاشية)» لأنه حل يتناول شكل 
المشكلة» وليس جوهرها. يلغي شكلهاء من 
دون أن يلغي جوهرها: فالمشكلة الرئيسية التي 
ينبغي النظر إليها هنا هي بسبب غياب التخطيط 
الاقتصاديء وبسبب الرغبة الدائمة في الركض 
إلى الأمام» من طريق تغييب الجوهر والوقوف 
عند القشور. 


مه 


من هنا يكتسب المرء مشروعية اعتبار 
«أفواه وأرانب» كنموذج للسينما التي تصنعها 
الرجعية الذكية. وهو نموذج مطروح في مقابل 
نماذج السينما الرجعية الأخرى: السينما 
الرخيصة وفي اتجاهها لخدمة الأيديولوجية 
السائدة» لكن ضعفها الفني» وبلادة مخرجيها 
في التعامل مع المادة الفكرية» في شكل 
سينمائي فعال» يجعلها سينما غير خطيرة. 
اللهم إلا على أذواق الناس؛ وهذه مسألة 
أخرى لسنا هنا في وارد بحثها. 

بعد هذا كله هل لنا أن ندهش كثيراء أمام 
بروز فيلم متماسك كهذا الفيلم؟ وهل لنا أن 
ندهش أمام الترحيب الهائل الذي قوبل به 
والإقبال الجماهيريٍ الهائل الذي جعل من 
هذا الفيلم» يومها حدثاً سينمائياً نادراً في تاريخ 





السينما العربية؟ 
«الأفوكاتو» 

١١ )1945(‏ د. (ألوان) 
إخراج: رأفت الميهي 
قصة وسيناريو وحوار: رأفت الميهي 
تصوير: ماهر راضي 
موسيقى: هاني شنودة 
تمثيل: عادل إمام يسراء إسعاد يونس 


كان ذلك خلال السنوات التى استعادت 
فيها السينما الواقعية المشاكسة على الواقع 
الانفتاحي والفساد العام المستشري في مصرء» 
رونقهاء لتقدم أفلاماً تعتبر اليوم؛ بتواقيعم محمد 


الأفوكاتو 





خان وعلي بدرخانء وخيري بشارة وعاطف 
الطيب وداود عبد السيد» علامات أساسية فى 


فى كاترع سين كان تافر قن السيرقها 
الع تياران: أحدهماء هذا التيار الواقعى 
الجديد؛ والثانى» تيار سينما ذاتية خلاقة ينهل 
ون لجا حاف مز قاف غاني لسع 
العالمي. 

أمارأفت الميهي الذي كان قبل ذلك 
من كتات الستارير المرمزقيق: فقدآثر 
السير عكس التيارين ليقدم سينما شديدة 
الخصوصية؛ ولكن راسخة في السينما الشعبية 
المصرية بنجومها وحبكاتها وقدرتها على 
السخرية من الواقع» كما على النهل من أي 
منبعاللفائتازيا. وهذا ما سواف تت ق إلية سينا 
الميهي في شكل تدريجي. لكنه في بداياته كان 
يؤثر لعبة التهكمء لا لعبة الغرائبية. 


وفي هذا الإطار أتى «الأفوكاتو»» فيلماً 
قوَيَاء حرفا مشذاكضا إكساافاقعا فق السسةة 
الاجتماعى ما عرضه للقضاء والرقابة» لكنه 
فى الوقت نفسه أضفى عليه شعبية لا مراء فيها. 
وهو على أية حال ما كان يحتاج حقاً إلى مزيد 
منهاء بعدما أعطى البطولة إلى عادل إمام في 
واحد من أقوى أدواره» وأكثرها دنواً من حسش 
السخرية الشعبية التى تميز المصريين عادة. 

ومع هذاء كان عادل إمام بطلاً مضاداً في 
الفيلم. حيث لعب دور محام فاسد يتم اعتقاله» 
فيحول زنزانته ْ السجن إلى مكتب محاماة» 


04 


يمارس من خلاله ومن خلف القضبان كل 
ضروب الفساد الانفتاحي. 

ونعرف اليوم أن سينمائياً آخر غير رأفت 
الميهى ما كان فى إمكانه أن يجعل حبكة فيلمه 
مقئغة ومع هذا مدي الحكاية أكثر عادية» بين 
يديه. من أية حكاية عادية أخرى. فهنا لدينا 
المحامي المعروف باسم «سنانخ») وهو يتعمد 
في مرافعة له أن يبرئ متاجر بالعملة الصعبة 
كي يدخل السجن مكانه؛ ليس تضحية بل 
لأنه هناك فى الداخل سيكتشف أن أحد كبار 
قجاررالبكتاخبرنث الوم عدر سر ا 
فيزوره ليكتشف أن زنزانته تبدو كالقصر مزودة 
بالهاتف والتكييف وكل أنواع الكماليات. ويتم 
الاتفاق بينهما على خطة تمكّن حسونة من 
مبارحة السجن» وسط حبكة تدخحل في الصراع 
واحداً من مراكز القوى (سليم أبوزيد)» 
كما تدخل في الحبكة أخته زوجة المحامي 
التي تطلّق من زوجها كي تتحول إلى زوجة 
لحسوئة. 





بشكل عام؛ قد تبدو هذه الحبكة وهي 
تروى على هذا النحو معقدة بعض الشيء. 
لكن اللافت فى سينما رأفت الميهى» فى هذا 


الأفيون والعصا 


الفيلم أو في غيره» أنها لم تُصنع لتروى بل 
لتشاهد. ومن خلال المشاهدة» وتحديدا من 
خلال حس السخرية الهائل الذي ييسمهاء يضع 
المخرج/ المؤلف متفرجه في صورة ما يحدث 
في مصر. 

وفي هذا الفيلم كان اختيار الميهي 
للسجن موفقاًء بوصفه المكان الذي 
يمكن أن يكشف عن التناقضات السياسية 
والاجتماعية؛ كما يمكنه» وهذا أهمء أن يقول 
السياسة من حيث لا يمكن أحد أن يتوقعه. 
ومن خلال شخصيات كشف من خفاياها 
وأسرارهاء ما جعل الفيلم يهاجّمء أول ما 
يهاجمء من قبل المحامين ونقابتهم. فهؤلاء 
لم يستسيغوا الصورة التي قدم بها من اعتبروه 
واحداً منهم. وصل الأمر إلى حد أن القاضي 
في إحدى محاكم بولاق أصدر حكماً بمنع 
عرض الفيلم. كذلك فإن وزارة الداخلية 
غضبت من الصورة التي قدم بها «الأفوكاتوة 
أحد سجونها... غير أن الفيلم عاد وعرض» 
ليسجل نقطة مضيئة في مسار عادل إمام 
كنجم قادر على القيام بكل الأدوار» وينطق 
باسم غالبية الشعب حتى حين يلعب دور 
البطل ‏ المضاد. 

أمارأفت الميهيء فإنه من بعد هذا 
الفيلم سيغوص أكثر وأكثر في تلك الفانتازيا 
الاجتماعية الحادة التي ميزت سينماه 
وطبعتها بنقد لاذع لما يحدث في هذا البلده 
من فساد. 





دالأفيون والعصا» 
(1959) 7 د. (ألوان) 
إخراج: أحمد راشدي 
قصة: مولود معمري 
سيناريو وحوار: أحمد راشدي 
تصوير: رشيد مرابطين 
تمثيل: رويشد. ماري جوزيه نات» 
جان لوي ترنتينيان 
حين حقق أحمد راشدي فيلمههذا 


«الأفيون والعصاء في العام 1934 كانت 
سئوات عديدة قد مضت منذ نالت الجزائر 
استقلالها. وبالتالي كانت سينما التعبئة 
والبطولات الثورية المطلقة قد أضحت جزءاً 
من الماضي الوطني الجميل. ذهبت» جزثيا» 
لترك المكان لبداية لمحات نقدية تتناول ما 
حدث. وكان راشدي نفسه قد حقق قبل ذلك 
فيلماً طويلاً مميّراً هو افجر المعذَّبين» الذي 
كان يشيد بالثورة ويندّد بالاحتلال على الطريقة 
التعبوية التي كان لا بد منها. 

ومن هناء حيت اتجه راشدي إلى أفلمة 
رواية الكاتب المشاكس مولود معمري التي 
كانت معروفة من قبل ومقروءة على نطاق 
واسعء ومحط سجالات متشعبة» كان يعرف 
أنه يمشي وسط رمال متحركة. فكان أن بالغ 
في سلوك درب الحذر في تحقيق فيلمه» 
مُسقطأً الكثير مما كان في الرواية من نظرات 
ناقدة مريرة. وهكذا تحول العمل على يديه إلى 
فيلم ثوري بطولي مناهض للاحتلال الفرنسي» 


الأفيون والعصا 


لكنه تحوّل كذلك إلى نوع من المساءلة 
«الخجولة؛ للتاريخ بصدد ما يفعله الجمع 
بالفرد ودور الفرد حين يجد نفسه منساقا خلف 
الجمع. 

الفرد هنا هو الطبيب المثقف الدكتور بشير 
الذي أمام جرائم قوات الاحتلال إبان الثورة 
يتخلى عن حياته المهنية الهادئة والناجحة في 
المدينة» ليلتحق بالمقاومة المسلحة في الجبال 
انطلاقاً من قرية تالا مسقط رأسه. لقد أدرك أن 
الثورة والوطن الموعود في حاجة إليه. وينضم 
إليه في هذه التلبية شقيقه ليخرط الإثنان في 
العمل الثوري إلى جانب السكان البسطاء 
الطيبين. 

غير أن الفيلم يتناول في الوقت نفسه؛ بُعداً 
ملحمياً لا مراء فيهء وذلك من خلال كونه يقدم 
أيضاً تلك الحكاية الجماعية التي تعيشها قرية 
تالا والتضامن الذي يعيشه أهل القرية مع 
مجموعة المجاهدين الذين كانوا قد التجأوا 
إلى مغارة صخرية تقع عند ذروة جبل قريب 
تكسوها الغابات» كي ينطلقوا من هناك في 
أعمالهم النضالية. فلا يخرجون من مخابئهم 
إلاكي ينصبوا الكمائن للعدو الفرنسي 
ويعودوا بعد ذلك إلى قواعدهم. 

ولئن كان الفرنسيون يبدون طوال القسم 
الأكبر من الفيلم عاجزين عن الوصول إليهم» 
فإن سكان القرية لا يعجزون عن هذا... فهم 
ومهما كان الوضع؛ على اتصال بهم. وهذا 
الأمر لا تفوت الفرنسيين معرفته على أية 
حال. ومن هنا تلك المعاناة التي يعيشها أهل 


51١ 


المجاهدين إزاء اتهام الجيش الفرنسي لهم 
بالتواطؤ مع الثوار. 


والأفدح من هذاء بالنسبة إلى الفرنسيين 
أن يلاحظوا بين الحين والآخر أن من يسميهم 
الوطنيون «الكفار» من الذين يعتبرون أنهم 
باعوا أنفسهم للروم - أي الفرنسيين -. 
يحدث في أحيان كثيرة أن ينكشف تواطؤهم 
مع السكان... ولقد كان من شأن هذا الجانب 
من «فكرانية» الفيلم أن يجعل من «الأفيون 
والعصاء عملاً مانوياً - أي يشتغل على صراع 
الأسود والأبيض من دون فوارق لونية أخرى» 
حيث الوطنيون كلهم في جانب والفرنسيون 
جميعاً فى جانب آخرء لولا أن أحمد راشدي 
يلمّح في ثنايا الفيلم إلى ما قاله النقاد 
الفرنسيون حين علقوا على الفيلم يوم عرضه 
عن وجود مؤكد «لبقايا ضمير فرنسي» لدى 
بعض الجنود المحتلين. 

ولافت هنا أن الممثل الفرنسي الذي 
كان صاعداً بقوة في ذلك الحين» جان لوي 
ترنتينيان» لعب في الفيلم دور الفرنسي النزيه 
الذي قيل يومها إنه كان فى الأصل دوراً حقيقياً 
#لعبه؛ في الحياة هو الذي كان مجنداً في قوات 
الصاعقة الفرنسية في الجزائر» لكنه هرب من 
صفوف الجيش ذات يوم ليلتحق فعلاً بالثوار 
كما قيل. 

وسواء هنا أكانت حكاية ترنتينيان هذه 
حقيقية أم مخترعة لزوم الدعاية للفيلم» فإن 
هذا الفيلم» انطلاقاً من أحداث الرواية يحاول 
أن يلقي نظرة لا تخلو من عمق في ملاحظة 


إلى أين؟ 


التفاصيل» على الأداء الثوري كما على سياسة 
المحتل وأساليب قمعه وكيفية التصدي لها... 
ولا سيّما حين يُقْدمٍ جيش العدو على تدمير 
القرية وقتل أبنائها مجبراً الباقين على الالتحاق 
بالجبال الثائرة» بعد أن فشل في خطة كانت 
ترمي إلى ترويض السكان مستعيناً على ذلك 
بالخونة والمهادنين. 

وإلى هذا لا بد من أن نشير إلى أن عدداً 
من النقاد توقفوا عند عرض الفيلم» في الجزائر 
وغيرهاء عند العديد من مشاهد بدت استئنائية 
فيه. وهي مشاهد أجمل الكاتب اللبئاني جورج 
الراسيء أبرزها على الشكل التالي: 

- يصل الفيلم إلى ذروته بخاصة في مشهد 
الاستشهاد حين يعدم الجنود بطل القرية عمر 
أمام عيون أمه وأخته وسكان الضيعة. حينها 
تحولت المأساة إلى فرح وتعالت زغاريد 
النساء مهللة للشهيد ما أرعب المحتلين أكثر 
من أصوات الرصاص. 

- مشهد آخر يصور لنا طفلاً جائعاً يلقي 
له أحد الخونة المتعاونين مع الاحتلال رغيف 
خخبز فلا يكون من الولد إلا أن يلتقط الرغيف 
ويقبّله قبل أن يرفعه عن الطريق ليضعه على 
حائط مجاور من دون أن يأخذه! 

- مشهد ثالث بهذا المستوى المأسوي. 
يصور أهل القرية وقد أمرهم «الكابتن6 
الفرنسي بقطع أشجار الزيتون المغروسة 
منذ قرون في أرضهم. بحجة أن المجاهدين 
يختبئون وراءهاء فإذا بالنساء والشيوخ يتكئون 
على جذوع أشجارهم والدموع مترقرقة في 


5 


- وفي مشهد آخر نرى مجاهداً يفجّر نفسه 
مع مخزن اللخيرة! 

وفي النهاية لا بد من أن نذكر هنا بأن 
«الأفيون والعصا» قد حمق لدى عرضه 
نجاحات كبيرة... وهو لا يزال يحقق اقبالاً 
لا بأس به حيثئما يعرض» ما يجعل منه بالتأكيد 
واحداً من أنجح الأفلام الجزائرية وأكثرها 
شعبية على مدى تاريخ هذه السينما. 





«إلى أين؟) 

(ه/اة١1)‏ د. (أسود وأبييض) 
إخراج: جورج نصر 
سيناريو وحوار: جورج نصر 
تصوير: رودريك دحداح؛ إبراهيم شامات 
موسيقى: فرحات الهاشم 


تمثيل: نزهة يونسء لور عازار منير نادر 

يقول جورج نصر عن بداياته السينمائية» 
إنها كانت بعد عودته من هوليوود #حيث 
درست السينما خلال أربع سنوات شعرت 
فيها أنني مغترب وأنني متعطش للبنان» ومن 
هنا «أردت لفيلمي الأول أن يتناول موضوعاً 
محلياً أصيلاً يحكي عن مشكلة تعاني منها 
البلاد» فاخترت موضوع الهمجرة. وفي ذلك 
الحين كان عدد اللبنانيين الذين يهاجرون 
قيربا بضل إلى نا يتزاوح بين 11٠‏ :+ 
لبناني. وكنت قد لاحظت أن المهاجرين 
اللبنانيين في البرازيل والولايات المتحدة لم 
يكونوا جميعهم أثرياء كما كنا نتخيل أحياناً. 


إلى أين؟ 


لقد أردت في فيلم شيئين: أن أقول للمسؤولين 
إن هنالك لبنانيين عديدين وبخاصة من 
الشباب يهجرون البلاد... وينبغي إيجاد عمل 
لهم للحفاظ عليهم. وثانياً أن أقول للذين 
يهاجرون إن الحياة في الخارج ليست سهلة 
والثروة ليست أكيدة...». 

هذا الكلام يبدو هنا منطقياً. وفي موضوعه 
يبدو فيلم جورج نصر الأول «إلى أين؟» الذي 
حققه عام 14105» متلائما مع هذا الطرح 
المزدوج. ولكن هناء كي نضع الأمور في 
نصابها التاريخي الصحيح, يجدر بنا أن نتنبه 
إلى أمر مهمء وهو أن الفيلم أتى في ذلك 
الحين لينبع من هم رسمي لبناني» أكثر مما أتى 
لينبع من هم شخصي لدى جورج نصرء ينطلق 
من معاينته الميدانية لما يحدث» في المهجر. 

قفي العام ١406‏ تحديداً أعلنت السلطات 
الرسمية اللبنانية ذلك العام عاماً للمغتربين 
وصيفه صيفاً للضيوف (لاسئة السياحة وصيف 
المغتربينة وفق الشعار الرسمي)... في ذلك 
الحين وخلال النصف الأول من سنوات 
الخمسين كانت الدولة اللبنانية - كما سبق 
وأشرنا - قد بدأت تشعر أن الوطن اكتمل 
وأنه بات من الازدهار وبواكير النجاح بحيث 
صارء وسط منطقة العواصف العربية؛ واحة 
لا بد من رفد نجاحاتها السياسية بنجاحات 
اقتصادية وإمعان في الاستثمار وفي توظيف 
ما يفيض من رساميل آتية من سورية التي كان 
اقتصاديوها يسعون إلى إيجاد أسواق توظيفات 
لأموالهم المهرّبة أو المهاجرة بسبب الارتباك 
السياسي والانقلابات العسكرية. كانت 


نذا 


الرساميل السورية قد بدأت تخشى على نفسها 
فراحت تجد في لبنان فرصاً ممكنة. وفي 
الوقت نفسه كان الرأسماليون الفلسطينيون 
الكبار قد بدأوا يرون استحالة العودة السريعة 
الموعودة إلى فلسطينء ما يجعلهم في حاجة 
إلى تحريك رساميلهم المدينية التي كانت 
مجمدة إثر النكبة في الانتظار. 

إزاء ذلك الو ضع المز دوج» راحت 
السلطات الحكومية اللبنانية ترى أن الوقت 
قد حان ل «استردادة المغتربين كي تكون 
هناك من ناحية: مساهمة لبنانية في تعزيز 
الاستثمارات في مواجهةزحفف مالي 
سوري - فلسطيني؛ ومن ناحية ثانية قوى بشرية 
لبنانية صهرها الاغتراب والتقدم الاجتماعي 
والتقني ما يؤهلها لموازنة التدفق السوري 
والفلسطيني - ولاحقاً المصري ولكن هذه 
حكاية أخرى سنصل إليها في حينه -» لبناء 

ضمن هذا الإطارء إذآء راحت الأصوات 
تعلو حاثّة المغتربين على «العودة». ولعل في 
إمكاننا هناء أن نضع فيلم #إلى أين؟؛ سواء 
كان موضوعه. وتوقيته التاريخي» مقصودين أم 
بالمصادفة! إنه فيلم» كما يقال» جاء في وقته. 
ويمكن أن نقول عنه» بعد كل شيء إنه الفيلم 
المؤسس الحقيقي لتلك السيئما «الليئانية» 
ذات القضية والرسالة. ويبدو أن جورج نصر 
حين حقق الفيلم كان هادئ البال» وائقاً من 
نجاحه؛ ومن أن هذا النجاح سوف يفتح 
الباب له شخصياً كي يواصل مسيرة سينمائية 
قيّمة» كما أنه سيوك يفت الباب لوجود تلك 


إلى أين؟ 


السينما اللبنانية المأمولة. ولعلنا لسنا فى حاجة 
هنا إلى التذكير بأن البابين لم يفتحا حقاً. وأن 
تلك التجربة بقي منها فقط فيلم مميز» متحفي» 
يعوض على مدى العقود فشله التجاري بنجاح 
فني - نقديء يضعه دائما في صف التاريخ 
المشرّف للسينما في لبئان. فعمّ يتحدث هذا 
الفيلم؟ 

في اختصار هو حكاية مهاجر ترك أرضه 
وزرعه وعائلته وتوجه إلى المهجر باحثاً عن 
فرص عمل تمكنه من أن يستدعي عائلته» أي 
زوجته وولديه؛ إلى حيث الثروة والسعادة. 
لكن صاحبنا لا يحقق» كما يبدوء أي نجاح في 
مهجره؛ فينقطع عن أي اتصال بالوطن. وفي 
الوقت نفسه إذ تيأس الزوجة من عودة زوجهاء 
تعود إلى الأرض الصغيرة التي تركها لها كي 
تزرعها ما يمكنها من توفير حد أدنى من العيش 
الكريم وهي في انتظار حزين لعودة الزوج. 
ولكن هذا لا يعود طوال عشرين عاماء يكون 
فيها ولداه سعيد وفريد قد كبرا. وتزوج أولهما 
من ابنة الجيران الطيبة» فيما بدأت رغبة الهجرة 
تعتمل في داخل الثاني. 

في نهاية العشرين عاماء يعود الأب... 
لكنه لا يجرؤ على الاقتراب من بيت وعائلة 
هجرهما من دون فائدة. ولا يجرؤ على نظرات 
زوجته وولديه حين يعرفان أنه لم يحقق سوى 
الفشل. وهكذا يعيش في خرائب قصر مهجورء 
من دون أن يعرف أحد بعودته... لكنه في أثناء 
ذلك يتابع أخبار ولديه» ويعرف أن الأصغر 
بينهما يريد الهجرة» فيعترض طريقه من دون 
أن يخبره بهويته» ويبدأ بنصحه بعدم الهجرة... 


5 


وأن النجاح ليس واقفاً هناك في البعيد منتظراً ٠‏ 
الآتين. ومن جراء ذلك النصح الذي يعنف 
شيئاً بعد شيء؛ يقوم شجار بين الأب والابن. 
يغادر هذا الأخير المكان بعده غاضباً مسرعاً 
لتكون في انتظاره سيارة عابرة بسرعة تصدمه 
ويموت... ما يدفع الأب المفجوع إلى قمة 
اليأس فيهيم على وجهه متشرداً وقد خسر كل 
شيء! 

هذا هو إذاً موضوع (إلى أين؟؟ الفيلم الذي 
تحول مع مرور الزمن إلى «أسطورة» في تاريخ 
«السينما اللبنانية». والحقيقة أننا إذا تأملنا هذا 
الفيلم» جيداء من ناحية موضوعه؛ سنجده 
لا يخرج عن مألوف ما كانت عليه نصف 
الدزينة من الأفلام «اللبنانية» التي سبقته» بما 
في ذلك البعد الميلودرامي والعنصر الفجائعي 
وعنصر الموعظة... بيد أن الجديد هنا هو 
أن الموعظة لم تأت أخلاقية في نهاية الأمرء 
بل «وطنية؛ إذ إن الفيلم يسير في الموضوع 
المستخلص منه» في إطار الدعوة العامة إلى 
العودة التي نتحدث عنها هنا. 

الجديد في الفيلم» هو في المقابل - 
شكله ولغته السينماثية» حيث نجدنا هناء للمرة 
الأولى» أمام لغة سينمائية حقيقية؛ كما أمام 
إنتاج يكاد يكون احترافياًء من ناحية كتابة 
سيناريو متماسك وحوار غير ثرئار» ورسم 
أبعاد بصرية تشكيلية» تشي حقاً بأن المخرج قد 
استفاد من تعاطيه كهاوء مع الحدائة السينمائية 
في العالم... حتى وإن كان في وسعنا القول 
إن اللغة السينمائية أتت مبدّاة على الموضوع 
الذي بدا عاجزاً عن التماشي معها. 


ألف شهر 


ولسوف يتحدث جورج نصرء لاحقاًء كثيراً 
عن فيلمه هذا... وسوف تكون إجاباته عن 
أسئلة طرحت عليه؛ سينمائية حقاً. فهو مثلاً 
حين سئل بعد سنوات عديدة: مثلآ» عن ذلك 
الإيقاع البطيء الذي لاحظه كثر من مشاهدي 
الفيلم قال: «إن لهذا الإيقاع البطيء أسباباً 
أهمها أنه كان إرادياً. فهو إيقاع أهل الجبل؛ عدا 
الأوقات التي يتشاجرون فيها. والفيلم يتتحدث 
عن الهجرة التي تسبب الوحدة والحزن 
والحاجة. والسبب الثاني تقني. لقد قلت إننا 
كنا نفتقر إلى المعدات الضرورية» ولم يكن في 
إمكاننا تسجيل الصوت والصورة معاً. ونظراً 
إلى عدم وجود استديوات للتسجيل اضطررنا 
إلى تصغير الصورة إلى قياس ١5‏ ملم للتمكن 
من عرضها في استديوات الإذاعة حين سجلنا 
الحوارات...». 

ومهمايقال اليوم عن هذا الفيلم» ثمة حقيقة 
راسخة وهي أنه لم يحقق تجاريا» من النجاح؛ 
مايتيح لمخرجه أن يكرر التجربة... ومع 
هذا نراه بعد ثلاث سنوات يحقق فيلماً ثانياً 
هو «الغريب الصغير» جعله هذه المرة ناطقاً 
بالفرنسية لأسباب يتحدث هو عنها بنفسه. 
لكنها تبدو غير مقنعة. فهو حين سثل لاحقاً 
أيضاء عما جعله يُنطق فيلمه بالفرنسية» وهل 
لهذا علاقة بتربيته الفرنسية قال: «كلا.. إنها 
اعتبارات عائدة إلى التوزيع. عندما عرضت 
«إلى أين؟؛ اعتبر فيلماً عربياً وعرض في صالة 
للأفلام العربية. والفيلم العربي آنذاك كان يعني 
الفيلم المصريء بينما «إلى أين؟» مختلف جداً 
عن أي فيلم مصري. والجمهور الذي كان 


50 


معتاداً على ذلك النوع من السينما العربية لم 
يجد نفسه على الشاشة. أما الجمهور الآخر 
الذي كان في إمكانه أن يحب الفيلم فلم يكن 
يشاهد الأفلام العربية... ولهذا حققت فيلمي 


الثاني بالفرنسية...». 

«ألف شهر» 

سدق 5 د. (ألوان) 
إخراج: فوزي بنسعيدي. 
سيناريو: فورَي بنسعيدي 
تصوير: أنطوان هيبرلي 


تمثيل: فؤاد لبيضء نزهة رحيل: محمد مجد 

قبل هذا الفيلم» حين عرف في عالم 
المهرجانات ويين هواة السيئما بأفلامه 
القصيرة» كان فوزي بنسعيدي يعتبر حالة مميزة 
في السينما المغربية» هو الآتي من المسرح 
مخرجاً وممثلاً. ومن هنا أتى فيلمه الروائي 
الطويل الأول هذا ليؤكد له مكانة أولى في 
عالم السينما في بلاده معلناً ليس فقط ولادة 
مخرج جديد للسينما الروائية الطويلة؛ بل 
كذلك ولادة لغة سينمائية جديدة. كما حال 
العديد من مجايليه ممن أتاح لهم دعم الدولة 
المالي؛ والمعنوي أيضاًء من طريق المركز 
الوطني للسينماء ولااسيّما في عهد رئيسه 
الناقد المعروف نور الدين صايلء أن يتحرروا 
من عبء البحث المضني عن التمويل لأفلام 
تكمن قوتها في فنيتها واختلافهاء لا في طابعها 
الشعبي ذي المردود الإنتاجي عادة. 


ألف شهر 


صحيح أن هذا البعد الأخير لا ينطبق 
تماماً على كل سينما بنسعيديء إذ إنه يتمكن 
من الحصول على إنتاج لفيلميه الأولين على 
الأقل» دون كبير اعتماد على دعم الدولة» لكنه 
حصل على حريته. 

ينتمي الفيلم» بشكل أو بآخرء إلى سينما 
السيرة الذاتية» افتراضياً على الأقل؛ إذ يمكن 
أن تكون هناك عناصر عديدة على الأقل في 
سيرة مخرجه وكاتبه (وهما الشخص نفسه 
مايجعل «ألف شهر» فيلم مؤلف بالمعنى 
الحرفي للكلمة)ء فيمكن أن تشيه العديد من 
ملامح سيرة الشخصية الرئيسة في الفيلم: 
الطفل مهدي ذي السبع سئين. صحيح أن في 
الفيلم حكايات عديدة أخرى وتشعيات تجعله 
يبدوء إلى حد ماء فسيفساءً اجتماعياً ريفياً 
ملتصقاً بالحياة البائسة في الريف المغربي» 
لكن هذا كله يبدو متحلقاً من حول مهدي 
الذي لجأت به أمه أمينة إلى بيت جده لوالده؛» 
كي يعيشا بعد أن اعتقلت السلطات أباه بتهمة 
التحريض على الإضراب. فى البداية تحاول 
الأم أن تحافظ على أبسط مقومات العيش» 
على الأقل للإيحاء لمهدي بأن لا شيء تغير 
في حياتهماء لكن الأحوال المعيشية تنهار 
بالتدريج ويبدو الجد والأم معاً عاجزين عن 
الاستمرار ما يضطرهما يوماً بعد يوم إلى 
التوقف عن استخدام الإنارة بالكهرباء» ثم بيع 
أثاث البيت قطعة قطعة لشراء الطعام بثمنها. 
وكل هذا دون أن يُخبر مهدي بأن أباه معتقل. 
بالنسبة إليه هو في فرنسا يعمل وسيعود حاملاً 
معه الخير. 1 


11 


يطمئن هذا التأكيد مهدي ويجعله مندمجاً 
قن عياة الغريةومارسنها بطواعا وستية 
لأستاذها الوحيدء الذي في المقابل يميزه 
بحمل كرسي المدرس يومياً إلى البيت مساءء 
وإعادته صباحاً. وبهذا تتخذ الكرسي بعداً 
محورياً ولكن أيضاً بعداً رمزياًء ككناية عن 
سلطة تعهد إلى مهدي كي لا يستولي عليها 
أحد في غياب أية حراسة ليلية في ذلك المكان 
القفر. وهكذا يصبح مهدي والكرسي معه 
محور فيلم تتحلق فيه من حولهما قصص 
متشعبة يملؤها الكبار بترميز وفق فيه صانع 
الفيلم؛ إذ جعل المكان كناية عن صورة 
ميتافورية للمجتمع المغربي الكبير. 

كان رد فعل المتفرجين» ولا سيّما النقاد 
منهم؛ على هذا الفيلم كبيراً ولافتاً. وكان في 
مقدمة الذين ساندوا الفيلم ووضعوه ضمن 
أبعاده الحديئة والرمزية في آن معاًء الناقد 
مصطفى المستاوي الذي كتب يقول: «للتعبير 
عن كل تلك الحكايات» اختار المخرج طريقة 
خاصة في السردء تعتمد أساساً على اللقطات 
العامة الثابتة التي يتضاءل معها حضور الممثلين 
والكومبارسء ويتحولون إلى مجرد جزء من 
الديكور (...) وحتى حين يلجأ المخرج إلى 
اللقطات المتوسطة: فإنه يقيم ما يشبه الحاجز 
بين المشاهد وحركة الشخصيات التي تبدو 
مسحوبة باستمرار إلى خلفية المشهد. يضاف 
إلى ذلك اختيار الإضاءة الجزئية بالنسبة إلى 
المشاهد الداخلية» ما يضفي ظلالاً خاصة على 
الشخصيات ويوحي بانعدام التواصل فيما بينها 
ويعزلتها التامة بعضها عن بعضء في انتظار 


ألف يد ويد 





خلاص لا يتحقق» أو هروب لاعودة منه» نحو 
المجهول». 


«ألف يد ويد» 





1/7و )1١‏ الاد. (ألوان) 
إخراج: سهيل بن بركة 
سيناريو: أحمد بدري؛ سيرامي فانسونزا 
تصوير: جيرولامو لاروزا 
موسيقى: عبده الطاهر 
تمثيل: ميمسي فارمر؛ الجازي عيسى» 
عبده شيبان 

يحلو لسهيل بن بركة أن يروي دائماً كيف 


ولدت لديه فكرة فيلمه الروائي الطويل الأول 
«ألف يد ويد4» حيث يقول إنه ذات مرة كان 
يتمشى في أحد أسواق مديئة فاس ودخل 
محلاً كبيراً لبيع الزرابي (السجاد التقليدي) 
ليتفرج على المعروضات. وهناك في دردشة 
بسيطة مع صاحب المحل أخبره هذا كم يحقق 
من أرباح طائلة من بيع هذا المنتوج المحلي 
التقليدي» متفاخراً بكيف أنه يستغل اليد 
العاملة المغربية الهزيلة الأجر لتصنع له مئات 
الزرابي التي يعود ويبيعها بأسعار مرتفعة إلى 
الأجانب والأثرياء المحليين. 

ويضيف بن بركة أن هذا الحديث استفزه 
استفزازاً كبيراً إلى درجة أنه راح يتحرى حول 
الأمر ليثبت له صحة ما قاله البائع» وعلى الفور 
اتصل بصديقه الأديب أحمد بدري طالباً منه أن 
يكتب له نصاً أدبياً حول هذا الموضوع. وهكذا 


31/ 


ولد هذا الفيلم الذي كان» من ناحية ترتيب 
إنتاجه تاريخياً واحداً من أوائل الأفلام المغربية 
التى أنتجت بعد مراحل الرواد الأول... كما 
كان واحداً من أوائل الأفلام المغربية التي 
قامت بجولات مهرجانية في الخارج ولا سيّما 
في مهرجان قرطاج التونسي» ومهرجان بيت 
مري في لبنان في عام إنتاجه نفسه. 

في شكل من الأشكال يمكن اعتبار «ألف 
يد ويده المدماك الذي عادت وانبنت عليه 
السينما الاجتماعية المغربية. بخاصة أن الفيلم 
بدا ناضجاً ومتماسكاً في شكل مبكر. 

يتناول الفيلم» كما هو واضح مسألة 
استغلال أصحاب رأس المالء المحلي 
والأجنبي» لعمل البائسين المغاربة. ومن هنا 
لم يكن من قبيل المصادفة أن يجعل لصاحب 
المصنع المغربي في الفيلم زوجة فرنسية. 

أما الفيلم فتدور حبكته من خلال عدد 
من العمال يعملون في مصنع الزرابي ساعات 
عمل تكاد لا تنتهي مقابل الدريهمات القليلة 
التي يعطيها لهم رب العمل. والفيلم يبدأ 
بتصوير متواز لعالمين: عالم العمال البائسين 
الذين يكدّون ليل نهارء لتأمين لقمة العيش 
وينامون على الطوبء وعالم أصحاب المصنع 
الذين يمضون أمسياتهم في سهرات صاخبة 
حافلة بالشراب والطعام والسعادة. 

ويحدث ذات يوم أن يسقط عامل عجوز 
مريضاً ليجد ابنه العامل بدوره نفسه عاجزأ 
عن تأمين الدواء له. يحاول ويحاول ولكن 
دون جدوى. فصاحب المصنع يصمٌ أذنيه 
لأن ليس في حسبانه أن يقدم شيئاً في مثل 


أم العروسة 





هذه الظروف: العمال يمرضون كثيراً ويموتون 
كثيراء وهو ليس مسؤولا عنهم. وهنا إذ ينتقل 
العامل العجوز مريضا إلى قريته يموت في 
صمت ويشيّعه ابنه غاضباً حزيناً. ثم ماإن 
ينتهي من مراسم التشييع حتى يتوجه إلى قصر 
الثري صاحب المصنع محاولاً أن يحتج وأن 
يفهم. وهناك ما إن يدخل إلى القصر وهو 
البائس القذر ويقف فوق السجادة» السجادة 
نفسها التي قد يكون أبوه من حاكهاء تتصدى 
له الفرنسية زوجة صاحب المصنع وتنهره كي 
لا يوسخ السجادة بحذائه القذر. وهكذا ينفجر 
الموقف ولا يعود في وسع العامل الشاب أن 
يسكت أكثر فينقض على المرأة ممسكاً عنقها 
بكلتا يديه ضاغطاً عليها حتى تموت بين يديه» 
تماماً كما كان أبوه قد مات من قبل. 


العث 


دأم العروسة» 
552 ) د. (أسود وأبيض) 
إخراج: عاطف سالم 
قصة وحوار: عبد الحميد جودة السحار 
سيناريو: عبد الحي أديب 
تصوير: مسعود عيسى 
تمثيل: عماد حمدي. سميرة أحمد» 
تحية كاريوكا 


حُقّق هذا الفيلم في زمن مصري كانت 
لا تزال البرجوازية الصغيرة تعيش فيه 
صعودهاء مع لغة خاصة إلى ما كان يحمل 
اسم الوحدة الوطنية. غير أن هذين البعدين 


18 


لا يبدوان أساسيين في سياق مسار الفيلم» 
إنما يظهران بين السطور. أما السياق العام» 
فهو الحياة العائلية في مصرء والصعوبات التي 
تواجههاء من دون أن تفوت صانعيه ضرورة أن 
تأتي النهاية حاملة معها ما يكفي من الحلول. 
لا نتتحدث هنا عن «النهايات السعيدة» وإنما 
عن المخارج الواقعية التي تحيل الأزمات 
الحادة على النسيان. 

والأزمة الحادة في هذا الفيلم» مالية أولاً 
هو زفاف إحدى بئات عائلة حسين أفندي» 
موظف الدولة البسيط الذي يعيش مسؤولاً مع 
زوجته زينب عن أسرة مؤلفة من سبعة أبناء» 
منهم من بلغ سن الزواج» ومنهم من لا يزال 
في سن الدراسة الابتدائية» ما يعني أن الأزمة 
ستكون طويلة؛ طالما أن الزمن لم يكن زمن 
الحلول العجائبية. ولا ننسينَ هنا أن المخرج 
عاطف سالم لم يكنء في سينماه الواقعية» 
إنما التبسيطية أحيانا» من المخرجين الذين 
يتوصلون إلى تلك الحلول. 

في شكل عادي» تعيش أسرة حسين 
أفندي عيشأ بسيطأ تكتنفه الصعوبات اليومية 
وضروب الاحتيال كلها. لكن الأمر يتفاقم 
حين يحل موعد زفاف إحدى بنات العائلة» ما 
يفرض على رب العائلة أن يدبر المبلغ الذي 
يتعين إنفاقه على الاحتفال. وإذ يتأخر صرف 
نوع من المعاش الاستثنائي له» يجد نفسه أمام 
إغراء أن #يستدين» ١6١‏ جنيهاً من مال العمل 
الموضوع في عهدته. كل هذا منطقي ويمكن 
تدبيره على أية حال. ولكن ما العمل حين 


امرأة في الطريق 





يصل رجال الشرطة إلى البيت والزفاف في 
أوجه؛ ما يدفع حسين أفندي إلى الاعتقاد بأن 
الأمن قد اكتشف «استدانته» لذلك المبلغ من 
العهدة ما يعني اتهامه بالسرقة وإيداعه السجن 
وهو في عز فرحته بابتته؟ 

لن يحدث هذا. فالحقيقة أن مرقص أفندي 
زميل حسين أفندي في العمل» سيخبره على 
الفور أن رجال الشرطة إنما هم هنا لتنبيهه إلى 
أن مكبرات الصوت التي وضعت في المنزل 
لرفع صوت موسيقى الفرح» تبث ضجيج 
الصوت أعلى من اللازم؛ وعليه تخفيض 
مستواها. أوف! يتنفس حسين أفندي الصعداء 
هناء لكنه؛ إضافة إلى هذاء لم يعد عليه» حتى» 
أن يقلق في شأن المبلغ «المستدانة. وذلك 
لأن مرقص أفندي الطيبء الزميل الوفي 
والرفيق المسيحيء ينتبه إلى خطورة ما فعل 
صديقه وخطر أن ينكشف أمره؛ فسدّد جزءاً من 
المبلغ الناقص في العهدة: ريثما يتمكن حسين 
أفندي من تدبير أموره لاحقاً. 

الحقيقة أن حبكة الفيلم تبدو أقرب إلى 
العادية» أما قوة عاطف سالم فتكمن في أسلوبه 
الواقعي - الطيب» في تصويره» حيث تمكنت 
كاميراه من التعبير عن الحياة العائلية وازدحام 
البيت» وازدحام المشاكل وما إلى ذلك. 

غير أن المهم أيضاً هنا هو أن المخرج» مع 
كاتبي القصة والسيناريو تمكن من إضفاء مناخ 
من المرح والطرافة على الفيلم؛ أتى متماشياً 
مع الذهنية التفاؤلية التي كانت سائدة في مصر 
فى ذلك الحين... من دون أن ينسى التماشي 
مع دعوة الدولة إلى تحديد النسل؛ في ثنايا 


14 


انتقاداته الاجتماعية لطبقة تنجب بكثرة ثم تبدو 
عاجزة عن إعالة من تنجب إلا بمعجزة. 


«امرأة في الطريق» 


)1١964(‏ (أسود وأبييض) 
قصة وسيئاريو: عبد الحي أديب 
حوار: محمد أبو يوسشف 
تصوير: كمال كريم 
موسيقى: أندريا رايدر 
تمثيل: هدى سلطان» رشدي أياظة. 


من المؤكد أن عام ١4048‏ كان في السينما 
المصرية» وفي جانب من جوانبه؛ كان عام 
الكاتب عبد الحي أديب. إذ بدأ العام مع عرض 
فيلم #باب الحديد» ليوسف شاهينء لينتهي 
مع عرض «امرأة في الطريق6. والفيلمان من 
كتابة أديب. ولكن في حين حقق الثاني نجاحاً 
جماهيرياً ونقدياً حين عرض» فشل الأول في 
تحقيق أي من النجاحين. لاحقاً سيعاد الاعتبار 
إلى فيلم شاهين, أما فيلم ذو الفقار فسوف 
يشغل بدوره مكانة جيدة في تاريخ السينما 
المصرية» وسيعتبر دور هدى سلطان فيه من 
أفضل ما قدمته في تاريخها السينمائي الطويل. 

مهما يكن فإن «امرأة في الطريق! يبدو 
إلى حد بعيد شبيهاً بذلك النوع من الأفلام 
الأمريكية التي تدور أحداثها العائلية في أمكنة 
منعزلة» منه فيلم تدور أحداثه في مصرء غير أن 


امرأة في الطريق 





هذا لم يمنعه من أن يكون في نهاية الأمر» فيلماً 
المكان هنا محطة وقود على الطريق 
الصحراوي يملكها ويعيش فيها المعلم فرج 
مع ابنيه حسنين وزوجة هذا الأخير الشابة 
الحسناء لواحظ وابئه الآخر صابر. ومنذ 
البداية سندرك أن لواحظ مولعة يصابر. ومنذ 
البداية أيضاً سنفهم أن حسنين من زوجة أولى 
لفرج بينما صابر من زوجة ثانية كان يحبها 
لكن الأولى قتلتها. وهو الآن يفرغ كل حبه 
على حسنين ويدلله بينما يهمل صابر الذي 
تشعر حياله لواحظء الغازية السابقة» حناناً 
تعويضياًء لكنه يتحول إلى غرام. غير أن صابر 
لا يستجيب لهاء وليس فقط لأنه يحب هنية أبنة 
راعية الغنم» بل لأنه لا يريد أن يخون أخاه. 
مهما يكن فإن الأوضاع المالية تسوء ما 
يضطر صابر إلى إعانة والده والعائلة» كما 
يضطره إلى إنقاذ لواحظ من مطبات سوء 
كادت تقع فيها. أما حسنين فإنه بإهماله يتسبب 
في إصابة والده بالعمى وهذا يعتقد أن المسبب 
هو صابر فيطرده بينما لا يجرؤ حسنين على 
الاعتراف بفعلته. وإثر ذلك تتعقد الأحداث 
لتنحول إلى خخيانات وإطلاق نار ومطاردات 
لم ينسهاء طبعء أي من مشاهدي الفيلم» حتى 
اللحظات الأخيرة حين تتفكك العائلة وتقد 
لواحظ حسنين ويهيم فرج على وجهه. 
طبعاً كل هذا يحول الفيلم إلى نوع من 
الميلودراماء غير أن المهم ليس هناء المهم 
هو الجو الذي خلقه السيناريو وإيصاله 
أحوال الهيام والحب والشبق والخيانة إلى 


مستويات غير مسبوقة في السينما المصرية. 
أما ما يحسب لعز الدين ذو الفقار فهو إدارته 
لهذا العالم المفكك وتعامله المميز مع ممثلين 
كان كل واحد منهم يشعر أنه يلعب هنا دوراً 
لم يسبق له أن لعبه» بل ندر أن كان لعبه ممثل 
مصري من قبل. 

وفي هذا الإطار بالتحديد كان نجاح هذا 
الفيلم. النجاح الذي جعل «مخرج الروائع» 
شخصياء حسن الإمام» يجد فسحة من الوقت 
بين انهماكاته الإخراجية ليكتب وقد أحس 
بنفسه معنياً بمثل هذا الموضوع وميلودرامياته: 
«رائع جداً فيلم «امرأة في الطريق؟ كقصة 
يختلف جوّها عمًا ألفه الفيلم العربي» عمقت 
في الحوادث حتى لتخيل إليك أنها صورة 
زاهية من خوالد فيلم عالمي. ورائع جداً 
المخرج عز الدين ذو الفقار الذي استوعب 
المعاني في أغوارهاء وسردها بوضوح في 
لقطات هي السهل الممتنع بعينه. رائع جداً 
التمثيل الذي قدمه رشدي أباظة كمتهم بريء 
في منطق القوي العطوفء والذي قدمه زكي 
رستم في دور الوالد الذي عقدته حادثة فأعمت 
بصيرته» وأصابته حادثة فأعمت بصره. والذي 
قدمه شكري سرحان كابن جنى عليه الحنان 
الغاشمء ولعبت به امرأة جامحة» والذي قدمته 
تلك المرأة الجامحة ‏ الغازية التي تشتهي من 
الرجال شقيق زوجهاء ويشتهيها كل الرجال 
ما عداه. رائع جداً أن يكون هذا الفيلم. مصرياً 
لحماً ودماء فهو الفيلم الذي وددنا جميعاً أن 
يكون لئا. إنني أضع القلم لأشد على أيدي 
الجميع؛ خصوصاً يد المخرج الذي يسبر 


أمريكا 





دائماً إلى الأمام؛ والذي أشم في أعماله طيب 
العرق» ونسمع فيها صدام الأعصاب». 





2 أمري يكا؛ 

الححكرة 5 . (ألوان) 
إخراج: شيرين دعيبس 
سيناريو: شيرين دعيبيس 
تصوير: توبياس داتوم 
موسيقى: كريم رستم 


تمثيل: نسرين قاعورء ملكار معلم؛ هيام عباس 


«بدأ اهتمامي بوسائل الاتصال» وبالسيئما 
تحديداء إبان حرب الخليج الثانية (١14941)؛‏ 
وذلك انطلاقاً من أنني فتاة أمريكية من أصل 
فلسطيني» أعيش في بلدة صغيرة في ولاية 
أوهايو. في ذلك الحين راح والدي» وهو 
طبيب في تلك البلدة؛ يفقد زبائنه واحدا بعد 
الآخرء لأن المرضى الأمريكيين لم يعودوا 
راغبين في أن يداويهم طبيب عربي... بل إننا 
رحنا في ذلك الحين نتلقى تهديدات يومية 
بالقتل». 

من ناحية مبدثية» كانت تلك هي التجربة 
التي أرادت شيرين دعيبس أن تعبّر عنها في 
فيلمها الروائي الطويل الأول «أمريكاة» ولكن 
من خلال حكاية تصبح معها حكاية الأب 
ومهنته الطبية حكاية جانبية. ومن هنا يبدو 
هذا الفيلم فيلم سيرة ذاتية وإنما في شكل 
محدود. ذلك أنه لا يعوديدور من حول 
الفتاة المراهقة التي صارت مخرجة وكاتبة 


الا 


سيناريو لتروي الحكاية بعد ذلك بنحو عقدين 
من السنئين» وإنما من حول أنثى أخرى هي 
خالتها منى فرح الفلسطينية المسيحية التي 
إذ اشتد الضغط السياسي والاجتماعي عليها 
في مدينة تعيش فيها في فلسطين (رام الله)» 
لا تجد أمامها إلا أن تهاجر إلى أمريكاء مع 
ابنها المراهق» هرباً ‏ من ناحية - من وضعها 
الخاص كمطلقة فضّل زوجها عليها امرأة 
أكثر جمالاً؛ وبحثاً - من ناحية أخرى - عن 
مستقبل ما لابنهاء يعد أن كف هذا المستقبل 
عن أن يكون واضحاً في فلسطين الممزقة؛ 


معنوياً وجغرافياً. 


هكذا تأخذ منى ابنها وتهاجر إلى أمريكاء» 
حيث تقيم أختها وعائلة هذه الأخيرة» ورب 
العائلة» نبيل» الطبيب الذي يمكننا أن نكتشف 
بسهولة أنه مستعار في الفيلم من شخصية والد 
المخرجة في الحياة. ومن تلك اللحظة؛ ولأن 
منى وابنها وصلا أمريكا في الوقت الخطأ 
(أي وقت اندلاع المواقف العنصرية ضد 
العرب والمسلمين أوائل التسعينيات من القرن 
العشرين) ولأنها - أي منى - وصلت خالية 
الوفاض معتمدة على بضعة دولارات كانت 
معها ‏ فضاعت الدولارات في المطار -؛ 
وجدت نفسها غير مرحّب بها. 

وهكذاء بين لحظات الأمل القليلة 
ولحظات القنوط الكثيرة: كان على مثى أن 
تحارب» وأن تكذبء وأن تبكي» بل أن تجد 
نفسها مهددة بالعودة والطردء وتجد ابنها 
مهدداً بالفساد. كان لا بد لهذه السيدة منى من 


أمريكا 





أن تقاتل وفي شكل مزدوج بل مثلث؛ حتى 
تجد لنفسها مكاناً هي الفلسطينية» المنتمية 
إلى اللامكان... لكنها من خلال العثور على 
هذا المكان سوف توصل درساً إلى الآخرين 
بمن فيهم ذلك الأستاذ اليهودي الذي سيكون 
الوحيد الذي يعينها حين تستبد بها الصعوبات 
في #وطنهاة الجديد. فتسحبه إلى عالمها ولو 
في شكل رمزي حافل بالمعاني. 

ذلك هو موضوع «أمريكا! لشيرين دعيبس» 
بكل اختصار. موضوع بسيط في ظاهره 
ويكاد ‏ مبدئياً - لا يبدو قادراً على أن يحمل 
فيلماً سينمائياً في ساعة ونصف الساعة. غير 
أن هذا ليس سوى في الظاهر فقط. ذلك أن 
شيرين دعييس تمكتت هناء» وفي لغة 
من دون نجوم» من دون بهرجة أسلوبية» من 
دون مؤثرات» وحتى من دون لحظات درامية 
كبرى» تمكتت من أن تقدم فيلماً ينتمي بكل 
وضوح إلى السينما المستقلة... المستقلة 
الحديثئة» ولكن المستقلة الكلاسيكية أيضاً. 
فالحال أن «أمريكا؛ بقدر مايذكر بنمط 
من سينما معاصرة؛ يسير على درب سيتما 
ألكسندر باين وأفلام مثل #«مس سانشاين؟» 
يذكر كذلك - أكثر كثيراً - بأفلام مثل «مقهى 
بغدادة للألمانى بيرسي آدلون (بل إنه يمت 
بقرابة وثيقة إلى هذا الفيلم الذي يبدو أنه كان» 
بعد السيرة الذاتية» مصدر إلهام أساسي لفيلم 
«أمريكا؛)... وحتى ببدايات جيم جارموش 
(في «أغرب من الجنة»). 

والحقيقة أنناء هناء لم نورد كل هذه 
المرجعيات السينمائية على سبيل الترف» بل 


متقشفة» 


7 


لتحديد الخط السينمائي الذي إليه ينتمي هذا 
الفيلم ما يعطيه شرعية الانتماء إلى سينما يزداد 
حضورها في العالم منذ زمن: سينما تقوم على 
قوة العواطف ‏ من دون ميلودراما- وعلى 
تصوير الحالة ‏ من دون أية محاولة لبرهنة 
أي شيء -» والنهل من الحياة مباشرة من دون 
المرور بأية أيديولوجيا. 

ففي «أمريكا» جل ما يحدث أمام أعيننا 
على الشاشة» هو تلك الشريحة من الحياة 
التي ترينا كفاح منى للحصول على حقها 
في العيش. وهو كفاح تفرضه. وتفرض 
صعوبته عوامل عديدة أولها أن منى وابنها 
لا يعود أمامهما منذ مغادرة فلسطين أي خيار 
آخر - وهذا ما يجعلهما مهاجرين غير عاديين 
خصوصاً أن دروب فلسطين نفسها صارت شبه 
مسدودة في وجهيهماء بسبب اختلاف دينهما 
عن ديتي القوتين المتناحرتين: الإسرائيليين 
والفلسطينيين المسلمين» وهذا أمر بات 
لا بد لأية نظرة إلى فلسطين من أن تأخذه في 
الحسبان» حتى وإن كان الغرب لن يعترف بهذا 
العنصر! ثم هناك أن منى لا تتقن اللغة وليس 
من السهل عليها التأقلم مع الذهنية العامة في 
أمريكا. 

وهي ثانياًء ليست في وضع يؤهلها 
للحصول على وظيفة في بنك - كما كانت 
حالها في فلسطين -» بل ولا على أية وظيفة 
أخرى. فإذا أضفنا إلى هذا توقيت وصولهاء 
يصبح لدينا من تراكم العناصر ما يبدو أنه يلفظ 
منى وابنها لفظاً. 


أهل القمة 


غير أن منى لا تأبه لهذا... بل تشق 
طريقها وتجد عملاً متواضعاء واصلة حتى 
إلى فرض ذهنيتها المكافحة والمحبة للحياة 
على الذين حولها. وهكذاء حتى من دون 
نهاية سعيدة واضحة:. يقف «أمريكا؛ عند 
لحظة أمل... قد تكون وهمية. لكنها لحظة 
أمل على أية حال. 

وللوصول إلى هناء كتبت شيرين دعيبس 
هذا الفيلم الذي أضاءت فيه «بطلته» مشاهده 
كلهاء رغم أن وزنها يكاد يكون مئة كيلوغرام؛ 
ويقف ضدها في كل حركتهاء ورغم أن شعورها 
بأنها تفقد ابنهاء لمصلحة التأمرك المتزايدء كان 
لا يكف عن إحباطها... وكانت التتيجة فيلماً 
أضاءه نور حياة غير متوقع. وهذا ما لاحظه 
جمهور #صاندانس» ‏ مهرجان السيئما 
الأمريكية المستقلة -» ثم لاحظه في شكل 
أوسع جمهور «أسبوعي المخرجين» - وهي 
واحدة من تظاهرات مهرجان «كان؟ الثانوية» 
فمنح الفيلم تصفيقاً استثنائياً مكرماً مخرجته 
الشابة شيرين دعيبس» اسماً جديداً في السيتما 
الفلسطينية الناهضة. كما منح للمناسبتين بعض 
الجوائز اللافتة. 

صحيح أن اسم شيرين دعيبس كان معروفاً 
منذ زمنء إنما بفضل أفلام قصيرة نال بعضها 
جوائز لا بأس بها. أما في «أمريكا» فإنها تقدم 
عملها الروائي الطويل الأول» لتضم اسمها 
إلى أسماء فلسطينيين سبقوها في وضع اسم 
فلسطين - في شكل جدي - على خريطة 
السيئما العالمية. 


زف 





«أهل القمة» 
1941) د.(ألوان) 
إخراج: علي بدرخان 
قصة: نجيب محفوظ 
سيثئاريو وحوار: علي بدرخان» مصطفى محرم 
تصوير: محسن نصر 
موسيقى: جمال سلامة 
تمثيل: سعاد حسني» نور الشريف» 
عزت العلايلي 


بين اللقطات الأولى في فيلم «أهل القمة) 
واللقطة الأخيرة من الفيلم نفسه؛ تجري 
إحداث هذا الفيلم التي ربما كانت غايتها 
الأولى أن تكون تصويراً للمسار الذي يعتمل 
في داخل الشخصية التي تمثل محور اللقطتين 
معاً... مسار وعيء أو بالأحرى وعي معكوس. 
وإذا افترضنا أن هذا التركيزء غير العادي في 
فيلم مصري» على جعل شخصية قد تبدوء 
بالمقاييس «الميلودرامية4 لأي عمل» شخصية 
ثانوية» إذا افترضناه مقصوداء بل يشكل اللب 
الأساسي لهذا الفيلم» سنجد أنفسنا أمام فيلم 
مختلف بعض الشيء عما عهدناه في أفلام 


«السينما السياسية» العربية. 
فالسينماء أي سيئما جماهيرية على 


الإطلاق» وأي سينما تنتج تبعاً لمقاييس إنتاجية 
ثابتة ومتعارف عليه تجتمع كل عناصرها 
عادة: لتجعل مسار الحدث الفيلمي كله؛ مسارا 
نحو نهاية ماء وغالباً ما تكون نهاية سعيدة» 
نهاية تتجمع فيها أو تتركب» مختلف مستويات 


أهل القمة 





الحيكة وعقدتها. وعلى هذا الصعيد بالذات 
يكمن الاختلاف الذي يميز «أهل القمة» كما 
حققه علي بدرخان عن قصة متوسطة الطول 
لنجيب محفوظ. فالواقع أن ما يحدث في هذا 
الفيلم؛ لا يتتهي مع نهايته... لا يتتهي على 
الإطلاق. لأن «الزواج» - كفعل تنفيسي في 
السينما الجماهيرية التي تشتغل أساساً على 
عنصر الإسقاط والتماهي - لا يأتي ليشكل 
نهاية للفيلم: لا يأتي مكافأة للطببية وعقاباً 
للأشرار. بل يأتى كنقطة» مجرد نقطة؛ فى 
سباق ]كدر شمرية وتعفد ١‏ 

ضمن هذا الإطار فقطء يمكن النظر 
إلى أن الاختلاف في «أهل القمة) يشتغل 
على مستوى شكل اللعبة الفيلمية نفسها... 
ولكن من دون أن يمس الجوهرء جوهر تلك 
اللعبة» على رغم كل «النيات الطيبة») التي 
حركت المخرج ودفعته إلى التعامل مع نص 
امحفوظي) - نسبة إلى نجيب محفوظ - يعمد 
هو الآخر إلى توظيف جوانب من «سندريلا» 
و«على بابا» و«أوبرا القروش الثلاثة»» معتقداً 
أله إذهنا بهذا يحاكم الانفتاح الاقتصادي في 
مصر. بمعنى أن الهم الأساسي للفيلم هو 
١١امحاكمة)‏ الانفتاح... وهو من هنا يطرح نفسه 
كفيلم سياسي. و«محاكمة» الانفتاح» تتم في 
الفيلم من طريق ثلاث شخصيات محورية: 
الضابط محمد فوزيء والنشال السابق زعتر 
الذي صار مهرباً لا بأس بحجمهه. والتاجر 
المعتبر زغلول رأفت» الذي يمكن النظر إليه 
على أنه رمز لتلك الطبقة التي أتى الانفتاح 


7: 


والضابط محمد فوزي (وهو دور أداه في 
شكل متميز عزت العلايلي) هو واحد من تلك 
القلة من الموظفين المخلصين الذين يبدأون 
خط سيرهم الهابط إلى الجحيم؛ وهم كمن 
يعيش في برج محاط بخنادق الأخلاق والسيرة 
الطيبة (وهذا في اعتقادي مغزى اللقطة الأولى 
في الفيلم» حيت بيخند نوري بجلن خلت 
زجاج سيارة الخدمة» معزولاً عن الزحام 
مهتما بمطاردة النشال زعتر وهو لا يلقي باله 
لإشارات تدل على وجود لصوص أكبر بكثير: 
الإعلانات المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بعهد الانفتاح 
في مصر الساداتية» هي تلك الإشارات. لكن 
الضابط بعيد جداً يعيش فى عالمه الخاص؛ 
همه أن يؤدي وظيفته بأمانة ويه للبلد. وهو 
بهذا المعنى شريف... وفقير). 





والفيلم إذا كان يتابع في سياقه مسيرة 
شخصية أخرى هي شخصية زعتره فإنه 
فى الحقيقة يوظف» حتى هذه الشخصية» 
لمان «هبوط) محمدء والهبوط؛ في هذا 
المجال ‏ هو اكتساب الوعي (وهنا يأتي مغزى 
اللقطة الأخيرة» حيث محمد فوزي يثرك عرس 
أخته المرتجل» ويسير بين جماهير زبائن 
«سوق ليبيا؛ حتى يختفي تماماً بين الزحام. 


أهل القمة 





بمعنى أن المخرج يتركنا أمام هذه النهاية 
المفتوحة؛ وبالأحرى أمام السؤال المعلق: 
ترى كيف ستكون حياة محمد فوزي من الآن 
وصاعداً؟ لكته لا يبدي أي اهتمام بالإجابة عن 
هذا السؤال). 

إذاً بين بداية الفيلم ونهايته» تحدث عملية 
اكتساب وعي لضابط أمين وفقير. ولكن 
تحدث أيضاً عملية صعود طبقي للص صغير 
يصبح لصاً كبيراً. فزعتر الذي يبدأ نشالاً 
صغيراً سرعان ما يقدم خدمات تافهة للضابط 
محمد فوزيء وإحدى هذه الخدمات تقوده 
للتعرف إلى زغلول رأفت» إحدى الشخصيات 
الأساسية في زمن الانفتاح. وزغلول رأقت 
يبدي اعجابه بزعتر ومهارته فيوظفه في شركته. 
وبسرعة يدرك زعتر حقائق اللعبة» ويسير في 
التيار ويحب سهام شقيقة محمد فوزيء التي 
كانت خارجة لتوّها من حكاية غرام أفشلتها 
الأوضاع الاقتصادية. جزئياء والانعكاس 
الأخلاقي لتلك الأوضاعء جزثياً أيضاً. 

هذا الانعكاس الأخلاقي» يلعب في الفيلم 
دوراً أساسياً. بحيث إن «أهل القمة» وحتى 
من دون أن يتوصل ليكون أمثولة أخلاقية» 
يمكن النظر إليه على أنه فيلم يسحّر السياسي 
والاقتصادي لمصلحة العامل الأخلاقي. ولعل 
في هذه النقطة بالذات تكمن نقيصته الكبرى. 
لأن ما هو مطلوب من الفيلم السياسي؛ ليس 
أن يدفع. الجمهور لإصدار حكم أخلاقي على 
الشخصيات بل المطلوب منه؛ في شكل عامء 
ولكي يكون فيلماً سياسياً فالأ هو أن يمكن 
الجمهور من التقاط بداية خيوط تساعده على 


الإجابة عن عدد من الأسئلة: من؟ وكيف؟ 
ولكن - وفي شكل خاص - لماذا؟ 

«أهل القمة؛ يقول لنا بصراحة ووضوحء 
أن التخريب الأخلاقي - الاقتصادي» هو 
من عمل كبار التجار والمتواطئين معهم من 
موظفين كبار وصغار. وهو يحكي لنا أيضاً 
كيف تتم الأمور: التهريب؛ الرشوات؛ التواطؤ؛ 
تصريف البضائع (وإن كان المخرج يبالغ في 
هذا المجال بعض الشيء حين يئقل عمله إلى 
مستوى «التشويق» البوليسي والمغامرة. 

لكنه لا يقول لنا السؤال الأساسي: 
لا يقول «لماذا؛ يحدث هذا؟ من هنا يلوح لنا 
أن الفيلم - ورغم كل نياته الطيبة يظل عند 
مستوى السينما التي لا تقول للجمهور المعني» 
أكثر مما يعرفه هذا الجمهور: انفتاح - تهريب؟ 
تواطؤ؛ حماية الحكومة لمهربين؛ الفساد؟ 
الرشاوى... كل هذه أمور يعرفها الناس» كل 
الناس» ولا يحتاجون إلى سينما تقولها لهم. 
بل وريما كان الناس يعرفون أكثر كثيراً مما 
يعرفه «أهل القمة». ولعلنا لا نكشف سراً 
إن نحن قلنا إن عنصر المعلومات يشكل في 
السينما السياسية عنصرا رئيسيا. وغيابه قد 
يؤدي إلى انقلاب الآية: بمعنى أن العمل الذي 
يكون صاحبه راغباً له أن يكون عملاً يفضح 
أوضاعاً قائمة» ينتهى به الأمر لتكريسهاء بل 
والدعوة إليها. نيات طيبة؟ أجل... لكن درب 
الجحيم نفسها مفروشة بمثل هذه النيات... 
أليس كذلك؟ 

ترى» هل يمكن أن نعثر بين الجمهور 
على من هو غير ميالٍ إلى التعاطف مع زعتر 


أهل القمة 





(نور الشريف)؟ والفيلم ألم يُشر أكثر من 
مرة إلى أن زغلول كان فقيراً كزعتر؟ وإلى أن 
زعتر سيصبح غنياً كزغلول» وباتباعه للطرق 
والأساليب نفسها التي اتبعها هذا الأخير؟ 
والضابط محمد فوزي... كم خطوة عليه أن 
يخطو لكي يصبح كشوكت بيه (ممثل السلطة 
أو رمزها الذي لا نراه... لكنه يحسم الأمور 
تلفونياً لمصلحة زغلول رأفت حين يكون 
هذا على وشك دخول السجن)؟ ونظرة عزرت 
العلايلي (الغريبة والعبقرية على صعيد الأداء) 
التي يواجه بها زغلول رأفت لحظة اكتشافه 
(أي اكتشاف العلايلي) لتواطؤ السلطة معه 
هل تكفي لتبرئة الضابط أمام أنظارنا وأنظار 
الجمهور إلى أبد الآبدين؟ 

حقيقي أن هذه العناصر كلها تتضافر لتجعل 
«أهل القمة» فيلماً أسود ومتشائماً لكن ثمة فى 
هذه النقطة بالذات خطورة شديدة» ذات علاقة 
بالكيفية التي بها قد يستقبل الجمهور الفيلم: 
فالجانب التشاؤمي فيه (و هو الجانب الذي 
قد يكون تحريضياً على الصعيد السياسي في 
أعمال أكثر ذكاء وقوة)» سيمثل فقط قمة جيل 
الجليد؛ بالمقارنة بسيرورة الصعود الطبقي 
التي يصورها الفيلم. صحيح انه صعود مهتز 
وخطر. لكنه صعود ممكن على أي حال. 
فالحلول هنا مطروحة أمام المتفرجين. 

ومسيرة محمد فوزي الهابطة (أخلاقياً) 
ومسيرة زعتر الصاعدة (اقتصادياً)» مسيرتان 
يعممهما المخرجء بحيث تنقلب الآية هناء 
وتصبح القاعدة استثناء والاستثناء قاعدة. 
عند ذلك إذا وضعنا العامل الأخلاقي جانباً 


كلو 


(وهو عامل يمكن وضعه جانباً طالما أن الفيلم 
يلح على أن يرينا زغلول رأفت إنساناً طيبا» 
يتبرع للجمعيات ومتديناً يستخير الله في كل 
ما يقدم عليه)» عند ذلك» أقول» يصبح زعتر 
بطلاً نموذجياً... وتبدو مسيرته؛ لجمهور 
متفرجي الفيلم» مسيرة ممكنة (طالما أن كل 
السوء الذي يفعله إنما هو موجه نحو «الدولة» 
ممثلة بأجهزة الجمارك» وطالما أن الدولة تبدو 
بالفيلم كقوة غامضة بعيدة» وكإله مجهول. 
تعمل آليتها حتى ضد أبنائها المخلصين). 

ويهذا المعنى يمكن تناول النموذج الذي 
يمثله الضابط الأمين: ترى أوَّليس رضاه عن 
زواج أخته (مهما كان هذا الرضا عسيراً عليه 
أول الأمر) وانخراطه إثر ذلك وسط زحام 
البشر» في عز ازمته المتمثلة في اكتشافه 
لاستحالة استمراره في تأدية دور الموظف 
الغيور على مصالح الدولة (لا الشعب» 
والدولة مفصولة عن الشعب)» أوليس هذان 
الأمران يعبران عن إقرار منه باستحالة أي أمر 
عدا الواقع نفسه؟ 

نحن أمامنا هنا فيلم يشتغل على صعيد 
الشكل اشتغالاً ممتازاً. ولا أقصد الشكل 
السينمائي التقني» بل الشكل الدرامي: فربما 
للمرة الأولى في السينما العربية نجد أنفسنا 
أمام تعامل واقعي ‏ أو ربما هيبرواقعي - مع 
قضايا أساسية كالعائلة والحب والزواج. وحتى 
مع مسائل كالبطلة والنجم وما إلى هذا. فسعاد 
حسني كما صورها علي بدرخان ببراعة» 
تختلف اختلافاً ّنا عن أي اسعاد حسني؟ 
أخرى؛ في أي فيلم مصري آخر: أمامنا هنا 


أهل القمة 





شخصية واقعية تماماً: فتاة عادية» ترتدي ثياباً 
عادية» وتشتغل في عمل عادي» وتحب في 
شكل عادي (حباً غايته الزواج لمجرد التخلص 
من الذل الذي تعانيه من جرّاء اضطرارها وأمها 
للسكن في منزل خالها الضابط» ويحمل 
تلميحات وتصريحات زوجة هذا الأخير: التي 
لا مطلب لها إلا أن تعيش في هدوء مع زوجها 
وابتتيها). 

وفي هذا المعنى» وعلى رغم شطط 
المخرج الميلودرامي - والرومانسي في 
تصويره لبعض لقطات سيرورة نمو الحب بين 
سهام وزغت جين واقحاً من خلال القاق 
المعتمل في عيئي سعاد حسني في كل لحظة» 
أن الحب هنا يساوي الاستسلام؛ ليس أمام 
إرادة فردية» بل أمام إرادة واقع لم يعد بوسعه 
بدرخان؛ من أن يرسم صورة حبء هو إلى 
حد ما نوع من التكاذب المشترك: قد يكون 
زعتر مغرماً بالفعل بسهامء لكنه إنما يريد أن 
يتزوجها ضمن إطار مفهومه للصعود الطبقي» 
وشيئاً فشيئاً قد تقع سهام في غرام زعتر» لكن 
السبب الأساسي لقبولها الزواج منه يكمن في 
رغبتها في الحصول على حياة أفضل. ولعل 
أهمية علي بدرخان كمخرج (يعرف كيف 
يتعامل مع عواطف شخصياته. أكثر مما مع 
صراعاتها. أو أكثر مما يعرف كيف يتعامل مع 
مسيرة النص الذي بين يديه) أهميته تكمن في 
قدرته الفائقة على ضبط تلك العلاقة والإمساك 
بهاء في شكل يمكنه أن يكون نادراً في السينما 
المصرية. 


اا 


لكن فضيلة «أهل القمة» لا تقف عند هذه 
الحدود؛ بل هي تمتد لتشمل كذلك «اللغة 
السينمائية» بالمعنى التقني للكلمة. أعني أن 
المخرج عرف هنا كيف يقيم توازناً خلاقاً 
بين المسموع والمرئي على الشاشة: بين 
الحوار من جهة؛ وبين الصورة بعنصريها: 
عنصر المناخ العام للأشياء التي تظهر على 
الشاشة؛ وعنصر التعبير على الوجوه. ولئن 
كان جزء كبير من الفضل في هذا يعود لأداء 
الممثلين الرئيسيين عزت العلايلي وسعاد 
حسني» ويدرجة أقل نور الشريف. فإن 
المخرج عرف كيف يوظف طاقاته الإبداعية 
لالتقاط أقصى ما يمكن لوجوه شخصياته 
أن تقدمه (نظرة العلايلي إلى زغلول رأفت 
في آخر لقاء بينهما - نظرة سعاد حسني إلى 
البيعيد المجهول في حوارها مع زعتر عندما 
عادت إليه لتطلب منه تزوجهاء ونظرة سعاد 
حسني كذلك. نظرة غريبة هي بين القلق والندم 
والفرح بالأمر الواقع» في آخر صورة لها تظهر 
على الشاشة). من هنا يلعب المرئي (العنصر 
البصري) في «أهل القمة» دوراً أساسياًء تؤكده 
لقطتا الفيلم الأولى والأخيرة. 0 

باختصار قد يكون «أهل القمة؛ فيلماً 
تنفيسياً على صعيد مضمونه؛ وقد يكون ذا 
نيات طيبة من ذلك النوع الذي يفرش درب 
الجحيم. وقد يكون؛ بمعنى من المعاني» قادرا 
على دعم الانفتاح بالوقوف فيه إلى جانب 
الأسماك الصغيرة ضد الكبيرة» أكثر مما هو 
قادر على فضح ما هو مفضوح سلفاً. 


الأيام الأيام 








«الأيام الأيام» 
٠ )1 9177‏ د.,ألوان) 
إخراج: أحمد المعنوني 
قصة وسيناريو وحوار: أحمد المعنوني 
تصوير: أحمد المعنوني 
موسيقى: ناس الغيوان 
تمثيل: عبد الوهاب بن عبد الكريم وأسرته 
عنصران أساسيان يحملهما هذا الفيلم 


الطويل الذي كان «الروائي» الأول لمخرجه 
وشكل إحدى مفاجآت مهرجان قرطاج 
السينمائي الكبرى حين عرض فيه؛ ممثلاً 
المغرب. في العام 1417/8: أولاً» هجرة الشبان 
المغاربة إلى أوروباء ولا سيّما إلى فرنسا؛ 
وثاني موسيقى فرقة ناس الغيوان التي كانت 
في ذلك الحين قد حدّئت الموسيقى المحلية 
المغربية وأوصلتها إلى العالمية. ومن الواضح 
أن هذين العنصرين كانا أصلاً في خلفية 
الفيلم» وفي خلفية الرغبة الصارمة التي دفعت 
المعنوني إلى تحقيقه. 

والحقيقة أن هذين العنصرين كانا أيضاً في 
خلفية السمة الأساسية التي اتخذها الفيلم. 
فهو من باب أولىء فيلم روائي. ومع هذا من 
الصعب أن نعثر على رواية فيه. وهو خال من 
الممثلين» ويكاد يكون خالياً من الحوارات» 
وخالياً من العلاقات» وحتى من الحكايات. ثم 
على رغم «نضاليته» الاجتماعية يبدو خالياً من 
الصراعات. فهو أولاً وأخيراً فيلم عن الانتظار. 
عن الزمن وعن الأيام ما يربطه مباشرة بعنوانه 


0/4 


المأخوذ أصلاً من عنوان واحدة من أشهر 
أغاني «ناس الغيوان»: انتظار عبد الودود كي 
يأتي دوره هو الآخر ليرحل إلى فرنسا بدوره» 
أسوة بما فعل من قبله أخوه الأكبر عبد الواحده 
وسيفعل تباعاً بعده بقية الصبيان الستة» أمام 
انتظار إلزام حليمة التي تراقب ذلك الرحيل 
المتكرر بحزن لا ينضب ولا سيّما بعد رحيل 
الأب عن هذا العالم. 

من ناحية مبدثية» ما يحدث لهذه العائلة 
«غادي؛ للغاية بالنسبة إلى مجتمع الريف 
المغربي الفقير» وأحمد المعنونى لا يحاول 
هنا آن يوه إداتة لأحد يسيب ما يتحلات: 
ولا يحاول أن يغط. إنه يكتفي بكاميرا تكاد 
تكون وثائقية ومشاهد تكاد تكون احتفالية 
في الوقت نفسه» برصد يوميات عبد الودود. 
وصمت الأم العنيف» والملل المتواصل في 
ريف لم يعد في إمكانه أن يعطي أبناءه سوى 
جماله. 

على هذا النحوء بلغة شاعرية شبه صامتة 
وحزيئة بسمو لا ينسى» يتسلل المعنوني في 
الفيلم إلى عالم الريف المغربيء ليقدم من 
خلال حكاية عبد الودود صورة غير عادية 
لعالم عادي: عالم الريف المقموع المفرم 
من أبنائه. ولقد قال المعنوني عن فيلمه: 
«مسيرتي الأولى في الفيلم مسيرة وثائقية. 
كان المهم بالنسبة إليّ الاقتراب من داخل 
الموقف والمشكل. لقد وضعت السيناريو 
بنفسي كسيناريو لفيلم وثائقي» ولكنه ما إن 
بدأ يتحول إلى فيلم» حتى تحول تلقائياً إلى 
عمل روائيء أو لنقل إلى مسيرة ذاهبة غادية 


باب الحديد 





داخل المجتمع الفلاحي. في البداية انطلقت 
إلى الأبحاث. وفي هذا المجال لعبت ذاكرتي 
دوراً كبيراً. وأنا أعتبر الفيلم فيلماً عن الريف. 
عن الوضع المتدهور للحياة الفلاحية.. علما 
بأن ٠ل‏ بالمئة من حجم مجتمعنا ومجتمعات 
العالم الثالث» عموماء فلاحي. وكل شخصيتنا 
وثقافتنا تنطلق من البيئة الفلاحية. وأنا أعتقد 
أن وصولنا إلى بحث المشاكل الفلاحية معناه 
أننا وصلنا إلى لب المشكلات التي يعاني منها 
مجتمعناا. 


«ياب الحديد» 





)١96/(‏ 6 . (أسود وأبييض) 
إخراج: يوك كاهيق 
قصة وسيناريو: عبد الحي أديب 
تصوير: مسعود عيسى 
موسيقى: فؤاد الظاهري 


تمثيل: هند رستم» يوسف شاهين. فريد شوقي 


قبل «باب الحديد» الفيلم الذي حققه في 
العام 1904» لم يكن يوسف شاهين رأى 
حاجة إلى أن يمثل بنفسه؛ في أيّ من أفلامه. 
صحيح أنه كان درس التمثيل؛ لا الإخراج» في 
الولايات المتحدة الأمريكية» لكنه حين عاد 
منهاء أواخر سنوات الأربعين عاد مخرجاء ثم 
في الأفلام العشرة التي حققهاء من قبل «باب 
الحديدة؛ استنكف عن ممارسة هوايته أو 
لعلها حرفته الحقيقية» مكتفياً بالوقوف وراء 


 ,4 


الكاميراء متطلعاًء في بعض أفلامه لا فيها 
كلها على أية حال إلى أن يثبّتَ قدميه في فن 
الإخراج» كما إلى أن يحدث تغييراً نوعياً في 
مسار الإنتاج السينمائي المصري. مثله في هذا 
مثل زملائه المعاصرين ومنهم صلاح أبو سيف 
وكمال الشيخ ولاحقاً - بعض الشيء - توفيق 
صالح. ولكن لأن الرياح تجري بما لا تشتهي 
السفن» حدث لشاهين - مثلما حدث لبعض 
زملائه هؤلاء - أن وجد نفسه يخوض ما كان 
يعتبر في ذلك الحين سينما تجارية جماهيرية: 
من دون أن ينجح فيها حقاًء نجاح بعض كبار 
أعلامها. 


وهكذاء كان من السهل على شاهين» ولأنه 
لم ينجح تجارياء أن يعود ذات عام أدراجه إلى 
هواه السينمائي الحقيقي محاولاً تحقيق أفلام 
تقول ما يريد قوله كفنان حقيقي. صحيح أن 
الفشل التجاري لواحدة من أبرز محاولاته 
«باب الحديد؛ تحديداً كان مدوّياًء ولكن 
الفيلم» بقي مع ذلك» علامة أساسية كبرى في 
تاريخ السينما المصرية» وأحد الأعمال الكبرى 
في تاريخ السينما بشكل عام. 


ولئن كان يوسف شاهين مثل بنفسه الدور 
الرئيس في هذا الفيلم» فما هذا إلا لأنه رأى 
الارتباط بما هو ذاتي لديه» وعام في الفيلم 
وموضوعه. من الضخامة بحيث يعجز أي 
ممثل آخر عن القيام بالدور. وهو أمر عاد 
إليه شاهين لاحقاًء أي بعد زمن طويل في 
واحد من أفلامه الأكثر ذاتية #إسكندرية كمان 
وكمان» الذي مثله بنفسه. في وقت تجده في 


باب الحديد 





أفلام «ذاتية» أخرى له مثل #الإسكندرية 
ليه ؟) و«حدوتة مصرية» كما في الفيلم الخاتم 
لرباعيته الذاتية هذه «الإسكندرية/ نيويورك». 
الشريف ثم محمود حميدة)؛ تمثيل شخصيته 
على الشاشة 

في «باب الحديد» كان من المستحيل على 
أي ممثل آخرء إذأء أن يلعب دور قناوي. ٠.‏ ومن 
هنا التصقت شخصية يوسف شاهين بالدور 
إلى الأبد. وهان قر الزمية مع عرض الفيلم 
عشرات المرات على الشاشة الصغيرة قبل 
الكبيرة» صارت صورة قناويء في الأذهمان 
العامة؛ هي هي صورة شاهين. وليس في 
الأمر مصادفة» حتى وإن كان ثمة ألف بعد 
وبعد يفرق» بين الشخصين: بين بائع الصضحف 
البائس المحروم المثبط اجتماعيا وجنسياء 
والذي يتتهي به الأمر إلى «قتل؟ محبوبته لأنها 
لا 2 تستجيب إليه» وبين المخرج الناجح الآتي 

مق أنريكا والستاار فى طريقه لضب واجذاً 
من أبرز المخرجين في مسار السينما المصرية 
والعالمية. 

فهل تكفي هذه الفوارق حقاء لتقول إن 
شاهين أعار جسده وشكله الخارجي لقناوي؟ 
نشك في هذاء وذلك في كل بساطة؛ لأن 
قناوي» في أعماقه؛ في هواجسه. في تلعثمه 
يشبه شاهين وكأنه قرين حقيقي له. ولمَّ 
لا نقول إن شاهين في هذا الفيلم الاستثنائي» 
إنما اخترع قناوي معيداً اختراع ذاته الخاصة 
ليستلب من خلاله رغباته وأحلامه وهواجسه: 
ليقتل من خلاله؛ لِيَجِنْ من خلاله ليتلعثم 


من خلاله, في عملية إسقاط استثنائية» ذكية 
أو عفوية لا يهم! محورها تحميل الشخصية 
السينمائية» التي لا تعاقب على ما تقترف في 
الواقع» وزرٌ ما كان شاهين يود أن يفعله في 
تلك المرحلة الحاسمة من حياته. صحيح أن 
مثل هذه الفرضية يستدعي النظر إلى الفيلم 
نظرة عيادية ديوانية فرويدية خالصة:» قد تبعده 
بعض الشيء من محموله الفني؛ لكنها فرضية 
مغرية في الأحوال كافة. 

الحم لي الأسز على أراعدا ب خوان 
يوسف شاهين حقق هذا | الفيلم» في مرحلة 
كان من الصعبء اجتماعياً وسياسيا اعتبارها 
ملائمة تماماً. فالثورة المصرية التي كان شاهين 
من أنصارها والمؤمنين بها كانت بدأت تحقق 
انتصاراتها الكبرى» وكان البحث عن الإنسان 
الجديد أو عن أفكار تردف ولادة الإنسان 
الجديد هاجس الثورة وهاجس المثقفين 
المتحمسين لها. 

وهذا الإنسان الجديد نجده؛ من ناحية 
متمثلاً ب أبو سريع» الحمّال والنقابي في الفيلم» 
فريد شوقي الذي يسعى إلى تجميع العمال 
في نقابة في محطة القاهرة الرئيسة للسكك 
الحديد» تنال لهم حقوقهم؛ وربما أيضاً في 
هنومة» بنت الحثالة المتحررة بعض الشيء 
والتي تعيش بفضل عملهاء وفي أمل بأن يحبها 
ار ويتزوجها. والحال أن بهاء هند رستم 
مؤدية الدورء وثقتها بنفسها كان لهما دور كبير 
في توصيف الشخصية وتنميطها رمزياً. بل إن 
كل ما في الفيلم منحطٌ رمزياً: من «أبو سريع» 
إلى هنومة» ومن المحطة إلى عالمها القاهمري 


باب الحديد 





باب القاهرة وليس داخلها النابض الحي... 
كل هذا يشتغل رمزياًء باستئناء قناوي. فهل 
كان هذا تناقضاً غير واع» أم كان مقصوداً؟ 
سؤال يصعب حتى على شاهين؛ اليوم الإجابة 
عنه. فهل نفترض أن قناوي كان السؤال الماكر 
والأبدي الذي يطرحه المثقف وسط الاحتفال 
بدهشة: إذا كان كل شيء على ما يرام؛ من 
أين يأتي هذا الحزن يا ترى؟ من أين يأتي هذا 
القلق؟ سؤال ماكر؟ ربما كان أكثر من ماكر 
حتى . 

أحداث «باب الحديد» تدور خلال يوم 
واحدء؛ وفي مكان واحد: محطة القطار. 
ولقد عرفت كاميرا شاهين كيف تصور عالم 
المحطة. كيف تصور نضالات أبو سريع» 
ودلال هنومة وهي منصرفة إلى كسب رزقها. 
صورت الكاميراء حياة البشرء الحثالة والذين 
هم أفضل من حثالة» لكنها لم تغفل لحظة 
عن حياة حثالة الحثالة: قناوي مع أنه كبائع 
صحفء. يفترض به أن يكون, هناء حامل 
المعرفة للآخرين... وهذا الأمر نفسه ليس 
مصادفة إذا أدركنا أن شاهين في سينماه كلهاء 
حتى «المصير» لم يكف عن توجيه إصبع 
الإدانة والتأنيب إلى المثقفين؛ إلى حاملي 
المعرفة الذين لا يتوقفون عن خيانة مهمتهم. 

قناوي يعيش كالآخرين حياته اليومية هناء 
لكنه في أعماقه يحب هنومة؛ أو لعلّه لا يعرف 
كيف يحب: إنه مُسْتَلَبٌ جنسياء ويبحث لدى 
الفاتنة عن لحظة حنان. لكن هنومة تحب 
أبو سريع وتبغي الزواج منه. تعامل قناوي 


م١‎ 


بلطفء لكنها بعيدة جداًء بالطيع؛ عن فكرة 
الارتباط به. فهي حثالة وهو أقل من الحثالة. 

هي عاقلة وهو مجنون. ثم هي مرتبطة 
بآخر. من هنا حين يصارحها قناوي أخيراً 
برغبته فيها لا بحبّه تصدّه فيقرر قتلها. قناوي 
لا يقتلها وهذا ضعف في الفيلم طبعاً بل يقتل 
أخرى بدلاً منهاء على سبيل الخطأء وينتهي 
الأمرء مع انتهاء اليوم» بالقبض عليه وإلباسه 
رداء المجانين. فهل هو المجنون حقاء هناء أم 
أنه العاقل الوحيد الذي لا يعرف ما يريد حقاًء 
وسط عالم مجنون؟ سؤال يظل معلقاًء لن 
يجيب عنه شاهين مباشرة. ولكن من المؤكد 
أنه سيجيب عنه في أعمال لاحقة له وهذه 
حكاية أخرى بالطبع. 

عندما حقق شاهين باب الحديد؟ كان في 
حوالى الثلاثين من عمرهء وكان حقق أفلاماً 
أكسبته شهرة فنية» وأخرى حققت له بعض 
الشهرة الجماهيرية. لكنه كان لا يزال يبحث 
عن نفسه وعن فنّه. هل تراه وجدهما؟ 

ولثن كان #باب الحديد» اعتّبر دائماً» 
واحداً من أفضل عشرين فيلماً حققت في 
تاريخ السينما العربية» فإن الفيلم لا يزال 
عصياً تماماً على التحليل» يحمل أبعاداً عدة 
قد يبدو معظمها متناقضاً مع نفسه» ويحمل 
الكثير من التساؤلات التي طرحناها حول تلك 
الرغبة التي أوحت لشاهين بتحقيق فيلم على 
تلك القسوة والغرابة في ذلك الزمن بالذات» 
ولنذكر هنا على سبيل المقارنة ومن دون 
تعليق» أن تلك الفترة كانت نفسها التي ولدت 


باب الشمس 





الأكثر قلقاً مثل «الطريق» و#اللص والكلاب». 


اباب الشمس» 








6.4 د. (ألوان) 
إخراج: يسري نصر الله 
سيناريو: نصر الله محمد سويد, الياس خوري 
قصة: اليباس خوري 
تصوير: سمير بهزان 
موسيقى: تامر كروان 


تمثيل: ريم تركي» باسل خياط؛ نادرة عمران 


قبل سنوات» حينما صفقت القاعة الرئيسة 
في قصر مهرجان «كان؛ بالإجماع لفيلم 
«العناية الإلهية» للفلسطيني إيليا سليمان» كان 
من الواضح أن التصفيق يعني» في ما يعنيهء أن 
السينما الفلسطينية» كما بات يصنعها فنانون من 
طراز إيليا سليمان وميشيل خليفي ومي مصري 
ورشيد مشهراويء تجاوزت أخيراً وبالفعل 
مسارها القديم الذي كان همه الدائم أن يتوغل 
في الماضي ليحاكمه بادثاً دائماً من الصفر في 
حركة كانت باتت روتينية وتبدو بلا نهاية. مع 
أفلام هؤلاء المخرجين وعلى رأسهم, في 
ذلك الحين. إيليا سليمان» كان لا بد من أن 
يقول أحد ما: ها هم السينمائيون الفلسطينيون 
يبنون مستقبل سينماهم» وبالتالي مستقبلهم» 
فيما لا نزال نحاول نحن العرب الآخرين؛ أن 
ننسى ماضينا... بلا جدوى. ونسيان الماضي 


م 


يقوم في هذا المجال على التوقف عن لعبة 
البدء دائماً من الصفر. 

في فيلم #باب الشمس» للمخرج المصري 
يسري نصر الله والمأخوذ عن رواية بالعنوان 
نفسه للكاتب اللبناني الياس الخوريء يحاكم 
«البطل» الرئيس فيهاء وهو واقع ضحية غيبوبة 
طويلة» من جانب الآخرين ومنهم صديقه 
وربيبه خليل وزوجته نهيلة» لأنه كان يدعو 
دائماً إلى البدء من الصفر بعد كل هزيمة أو 
مذبحة. المحاكمة حادة وهي تطاول من 
خلال تلك الشخصية» يونسء أجيالاً بأكملها: 
حادة وصائبة في جوهرهاء ولكنها غير عادلة 
على الإطلاق من صانعي الفيلم» لأنهم: هم 
بدورهم أيضاً يقترفون الخطأ نفسه: يبدأون 
أيضاً من الصفر... وكأن هذا الفيلم وهذه 
الرواية يتطلعان إلى قول «كل شيء؛ لأن 
«أحداً» لم يقله من قبل. ١‏ 

والمشكلة الأساس هنا هي أن من يريد قول 
كل شيء؛ ينتهي به الأمر إلى ألا يقول شيئاً. 
أما المشكلة الأخرى فهي أن كل ما في #باب 
الشمس؛ كان قيل من قبل وفي سيئما عربية لم 
تتوقف عن اجترار تارييخها ومحاكمته في لعبة 
انعكست حتى على المسلسلات التلفزيونية. 
وذكر المسلسلات التلفزيونية - ولا سيّما 
السورية التاريخية التى تطاول القرن العشرين 
تحديداً - ليس مصادفة هنا. ذلك أن التطويل 
والحشو في الفيلم يذكّر حقاً بتلك المسلسلات 
التي تبدأ... من دون أن تنتهي. 

#باب الشمس» إِذأ يريد أن يحكي خمسين 
عاماً من تاريخ فلسطين: نصف قرن تبدأ بزواج 


باب الشمس 





يونس - الفتى المجاهد ‏ ابن السادسة عشرة» 
بالطفلة نهيلة - ابنة الثانية عشرة - لتنتهي 
بموت يونس على سرير غيبوبته» مروراً بضياع 
فلسطين ومشاهد المنفى واللجوء (أجمل 
ماافي الفيلم)... قفزاً إلى وصول اللاجئين 
والمقاومين إلى لبنان» ومن بينهم يونسء الذي 
ينفصل بذلك عن زوجته نهيلة وعن طفله 
الأول منها. لكن يونس ونهيلة - التي تبقى في 
الداخل - يدبّران» طوال فترة من الزمن طويلة» 
أمر لقائهما داخل فلسطين في مغارة يطلقان 
عليها اسم #باب الشمس»» وعليها سينتهي 
الفيلم - في شكل لا يخلو من افتعال -. 

والفيلم ضمن هذا الإطار. يتكون على 
طول ساعاته الأربع والنصف والطويلة - بأي 
معنى تشاؤون - على امتداد قرون من الزمن» 
يتكون من رحلات مكوكية عدة: بين خاص 
يونس/ نهيلة؛ وعام فلسطين؛ بين حاضر 
غيبوبة يونس وماضي حبه لنهيلة: بين أرض 
الوطن المسلوب» وأرض المنفى التي يقول 
لنا الفيلم إنها لم تكن ودودة كما ينبغي. وهذه 
الرحلات المكوكية كلها تتم عبر سلسلة من 
المشاهد الارتجاعية ‏ فلاش باك التي تروى 
لنا من خلال مونولوغ طويل يوجهه الطبيب 
الشاب خليل إلى أبيه بالتبني يونس» فيما هذا 
صريع الكوما. 

إذأء معظم الحكاية يروى لنا هنا من طريق 
خليل؛ الذي تشغل حكايته هو الآخر معظم 
الجزء الثاني من الفيلم. وإذا كان من الصعب 
العثور» حقاًء على خيط يربط بين حكاية يونس 
وحكاية خليل؛ فإن من المنطقي أن نفكر بأن 


تذذا 


الخيط لن يكون سوى فلسطينء فهل هذا يكفي 
كمبرر درامي؟ 

سؤال لا يتوقف المتفرج عن طرحه على 
نفسه ولا سيّما حيئما يغرق في تشعبات 
حكاية يبدو التفاوت فيها واضحاً بقوة بين 
عمل سينمائي حقيقي - يصل أحياناً إلى أعلى 
ذرى الشاعرية؛ وأحياناً إلى مستويات تقنية 
عالية ندر أن بلغها أي فيلم عربي من قبل -؛ 
وبين سيناريو مفكك من الصعب عليه أن يكون 

ومن الواضح أن المشكل الأساس هنا 
يكمن في الثقل الأدبي للعمل ككل. هذا 
الثقل الذي تجلى في لحظات السرد الطويلة 
والمملة - من خليل دائماً» ومن نهيلة في 
مشهد أخير من الفيلم تحاكم فيه زوجها 
وغيابه في نضاله» غير المجديء هو المنفيء 
فيما آثرت هي البقاء في الداخل وعملت مع 
«اليهرد؛ وتمكنت من أن تربي وتعيل جماعة 
الأطفال الذين كانت تنجب واحداً منهم؛ إذ 
تحمل من زوجها في كل مرة يلتقيان فيها في 
المغارة » هذا الثقل كان واضحا طوال مجرى 
الفيلم» وضوح ثقل التاريخ الذي أراد النص أن 
يرويه. 

وفي يقيئنا أن التفاوت الذي نذكره هنا 
إنما يؤكد» من جديدء أن يسري نصر الله هو 
من طينة السينمائيين المؤلفين - أي الذين 
لا يحققون أفلامهم إلا انطلاقاً من نصوص 
وسيناريوات يكتبونها بأنفسهم (#مرسيدس» 
و#سرقات صيفية» وحتى #صبيان وينات؛» 
أفلامه القديمة تأتي لتؤكد هذا). لذا كان من 


باب الشمس 





غير المنطقي له أن يغوص في أدغال موضوع 
ليس له... موضوع من الواضح أن ما حمّسه 
إلى الخوض فيهء هو تلك الرغبة التي تخامر 
عادة» عدداً كبير أمن المبدعين العرب» بتحقيق 
«ملحمة فلسطين الكبرى»... تماماً كما 
خامرت دائماً كل الكتّاب العرب رغبة كتابة 
«تغريبة فلسطين؟. 

غير أن هؤلاء وأولئك؛ فاتهم - للأسف - 
أن تصوير فلسطينء كتابة أو سينمائياء لا يمكن 
أن يكون على شكل عمل إجمالي: فلسطين 
هي أساساًفي التفاصيل. مافي 
فلسطين ‏ الذي يفترض أن يشكل مسار 
العمل» نظرياً ‏ لا تمكن رؤيته - وإبداعه 
بالتالي - إلا من لال تصورنا لمستقبلها. 
على التفاصيل. وإدراك جوهر هذه التفاصيل 
وضرورتهاء ثم فاعليتها الإبداعية لا يتعين 
عليه؛ أبداء أن ينسى استحالة كتابة الملحمة 
هو أنها موجودة بالفعل: في عشرات الأعمال 
التي كُتبت من قبلء منذ غسان كنفاني ونبيل 
خوري إلى يحبى يخلف ورشاد أبو شاور قبل 
أن تأتي كتابات إميل حبيبي وأشعار محمود 
درويشش لتقول الشيء الآخر: تفاصيل فلسطين 
ويومياتها الراهنة بصفتها كناية. 

وأمام ضخامة هذه الأعمال. كما 
ونوعاء كان من الواضح أن كتابة #الملحمة 
الفلسطينية» لا يمكن أن تكون إلا تجميعاً 
لمقتطفات من كل تلك الأعمال. والكاتب 
الياس الخوري صاحب «باب الشمس» فعل 


م 


هذا ومهما كان رأي الآخرين وانبهارهم 
ب «باب الشمس» -» كتب عملاً هو أشبه 
بأنطولوجيا لكل الأدب الروائي - والشعري 
والسياسي حتى - الذي كتب عن فلسطين من 
قبل» محققاً مزيجاً موفقاً لكنه يخلو من أصالة 
إبداعية حقيقية - كانت ميّرت أعمالاً أخرى له 
مثل «الوجوه البيضاء؟» -. 

بكلمات أخرى ركب الكاتب اتاريخه؛ 
لفلسطينء انطلاقاً من أحداث ومشاهد 
وشخصيات مرت على القارئ اللبيب من 
قبل - في «حارة النصارى» لنبيل خوري مثلآ» 
وفي اما تبقى لكم» لغسان كنفاني وفي أعمال 
لتوفيق بركات وغيرهم -. وكانت التوليفة ذكية 
في نصها الأدبي... ومريحة لقارئ الرواية 
الذي كان يمكنه - وفق رأي ناقد مغربي 
صديق - أن يقفز عشر صفحات مقابل كل 
صفحة يق رأها وتستوقفه. 

بشري نص الله في السيتاريو كمافي 
الفيلم» لم يبدٌ موفقاً إلى هذا الحد: لقد خاض 
تحذياً مدهشاً. أراد أن يحقق فيلماً ملحمياً 
طويلا انطلاقاً من نص فيه الكثير من البلادة 
السردية» مقابل لحظات أخرى في منتهى 
الجمال... والحال أن الحجة (الملحمية» 
الدائمة التي يلجأ إليها هذا النوع من المشاريع 
هي 814003 لبرناردو برتولوتشي: تاريخ في 
خمس ساعات. 

ولكن إذا كان في إمكان يسري نصر الله 
كسينمائيء أن يقارن نفسه بمعلم السينما 
التاريخية الإيطالي الكبيرء فإن المشكلة هي 
أنه كان في حاجة إلى نص سينمائي يضاهي 


باب الشمس 





موهبته. ومن هنا كان عليه أن يخضع لواحد 
من اختيارين: فإما أن يكتب نصاً خاصاً 
عن فلسطينه الخاصة؛» كما يفعل عادة كبار 
المبدعين» وهو بالتأكيد كان قادراً على هذاء 
وإما أن يأخذ من «باب الشمس» جوهرها 
فيختصر ويختصر. وهو كان في إمكانه أن 
يختصر بالتأكيد نصف أحداث الرواية ونصف 
ساعات فيلمه» ولا سيّما منها تلك التي تعطينا 
معلومات أولية - ألم يحن الوقت لولادة 
تاريخ جديد يعيد النظر فيها؟ » أو تلك التي 
تصور «خيانات» الأنظمة مقايل ارغبات 
الناس البطولية» (وهو ما سبق أن شاهدناه 
وبالتبسيط نفسه في كل الأفلام السورية التي 
حملت تواقيع محمد ملص وأسامة محمد 
وغيرهما)... ثم بخاصة تلك الأحداث 
المقحّمة إقحاماً على السرد (حكاية شمس 
التي لا تحمل أي معنى ضمن سياق الفيلم» ثم 
حكاية زيارة الفنانة الفرنسية إلى لبئان...). إن 
كل هذا الزحام ألقى بظله الثقيل على نص كان 
شديد الازدحام بدوره. 

غير أن هذا كله كان يمكن أن يمر بسهولة 
لو كان في خدمته سيناريو مقنع يربط الأحداث 
حقاً ببعضها بعضاً موفراً لمخرج متميز من طينة 
يسري نصر الله خامة أولية يمكنه استخدامها 
بسعادة وهدوء. وفي يقيئنا أن هذا كله كان من 
شأنه أن يجعل لهذا الفيلم مكانة جيدة وكبيرة» 
ليس فقط في مسار السيئما العربية» بل أيضاً في 
مسار السينما التأريخية. 

أما بالنسبة إلى الشكل الذي أتى عليه» 
وعلى رغم لحظات سينمائية في غاية الروعة 


هم 


«مرسيدس» فإن #باب الشمس»» بدا وكأنه 
يجهل التطور الكبير الذي طرأء ليس فقط على 
مواضيع السينما الفلسطينية» بل أيضاً على 
لغتها منذ «عرس الجليل» وصولاً إلى «العناية 
الإلهية» مروراً ب «حيفا و«أطفال جبل النارة 
و«عرس رنا» وغيرها. 

فهل نخلص من هذا إلى أن الفيلم كما 
جاء في شكله النهائي أضاع جهوداً كبيرة كان 
يمكن أن تحقق فيلماً كبيراً؟ إلى حد ما أجل. 
فمن إدارة الممثلين - وبخاصة في تحريك 
ريم تركي وحلا عمران (شمس) وخليل - إلى 
تصوير سمير بهزان الذي يضاهي أي تصوير 
أوروبي مبدعء إلى اختيارات يسري نصر 
الله اللغوية» أمامنا هنا عمل فني كبير... لكنه 
يعجز في جوهره عن أن يتجاوز ما كانت قالته 
قبله بعقود أفلام «فلسطينيةة أخرى» طاولت 
هي بدورها التاريخ لتحاكمه (وعلى رأسها 
«كفرقاسم» لبرهان علوية و#المخدوعون» 
لتوفيق صالح). 

وفي يقيننا أننا حاكمنا هذا التاريخ في 
السينما والأدب حتى حدود جُلد الذات 
المقيتة... وبات علينا أن نحاكم نظرتنا إلى 
التاريخ ومحاكمتنا له. وهو أمر كان يمكن نصر 
الله أن يتنطّح إليه» ملحمياً حتى» لو أنه قدم لنا 
فلسطينه الخاصة: أي فلسطين كل واحد منا... 
وفهم الدرس الأول الذي أتى يعلّمنا إياه: لم 
يعد من الضروري لنا أن نبدأ دائماً من الصفر. 


باب المقام 





«باب المقام» 





ادليه 8 د. (ألوان) 
سيناريوى: محمد ملص. خالد خليفة 
موسيقى: مارسيل خليفة 


منذ عنوانه يضعنا فيلم محمد ملص :باب 
المقام» في قلب واحدة من سماته الأساسية: 
نزوعه إلى أن يكون فيلماً يلعب فيه المكان 
دوراً أولّ. وتتضاعف قيمة المكان في الفيلم» 
تحديداء بسبب عدم التحديد الظاهر للزمان 
فيه. فهوء حتى وإن كانت العلاقات المحددة 
زمنياً موجودة فيه من خلال أحداث معينة» 
كما من خلال الراديو الذي يبث في خلفية 
المشاهد أخباراً حول الغزو الأمريكي للعراق» 
هو فيلم يقف خارج الزمن. في اختيار متعمّد 
كما يبدوء حتى وإن كان الفيلم مأخوذاء حدثياء 

هناء رغم أن الحادثة تشكل لب الفيلم 
وموضوعه؛ واضح أن المخرجء الذي علينا أن 
نتعلم منذ «أحلام المدينة» و«الليل؟ - فيلميه 
الطويلين الأولين -» كيف نقرأ سينماه بين 
السطورء واضح أن المخرج لم يكن مبالياً 
بتاريخية الحادثة نفسهاء قدر مبالاته بأن 
ينطلق منها لكي يحقق فيلماً يقول بعض 
همومه ومشاغله. بعض هموم زمئنا العربي 
الراهمن ‏ المتواصلء ومشاغله. ولأن هذه 
الهموم لازمنية» تقف وتوقفنا معها خارج 


من حادثة حقيقية 


كلم 


التاريخ» يقفز المكان - جمالياً بين أمور 
أخرى - بوصفه العنصر الأول المهيمن على 
تركيب الفيلم. 

والمكان هو هنا باب المقام في حلب» 
الحي الشعبي المحافظ الذي يعيش أهله في 
حياتهم اليومية وعلاقاتهم وعاداتهم وكأن 
ليس ثمة في هذا العالم زمن يمر وأحداث 
تمضي. الأحداث السياسية موجودة طبعاً» 
وهي صارخة أحياناً. ويحدث لها كذلك أن 
تضع واحداً من أبناء الحي في السجن كمعتقل 
سياسي. بل هي أيضاً في خلفية - إيحائية على 
الأقل - تفسر الشرّ الذي قد نرصده في تصرف 
شخصية ثانية... غير أن هذه الأحداث سوف 
تبدو في نهاية الأمرء بعيدة من السياق العام 


ومع هذاليست خصوصية الحي 


وخصوصية المدينة» موضع الإدانة المطلقة 
هنا في شكل استئنائي» لأن المتفرج سرعان ما 
يكتشف. إذ يُعمل فكره بصورة جيدة» أن هذا 
المكان ‏ في الجانب المتعلق منه بالحدث 
الذي يشكل لبّ الفيلم - إنما هو أشبه ما يكون 
بكناية عن المجتمع الكبير. ومن هنا أيضاً 
تبرز لازمنية أكثر ضراوة» يحاول المخرج» 
إذ لا يمكنه مقاومة الأمر طويلاء أن يريطها 
بزمنية معينة: هي عبارة عن إبراز نوع من 
المقارنة - من طريق فن الغناء وردود الفعل 
تجاه تلقية وتجاهه ‏ بين الماضي والحاضر. 
والحقيقة أن مثل هذه المقارنة تتخذ في 
هذا السياق دلالة شديدة الأهمية» لأننا هنا 
موجودون في حلب» وهي واحدة من المدن 


باب المقام 





العربية القليلة التي اشتهرت أصلاً بحب أهلها 
للفن ونزوعهم إلى الطربء يستمعون إليه من 
كبار الفنانين» ويمارسونه هم أيضاً في حياتهم 
العائلية والفردية كجزء عضوي من حياتهم 
وإقبالهم على الحياة. 

بعد هذا التقديم الذي قد يبدو غامضاً لمن 
يقرأ هذا الكلام من دون أن يكون قد شاهد 
الفيلم» لا بد من توضيح الأمور بعض الشيء. 

ففيلم #باب المقام؛ المنطلق أصلاً من 
حادثة حصلت حقاً فى مدينة حلب يروي 
حكاية الحادثة: امرأة منزوجة تعيش مع 
زوجها السائق وطفليها سعيدة هانئة في عش 
الزوجية. وهيء لأنها من حلب ومن حيّ 
شعبي في المدينة؛ تتقاسم مع زوجها نوعي 
الاهتمام الرئيسيين اللذين يخرجان عن الأطر 
المحددة للعيش العائلي: هي تحب الغناء وأم 
كلثوم في شكل خاصء تسمع أغانيها وتغنيها 
لزوجها وفي خلواتهاء وتعلمها لابتيها. وهو 
يسمع نشرات الأخبار السياسية من دون 
هوادة ولا يكف عن لعن الأزمان الرديثئة. 
مثل هذا التقاسم كان يمكن له أن يمر مرور 
الكرام ويشكل عماداً لعيش مشترك في أزمان 
أخرى وفي أماكن أخرى. ولكن هنا لا بدّ من 
أن تلعب التفاصيل دورها. فللمرأة (إيمان 
وتلعب دورها سلوى جميل) أخ معتقل في 
السجن بتهمة سياسية» ولهذا تنولى هي تنشئة 
ابنته الصغيرة في بيتهاء بعدما ربت شقيقا لهذه 
الأخيرة» في انتظار أن يعود الأخ المعتقل من 
سجنه. وبين الأمور التي تربي إيمان عليها ابنة 
أخيها وكذلك ولديها هيء حب الفن الحقيقي 


يذه 


وحب الغناء. وهذا أيضاً كان من شأنه أن يكون 
أمراً مستحبّاً في حلب الماضي. وربما في 
حلب الحاضر أيضاً... لولا وجود أبو صبحي. 

أبو صبحي هو عم إيمان وحمو أخيها في 
الوقت نفسه. وهو يبدو لنا منذ البداية صارما 
قاسياء لنعرف أنه عسكري قبل أن نتأكد 
سابق يعيش إحباطاته إذ فُصل من الخدمة 
بسبب آراء سياسية (يبدو أنها في زمنها كانت 
ديمقراطية أو شيئاً من هذا القبيل» وهو أمر 
لا يظهر إلا في شكل ملتبس في مشهد لاحق 
من الفيلم). أبو صبحي إذأء إنسان محبط يرى 
أن كل أحلامه قد انهارت. فهل يمكن لمن له 
وضعية مثل هذه أن يسمح للآخرين بأن يعيشوا 
أحلامهم؟. 

تلك هيء هناء هذه المعضلة التي ستلوح 
في الفيلم؛ إنما في شكل شديد الغموض. 
والحال أن ظهورها - لمن يقرأ سيئما محمد 
ملص بين السطور - سيضفي على موضوع 
الفيلم خصوصية تفصله عن عمومية كانت 
ستبدو مفتعلة. غير أن محمد ملص يفرّق تماماً 
هناء بين خصوصية تقود الموضوع إلى متاهات 
ميلودرامية حدثية تفرض على الفيلم محدودية 
في الحدث تجرّده من أي بعد عام» وتجعل من 
قضية إيمان قضية شديدة الخصوصية؛ وبين 
خصوصية أخرى ترفد الموضوع بأبعاد تصل 
إلى ما هو واقع فعلاً في حياتنا العربية العامة. 

في هذا التفريق بدا محمد ملص يلعب فوق 
حبل مشدود. وبالتالي بدا منطقياً ميله إلى عدم 
إدانة أحد في هذا الفيلم - وهذه نقطة تحسب» 


باب المقام 





في عرفنا لمصلحته مع أن كثراً لن يغفروها 
له-. فإذا كان أبو صبحي قد تصرف كما 
تصرف, محرّضا على قتل إيمان» فليس هذا 
لأنه يمثل الشر المطلق» بل لأنه إنما يريد في 
أعماقه أن يرد على استلابه الشخصي. والشيء 
نفسه يكاد ينطبق على معظم الشخصيات 
الفاعلة في هذا العمل الذكي جداء والملتبس 
جداً في الوقت نفسه. والذكاء» والالتباس هنا 
وجهان لعملة واحدة: فمثل هذا الفيلم» بمثل 
هذا الموضوع.ء لا يمكنه إلا أن يكون الشيثين 
في الوقت نفسه. 

وانطلاقاً من هنا تصبح الحادثة نفسها 
مجرد ذريعة لتصوير مجموعة مترابطة من 
الشخصيات المحبطة والمستلبة التي تريد 
كل واحدة منها أن تلغي استلابها من خلال 
تحميله للآخر أو إلغاء هذا الآخر على اعتبار 
أنه يمثل بعض الأبعاد الخفية لفعل الاستلاب. 
وفي هذا الإطار الحدثي» يمكن منذ البداية 
الإشارة إلى أنه إذا كانت أحداث هذا النوع 
من الأفلام - الاجتماعية - تتوالى على شكل 
مفاجئ مايعطي للمشاهدة والمتابعة لذة 
خاصة. حتى ولو كانت مريرة ومدمرة: فإنه 
ليس ثمة مفاجآت هنا. فنحن منذ البداية نعرف 
أننا أمام ما يمكن أن نسميه: وقائع قتل معلن. 
مئذ البداية نعرف؛ معلوماتياً أو من طريق 
التواترء أن إيمان سوف تقتل في نهاية الأمرء 
وأن القاتل سوف يكون أخاها الأصغر. وأن 
الصمت والتواطؤ في العائلة سوف يساهمان 
حقاً في جعل تلك الجريمة ممكنة. 


44 


كل شيء في هذا الإطار واضح ومحدد 
منذ البداية» بمعنى أننا لسنا أمام فيلم بوليسي 
ولا أمام فيلم تشويق. وكذلك لا يخالجنا أي 
اعتقاد طوال ساعتي الفيلم بأن معجزة ما قد 
تأتى لتنقذ إيمان من مصيرها. وإذ كان محمد 
ملص يعرف هذا منل البداية ويعلئه من دون 
مواربة» بقي عليه - وهو ما فعله - أن يشتغل 
في شكل متواز على مستويين أعطيا الفيلم كل 
قوته وجعلاه ممكناً وأيضاً... استثنائياً إلى حد 
ما في تاريخ هذا النوع من السينما العربية: 

المستوى الأول» هو الذي يحلو لنا أن 
نسميه #تشريح قتل مرسوم سلفاً وتقود إليه 
كل دروب الفيلم» ويقودنا إليه كذلك ما نعرفه 
ويعرفه عن الحادثة الحقيقية. 

والمستوى الثاني» شكلي لكن له أهميته 
الفائقة هو الآخرء هو مستوى العلاقة مع 
المكان التي افسحنا بها هذا الكلام. فالمكان 
في #باب المقام» وكما أشرناء يلعب دوراً 
أساسياًء وليس فقط كديكور؛ بل كفضاء 
هندسي يجعل تقسيمه. طوال جزء كبير من 
الأحداث؛ ممكئاً: سواء كنا نتحدث عن 
فضاء المدينة ككلء أو عن فضاء المنازل 
والشقق. والحال أنه نادراً ما حدث في فيلم 
عربي أن لعب المكان دوراً له أهمية المكان 
المورفولوجية - وليس التشكيلية فقط - التي 
يلعبها في «باب المقام». 

بالنسبة إلى المستوى الأول سار 
محمد ملص مع موضوعه بالتدريج: بالغ 
بعض الشيء في أخذ وقته قبل أن يقدم لنا 
الشخصيات واحدة بعد الأخرى - وهي 


باب المقام 





مبالغة تتصل أصلاً بأسلوبه المعتاد والبطيء 
الذي لطالما أغاظنا في بعض لحظات 
«أحلام المدينة» و«الليل» ونعرف دائماً أنه 
من موروثات السينما السوفياتية التي تربى 
محمد ملص وغيره من السينمائيين السوريين 
عليها ‏ لكنه ما إن قدّم الشخصيات وحدّد 
موقع - ومستقبل - كل واحدة منها» حتى 
انطلق في موضوعه - الحدثي - الأساس: 
عرض علينا ما سيجره على إيمان حبها 
للغناء ولأم كلثوم... مع تفريق كان لا بد منه: 
فالعائلة» بدءاً بأبي صبحيء لم تقتل إيمان 
لأنها تحب أغنيات أم كلثوم أو تستمع إليها 
أو تغنيهاء بل لأن هذا الحب بات في رأي 
العائلة علامة. بل علامة مزدوجة: من ناحية 
على تحرّر إيمان وبالتالي إمكان أن تكون لها 
علاقة خارج حياتها الزوجية - وهو أمر عززته 
بعض الظواهر على أية حالء ما يبرئ فيلم 
محمد ملص من تعسف في الحكم قد يتهم به» 
ويعيدنا إلى فكرة ان لا أحد مداناً هنا بصورة 
مطلقة ... طالما أن لا أحد يشغف بأغاني 
أم كلثوم من دون أن يكون عاشقاًء ومن ناحية 
ثانية على فقدان زوجها شخصيته وعجزه عن 
«تأديبها» طالما أنه يغني معها. 

لكن هذا خلق» كما يخبرنا محمد ملصء» 
مجموعة متلاحقة من الاستلابات؛ التي 
يبدو كل واحد منها قادراً على تبرير الآخر... 
لتتتجاوز الإدانة» في نهاية الأمرء الأفراد إلى 
المجتمع ككل: المنظومة الاجتماعية التي 
تضطهد الأفراد من دون تفرقة؛ جاعلة بعضهم 


44 


ينتتصبون ضد بعضهم الآخر» من دون أن يخامر 
أي من هؤلاء شعور بأن ثمة شرا في الأمر. 

ولقد سبق لنا أن أشرنا إلى إحباطات 
أبو صبحيء زعيم «العشيرة» الذي يحرك 
الأمر كله ويوصله إلى نهايته المأسوية. 
ويمكن أن نشير أيضاً إلى إحباطات والد 
إيمان المريض المتواطئ بصمته مع قاتلي 
ابنته» وإحباطات أخيها الذي يجد في 
#الانتقام؟ من إيمان» تفريغاً لمشاكله الخاصة 
التي كان شيل إليه أن اتّباعه سبيل التطرف 
الديني ينقذ من مغباتها. 

كل هذا عالجه الفيلم - وتحديداً سيناريو 
الفيلم ‏ بدقة» قبل أن يأتي اشتغال محمد 
ملص عليه. ليحول الحكاية ككلء إلى 
لوحة اجتماعية قاتمة - مضموئاً وشكلاً -» 
مضموناً من ناحية أنه عرض لنا كيف أن ما من 
معجزة بدت قادرة على إنقاذ إيمان من «حكم 
الإعدام» الذي أبر م في حقهاء وشكلاً من 
ناحية أنه صوّر المديئة - أو على الأقل الأجزاء 
التي شاهدناها من حلب - كدهاليز سجن 
كبير. فأنّى ذهبت وجدت نفسك مراقباً. ثمة 
«حواجز» نظرية في كل مكان. وإيمان التي 
تعرف هذا جيداً» لا تعود قادرة على أن تعيش 
فسحة حريتها إِلّا فى الأماكن القليلة الغائصة 
بعيداً من تلك الدهلزة - بيت المغنية القديمة» 
محل بيع الأسطوانات -» ناهيك ببيتهاء مثوى 
حريتها الأخيرء الذي سرعان ما صار قبرها في 
نهاية الأمر. 

وفي طريقه. عبر الحكاية وعبر هندسة 
المكان؛ قدم محمد ملص ما يمكن اعتياره 


باب الواد سيتي 





أقوى صيحة يطلقها الفن في أيامنا العربية 
«المزدهرة» هذه ضد مكوّنات تخلّقنا الجديد: 
من النظرة الدونية التي يلقيها المجتمع على 
المرأة» إلى تسلط المجتمع بحيث لم تعد 
الأنظمة نفسها - إذيقوم المجتمع عنها 
بالمهمة القذرة - فى حاجة إلى أن تمارس 
القمع مباشرة. ومن انتشار التطرف الديني 
كردٌ على فشل الحداثة وأنظمتهاء إلى التفكك 
العائلي والأوضاع المعيشية السيئة» إلى مناقشة 
ما آل إليه حال الفن والدين في أيامنا. 

كل هذا في ساعتين تحبسان الأنفاس» 
خلاصتهما فيلم قوي؛ من الصعب - والمرّ- 
وصفه بالجمال» حتى وإن كانت لغة محمد 
ملص السينمائية - في الثلثين الأخيرين من 
الفيلم - قد عرفت كيف تسعى إلى استنباط 
مكامن الجمال. 


«باب الواد سيتي» 





(194845) 98 د. (ألوان) 
إخراج: مرزاق علواش 
قصة وسيئاريو: مرزاق علواشس 
تصوير: جاك ميريجان 
موسيقى: رشيد بحري 
تمثيل : ناديا كاسىي» ححسن عبدو» 
مبرو كِِ عيط عمارة 

في العام الذي حقق فيه مرزاق علواش 


هذا الفيلم» بعد نحو عقدين من بداياته المميزة 
في «عمر قتلته» في الأحياء نفسها من الجزائر 


العاصمة؛ وهى أحياء يعرفها جيداًء كانت 
الجزائر تغلي بعد أحداث نهاية التسعينيات» 
وكان المتطرفون الساعون وراء إسلام سياسي 
مناضل يريدون من خلاله أن يحكموا البلد. قد 
تحولوا إلى الإرهاب بعدما تمكنت السلطات 
الحاكمة من تحطيم انتصاراتهم في الانتخابات 
التشريعية بما يشبه انقلاب عسكري أفلت 
الأمور من عقالهاء وأثار حرباً أهلية كان لا بد 
للمثقفين من أن يقفوا فيها مع الطرف الأقل 
خطرا ‏ بحسب تعبير واحد منهم في ذلك 
الحين - أي مع السلطة. وكان مرزاق علواش 
واحدأ من هؤلاء. ومن هناء بعدما كان في 
«عمر قتلته» قد دق ناقوس الخطرء ها هو هذه 
المرة يدق ناقوس خخطر معاكس. 

تدور حكاية الفيلم» إذأ» في حي باب 
الواد الشعبي في الجزائر العاصمة»؛ وسط توتر 
العلاقات. أما محور الحكاية فهو بوعلام» 
الخباز الشاب الذي يعمل في تأمين الخبز في 
الفرن طوال الليل» وحين يتوجه إلى غرفته 
فوق السطوح ليستريح من عناء العمل تندلع 
أصوات مكبرات الصوت فوق السطوح في 
أذان وتلاوة قرآنية لا ينتتهيان. 

أمام هذه الأصوات يستحيل على بوعلام 
أن يجد الراحة.. وهكذا ينتهى به الأمر إلى 
انتزاع أحد المكبرات وإلقائه في البحر. وبهذا 
يكون قد وضع نفسه في صراع مع المتطرفين 
الذين يقودهم المدعو سعيد. وفي الوقت 
الذي يخضع فيه المخبز لابتزاز المتطرفين 
الذين هم الطرف الأقوى هنا في الحي. وإذ 
يضع سعيد مكبراً آخر مكان ذاك الذي رماه 


بحب السيما 


بوعلام» يكتشف أن ثمة بين أخته وبوعلام 
علاقة» وأن هذه توافيه سراً إلى غرفته. فيزداد 
«ذنب» بوعلام بهذاء ولا يكون من سعيد إلا 


أن يترصده مع رفاقه؛ ليوسعوه ضرباً حتى 


الموت. 





الناقد الراحل قصي صالح الدرويش» 
الذي يعرف الجزائر جيداً ويعرف تفاصيل 
حياته الفنية والسياسية» كتب دراسة مطولة 
في تحليل هذا الفيلم اتسمت بقدر كبير من 
الموضنوعية على الرغع من أنه كان بمودطيع 
نفسه سياسيا في المقلب المعاكس لموقع 
مرزاق علواشء وهو كتب عن الفيلم: «من 
الناحية الفنية لم يبلغ سيناريو الفيلم مرحلة 
النضج التي شاهدناها في أفلام علواش 
الثلائة الأولى» فكان من المفترضء مثلاً» 
أن تصطدم الخيوط المتوازية في الفيلم» 
فى لحظة انفجار دامية» ولكنه فضل إبقاءها 
واو الأمر الذي جعل سياق الأحداث 
الدرامي يبدو باحثاً بعض الشيء. ومع أن 
المخرج صور أبطاله» بكثير من التعاطفء بما 
في ذلك سعيد الذي اتخذ منه موقفاً سياسياً 
اجتماعيا مدنياء فإنه لم ينجح في خلق نكهة 
الطزاجة الفكهة التي تشعٌ بها صورة اعمر 
قتلته)...). 


41١ 


«يحب السيما) 





٠ )505(‏ د.(ألوان) 
إخراج: أسامة فوزي 
تأليف: هاني فوزي 
تصوير: طارق التلمساني 
موسيقى: خالد شكري 
تمثيل: ليلى علوي محمود حميدة» 
عايدة عبد العزيز 


كل شيء بدا جديداً في هذا الفيلم منذ 
عرضه للمرة الأولى. وكما يحدث لكل جديد» 
ول نيما حين يكون هذا الجديد ضادما كما 
حال لبحب السيما»» جوبه هذا الفيلم بعاصفة 
مفاجئة» وتحديداً من جانب الكنيسة القبطية 
المصرية التي لم تجد من الملائم أن يتنطح 
فيلم لتصوير حياة أسرة مسيحية مصرية على 
الشاكلة التي صورها الفيلم. 


قش اختصار قالت أوساط الكنيسة كما قال 
المعبّرون عن وجهة نظرهاء إن مثل هذه الأمور 
لا تحدث في أسرة مسيحية. فكان الجواب أن 
صانعي الفيلم» الأخوين هاني فوزي (كاتباً) 
وأسامة فوزي (مخرجا) مسيحيان ربيا في 
أسرة مسيحية وهما يعرفان عمًّا يتكلمان؛ بل 
إن الفيلم يبدو في جانب منه» أشبه بسيرة ذاتية 
للكاتب والمخرج معاء على الأقل من ناحية 
رسمه أجواء الحياة المحافظة المتقشفة داخل 
أسرة مسيحية بسيطة» كالأسرة التي يقدمها 


بحب السيما 





الفيلم» وربما أسرة صانعي الفيلم في الوقت 
سمه . 

تدور الأحداث حوالى عام 21477 في حي 
شبراء الذي عرف بكونه؛ إلى حد كبير» حياً 
مسيحياً وسط القاهرة. ومحور هذه الأحداث 
أسرة عدلي أفندي. رب العائلة المسيحى 
القبطي الذي يعمل إغِضّائياً اجتماعياً في 
إحدى المدارس. إنه» كما حال كل أرباب أَسَر 
الأقليات الذين يعيشون خوفاً دائماً» متزئّت 
اجتماعياً وغارق في الإيمان إلى درجة أنه يتبع 
إحدى نظريات الكنيسة المتطرفة التي ترى في 
العلاقة الزوجية» بين الزوجين» مجرد وسيلة 
لإنجاب الأطفال. ويطبق هذه النظرية على 
زوجته ولا سيّما خلال فترة الصيام التي تمتد 
٠5يوم.‏ 

الزوجة نعمات بروتستانتية تعمل ناظرة 
في مدرسة» تعيش تعب العمل وتربية الأسرة 
والحرمان» فتعوض ذلك بعض الشيء 
بممارسة الرسم فيما ابنهما الطفل نعيم ذو 
السنوات السبع» يعيش وسط ذلك البؤس كله 
وهو محروم حتى من إشباع هوايته بمشاهدة 
الأفلام السينمائية» حتى ولو على الشاشة 
الصغيرة التي لا وجود لها في البيت. وكما 
يحدث في مثل هذه الحالات» يتسلل نعيم 
بين الحين والآخر لمشاهدة الأقلام. أما الأم 
فإن هوايتها الرسم تقودها إلى أحضان مفتش 
الرسم في المدرسة الذي يكتشف أنوثتها. 

وهكذاء انطلاقاً من تزمّت الأب» يغالى 
الفتى فى اكتشافه للسينما والصور العارية» كما 
الأم في الخطيثة... ولكن لاحقأء سوف 


عع 


047 


يكتشف الأب أن تزمّته وقسوته يكادان يدمّران 
أسرته وحياته» ولا سيّما بعد مشادة تقوده 
وناظر المدرسة إلى قسم الشرطة: حيث يصاب 
بأزمة قلبية. بعد هذا تتغير مواقفه» ولا سيّما إذ 
يشتري جهاز تلفزة للبيت ويصحب نعيم إلى 
دار السينماء كما يصحب الأسرة كلها إلى 
المصيف. ولكن في وسط هذا التبدل كله» 
يموت عدلي أفندي في اليوم الذي يتنحى فيه 
جمال عبد الناصر عن الحكم عقب هزيمة 
حزيران/ يونيو/951١.‏ 

طبعاً لا يمكن لهذا التلخيص السريع أن 
يكشف عن كل ما في هذا الفيلم من غنى» 
سواء على صعيد الموضوع. بما في ذلك 
رموزه المرتبطة بالتاريخ المصري الحديث. 
أو على صعيد رسم الشخصيات. التي ساعد 
المخرج في تقديمها ممثلون كبار ولا سيّما 
محمود حميدة في دور عدليء وليلى علوي 
(نعمات)... غير أن الأهم من هذا هو أن 
«بحب السيماة دخلء وربما للمرة الأولى 
في تاريخ السينئما المصرية» إلى أوساط عائلة 
مسيحية في عمل جدي ومحاولة ‏ تبدو 
سوسيولوجية إلى حد ما - لتقديم هذا العالم 
المجهولء عالم الأقباط المصريين. 

ولقد كتب الناقد كمال رمزي عن «بحب 
السيما' قائلاً: «إنه فيلم ينّسم بأجواء خاصة 
يحافظ عليها المخرج طوال زمن عرضه لذا 
فإنه يُعدٌ «عرض حال؛ ممتع ومشوق لحياة 
أسرة مصرية. قبطية) في الستينيات. لكن آفاق 
الفيلم أبعد وأعمق غوراء ذلك أنه ليس ابن 
الماضي القريب فحسبه بل هو وليد الحاضر 


البحث عن سيد مرزوق 


أيضاً. فالمتزمّت» حتى وإن كان شريفاء لا يزال 
يعيش بيننا ويحاول بالتخويف والترهيب أن 
يمنع مباهج الحياة عناء وفي مقدمتها تلك 
الإبداعات التي تغني الروح. 

في بعد من أبعاده» لا يمكن إغفال دلالة 
الإشارات المتناثرة عن عبد الناصر وعصره» 
وهي في مجملها تعبير عن سطوة النظام 
الأبوي السائد» داخل الأسرة المصرية الصغيرة 
وخارجهاء وما صوت عبد الناصر الجريح» في 
خطاب التنحي الشهير» مع غروب الشمس 
في آخر الأفق» مع تداعي صحة وبدن عدلي 
المنهك. وهو يقود الدراجة وأمامه ابنى إلا 
تعبير سيئمائي مركب وبليغ؛ عن حتمية أفول 
النظم الأبوية على كل المستويات. 


«البحث عن سيد مرزوق» 


(1491) د.(ألوان) 
إخراج: داود عبد السيد 
قصة وسيئاريو وحوار: داود عبد السيد 
تصويرة طارق التلمساني 
موسيقى: راجح داود 
تمثيل: نور الشريف» آثار الحكيم» لوسي» 
علي حسنين 

يمكن ل #مؤلف» هذا الفيلم أن يقر 


طواعية بأن فيلمه هذا مأخوذ عن فيلم لمارتن 
سكورسيزيء. وهو قول جاراه فيه عدد من 
النقاد بل قال بعضهم إنهم 5 تشفوا» الأمر 
واعتبروه مأخذاً على عبد السيد الذي كان 


فل 


يقدم هنا فيلمه الثالث في ذلك الحين؛ بعد 
#الكيت كات» و«الصعاليك» (مع صعوبة 
تحديد الترتيب الزمني لهذه الأفلام في مسار 
صانعها). 

المهم» صحيح أن ثمة بعض التشابه بين 
الفيلمين «الأمريكي والمصريء غير أن هذا 
لا يمنع من أن «البحث عن سيد مرزوق؛ فيلم 
مصري من ألفه إلى يائه» فيلم مقتبس أولاً 
وأخيراً من الواقع المصري كما أراد أن يعبّر 
عنه مبدع كان يرصد هذا الواقع بقوة ويعتبر 
سينماه وسيلة للتدخل فيه. بل لنقل إن هذا 
الفيلم» من وجهة نظر ماء قد يكون أكثر الأفلام 
التي حققت في زمنه» مصرية» وارتباطاً بتراث 
الحكي الشعبي ذي العلاقة المباشرة بألف ليلة 
وليلة والخيال السحري الذي تبدعه الشعوب 
عادة. ومن هنا حتى نقول إنه فيلم #أسطوري؛ 
خطوة نجدنا في إغراء خطوها خلال مشاهدتنا 
للفيلم» ولا سيّما في رسمه العلاقة بين يوسف 
كمال وسيد مرزوقء أو بالأحرى عالم سيد 
مرزوق. فهنا نجد أن موضوع الفيلم إنما هو 
انبهار البطل بذلك العالم الذي يبدو له غريبء 
خيالياً ساحراً آنياً من ما - وراء ما. ومع هذا لو 
تمعّنا جيدا في هذا العالم قد نجده واقعياء من 
الناحية الاجتماعية حقيقياً تعيشه شرائح عديدة 
من مجتمع بات يقوم أكثر وأكثر على التفاوتات 
الطبقية» والاحتواء من طريق الأسطرة أكثر من 
طريق القمع أو التجنيد الأيديولوجي. 

ويوسف كمال هو #موضوع؛ الأضواء 
هناء فهوء الموظف البسيط العادي الذي بعدما 
تتراكم عليه صعويات الحياة وسط مجتمع 


البحث عن سيد مرزوق 


لا يوفر لأمثاله أية إمكانية للخروج؛ كان قد 
قرر أن يختفي: أن يختفي تماماً حابساً نفسه 
وراء باب بيته طوال عشرين عاما» كوسيلة 
وحيدة للهروب من واقعه. بعد ذلك إذ كان 
يخيل إليه أن السجن الطويل قد خلّصه مما 
هو به يخرج ليجد نفسه على لقاء بالمصادفة 
مع الثري الغريب الأطوار سيد مرزوق. على 
الفور يتن يوسف كمال بسحر هذه الشخصية 
ويما يخيّل إليه أنها تحمله من ممارسة مطلقة 
للحرية والفرادة. 

والحال أن ما لا يدركه موظفنا البائس وهو 
يسعى إلى الانعتاق المطلق من طريق ارتباطه 
بهذا الشخصء هو أن هذا يعيش من التلاعب 
بالآخرين» من استغلال تلك الصورة التي 
يكوّنها عن نفسه لخلق عالم يُدخل الآخرين 
فيه. ويوسف يدخل عالم سيد بسهولة» لكنه 
لم يتنبه إلى ما كان قد قاله له واحد من رجال 
الشرطة الواضعين أنفسهم في خدمة سيد 
مرزوق: إن دخول عالمه أسهل كثيراً من 
الخروج منه. 

ومنذ دخل يوسف عالم سيد» ستبدأ في 
المقابل رحلته المستحيلة للخروج منه. غير 
أن المفيد في الأمر هو أن رحلة يوسف سوف 
تتحول في الوقت نفسه إلى رحلة بحث عن 
ذاته» ولكن وسط عالم من الأخطار والغرائب 
التي تشمل اللقاء مع سيد في قصره. ولكن 
كذلك التعرف إلى فتاة من طريق سيدء ثم اتهام 
يوسف بجريمة لم يرتكبهاء مروراً بسلسلة 
أحداث سرعان ما ستبدو غرابتها أكثر تعقيداًء 
ولكن أكثر منطقية بالتدريج؛ إذ يتأرجح الفيلم 


4 


بين عالم ليلي سوريالي وعالم واقعي مثير... 
وهكذاء إذ يسعى يوسف لفهم سيد» يجد نفسه 
وقد بات أكثر قدرة على فهم ذاته. 

هنا لا بد نا من الإشارة إلى أن هذا السرد 
لما #يحدث؛ في الفيلم» لا يجب أن يخدعنا 
ويوحي إلينا بأن الفيلم في تتابع مشاهده 
و«أحداثه» هو في حد ذاته على مثل هذه 
البساطة. على العكسء فالفيلم حافل بالتعقيد 
الذي قد يوجب على مُشاهده أن يراه أكثر 
من مرة» ليس فقط كي يفهمه؛ بل كي يعيشه 
أكثر وأكثر» وربما من طريق اختياره مع من 
يتعين عليه أن يتماهى في الفيلم. فليس من 
السهولة التماهي مع يوسف وليس من الأسهل 
التماهي مع سيد. إذ في الحالين يستوجب على 
المشاهد أن يكتشف في النهاية أن البحث - أي 
بحث - لا تكون قيمته في وصوله إلى غاية 
ماء إلى أجوبة معيئة» بل في تعلم كيفية طرح 
الأسئلة الصائبة. ولعل «الدرس؟ الوحيد الذي 
سيتعلمه سيد مرزوق في نهاية الأمرء وعند 
نهاية الفيلم» هو أن الحياة تصبح أسهل على 
العيش حين نتعلم كيف نطرح أسئلتنا ونحن 
مدركون أن الانغلاق على الذات هرباً من 
الأسئلة هو وحده ما يوصلنا إلى الفشل في 
رحلة اكتشاف الحياة» بدلاً من رحلة عيشها. 

وعن هذا الفيلم يقولالناقدعلي 
أبو شادي: «بحكم تعدد مستوياته لا يفصح 
فيلم #البحث عن سيد مرزوق؛ عن نفسه 
بسهولة رغم إيغاله في الواقعية؛ بسبب عملية 
الترميز التي بدت مكثفة وشديدة التركيز. 
فالواقع في الفيلم مجرد جسر يعبر عليه الفنان 


بداية ونهاية 


لينفذ إلى جوهر ذلك الواقع محققاً نوعاً 
من الواقعية الجّسورة التي تقف على حدود 
السوريالية من خلال استخدام منطق الحلم 
الذي قد يتحول إلى كابوس مفزغ في لحظة ماء 
من دون أن يجعل المشاهد يفقد صلته بالواقع 
المباشر بحيث يبدو الفيلم في النهاية وكأنه 
رؤية طويلة في عقل ووجدان شخص نائم». 


«بداية ونهاية) 


(19451) د. (أسود وأبييض) 
إخراج: صلاح أبو سيف 
قصة: نجيب محفوظ 
سيناريو: صلاح عز الدين 
تصوير: كمال كريم 
موسيقى: فؤاد الظاهمري 


تمثيل: فريد شوقيء عمر الشريف. آمال فريده 
سناء جميل 


من المؤكد أن المطلع بشكل جيد على 
تاريخ السينما المصرية» لن يفوته أن يلاحظ 
أن بعض أفضل أفلامهاء على تاريخها الذي 
يتجاوز الآن العقود الثمانية» إنما كانت أفلاماً 
مأخوذة من روايات أدبية» وأقل من ذلك» 
من قصص قصيرة» سواء كانت تلك الأعمال 
الأدبية لكاب مصريين وعربء أم مترجمة عن 
لغات أخرى. 

ولعل في إمكاننا أن نلاحظ هذه الظاهرة 
نفسهافي الكثير من السينمات العالمية 
الأخرىء بل إن في وسعنا التأكيد» بالنسبة إلى 


46 


السينما المصرية على الأقل؛ أن بعض أجمل 
أفلامها كان إما مقتبساً من روايات أو قصص 
لنجيب محفوظء وإما من سيناريوات كتبها 
محفوظ لروايات كتّاب آخرين. ولعل المخرج 
الذي كان أكثر ارتباطاً بنجيب محفوظ» من 
الناحية السينمائية» هو صلاح أبو سيف. مخرج 
«الواقعية؟ الكبير الذي لم يكن فقط متعاوناً مع 
نجيب محفوظ (السيئمائي»؛ بل كان كذلك» 
وكما كان عميد الرواية العربية الراحل يقول لنا 
بنفسه؛ أستاذه في فن كتابة السيناريو. 

ومع هذا كله تظل ثمة ملاحظة تفرض 
نفسها بقوة: على عكس ما يخيّل إلى كثر من 
متابعي عمل المبدعين الكبيرين الراحلين» لم 
يحقق أبو سيف سوى فيلمين مقتبسين مباشرة 
من روايتين لمحفوظ. أما التعاون الأكبر بينهما 
فكان من خلال سيناريوات كتيها هذا الأخير» 
عن روايات لإحسان عبد القدوس. أخرجها 
صلاح أبو سيف للسيئما. 

كما إن الاثنين (محفوظ وأبو سيف) تعاونا 
إما على اقتباس أفلام من أحداث واقعية» أو 
من أعمال أجنبية سواء أكانت أفلاماً أم روايات 
وما شابه ذلك. أما الفيلمان اللذان حققهما 
أبو سيف مباشرة عن روايتين لمحفوظ فهما: 
«القاهرة 47١‏ (عن «القاهرة الجديدة» التي 
كان اسمها أول الأمر «فضيحة في القاهرة») 
و«بداية ونهاية؛ عن رواية محفوظ المعروفة 
بالاسم نفسهه والتي كانت واحدة من أولى 
روايات محفوظ المعاصرة. وانطلاقاً من هنا 
يظل ثمة سؤال حائر هو: ترىء لماذا لم يكن 


بداية ونهاية 


أبو سيف هو الذي حقق قمة أعمال شاهين: 
«الثلاثية»؟ 

مهما يكن من أمرء ليس المكان هنا صالحاً 
أو كافياً لمعالجة هذا الموضوع والعثور على 
جوابء لذلك نكتفي بالحديث عن «بداية 
ونهاية» ذلك العمل - القمة في مسار كل من 
الرجلين» والمأخوذ عن الرواية نفسها التي 
ستقتبسها السيئما المكسيكية بعد صلاح 
أبو سيفء بأكثر من ثلث قرنء لتحولها بدورها 
فيلماً سينمائياً أبدلت أحداثه من القاهرة 
الشعبية إلى مكسيكو البائسة. 

ولعل من حقنا أن نذكر هنا أن هذه النسخة 
المكسيكية شاهدناها في مهرجان سينمائي 
قاهريء في الحقبة نفسها التي شاهدها فيها 
محفوظء وكان تعليقه عليها إيجابياً من 
الناحية الفنية» مع شيء من التحفظ في صدد 
«الانفلات الأخلاقي» الذي طبع النسخة 
المكسيكية» وفق رأي محفوظ نفسه. الذي قال 
هذا وابتسم يومها بمكر. 

المهم هنا هو أن صلاح أبو سيف الذي 
وضعت كتب ودراسات عدة حول تعاونه 
السينمائي مع محفوظ لم ينهل من أدب هذا 
الأخير» سوى عملين... لكنهماء بكل تأكيد 
الأكثر خطورة وجرأة بين أعمال محفوظ كافة. 
وينطبق هذاء بخاصة. على «بداية ونهاية»» إلى 
درجة يمكننا معها القول إن ههنا تكمن أمانة 
النسخة المكسيكية للعمل المحفوظيء مقارنة 
بتحفظات النسخة الأبو سيفية. 2 

كان صلاح أبو سيف»ء بعد كل شيء.؛ 
سينمائياً حقيقياًء أي من النوع الذي 


ك4 


يعرف أن نقل ميدع لعمل فني من مجال 
إبداعي إلى مجال آخرء يعطيه كل إمكان 
التصرفء ليس فقط تبعاً لرؤاه الخاصة:؛ بل 
تبعاً - حتى - للظروف الموضوعية. ومن هنا 
كان تدخله في العمل حين يحقق للسينما 
يصل في بعض الأحيان إلى مناطق عميقة. 
ولا سيّما هنا في «بداية ونهاية؛ حيث يُحدث» 
مثلاًء تبديلاً جذرياً في نهاية الرواية» وهو قال 
عن هذا: إن محفوظ هو الذي ترك لي حرية 
اختيار النهاية التي ارتأيتها». 

فالرواية تنتهي بحسنينء أحد الأخوة 
الذكور الثلاثة» وقد اعتلى السورء حيث آثر 
محفوظ أن يترك النهاية مفتوحة. أما أناء في 
الفيلي فإنني تركته يلقي بنفسه في النهرء 
انتحارا... وذلك انطلاقاً من تفسيري للرواية 
حيث إنني أرى أنه لا بد لحسنين من أن ينتحر» 
بسبب خوفه من مجابهة المجتمع». هذا ما 
يقوله صلاح أبو سيف مفسراء لكن الحقيقة 
أن أبو سيف آثر هذه النهاية الوعظية: بديلة 
من نهاية محفوظ المفتوحة التي تترك القارئ 
أمام كل الاحتمالات» ما يشي بأن ليس ثمة هنا 
وعظاً من أي نوع كان. 

رواية #بداية ونهاية» كتبها نجيب محفوظ 
عام 1447» وكان لا يزال في بداياته. ولكن 
أي بدايات؟! إن قراءة متأنية لهذا العمل بعد 
ما يقرب من ثلثي قرن» تُدهشنا بقدرة محفوظء 
ليس فقط على رسم الأحداث وملامح 
الشخصيات. بل أكثر من هذاء على التسلل إلى 
داخل كل شخصية لتصوير جزء من الأحداث 
ومعانيها من داخل الشخصية: إضافة إلى 


بداية ونهاية 





تلك الهندسة المدهشة فى تراتبية الأحداث 
وعلاقتها بالشخصيات وتطور العلاقات بين 


هذه الأخيرة. 
ومن المؤكد أن صلاح أبو سيف لم 


يظلم الرواية كثير حين خفف من جوانية 
شخصياتهاء ونسف جزءاً أساسياً من بنيانها 
الهندسي. ذلك أن «بداية ونهاية» ليست من 
الأعمال الأدبية الثانوية التي تمكن أفلمتها 
بسهولة. 

ومن هنا يكون على السينمائي البارع» 
أن يكتفى بأخذ الشخصيات والأحداث 
والعلاقات؛ لرسم مسار يدوم ساعتّي الفيلم» 
يكون مساراً شخصياً خاصاً به. 

ولعل إدراك صلاح أبو سيف لهذا الأمرء 
ومعرقته أن هذا ينطبق على الغالبية العظمى 
من روايات محفوظ الكبرى (بما في ذلك 
«زقاق المدق؟ ودخان الخليلي؟ و«الثلاثيةة 
و«الحرافيش6... إلخ)» هو ما منعه من الإمعان 
في أفلمة أدب محفوظء مكتفياً بروايات 
لاشك في أنها أقل شأناً» من ناحيتي السرد 
والهندسة» إضافة إلى ناحية التعمق في رسم 
الشخصيات. 

ومع هذا كله فإن «بداية ونهاية» فيلم كبير» 
تماما كما حال «القاهرة ...017”٠‏ وهو فيلم كبير» 
ليس طبعاً مقارنة بالأصل الأدبي الذي أخذ 
عنه» بل بسينما أبو سيف ككلء وربما بأبرز 
الأفلام «الواقعية» في تاريخ السينما المصرية. 
وهو فيلم عاشء ولا يزال يعيش» من خلال 
ارتباط ذاكرة ملايين المتفرجين العربء أولاً 
بحكايته التي تكاد تكون حكاية تتكرر في كل 


يذ 


المجتمعات العربية (وغير العربية» ومن هنا 
سهولة تحولها إلى فيلم مكسيكي...)» حكاية 
الأب الموظف البسيط الذي حين يرحل عن 
عالمنا يترك أسرته من دون معين. وحكاية الأم 
الأرملة التي» بصرامتها وحزمها تريد أن تنقذ ما 
يمكن إنقاذه منذ أدركت أن الأب لم يترك شيئاً 
وأن المعاش الذي تدفعه له الحكومة لا يمكن 
أن يؤمّن ولو الحد الأدنى من مقومات العيش. 

إن هذه الأم التي لعيت دورها أمينة 
رزق في أفضل أداء لها على الشاشة؛ تراقب 
طوال الوقت أسرتها الصغيرة وهي تهبط 
إلى الجحيم: الصبي الأكبر حسن الذي يكاد 
لا يُرى في البيت ولا يتمكن من تأمين قوت 
يومه» والصبيين الأصغرين حسين وحسنين» 
اللذين» إذ يحاول كل منهما أن يشق طريقه 
يكون القدر له بالمرصاد. 

ثم بخاصة الابنة الوحيدة نفيسة (سناء 
جميل في أروع دور نسائي على الشاشة 
المصرية) التي يقودها الفقر والدمامة واليأس 
إلى أسفل درجات ذلك الجحيم. إذأء ما 
لدينا هنا في هذا الفيلم» وهو ما يشكل قاسمه 
المشترك مع الرواية» حكاية ذلك الهبوط إلى 
الجحيم؛ تحت وطأة مجتمع لا يرحم؛ لكنه 
ليس مداناً هكذا بالمطلق» وتحت وطأة عجز 
الفرد عن تحقيق الحد الأدنى مما يصبو إليه» 
بفعل عوامل ذاتية وموضوعية. 

كان «بداية ونهاية» )١197(‏ لحظة نادرة 
في تاريخ السينما المصرية» تماماً كما كانت 
الرواية لحظة نادرة في تاريخ الأدب الروائي 
العربي. واللافت أن هذا أمر يكتشف خلال 


البريء 


السنوات الأخيرة أكثر وأكثر ما يعيد إلى هذا 
العمل» فى شكليه اعتباراً كان يستحقه» ويقول 
فيك إن اعمال محفوط الكبري» خض زاك 
استحالت أفلمتهاء كان فى وسعها أن تكون لها 
حياة جاذيذة :وغنية على الشاشة (نحياة مسعغلة 
طبعاً عن حياتها بين دفني كتاب)» حين يقيّض 
لها سينمائي من طينة صلاح أبو سيف. حتى 
ولو كتبنا مئات الصفحات تشرح كيف أن 
الفيلم نفسه. شكل خيانة ما للرواية. 


«البريء) 








٠ )1945(‏ د.,ألوان) 
إخراج: عاطف الطيب 
قصة وسيناريو وحوار: وحيد حامد 
تصوير: سعيد شيمي 
موسيقى: عمار الشريعي 
تمثيل: أحمد زكي» محمود عبد العزيز» 
إلهام شاهين» جميل راتب 


الراحل عاطف الطيبء في العام 219857 
في حاجة إلى أن يكونا عرّافين أو متنبئين 
كي يحققاء أولهما ككاتب سيناريوء والثاني 
كمخرجء ذلك الشريط الذي يعتبر منذ ذلك 
الحين واحداً من أفضل مئة فيلم حققت في 
تاريخ السينما المصرية: «البريء»» الذي قام 
بالدور الأساسي فيه الفنان الراحل أحمد زكي 
وإلى جانبه محمود عبد العزيز وإلهام شاهين 
وغيرهما. 


م4 





ذلك» وعلى الرغم من كل ما قيل لاحقاً 
من أن الفيلم أتى أشبه بنبوءة توقعت أحداثاً 
عاصفة حصلت في مصر خلال الفترة اللاحقة 
تماماً لإنتاج الفيلم وعرضه. إن أي مطّلع 
على الأوضاع المصرية في ذلك الحين؛ كان 
بوسعه أن يعرف على وجه اليقين تماماًء أن 
انفجاراً ما سبيحصل. وبالفعل أتت الانتفاضة 
يومها من حيث لم يتوقع أحد. وكان ذلك في 
صيف العام 194/7» حين اندلعت «ثورة قوات 
الأمن المركزي» في مناطق عدة من القاهرة 
والمناطق المجاورة لهاء والحقيقة أن الأمور 
كانت من التفاقم يومهاء إلى درجة أن أي امرئ 
كان في إمكانه أن يتوقع أحداثاً كبيرة من دون 
أن يعرف من أين ستأتى. أما أن يكون وحيد 
حامد وعاطف الطيب قد جعلا الانتفاضة تأتي 





البريء 





من جانب فرد من أفراد الأمن المركزي؛ في 
صدفة وعي تُسجل لمصلحة هذين المبدعين» 
من دون الزعم أن ثمة تطابقاً تاماً بين ما يرويه 
الفيلم وما حدث حقا في الشارع. 

واللافت على أي حال ما يرويه الناقد 
كمال رمزي من أنه حين تقرر عرض الفيلم» 
احتارت الرقابة في أمرهاء ما استدعى الطلب 
الرسمي من ثلاثة وزراء لمشاهدته قبل إجازة 
ذلك العرض (وزير الدفاع ووزير الداخلية 
ووزير الثقافة). ويروي رمزي أنه فيما كان 
الوزراء مجتمعين» حدث ذلك «التمرد 
الخطيرة من جنود الأمن المركزي الذين 
اندفعوا من معسكراتهم في منطقة الهرم 
وطريق القاهرة/ الإسكندرية ليحتلوا الشوارع 
الرئيسة في محافظة الجيزة» ما اضطر السلطات 
إلى إعلان حظر التجوال وإصدار الأمر لقوات 
الجيش كي تتدخل... مهما يكنء نترك هنا 
التاريخ للمؤرخين ونعود إلى الفيلم نفسه. 

في كل الحسابات» وحتى بغض النظر 
عن الصدفة التاريخية التي أضفت على فيلم 
«البريء؟ قيمة إضافية من خارجه. يمكن النظر 
إليه على أنه فيلم شديد الجرأة» وما كان يمكنه 
أن يتحقق في نظام قمعيء أو قائم على هرمية 
سلطوية ماء لكن تلك السنوات المصرية التي 
أعقبت اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات» 
كانت سنوات وعود ديمقراطية, وتسامح مع 
حرية التعبير» واستعادة الحياة الحزبية. وقد 
استغل عدد كبير من المبدعين الفرصة لقول 
كلمتهم في ما يحدث في وطنهم. وقد كان 
صناع «البريء» في عداد هؤلاء. ومن هنا 


19 


سرعان ما اتخذت حكاية فردية الطابع» سمات 
جماعية... وسمة المجاز» حتى من دون أن 
يكون في سياق الموضوع نفسه. ما يسمح بهذا 
في شكل جذري. 

فالموضوع الذي صاغه وحيد حامد يدور 
من حول فلاح بسيط وأمي يدعى أحمد سبع 
الليل (أحمد زكي) يعيش حياته في قريته 
الريفية وسط سخرية وملاحقة شبان من القرية. 
وكان من حظ سبع الليل هذا أن يجد من يدافع 
عنه ويحميه في شخص «مثقف القريةة حسين 
وعذان» وهو شاب ذو هيل #قدمية واشتراكية 


واضحة. 

وحين يجند سبع الليل في صفوف الأمن 
المركزي (بالتحديد لأنه لا يعرف القراءة 
والكتابة» كما يُحدّد!)؛ يكون أول ما يرع في 
دماغه هو أنه ججنّد كي يداقع عن الوطن ضد 
أعداء هذا الوطن... وهو كي يقوم بهذه المهمة 
بصدق وعفوية يُلحَق بمعتقل صحراوي يقوم 
فيه» مع الكثير من رفاقه جنود الأمن المركزي» 
بحراسة أعداد غير محدودة من المعتقلين. 
وهؤلاء المعتقلون - على طريقة ما يحدث 
في عدد من الأنظمة الشرق أوسطية في أيامنا 
هذه - يعتبرون من جانب النظام أعداء للوطن 
وخونة وصنيعة للأجنبي. ومن هناء بفضل 
غسيل دماغ سبع الليل ورفاقه؛ يتبنى هؤلاء 
التوصيفات التي يسبغها النظام على المعتقلين» 
إلى درجة أن سبع الليل» يتولى بنفسه قتل أحد 
المعتقلين» إذ يحاول هذا الهرب من المعتقل. 
ويكافأ الجندي «الشجاع» من رؤسائه على 


الير يء 





شجاعته هذه وهو يعتقد أن ما قام به إنما هو 
فعل نبيل لخدمة الوطن. 

هذه الحال كان يمكن أن تتواصل طويلاً 
بالنسبة إلى أحمد سبع الليل» لولا أنه يحدث 
ذات يوم أن تكون هناك موجة اعتقالات 
جديدة. وتكون المفاجأة المذهلة لأحمد سبع 
الليل أن من بين المعتقلين الشاب المثقتف 
حسين وهدان الذي كان يدافع عنه في القرية. 
هنا أمام وجود وهدان في المعتقل يبدأ الجندي 
بطرح أسئلة حارقة على نفسه: هل يمكن أن 
يكون حسين وهدانء حقآء عدواً للوطن؟ 

انطلاقاً من هذا التساؤل الذي يكتسب سبع 
الليل عبره؛ وعياً متدرجأًء لا يجد إمامه إلا أن 
يتولى حماية حسين (كما كان هذا يفعل معه 
في الماضي)» ولا سيّما حين يبدأ جنود الأمن 
المركزي» كعادتهم بضرب المعتقلين بالعصي 
وأعقاب البنادق. وإذ تتنبه القيادة في المعتقل 
إلى ما يفعله أحمد سبع الليل؛ تأمر بالقبض 
عليه وتسجنه مع حسين جنبا إلى جنب. بعد 
أن تسلبه شرائط الشجاعة التي كانت مُنحت له 
في السابق. وإذ يحدث في الزنزانة أن يموت 
حسين وهدان بعضّة ثعبان (ويبدو أن هذه 
الميتة حُلّت في السيناريو» وكاستجابة لطلب 
رقابي محدّد» محل ميتة أخرى كانت متصورة 
فى شكل مختلف». يستبد الحزن والغضب 
بأحمد سبع الليل» الذي بدلاً من التساؤلات 
وضروب الشك التي كانت تستبد به» يصل 
إلى يقين لا راد عنه: أن حسين وهدان» صديقه 
الواعيء لا يمكن أن يكون واحداً من أعداء 
الوطن» بل إن الآخرين الذين اعتقلوه وتسيبوا 


في موته هم أعداء الوطن. وأحمد إذ يصل إلى 
هذا اليقين» يقرر أن يتتقم الآن من أعداء الوطن 
الحقيقيين. وهكذا يصعد مع رشاشه وغضبه 
إلى أعلى برج في المعتقل ومن هناك يوجه 
رشاشه إلى تجمع الضباط والجنود» مطلقاً 
زخات رصاص تحصد الكثيرين منهم قبل أن 
ترديه رصاصة تطلق عليه. 

وفق الكاتب وحيد حامدء فإن منطلق 
الفيلم كان وضعية حدثت معه هو شخصياً 
وعايشها حين كان معتقلاً خلال انتفاضة 
١‏ - 18 كانون الثاني/ يناير /ا/191» غير 
أنه لم يعتمد الوضعية نفسها بل طوّرها وفي 
ذهنه - كما سيقول دائماً ‏ أن بطل الفيلم 
لن يكون سوى أحمد زكيء لأن هذا الأخير» 
يدخل به حلبة الإنتاج السينمائي عبر شركة 
كان أسّسها (لكن زكي تراجع عن إنتاج الفيلم 
لتتولاه الفنانة سميرة أحمدء مكتفياً بلعب دور 

والحقيقة أن جزءاً كبيراً من نجاح الفيلم 
وقوته يكمن في أداء أحمد زكي في دور سبع 
الليل؛ وهو أداء اعتبره النقاد أكثر من مقنع» 
إنما من دون التقليل من شأن الإخراج الواقعي 
والمتراوح بين أعلى درجات القسوة» وأطرف 
الليل)؛ حيث اعثَير الفيلم واحداً من أبرز ما 
حقق عاطف الطيب خلال حياته القصيرة» 
علماً أن عاطف الطيب» الذي انتمى إلى جيل 
#الواقعية الجديدة» في السينما المصرية - وفق 
توصيفات النقاد والمؤرخين - إلى جانب علي 


بس يا بحر 





بدرخان ومحمد خان وخيري بشارة؛ خلّف عند 
رحيله المبكر أكثر من ٠١‏ فيلماً يعتبر معظمها 
(مثل «سائق الأوتوبيس» و«التخشيبة» وهليلة 
ساخنة» و«الهروب» و«كشف المستور») من 
أفضل ما حققت السيئما المصرية خلال الربع 
الأخير من القرن العشرين. أما وحيد حامد 
الذي بدأ حياته كاتباً وصحافياء فيعتبر دائماء 
في الجيّد من سيناريواته» من أفضل ممارسي 
الكتابة السينمائية في الحقبة نفسها. 





«بس يا بحر)» 

(1/او١1)‏ 6 د. (أسود وأبيض) 

إخراج: خالد الصديق 

سيناريو: عبد الرحمن صالح؛ سعد الفرح» 
خالد الصديق» ولاء صلاح الدين 

تصوير: توفيق أمير 

موسيقى: عزيز خليفة 


تمثيل: محمد المنصورء سعد الفرج. حياة الفهد 


يكاد مصير فيلم #بس... يا بحر» للمخرج 
الكويتي خالد الصديقء يبدو مماثلاً لمصير 
فيلم «المومياء» للمصري شادي عبد السلام... 
ولا سيّما من ناحية علاقة كل من الفيلمين 
بالمهرجانات. إذء كما حال «المومياء؛ يكاد 
#بس... يا بحر» أن يكون فيلم مهرجانات أكثر 
من أي شيء آخر. فهو شوهد - وربما لا يزال 
يشاهد - في المناسبات المهرجانية منذ نحو 
أربيعين سنة» أكثر مما شوهد في أية صالات 


6١١ 


سينمائية» حتى وإن كان عرفء. في بداياته» 
إقبالاً خليجياً وبخاصة كويتياً لا بأس به. 

ولعل في إمكاننا أن نكتفي هناء للدلالة 
على ما نقول بأن الفيلم نال عدداً كبيراً من 
الجوائز العالمية في قرطاج ودمشقء كما 
عرض في إحدى تظاهرات مهرجان ١كان؛...‏ 
ويعرض في كل مناسبة يصار فيها إلى استذكار 
ماهو كلاسيكي في السينما العربية. وإلى 
سنوات قليلة كان «بس... يا بحر يعتبر أول 
و«آخر» فيلم حقق في دولة خليجية... وفي 
الكويت حيث أدى ظهوره في عام إنجازه 
وعرضه الأول 2141/7 إلى دهشة عارمة. 

غير أن هذه الدهشة لم تأتٍ فقط من كونه 
أية علاقة بالإنتاج السينمائي» بل كذلك من 
موضوعه وبيثته. فهذا الفيلم الكويتي» الذي 
حقق بشيء من التقشف أوائل سبعينيات 
القرن العشرين في واحد من أغنى بلدان العالم 
الكويت أراد في موضوعه أن يتحدث عن حقبة 
من تاريخ هذا البلد (الثلاثينيات) لم يكن فيها 
البترول والشروة قد ظهرا بعد. وكان الشعب 
يعيش من صيد اللؤلؤ من أعماق البحر كنشاط 
اقتصادي ومعيشي وحيده تقريباً. ولماكان 
ذلك الصيد يتم بوسائل بدائية تعود إلى أزمان 
قديمة جداء كان الموت غرقا صنوا للعيش» 
في معنى أن العيش بفضل استخراج اللؤلق 
كان يكلف غالياء حيث إن أحوال البحر 
وبدائية الوسائل المستخدمة» كانت فخ موت 
للصيادين. 


بس يأ بحر 





ولعل في إمكاننا أن نعيد الاسم الذي 
يعرف به البحار في منطقة الخليج (النوخذه) 
إلى ذلك الواقع. حيث إن تحليلاً بسيطاً للاسم 
سيكشفه مركباً من كلمتين: النو أي البحر 
في أحد أحواله القاسية خذه أي أخذه... إنه 
اسم يساوي مصيراً بأكمله. وهذا المصير هو 
الموضوع الأساس ل #بس... يا بحر». 

في حديث له لاحق عن ظروف وخلفيات 
تحقيقه هذا الفيلم» قال خالدالصديق» 
مخرجه والذي كان قبله قد حقق عدداً من 
الأفلام القصيرة ‏ للتلفزة بخاصة ومن 
أبرزها «الصقر» 19750: «أثناء مشاركتي في 
المهرجانات السيئنمائية الأجنبية» لمست 
أن لدى الأجانب فكرة خاطثئة عن الشعب 
الخليجيء إذ يعتقدون أنه مولود وفي فمه 
ملعقة من ذهب. لذا أردت إلقاء الضوء على 
الوضع في الخليج قبل اكتشاف البترول» حين 
كان الشعب يكافح بمرارة لمحاربة العوز 
والفقر والمعاناةة. ويومها وجد الصديق ضالته 
في نص كتبه عبد الرحمن الصالح للإذاعة 


أصلاً. 
أما الحبكة فتدور حول مجموعة من 
الشخصيات والمصائر التي تعيش اعتماداً 


على البحر وصراعاً يومياً معه. ومن خلال 
هذه الشخصيات قدم الصديق على مدى ما 
يقرب من ساعتين ما اعتبر» في شكل خاص» 
وثيقة انتروبولوجية اجتماعية نادرة. ومن 
هذه الشخصيات الأساسية #مساعد» الشاب 
العشريني وحيد والديه الذي يعيش حكاية 
حب مع نوراء وهي ابنة تاجر غني. وحكاية 


الحب هذه يجب أن تتوّج طبعاً بالزواج. ولكن 
من أين ل «مساعد» المال وهو الفقير؟ الحل 
الوحيد هو العمل. أما العمل الوحيد المتاح» 
فهو الغوص في البحر بحثاً عن اللؤلؤ. وهكذاء 
حتى وإن كان من الصعب عادة قبول فكرة أن 
يغوص في البحر ابن وحيد لوالديه؛ لا يجد 
مساعد أمامه إلا الغوص أمام رفض أبيه الذي 
كان صياداً من قبله لكن سمك القرش نهش 
ذراعه ما أصابه بالشلل. غير أن رفض الأب لن 
يدوم... إذ من أين له أن يقدم بديلد أي بديل 
لابنه. 

وينتهي الأمر هناء بأن يذهب مساعد في 
البحر» مع سفينة الصيادين» في واحدة من 
رحلات الصيد الطويلة التي تستغرق في 
العادة شهوراً. والفيلم يتابع في تلك الأثناء 
حياة الشظف التي يعيشها الوالدان» كما حياة 
البحر العنيفة والقاسية. وإذ تمضي الشهور 
لتعود السفينة فى نهاية الأمرء يكتشف الوالدان 
المفجوعان والسذة أن مساعداً لم يعد. لقد 
ابتلعته الأعماق... أخذه النو. غير أن الأدهى 
من هذا هو أن مسعى مساعد كان أصلاً من 
دون جدوى. فهو في آخحر غوص له كما 
يخبرنا الفيلم» غاص وكانت آلام الحمّى 
وحراراتها مستبدة به. غير أنه لم يبالِء إذ كان 
على يقين من أنه. هذه المرة» سيفوز باللؤلؤ 
وبالتالي بالحبيبة. ولئن كان قد التقط اللؤلؤ 
وهو في أعماق المياه بالفعل» فإن الحمّى 
والوهن ما مكّناه من الصعودء فمات هناك في 
الأعماق... إنما من دون أن يدري أن استغراق 


الرحلة زمناً طويلاً سهّل على التاجر الجشع 


بس يأ بحر 





والد نورا تزويجها من تاجر جشع آخر... 
وعجوز أيضاً! 
واضح أن هذا الموضوع يكاد يكون 
كلاسيكياً في البيئة العربية وفي تاريخ الأدب 
والمجتمع العربيين. ومن هناء فإن أهمية 
الفيلم لم تكمن؛ أساساًء في حكايته وإنما 
ار ا 0 
أسس - تقري لنزعة يمكن ان توصف 
0 في السيئما العربية. 
ومع هذا يظل من الجيد دائماً التوقف عند 
المشهد الأخير من الفيلم» المشهد الدرامي 
الفجائعي؛ الذي توقف عنده المراقبون كثيرآ» 
بل اعتبر فيه بعضهم تأسيساً طيباً لتيار قوي 
في التمثيل في الكويت. ففي هذا المشهد. 
وإذ تتكشف النهاية عن موت مساعد من دون 
تحقيق أحلامه يقف الوالد المفجوع صارخاً 
في فى البحره لائماً له بكل غضب وبأس: «لماذا 
ياابحر؟» #حرام عليك يا بحر؛... فيما أم 
مساعد مرتمية على الشاطئ الرملي تعفر 
وجهها بالتراب وتبكي صارخة أنها لا تريد 
شيثاً الآن... لا تريد سوى ولدها. ويصل هذا 
المشهد إلى ذروته حين يقترب رفيق مساعد 
من الأم محاولاً أن يعطيها حبات اللؤلؤ التي 
كان مساعد التقطهاء لكنه عجز عن الصعود من 
عمق البحر وهي في يده... فتصرخ الأم رامية 
حبات اللؤلؤ في البحر من جديد: للا... لا... 
لا أريد شيثاً... لا أريد إلا ولدي!». 
في هذا الفيلم الذي أدى الأدوار الرئيسة 
فيه عدد من الفنانين الشبان والأقل شيابا» من 
الذين كانوا قبله وسيصبحون بعده أصحاب 


الأسماء اللامعة في فن التمثيل في الكويت 
والخليج العربي عموماً من حياة الفرح وسعد 
الفرح إلى محمد المنصور وأحمد الصالح 
وأمل ونوال باقر ومحمد المنيع.... عبر 
خالد الصديق» وبقوة» عن أن تحقيق أفلام 
سينمائية حقيقية في الكويت». بل في الخليج 
العربي عموماء أمر في متناول اليدء شرط أن 
نعرف كيف تلتقط الموضوع والتص واللحظة 
الملائمة. غير أن هذا لم يت يتحقق إلا في الآونة 
الأخيرة. تحقق عبر أفلام قصيرة عدة آتية 
من كل بلد خليجي؛ ولكن كذلك عبر أفلام 
طويلة أقل عدداً بكثير حملت - من بين ما 
حملت - تواقيع عبد الله المحيسن ويسام 
الذوادي... غير أن «بس... يا بحر؛ بقي حتى 
الآن وحيداً في مجاله؛ مميزاً في أسلوبه. كما 
إن نجاحه في أورويا والبلدان العربية ولا سيّما 
في مهرجانات مثل دمشق وقرطاج؛ ظل فريداً. 

ومع هذاء فإن خالد الصديق عاد وخاض 
تجربة ثانية في مجال الفيلم الروائي الطويل» 
لكنها أتت هذه المرة تجربة سودانية. ونعني 
بهذا فيلمه #عرس الزين» الذي اقتبسه من 
رواية معروفة للكاتب السوداني الطيب صالح. 
وهذه المرة أيضاًء تمحور الأمرء عبر الحبكة 
المعروفة في الرواية» عن عمل أنثروبولوجي» 
لكنه أتى أقل دقة مما كانت عليه الأمور في 
لابس... يا بحر»... ومن هنا أتى النجاح أقل 
شأناً ل «عرس الزين؛ منه ل #بس يا بحرة. 
وكان إنتاج عرس الزين» وعرضه في العام 
/191/1. ب وين ند كير مسارم جالد 
الصديق في مجال تحقيق أفلام تنتمي إلى 


البوسطجى 


- 





السينما الروائية الطويلة» لكنه في الحقيقة لم 
يقدم على تنفيذ أي من تلك المشاريع. ومن 
هنا بقي هذان الفيلمان فريدين» وليس فقط 
في فيلموغرافيا خالد الصديق» بل كذلك في 
فيلموغرافيا البلدين اللذين ينتمي موضوع 
كل منهما إلى واحدهما والآخر: الكويت 
والسودان. أما بالنسبة إلى «بس... يا بحر 
فإنه ظل يتجول في المهرجانات... ليظل 
يطرح تساؤلات عن الأسباب التي جعلته 
تجربة فريدة في تاريخ البلد الذي أنتجه ولعقود 


)»'يجطسوبلا١«‎ 





١ )1954(‏ د.(أسود وأبيض) 
إخراج: حسين كمال 
قصة: يحيى حقي 
سيناريو: صبري موسىء دنيا اليايا 
حوار: صبريق موسى 
تصوير: مصطفى إمام 
موسيقى: إبراهيم حجاج 
تمثيل: شكري سرحان» صلاح منصورء 


زيزي مصطفى 


بقدر ماكانت قصة يحيى حقي حين 
صدرت للمرة الأولى في مجموعته دماء وطين 
مؤثرة وعميقة على ما في لغتها من اختصار» 
وفي خيكبها من قشوة جاء كيلم خسين كمال 
الثاني هذاء مؤثرا وقوياء ليقدم هذا المخرج 
الشاب في ذلك الحين عَلَّماً من أعلام سينما 


جديدة تقف» على أية حال» ضد التيار من 
عالمين سينمائيين: السيئما السائدة بكل ما فيها 
من غث وسمين؛ وصولاً إلى الابتذال أحياناء 
وسينما #ملتزمة» تحاول أن تطرح قضايا 
سياسية أو اجتماعية سجالية. في التنافس 
بين النوعين كانت القسمة واضحة: الجمهور 
العريض ( الأولى رغم هجوم النقاد المتواصل؟ 
والنقد الجيد المناصر ل الثانية رغم خيبات 
الأمل في شباك التذاكر. مع #البوسطجي» 
وغيره من أفلام راحت تتكاثر في ذلك الحين 
وينتجها القطاع العام؛ غالباً عن نصوص أدبية» 
حصلت «المعجزة الصغيرة»» وبدأت السينما 
الجادة» ذات المواضيع القوية واللغة السينمائية 
المبتكرةة تفرض خضورها على جمهون يزداد 
عرضا ووعياء ونقاد يزدادون اهتماما. 

غير أن الأهم من هذا هو أن حسين 
كمال عرف كيف يتفادىء هناء فخ الوقوع 
في أدبية النص» ومن هنا قدم لقرية متخيلة 
في الصعيد المصري صورة بصرية لا تكاد 
تحتاج كلاماً. وطلع من ممثليه بأقضل ما 
عندهم؛ وبخاصة من شكري سرحان الذي 
لعب هنا دور ذلك البوسطجي الذي ينقل 
إلى تلك القرية الصعيدية النائية» حيث 
يعيش وحدة مدهشة بعدما تغلق في وجهه 
أبواب - ونوافدذ ‏ الانفتاح على الآخرين 
المشغولين بهمومهم. وانطلاقا من وحدتف 
لا يجد عباس أفندي (سرحان) مهرباً من أن 
يلجأ إلى وسيلة تزجية الوقت الوحيدة المتاحة 
له: أن يفتح رسائل السكان ويقرأها متلصصاء 
من خلالهاء على أحوالهم. ومن بين الرسائل 


باع الخواتم 





تلك التي تكشف له عن علاقة حب بين شاب 
وفتاة من القرية» تحولت إلى علاقة جنسية 
حملت الفتاة على أثرهاء فيما سافر الشاب 
لاستكمال تعليمه في مدينة بعيدة» من دون 
أن يعرف أول الأمر أن الفتاة حامل... لكنه ما 
إن يعلم حتى يرسل إليها رسالة يقول فيها إنه 
سيعود فوراً ويطلب يدها. ولأن البوسطجي 
فتح هذه الرسالة خطأء ويخشى أن يفتضح أمر 
فتحه لهاء يمزقها ولا يوصلها إلى الفتاة. 

فى تلك الأثناء تكتشف أسرة الفتاة حكاية 
حملها: ولما كان الخطاب الذي كان من شأنه 
أن يسوي الأمور قد اختفىء لا يكون أمام 
أبي الفتاة إلا أن يقودها إلى الموت إعداماء 
تبعاً للعادات الصعيدية» أمام أهل القرية وقد 
اجتمعوا في طقس رهيب عرف حسين كمال 
كيف يصوره بروعة سينمائية نادرة. ويتم إعدام 
الفتاة الخاطئة» فيما البوسطجىء وقد أدرك ما 
فعل وأن الخطأ الذي ارتكبه كان هو ما قضى 
على الفتاة» يرمي كل الرسائل التي في حوزته 
متطايرة في الهواء... 

على الرغم من أن في الفيلم استعارات 
سينمائية عديدة» أشار إليها النقاد في حينهاء 
وكانت هي على أية حال ما أضفى على 
فيلم حسين كمال هذاء الذي أتى تالياً لفيلم 
«المستحيل» الذي كان بدوره قد اقتبسه من 
نص أدبي» ذلك المناخ البصري المدهش الذي 
أعطاه جذته؛» فإن تجديدات المخرج هذه 
والتي اكتسبت له حتى إعجاب الكاتب يحبى 
حقي نفسه. من دون تحفظء جعلته يعتبر من 
أبرز العاملين على خلق سينما مصرية جديدة» 


تنبع من حياة الناس كما هي وتصور آلامهم 
من دون تفسيرات أيديولوجية فعالة. وإلى هذا 
أُني على الفيلم يومهاء لقدرته» ولمرة نادرة 
في السينما المصرية» على تصوير:الريف الذي 
اعتبرت صورته في الفيلم حقيقية وواقعية. 


«بياع الخواتم» 





(1956) © د.(ألوان) 
قصة: صبري الشريف 
سيناريو وحوار: الأخوان رحباني 
تصوير: اندريه دوماج 
موسيقى: الأخوان رحباني 
تمثيل: فيروزء نصري شمس الدين» 

جورف عازار 


تماماً مثل صلاح الدين» الذي كان سابقة 
وآخر فيلم حققه شاهين في مصر قبل خروجه 
منهاء أوائل سنوات الستين» في زحمة من غادر 
القاهرة من بين أهل السينماء غضباً من قوانين 
التأميم الاشتراكية التي طاولت في ما طاولت 
قطاع التوزيع الذي كان أغليه في أيد غير 
مصرية» وسعياً وراء آفاق رزق جديدة تبرّّت 
بيروت في ذلك الحين مكانها الأثير» لم يكن 
فيلم «بيّاع الخواتم؛ الذي حققه شاهين في 
بيروت وعند بداية العام 19476١ء‏ فيلما له: فكما 
أن #الناصر صلاح الدين» كان من المفترض أن 
يحققه عز الدين ذو الفقار لكن مرضه أقعده 
عن ذلك فحلٌ شاهين مكانه» كذلك كان من 


بباع الخواتم 





المفروض أن يحقق لابياع الخواتم؛ مخرج 
فرنسي يدعى برنار فاريل. لكن ظروفاً معينة 
حالت دون ذلك. فكان أن جرى الاتفاق بين 
الفنانين اللبئانيين عاصي ومنصور الرحباني» 
وبين شاهين كي يحل محل فاريل. 


ونقول هذا هناء أولاً على سبيل الحقيقة 
التاريخية» وثانياً للتوطئة من أجل تفسير 
الكيفية التي تمكن بها شاهين هناء وقد صار 
في أوج نضجه.؛ من الاستحواذ على فيلم 
غير - شاهيني محولا إياه إلى فيلم شاهيني 
بامتياز. أي إنه حقق هنا ما كان عجز عن 
تحقيقه في فيلمي فريد الأطرش. ومع هذاء 
من قبل دخول شاهينء أو حتى برنار فاريل إلى 
مشروع «بيّاع الخواتم؟ كان المشروع مكتملاً. 
إذ نعرف أن هذا العمل كان في الأصل مسرحية 
استعراضية لفيروز والرحبانيين» قدمت على 
الخشبات مواسم طويلة قبل أن تولد فكرة 
تحويلها إلى فيلم سينمائي تقوم فيروز نفسها 
ببطولته. 

وشاهين كان يعرف المسرحية بالطبع؛ 
لذلك لم يتردد طويلاً قبل أن يقبل» وهو مدرك 
سلفاً أن فرصة ستتاح له هئاك كي يعوده بعد 
غيابء إلى تجاربه المحببة إليه في مجال 
تجديد لغته السينمائية» وخصوصاً أن شاهين» 
منذ «الناصر صلاح الدين» كان أضاف عنصراً 
جديدا مشجعا له هو عنصر اللون. وهو لئن 
كان في «الناصر صلاح الدين» أخفق في تطويع 
اللون تمامآء طالما أن الملابس والديكورات 
للفيلم كانت صممت ونقذت قبل وصوله. فإنه 


ل 


هنا في ابياع الخواتم؟ وجد الفرصة ملائمة 
تماماً للاشتغال على اللون. ولقد جعلت 
المصادفة شاهين يشاهد في ذلك الحين فيلماً 
فرنسياً هو «مظلات شربورغ» لجاك ديمي فاز 
في «كان؟ وجمع بين الإبداع اللوني وشاعرية 
الحوار والغناء في بوتقة واحدة كان شاهين 
يحلم بمثلها من زمن بعيد. 

وهكذاء من طريق الكاميرا واللون فقطء 
تمكن شاهين من أن يجعل «بيّاع الخواتم» 
فيلماً شاهينياً. فمن ناحية الموضوع لم يكن 
ثمة» طبعاء ما قد يغريه في حكاية راجح وريما 
والمختار والكذبة البيضاء ورقص الدبكة في 
الضيعة اللبنانية» وخصوصاً أنه لم يكن يمتلك 
أن يغير في هذا كله شيئاً. 

كان ما أغراه إذآء في مكان آخر: رفض أن 
تصور مشاهد الفيلم في قرية حقيقية - فهو 
كان يريد الاحتفاظ بالطابعين المسرحي 
والشاعري للعمل من دون أي إيهام ساذج 
بالحقيقة - وطلب أن تبنى داخل البلاتوه 
الضخم للاستديو العصري - في ضاحية 
بيروت الجنوبية ‏ قرية بكاملها من خشب 
وورق (وهي القرية التي أشرف على بنائهاء 
تحت رقابة مهندس الديكور المصري الراحل 
حبيب خوريء كاتب هذه السطور الذي كان 
عامل ديكور في ذلك الحين). 

وبناء القرية على هذا النحو أتاح لشاهين أن 
يحصر حركة كاميرته في لعبة دائرية» مكنه منها 
حجم البلاتوه الضخم وارتفاعه. ويومها بئينا 
بضعة عشر بيتاً غريبة الألوان - أرسلني شاهين 
لكي أشاهد «مظلات شربورغ؛ خمس مرات 


بياع الخواتم 





كى أتمكن لاحقاً من أن ألوّن له بيدي كل 
باب ونافذة» وأغيّر الألوان فيما الكاميرا تستعد 
للتصويرء تبعاً لتصور مسبق لعلاقة اللون 
بالمشهد ‏ وأحطنا ذلك كله بقطعة قماش 
يزيد ارتفاعها على عشرين متراً وعرضها مثتين 
طليناها بلون السماء الصافية. وعلى هذا النحو 
راحت كاميرا شاهين تنتقل بخفة من بيت إلى 
بيت ومن مشهد إلى مشهد وسط ألوان ونوافذ 
وملابس (ملوّنة) معلقة» أضفت على العمل 
كله طابع حكايات الجنء مبعدة إياه عن الواقع 
إلى أقصى الحدود. وعلى هذا النحو أعاد 
شاهين خلق العمل المعروف» مسبقاء شكلياً. 
وتمكن من أن يحرك» وسط ديكور متحرك 
ومتنقل حتى الجنونء الفنانة فيروز التي كانت 
اعتادت أن تبدو جامدة على الخشبة مكتفية 
بإيصال صوتها إلى جمهورها الذي كان يقبل 
منها أي شيء. 

إذآء بدينامية الكاميراء وبالتجارب على 
اللون» وبذلك التوحيد الذي أقامه شاهين بين 
الأشخاص المتحركين» سواء كانوا أفراداً أو 
مجاميع؛ وبانسيابية الديكورء تمكن شاهين 
من أن يخلق على الشاشة حياة» لا تزال ممتعة 
حتى اليوم حين يشاهد الفيلم. بمعنى أنه 
إذا كان شاهين قد افتقد في «بيّاع الخواتم؛ 
حرية التصرف فكريا وحتى من ناحية اختيار 
الممثلين في العمل؛ فإنه لجأ إلى الشكل 
ليعوض به هذا الافتقاد. 

ولقد نجح في هذا إلى حد كبير» إلى حد 
جعل الفيلم واحداً من أفضل الكوميديات 


الموسيقية التي أنتجتها السينما العربية في 
تاريخهاء وهو أمر لا ينبغي الاستهانة به» 
خصوصاً أن شاهين عرف إضافة إلى ذلك 
كله كيف يبقى هوليوودياً - هل كان يمكنه 
ألا يكون كذلك؟ - في الوقت الذي حافظ فيه 
على محلية التراث واللغة؛ واضعاً الكاميرا في 
خدمة هذا كله. 

وبعد هذا هل يمكن أحد أن يهتم حقاً 
بالموضوع؟ 

مهما يكن من أمرء لا بأس من التذكير 
هنا بأن فيلم «بيّاع الخواتم» كما المسرحية 
الغنائية الرحبانية التي اقتّبس منها بقسط كبير 
من الأمانة - التي أوصلت العمل إلى أن يكون 
فى لحظات منهء أقرب إلى الجمود المسرحي 
الذي كانت كاميرا شاهين الدينامية سرعان ما 
تنسفه لمصلحة لغة بصرية متحررة -» يتحدث 
عن #راجح؛ الذي سرعان ما صار في لبنان 
السياسة والمجتمع نوعاً من الشيفرة السرية/ 
العلنية المشيرة إلى الكذبة التي لفرط ما 

وكان مختار الضيعة قد اخترع تلك الكذية 
وصراعاته معها ليظهر أمام رعيته في الضيعة 
بطولاته الوهمية مقنعاً إياهم بأنه يمضي وقته 
مدافعاً عنهم ضد خطر راجح. ولكن ابنة 
أخت المختار التى تعرف أكاذيب خالها لكنها 
تسايره فيها «صوناً للمصلحة العامة تلتقي 
فعلاً براجح حقيقي ذات يوم وقد جاء إلى 
القرية حقاً... لكنه ليس راجح الخطير المجرم 
الذي «اعتاد؛ المختار «مقاومته» بل راجح من 
لحم ودم يسعى وراء رزقه... وهكذا تتكشف 


البيت الزهر 





الحقيقة. ولكن لأن المختار مختار ومن دون 
سلطته الشرعية قد تتفتّت القرية» يغفر الناس 
له أكاذيبه في الوقت الذي يكاد فيه راجح أن 
يصبح واحداً من أبناء الضيعة! ويعمّ الفرح 
والسرور والاحتفالات على الطريقة الرحبانية 
المعهودة. 

ذلكم هو الموضوع المعروف الذي من 
حوله صاغ الرحابنة مسرحيتهم وعرف شاهين 
كيف يشتغل عليه في لغة سينمائية أسطورية/ 
فولكلورية أثبتت نجاعتها يومذاك لتخلق حالة 
استثنائية في السينما العربية. 

أما المهم هنا بالنسبة إلى شاهين فهو أنه 
حقق» شكلياًء وفي مضمار الفيلم الغنائي 
العربي؛ ما كان عجز عن تحقيقه مرة حين 
استخدم فنه لخدمة ليلى مراد (2سيدة 
القطارة) ثم حين وضع هذا الفن في خدمة 
فريد الأطرشء في فيلمين لافتين إنما ضمن 
حدود على الأقل. إضافة إلى أن تلك التجربة 
مع نجمة غناء كبيرة مثل فيروز» رغم ضعف 
حضور هذه الأخيرة الييّن على شاشة كان من 
الواضح أنها لم تُخلق من أجلهاء على عكس 
حالها مع خشبة المسرح الاستعراضي والغناء» 
علّمت شاهين أن في إمكانه حقاًء أن يتعامل 
مع نجوم الغناء الكبار من دون أن يتنازل» 
أي وهو محافظ على لغته ومكانته وعلاقته 
بفنه السينمائي. وهذا ما سيعود إليه لاحقاً في 
فيلمين له على الأقل»ء حضرت فيهما نجمتا 
غناء عربيتين كبيرتين: #عودة الابن الضال» مع 
ماجدة الرومي #وسكوت حنصورة مع لطيفة. 


دالبيت الزهر» 


(1499) 7 د. (ألوان) 
إخراج: جوانا حاجي توماء خليل جريج 
سيناريو وحوار: حاجي توماء جريج 
تصوير: بيار دافيد 
موسيقى: روبير لاباج 


تمثيل: ميراي صفاء جوزف بونصارء حنان عبود 


رغم أن «البيت الزهر»» ظهر وعمرض في 
العام الأخير من القرن العشرين. وبالتالي 
بعد نحو عشر سنوات من النهاية الرسمية 
للحرب الأهلية اللبنانية :))١948  ١191/0(‏ 
كان من السهل اعتباره واحداً من أول الأفلام 
الروائية اللبنانية الطويلة المعتبرة منتجة إلى 
سينما - ما - بعد الحرب. فالواقع أن معظم ما 
كان قد حُقق من سينما في لبنان - في مجال 
الروائي الطويل على الأقل -» كان لا يزال 
ينتمي إلى سينما الحرب. قد يحن إليهاء قد 
يندد بهاء قد يتساءل حول أسبابها ودوافعهاء 
وقد يشتد في إعلان انفصاله عنها أو براءته 
من دمائها. لكنه كان لا يزال في قلب الحرب. 
وفي قلب مشاكل الحرب وذهنيتهاء وإن دائماً 
ضمن إطار نيات طيبة تريد أن ترفض الحرب 
جملة وتفصيلاً. 

ومن هناء حين عرض الثنائي جوانا حاجي 
توما - خليل جريج فيلمهما الأول هذاء كان 
واضحاً أنه فيلم يحاول الدخول في سينما 
يمكن وصفها بسينما المرحلة التالية. وذلك 
انطلاقاً من موضوعه بالتحديد. فهذا الموضوع 


بيروت الغربية 


يدور من حول ما حدث بعد أن سكتت 
المدافع وفتحت المناطق «المتقاتلة» على 
بعضها وأزيلت خطوط التماس. وبخاصة بعد 
أن بدأ الإعمار وإعادة الإعمار. والبيت الزهر 
الذي يحمل الفيلم اسمه عنواناً له هو عبارة عن 
مبنى زهري اللون كانت عائلات قد وجدت 
فيه ملاذاً لها خلال الحرب. أما الآن فإن مالكه 
يريد هدمه كي ينشئ مكانه في حمأة التجديد 
العمراني العشوائي في لبنان» مركزاً تجارياً 
ضخماً. وهكذا ينقسم سكان المبنى وأصحاب 
الحوانيت المجاورة» بين أناس لهم مصلحة 
في بقاء المقهى كما هوء وآخرين يتطلعون إلى 
هدمه وإنشاء ما هو جديد مكانه. 

حين عرض هذا الفيلم للمرة الأولى؛ أثار 
ضجة كبيرة» ليس تحديدا انطلاقا من قيمته 
الفنية» وهو على أية حال بدا جيداً من هذه 
الناحية ومنتمياً إلى تلك اللغة والأساليب 
الجديدة التي كانت تحمله سيئما كانت لا تزال 
لها صورة الحرب والمدينة وجمالياتهاء بل 
انطلاقاً من موضوعه الذي انبثق في وقت كانت 
فيه السجالات كبيرة وحيوية من حول المسألة 
العقارية في لبنان: هل نهدم لنبني؟ هل نبني؟ 
كيف نبني ولماذا نبني؟ ثم بشكل خاص: لمن 
نبني؟ وقد يكون في الإجابات التي طرحها 
الفيلم» أو حاول طرحها على الأقل في هذا 
الإطارء شيء من الرومانسية» لكن كثراً رأوا فيه 
مرآة تعكس أفكارهم. أما موضوع البناء وإعادة 
البناء هذا فسوف تعود إليه أفلام لبنانية كثيرة 
بعد ذلك لعل أبرزها «أرض مجهولة؛ لغسان 
سلهبء ثم لاحقاً «عصفوري؟ لفؤاد عليوان. 


«بيروت الغربية) 





٠ )194944(‏ . (ألوان) 
إخراج: زياد دويري 
سيناريو: زياد دويري 
تصوير: ريكا وجاك جمال 
موسيقى: ستيوارت توبلاند 


تمثيل: رامي دويري؛ محمد شمص. رلى الأمين 


زياد دويري» المخرج الشاب الذي أطل» 
ذات يوم» على الحياة السينمائية اللبنانية من 
دون مقدمات» خلال الأعوام الأخيرة من 
القرن العشرين لم يكن مهتماً بصنع سيئما 
يشاهدها عشرة أشخاص ويصفقون لهاء فتعتبر 
#سينما مثقفين» وتوضع في المتحف كجزء من 
تاريخ ما. بالنسبة إليه إما أن تكون السينما عملاً 
شعبياً موجهاً إلى جمهور عريض - حتى وإن 
كان جمهوراً ذا خصوصية ما وإما لا تكون. 


والحقيقة أن شاباً ثلاثينياً آتياً من عمل 
تقني في السينما الهوليوودية - كما حال 
دويري الذي كان سبق له أن درس السينما 
ومارسها من خلال عمل مساعد مصور في 
سيئما كويئتن تارانتينو -» ما كان يمكنه أن يرى 
السينما غير ذلك... هو أصلاً مثقف وهاوي 
سيئما. ويعرف أصول المهنة... ويعرف أيضاً 
أنك إن كنت من هذا النوع فإن آخر ما سوف 
يخطر في بالك إن أردت أن تصنع فيلماً هو أن 
تصنعه لجمهرة المثقفين. 


بيروت الغربية 





والحقيقة أن مشاهدة فيلمه الروائي 
الطويل الأول «بيروت الغربية»» كشفت 
عن أنه يسير في ممارسته العملية على هدى 
فعل إيمانه بالفن السابع. إذ حتى وإن كان 
الفيلم» في مظهره الأول؛ يبدو فيلماً «آخر» 
عن الحرب اللبنانية» فإنه كان واحداً من 
أول - وأوضح - الأفلام التي تتعامل مع تلك 
الحرب من خارجها... وبالتحديد من وجهة 
نظر الصغار الذين عاشوهاء من دون أن يكون 
لهم يد في صنعها أو دور في مجرياتها. وحتى 
من دون أن يتعمدواء حين يحكون عنها لاحقاء 
أن تكون نظرتهم إليها نظرة تحليل نقدية. لم 
تكن هذه النظرة غاية «بيروت الغربيةة. كانت 
غايته أن يقدم صورة من ذكريات مراهق عاش 
بدايات الحرب. بكل براءته واندفاعه وأسئلته» 
معتبراً إياها في البداية مجرد مناسبة للتغيّب 
عن المدرسة 1‏ 

بهذه النظرة تحديداً أحدث فيلم #بيروت 
الغربية» تلك القطيعة مع الحرب التي نريد أن 
نشير إليها هنا. إذ إنه قبل زمن تحقيق «بيروت 
الغربية» كانت السينما اللبنانية السابقة» ومنذ 
العام 191/6؛ حتى وإن كانت دانت الحرب» 
أو رفضتها أو طرحت أسئلتها من حولهاء 
كانت لا تزال تفعل ذلك لامن الداخل». وكان 
ذلك» عند تلك البدايات»؛ يوم كان زياد دويري 
نفسه فتى مراهقاً لا تمثله تلك السينما التى 
يبدو أنه لم يكن يعرف عنها شيئاً (أحداث 
فيلمه تدور عام 191/6 -191/5» ولكن ليس 
في تلك الأحداث أثر لوجود سينما ما في 
لبنان بدايات الحرب تلك... ومع هذا لا نفتأ 


١٠ 


نجده في الفيلم حاملاً كاميرا صغيرة يصوّر 
بها ما يبدو من حوله). وهذا ما يمكئنا من أن 
نجيب عن السؤال الحاسم حول ما إذا كان في 
الإمكان حقا «قول الحرب اللبنانية سينمائياة 
من خارجها. 

إدانة الحرب كان عليها أن تنتظر جيلاً تاليا 
لأن الجيل الذي صنع أفلام الحرب الأولى» 
كان لا يزال ‏ على أي حال - من أبناء الجيل 
الذي يعتبر نفسه مسؤولاً عن الحربء لذلك 
اتخذت الإدانة طابعاً ميتافيزيقياً: الحرب 
(كمطلق) مسؤولة عما يحدث. الحرب كقوة 
تتجاوزنا ولا نملك لها دفعاً. وهكذا في مقايل 
جيل مجّد الحرب ودان «الطرف الآخرة وجد 
هنا جيل يدين الحرب. وكان لا بد من أن 
يطلع جيل ثالث لا يكتفي بإدانة الحرب» بل 
يتجاوزها لإدانة كل الذين حاربواء ليعتبر أن 
الحرب لم تكن قدراً منزلاً. كانت جريمة من 
صنع بشر من لحم ودم. 

وهكذاء في الوقت الذي أتت أفلام مثل 
«بيروت الغربية؛ لزياد دويري ومن بعده 
«أشباح بيروت» لغسان سلهبء حاملة شيئاً 
من الحنين إلى زمن الحرب (طفولة أبطال 
زياد دويري التي عاشت الحرب الأهلية من 
دون انتباه لما فيها من قتل وعنف». ويأس 
أبطال غسان سلهب من واقع ما بعد الحرب 
المزري)» كان من الواضح في مثل هذه الأفلام 
أن أصحابها يعلنون تماماً وجودهم خارجها. 
قد يقبلون زمنهاء لكنهم يرفضونهاء وليس 
من موقع الإدانة أو النقد الذاتي» بل من موقع 
اللاعلاقة: إنها حرب الآباء لا حرينا. نحن 


بيروت الغربية 





خارجها تمامأء ولا نحتاج حتى إلى تبرير 
أنفسنا عبر إدانتها. 

وفي هذاء يبدو زياد دويري رائداً لجيل 
يمائله - أو يقل عنه عمراً - يريده هوء أن 
يقطع تماماء ليس فقط ممع الحرب وقذارتهاء 
بل أيضاً مع الجيل الذي صنعها. إذاء جيل 
ما بعد الحرب يريد أن يقول بكل بساطة» إن 
الحرب شيء خارج عنه تماماًء لذلك لا يملك 
حتى أن يدينها: فليدنها الذين خاضوها. وهذا 
بالضبط ما أرادت قوله على أية حال مجموعة 
كبيرة من أفلام قصيرة أو متوسطة» سينمائية أو 
تلفزيونية» حققها عشرات الشبان الذين ولد 
معظمهم خلال الحرب أو بعدها. 

ونتطلق من هذا المنطق لتبقى عند زياد 
دويري الذي ختم بفيلمه «بيروت الغربية» 
عقد التسعينيات من القرن الجديد» فتح الباب 
واسعاء بفضل النجاح المدهش لفيلمه هذاء 
في لبنان والعالم» أمام سينمائيين لبنانيين» 
سيفرضون في العقد المقبل» سيئما لبنانية» 
إن لم يكن على صالات العرض» فعلى الأقل 
في المهرجانات والمناسبات وعلى صفحات 
المجلات الأوروبية المتخصصة التي لن يعود 
في وسعها منذ ذلك الحين أن تستنجد بأبوية 
ماء للحديث عما يحدث سينمائياً في لبنان. 

وكان هذا كله مستحقاً... وليس بفضل 
«بيروت الغربية» وحجله. بيد أن #بيروت 
الغربية؛ فتح الباب. وبالتحديد لأنه» ومئذ 
البداية» كشف عن أنه ليس في نهاية الأمر فيلم 
رسالة وعظية ولا فيلم شعارات أو بحث عن 
يقين» كما كانت حال سينما الحرب اللبنانية» 


في معظم إنتاجاتهاء قبل #بيروت الغربية». إنه 
فيلم عن الإنسان... وفي شكل أكثر تحديداً 
عن المراهق الذي يتعلم بالتدريج كيف ينظر 
إلى الحرب» وكيف يكتشف شيئاً فشيئاً أن ما 
كان يعتقده لعبة» ومناسبة للتغيّب عن الصف 
والدوران في الشوارع كما يحلو لكل مرامق 
أن يفعل؛ ليس في نهاية أمره سوى مجزرة 
شاملة. 

وفي هذا الإطار لم يخطيئ النقاد الذين 
تعاملوا مع «بيروت الغربية» على أنه سيرة ذاتية 
لمخرجه الذي كان خلال أشهر الحرب التي 
يصورهاء في سن بطله (طارقء وقام بالدور 
شقيق زياد دويري الأصغر). غير أنها كانت في 
الوقت نفسه سيرة ذاتية قابلة للتعميم. وطارق 
لا يتجول في الفيلم وحده بل في صحبة رفيقيه 
عمرء والمراهقة المسيحية مايا. هم الثلاثة 
اعتبروا الأمر مسرّة لهم في البداية: يا أهلاً 
بالحرب إذا كانت ستقفل المدرسة. وهذان 
الفراغ والتجوال؛ أتاحا لهمء معاً بعض الأحيان 
ومتفرقين أحياناً أخرى. مراقبة ما يحدث 
من حولهم بأعيّن بريئة لاهية أول الأمر ثم 
بالتدريج مهتمّة متورّطة. وكاميرا زياد الدويري 
وانحيازه. فتمكنت. كما لو بفعل المصادفة» 
من التقاط الحربء مساوثها وويلاتها جنباً إلى 
جنب» مع ما تتيحه من فرص ولهو ثم نضجء 
بنظرة ماكرة دائمآء متورطة أحياناء ولكن مرحة 
في أغلب الأحيان. 

لكن دويريء في السيناريو المحكم 
الذي كتبه عرف كيف يقول كل ما يريد قوله 


بيروت يا بيروت 





خصوصاً من خلال المشاهد الأكثر مرحاً 
(رائع مشهد المراهق في بيت أم وليد القوّادة 
التي يلتقي الزعماء المسلمون والمسيحيون 
عندها وفي أحضان «بناتها'» ورائع مشهد 
التظاهرة احتجاجاً على مقتل كمال جنبلاظ 
والتي يشارك فيها طارق وعمر بكل حماس 
قبل أن يلتفت أحدهما إلى الثاني سائلاً إياه: 
بعد كل شيء من هو الراحل؟ فيجيبه الآخر: 
لست أدري؟ ورائع الحوار مع السائق العابر 
للأفكار والمناطق... وكذلك العلاقات مع 
الجيران...). 

أما بالنسبة إلى الجانب الدرامي» و«الأكثر 
جدية» عادة» فإن ما يؤمّنه في الفيلم حضور 
أسرة طارق. أمه التي تريد مغادرة لبنان بأي 
طريقة من الطرقء والأب الذي يتريث. 

طبعاً لن نقول هنا كيف ستنتهي الأمور, 
لكننا نشير في المقابل» إلى أن طارق سيكبر 
بعد الفيلم وربما سيكون هو نفسه زياد الذي 
سيصبح سينمائياًء وهو على أي حال أمر 
مهّد له الفيلم عبر تلك الكاميرا اليدوية التي 
لا ينفك يصور بها مشاهد تحدث من حوله. 
وسيكون الشريط الذي يصوره ذريعة للانتقال 
من منطقة إلى منطقة في مواجهة الأخطارء لأن 
بيروت الغربية كانت» ذلك الحين تخلو من 
استديو يحمّض الفيلم. ويكون الانتقال ذريعة 
لأول وعيين حقيقيين يكتسبهما طارق: الوعي 
بالانقسامات الحقيقية» ثم الوعي الجنسي إذ 
تقوده تلك الرحلة بالذات إلى بيت أم وليد. 


1١1 ؟‎ 


«بيروت يا بيروت)» 





(ه/اة١)‏ 6 .. (ألوان) 
إخراج: مارون بغدادي 
سيناريو مارون بغدادي 
تصوير: روبي بريدي 
تمثيل: عزت العلايلي؛ ميراي معلوف» 








يبدو «بيروت يا بيروت» أقل رغبة في 
تقديم التنازلات من العديد من الأفلام العربية 
المزامنة له. وربما كان صغر حجم ميزانيته» 
وكونه العمل الأول لمخرجه. هما الأمران 
اللذان ساعدا على ذلك. لكن تخلّف المخرج 
عن تقديم التنازلات هناء ربما كان سيؤثر سلبياً 
في مسألة تعامل المتفرجين معه. حين يعرض 
في ما بعد. 


فيلم ابيروت يا بيروت» يقدم لنا صورة 
ماء عن تركيبة المجتمع اللبناني خلال الفترة 








بيروت يا بيروت 


الفاصلة بين أول العام 14354» وأيلول/ 
سبتمبر من العام »191٠١‏ تاريخ رحيل الرئيس 
جمال عبد الناصر. والفيلم يقدم تلك الفترة 
اقتناعاً منه بأنها من الحقبات الزمانية الأساسية 
والانعطافية في التاريخ اللبناني الحديث. 
خلال تلك الشهور العشرينء يتابع 
بغدادي» في فيلمه» التطورات التي يعكسها 
الوضع السياسي المحلي والعربي؛ على 
مجموعة من الشخصيات النموذجية التي 
اختارها: بخام ناصري ينتمي إلى البرجوازية 
الصغيرة الإسلامية البيروتية» بكل ما تحمله من 
طموحات إصلاحية» وارتباط عروبي جذري 
ينعكس في جملة من النضالات المطلبية 
والقومية؛؟ مثقف مسيحي ينتمي إلى البرجوازية 
الصغيرة المسيحية التي ابتعدت بفعل الثقافة 
الغربية عن واقعها العربي اللبناني» واتغلقت 
على نفسها لتتحول إما إلى فاشية مدمرة تؤمن 
إيماناً أعمى بجملة من المعطيات الجاهزة 
سلفأء أو إلى جزر من الأفراد المنغلقين على 
ثقافة إنسانية مغربة ومحبطة؛ عامل جنوبي 
يخوض في بيروت التي نزح إليها جملة من 
النضالات العفوية والصغيرة» كما يخوض 
صراعا يائسا ضد إحباطاته الجنسية والمعيشية» 
ينتهي به إلى العودة إلى الجنوب؛ (حيث قدره 
الحقيقي: النضال ضد إسرائيل. إنه نضال 
يعلّمه حمل البندقية لكنه ينتهي به إلى الموت» 


إنما بعد أن يخلف وراءه عملاً تنظيمياً كفاحياً 


يبشّر بمستقبل لا بأس به)؛ وأخيراً طالبة تمثل 
البرجوازية المسيحية الكبيرة المتنورة ذات 
النوازع الإنسانية. إنها تتنقل بين مختلف 


1١1 


الطبقات» تتمرد حيناً على المثقف المسيحي» 
وتقيم حيناً علاقة ما مع المحامي المسلم؛ 
وينتهي بها الأمر إلى ترك الجميع من دون أن 
نعرف كيف ستتتهي بها الأمور. 

بالاستناد إلى هذه الشخصيات وإلى 
جملة من العلاقات المتشابكة التي تقوم فيما 
بينهاء يقدم لنا مارون بغدادي في #بيروت يا 
بيروت» رؤية ما لتطور المجتمع اللبناني في 
تلك السئوات الشائكة؛ أي تلك السنوات 
التي حددت في ما بعد أكثر من طريق للنضال 
والعمل. 

غير أن الشخصيات التي اختارها المخرج 
تتتهي كلها إلى السقوطء. وإن كان سقوط كل 
متها يجعل مصيرها معالقاً ورهناً بالأوضاع 
السياسية اللاحقة ة. فالمحامي الناصري يقف 
مذهولاً وحزيئاً أمام خبر رحيل الرئيس 
عبد الناصر» ولن نعرف أبداً كيف سيكون 
تحوله بعد هذا الرحيل الذي مثل بالنسبة إليه 
جملة من الإحباطات والهزائم التي أصابت 
أسلوبه المتردد في العمل. والمثقف المسيحي 
سوف ينفجر حين يكف عن الإيمان بالقيم التي 
سبق أن حشت رأسه. والطالبة البورجوازية 
سوف تختار التخلي عن كل علاقاتها التي 
تتتبعها في الفيلم. أما العامل الجنوبي فهو 
الوحيد الذي يختار طريقاً واضحاً غير أن 
طريقه يقوده إلى الموت. 

يقول مارون بغدادي عن هذه اللوحة 
الجماعية» إنه كان سيكون من شأنه أن يقدمها 
بشكل مختلف للغاية لو أنه حقق فيلمه بعد 
الأحداث الأخيرة - أي بعد اندلاع الصراع 


بيروت يا بيروت 


المسلّح الذي سيدوم أكثر من عقد ونصف العقد 
من السنين - فالمصائر التي تركها معلّقة عند 
نهاية فيلمه في أيلول 191١‏ عادت واستأنفت 
طريقها بشكل جعل الأحداث الأخيرة» تعطى 
تلك المصائر نهاياتها وانعطافاتها. : 

إن فيلم #بيروت يا بيروت» من ناحية كونه 
فيلماً تجارياً أم لا» يبدو أقل رغبة في التنازل» 
إذاء من فيلم «عودة الابن الضال» ليوسف 
شاهين» ومن ناعية الإسلوب يبدو احياناً 
غامضاًء وأحياناً مملآ» ولكنه بشكل إجمالي 
يمكن اعتباره إضافة حقيقية إلى السينما العربية 
الجادة. 

كان العرض الوحيد والأول في ذلك الحين 
(ربيع 0 ) للفيلم قبل أيام قليلة من انفجار 
أحداث نيسان» ومن هنا قيل يومها أن «بيروت 
يا بيروت؟ كان نبوءة بالحرب» وقد لا يستقيم 
هذا الكلام كل الاستقامة لسببين: أولهماء 
أن كل الناس كانوا يعرفون أن الحرب قادمة 
لا محالة» ولم يكن الأمر بحاجة إلى أية نبوءة» 
وثانياء لأن أهمية الفيلم لا تنبع من حديثه عن 
حرب (لم يتحدث عنها على أي حال) ولكن 
من خوضه في لغة وتيار سينمائي جديدين» 
على صعيد المضمون أكثر مما على صعيد 
الشكل ربماء وهو أمر يدهشني اليوم. إذ أقرأ 
ما كتبته عن الفيلم في ذلك الحينء وأنقله هنا. 
إنني لم أشر إليه إلا بعد سنوات طويلة وفي 
معرض تقييمي حينا لسينما مارون بغدادي 
ككل؛ وحيناً للتيار السينمائي اللبناني الجديد. 

إلى هذا فإن ما يلفت نظر المتفرج حقاً في 
هذا الفيلم» هو أمر يمكن تلخيصه على النحو 


1 


التالي: في الفيلم» وبين أجواء اجتماعية عديدة 
يحاول المخرج أن يرسم صورة ما لحياتها 
خلال تلك السئوات» يصور مارون بغدادي 
عائلة مسلمة ذات توجهات ناصرية وتنتمي 
إلى البرجوازية الصغيرة الصاعدة» كما يصور 
في الوقت نفسه عائلة مسيحية تنتمي إلى نفس 
الشريحة الاجتماعية تقريباً» ولكن بينما نلاحظ 
أن الكاميرا تتجول على هواها داخل منزل 
العائلة المسيحية فتدخل المطابخ وغرف النوم 
والسطوح وتفاجئ أهل البيت في حميميتهم؛ 
نلاحظ في الوقت نفسه أن كاميرا المخرج 
لا تصلء في بيت العائلة المسلمة» إلى أكثر من 
الشرفة الخار جية» مكتفية بالتقاط أيناء العائلة 
عندهاء من دون أن تدخل أياً من غرف البيت. 

إن مارون بغدادي باستتكافه عن تصوير 
الحياة الداخلية للعائلة المسلمة كان 
يواصل - حتى من دون أن يعي ذلك بأبعاده 
السوسيولوجية - تقليداً سارت عليه السينما 
اللبنانية السابقة» في الوقت نفسه الذي كان فيه» 
بتصويره لشِقّي المجتمع اللبناني الطائفيين» 
يفتتح تقليداً جديداًء فيه يكمن وإلى حد بعيده 
جزء أساسي من التغيير الذي طرأ على السينما 
اللبنانية. لماذا؟ لأن السينما مع مارون بغدادي 
راحت تسمّي الانتماءات الطائفية الاجتماعية 
بأسمائهاء بيئما كان ما أنتج من سينما في لبنان 
قبل ذلك يكشف عن انتمائه وغالبا بطرق في 
غاية البدائية» رغماً عنه - أي عبر مكبوته؛ عبر 
ما لايقوله» أكثر مما عبر ما يقوله. 

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو التالي: 
ترى هل تعمّد مارون بغدادي الوقوف عند 


بيني وبينلك بيروت 





شرفة منزل الأسرة المسلمة وعدم دخول 
المنزل؟ أعتقد؛ دون جزم بالطبع؛ أن هذا 
الاستنكاف عن الدخول إنما نبع من وعي 
مارون بغدادي الباطني ومن صدقه مع نفسه. 
لأن مارون بغدادي» وبكل بساطة لا يعرف 
كيف يكون البيت اللبناني المسلم من الداخل 
(أو لم يكن يعرفء في ذلك الحين على الأقل) 
وهو صوّر البيت المسيحي من داخله لأنه 
يعرف خفايا هذا البيت»ء وارتهانه لترتيبات 
أصحابه» وتطابقه مع نمط حياتهم؛ النمط الذي 
يعرفه بغدادي جيداًء لأنه عاشه وهو جزء منه. 

عند أواسط السبعين» حين حقق مارون 
بغدادي «بيروت يا بيروت؟ كانت أمور كثيرة 
قد تغيرت. كان لبنان نفسه قد تغير. وكان لا بد 
للسينما نفسها من أن تتغيّره وتحديداً بفعل تبدل 
تعبير السينمائيين اللبئانيين الجدد عن أنفسهم 
من خلال الشرائط التي يحققونها. وليس من 
قبيل الصدفة أن يكون مارون بغداديء أول 
مخرج مسيحي لبناني يحاول - على الأقل - 
أن يدخل عالم المجتمع الإسلامي» حتى ولو 
كان تاريخه قد وأد محاولته الأولية تلك وأوقفه 
خارج ذلك العالم» عند الشرفة. 

بل وليس من قبيل الصدفة كذلك أن يكون 
فيلم مارون بغدادي الأول «بيروت يا بيروت؟ 
أول فيلم يعلن عن الانتماء الديني والطائفي 
والسياسي لأشخاصه. وكانت تلك هي الثورة 
الحقيقية التي تمنح «بيروت يا بيروت؟ مكانة 


الفيلم الرائد. 


1١16 





«بينتي وبيتك بيروت» 

(194947) ٠د.‏ (ألوان) 
إخراج: ديمة الجندي 
سيئاريو وحوار: ديمة وريم الجندي 
تصور بره حسن نعماني 
موسيقى: مختارات 
تمثيل: ديمة الجندي؛ ريم الجندي 


تعتبر ديما الجندي التي حاولت في فيلم 
«بيني وبيئنك بيروت؟ أن ترسم هي الأخرى 
مسيرة عودة ولقاء فى لينان ما بعد الحرب» 
والخلنة من ايعاد يميا مابعد تلك 
الحرب. واللقاء هنا هو بين أختين: ديما نفسها 
التي توجهت منذ بداية الحرب لدراسة السينما 
في بروكسلء وريم التي بقيت في بيروت 
لتصبح رسامة معروفة. 

من خلال اللقاء والتصادم بين الأختين» 
كما من خلال بعض التفاصيل الأخرى (حكاية 
صبية حولتها الحرب والفقر إلى زعيمة 
عصابة وهي بعد في أوائل سنوات المراهقة» 
حكاية الصبي حسين الذي يسرح في وسط 
المدينة المهدم وكأنه مملكته الأبدية» وحكاية 
المقاتل الذي لا يكف عن إبداء حنينه لسنوات 
الحرب... إلخ)؛ من خلال هذا كله تنقل 
إلينا ديما الجندي نظرة جيل بأسره إلى لبنان 
الحرب وما بعد الحرب» على مدى ساعة 
حميمة ثاقبة وواعدة في الوقت نفسه. 

فيلم ديمة الجندي هذا صور من الحرب - 
من الماضي من الملاجئع وذاكرة القصف. 


بيني وبينك ييروت 





تتساءل: من ربح اليوم؟ ومن خسر؟ وعند 
مشاهدة هذا الفيلم يكاد المرء لا يصدق أن 
الحرب التي صارت من الماضيء والتي يجري 
الحديث عنها على هذا النحو» هي الحرب 
اللبئانية. يكاد لا يصدق المرء أن الملاجئ 
والقصف صارت جزءاً من الذاكرة» وأن 
الوقت حان للقيام بجردة حساب والسؤال 
عمن ربح وعمّن خسر. 

ديمة الجندي (77 سنة فى ذلك الحين) 
كانت تجازف مراهئة على هذا الواقع الجديد. 
تنطلق في فيلمها الأول كمخرجة:؛ من هذا 
اليقين الجديد: الحرب انتهت؛ وصارت جزءاً 
من الذاكرة. قد تكون هذه الفرضية صحيحة وقد 
لا تكون. ليس هذا ما يهم الكاتبة - المخرجة 
الشابة - فهي تستخدم تلك الفرضية كلازمة 
تزين بها شريطها الحميم والجريء الذي 
صوّرت مشاهده الرئيسية في لبنان. 

والحال أن ديمة الجنديء بتصويرها هذا 
الفيلم» كسرت طوقاً أساسياً كان يحيط بصورة 
الحرب اللبنانية. فالصورة كانت بدأت تتكرر 
بشكل رتيبء وأسئلة الحرب وما بعد الحرب 
لم تكن تتجرأ بعد على الخروج في غياب كل 
يقين... حتى يقين الضرورة التي تملي طرج 
الأسثلة. لكن ديمة الجندي تعرف أن ثمة يقيئاً 
يمكن له أن يطرح أسثلته: يقين الذات؛ الحرب 
الداخلية؛ بيروت الانتظار والذاكرة وقلق 
الاحتمالات الوهمية منها والمخبوءة. وكانت 
تعرف أن ما تركته في بيروت قبل رحيلهاء في 
عر اندلاع القتال واستتياب اليأس»ء كان لا يزال 
يعيش معها حواراً دائما» وقلقاً متواصلاً. وكان 


من بين ما تركته» شيئان أساسيان: بيروت 
نفسهاء وريم شقيقتهاء الكاتبة والرسامة. 

قبل أن تفترق الأختان» بذريعة الحرب أو 
الدراسة» كانت نشأت بينهما علاقة حميمة» 
وحوار متواصل» محوره الأساسي بيروت 
وماتبقى من ذكريات الطفولة. وبعد ذلك» 
حين أصبحت ديمة مخرجة سينمائية» وصار 
بإمكانها أن تحقق فيلمها الأول»ء شعرت أن 
الفيلم الوحيد الذي يمكن أن تبدأ به هو فيلم/ 
تعويذة ضمان إطار بيروت الما بعد. بيروت 
كل شيء: الطفولة» الحوار الدائم مع الأنا 
الأخرى, ذاكرة الحرب. الغياب» الحضور»ء 
ثم بخاصة بيروت المختزنة وبيروت الواقعية. 
ومن هنا كان ابيني وبينك بيروت)... 

ولقد أتى الفيلم مبنياً على شكل حوار 
بين الأختين» وحوار مع بيروت.إنه 
#محاولة - كما تقول ديمة الجندي - لتفسير 
نظرة خاصة؛ تربط بين 
حساسية شخصيتين» تقرب أو تباعد بينهما»... 

غير أن السيناريو الذي انطلق من الحوار 
بين الأختين» سرعان ما تحولء خلال فترة 
العمل عليه؛ إلى صورة جانبية للأاخت 
الأخرى: الأخت التى بقيت. فالأخت العائدة» 
صاحبة الفيلم؛ تبدو بفعل غيابها الطويل» 
حاملة للذاكرة» لبيروت التي كانت. للقيمة 
الخفية والمعنى المختبئ اللذين ينضحان 
من الأشياء التي بقيت... فيما بدت الأخحت 
الأخرىء بحكم بقائهاء حاملة لبيروت 
الأخرى» بيروت كما أصبحتء» بواقعها الفج 
الصارخ. ولعل الرسالة التي بعئت بها ريم إلى 


مدينة حقيقية. . مجرد 


التاد 


اسم 





ديمة يوم علمت أن الأخيرة تعتزم تحقيق فيلم 
عنهاء وعن بيروت من خلالهاء تختصر رؤيا 
العمل والانعطافات التي عرفهاء بعامية لينانية 
لقد أتت هذه الرسالة تختصر معاناة جيل 
كامل كبر وسط الدوامة في المدينة الجريح. 
وهي حولت مجرى المشروع الفني خلال 
مرحلة تكوينه؛ فإذا ب #بيني وبينك بيروت» 
يأتي حكاية مواجهة بين نظرتين: نظرة الداخل 
ونظرة الخارج. نظرة الماضي ونظرة الحاضر. 
وترى المخرجة أن هذه الصدمة تحكمت 
بنظرتها إلى الفيلم» ولمَ لا نقول نظرتها إلى 
بيروت نفسها... ويات للقاء مذاق جديد 
وغريبء في السينما كما في الواقع. بين 
الأختين الآتيتين من زمئين متناقضين؟ 





«التائب» 

)١1(‏ /ى د. (ألوان) 
إخراج: مرزاق علواش 
سيناريو وحوار: مرزاق علواش 
تصوير: محمدين لغو ن 


تمثيل: 


عديلة بت ديمراد» خالد بن عيسى» 


خلال مايقرب من أربعين سنة» حقق 
المخرج الجزائري مرزاق علواش نحو اثني 
عشر فيلماً روائياً طويلآء ما وضعه في مقدم 
السينمائيين من مواطنيه بالنسبة إلى «غزارة» 
إنتاجه. فهذا العدد الذي قد يعتبر شحيحاً 


1١و77‎ 


بالنسبة إلى سينمائي يعيش ويعمل منذ سنوات 
السبعين» يعتبر في الجزائر مأثرة حقيقية تسجّل 
لصاحبه. ومع هذاء كانت الجزائر» حين بدأ 
علواش مساره المهني. موعودة بأن تصبح 
واحداً من البلدان الأكثر إنتاجاً للسينما في هذه 
المنطقة من العالم. بعد ذلك تراكمت الظروف 
والهموم الجزائرية لتقلص الإنتاج وتشتت 
السينمائيين» وتحرم هذا البلد حتى من إنتاج 
الحد الأدنى في بعض السنين. 

والحال أننا إذا شثنا البحث عن أسباب 
هذا كله كما عن تلك الظروف والهموم» 
سيكون علينا قبل أي شيء آخر أن نسبر أغوار 
سينما مرزاق علواش بالتحديد. فهي سينما 
كثيراً ما حملت أسئلة الجزائر وأجوبتهاء 
وغالباً على حساب تطوّر صاحبها المهني» هو 
الذي كان في بعض الأحيان يتخلى طوعاً عن 
لغته السينمائية لجعل الأرجحية للموضوع 
والرسالة في الفيلم. من هذه الناحية» غلب 
مرزاق علواش الجانب النضالي في رؤيته 
لبلاده وللعالم من حولهاء على جانب الإبداع 
لديه؛ لكنه يقول دائماً إنه لم يندم على هذا 
أبداً. 

وها هو علواش يعود إلى المميز من مساره 
السينمائي» تحديدا من بوابة مهرجان «كان؛ 
الذي كان شهد غير إطلالة له سابقا. تحمل 
العودة عنواناً بسيطاً هو ةالتائب»... غير أن 
بساطة العنوان لا تنعكس في موضوع الفيلم 
ولا في لغته السينمائية» وإن انعكست إلى حد 
ما في تعبيره عن شيء أساسي من واقع الحياة 
الجزائرية المعاصرة. 


التائب 


ولعل المصادفة جعلت هذا الفيلم يأتي 
في وقت يشهد التطرف الأصولي نكسة في 
مهده الجزائريٌ... ما يعطي الفيلم قيمة إضافية 
قد لا يحتاج إليها كثيرا لأنه يحمل قيمته في 
داخله ليُعتبر عودة من علواش إلى تجديداته 
وإلى فنيّة التعبير عن همومه الاجتماعية؛ 
وكذلك تمكثه الفذ من إدارة ممثليه. 

إن تأملاً هادثاً في الفيلم قد يقود إلى شيء 
من التروّي فى يطرتنا إلية للاترى في مقن 
المشاهن: حشوا وف ركفن السياقانت. إقكانا 
لأفكار قد لا تتحملهاء ولبعض العلاقات قليلاً 
من المبررات التي تساندها. لكن هذا كله يبقى 
ثانوياً أمام جرأة هذا الفيلم ومن الناحية الفنية 
أيضاً. 


غير أن الأهم هنا هو الموضوع. فمن 
يعرف شيئاً عن أوضاع الجزائر سيّفهم بسرعة 
أن عنوان الفيلم يحيل على قانون الوئام 
المدني الذي فرض على المجتمع بعد سنوات 
الإرهاب المريعة» تفاهماً يقضي بأن يُغفر 
للمسلحين التائبين ما اقترفوه إن ألقوا سلاحهم 
وعادوا إلى أحضان المجتمع... وهؤلاء سُمّوا 
التائبين. وما بطل فيلم علواش سوى واحد 
منهم يقدم إلينا عائدا لينخرط في المجتمع 
ويجد عملاً بمساعدة البوليس» حالقاً لحيته 
ومستعيداً إشراقة حياته. 

لكن حكاية هذا التائب هي جزء من 
الفيلم» أما الجزء الآخر فمحوره صيدلي 
يعيش وحيداً غارقاً في الحزن والخمرء إلى 
أن يتغل ب العادك هرما في تيكل خاتض: 
نفهم بالتدريج من خلاله أن الصيدلي كان 


منذ سنوات قد انفصل عن زوجته بعدما فقدأ 
ابتتهما الوحيدة. أما ما يعرضه التائب على 
الصيدلي فهو أن يقوده وزوجته إلى حيث قبر 
الطفلة. في البداية لا يكون هذا كله واضحاًء 
سيتضح أكثر خلال رحلة بالسيارة تقود 
التائب والمطلّقين إلى حيث القبر. هي رحلة 
شبه صامتة وطويلة لعل من الممكن القول 
إنها تحمل عبر الثلاثة القائمين بها والمأساة 
المشتركة» آلام التاريخ الجزائري الحديث 
كله. هي رحلة المسكوت عنه أكثر مما هي 
رحلة ما يتم تبادله» سواء كان حديثاً أم كراهية 





هنا قد تكون للمرء مآخذ كثيرة على الفيلم» 
ولا سيّما منها ما يتعلق بالإيقاع؛ غير أن ما 
يشفع هو أن «التائب» قدّم واحدة من أقوى 
المحاولات السينمائية الجزائرية لقول ما 
حدثء والتعبير عن ماض لعل أخطر ما فيه أنه 
اويل بعد أن معين.' 

وحسبنا لإدراك ذلك أن ننتظر المشهد 
الأخير الذي قد يكون في حد ذاته جواباً 
فصيحاً عن «فرحة) فشل الأصوليين في 
الانتخابات الأخيرة. 


تراب الغرباء 


«تراب الغرياء) 





(/149) .<ألوان) 
إخراج: سمير ذكرى 
قصة: فيصل خرّش 
سيناريو وحوار: سمير ذكرى 
تصوير: حنا وارد 
موسيقى: ١‏ جيرار رئيسيان ومنتخبات عالمية 


تمثيل: بسام كوساء إيمان الغوري» أسامة عاشور 


يحمل هذا الفيلم» الذي من الصعب 
للوهلة الأولى أن يوحي عنوانه الرئيس 
بموضوعه: عنواناً ثانوياً هو (مشاهد من حياة 
الشيخ عبد الرحمن الكواكبي وموتها. ومع 
هذا إذا كان الفيلم يتألف بالفعل من مشاهد 
عن حياة ذلك المفكر والمناضل النهضوي 
الإسلامي العربي» الذي عاش أواخر القرن 
التاسع عشر وقتل أوائل القرن الذي يليه 
فإنه ‏ أي الفيلم - يتوقف في أحداثه قبل 
من معنى للعنوان الثانوي» الذي تحمله أصلاً 
القصة التى أخذ عنها السيناريو»ء والتى كانت 
تتابع حياة الكواكبي حتى رحيله في مصر. 
غير أن هذا يبقى تفصيلاً ثانوياًء أو خطأ غير 
مقصود» ولا ينبغى التوقف عنده مطوٌّلاًء مع 
أن حكاية موت الكواكبى فى حد ذاتها جديرة 
بأن تروى. ولكن طالما أن الفيلم فضّل التوقف 
دونهاء فليكن! 

الفيلم إذاً يتابع حياة الكواكبي ابن مدينة 
حلب الذي اطّلع باكراً على أفكار الكتّاب 


التنويريين الفرنسيين» كما على كتابات أبرز 
الكتاب الاشتراكيين الإيطاليين - وارتاد في 
شبابه حلقات لمجموعات «الكاربورنييري» 
الاشتراكية الإيطالية» وهذا الأمر غير واضح 
0 


هؤلاء كانوا الأكبر تأثيرا في أفكاره» وعلى 
الأقل في خلفية كتابه طبائع الاستبداد. 





١1 


يعتبر (تراب الغرياء) واحداً من الأفلام 
العربية القليلة التي كُرّست لرسم سيرة مفكر 


عربي. ومن الواضح أن الطرف المنتج للفيلم 
(امؤسسة السيئما السورية)» تبنّاه يومها مع 
معرفة واضحة بأن هذا الإنتاج مخاطرة مالية» 
بالنظر إلى أن هذا النوع من الأفلام يصعب 
اجتذاب الجمهور العريض إليه؛ ناهيك 
بصعوبة تحميله عناصر مشاكسة على الواقع أو 
التاريخ تحوّل العمل من عمل تقليدي تعليمي» 
إلى عمل درامي. 

إذء حتى حياة الكواكبي»؛ في معنى من 
المعاني» تبدو رسمياً حياة لا تنسى؛ ما يجعل 
المرء يتجه» وإن بشكل موارب. إلى الاعتقاد 
بأن توقف «أحداث» الفيلم قبل سفر الرجل 


إلى مصرء حيث ستعرف لاحقاً أن السلطات 


تشريح مؤامرة 





العثمانية» بناء على موقف الشيخ أبو الهدى 
الصيادي - «راسبوتين» السلطان عبد الحميد» 
كما يقول البعض -» أرسلت إليه من دسّ له 
السم في القهوة ما أدى إلى قتله. فهذه الحكاية 
تعتبر سجالية. ويبدو أن الفيلم لم يرغب يومها 
في أن يخوض هذا النوع من السجال في 
عمل أراد لنفسه أن يكون صورة ذهئية لحياة 
وأفكار مؤلف ومناضل أهميته بالنسبة إلى 
عصرنا العربي الحديث قد لا تكمن في حياته 
ودراما موته» بقدر ما تكمن في أفكاره التنويرية 
الجامعة بيت العروبة والإسلام» والباحثة عن 
تجمع تقدمي للشعوب الإسلامية ‏ معبّر 
عنه في كتاب أم القرى -» والمناضلة ضد 
التعسف والاستبداد» كما عيّر عن ذلك كتاب 
طبائع الاستبداد. وعشرات المقالات التي 
كتبها الكواكبي ونشرها فى صحف أصدرها 
وأغلقتها السلطات التركية» ومنها #الفرات 
والاعتدال. 

والحقيقة أن الأحداث التي جابهت 
الكواكبي في حلبء وأسهب الفيلم في 
الحديث عنهاء كان من شأنها أن تجد معادلاً 
لها في سنوات إقامته في القاهرة» حيث اختلط 
هناك مباشرة بالحلقات المتحلقة من حول 
أفكار الثنائي جمال الدين الأفغاني - محمد 
عبده؛ ما كان يوفر للفيلم أجواء قاهرية تزيد في 
غنى مشاهده السورية. 

غير أن هذه المشاهد في حد ذاتها أتت غنية 
في الفيلم» رغم فقره الإنتاجي» حيث عوض 
التصوير في أحياء حلب القديمة وبيوتها 
ذلك الفقر. كما أن التمثيل المميز الذي قدمه 


حل 


فنانون سوريون هناء وفي مقدمتهم يسام كوساء 
الذي لعب دور الكواكبي» أضفى على الفيلم 
وحواراته؛ إنسانية لا شك فيهاء ما مكّن الفيلم 
من أن ينجو من سطوة الأدب واللغة التعليمية. 


«تشريح مؤامرة» 

٠ )1 9177‏ د. (ألوان) 
إخراج: محمد سليم رياض 
قصة وسيناريو وحوار: ١‏ محمد سليمرياض 
تصوير: جاك سصبير 
تمثيل: برنار فريسون 


في الوقت نفسه الذي كانت فيه السيئما 
الجزائرية» خلال النصف الثاني من سبعينيات 
القرن العشرين» تخرج عن تعيينيات أفلام 
تمجيد الثورة» لتدخل في فضاء سيئما النقد 
الاجتماعي» كانت فيه سينما أخرى تحاول أن 
تولدء سياسية - كما الحال دائماً - ولكن في 
اتجاهات غير معهودة جزائرياء وإنما تنحو نحو 
إلى ذروة نجاحها مع فيلم «زد» للفرنسي 
اليوناني الأصل كوستا - غافراسء الذي كان 
من إنتاج جزائري؛ ما أضفى مشروعية ما على 
السينما الجزائرية التي نتحدث عنهاء وكان 
يمثلها في سياقنا هنا فيلم «تشريح مؤامرة» 
للمخرج سليم رياض. 

ومنذ البداية لم يفت هذا الأخير أن يؤكد 
أنه» أصلاًء ليس من هوأة صنع الأفلام الخاصة 
أو الذاتية» مؤكداً أنه يصنع أفلامه بشكل ينال 


تشريح مؤامرة 


رضى الجمهور وقبوله. أما الموقف السياسي 
والفكري الخاص فإنه «متضمّن داخل الفيلم 
نفسه». وكان سليم رياض قد سبق له أن حقق 
قبل «تشريح مؤامرة) فيلمين لافتين هما: 
«سنعود) عن المقاومة الفلسطينية؛ و«رياح 
الجنوب» عن بعض المشكلات الاجتماعية 
والجزائرية. أما «تشريح مؤامرة» فشاءه فيلماً 
سيان على النطط السزليهي» وذ ركيت 
كلاسيكي إلى حد ما. 1 


ى 





2# 


تقع أحداث الفيلم (وهي مبنية على 
أحداث حقيقية يقول الفيلم إنها وقعت فعلاً 
فى الجزائر) خلال كانون الثانى/ يناير - من 
العام 1915 حين تصل عصابة إرهابية إلى 
عاصمة إحدى البلدان العربية بهدف زرع 
متفجرات في نقاط استراتيجية هامة» والقيام 
بمؤامرات ضد حكومة البلد كسبيل لتطويعه 


١؟١‎ 


وتحويله إلى بلدتعاميع الخراوه وبالايع (كما 
حدث في الواقع) تتكشف المؤامرة في النهاية 
ويُلقى القبض على المتآمرين. 

إباد عرض القيلم كال سل رياف نه 
«الحقيقة أنني لم أقصد بفيلمي هذاء أن أقدم 
عملاً استعرض فيه عضلاتي كفنان» بل شئت 
استخدام الإمكانات التقنية» والانتشارية 
التي يتبحها فن السينماء كي أفضح أواليات 
السياسات الغربية الرسمية المنافقة التي 
لا تنوقف عن حياكة المؤامرات ضد الأنظمة 
التقدمية. ومن هنا تجدني هنا قد استخدمت 
املو جد ني قرلا ارق لحمو 
كي أصوّر المؤامرة في فصولهاء غير مكتف 
بالسرد السينمائي للأحداثء بل متجاوزا هذا 
لأورد تحليلاً سياسياً لا ينسب الجرائم إلى 
قوى مجهولة يزعم عادة أنها أكبر من طاقتنا 
بكثير» بل أشير بأصابع الاتهام واضحة إلى 
القوى الحقيقية التي تقف وراء كل ما يحاك 
حولنا من مؤامرات». وللوصول إلى هذاء 
استخدم سليم رياض في فيلمه كل العناصر 
الترويجية التي تؤهله للنجاح: إخراجا ديناميا 
بسيطاً؛ نجوماً أوروبيين معروفين (مثل برنار 
فريسون)؛ تصويراً حاذقاً ومريحاً؛ وموسيقى 
ملائمة؛ وأخيراً تركيب شخصيات تجعل الفيلم 
شديد القرب من منطق أفلام كوستا - غافراس 
وإيف بواسيه. ويلفت سليم رياض النظر هنا 
إلى أنه كان في الفيلم أكثر صراحة من الناحية 
الاتهامية من معلمّي السينما السياسية الفرنسية 


هدين. 


ثرثرة فوق النيل 


ويمكن القول ببساطة» وعلى الرغم من أية 
تحفظات يمكن التعبير عنها إزاء فيلم كهذاء 
أن تشخيص سليم رياض لعناصر فيلمه لم 
تخطى؟ فالفيلم ضرب أرقاماً قياسية في الإقبال 
في عروضه الجزائرية... كما أن الجمهور 
في مدن وبلدان عدة استقبله في ذلك الحين 
مرحُبأء حتى وإن كان 75 تشريح مؤامرةة يبدو 
اليوم منسياً بعض الشيء.. وعن صواب! 


«ثركرة فوق التيل» 
9/1 1) 
أسود وأييض مع مشهد واحد بالألوان 





ه6ؤ_11اد. 


إخراج: حسين كمال 
قصة: نجيب محفوظ 
سيناريو وحوار: ممدوح الليثي 
تصوير: مصطفى إمام 
موسيقى: علي إسماعيل 
تمثيل: عماد حمدي, أحمد رمزي: 
سهيل رمزي؛ ميرفت أمين 

الريعاد اخكر لهذا الغيلم فلي لاله 
أفضل ٠٠١‏ فيلم حققت في مصرء التي 


صدرت في كتاب ضخم شارك في إنجازه 
عدد كبير من النقاد المصريين. هل يعنى هذا 
أن النقاد المصريين لم يحبوا الفيلم؟ على 
الأرجح... لكن الفيلم عاش ولا يزال يعتبر 
حتى اليوم نموذجا للسينما السياسية التي 
حققت في مصرء حتى وإن كان ثمة دائما 
علامات استفهام محورها عرض الفيلم من 


يفيل 


دون مشكلات رقابية بعد شهور قليلة من 
انقلاب الرئيس أنور السادات على أساطين 
العهد الناصريء الذي يدينه الفيلم كما تفعل 
رواية محفوظ التي اقتبس الفيلم منها. فهل 
معنى هذا أن ثمة انتهازية ما في عرض الفيلم» 
وأنه استخدم سياسياً من قبل نظام ليحطم 
سمعة نظام آخر؟ ربما. سي 
من قيمة الفيلم» وليس تغطيته كوثيقة سيا 
عن إخفاقات عهد في تطبيق الشعارات ّ 
كان قام على أساسهاء بل بخاصة قيمته كعمل 
فني عرف فيه مخرجه كيف يتعامل بحذق مع 
نص أدبي يبدو منذ البداية وكأنه يتسلل بين 
رمال متحركة. 

تدور أحداث الفيلم في عوّامةٍ راسية على 
النيل ومن حولها. في تلك العوّامة يجتمع 
بشكل يومي تقريباً عدد من الأشخاص 
الذين يمثلون عدداً من قطاعات المجتمع 
المصريء يثرثرون ويدخنون متهكمين على 
كل شيء وعلى أي شيء؛ فيهم - كما في 
#ميرامار» الفيلم «المحفوظي؛ الآخر الذي 
يماثله مشاكسة ومصيراً - الموظف الصغير 
المطحون والنجم المغبرك الحائر من حول 
قيمة أدائه ومكانته» والموظفة الشابة الحسناء 
المتمردة على واقعهاء والزوجة التي تبحث 
عن الانتقام في الغوص في الملذات بعدما 
اكتشفت خيانة زوجهاء والصحافي الانتهازي. 
والمحامي المهمش. والأديب الذي يعيش 
دون مبادئ» والطالبة التي تعيش في ظل أسرة 
مستهترة» والصحافية التي تراقب ما يحدث 
وهي تتعاطى المخدرات وتنتقد كل ما حولها. 


ثلاثة على الطريق 





ولحراسة العوّامة ‏ ومشاهدة ما يحصل 
فيها في صمت ذي دلالة هناك البواب 
الهادئ الحكيم الذي يعبر في نظراته عن 
رأي الشعب البسيط في هذه النماذج البشرية 
التي... أنتجتها الثورة! وذات ليلة في خضم 
سهرة حافلة بالرذائل والموبقات والثرثرة 
الفارغة يصدم أحدهم امرأة ويقتلهاء ويبدأ 
النقاش في شأنها وشأن المسؤولية من حول 
المرأة القتيلة» ولكن انطلاقاً من هناء من 
حول الوطن القتيل... فيما تنقطع الأوتار التي 
تربط العوامة بالشاطى» لتبتعد هذه نحو مصير 
مجهول. 

وتقول الناقدة رندة الرهونجي في حديثها 
عن هذا الفيلم: «إنه يضعنا أمام نماذج بشرية 
تختصر المشهد الاجتماعي لمصر منتتصف 
ستينيات القرن المنصرم: سينما تهبط إلى 
الابتذال؛ صحافة ونقاد ابتذاليون يتلاعبون 
بالحقيقة؛ محامون فقدواالإيمان بسلطة 
القانون؟ وأدباء سلبيون منفصلون عن الواقع؛ 
ونساء ضحايا للمدينة الفارغة وجدن في 
الجسد سبيلاً سهلاً للارتقاء الاجتماعي 
والشهرة (...) وفي حين قدم المخرج فيلمه 
في بداية عهد السادات ليدين به العهد السابق 
وليعيّر عن خيبة النخب منه ويحمله مسؤولية 
هزيمة /194571» فقد ظلت رواية نجيب محفوظ 
أزحب من هذه القراءة حتى وإن تنبأت 
بتكسة حزيران بشكل أو بآخر (...). عرف 
المخرج كيف يمزج أدوات المسرح والأدب 
والسينماء فنراه يستعير شيئا من المسرح 
ليحرّك شخصياته داخل المكان الواحد الذي 


يفنل 


يحتل الزمن الأكبر من الفيلم ليعود إلى 
الأدب بمونولوغات سردية تأملية» ولينتهي 
عند السيتما» حيث اليئاء المتماسك للصورة 
التي تحيل على السينما الإيطالية بلونها 
ومناخخها وقوة تأثيرها (...). استطاع فيلم 
#ثرئرة فوق النيل» على أية حال أن ينجو من 
المقارنة مع الأصل الأدبي وأن يتقدم منفرداً 
كمنجز سينمائي خلق لغته وأدوات تعبيره 
البصري...1. 


«ثلاثة على الطريق» 


(11445) © د. (ألوان) 
إخراج: محمد كامل القليوبي 
تأليف: محمد كامل القليوبي 
تصوير: سمير فرج 
موسيقى: راجح داود 
تمثيل: محمود عبد العزيز, عايدة رياض» 

نادر سحسرن 


منذ عنوانه يعرّف القليوبي» وهو ناقد 
معروف وباحث في السينما كان لِتوه قد بدأ 
خوض الإخراج الروائي» فيلمه هذا بأنه فيلم 
طريق. ويتضح أن أفلام الطريق» تفتن القليوبي 
كمافتنت النقاد ونخية الجمهور بشكل 
متواصل منذ بدايات السيئما. 

أما رحلة الطريق هنا فتأتي طبيعية غير 
مفتعلة» أي أن ما يطلقها هو مهنة الشخصية 
المحورية في الفيلم؛ لا حال وجودية أو حادثة 
معينة أو مطاردة من نوع معهود. وعلى هذا 


ثلاثة على الطريق 


النحو يدخلنا المخرج/ المؤلف فوراً في نوع 

من الواقعية بدا دائما عزيزا على قلبه كناقد. 
ولا سيّما أن هذا النوع من الواقعية يتبح لصانم 
العمل الإبداعي أن يتأمل المجتمع دارساً عدداً 
كبيراً من نماذجه؛ محاولاً إيجاد تفسيرات لعدد 
من أوضاعه. 

الشخصية المحورية هي هناء إذا» سائق 
الشاحنة محمود الذي اعتاد التجوال فى 
شاحتته باحثاً عن رزقه في نقل البضائع وغيرها 
بين عدد من محافظات مصر. وهو خلال أحد 
تنقلاته التي كان يقصد فيها طنطا يوافق على أن 
يصطحب معه الصبي خليل الهارب من بيت 
أبيه العائلي بفعل معاملة زوجة أبيه السيثة له. 
وهكذا يبدأ الائنان رحلتهما في الشاحنة من 
الأقصر إلى طنطا. وهي مسافة تسمح بشكل 
طبيعي بالقيام بجولة على رقعة كبيرة من 
التراب المصريء وبين شتى شرائح مجتمع 
مصر. ونحن سرعان ما سنعرف أن بين ما يئقله 
محمود فى الشاحنة كمية من المخدرات. ما 
اعتاد فعله في تنقلاته وقد علمه الزمن كيف 
يتفادى الوقوع في مخالب رجال الأمن. 

وهنا خلال الرحلة يحدث ‏ وهو ما 
يذكرنا في مجال آخر بأحداث فيلم «طريق» 
مصري آخر قديم هذه المرة هو #صراع في 
النيل؛ - أن يزور محمود والصبي خليل أحد 
الموالد» حيث يلتقي راقصة يعرفها مسبقاء 
تسأله أن يصطحبها حيث تقصد لقاء واحدة 
من صديقاتهاء ثم يحدث أن يسرق نشال 
محفظة محمود ويتمكن خليل من استرجاعها 
مايمتن العلاقة أكثر بين الاثنين: بعدما 


1 


أصبحت العلاقة ثلاثية مع وجود الراقصة هذه 
المرة» ما شكل نوعا من عائلة صغيرة عارضة. 
وسرعان ما سوف ينضم إلى هذه العائلة شابان 
أحدهما شيوعي والثاني إخواني. صحيح 
أن هذا الانضمام في سياق الفيلم بدا مفتعلاً 
همّه فرض فصاحة لفظية سياسية مباشرة على 
فيلم كان في غنى عنها. غير أن هذا الحضور 
سوف يجد تبريره بعد قليل عندما يؤدي وجود 
منشورات دعائية حزبية في أيدي الشابين إلى 
القبض على محمود بتهمة بث دعاية سياسية. 
في وقت تغادر فيه الراقصة ويصر الصبي 
خليل على البقاء حتى الوصول إلى طنطا. 
وعلى الرغم من أن الشرطة ستفتش شاحنة 
محمود وتعثر فيها على المخدرات. سوف 
يفلت الرجل هذه المرة من جديد إذ يتبين أن 
المخدرات مغشوشة فهي ليست أكثر من كمية 
من الحنة. 

في نهاية الأمريصل محمود وخليل في 
الشاحنة إلى طنطا ليفاجأ الصبي بأن أمه 
راقصة في الأفراح.. كما بزوج أمه يرفض بقاءه 
معهما. وهناء حتى بعدما كان يل إلى محمود 
أنه «تخلص» أخيراً من خليل» يعود إليه هذا 
وقد قرر البقاء والعيش معه حتى يتعلم منه 

على الرغم من أنه يصعب القول إن هذا 
الفيلم قد حمل أي جديدء فلا بد من أن نلاحظ 
حقق نجاحا جماهيريا كبيراء قفز بمخرجه 
الذي كان هنا يحقق فيلمه الأول» إلى مكانة 
بتعدمة فى اجاضر البيدها المصيرية» ما عل 
النقاد يبحثون عن سر نجاح فيلم كان كثْرٌ 


أنه 


ثلاثية الأطفال والأحلام 


يتوقعون له الفشل. ولكن يبدو أن قوة الفيلم 
كمنت في حركيته» حيث تمكن عبر رحلة 
واحدة من أن يتغلغل في نواح عديدة من 
الحياة المصرية» ومن أن يقدم نماذج عديدة 
من أشخاص علاقات مستقاة مباشرة من الواقع 
المتعدد للحياة الشعبية المصرية. 

ولعل الناقد أحمد الحضري قد لخص هذا 
كله حين كتب عن اثلاثة على الطريق» يقول: 
«يتناول محمد كامل القليوبي من خلال هذه 
الرحلة مشاكل الأسرة والعلاقات غير الشرعية 
وتهريب المخدرات ومشاعر المراهقة» وخخلال 
هذه الرحلة أيفماً يعرض لنا ما يدور من مشاكل 
دولية حولنا عن طريق (استخدامه) راديو السيارة 
أو جهاز التلفزيون في المقهى (معرّجاً) على 
التطرف الديني وأحداث البوسنة وفلسطين». 


«ثلاثية الأطفال والأحلام) 


)5٠٠١١-1١969-0( 


«أطفال جبل النار»  )١95(‏ 55 د.(ألوان) 
«أحلام المنفى» )3٠١1(‏ 5 د. (ألوان) 
«أطفال شاتيلاه )7٠٠١1١(‏ (ألوان) 
إخراج: مي المصري 
تصوير: فؤاد سليمان» حسين نصار» 
جيمي مايكل 

موسيقى: أنور ابراهم» سيمون شاهين» 
فيشوا موهان ياشا 


السينمائي مؤلفاً من «ثلاثيتها» «أطفال جبل 


16 


النار» )١994(‏ و«أطغال شاتيلا» )١994(‏ 
و«أحلام المنفى» »))23٠١١(‏ إضافة إلى فيلم 
مميز عن «حنان عشراوي» حققته في الضفة 
الغربية عام .١995‏ 

والأفلام التي نتحدث عنها هناء ونعتبرها 
ثلاثية» تنتمي من الناحية الشكلية إلى «السينما 
التسجيلية»» حتى وإن كانت مي المصري 
نفسها ترفض هذه التسمية لأنها لا ترى أنها 
مخرجة تحمل كاميرا ل #تسجل» بها واقعا ما. 

وهذا صحيح. بالطبع» ذلك أن أفلام 
مي المصري لا تتتمي قطعاً إلى ذلك النوع 
السينمائي الذي يهمه أن يصور الواقع» حتى 
وإن كانت النتيجة التي يراها المتفرج في 
نهاية الأمر على الشاشة» ولمدة ساعة عرض 
الفيلم» صورة لواقع ما. فكاميرا مي المصري 
ومواضيعها واشتغالها على هذه المواضيع هي 
أكثر مراوغة وذكاء من أن تكتفي برصد واقع 

وليست المسألة» حتى» مسألة توليف كما 
يحدث في أفلام تصور عشرات الساعات» 
لتنجز في نهاية الأمر في غرفة أمام طاولة 
التوليف عبر انحتيار اللقطات الأكثر ملاءمة 
ل «قول خطاب ما». ذلك أن سينما مي 
المصري؛ في جوهرهاء لا تسعى إلى قول 
خطاب معين. إنهاء وبشيء من الاختصار» 
سينما تعيد ترتيب الواقع - وإلى حد ما كما 
تفعل السينما الروائية» ولكن هنا مع «ممثلين» 
تطلب منهم المخرجة أن يلعبوا أدوارهم 
الحقيقية في الحياة. 


ثلاثية الأطفال والأحلام 


أماغاية مي المصري من تصوير هذا 
«الواقع وقد أعيد ترتيبه»» فلا تبدو واضحة 
تماماً لأول وهلة. بل لعل المخرجة نفسهاء 
حين تدخل بكاميراها عالماً أو موضوعاً ماء 
الاتكوة على علم سب نما تريك من للك 
العالم. إنها تكتشف. تسبر أغوار الأشخاص» 
من دون أن تتوقف طويلاً لتحليل الأحداث. 
«الأحداث تحدث من تلقائها؛ تقول مي 
المصري» مضيفة: «وقد يمكن أن أقول إننى 
محظوظة؛ إذ في مرات عدة وفيما كنت أصور 
وأبحث و أدهش أمام عالم أتسلل إليه تسل 
المنتمي لا تسل المتلصصء كانت الأحداث 
سرعان ما تتصاعد من أحداث صغيرة إلى 
أحداث كبيرة. كان حظي أن تكون كاميراي 
هناك لتصور ما لم أكن أتوقعه, ما كان ولا يزال 
يضفي على فيلمي أبعاداً تخرج به عن إطاره 
المعدٌ له أصلاً». 

فيلم #أطفال جبل النار؛ كان يجب أن 
يتخذ شكل «يوميات» تكتبها مى المصري 
بالكاميراء في وصف زيارة تقوم بها لمديئتها 
الأصلية نابلس. كانت زيارتها الأولى 
للمديئة وأهلها بعد غياب ١7‏ سنة. وكان 
في ودِّها- وفريق العمل المرافق لها أن 
يصورا الحياة فى المدينة. ولكن فجأة تدافعت 
الأحداث: الانتفاضة الأولى» سقوط الشهداء. 
امتلاء الأزقة بأطفال يقاومون. وجنازة جار 
استشهد. وهكذاء من غرفتها في المنزل 
العائلي» من نافذة سيارة» في مطبخ بيت عادي» 
وسط أطفال يلعبون لعبة الموت والنضال» 
تحول فيلم مي المصري من فيلم عن لقاء امرأة 


1١1 


بمدينتها بعد غياب» إلى فيلم عن فيلم يحقق 
عن المدينة. صارت السينما هي الموضوع: 
صنع السينما وسط استحالة صنع السينما. ومن 
هنا صارت الكاميرا الشخصية المحورية في 
الفيلم: صارت المصوّر بقدر ما هي المصوّر؟ 

أما «أحلام المنفى؟ فينطلق من أن مي 
المصريء خلال عملها على «أطفال شاتيلاة» 
كانت قد تعرفت إلى مجموعة من الصغار 
والمراهقين» ورصدت نوعاً من التواصل بين 
فتيات من المخيمء ومواطنات لهن في مخيم 
الدهيشة الفلسطيني» عبر الإنترنت. في البداية 
توجهت مي المصري بالكاميراء لتصور ذلك 
التواصلء لكن الذي حدث هو أن الإسرائيليين 
كانوا انسحبوا أثناء ذلك من جنوب لبنان» ما 
فتح المجال أمام لقاء» عبر 2«حدود الخوف»6 
بين الصغار الذين لا يعرفون بعضهم بعضاً إلا 
عبر الإنترنت وعبر الأحلام والآمال والمآسي 
المشتركة. 


وإذرتبت مي المصري لقاء بين أطفال 
المخيمين عند الحدود اللبنانية - الفلسطينية» 
تبدل فيلمها تماماًء اتخذ حياته الخاصة. بالقدر 
الذي حدث فيه تبدّلُ جذري في علاقة الصغار 
والمراهقين» من الجانيين بعضهم ببعض. 
ومن جديد صارت «السينماة هي الموضوع 
هنا: السينما في قدرتها على إعادة تشكيل 
الواقع انطلاقاً من عناصره الطبيعية؛ وليس من 
طريق عناصر تخييلية مقحمة عليه. ولكن هل 
يمكن القول هناء حقاًء إنه يمكن الحديث عن 
حدود تفصل بين الواقعي والتخييلي؟ هذا ما 


ثلاثية الأطفال والأحلام 


يمكن العثور على جواب عنه في الفيلم الثالث 
الثاني زمنياً) «أطفال شاتيلا»» إذ هنا تصبح 
اللعبة أكثر وضوحاً: لعبة الكاميرا والتصوير 

هى العنصر الأبرز والمحرك. والكاميرا جزء 
0 

أفلا يقترح علينا هذا كله أن مانراه 
في «ثلاثية؛ مي المصري هذه.؛ هو سينما 
عن السينما؟ سينما تستهدي - ولو بشكل 
عفوي ‏ بما كان قاله الألماني/ الفرنسي 
جان - ماري شتروب يوماً من أنه بدلاً من أن 
يحقق فيلماً عن هاملت؛ يفضل أن يحقق فيلماً 
عن الممثل الفلاني وهو يلعب دور هاملت. 

ما نشاهده على شاشة أفلام مي المصري» 
إنما هو أطفال فلسطينيون يلعبون أدوار أطفال 
فلسطينيين: أدوارهم الحقيقية في الحياة. 
لكنهم هناء وتلك هي نقاط القوة الأساسية في 
سينما «الحقيقةة هذهء يعرفون أن المطلوب 
منهم أن يجابهوا الكاميراء كممثلين يشاركون 
في لعبة مرايا لا بداية لها ولا نهاية. لعبة مرايا 
تقودها وتخوضها عين مخرجة ذكية؛ قد 
لا يصح أن نقول إنها تعرف مسبقاً ماذا تريد» 
ولكن يصح القول إنها تعرف كيف توظف ما 
قد يفاجئ غيرها بحدوثه أمام كاميراها. 

ومن هنا يمكن أن نفهم مي المصري 
حين تقول إنها لا تسجل؛ مجريات الواقع 
هناء ذلك أن الواقع كما تصوره ليس الحياة 
نفسهاء بل حياة أخرى مستقاة من الحياة لكنها 
تتجاوزها. فمثلاً حين تقول منى» طفلة مخيم 
شاتيلاء في «أحلام المنفى؟ عند بداية الفيلم 
إنها تفضل أن تكون عصفوراً يطير على أن 


فيلا 


تكون فراشة توضع داخل كتاب لتزينه» تعرف 
منى - وتكتشف مي المصري بالتالي - أن مثل 
هذا الكلام لا يمكن أن يقال هكذا في حياة كل 
يوم: يمكنه أن يقال أمام كاميراء أو في رسالة» 
أو في قصيدة شعر. وحين يجلس فادي (طفل 
«جبل النار؟ الرا ائع) ليتحدث عن «الشياب 
المقاتلين؟ قائلاً في النهاية وهو يبتسم بسحر 
وملعئة اسنقاتل» - ماداً حرف القاف إلى ما 
لا نهاية -» يعرف فادي وتعرف مي أن هناك 
كاميرا تصور... أن هناك سينما تصنع للتو؛ 
تحاول أن تنقل من الواقع شاعريته الاستثنائية. 

سينما تشبه مفهوم جويس ل «العمل قيد 
التحقق؛؛ وشاعرية الواقع» وسينما تصور 
أناساً يلعبون السينما: تلك هي العناصر الثلاثة 
الأساسية التي يمكن رصدها في السينما التي 
حققتها مي المصريء منفردة» حتى الآن. ومع 
هذاء ليست هذه السينما سينما عشوائية مغلقة 
على موضوعها الفني. 

إنهاء بعد كل شيء»؛ سيئنما د تقول قضية. 
وقضية سينما مي المصري المحورية هي 
فلسطين: فلسطين كوطن لا يزال قيد التكون. 
وهوية يجب على الصورة أن تحفظها من 
الاندثار. وهذان العنصران يؤمّتهماء هناء تتالي 
أحداث كل فيلم من الأفلام. ودائماً خلال 
زمن التصوير والكاميرا المندهشة ‏ بمراوغة 
لذيدة أمام مايحدث. فمثلأء تطلب 
منى - ابنة شاتيلا في #أحلام المنفى؛ - 
منار - ابنة مخيم الدهيشة؛ ورفيقتها بالإنترنت 
من بعد - أن تصف لهاء بعد زيارة قرية 


آبائها الأصلية شمال الضفة الغربية. فتزور 


ثلاثية الأطفال و الأحلام 





منار القرية لتجدها خراباًء لكنها ترسل إلى 
منى حفنة من ترابها. وهذا التراب» يصبح 
لدى منى كناية عن فلسطين. وربما البديل 
المنطقي الوحيد للوحل القاتل الذي كانت 
كاميرا مي المصري رصاته في أزقة مخيم 
شاتيلاء وسط مستنقعات تصورها حين تبدي 
منى - ورفاقها - بهدوء رغبتها في أن تعيش 
البحر وفضاءه. وهذا كله يحدث أمامنا هناء 
وتبدو الكاميرا وكأنها تكتشفه لحظة اكتشاف 
شخصيات الفيلم له. ومرة أخرى حين يأخذ 
الجد حفيدته ليزور القرية التي كانت مسقط 
رأسه ويكتشفا بيته الحقيقي الأصلي وما تبقى 
منه. هناء الكاميرا موجودة أيضاً تسجل لحظة 
الاكتشاف. 

إن مثل هذه المشاهد واللحظات هي ما 
تخلق ذلك التداخل بين الأفلام والمواقف. 
وتعطي أجزاء الثلائية وحدتها الجانبية. أما 
الوحدة الأساسية فيؤمنها حضور مي المصري 
كمخرجة للأفلام. ولكن هل هي هنا مخرجة 
وحسب؟ من الصعب تصور هذا. ذلك أن 
المخرجة هنا - وهذا سبب إضافي يبتعد بنا 
عن عالم التسجيلي - شخصية أساسية في 
الأفلام. ليس فقط لأنها تحضر وراء الكاميرا 
دائم» وأحياناً أمامها «كمايسترو؛ يقود تسجيل 
ما يحدث» حتى وان كان غير قادر على قيادة 
الأحداث نفسهاء بل أيضاً لأن الأساس هناء 
وفي كل لحظة: هو لعبة المرايا التي تقودها. 
فالحدود بين المصوّر والمصوّر تنعدم هناء 
تماماأ كانعدام الحدود بين المتخيل والواقعي» 
وبين فلسطين ولبنان. 


١74 


والمدهش في هذا كله أن هذا التوحد بين 
العناصر والشخصيات يهيمن تمامأء إذ إن 
كل شيء يبدو وكأنه آتِ من البداهة ليلتحم 
في بوتقة واحدة: العنصر الوحيد الدخيل في 
الموضوع هو الجندي الإسرائيلي (في «جبل 
النار») فهو يبدو بعيداً» دخيلاً» غريباً... وأحياناً 
مثيراً للشفقة. لا يعرف ماذا يفعل هنا. ويالكاد 
يعرف لماذا عليه أن يقتل أو يقتل. 

المهم هناء أن كاميرا مي المصري تصوره 
عرضاًء من دون أن تبدو أنها تفعل ذلك: إنه 
الواقع الوحيد غير المشتغّل عليه. ووجهه 
الوحيد الذي لا يبدو أنه يريد أن يقول شيئاً. في 
المقابل واضح أن أطفال المخيمات» إذ عرفوا 
انهم أمام كاميرا تصورهمء أرادوا أن يقولوا 
أشياء كثيرة: وليس فقط الحرب والمعاناة (كما 
يحدث دائماً في الأفلام الفلسطينية الروائية!). 
إنهم يتحدثون عن الحب والزواج؛ عن الجمال 
وعن السينما. يضحكون ويسخرون وكأنهم 
في برامج حوارات تلفزيونية... لكنهم؛ ولأن 
التجربة علمتهم كيف يمثلون جيداًء ولأن 
مفريتهم كتفت لهم أنهم عنا في تخصم 
لعبة مراياء يفرضها عليهم حضور المخرجة 
وفريقها بكاميراته وآلاته» يعرفون كيف يزيّنون 
كلامهم. فالعري هنا غير ممكن؛ لفظاً وتعبيراً 
عن العواطف. 

ولنتذكر كيف أن منى» حين بكت مرتين 
فى #أطفال المنفى؟ - مرة إذ تذكرت موت 
أبيهاء ومرة إذ راحت تقرأ رسالة وصلتها بغتة 
من رفيقتها سمر التي سافرت من دون إخطار 
إلى لندن كأسرة الحياة والصداقة ‏ أبعدت 


الجبل 





وجهها عن الكاميرا تماماً. ذلك أن لها صورة 
لا ينبغي أن تكشف أي ميلودراما في عواطفها. 
ولأن كاميرا مي المصريء غير تلصصية» حتى 
حين تدخل اينات احترمت هذه الكاميرا 
رغبة منى في البكاء خفية» مركّزة مرة أخرى 
على جانب حاذق وحقيقي من لعبة المرايا 
(ومي المصري ستقول لاحقاً إنه في الوقت 
الذي كانت فيه مستسلمة لدموعها خفية عن 
الكاميرا «كنا جميعاً نبكي وراء الكاميراة -. 
أفلا توصل مي المصري لعبة المرايا هنا إلى 
أقصى حدودها؟ 


«الجبل» 





(19564) 5 .. (أسود وأبيض) 
إخراج: خليل شوقي 
قصة وحوار: فتحي غانم 
تصوير: ضياء المهدي 
موسيقى: إبراهيم حجاج 
تمثيل: سميرة أحمد. عمر الحريري» 

ماجدة الخطيب 


لاشك في أن الذين شاهدوا فيلم 
«المومياء» في مصر وبخاصة خارجهاء 
يفوق عددهم كثيراً عدد الذين شاهدوا فيلم 
«الجبل4» غير أن الذين شاهدوا الفيلمين» وهم 
بالتأكيد أقل من هؤلاء وأولئك» لاحظوا نوعاً 
من الغرابة غير المباشرة بين العملين. ولعل 
سر ذلك يكمن في أن الفيلمين معاًء وكلاً 
على طريقته» ينطلقان من المغامرةة الإبداعية 


ريل 


العمرانية التي خاضها العمراني المصري 
الكبير المهندس حسن فتحي صاحب كتاب 
العمارة مع الشعب. 

مهما يكنء إذا كان شادي عبد السلام» في 
«المومياء» قد بدا متأثرأ» وإن بطريقة موازية» 
جمالية أكثر منها موضوعية بعوالم حسن 
فتحي وأفكاره» فإن فيلم «الجبل» استنادا إلى 
قصة فتحي غانم المعروفة والتي اقتّبس منها 
الفيلم: يبدو أكثر ارتباطاً بحكاية حسن فتحي؛ 
وذلك لأن غانم إنما أراد» أصلاً» في روايته» أن 
يروي الحكاية» وينطلق منها في تأمل عميق 
لمفهوم الثورة» ولا سيّما الثورة حين تنزل إلى 
الناس من أعلى؛ من دون أن تأخذ في حسبانها 
مصالحهم وتاريخهم وترائهم؛ ثم بخاصة 
مصادر رزقهم. 

والحقيقة أن فتحي غانم في قصته؛ وبالتالي 
خليل شوقي في فيلمه؛ عرفا كيف يقدّمان 
أعمق مرافعة حول الثورة» مرافعة تتجاوزء ومن 
بعيد» مغامرة حسن فتحي» حتى وإن كانت 
ترويها بشكل يكاد يكون حرفياً. فحكاية الفيلم 
هي حكاية أهالي قرية القرئة - القرية التي بنى 
حسن فتحي تجربته العمرانية فيها - الذين 
كما يقول ملشخص حكاية الفيلم ترفضوا هجر 
سكناهم في الجبل» حيث كانوا هناك يؤمّنون 
عيشهم من نهب آثار مصر الفرعونية» وييعها 
لمن يشتري من الأجانب». وكانت السلطات 
قد بنت لهمء بمبادرة من المهندس فهمي» 
قرية نموذجية أمّنت لهم فيها كل مقومات 
العيش الحديث معطوفاً على التراث العمراني 
العربي - المصري الأصيل. 


جميلة الجزائرية 





رفض السكان. إذأء الانتقال إلى القرية 
النموذجية» لسبب بسيط» وهو أن العيش الذي 
كانت تؤمنه لهم سرقة الآثارء لم يعد متوافراً 
هنا. أضف إلى هذا أن السكان كانواء ومنذ 
زمن بعيد» يتوقعون اليوم الذي يعثرون فيه على 
كنز هنا توارثوا أخباره. وحده الشاب حسين 
من بين السكان يحاول مساعدة المهندس» 
إذ كان الجبل قد شهد مقتل أبيه وأخته أثناء 
البحث عن الكنزء ما جعله غير قادر على 
الإيمان بعد بهذه الخرافة. 

غير أن دعم حسين هذا للمهندس لن يجديه 
نفعاء ولا سيّما إذ تظهر إحدى أميرات العائلة 
المالكة» المشاركة لسيدة أجنبية في المتاجرة 
بالآثار. وهذه حتى وإن كان وجودها وتجارتها 
يعززان تمسك سكان الجبل بمساكنهم 
القديمة» فإنها تقيم الحفلات الصاخبة في 
القرية النموذجية الجديدة ما تفاقم من رفض 
السكان لهذه القرية» فيواصلون البحث عن 
الكنز» لكنهم حتى نهاية الفيلم ولقطته الأخيرة» 
لن يتمكنوا من العثور عليه؛ بل تطالعهم الخيبة 
التي سوف لن تثنيهم على أية حال عن إلحاق 
الهزيمة بالمشروع النموذجيء وهو ما تعبر عنه 
اللقطة الأخيرة التي تلي العثور على بثر عميقة 
جافة. 2 

إن هذه اللقطة تصور الجبل في شموخه 
وكبريائه» أي في انتصاره على الحداثة. وريما 
يمكننا أن نقول هنا: في انتصارء على الثورة» 
حتى وإن كانت أحداث الفيلم تدور في أيام 
العهد الملكيء أمينة في ذلك لتاريخ تجرية 


ولكن يمكننا أن نفهم؛ إذ كتب غانم قصته 
أيام العهد الثوري وحقق الفيلم في ظل ذلك 
العهد. ويأموال القطاع العامء أن التلميح كان 
واضحا: لا يمكن تغيير حياة الناس من فوق» 
لمجرد أن ثمة رغبات ثقافية تدفع دعاة التغيير 
إلى ذلك. 


«جميلة الجزائرية» 


(6/4ة١1) ٠‏ د.(أسود وأبيض) 
إخراج: يوسف شاهين 
قصة: يوسف شاهين 
سيناريو وحوار: نجيب محفوظ 

عبد الرحمن الشرقاوي 
تصوير: محمد عباس 
تمثيل: ماجدة أحمد مظهر» 


صلاح ذو الفقار» زهرة العلى 


حين تحمست الفنانة المصرية ماجدة 
خلال النصف الثاني من خمسينيات القرن 
العشرين» لثورة الجزائر التي كانت قد اندلعت 
قبل فترة» اتصلت بالمخرج الشابء آنذاك» 
يوسف شاهين لتعهد إليه إخراج فيلم قررت 
هي أن تنتجه عن نضال جميلة بوحيرد. التي 
كان اسمها على كل شفة ولسان في الوطن 
العربي آنذاك... وأيضاً في فرنساء ولكن مع 
اختلاف بيّن في النظرة إليها. 

طبعاً كان شاهين يعرف اسم جميلة جيدأء 
وكان يعرف مثل عشرات الملايين العرب أن 
ثمة في الجزائر ثورة. أما ما عدا هذاء فكان 


جميلة الجزائرية 


مجهولاً تماماً بالنسبة إليه. ولسنا ندري ما إذا 
كان قد فاتح ماجدة بهذا الأمر حين التقياء لكتنا 
نعرف طبعاً أن ماجدة نفسها كانت تقدم على 
مجازفة فنية مدهشة: تطلب من شاهين تحقيق 
الفيلم» في وقت يرجم هذا الأخير ويُشْتَم إثر 
عرض فيلمه اباب الحديد؛ الذي اعتبر فيلما 
ملعوناً لا علاقة له بالسينما وسنفهم لاحقاً أن 
لا علاقة له بالسينما... التي كانت سائدة في 
مصر في ذلك الحين. 

المهم أن شاهين» حين طلبت منه ماجدة 
العمل معهاء كان لا يجد أي منتج يعهد 
إليه بأي فيلم. ومن هنا أقبل على المشروع 
بحماسة. أما الضمانة» فكانت في مكان آخر: 
في السيناريو الذي تشارك في كتابته بعض 
أصحاب الأسماء الألمع في الثقافة المصرية 
في ذلك الحين: نجيب محفوظ وعبد الرحمن 
الشرقاوي وعلي الزرقاني ووجيه نجيب» عن 
فكرة ليوسف السباعي. إذأ» في هذا المناخ» 
ومع هذه الصحبة؛ لم يكن مطلوباً من شاهين 
أن يكون أكثر من منفذ تقني لفيلم يراد منه أن 
يكون عملاً وطني» يمثل إسهاماً مصرياً حقيقياً 
في دعم الثورة الجزائرية. 

ونحن إذا قلئا هنا إن الفئانة ماجدة كانت 
هي المنتجة؛ فإن هذا لا يعني» بالطبع» أن 
مؤسسات الدولة المصرية لم تكن لها يد في 
إنتاج الفيلم. ولا يمكن أن يشكل هذا الكلام 
لوماً لأحدء ذلك أن ثورة الجزائر كانت ذات 
شعبية» وكان نضال أبنائها محتاجاً إلى أن يرفد 
عربياًء في وقت كان فنانون فرنسيون وغير 
فرنسيين يتسابقون لإنتاج أعمال فنية وأدبية 


فرق 


يقف القسم الأفضل منها إلى جانب النضال 
الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي. ومن هنا 
جاء فيلم شاهين ليعوض الغياب العربي. وهو 
أدى غرضه في نهاية المطاف. ولو وجدانياً. 
وحتى وإن كان سينمائيون ونقاد ومناضلون 
جزائريون» سيسخرون لاحقاً من تبسيطية 
الفيلم» لا سيّما إذ اختصر نضال مئات الألوف 
من المجاهدين» في ما فعلته امرأة وحوكمت 
من أجله من المحتل. 

والحال أن مشاهدة #جميلة الجزائرية؟ 
اليوم لن تجعلنا أكثر مناصرة للفيلم من هؤلاء 
الجزائريين» ذلك أن هذا الفيلم المنتمي حقاً 
إلى السائد من «السينما الوطنية المصرية؛ التي 
كانت تننج في ركاب «ثورة الضباط الأحرار» 
ورغبتها في أن توجد سينما مؤدلجة تستخدم 
في تعبئة الخواطر والأنفس حول القضايا 
الوطنية» عكس تماماً رؤية عاطفية تكاد تكون 
دعائية» للثورة الجزائرية» رؤية كانت أدبيات 
المرحلة ومقالاتها الصحافية تساندها: من 
ناحية عن عروية الجزائر؛ ومن ناحية ثانية» عن 
الشيطنة المطلقة للعدو... وما إلى ذلك. فإذا 
أضفنا إلى هذا مسألة البطولة الفردية» وحكاية 
جميلة وحدها كمحور للفيلم» يمكننا إن لم 
يكن طرح هذا الفيلم من فيلموغرافيا يوسف 
شاهين» فعلى الأقل عدم إعطائه مكانة أساسية 
في فيلموغرافيا سينما الثورة الجزائرية. 

غير أنه في مقابل هذاء كان يسجل» 
بعد شرائط قليلة حققتها السينما المصرية 
للحديث عن قضية فلسطين (وكلها لا تقل 
تبسيطية عن قجميلة الجزائرية»)» لهذا الفيلم 


أنه شكّل خروجاً لبعض السيئما المصرية عن 
المواضيع الداخلية» لتأمّل الأحوال العربية. 
ولم تكن مصادفة أن يتزامن هذا مع توجهات 
الثورة المصرية نفسها نحو الوطن العربي؛ ما 
«توج» في العام نفسه الذي حقق فيه #جميلة 
الجزائرية؛ وعرضء أي عام 1168. بتلك 
الوحدة «الاندماجية» مع سورية التي أثارت 
حماسة كبيرة قبل أن تجهض بعد سنوات 

غير أن هذا كله» يجب ألا ينسينا أنئا هناء 
مع «جميلة الجزائرية» في صدد فيلم سينمائي. 
ذلك أن يوسف شاهين» الذي وجد نفسه مع 
سيناريو لا يحق له أن يحدث أي تبديل في 
سياقه الحدثي, أو بعده الأيديولوجي؛, أحس 
بشيء من الراحة بالتخلص من أي مسؤولية 
في هذا المجال» ما جعله قادراً على أن يتفرغ 
للعمل الفني؛ مشتغلاً على كاميراه وممثليه 
بمقدار ما يمكنه ذلك» وهو يسعى إلى تطوير 
لغته السينمائية التي كانت شهدت مع #باب 
الحديدة قفزة نوعية بالتأكيد. 

صحيح أن ما في الفيلم من أحداث» ينسب 
إلى «الواقع التاريخي؟ المعاش» وأن ما فيه من 
أفكار سياسية» ينسب إلى «رفاق درب» الثورة 
من الكتاب الذين كتبوا القصة والسيناريو. لكن 
شاهين يبدو هنا مسؤولاً عن كل ذلك التداخل 
بين الأماكن والأحداث والشخصياتء والذي 
أوجد توليفة لا بأس بها بين البعد الوطني 
الحدثي المنسوب إلى الجزائر والبعد الروائي 
المعهود في السيئما المصرية» ولا سيّما من 
خلال استخدام ممثلين لم يتمكن أي منهم 


نحن 


من إقناع المتفرج بأنه جزائري» حتى ولو مثل 
الواحد منهم (ماجدة أو أحمد مظهر أو زهرة 
العلا أو رشدي أباظة أو صلاح ذو الفقار) 
خارج مألوفه. 
فهؤلاء كانوا نخبة النجوم في مصر في 
ذلك الحين؛ ومن هنا لم يكن سهلاً على 
المتفرج» مصرياً كان أم عربي» أن ينسى من هم 
طوال ساعتي عرض الفيلم... لااسيّما ماجدة» 
التي أضفت على شخصية جميلة مسحة» 
ذكّرت المتفرجين في كل لحظة بلقبها الشهير 
عند ذاك: #عذراء الشاشة العربية»» وبدت 
لحظات لقائها مع أحمد مظهر» لقطات منتزعة 
من عشرات الأفلام الدرامية ‏ الرومانسية 
المصرية. ناهيك بأن الممثلين والكومبارس 
المصريينء الذين قاموا بأدوار الضباط أو 
الجنود أو المواطئين الفرنسيين» كان يبدو على 
سيماهم في كل لحظة انزعاجهم من لعب دور 
المحتل. لكن شاهين لم يبد عابثاً بهذا كله. بل 
لعب لعبته الإخراجية» محاولاً قدر الإمكان أن 
يغطي على #صدقية» الواقع التاريخي» بألعاب 
سينمائية» من الواضح أنها سلّته كثيرأ» ومكنته 
من خوض تجارب في حركة الكاميراء وفي 
تقطيع المشاهد ستؤسس بالتأكيد بعض أفضل 
لحظات التشويق في أفلام تالية له. 
بعد هذا كله» هل كانت تهمٌّ شاهين حقاً 
حكاية الفيلم التي تدور أحداثها في العاصمة 
الجزائرية خلال الصراع العنيفء والبطولي من 
دون شائبة من الجزائريين الوطنيين (الطيبين 
دائماً) وبجبن وحْسَّةٍ من الفرنسيين الأشرار؟ 
وهل أهمته أكثر من هذاء حكاية جميلة الطالبة 


الجنة الآن 





الشابة التي عاشت الأحداث في مدينتها وهي 
ترصد ما حولها بانتباه» حتى اللحظة التي 
تعتقل فيها واحدة من صاحباتها ما يوقظ وعيها 
الذي أدى إلى اعتقالها ومحاكمتها؟ 

تشكل حكاية جميلة هذه العمود الفقري 
للفيلم... لكن ثمة عوالم أخرى فيه: القمع 
الذي يخوضه الجنرال الفرنسي بيجار 
وجئوده المظليون في «القصبة» الجزائرية 
(تحولت في الفيلم إلى ديكور سيقول 
الجزائريون لاحقاً أن لا علاقة له البتة بالقصبة 
الحقيقية). ثم هناك المحاكمة وبدء تنبّه الرأي 
العام الفرنسي إلى الظلم الذي يتعرض له 
الجزائريون: هذا التنبّه الذي يمثله إسراع 
المحامي جاك فرجيس إلى الدفاع عن جميلة 
أمام المحكمة. جميلة التي ينتهي الفيلم 
عليهاء منتصرة على المحكمة تنادي عالياً 
بالنصر النهائي للشعب الجزائري. 

مهما يكن من أمرء راق هذا الفيلم كثيراً 
المتفرجين العرب. الذين كانوا يصفقون عند 
كل لحظة من لحظاته» ويحلمون بالانتصارات 
الكبرىء؛ بل حتى الجزائريين:» الذين لم 
يستسيغوا الفيلم كثيراء مفضلين عليه أفلاماً 
أوروبية حققت قبله وأخرى ستحقق من بعده» 
قالوا: #بعد كل شيء يمكننا اعتبار هذا الفيلم 
صرخة إلى جانب الحرية والنضال»» آخذين 
في الحسبان» المفعول الذي كان لهذا الفيلم 
في البلدان العربية» حيث ساهمت نجومية 
أبطاله» ولا سيّما ماجدة» في توعية كثر على ما 
كان يحدث في ذلك البلد العربي. 


1 


أما بالنسبة إلى شاهين؛ فإنه ويا لغرابة 
الأمر! ما إن انتهى من «جميلة الجزائرية» حتى 
راح يخوض واحدة من أكثر مراحل مساره 
السينمائي «سواداً» على حد تعبيره» إذ حقق 
من بعده أربعة أفلام ميلودرامية متتالية» أعلن 
دائماً ندمه على تحقيقهاء قبل أن يخوض 
تجربة دعائية تالية» ولكن هذه المرة من خلال 
شخصية صلاح الدين الأيوبي. 


«الجنة الآن» 


[ففتلقة ٠‏ د. (ألوان) 
إخراج: هاني أبو أسعد 
سيناريو: هاني أبو أسعدء بيروباير 
تصوير: انطوان ايبرليه 
موسيقى: جينا سومدي 
تمثيل: قيس ناشفء علي سليمانء لبنى الزيال 


#كان من المهم جداً أن يشاهد الإسرائيليون 
هذا الفيلم... ففي العادة هم لا يريدون أن يروا 
الفلسطينيين» الذين صاروا بالنسبة إليهم صنوا 
للرجل غير المرئي. لذا سنحاول الآن أن نضع 
الرجل غير المرئي هذا على شاشات السينما 
عندهم». بهذا الكلام علق هاني أبو أسعد. 
مخرج الفيلم الفلسطيني «الجنة... الآن» على 
السجال الحاد الذي دار في برلين خلال دورة 
مهرجانها الذي عرض فيه فيلمه هذا ونال 
جائزتين ثانويتين. ومردٌ ذلك القول الإدراك 
العام بأن «الجنة... الآن» ليس من الأفلام التي 
قد يحب الإسرائيليون مشاهدتهاء أو قد تحب 


الجنة الآن 





سلطات تل أبيب أن تشاهدها معروضة فى 
صالاتها. ١‏ 

مهما يكن منل عروضه الآولى ذلك كان 
يمكن الوقوف بقوة إلى جانب المتحمسين 
لهذا الفيلم الذي أتى يومها ليضاف إلى سجل 
سيئما فلسطينية؛ شابة وحيوية ومتميزة فنياً 
أيضاًء بدأت تفرض حضورها بقوة - على 
مهرجانات السيئما في العالم الأوروبي على 
الأقل - وتتتج تحفاً صغيرة تحمل حيناً توق 
ميشيل خليفي وحيناً إيليا سليمان أو رشيد 
مشهراوي أو مي مصري أو توفيق أبو وائل. بيد 
سا ا وو 
وذلك بالتحديد لأن «الجنة... الآن» نفسه 
فيلم مختلف. مختلف في موضوعه الجديد» 
والراهن» ممختلف في دينامية لغته السينمائية. 
ومختلف في قدرة مخرجه على إدارة ممثليه 
بحرفية مدهشة» ومختلف حتى بترجمة ردود 
الفعل التي يجتذبها. 

فهنا تحت دائرة التعاطف المسيق يجد 
المتفرج نفسه أمام عمل يجمع الدراما 
بالتشويق؛ السياسة بالكوميديا؛ الواقع 
بالتأمل الفكري. وكل هذا من حول موضوع 
يمس جوهر مايثير اهتمام العالم أجمع: 
«موضوع 0 كما يطلق عليه في 
الغرب. ذ«الجنة... الآن؛ اختار أن يطرق هذا 
الموضوعء ا ومن أوسع أبوابه» طارحاً 
الكثير من تلك الأسئلة الشائكة التي تدور 
حول من هو الانتحاري؟ كيف يصبح قتبلة 
متحركة: جاعلاً من جسده. سيارة «مفخخة»؟ 
لماذا يصبح انتحارياًء وليس من ناحية الداقع 


1 


السياسي والديني فقط؟ كيف يجند؟ هل هو 
إنسان من لحم ودم أم إنه مجرد ماكينة قتل؟ 
ثم ما هي مشاعره الخاصة إذ يقدم على ما يقدم 
عليه؟ 

هذه الأسئلة التي من الواضح أن قلة من 
الناس تطرحها أو تتجرأ على طرحهاء جعل 
منها هاني أبو أسعد» مركز الصدارة في فيلم» 
كان عليه في نهاية الأمر أن يسير على حبل 
مشدود. لاأة كل مايمس خلا التوضوع 
يبدو - من المحظورات أو المسكوت 
ا 
المنطقية لرغبة قول ما لم يكن يقال. حيث إن 
الإنسان» في الانتحاري» يختفي عادة بين أثيرية 
ظرة تطهره تماماً في أعين مؤيّديه؛ وبين شيطنة 
هي نصيبه لدى ضحاياه أو أعدائه. 

من الواضح أن هاني أبو أسعدء اختار ألا 
تكون نظرته لا هذه ولا تلك. اشتغل على 
التفاصيل الصغيرة. بنى حبكة درامية ذات خط 
تشويقي. وأتى بممثلين متميزين ليقدم فيلما 
يمكن» في قشرته الأولى التعامل معه على أنه 
فيلم مغامرات ذو مواقف تقترب أحياناً من 
الكوميديا اللطيفة» وتغوص غالباً في لغة أدنى 
إلى الوثائقية. 

وهذا الأمر الأخير ليس جديداً على هاني 
أبو أسعد» إذ نعرف كيف أنه في فيلمه السابق 
والأول «عرس رنا» قدم من خلال بحث 
الشابة الفلسطينية.رنا عن خطيبهاء تفاصيل 
الحياة اليومية في القدس. هذه المرة تنتقل 
كاميرا أبو أسعد إلى نابلس... وبدل رنا لدينا 
خالد وسعيد» شابان فلسطيئيان أصبحا فجأة 


الجنة الآن 





متعطلين من العمل. وها هو أستاذ المدرسة 
الموقر هو أحد قادة تنظيم إسلامي يمارس 
النضال من طريق تجنيد الانتحاريين وإرسالهم 
إلى المدن الإسرائيلية. ها هو يختارهما للقيام 
بعملية انتتحارية مزدوجة في تل أبيب. أول 
الأمر تبدو حماسة الشابين كبيرة... ولكن 
سرعان ما تبدأ الشكوك تساور أحدهما فيما 
يبقى الآخر على حماسته؛ قبل أن تحدث 
نكبة في الاندفاع لاحقاً. المهم الآن أن 
الشابين يتلقيان كل ضروب التمهيد والإعداد 
النفسي واللوجستي والديني متقبلين» بتفاوت 
في المشاعرء إزاء فكرة أن الساعات الأريع 
والعشرين المقبلة هي آخر ما سيعيشان. 

إن الفيلم» إذأ» يرصد تلك الساعات» حيث 
ولا حتى عائلتيهما بما هما مقبلان عليه... 
وهما يخضعان طوال تلك الساعات الحادة 
إلى رقابة صارمة. وإذ يحين وقت التوجه إلى 
تل ابيب» حيث سيكون في انتظارهما متواطئ 
يعمل بالأجرة مع التنظيم - وهو اليهودي 
الوحيد في الفيلم - تركب القنابل على جسدي 
سعيد وخالد وقد أقفلت في شكل معقد يجعل 
من المستحيل على أي كان فكهاء لا يفكها إلا 
الذي ركّبها... ما يجعل مفعولها حتمياً... على 
الأقل بالنسبة إلى الانتحاريين. وفي اللحظة 
النخغطط نهامن جاتب زعي التنظيم؛ ومن 
بعد مشاهد طقوس مرعبة حقا تنتهي بمشهد 
رمزي يتناول فيه الشابان طعام العشاءء مع ١7‏ 
من أفراد التنظيم ‏ ما يدرك معه المتفرج النبيه 
رمزية تقول لنا إن العشاء الأخير للسيد المسيح 


نان 


ليس بعيداً هنا -... ينطلقان عابرّين حاجز 
الشريط الفاصل بين الضفة الغربية وإسرائيل. 
ولكنهما ما إن يعبرا أمتاراً قليلة متنكرين في 
ثياب عرس للتمويه وقد حلقا ذقنيهما» حتى 
يجدا نفسيهما في مواجهة دورية إسرائيلية» 
فيهربا ويفترقا منذ تلك اللحظة كل في طريق. 
وإذ يعود خالد إلى الخلية» يصيح زعيم التنظيم 
بالسؤال عما إذا لم يكن سعيد هو الخائن الذي 
جعل الدورية الإسرائيلية تصل في اللحظة 
الدقيقة. 

ومنذ تلك اللحظة يتخذ الفيلم خطوطاً عدة 
أبدع هاني أبو أسعد في التقاطها والسير بها 
حتى نهاية الفيلم المفتوحة: خط السجال مع 
الفتاة الفلسطينية ‏ المغربية التربية سهى» حول 
جدوى هذا كله. خط اليحث عن سعيد. خط 
التبدل الذي يحصل لدى خالد واكتشافه برودة 
الزعامات في التعامل مع المناضلين وصولاً 
إلى اتهام هؤلاء سعيداً بالخيانة لأن أباه أصلاً 
كان «متعاوناة. وخط محاولات سعيد إكمال 
مهمته» ليس عن اقتناع تام وإنما عن يأس» 
وربما لدوافع عميقة لديه» هو الذي كانت 
نظراته منذ اختير للمهمة تقول كل ذلك التمزق 
الذي يعيشه المواطن العربي العادي البسيط 
تجاه ذلك النوع من العمليات وجدواها. 

طبعاًلن نواصل الحديث عن الفيلم 
أكثر من هذا... فنقط نشير مرة أخرى أننا 
هنا إزاء فيلم فلسطيني كبير» اعتبر وحده 
تقريبا #الحضور العربي» في دورة ذلك العام 
لمهرجان برلين... ثم عرف كيف يؤمّن خلال 


الجوع 





المرحلة التالية الحديث عن حضور ماء 
ومتميز» لسينما عربية متميزة. 

وهنا لا بد من أن نشير إلى أن هاني 
أبو أسعد ساجل طويلاً خلال ذلك 
المهرجان مدافعاً عن الأبعاد الفنية لفيلم من 
المفترض أن يطغى عليه الحديث السياسي 
والأيديولوجيا وسجالاتهماء راح يقول على 
أي حال إنه إنما حقق هذا الفيلم لكي يفتح 
سجالاً حول أمر لا يساجل أحد بشأنه. 
مؤكداً أنه صور فيلمه في نابلسء أي في 
الموقع الساخن للأحداث خلال فترة عصيبة 
ما اضطره أحياناً إلى استكمال تصوير بعض 
المشاهد في الناصرة. 

أما ممثلو الفيلم» وأبرزهم قيس ناشف 
سعيد وعلي سليمان خالد فإنهما آتيان من 
التمثيل المسرحي. في مقابل لبنى الزبال سهى 
المغربية الأصل الحاضرة في السينما الفرنسية 
ولا سيّما في أفلام أندريه تيشينه وهيام عباس 
الفلسطينية المقيمة في فرنسا. 

باختصار أتى «الجنة... الآن» وهو كان 
يومها ثاني أعمال هاني أبو أسعد في مجال 
الفيلم الترواتي الطويل؛ بعد اعرس رناء»ء 
فيلماً كبيراً وجاداً... فيلماً ينجمع المهارة 
التقنية بالصواب السياسي... من دون أن يزعم 
إيجاد الأجوبة لكل الأسئلة المطروحة. وهاني 
أبو أسعد أكد هذا قائلاً إنه يكفيه طرح الأسئلة 
التي لا يريد أحد أن يطرحها حقاً... الأسئلة 
التي آن الأوان لكي تطرح من دون أفكار 
مسبقة وذاتية مفرطة... لأن هذين سيقطعان 
الحبل المشدود إرباً في نهاية الأمر. 


لين 


«الجوع» 





(1945) د. (ألوان) 
إخراج: علي يدرخان 
قصة: نجيب محفوظ (الحرافيش) 
سيناريو وحوار: علي بدرخان. مصطفى محرم» 

طارق الميرغني 
تصوير: محمود عبد السميع 
موسيقى: جورج كازاريان 


تمثيل: سعاد حسني» محمود عبد العزيزء يسرا 


أمام الاستحالة الواضحة لتحويل «ملحمة 
الحرافيش» لنجيب محفوظء إلى فيلم 
سينمائي» مهما بلغ طوله» ضرب السينمائيون 
عرض الحائط بهندسة العمل المركبة ولا تقبل 
فكاكأء وبالعلاقات المدهشة والتواصلية التي 
أقامها النص الأدبي بين الشخصياتء وراحوا 
يجزئون الأحداث والشخصيات ليقتبسوها 
في نحو نصف دزيئة من أفلام لا علاقات في 
ما بينهاء وتتفاوت في قيمتها تفاوتاً كبيراً. ولئن 
كان يحق للمرء» في نهاية الأمرء أن يرفض كل 
هذا «العدوان» على واحد من أهم الأعمال 
الأدبية المحفوظية؛ يمكنه؛ على الحافة» أن 
يستثني من الرفض فيلم «الجرع» الذي حققه 
على بدرخان عن واحد من فصول الرواية» 
شرط أن يتعامل معه كحكاية مستقلة في ذاتهاء 
بالكاد تتتمي إلى رواية محفوظ. لا شك في أن 
هذه الاستقلالية هي ما أنقذ هذا الفيلم, . - 

ومن هنا يمكن التوقف عند تلخيص 
حكاية الفيلم» من دون محاولة ربطها بالرواية» 


الحاجز 





أو البحث عن علاقات الماقبل والمابعد 
لشخصياتها ببقية شخصيات العمل. 

وفي هذا الإطار حستاً فعل الناقد سمير 
فريد حين تحدث عن هذا الفيلم بادثاً بالعبارة 
التالية: «استطاع علي بدرخان بوحي من رواية 
نجيب محفوظء أن يصل إلى أكمل تعبير عن 
عالم الفتوات كما عبر عنه الكاتب كوسيلة 
الإنساني (...) إذ نجدنا هنا أمام دراما 
أمام رجل فقير نبيل يتحول تحولا كاملا من 
الخير إلى الشر تحت ضغط آلية المجتمع 
الطبقي التي لم يدركهاء وأصبح ضحية عدم 
وعنيه بها». 

تدور أحداثث الجوع في القاهرة القديمة 
خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشرء 
وبالتحديد في العام /1841» في أحد الأحياء 
الشعبية حيث يطالعنا الفتوة النبيل فرج وهو 
يتصدى ليل نهار للفتوات ورجال العصايات 
الفاسدين الذين لا يتورعون عن اضطهاد 
الفقراء ونهبهم رزقهم... وأما نبيل فرج فيختاره 
أهل الحي حامياً لهم؛ فيرضى بالقيام بالمهمة» 
غير أن السلطة الجديدة التي صارت له؛ تعميه 
عن نبل ماضيه. إذ إنه ما إن يصبح زعيم 
الفتوات الجديد حتى يبدأ باستغلال الفقراء 
الذين كان يداقع عنهم. وتزداد هذه النزعة لديه 
بخاصة بعدما يتزوج من الصبية الثرية التي تريد 
منه أن يحافظ على ثروتها ويدافع عنها... وفي 
الوقت نفسه تكون قد حلّت في القاهرة مجاعة 
تمكن فرج من أن يحتكر بيع الحبوب محققا 


1 


مزيداً من الشروة» وقد استبد به الجشع أكثر 
وأكثر. وفي تلك الأثناء يكون أخوه جابر قد 
تزوج من الحسناء زبيدة رغم أنها حامل» لكنه 
لم يكن يملك الخيار بسبب فقره وفقرها. غير 
أن هذا لا يمنع زبيدة من التصدي لفرج وقد 
جرت زوجها معها وتولت قيادة الحرافيش في 
ثورتهم ضد الجوع والاحتكار. 

وهنا إذ تتتصر الشورة» يسعى الناس إلى 
تنصيب جابر زعيما جديدا عليهم» كرئيس 
للفتوات لكنه يرفض هذا: فهم لم يعودوا في 
حاجة إلى أي فتوّة يقودهم» هم في حاجة إلى 
الاعتماد على أنفسهم» لأن أي زعيم فرد, ما إن 
يصبح زعيماً وصاحب سلطة» حتى يتحول إلى 





احتكاري وجشع ودكتاتور. 

«الحاجز» 

١ )1١48.(‏ د. (ألوان) 

]خر اج: يسام الذوادي 

سيناريو وحوار: أمين صالح 

تصوير: حسن عيك الكريم 

موسيقى: م 

تمثيل: 2 راشد الحسنء ابراهيم القحطاني» 
مريم زيمان 


رغم أن البحرين» ذلك البلد العربي الضئيل 
المساحة الواقع إلى أقصى الشرق من الوطن 
العربى» عرف. منذ أواسط القرن العشرين 
حركة ثقافية إبداعية مدهشة أبرزت قصّاصين 
وشعراء ومفكرين وربما مسرحيين أيضاً 


الحاجز 





غرفوا بوصفهم طليعة إبداعية عربية خارج 
جزيرتهم الصغيرة» كان على الفن السابع أن 
ينتظر بداية سنوات التسعين والمخرج الشاب. 
في ذلك الحينء بسام الذوادي» قبل أن يفرض 
حضوره عبر أول فيلم روائي بحريني طويل» 
متأخراً بهذا نحو عقدين عن الجارة الكويتية 
التي كانت عرفت فيلمها الروائي الطويل 
الأولى على يد خالد الصديق. مهما يكن فإن 
البلدين الخليجيين معأ عرفا بعد ذلك الفيلم 
الأول لكل منهماء تراجعاً ونكوصاً في هذا 
المجال بالتحديد. 

غير أنه بمقدار ماأتى #بس يابحر») 
أنطولوجياًء واجتماعياً وشاء أن يعود عقوداً 
إلى الماضي ليرسم صورة عن تاريخ الفقر 
وضراوةا لعيش في الكويت قبلا كتشاف 
النفط؛ أتى فيلم بسام الذوادي» أقرب إلى 
العمل الخاصء الحديث والذاتيء أتى 
محاولاً أن يتتمي إلى السينما عن السينماء 
أو السينما التي تنظر إلى الحياة عبر الصورة. 
عبر الكاميرا التي تلتقط هذه الصورة. وهذه 
الكاميرا في الفيلم» هي الحاجزء الحاجز 
الذي يقيمه أحد بطلي الفيلم» حسن.ء بينه وبين 
الآخرين» حيث يصر في كل وقت تقريباً على 
أن يحمل الكاميرا ويصور العالم والآخرين 
رافضاً أن ينظر اليهم إلا عبر تلك الشرائط التي 
يصورها لهم معتبراً أن العالم ليس كما هو 
بالفعل» بل كما يتخيله هو. 

الشخصية الثانية الرئيسة في الفيلم هي 
شخصية مصطفىء صديق حسن:ء الذي 
يعيش علاقة انفصامية مع العالم؛ متأرجحاً 


يرن 


بين صورته التي صنعها له أبوه على مثاله» 
وبين رصده لأخيه محمد وعلاقة هذا الأخير 
بزوجته. بيد أن الحاجز الآخر الأساس فى 
الفيلم تمثله علاقة كل من الصديقين بأبيه (ما 
يجعل الفيلم في هذا البعد معبّراً عن صراع 
الأجيال بشكل لافت وشديد الجرأة). فوالد 
مصطفى يطرد هذا الأخير من كنف العائلة 
لأنه لا يطيعه. أما والد حسن فإنه عاجز عن أي 
فعل. 

طبعاً سوف تتطور الأحداث تاليا» ويدخل 
العنصر النسائي من خلال تردد حسن في 
التقدم إلى حبيبته للزواج؛ غير دار بهذا أنه يفقد 
علاقته بها تدريجياء كما من خلال محاولة 
مصطفى من ناحيته» إغواء جارته الشابة» كم 
محاولة قتلها في لحظة فقدانه الرشد ما يوصله 
إلى السجن ويحطم مستقيله. 

غير أن هذه الأحداث ليست أهم ما في 
الفيلم. المهم فيه أن المخرج والكاتب عرفا هنا 
كيف يرسمان جواً لمجتمع غير معروف ارج 
البحرين على الإطلاق» وصورة لتناحرات بين 
الأجيال كان من الصعب الشك بوجودها في 
مثل تلك المجتمعات المغلقة؛ بل عجرت 
الآداب السابقة على الفيلم عن تصويرهاء فإذا 
بالسينما تفعل في ذلك الفيلم الوحيد» الفيلم 
الذي يقول عنه الناقد سمير فريد؛ بعد أن 
يعدد مآخذه عليه كعمل أول: «..يحاول يسام 
الذوادي في أسلوب إخراج الفيلم أن يتجاوز 
الواقعية التقليدية» وينجح في ذلك بالمزج بين 
حياة بطله في الواقع؛ وبين أحلام اليقظة التي 
يعيش فيها بعيدا من الواقع؟. 





«الحب تحت المطر» 





(هم/ا١)‏ 6 .١.‏ (ألوان) 
إخراج: حسين كمال 
قصة: نجيب محفوظ 
سيناريو وحوار: ممدوح الليثي 
تصوير: كمال كريم 


تمثيل: ميرفت أمين: أحمد رمزيء عادل أدهم 


إذا نسينا لوهلة أن فيلم «الحب تحت 
المطر»؛ مأخوذ عن قصة نجيب محفوظ 
المعروفة بالعنوان نفسه. واعتبرناه» كفكر 
وسيناريو» من إنتاج مقتبسه للسينما ممدوح 
الليثي» ومخرجه حسين كمال» فسوف نجد 
أنفسنا أمام فيلم جيد يعتبر من أفضل ما قدمته 
السينما المصرية خلال العام الذي حقق فيه. 
فالفيلم يتناول عددا من الشخصيات في زمن 
مصري حافل بالتفاعل والتوتر والقلق» هو 
الزمن الذي سبق حرب تشرين» ووصلت 
فيه معنويات الجيلين الأوسط والأصغر من 
أبناء شعب مصرء إلى الحضيضء كنتيجة 
لهزيمة حزيران التي لم تنعكس على الأوضاع 
السياسية والاقتصادية وحسبء وإنما تفاعلت 
مع هذه الأوضاع لتحدث صدمة أخلاقية 
وردود فعل سلبية لدى الجيل الشاب. . 

ومهما يكن من أمرء لا بد من التأكيد منذ 
الآن أن الشخصيات التي يتناولها الفيلم» 
مأخوذة في ملامحها الرئيسية من رواية نجيب 
محفوظ: فهناك عليات ومرزوق» الخطيبان 
المفعمان بالبراءة الظاهرة التي سرعان ما 


خرن 


تنكشف عن فساد عميق: ذ عليات في حقيقتها 
شبه عاهرة» ومرزوق يتحول إلى نجم سيئمائي 
انتهازي سرعان ما يتخلى عن خطيبته ويتزوج 
نجمة كبيرة. وهناك بعدهما سناء وإبراهيم» 
الأولسى زميلة عليات في ليالي المصور 
السينمائي الفاسد حسني حجازي» وشقيقة 
مرزوقء والثاني مجند يعيش حرب الاستنزاف 
على الجبهة ‏ إبراهيم يصاب بعينيه فيفقده 
بصره. ومع هذا فإن سناء ‏ على رغم أننا 
نعرف أنها ذات ماض قذر - لا تتخلى عنه» بل 
ترضى بالزواج منه رغم ما أصابه. وبعد ذلك 
هناك منى زهران وسالم علي» خطيبان آخران: 
منى متحررة ومستهترة ترضخ لأول عرض 
سينمائي يأتيهاء لكنها إذ لا تريد أن تدفع الثمن 
للمخرج من شرفهاء تدفع أخيها علي زهران» 
الدكتور الذي يوشك أن يرحل من البلد» إلى 
قتل المخرج محمد رشوان الذي كان قد حاول 
إغواءها. أما سالم فقاض ناجح لا يؤمن بتحرر 
خطيبته فيتركها ثم يحاول أن يعود إليها في 
النهاية. 

هذه الشخصيات الست» هي فى الأساس» 
المحاور التي تدور أحداث الفيلم من حولهاء 
في إطار الجو العام المسيطر على مصر في 
تلك الفترة (سنوات السيعين الانفتاحية). 
غير أن هذه الشخصيات هي الفلك الذي 
تدور فيه أيضاً شخصيات أخرى: حسني 
حجازيء؛ مصور يقيم حفلات خلاعية في 
بيته» ولا يتوانى عن مساعدة صاحباته اللواتي 
يتخلين عنه ويختزن الحياة الزوجية؛ وأحمد 
رضوان. المخرج الذي بسبب حبه للممثلة فتنة 


الحب تحت المطر 





ناضرء يدفع أشخاصاً يشوهون وجه مرزوق» 
زوجهاء فيجعله غير صالح للسينما؛ وعبده 
بدران والد عليات وإبراهيم؛ الذي لا يعرف 
شيثاً عن فسق ابتته؛؟ وأخيرأ» عشماوي مساح 
الأحذية العجوزء الذي يحمل وراءه ماضياً 
حافلاً بالقوة والوقوف إلى جانب الحق» لكنه 
الآن عاجر عن الكلام» ولا يجد أمامه إلا 
التحسرء وإبداء الألم المر. 

والحال أن الفضيلة الأولى لحسين كمال» 
مخرج «الحب تحت المطر» تكمن في هذا 
الفيلم» في أن أياً من الشخصيات لم تفلت منه» 
فهو بالرغم من تعددها وتشابك الأحداث» 
عرف كيف يتعامل معها بشكل جيد» فارتدت 
كل شخصية جلدها الذي فُصَل لهاء وأدت 
دورها على أحسن ما يرام؛ وسط سيناريو 
محكم الصنع» فيه الكثير من التتجديد: ولاسيّما 
في المشاهد التي صور فيها تصوير فيلم داخل 
الفيلم. ففي هذا القسم قدم حسين كمال 
وممدوح الليثي» مايمكن اعتباره في ذلك 
الحين» أهم وأخطر انتقاد ‏ من الداخل - ضد 
السينما المصرية التجارية المتهافتة التي كانت 
هي السيئما الرائجة في ذلك الحين؛ بكل ما 
فيها من زيف ونفاق. ولعله ليس من المبالغة 
القول إن الفيلم» حتى ولو اقتصر على هذا 
الجزء, لكان فيلماً مهما للغاية. 

ولكن الجزء الثاني» الجزء الذي يتعامل 
مع مصائر الشخصيات وتشابك المصائر 
بعضها ببعضء وبالرغم من تفوقه الإخراجي 
والتمثيلى على السواء... أتى ليذكرنا بأننا مرة 
أخرى؛ بعيدون في هذا الفيلم من الجو الذي 


1١+ 


بناه نجيب محفوظ بدقة وذكاءء» وقاد من شخلاله 
شخصيات روايته حب تحت المطر. فالرواية 
في نهاية الأمرء وكما جرت العادة حين يتناول 
قيلم تجاري عملاًمحفوظياً أدبياء كانت 
مختلفة عن الفيلم كل الاختلاف. وفي هذا 
الإطارء قد يكون فى إمكاننا تجاوزاً هناء ومن 
الناحية السينمائية البحتةه أن نقف إلى جانب 
الآراء التي عبر عنها بعض زملائنا من النقاد 
المصريين حين كتبوا عن الفيلم يوم عرض 
أنه إلى حدّ ما قد جاء متفوقاً على رواية نجيب 
محفوظه مضيفين أنه شيء يحدث للمرة 
الأولى بالنسبة إلى أفلمة روايات هذا الكاتب 
الكبير. 

ولكن هذا التفوق في رأينا كان مجرد تفوق 
تقني لا أكثر. وذلك لأن عملية الاجتزاء التي 
مارسها المخرج وكاتب السيناريو على الرواية 
شوهت البعد الرمزي الذي شحن محفوظ 
قصته به. وهو تشويه من الواضح أنه أتى 
عن قصد. ففى الرواية» ومقابل الشخصيات 
السلبية التي صوّرها ميحفوظء واصترها نتاجاً 
للمجتمع العاهر الذي صنعهاء كانت هناك 
شخصيات أساسية عدة أهمها ثلاث: حامد 
شقيق سالم علي. وهو مناضل يساري حمُله 
محفوظ الكثير من أمله بمستقبل مصرء وجعله 
في النهاية يتزوج عليات» برغم كل ما يعرفه عن 
ماضيها - والرمز هناء في الرواية؛ أوضح من 
أن يِفْسَّر في مقال سريع -؛ وأبو النصر الكبير» 
ممثل المقاومة في مصر الذي يحمل عبه بناء 
المستقبل العربي في تضامنه مع حامد؛ وأخيراً 
صفوت الوطني المتحمس للاتحاد السوفياتي. 


الحب فوق هضبة الهرم 





هذه الشخصيات الثلاث؛ اختفت تماماً 
من الفيلم» كما اختفت بعض الأحداث 
والشخصيات الأخرى ذات الدلالة: مقتل 
سمراء وجديء السحاقية التي حاولت التشهير 
بعليات يعد أن ساعدتها على الإجهاض» 
على يد عبده والد عليات»؛ المأزق الذي وجد 
حسني حجازي نفسه فيه وجعله يفكر بالرحيل 
إلى لبئان» شخصية المحامي حسن حموده 
والدور الأساسي الذي يلعبه هذا المحامي في 
الجزء الثاني من الرواية: وبالنسبة إلى مصائر 
عدد من الشخصيات. 

إن هذه الاختلافات كلها بين الرواية 
والفيلم» وهي ليست سوى جزء من مجموعة 
كبيرة من الفروقات» تجعل الفيلم شيئاً آخر 
تماماً غير رواية محفوظء هذه الاختلافات 
تعطي للفيلم بُعداً سياسياً مختلفاً تمام 
الاختلاف عن البعد الذي شاءه له نجيب 
محفوظ. ونحن مع إدراكنا الأسباب الجوهرية 
التي حدت بالمخرج على إحداث كل هذه 
التغيبرات العضوية في الفيلم» لا يسعنا إلا أن 
نعتبر #الحب تحت المطر» فيلماً مقتبساً فقط 
من بعض أحداث رواية نجيب محفوظ لا أكثر 
ولا أقل. 

ولكن هذا لن يمنعناء مرة أخرى؛ من القول 
إن «الحب تحت المطر» الفيلم؛ وبالشكل 
الذي جاء عليه أتى إضافة طيبة إلى السينما 
العربية الجديدة» هذه السيئما التى حتى 
بسلوكها سبيل الميلودراماء كانت تحاول 
في ذلك الحين» أن تتلمس طريقاً يقودها إلى 
تحقيق تلك المعادلة التي كنا ننادي بها دائماء 


بين النيات الطيبة والإمكانات المتوافرة» مادياً 
وسياسياً ومعنوياً. 

وبقى أن نذكر هنا على سبيل الخاتمة 
أن حسين كمال» حقق أفضل أعماله - منذ 
«البوسطجي»» ولاشيء من الخوف» -» في هذا 
الفيلم الذي شهد تمثيلاً ممتازاً لعادل أدهم» 
في دور حسني حجازي» ولعماد حمدي في 
دور عشماوي» وماجدة الخطيب وميرفت 
أمين - في دوري منى زهران وفتنة ناضر على 
التوالي - كما شهد مجموعة من الناشئين 
الذين عرف حسين كمال كيف يحركهم بشكل 


«الحب فوق هضبة الهرم) 





٠٠ )19445(‏ د.,ألوان) 
إخراج: عاطف الطيب 
سيناريو وحوار: مصطفى محرم 
رواية: نجيب محفوظ 
تصوير: سعيد شيمي 
موسيقى: هاني مهنا 


تمثيل: أحمد زكيء آثار الحكيم» أحمد راتب 


بعد مشكلة الفلاحين وحياتهم البائسة 
والتي سعت الثورة المصرية إلى محاولة حلها 
منذ قامت؛ بسلسلة من الإصلاحات الزراعية 
التي أخفقت حيناًء لكنها حققت في أحيان 
كثيرة إنجازات باهرة» كانت مشكلة السكن 
المشكلة الجوهرية التي أخذت الحكومات 
المتعاقبة على نفسها ضرورة حلها. غير 


الحب فوق هضبة الهرم 





أنه سرعان ما تبين أن هذا الحل مستحيل» 
مهما كان شكل الحكم ونوعه؛ حيث التكاثر 
السكاني يسير على وتيرة تفوق كثيراً وتيرة 
البناء وخلق مجمعات سكنية مهما كانت شعبية 
ورخيصة التكلفة. والحقيقة أن هذا موضوع لم 
تتوقف الأفلام المصرية عن محاولة طرحه 
ودائماً من موقع اللوم للسلطات» وفي أحيان 
كثيرة من موقع التساؤل حول #جدوى؛ التكاثر 
السكاني الذي يتسبب في المشكلة. 

ولم يكن نجيب محفوظ متخلفاً عن طرح 
الموضوع. مرات عديدة بشكل جانبي» ولكن 
مرة على الأقل بشكل مباشرء وذلك في روايته 
القصيرة» أو قصته الطويلة الحب فوق هضية 
الهرم» وهي التي حوّلها عاطف الطيب» مع 
كاتب السيناريو مصطفى محرم إلى فيلم يمكن 
اعتباره من أبرز ما حقق هذا الثنائي» حتى وإن 
كان من الصعب اعتبار الرواية نفسها من أعمال 
محفوظ الكبيرة. بالأحرى؛ هي أصلاً من نوع 
الكتابة الخطيّة التي تصلح للسينما وتنتج عادة 
أفلاماً جيدة! 

ولكن لأن محفوظ هو محفوظهء لن 
يكون من الإنصاف القول إننا هنا أمام عملي 
أيدي و لوجي يحاولء كالعادة مع مثل الأعمال 
الإبداعية التي تتصدى لهذا النوع من القضايا 
الاجتماعية» أن يفرض رأياً معيناً وان يستخدم 
السيئما لمجرد مقاومة للأوضاع الراهنة 
والتحسر على حلول لا تأتي. بل بالعكسن 
جاء الفيلم طريفاء غرامياأ بامتيازء متحركا 
بامتياز وكوميدياً ‏ رومانسياً في بعض الأحيان 
بامتياز. ْ 


١ 


الحكاية هنا هي حكاية علي الموظف 
المتوسط الحال في إحدى المصالح 
الحكومية. ذات يوم يتعرف علي إلى موظفة 
جديدة تلتحق بالمصلحة نفسها... ويقع الهوى 
بينهماء ويتعاهدان على الزواج متحدّيّين كل 
الصعوبات الاقتصادية التي تعترض طريقهما. 
فالحال أننا هنا في زمن الفيلم - في صلب 
عصر الانفتاح حيث الصعوبات أمام أي 
حبيبين اقتصادية ولم تعد اجتماعية أو طبقية 
كما الحال في السينما المصرية القديمة. 
سيجابه الحبيبان الصعوبات... ولكن ما 
العمل حين تنغلق أمامهما أية إمكانية للحصول 
على شقة. وبالمعنى المزدوج للكلمة: شقة 
ليعيشا فيها بعد الزواج. وشقة ليختليا يها مع 
بعضهما البعض لتمضية ساعات غرامهما؟ 
إن القواعد الاجتماعية والاقتصادية هناء 
والقوانين» تحول بينهما والاختلاء في غرفة 
فندق أو شقة مفروشة. وهكذا إذ يتجولان 
بين مكان وآخر للحصول ولو على دقائق» 
يجدان استحالة ذلك في مواجهتهما. وأخيرا» 
لا يجدان أمامهما إلا اللجوء إلى مكان خفي 
في هضبة الهرم. ولكن هناك ستكون الشرطة 
في المرصاد لهماء فتقبض عليهما بتهمة 
القيام بأعمال منافية للآداب في أماكن عامة» 
ويحالان على المحاكمة. 

من حول هذه الحكاية المتسمة بقدر من 
طرافة المغامرة» يدور هذا الفيلم الذي يطرح 
في حقيقته واحدة من أكثر المشاكل تعقيداً في 
مصر الحديثة. أما كونه قد أتى» بحسب بعض 
النقاد» مندداً بعصر الانفتاح» كما حال معظم 


حتى إشعار آخر 





أفلام الراحل عاطف الطيب» بل حتى معظم 
أفلام أبناء جيله (محمد خان؛ علي بدرخان» 
خيري بشارة» داود عبد السيد...)» فأمرٌ فيه 
بعض المغالاة» لأن الأحداث كان يمكن أن 
تدور في أي زمن من أزمان مصر الحديثة, 
وفي أي عهد من العهود. وهكذا فهم المتفرج 
الفيلم على أية حال وأعطاه قيمته بين أفلام 





الطيب ورفاقه. 

«حتى إشعار آخر؛) 

(194945) هلاد. (ألوان) 
إخراج: رشيد مشهراوي 
سيناريو: رشيد مشهراوي 
تصوير: كلاوس يوليوسيرغ 
موسيقى: سعيد مراد. فرقة صابرين 
تمثيل: سليم ضوء نائلة زياد محمود قدح 


كان «حتى إشعار آخر؛ الفيلم الطويل 
الروائي الأول لمشهراوي الذي كان؛ قبل 
ذلكء قد لفت الأنظار بعض الشيء بأفلامه 
القصيرة واعتبر وعدا من وعود السينما 
الفلسطينية التي كانت لا تتوقف في ذلك الحين 
عن تجديد نفسها وإعادة اختراع أساليبها 
بشكل يشبه الانطلاقة الدائمة من الصفر. لقد 
أتى احتى إشعار آخر»؛ أشبه بمفاجأة طيبة 
وحصد جوائز عديدة» عربية وعالمية» وبدا 
معه أن السينما الفلسطينية» سيئما الداخل» 
تعرف ولادة جديدة تذكّر بالولادة المميزة التي 
شكلها ظهور #عرس الجليل» لميشيل خليفي 


1١7 


قبل ذلك بسنوات. بل إن فيلم مشهراوي 
الأول هذاء أدهش ببساطته وعفويته ومكره» 
في الوقت نفسه. ومس القلوب بتصويره 
التفصيلي ليومية الإنسان الفلسطيني البسيط 
تحت الاحتلال» لافتاً الأنظار بقدرته؛ في 
مناخ يتراوح بين بريخت وجون شتاينبك» على 
تقديم المقاومة الهادئة التي يقوم بها الإنسان 
الثائر من دون شعارات» وتصويره الإنسان 
المسحوق في قدرته على تحديد زمن نضاله 
وتحايله على ساحقيه. 

أما الحبكة فتيدو شديدة العادية و يلخن 
على الشكل التالي: في أثناء فرض حصار 
إسرائيلي على مدينة غزة» وإعلان حظر 
التجوال في العام "21447 يتكاتف أفراد أسرة 
أبو راجي» المقيمة في مخيم الشاطئ والمؤلفة 
من خمسة أفراد. وعلى الرغم من أن لكل فرد 
من أفراد هذه الأسرة البسيطة والعادية مشاكله 
ومواقفهء فإن الحصار يفرض عليهم التكاتف 
في ما بينهم؛ ولكن أكثر من هذا: التواصل 
مع الجيران؛ في استغناء تام عن مداخل 
البيوت. وهنا تكمن واحدة من نقاط القوة في 
هذا الفيلم» حيث تبدو الحياة سائرة كما هي 
في علاقات خلفية بين البيوت تنم من طريق 
النوافذ والحدائق الصغيرة» ما يكشف كم 
أن المحاصر غريب وتاثه هناء وسط مجتمع 
يعرف كيف يعيش حياته ويسوّي أموره رغم 
أنف الاحتلال. 

إن شبكة العلاقات الخلفية التي يبنيها هذا 
الفيلم الذكي والبسيط في آن معاء هي الابتكار 
المدمش الذي يحمله الفيلم» مستحوذا هنا 


حدوتة مصرية 





على جغرافية الغيتو التي تؤثر عادة في أسلوب 
إقامة الأقليات اليهودية نفسها فى المدن 
الأوروبية وغير الأوروبية المعادية لهم. هنا 
يستحوذ مشهراوي على هذا الغيتو» ويحوله 


الماضي ضحية يقيم في الغيتو» ويقاوم وسط 
دهاليزه وامتداداته الداخلية» ضد جلاده. هذه 
المرة» في فيلم مشهراويء يبدو الضحية السابق 
وقد أضحى جلاداًء والفلسطيني وقد أضحى 
ضحية لهذا الجلاده ولو عبر هذا التوزيع 
الجغرافي الرائع» والذي يحمي حياة «عادية» 
تدور داخله فيما جنود الاحتلال ينتشرون في 
الخارج؛ حتى إشعار آخرء وهم يعتقدون أنهم 
قد تمكنوا من دحر الفلسطيني وإجباره على 
الاستسلام بتضبيق الخناق» في العيش» وفي 
قوة السلاح عليه ناسين أن الإنسان المضطهد 
يملك أسلحة كثيرة. 

أما رشيد مشهراوي فقد تحدث يومها عن 
فيلمه قائلا: «في هذا الفيلم كان هناك واقع 
فرض نفسه علي» حيث إن كوني ذا تجربة 
كبيرة في منع التجول» جعلني قريباً جداً من 
المواد التي اشتغل عليهاء فبدت الأمور وكأنتي 
أحقق فيلماً عن أهلي وبيتي وعن نفسي. كان 
التوجه بالنسبة إلي على شكل إعادة رسم 
للواقع وإلقاء الضوء على التفاصيل الإنسانية 
الصغيرة والتعامل معهاء والتعامل مع الإنسان 
كإنسان وسط وضع معيّن عليه أن يدبّر حياته 
فيه بشكل يومي وسط الاختناق والاحتلال 
والمآسي التي ينسى الناس أن الفلسطيني 
يمكن أن يعيشها أيضاً...». 


١. 





«حدوتة مصرية) 

٠ )19485(‏ د.,ألوان) 
إخراج: يوسف شاهين 
فكرة: يوسف إدريس 
رؤية سينمائية يوسف شاهين 
تصوير: محسن نصر 
موسيقى: جمال سلامة 


تمثيل: نور الشريف. يسراء ماجدة الخطيب 

من ناحية مبدئية بني فيلم احدوتة مصرية» 
(الذي قدم في الخارج تحت عنوان «الذاكرة» 
غير الموفق قدر توفيق العنوان المصري) 
انطلاقاً من قصة؛ أو من فكرة كتبها يوسف 
إدريس» ولن يعدم الأمر من يؤكد لاحقاً أن 
إدريس نفسه ربما يكون اقتبس الفكرة من 
مسرحية روسية عنوانها «أغوار الروح» للكاتب 
نيكولا أفرينوف» كما كان هناك من نسبهاء حيناً 
إلى فيلم «الرحلة الغريبة» لريتشارد فليشر» 
وحيئاً إلى فيلم #كل هذا الصخب؛ للكاتب 
والمخرج الأمريكي هربرت روسء وكل هذا 
ممكن بالطبع؛ ولكن الأقرب إلى المنطق هو 
أن شاهين انطلق من كل ذلك متنبهاً إلى أن في 
كل هذه الأسسء ما يمكّنه من أن يروي قيساً 
من حياته» ويحاكم نفسه. على طريقته. ذلك 
أن «حدوتة مصرية» هو أولاً وأخيراً فيلم عن 
حياة يوسف 'شاهين. يتابع تلك الحياة» يروي 
فصولهاء يحاكمها من دون رححمة أو هوادة» 
جاعلاً من بطلها («يحيى؛ مرة أخرى ولكن 


حدوتة مصرية 





تحت ملامح نور الشريف» في واحد من أفضل 
أدواره؛ هذه المرة) أناه الآخر وقريئه المطلق. 

وإزاء هذا الواقع هل يهم حقاً أن يكون 
شاهين جاء بفكرته من يوسف إدريس أو من 
غيره؟ هل يهم حقاً أن يكون بيلا بارتوك قد 
استلهم معظم موسيقاه الجميلة من الأناشيد 
المجرية الشعبية أو أن يكون شكسبير كتب 
واحدة من أعظم المسرحيات في تاريخ 
البشرية انطلاقاً من حكاية كانت تروى قبله 
بمئات السئين حول أمير للدتمارك؟ 

المسألة في «حدوتة مصرية» ليست في 
منبع الفكرة؛ بل في السياق الذي ينى عليه 
شاهين فيلمه؛ كجزء ثانٍ من سيرته الذاتية» 
جاعلاً من الفيلم كله عبارة عن حوار صاخب 
بين الطفل الذي كانه شاهين والرجل الذي 
صاره. حوار كان محاكمة تعرية لشاهين نفسه. 
ويمكن أيضاً للواقع المصري كله. وكان إضافة 
إلى هذا فيلما عن السينما: عن السينما كمكان 
آخر (أخير؟) للحرية» وعن الإبداع كوسيلة 
أخيرة للبقاء. 

لقد قال شاهين وكرر مرارأء ولا يمكننا إلا 
أن نصدقه إذ يقول هذاء إن نقطة انطلاق رغبته 
في تحقيق هذا الفيلم كانت حين اكتشف قبل 
سنوات أن «عليّ أن أخضع لعملية جراحية 
في القلب. ولقد صدمني هذا الأمر بصدقء إذ 
أحسست أن الموت يواجهنى» وهكذا وجدتنى 
أجابه كل ما يمكن لى أن أجابينه من أبعلة: 
ما الذي فعلته في حياتي حتى الآن؟ كان هو 
السؤال المحوري؟ وشعرت أن سيئمائياً 
لا يمكنه أن يترك هذا العالم من دون أن يترك 


1.6 


أمارة وراءه تدل على عبوره هذا الكون» مثل 
خوفو الذي ترك الأهرام» وجارنا الذي خلّف 
أطفاله. والمثل العربي يقول «اللي خلّف ما 
متش». أما أنا فإني لم أنجب ذرية» ولم أبن 
أهراماً.. فما الذي سوف أتركه ورائي؟ بضعة 
أفلام. ولكن إذا كان للمرء أن يترك شيئاً وراءه» 
فمن الأفضل له أن يترك الحقيقة حول حياته. 
كنت في السادسة والخمسين وشعرت أنني 
عشت بما فيه الكفاية كي لا أعود في حاجة إلى 
اختراع الحكايات...؛ 

ومن هنا كان هذا الفيلم.. أتى نابعاً من 
حياة يوسف شاهين نفسهاء ومهما كان مصدر 
الفكرة الرئيسة. فما الذي قاله شاهين فى هذا 
الفيلم؟ ١‏ 

ترى من منالم يفكر وهو طفل في أن 
يكتب رسالة لنفسه يقرأها بعد عشرات الستين» 
ليقارن عند ذلك بين ما كانه وما كان يتمنى 
أن يكون؟ ليسأل نفسه عن أحلامه وتطلعاته 
ونجاحاته وخيباته؟ حسناً إن فيلم «حدوتة 
مصرية» هو أشبه شيء بهذه الحكاية؛ بهذه 
الرسالة» ولنتتبع لإدراك هذاء خطوط هذا 
الفيلم. فهو في البداية يصور لنا السيئمائي 
يحيى (وهو نفسه على الأرجح ذلك اليحبى 
الآخر الذي كنا تركناه في #إسكندرية ليه؟؛ 
يصل إلى مرفأ نيويورك).. إنه الآن في 
مقتبل العمرء ويصور المشهد الأخير لفيلم 
العصفور».. ولكن يحدث له خلال التصوير 
أن يقع أرضاً فريسة إجهاد سبب له ذبحة قلبية» 
وإذ يكتشف الأطباء سوءاً في وضع شرايينه 
وتخثراً في دمه يقررون أن عليه أن يذهب إلى 


حدوتة مصرية 





لندن كي تجرى له عملية جراحية هناك. وعشية 
العملية» تبدأ رحلة يحيى مع ذكرياته» من خلال 
ذلك الطفل الصغير (الشبيه بالأمير الصغير في 
رواية أنطوان دي سانت إكزوبري)» في لعبة 
تراجع زمني مكوكي في ارتباطه بالحاضرء 
يأخذه فيها الطفل الذي لا يفتأ يفهمه بأنه إذ 
كبر وخاض الحياة العملية» إنما بخان مبادئ 
صباهء وأحلامه المثالية. 

وإذ يبدو الطفل محاكماً لشاهين» يطلب 
هذا أن تستدعى للشهادة فى حقه كل النساء 
اللواتي أحطن بحياته: أمه وأخته وزوجته 
وابنته. ومن خلال هذه الشهادات ومن خلال 
رد شاهين عليهاء تقوم المحاكمة الأساسية 
التي لا تطاول هذه المرة يحيى وحده:؛ بل 
العائلة والجيل والمجتمع؛ وصولاً - كما 
يقول علي أبو شادي في مقال عن الفيلم - إلى 
«المدرسة والثورة والسلطة والتقاليد» مرورا 
بعالم السينماء في داخله وخخارجه؛ والمنظمات 
السياسية» والمثقفين»» وإذ يحاكم يحيى هؤلاء 
جميعاً في مجرى رده على الطفل؛ يحاكم 
نفسه» ولكن هنا في لعبة تعرية كاملة تنضح 
بالسخرية» ذلك أن يحيىء إذ يجابه فصول 
المحاكمة؛ يسرد أمامنا وقائع حياة أناه الآخر - 
أي يوسف شاهين - في شكل يذكرنا حقاً 
بمارتشيلو ماستروياني/ فدريكو فلليني في 
فيلم «ثمانية ونصف» إذ لأن حياة يوسف 
شاهين هي حياة سينماه» ولأن الرجل لم يعش 
حياته إلا لكي يكون في قلب السينما وفي قلب 
الأفلام» تمر كل تلك المحاكمات والإدانات 
التي ذكرناهاء من خلال سيرة شاهين/ يحيى 


السينمائية: فهوء من بعد أن يعيش طفولة تكاد 
لفرط شفافيتها في «حدوتة مصرية» أن تكون 
طفولة يحيى إسكندرية ليه؟» يرحل يحيى 
هناء وهو بعد يكاد لم يخرج من المراهقة 
(وليس مصادفة أن يلعب دور يحيى الفتى هناء 
محسن محي الدين؛ الذي كان لعب دور يحيى 
في (إسكندرية ليه؟ وسيلعب أيضاً دور يحبى 
في «الوداع يا بونابرت»: ثم أيضاً وأيضاء ولكن 
تحت اسم آخر في «اليوم السادس». يرحل 
يحيىء إذاء إلى الولايات المتحدة ليدرس فئنون 
الدراماء ثم يعود إلى مصر حتى ينخرط في 
حياتها السينمائية» ولكن عبر تطلعات (عالمية» 
لا تكف عن إثارة سخرية يحيى الكبير ويحيى 
الطفل في الفيلم. فيحيى إذ يحقق أفلامه واحداً 
بعد الآخر» لا يبدو مهتماً كثيراً بأن تعرض على 
الجمهور العربي/ المصري المعني بها: أكثر 
من هذا يبدو مهتماً بأن تعرض في المهرجانات 
الأجنبية الكبرى. 

يقول «حدوتة مصرية؛ لناء وبشيء من ججلد 
الذات إن شاهين (يحيى) كان منذ بداية عمله 
السينمائي يحلم باللحظة التي سوف يقف 
فيها على الخشبة في كان" لينال أرفع جائزة 
تقديرية منحها المهرجان فى تاريخه. وكان 
هذا يحركه طبعاً. عون شرق عاق «حدوتة 
مصرية» كنا لا نزال في العام 1987» وكان 
عليه أن يتتظر ١6‏ عاماً أخرى قبل «المصير» 
وخمسيئية «كان». وهكذا نرى فى «احدوتة 
مصرية؛ كيف أن يحيى يسعى منذ العام 5 1١940‏ 
إلى تقديم فيلم ابن النيل» في مهرجان «كان». 
وهو - عند ذاك - إذ يكون متوقعاً لفيلمه الفوز 


حدوتة مصرية 





الكبير وأن يكون حديث الناسء لا يكاد فيلمه 
يحظى بأكثر من بضعة سطور في صحف 
ثانوية الأهمية. وبعد ذلك ننتقل معه إلى «باب 
الحديد» الذي يتطلع من خلاله إلى «العالمية» 
مرة أخرى» فيعرضه في برلين» دون أن يلفت 
نظر كثيرين. وبعده يجرب حظه مع القضية 
الوطنية ويحقق فيلم «جميلة الجزائرية؛ عن 
نضال الشعب الجزائري» وهذه المرة يقترب. 
حقاء خطوة ما من هدفه: يعرض فيلمه هذا 
في دورة العام ١404‏ لمهرجان موسكو وينال 
تقديرا سيكتشف السينمائي بعد سنوات 
طويلة أنه كان تقديراً لموقف الفيلم السياسي؛ 
لا لقيمته الفنية. 

وتمضي السنوات» ليكتشف يحبى أنه بات 
يعيش بعض الشيء خخارج الزمن» حين يرى أن 
أبتته (وهو فى الحقيقة ليس لديه ابنة» بل ابنة 
أخت بمثابة ابنة له) تناضل سياسياً وتتعرض 
لمشاكل مع قوات الأمن» ثم يتعرض هو نفسه 
لمشاكل رقابية حين ينجز فيلم «العصفور». 
وهنا تبدو هذه المشاكل وكأنها واقعة لمصلحة 
يحيىء إذ تأتي عناصر خارجية لتبرر له؛ 
خروجه عن الخطوط التى كان رسمها لحياته 
فخيراء ونيو الآن معدا عنها ومع هذاء 
تحكم المحكمة الداخلية على يحيى؛ في نهاية 
الأمر بأنه «مركزي النزعة» أي «أناني».. ثم يتم 
إخراج الطفل من داخله ويبدأ بالتماثل إلى 
الشفاء. 

ومن الواضح هنا أن شاهينء عبر هذه 
النهاية الملتبسة» والتي قد تحمل من السخرية 
من الذات. ما يفوق كل ما حمله الفيلم من 


1١ا/‎ 


جلد للذاتء إنما أوصل الهذيان إلى غايته» 
علماً أن الفيلم كله يقوم على الهذيان» رغم 
العديد من مشاهده الواقعية بل (الهيبر واقعية» 
والمستقاة من حياة الفنان نفسها. فالحال أن 
إلغاء يحيى الطفل» لحساب يحيى السينمائي 
المكتهل؛ لن يعني لنا بأي حال من الأحوال 
أنه كان على غير حق» بخاصة أن شاهين وضع 
على لسان الطفل إدانات صحيحة واتهامات» 
تطاوله شخصياً ولكن تطاول المجتمع أيضاًء 
وتطاول تاريخ مصر كله. كل ما في الأمر أن 
يحيى الكبير عاش إدانة الذات» ويشكل فيه 
شيء من الأوديبية في الوقت الذي كان يخيّل 
إليه فيه أنه راحل ويتعين عليه أن يعيش لحظة 
صدق مع نفسه. ولكن حين زال الخطرء كان 
لا بد له من أن يقرر - أوديبياً - أنه لا يمكن 
ليحيى الصغير ويحيى الكبير أن يعيشا في 
الوقت نفسه: على واحد منهما أن يُلغى لكي 
يتمكن الآخر من البقاء. 

والمبدأ هنا لا يقوم على فكرة أن البقاء 
للأصلح؛ بل على أساس فكرة البقاء للأقوى 
(اللعبة الأوديبية المعتادة). يتوجب على 
أوديب أن يقتل أباه ويتزوج أمه كي تتحقق 
النبوءة. أما بالنسبة إلى شاهين في «حدوتة 
مصرية» فإن على الأب أن يقتل أوديب» الذي 
يأتي هنا ليؤكد له أنه لم يعش حياته كما كان 
يجب عليه أن يعيشها. غير أن هذا التحليل» قد 
لا يستوي هنا إلا في ظاهر الأمور فقطء أما في 
الباطن» فإن اللعبة تبدو معكوسة تماماء حتى 
وإن كان من الصعب تصور وعي فنان حساس 
غريزي الاندفاع قادراً على إدراكها في كل 


حدوتة مصرية 





أبعادها: فالحقيقة هنا هي أن يحيى الطفل 
هو الذي يلعب دور الأب أو بالأحرى دور 
الأنا - الأعلى؛ المراقب والمحاسب. ولكي 
تستمر الحياة في مسيرتهاء مهما كان من شأن 
هذه المسيرة أو صوابيتهاء يتوجب التخلص 
من هذا الرقيب؛ بكل لؤم وكلبية» لأن ما هو 
على المحك هنا ليس الصواب (في لعبة الخطأ 
والصواب) بل الاستمرارية. ومن هناء بصرف 
النظر عمّن يلعب دور الطفل وعمن يلعب دور 
البالغ» محور اللعبة هو التخلص من الرقيب 
الأعلى» من الوصي الذي يمكنه في كل لحظة 
أن يتنطح لمحاسبتنا. 

وعلى ضوء هذا الاقتراح» إذا كان «حدوتة 
مصرية» يبدو لناء في منحى - أساسي على أية 
حال من مناحيه» محاولة من يوسف شاهين 
لمحاكمة تاريخ مصر الحديث والراهن» 
فإن يحيى الطفل يصبح هنا كناية عن ذلك 
الأنا ‏ الأعلى الذي أتى ليحاسبنا على أخطائنا 
وخياناتناء ولما كنا غير قادرين» حقاً على 
الخضوع إلى متطلبات مثل هذه المحاكمة. 
لأننا ننزلق من منحنى هابط بقوة» يصبح من 
الأفضل التخلص من هذا «الدخيل؟ المحق» 
لمصلحة مسيرة (الحياة كما هي». 

ومن هناء من الواضح. أن الفيلم الذي 
سيكون من الأفضل مقارنته ب «حدوتة مصرية؛» 
إنما هو «طيران فوق عش الوقواق» لميلوش 
فورمان. صحيح أن جاك نيكلسون في الفيلم 
هو الواعي المصيب الذي يدخل المصح 
لزرع بذور التمرد المحق. فيه» فإنه سرعان ما 
يصبح هو الشخص المطلوب التخلص منه 


1١114 


كي تستعيد الحياة مجراهاء لأن ليس الصواب 
مايصنع التاريخ بل التاريخ هو الذي يصنع 
الصواب» إنها البراغماتية في مواجهة المبدثية» 
بأجلى معانيها. ْ 

ومن المؤكد أن هذا الاقتراح» الذي يمكن 
في ضوثه قراءة #«حدوتة مصرية» بشكل يختلف 
عن معظم القراءات التي تناولته - ومرة أخرى 
لست أزعم هنا أن هذه هي القراءة «الواعية» 
التي قد يقترحها شاهين عليناء بل هي قراءة 
من قراءات عدة؛ وتيدو لى شديدة الشخصية 
هنا! - هذا الاقتراح يعيدنا إلى فكرة الدمية 
الروسية وتشبيه سينما شاهين.؛ الكبيرة على 
الأقل؛ بها. فكما حال تلك الدمية حيث كل 
نسخة كبيرة لها تحمل في داخلها نسخة أصغر» 
يمكن لهذا النمط من أفلام شاهين أن يحمل 
في داخخله دمى أصغر إلى ما لا نهاية. 

فسينما شاهينء بعد كل شيء. تبدو لنا 
سينما أكثر ذكاء و«ملعنةة من أن نحدها في 
إطار معيّن أو أسلوب معين. وفي هذا الإطار» 
قد لا يكون التماهي بين الطفل يحيى وبين 
الثورة المصرية - وعلى الأقل كما رسمتها 
طموحات جمال عبد الناصر ‏ بعيدا من 
الصواب. هل نعني بهذا أن يوسف شاهين كان 
يمضي هنا في لعبة تصفية الحساب مع الثورة؟ 

على الإطلاق... وعلى العكسء كان 
يقدم لنا على الأرجح. نقداً ذاتياً - وجماعياً 
بالتالي - إزاء ذلك الطفل الذي جاءنا ليدلنا 
على خياناتنا وأحلامناء وكان لا بد من تصفيته» 
لأن الاعتراف بأنه كان على حق وبأننا كنا على 
خطأليس من شأنه أن يغيّر من الأمور شيئاً. 


الحرام 





ذلك أن خياتتنا لبداياتنا حصلت وانتهى الأمر 
ولأننا في الحقيقة» لم نتتظر زمناً قبل أن نقتل 
الطفل في داخلناء لقد قتلناه من زمن بعيد. 

وفي هذا الإطار يبدو لى #حدوتة مصرية» 
واحداً من أكثر أفلام يوسف شاهين واقعية 
وسوداوية وتشاؤماً في الوقت نفسه. يبدو 
واحداً من أكثر أفلامه تعبيراً عن نظرته الحقيقية 
إلى واقعنا وما فعلناه بكل الفرص التي أتيحت 
لناء فمررنا دائماً قربها أو فوقها من دون أن 
ثراها. 

ولكن لأن شاهين سينمائي وليس عالم 
اجتماع» اختار أن يقول هذا كله؛ عبر ألعاب 
سينمائية حاذقة يختلط فيها الواقع بالفانتازياء 
والتلعثم بالتبصرء واللغة الفنية بلغة الحلم. 
ومن هناء من دون أن يكون في الإمكان اعتبار 
(حدوتة مصرزية» واحداً من أكبر أفلام شاهين» 
يمكن النظر إليه على أنه واحد من أصدقهاء 
إضافة إلى ما فيه من تجديد الغوي» سوف 
يطالعنا لاحقاً في العديد من أفلامه التالية. 

غير أن الأساس ليس هنا: الأساس هو أن 
شاهين في هذا الفيلم الذي «جرؤ» فيه على أن 
يقول جزءاً من سيرته الذاتية: أخفى أشياء كثيرة» 
ربما لضيق الوقت وريما لأنه كان لا يزال» بعد 
راغباً في تقديم البعد الأيديولوجي - السياسي 
الخفي» على البعد الحكائي ‏ الذاتي: أي أنه» 
إذ انهمك في تعرية المجتمع من حوله؛ وفي 
تعرية ذواتنا جميعاً «نسى» أن رغبته الأساسية 
كانت تعرية ذاته» وهذا ما اسيفطن» إليه لاحقا 
مرة في «الوداع يا بونابرت»» ومرة أقل منها 
حدة في «اليوم السادس» ثم مرة جديدة في 


158 


فيلم سيرة ذاتية واضح هو (إسكندرية كمان 
وكمان» )١994٠(‏ الذي سيكون الجزء الثالث 
من «سيرته الذاتية»» والذي» إذ سيغوص فيه 
مباشرة» في الذات وتعريتهاء وفي السينماء 
سيكون: فى اعتبارناء أكثر من #حدوتة مصريةة 
ارتباطاً بحياته الخاصة. 


«اتلحرام» 





(1956) 6 د. (أسود وأبييض) 
إخراج: بركات 
قصة: يوسف إدريس 
سيناريو وحوار: سعد الدين وهبة 
تصوير: ضياء المهدي 
موسيقى: سليمان جميل 


تمثيل: فاتن حمامة» عبد الله غيث» زكي رستم 


قواسم مشتركة كثيرة تجمع بين فيلمي 
هنري بركات الكبيرين «دعاء الكروان» 
و«الحرام». ولعل أول هذه القواسم أن 
الفيلمين» وخلال فترة زمنية واحدة تقريباء 
أتاحا لسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة 
أن تلعب - وقد تجاوزت سن الصبا ولم 
تعد تناسبها أدوار الفتيات المدللات أو 
المظلومات - دورين يناسبان سنهاء ويناسبان 
في الوقت نفسه طاقتها التمثيلية الهائلة. ثم إن 
الفيلمين مأخوذان عن عملين روائيين كبيرين 
ومعروفين. ذ أولهما عن رواية طه حسين كما 
نعرفء أما ثانيهما فعن رواية شهيرة ليوسف 
إدريس. ثم إن الفيلمين يدوران في بيئة ريفية 


الحرام 





لم يكن لأدوار فاتن حمامة عهد جديد بها من 

أما ثاني القواسم والأعمق؛ فإن ثمة لقاء 
مدهشاً بين موضوعي الفيلمين» ثم بين نظرة 
كل من الكاتبين إلى هذين الموضوعين» وهي 
نظرة ما كان يمكن سينمائياً من وزن هنري 
بركات»؛ عرف دائماً بأنه كان من أكبر المتسائلين 
حول قضية المرأة المصرية؛ والعربية في شكل 
عام إلا أن يتلقفها في لقاءيه الجديدين هذين 
مع نجمته المفضلة التي لم يفتهاء بدورهاء 
وحتى من دون ادعاءات كثيرة» أن تطل بين 
فيلم وآخر على قضية المرأة ودائماً من موقع 
تقدمي. فإذا أضفنا إلى هذا حقيقة أن كلاً من 
الفيلمين ينطلق أساساً من واقعة اغتصاب تقع 
المرأة ضحيتها من دون أن تكون لها يد فيهاء 
ليسير كل فيلم بعد ذلك على سجيّته طارحاً 
موضوعه مسْعَباً حبكته» تبعاً لوجهة نظر كل 
من الكاتبين: المتنور طه حسينء والثائر على 
عيوب المجتمع يوسف إدريسء» سنجدنا أمام 
سينما استثنائية شديدة الجرأة لا تزال في حاجة 
أكثر وأكثر إلى مزيد من الدراسة والتمعن؛ 
ولا سيّما في ضوء ما وصلت إليه قضية المرأة 
المسلمة في زمننا هذا. 

وهذه المرأة» كما نعرف» كانت هى فى 
التقاليد الاجتماعية؛ المسؤولة الرئيسة عما 
يحدث لهاء وحتى حين تغتصب» حيث ينحو 
المجتمع دائماً إلى إيجاد الذرائع والمبررات 
للرجل إن كان مغتصباً أو للأخ أو الأب أو 
الخال إن كان قاتلاً المرأة حين تقع فريسة 
الاغتصاب أو مجرد الإغواء. 


166 


ولكن. في الوقت الذي يطرح ةدعاء 
الكروان؛ موضوعه في شكل أقرب إلى 
الخصوصية وإلى البعد السيكولوجيء؛ نجد 
«الحرام» وعلى خطى «ثورية» يوسف إدريس 
و«تقدميته»» يطرح الموضوع من ناحية 
اجتماعية طبقية ما كان في إمكان كاتب من 
طيئنة طه حسين أن يعطيها المكان الأول من 
اهتمامه» حتى وإن كانت شكلت بعداً أساسياً 
في بدايات حياته ونصوصهاء كما في الأيام 
انطلاقاً من سيرته الذاتية أو #المعذبون في 
الأرض» انطلاقاً من رصده الواعي للقضية 
الاجتماعية المصرية. مهما يكن من أمر» حتى 
وإن كان نقاد ومؤرخون كثر يقيمون توازنا 
دقيقاً - في لعبة التقويم - بين الفيلمين» فإن 
الأمر لا يخلو من راصدين قد يفضلون الأول» 
وآخرين قد يفضلون الثاني وغالباً لأسباب 
أيديولوجية. 

في «الحرام» ‏ الذي لا يختلف سياقه 
كثيراً عن السياق الذي دونه يوسف إدريس في 
روايته التي تحمل الاسم نفسه ‏ تلعب فاتن 
حمامة دور عزيزة» تلك المرأة البائسة الحزينة 
دائماًء والمتتمية إلى فئات ريفية مهمشة إلى حد 
لا يطاق» لا تجد رزقها إلا في العمل الموسمي 
مرتحلة بين منطقة وأخرى حيث يتوافر هذا 
العمل. ومن هنا يطلق على أهل هذه الفئات 
اسم عمال التراحيل؛ أو الغرابوة ‏ على أساس 
أنهم دائماً غرباء أين ما حلّوا وارتحلواء كالبدو 
لا مستقر لهم ولا مدخول ثابتاً - إنهم أناس 
لا يلتفت إليهم أحد. بالكاد يحصلون على 
غذائهم مقابل العمل... فإذا عجز الفرد منهم 


الحرام 





ومرضاًء كحال حيوانات الأدغال» مع فارق 
أساس يكمن فى أن الحيوانات هذه يمكنها 
القراسس نك هر اس انها طق لتأكله. أما 
عمال التراحيل» فإنهم عاجزون عن هذاء أولاً 
لأن القوانين والسلطة لهم في المرصادء وثانيا 
لأن من النادر أن يكون ثمة في مجتمعاتهم من 

والحقيقة أن وصف هذا كله» يشغل من 
كتاب يوسف إدريس صفحات عدة... كما 
يشغل من الفيلم» مشاهد وفقرات بالغة القوة 
والدلالة» حتى وإن كان التركيز سيكون أشد 
على زوجين من أبناء هذه الفئة هما عزيزة 
وزوجها. وهذان الزوجان ظلا يعملان وقادرين 
على تدبير شؤون العيش حتى اليوم الذي 


يقع فيه الزوج مريضا... ويصبح على عزيزة 


أن تتولى قضية الحصول على وسائل البقاء. 
لكن هذا ليس كل شيء. إذ ذات يوم ولفرط ما 
بِرّحت به آلامه وضروب ذله؛ يطلب الزوج من 
عزيزة أن تأتيه بحبة بطاطا... وهناء بعد تردد» 
لا يكون أمامها إلا أن تقصد حقلاً لتحاول أن 
تحصل لزوجها على ما يريد. وهناك كان لا بد 
من أن يحصل ما يحول الحكاية من واقع يومي 
إلى دراماء قد تكون في السياق استثنائية» لكننا 
نفهم من سياق العمل ككلء أنها يمكن أن 
تقع في أي لحظة - تماما كما نفهم في «دعاء 
الكروان» أن «اغتصاب» المهندس خادمته 
هناديء كان شأناً شبه طبيعي يقع البائسون 
ضحيته من دون أن يجرؤوا على الشكوى. هنا 
في «الحرام» تكون الدراما في وجود صاحب 


الحقل» الذي ما إن يرى ما فعلته عزيزة» حتى 
يدنو منهاء في اللحظة التي تحاول فيها الهرب. 
فيقبض عليها ثم يغتصبها على رغم مقاومتهاء 
وبعد محاولة أولى فاشلة... ثمنا لحبة البطاطا. 
طبعاً بعد ذلك الاغتصاب كان يمكن الحياة 
أن تسير فى دوامتها المعتادة... لكن الذي 
كه بعد أن قوق عزيرة فل التقات 
بالعمل لتؤمّن البقاء - من جديد لها ولزوجها 
المريض دائماً - هو أن عزيزة تحمل سفاحاً. 
وهي إذ تكتشف هذاء ولا تغرف ليها كبفية 
التخلص من الحمل؛ تربط طوال شهور حزاماً 
تشد به بطنها مانعة إياه من الظهور. 





وفي نهاية الأمر» وخلال يوم عمل شاق» 
تنتحى عزيزة جانباً وسط طبيعة صارت الآن 
شديدة القسوة والهيمئة» وتضع الطفل» الذي 
إذ لا تدري ماذا تصنع به مع أن لا بد من 
فعل ما لدرء الفضيحة» لا تجد أمامها إلا أن 
تقتلّه فتخنقه مرة أولى لكنه لا يموتء ثم 
تقتله في محاولة ثانية في تذكير شديد الذكاء 
والإيلام بيوم الاغتصاب حين فشل المغتصب 
صاحب الحقل مرة أولى ليكرر التجربة» وكآن 
عزيزة تحاول أن تقتل الطفل الوليد مرتين 
مقابل اغتصابها مرتين» ما يضاعف من حجم 
التأثير. في وقت تالٍ يتم العثور على اللقيط 


حروب صغيرة 





المقتول» وتبدأ تحريات» تقود إلى عزيزة» التي 
سرعان ما تموت هي الأخرى؛ ضحيةٌ لكل 
ذلك البؤس ولكل ذلك الظلم... في وقت 
يتحلق الفلاحون البائسون من أمثالها حول 
جثمانها وذكراها وقد أضحت. في الفيلم على 
الأقل - إن لم يكن في الرواية الأصلية - رمزاً 
لبؤس فقراء الفلاحين ونضالهم في سبيل 
العيش والكرامة. 

واضح هنا أنناء سينمائيا أمام عمل 
ملحمي كبير» وأمام عمل مؤثر وفاعل على 
الصعيد الاجتماعي. من هنا لم يكن غريباً أن 
يعتبر الناقد الفرنسي جورج سادول هذا الفيلم 
إحدى أروع الملاحم السينمائية المصرية» 
وأن يصار دائماً إلى تسمية الفيلم واحداً من 
أفضل وأقوى عشرة أفلام في تاريخ السينما 
العربية. وأن تكتب عنه صحيفة لوموند حين 
عرض في مهرجان «كان» عام إنتاجه 56 
«ان ما يجذبنا في هذا الفيلم هو تلك الصورة 
التي تعكس آلام هذه القرية المصرية وأهلها. 
والحقيقة أن هذا الفيلم ليس فيلماً يمكن 
اعتباره عملا يتحدث عن قضية فرد واحد 
هو عزيزة طبعاًء بل إنه أشبه ما يكون بتأمل 
كل ما يحيط بهذه الشخصية» من الشعب إلى 
الثقافة». ويعتبر هذا الفيلم دائماً قمة سينما 
هنري بركات إلى جانب «دعاء الكروان» طبعاء 
وكذلك قمة ما أدته فاتن حمامة من أدوار» فى 
نسيرتها'السيساية الطويلة والمبدعة. عنما إنه 
يوضع في خانة الكثير من الأفلام التي صورت 
الريف المصري على حقيقته انطلاقا من بؤسه 
وآلامه. إلى جانب «الأرض» ليوسف شاهين. 


«حروب صغيرة) 





(198) د.(ألوان) 
إخراج: مارون بغدادي 
سيتاريو: مارون بغدادي 
تصوير: إدوارد لاتشمان» هاينز هولشر 


تمثيل: ثريا خوري. نبيل إسماعيل» روجيه حوا 








لا يستطيع أحدء اليومء بالتأكيد إحصاء 
الأفلام السينمائية» روائية أو وثائقية» طويلة 
أو قصيرة» التي تناولت الحرب اللبنانية 
التى دارت وتنلوعت بين 7/0و ١‏ و١189.‏ 
لا أن هذه الحرب انتهت فعلاً ولا أن الإنتاج 
عقود طويلة تشكل هذه الحرب وموضوعاتهاء 


1١65 





حروب صغيرة 





مصدر إلهام لكثر من السينمائيين اللبنانييين 
وغير اللبنانيين. ويبدو أنها ستظل تفعل. 
والغريب في أمر هذا المتن السينمائي هو أنه 
عرف في العالم الخارجي أكثر مما عرف في 
لبنان» وعرفته أوروباء أكثر مما عرفته المدن 
العربية. وهذه مفارقة ليس هنا مجال الحديث 
عنها بالتأكيد. لكننا هنا ستتوقف عند الفيلم 
اللبناني الذي شكل بداية ذلك كلهء حتى إن لم 
يكن أول عمل شرع يتحدث عن تلك الحرب. 
فهوء على الأقل» كان أول فيلم لبناني طويل 
عن الخرب وصل إلى العالم وصوّرها أمام 
ناظريهء وتحديداء انطلاقا من مهرجان ١كان».‏ 
الفيلم هو «حروب صغيرة» للسينمائي اللبناني 
الراحل مارون يغداديء الذي عرضه في 
تظاهرة «نظرة ما...»» ضمن إطار المهرجان في 
دورة عام , بعدما كان صوّره وسط أتون 
الحرب اللبنائية عن موضوع حربيء بامتياز... 
لكنه أتى موضوعاً رافضاً الحرب ومنطقهاء 
وإن بدا في كل لقطة من لقطاته. وعبر كل 
شخصية من شخصيات الفيلم» مفتوناً بها. 
وإذا كان هذا الفيلم قد عرض في وقت 
واحد تقريباًء في فرنساء مع فيلم لبناني آخر» 
عن الحرب» هو (بيروت اللقاء» لبرهان علوية» 
فإنه نال من الشهرة مقداراً أكبر من هذا الأخير» 
وتحديداً بفضل عرضه في (كان». والطريف في 
الأمرء أن «حروب صغيرة ‏ قُدم هناك - واعتبر 
دائماً - بوصفه «الفيلم الروائي الطويل الأول 
لمارون بغدادي»» مع أنه في حقيقة الأمر كان 
فيلمه الثانى لا الأول... إذ يعرف أهل السينما 
اللبنانية أن بغدادي كان قد أطل على هذا 


؟ا1 


النوع السينمائي بفيلم أول فعلا» هو «بيروت 
يا بيروت» 1415 الذي يعتبر واحداً من أول 
الأفلام التي ظهرت لذلك الجيل السينمائي 
المميز الذي تأسس مع بغدادي وبرهان علوية 
وجان شمعون ورندة الشهال وجوسلين صعب 
وغيرهم... غير أن الحكاية تقول لنا إن بغدادي 
ربما أراد أن يشارك في «كان؛ في التباري يومها 
على جائزة «الكاميرا الذهبية؛» التي تعطى 
في «كان» لأول فيلم لصاحبه؛ أي لفيلم لم 
يكن مخرجه قد حقق فيلماً طويلاً قبله» قدّم 
«حروب صغيرة» على أنه فيلمه الأول زاعماً 
أن «بيروت يا بيروت» فيلم قصير. كل هذا 
صار طبعاً جزءاً من تاريخ يكاد يكون منسياً 
اليوم» والمهم أن «حروب صغيرة» صار له 
وجوده المستقل وحياته الخاصة» وصار جزءا 
من تاريخ السيتما اللبنائية» وكذلك جزءاً من 
تاريخ مهرجان «كان». 

كان همّ الحرب اللبنانية» والرغبة في 
تصوير موقف المثقف اللبناني منهاء هو ما 
يطغى على موضوع هذا الفيلم الذي صوْر 
وسط صعوبات ومخاطر مدهشة في وقت 
كان القتال مشتعلاً والحرب محيّرة ولبئان 
يتمزق... وبالتالي يتمزق معه كثر من المثقفين 
واللبنانيين عموماء ولا سيّما منهم مناضلون 
سياسيون. يساريون غالباً - كان مارون بغدادي 
بالتأكيد واحداً منهم -. ومن هنا إذا كان هذا 
الفيلم يتطلع في شكل من الأشكال ليعكس 
مايحدث في لبنان» فإنه كان يتطلع بصورة 
أولى؛ ليعكس موقف مخرجه وكاتبه» مارون 
بغدادي» مما يحدث. 


حروب صغيرة 





وينطلق الفيلم حديثاء من علاقة غرامية 
بين شاب وفتاة في خضم الحرب. هذا الثنائي 
يقدّم إلينا في البداية غائصاً في حبّه يحاول أن 
يبتعد مما يحدث. معتبرا هذا الذي يحدث» 
أمراً طارثاً سينقضي بسرعة من دون أن يترك 
أثره فيهما. الحب أقوى من الحرب. هكذا كان 
لسان حال طلال الشاب وثريا حبيبته... غير أن 
هذا لا يدومء إذ فجأة تصل الحرب إلى ذروتها 
ويكون الثنائي في انتظار الزواج وإنجاب ولد 
أول. يُستدعى طلال فجأة إلى مسقط رأسه 
ومقر عائلته وجماعته في الجبل» حيث ندرك 
أن أياه الإقطاعي وزعيم الجماعة والطائفة 
هناك قد قتل. ويتوجب الآن على طلال أن 
يحل محله. وطبعاء هذا الأمر يتناقض كلياً مع 
كل ما كانت تقدمه لنا صورة طلال وتطلعاته. 
لكن العائلة هي العائلة والطائفة هي الطائفة. 
والإرث هو الإرث؛ وليذهب غرام طلال وثريا 
إلى الجحيم. إذ؛ على نقيض ما كان يمكننا أن 
نتوقع؛ يرضخ طلال وبسرعة لقدره ومشيئة 
أمه وعائلته ويتخلى عن ثريا متزعماً عشيرته 
خائضاً القتال ضد العشائر الأخرى. 

إن مايبدر عن طلال هناء هو القاعدة 
لا الاستثناء... حيث المؤرخ الدقيق للحرب 
اللبنانية» لن يفوته أبداً أن يلاحظ كيف أن هذه 
الحرب؛ وإذ وصلت إلى ذروتهاء بالتحول من 
معركة «دفاع عن القضية الفلسطينية واعروبة 
لبئان» إلى معركة تصفية بين الطوائف» تمكنت 
بسرعة من أن تجر حتى المثقفين العلمانيين 
والمناضلين في سبيل التقدم؛ إلى «أمكنتهم 
الحقيقية»: في أحضان العشيرة والطائفة. 


١6 


وبالتالي في أحضان الكراهية والقتل. وقد 
كان هذا الأمر هو العنصر الأساس الذي أراد 
مارون بغدادي أن يقوله في هذا الفيلم القاسي» 
والذي التقط باكراً بدء بَرّم المبدعين اللبنانيين» 
ليس فقط بالحربء بل كذلك بأمراء الحرب» 
ملاحظين كيف انهارت البراءة فجأة على مذبح 
الانقسامات الطائفية والكراهيات المتبادلة. غير 
أن هذا الرصد - الذاتي تقريباً من جانب مارون 
بغدادي ‏ لم يمنع مخرج الفيلم من أن يصور 
انبهاره بالحرب وبالمقاتلين» في شكل له من 
الرومانسية؛ ما يتناقض مع جوهر مايقوله الفيلم. 

وإذا كان بغدادي قد صوّر تخاذل المثقف 
من خلال شخصية طلال» فإنه صوّر انبهاره 
بالحرب من خلال شخصية ثرياء التي إذ 
تبقى في بيروت بعد ذهاب طلال إلى الجبل» 
تنتظره» لترى مشاريعها الحياتية والأمومية 
والعائلية الحميمة تنهار» مشروعاً بعد الآخرء 
تعيش الحرب في رفقة المقاتلين متجولة بين 
الأحياء» ومتناغمة مع شخصية ثالثة أساسية 
في «حروب صغيرة» هي شخصية نبيل» 
مخترع الأساطير (الشبّيح» على الطريقة 
اللبنانية» والذي يخوض الحرب هو الآخر 
على طريقته. والحال أن هذه المصائر الثلاثة 
التي زسمها الراحل مارون بغدادي في فيلمه» 
محاولاً من خلالها - وبنجاح لا بأس به - أن 
يصور موقفه من حرب كان بدأ يرفضها بقوة» 
بعدما كان رافقها منذ بداياتها بكاميراه وشرائطه 
القصيرة المتعددة» إثر إنجازه وعرضه #بيروت 
يا بيروت6» الذي؛ إذ عرض قبل اندلاع الحرب 
بأيام قليلة» تُظر إليه بوصفه تنيؤاً بالحرب 


الحدية 


المقبلة. هذه المصائر لم تكن كل المصائر 
المصورة في الفيلم. ذف (#حروب صغيرة» يقدم 
إلينا أجواء متعددة ومصائر متعددة وأفكارا 
متعددة تتراوح بين التمزق واليقين» بين التحليل 
والقطع ما يمكنه أن يجعل من هذا الفيلم «فيلم 
الحرب اللبنانية» بامتياز. وعلى هذا النحوء 
استقبل «حروب صغيرة»؛ في الخارج بخاصة» 
حتى وإن كان قد عجزء فى عرضه فى «كان» 
عن أن ينال الجائزة - المالنة الزيعينة التي 
تعطى - والتي كان ألغى سابقه في سبيلها. 

غير أن مساعي مارون بغدادي «الكانية» لم 
نَضِع هباء؛ إذ نعرف أنه بعد نحو عشر سنوات 
من إخفاقه الأول في «كان»؛ تمكن في دورة عام 
0١‏ من أن ينال جائزة لجنة التحكيم الكبرى 
من المهرجان نفسه» شراكة مع تحفة لارس فون 
تراير "أوروبا»؛ وذلك عن فيلمه المميز الآخر 
«خارج الحياة»؛ الذي واصل فيه رصده الحرب 
اللبئانية وأهوالهاء ولكن هذه المرة من خلال 
حكاية صحافي فرنسي خطف في بيروت. 
ومارون بغدادي الذي رحل عن عالمنا عام 
.١47‏ فى حادث أثار حينها لغطأ كبيراء كان 
بعد #حروب صغيرة» انتقل للعيش في فرنساء 
حيث صار بسرعة جزعاً من حياتها السينمائية 
المزدهرة» وحقق في فرنسا وانطلاقاً منها عدداً 
لا بأس به من أفلام دنا في معظمهاء في شكل أو 
في آخر» من الحرب اللبنانية - مواربة أحيانا كما 
7 «مارا» و«فتاة الهواء» ‏ وكان «فتاة الهواء» 
آخر أفلامه؛ هو الذي كان حين مات في بيروت 
يسعى إلى تحقيق فيلم يربط فيه سيرة ذاتية ما له 
بالحرب اللبنانية. 


بها 


1١6ه‎ 





«الحزيف) 





٠ )1984(‏ د.(ألوان) 
إخراج: محمد خان 
قصة: محمد خان., بشير الديك 
سيناريو وحوار: بشير الديك 
تصوير: سعيد شيمي 
موسيقى: هاني شنودة 
تمثيل: عادل إمام. فردوس عبد الحميد. 
عبد الله فرغلي 





ربما سيبدو من نافل القول هنا إن هذا 
الفيلم يكاد يكون فريداً في السينما المصرية» 
ولا سيّما في الزمن الذي حقق فيه وعرض. 
فالحال أن كل فيلم من الأفلام التي نعالجها 
في هذه المجموعة؛ يفترض به؛ ككل إنتاج 








الحرّيف 





فني حقيقيء أن يكون فريداً في شكل أو آخر. 
غير أن فرادة «الحرّيف» استثنائية» وعلى الأقل 
في مضمار استخدام المُخرجء مع أنه كان هنا 
في بداياته» استخداما يخرج عن السائد لفن 
عادل إمام التمثيلي» مع أن هذا كان في قمة 
نجوميته. وعادل إمام إن كان قد جرؤ على 
خوض المغامرة الجدية التي دعاه إليها محمد 
خان في هذا الفيلم» طيبة وأريحية» فإنه بدا غير 
راغب بعد ذلك في معاودة خوضهاء حتى وإن 
كان ثمة إجماع نقدي على أن الدور الذي أداه 
في هذا الفيلم كان وسيبقى واحداً من أقوى 
أدواره. والحقيقة أن مشكلة عادل إمام مع هذا 
الفيلم تكمن في أنه لعب فيه شخصية القاتل» 
هو الذي تعود أن يكون صعلوكاً ونصاباً 
وعاشقاً وفتوة ولصاً وشرطياً... لكنه كان دائماً 
يمثل دور الناجح في كل تقلباته» أما أن يمثل 
دور الفاشل وينجح في ذلك ويصفق له النقاد» 
فأمر لم يدخل أبداً في حساباته: بخاصة إنه 
بذكائه الشديد. أدرك أن تصفيق النقاد 
واستحسان الجمهور ذهبا إلى الفيلم ومخرجه 
أكثر مما ذهيا إلى البطل...». 

المهم أن هذا الفيلم يبقى في «فيلموغرافيا» 
عادل إمام ذا مكانة متقدمة. لكن مكانته أكثر 
تقدما في «فيلموغرافيا» محمد خان الذي قدم 
هنا واحداً من أروع الأفلام المصرية - حتى 
ذلك الحين على الأقل - التي تتناول حياة 
شخص هامشي. فعادل إمام هنا شخص هامشي 
بكل معنى الكلمة. وهامشيته أكثر مما هي 
اجتماعية» ناجمة عن فشله. فهو فاشل في كل 
مايفعل: في حياته العائلية مع زوجته التي 


165 


تتركه مع ابنهما مفضلة أن يعيشا مع أمهاء من 
دون أن تكون على عداء معه. فهو يزورها بين 
الحين والآخر ويشكو لها أحواله؛ كما يعبر لها 
عن بعض آماله التي تعرف هي أنها لن تتحقق 
أبداً. وهو فاشل في أية مهنة يمارسها ولا سيّما 
في ورشة صناعة الأحذية التي سرعان ما يطرد 
منها. وهو فاشل كذلك في هوايته لعب الكرة» 
على رغم جودته كلاعب إذ إنه لا يزال حرّيفاً 
في لعبة كرة الشراب المحلية غير قادر على 
الانتقال» كما يحلم. إلى لعب الكرة الحقيقية. 
ومن خلال حياة فارس (عادل إمام) 
وهامشيته» تطالعنا نماذج أخرى من هامشبي 
المجتمع المصريء ولا سيّما على سطوح 
العمارة الشاهقة حيث يسكن وفي جواره 
هامشي آخر هو عبد الله الذي لا يتوقف عن 
ضرب زوجته؛ هو الذي سوف نكتشف أنه 
قام بقتل جارته العجوز طمعاً في سرقة مالهاء 
فيتتحر حين يكتشف أمره» كما تسكن جواره 
أيضاً فتاة هوى لن تتوقف عن بيع جسدها 
لتأكل. إنه باختصار عالم فاشل. ولاحقاً حين 
سيجد فارس عملاً في التهريب مع صديق 
قديم لهء لن تكون حاله أفضلء» حتى وإن كان 
محمد خان» وشريكه في كتابة السيناريو» كي 
يتفاديا السوداوية المطلقة سوف يتركان للفيلم 
نهاية مفتوحة تشي بأن الأمور سوف تسوّى 
لاحقآء ولو في مجال انتقال فارس من لعب 
الكرة الشراب إلى لعب الكرة الحقيقية. 
والحال أن قوة هذا الفيلم ليست فقط 
في حكايته ومضمونه. بل كذلك في لغته 
السينمائية» حيث جرّب محمد خان هنا كل 


حسن ونعيمة 


تلك الأساليب التي طبعت من قبله» وسوف 
تطبع من بعنه تيان الواقعية المجفيدة: 'توليقت 
ذو نبض يسيطر على حراك الفيلم متنقلاً مع 
إيقاع تنقلات الحرّيف التي لا تهدأ لحظة» 
حوارات منقطعة من الواضح أن ليس من 
المطلوب منها أن تحمل منطقاً متكاملاً أو 
تفضي إلى أي مكان. ولا سيّما عبر تكرارية 
مدهشة تطبعها وتسمها في توصيفها لتلاحق 
فشل البطل وخيباته. تصوير في حارات 
وديكورات حقيقية» تمارسه كاميرا تتحرك 
بكل حرية غير آبهة بما يسمى «راكورات» 
حيث كان من الواضح أن ليس من المطلوب 
هنا خوض كلاسيكية التصوير والقطع بقدر ما 
كان المطلوب اللحاق بنبض الشارع ونبض 
الشخصيات... وهذا كله؛ إلى أداء عادل إمام 
الجديد والمدهش أعطى لفيلم «الحرّيف» 


قيمة خاصة تفلت من المقارنة. 


«(حسن ونعيمة) 





٠ )1١1469(‏ .| أسود وأبيض) 
سيناريو: بركات, عبد الرحمن الخميسى 
تصوير: الفيزي أورفانيللي 
موسيقى: محمد عبد الوهاب 


تمثيل: سعاد حسنى» محرم فؤاد وداد حمدى 


تكاد الحكاية أن تقول لنا إنه لو لم يلتق 


المناضل والشاعر المصري عبد الرحمن 
الكوني بالمزامقة ميناة البايا: اشتقيقة نما 


١ /اه‎ 


الصغيرة» والتي سيصبح اسمها منذ ذلك 
الحين سعاد حسني) ويقتنع بجمالها 
وموهبتهاء وبأن أمامها مستقبلاً سينمائياً كبيرا» 
ما كان يمكن لهذا الفيلم أن يوجد. وتقول 
إنه لو لم يكن محمد عبد الوهاب يومها على 
خلاف مع نجم الغناء المكرس عبد الحليم 
حافظ» وساعيا لفرض بديل له في الساحة 
الغنائية الشبابية في شخص نجم الغناء الصاعد 
محرم فؤادء لماأنتج الفيلم ودعمه كاتبا 
موسيقاه وأغانيه. ولكن سواء أكانت الحكايتان 
صحيحتين أم لاء فإن في خلفية صنع هذا 
الفيلم كل هذه الأسماء الكبيرة» إضافة إلى 
كونه قد شكل البداية الرائعة لتلك التي 
ستصبح واحدة من كبيرات السينما المصرية» 
خلال سنوات طويلة آنية: سعاد حسني. 





غير أن الفيلم - حتى ولو أن ثمة مآخذ 
كثيرة على صدقية حكايته كما سوف 
نرى - لا تقتصر أهميته على هذه الأبعاد 
التاريخية ولا على قيمة الأسماء التى تضافرت 
لتحقيقه؛ بل إنه أكثر من هذا: واحد من أجمل 
أفلام حكايات الغرام الشعبية التي عرفتها 
السينما المصرية. ومع هذا تكاد انطلاقته» 
كحكاية» أن تكون متطابقة مع مئات الحكايات 





التي لم تكف السينما المصرية عن العودة 
إليها: ابنة الثري التي تققع في غرام المغني 
البائس» والتي لا يريد أهلها لها أن تعيش مع 
هذا المستوى من البشرء لكن الحب يتتصر في 
النهاية؟ ترى هل يمكن أن يحصي أحد عدد 
الأفلام» المصرية وغير المصرية» التي تحكي 
هذه الحكاية؟ 

لكن الغريب؛ والجديد إلى حد ما هناء هو 
أن هذا النوع من الحكايات كان يحدث في 
المدنء أما هنا فإنه يحدث في الريف. فنعيمة 
ابنة واحد من أعيان الريف» الحاج متولّي 
صاحب النفوذ والأموال والأراضيء وهي 
التي يطمع ابن عمها عطوة بالزواج منها. لكن 
ذات مرة المغني الشاب حسن يغني في أحد 
الأفراح» فأغرمت به من فورهاء لكن والدها 
لا يمكنه السماح لها بمثل هذا الزواج إذ 
يتقدم حسن بكل براءة ليخطبها. كيف يزوجها 
لمغنواتي؟ أما هي فتصرء ليشكل هذاء حدث 
الفيلم الرئيس مثيراً من المشكلات وتتابع 
الأحداث ما ينسينا على جرأة نعيمة فيهاء أننا في 
الريف وأن للريف تقاليده بحيث يستحيل على 
صبية ريفية من عائلة محترمة أن تهرب من بيتها 
لاجئة إلى حبيبها ذي الأصل المتواضع. لكن 
نعيمة تفعلها(!) ‏ أوّلم نقل دائماً إن السينما 
تعرف كيف تحقق المعجزات؟ -. ويقرر 
فترفض هي مجدداًء وتقع الاشتباكات بين 
قرية نعيمة وقرية حسن - مزيج من قيس وليلى 
وروميو وجوليبت -. 


1١6م‎ 


لكن النهاية هنا في هذا الفيلم المصري 
الظريف لن تكون على مثل هذا السوء. إلا 
بالنسبة إلى عطوة ‏ شرير الفيلم -» ذلك أن 
عبد الرحمن الخميسي شاء لبطلته المكتشفة 
أن تنتتصر فتنتصرء ومحمد عبد الوهاب شاء 
لربيبه المغني الجديد أن يحقق حلمه بالزواج 
من حبيبته - وربما نكاية بعبد الحليم حافظ 
الذي نادرا ما تمكن من عقد قرانه على حبيبته 
في أي من أفلامه ولا حتى في حياته العادية. 


«حكاية شرقية» 


1/او١ا)‏ د. (ألوان) 
إخراج: نجدت إسماعيل أنزور 
قصة: هاني الراهب 
سيناريو وحوار: جميل عواد 
موسيقى: محمد فضل 
تمثيل: محمد القباني» جولييت عواد. 


جميل عواد 


منذ البداية لا بد من التأكيد أنه من الخطأ 
اعتبار «حكاية شرقية» أول فيلم سينمائي 
أر دنيء كما قالت دعاية الفيلم والمقالات 
التى تناولته عند عروضه الأولى أول سنوات 
السبعين. فقبله كانت هناك أفلام أردنية قد 
يصل عددها إلى نصف دزينة» ناهيك بأفلام 
عالمية صورت في الأردن واعتّبرت ولو جزثياً 
من إنتاجه. وشارك فيها فنانون أردنيون. أما 
ريادة #حكاية شرقية» فتكمن في جِذّته؛ فهو 


حكاية شرقية 





في الواقع كان أول فيلم أردني ينتمي؛ في 
زمنه إلى تلك السينما العربية التي أرادت أن 
تطرح أسئلة شائكة وتتناول موضوعها بشكل 
جدي. هذا بالإضافة إلى أن هذا الفيلم كان 
الانطلاقة الأولى لمخرجه الذي لئن كانت 
بداياته الحقيقية سينمائية» فإنه سوف يكون 
لاحقاً رائداً من رواد المسلسلات العربية» 
السورية بخاصة: التاريخية والدرامية بأكثر من 
عمل ناجح أعاد الاعتبار إلى هذا الفن عند 
نهاية القرن العشرينء كما أن له فضلاً كبيراً 
في نهوض الفن التلفزيوني السوري» لكن هذه 
حكاية أخرى. 

مهمايكن. فإن أنزور كثيراًما أكد أن 
مشروع احكاية شرقية6 كان أول الأمر مشروعاً 
تلفزيونياً أراد أن يصوره بالفيديوء لكنه سرعان 
ما اكتشف الإمكانات السينمائية للمشروع 

أما أحداث الفيلم فتدور» كما يصرح 
المخرج نفسه من حول ذلك الصحافي 
الشاب الذي تنتابه هواجس وإحباطات يسبب 
مجموعة من الظروف السياسية والاجتماعية 
التي يعيشها بعيداً من الواقع المحيط 
به. فالحدث يدور بعد هزيمة حزيران/ 
يونيو 2145717 وفي خضم السوداوية التي 
غشيت الوطن العربي ولا سيّما المثقفين 
العرب من جرائها. وكان مصطفىء واحدا من 
هؤلاء. حيث يشعر بالهزيمة وبعدم التوافق 
بين أفكاره وتطلعاته» وبين عالم المديئة الذي 
يعيش فيه. وإذ تقترب عطلة العيد يطالبه رئيس 
تحرير الصحيفة التي يعمل فيها بكتابة مقال 


4ك 


خاصء فيكتب مقالاً عن الكاتب الياباني يوكيو 
مشيما الذي كان قد اشتهر في ذلك الحين 
بانتحاره احتجاجاً على الهيمنة الأمريكية على 
وطنه. وكان من الواضح أن اختيار مصطفى 
لهذا الموضوع يكشف عما يعتمل في داخله 
من احتجاج على الأوضاع التي تعيشها أمّته 
بعد الهزيمة. ولكن الفيلم» بدلا من متابعة 
هذا الخط الوجودي الاحتجاجي» نصحب 
مصطفى في سفر بالباص عائداً إلى قريته 
لتمضية العيد وفي داخله تصطرع الأفكار 
والاحتجاجات التي فاقم منها اتصال زوجته به 
وكثرة تطلباتها. غير أن الذي يحدث هنا هو أن 
سائق الباص يصاب فجأة بالإغماء ما يعرّض 
حياة الركاب للخطر. وهناء يتغلب مصطفى 
على خوفه وتردده وينصرف إلى قيادة الباص 
بشكل يمكنه من تخليص الركاب والباص 
معهي وتخليص نفسه في الوقتاعينه من 
موت كان مؤكداً. 

كان الترميز واضحاً في هذه الحكاية 
المقتبسة من قصة للكاتب السوري هاني 
الراهبء أما الضوء فى آخر النفق» الذي جعله 
المخرجء نهاية للفيلم» فقد عاد لها استغلال 
رئيس التحرير للحادثة إذ انتشرت أخبارهاء 
للترويج لعدد العيد من مطبوعته. وفي هذا 
أيضاً كان ثمة ترميز واضحء أضفى على فيلم 
نجدت إسماعيل أنزور الروائي الطويل الأول 
هذاء قيمة مضافة لا تزال له حتى الآن» حيث 
يمكن دائماً اعتباره واحداً من الأفلام التي 
حاولت أن ترد على الهزيمة التى أصابت العقل 
العربي في ذلك الحين. 00 


حلاق درب الفقراء 


«حلاق درب الفقراء» 


٠ )1١945(‏ د.(ألوان) 
إخراج: محمد الركاب 
سيناريو وحوار: يوسف فاضل 
تصوير: محمد الركاب. مصطفى سيتو 
تمثيل: محمد الحبشي, خديجة الخمولي» 
صلاح الدين بنموس 





كان هذا أول فيلم روائي طويل للركاب» 
ولسوف يكون الأخير» إذ إنه رحل عن عالمنا 
بعد سنوات قليلة من إنجازه من دون أن 
يتمكن من تحقيق أي من المشاريع الكثيرة 
التي كان يشتغل عليها. ولعل هذا الفيلم يتميز 
عن غيره من أفلام أولى لمخرجين من طينة 
الركاب وضيله انفده لأسي قال ما عقا 
أصحابها ضمن إطار مفهوم «سينما المؤلف» 
حيث يعتمد المخرج على سيناريو يكتبه بنفسه 
عن فكرة أو حكاية ترتبط بذاتيته» أما الركاب 
فإنه آثر في فيلمه هذا أن يقتبس مسرحية كانت 


1١5 


قدمت بنجاحء تروي فصولا من الحياة الشعبية 
للسكان البسطاء القاطنين «درب البلدية» فى 
مدينة الدار البيضاء. بل إنه أكثر من هذاء 5 
عدا ثلاثة أو أربعة ممثلين محترفين أو شبه 
محترفين» استعان في معظم الأدوار الثانوية 
والمجاميع» بسكان الحي أنفسهم» بحيث إن 
حكاية تصوير الفيلم كان من شأنهاء لاحقاء أن 
تشكل أساس فيلم جديد من النوع المعروف 
ب «السينما داخل السينما». لكن الركاب لم 
بعش جى يفكر يمثل هذا المتدرو ربدي 
فيلمه هذا يتيما يشكل ظاهرة متفردة في تاريخ 
السينما المغربية.. ناهيك بأنه شكل في زمنه 
مساهمة مكريية فى المشاركة قن العديا امن 
الب حانانت رالبسيول علن السر ا 


لم يكن الفيلم» على أية حال» شديد البعد 
عن المسرحية. فالأشخاص هم أنفسهم تقريباًء 
والحوارات نفسهاء والأحداث نفسهاء حتى 
وإن كان الركاب قد عرف كيف يضفي لغة 
سينمائية لا شك في استقلاليتها على عمل 
مسرحيء لم يكن هو نفسه يتسم بأية جمودية 
مسرحية على الخشبة. ولقد زاد من هذا أن 
يوسف فاضل نفسه؛ كاتب المسرحية» شارك 
في كتابة السيناريو كما انفرد في تعيين حوارات 
الفيلم» من دون أن ننسى ما قيل يومها أصلاً 
من أن المسرحية نفسها كانت مصاغة بذهنية 
سينمائية. أما «(أحداث») الفيلم فتدور من حول 
الحلاق ميلودء الذي كالعادة يمكن الناس 
أن يتتبعوا من خلال دكانه» كما من خلال 
أحاديثه مع زبائنه وجيرانه» تفاصيل العيش في 
هذا النوع من الأحياء. لكن ميلود ليس وحده 











حلفاوين - عصفور السطح 


هناء فهناك أيضاً زوجة محبوبة و«الإقطاعي» 
جلول والفقيه وأحميدة اللص» وحمان ورجلا 
شرطة إضافة إلى المعلق الذي يروي لنا ما قد 
ينغلق عليئا من أحداث وعلاقات. أما الحبكة 
فمحورها أيضاً ميلود الذي يعتقل ذات يوم 
بسبب ارتباطه بالصداقة مع السجين السابق 
أحميدة. وفي غيابه تقع زوجته تحت سطوة 
جلول مالك دكان الحلاقة الذي يقترح عليها 
أن تطلق ميلود وتتزوجه. وفي النهاية حين 
يطلق سراح الحلاق» سيجد أن كل شيء 
تبدل: دكان الحلاقة صار دكان جزارة وفقيه 
الحي تحول إلى جزار... وهكذا. والمخرجء 
كي يرسم لنا هذه الأحداث على شكل منمنمة 
اجتماعية» قسم الفيلم سبعة أقسام أعطى كل 
واحد منها عنواناً دالاً: ميلود الحلاق» جلول» 
محجوبة» ناس القهوة» حمان زوج الزوهرة» 
أحميدة» علال. وهكذا يبدو الفيلم من نوع 
الأفلام ذات الأصوات المتعددة بحيث يخيل 
إلى المتفرج أن كلاً من الشخصيات الأساسية 
يحاول هنا أن يقدم نفسه ويروي حكايته. لكن 
هذا غير دقيق» لأن الفيلم - وراويه أحياناً - هو 
الذي يروي لنا. وعن هذه التركيبية التي تهيمن 
على الفيلم كتب الناقد مصطفى المستاوي: 
«.. رغم الترحيب الكبير الذي قوبل به الفيلم 
ساعة ظهوره. باعتباره محاولة جريئة من 
السيئما المغربية للاقتراب من المعيش الشعبي 
في البناء» يظل بناؤه السردي أسيراً للبئاء 
المسرحىء مثله مثل أداء الممثلين» مثلما تظل 
شخصياته جامدة بلا انفصالء كأنها تعيش 
أحداثاً بعيدة عنها بعض الشيء.... 


15 


«حلفاوين - عصفور السطح» 


.١. 8 )149(‏ (ألوان) 
إخراج: فريد بوغدير 
سيناريو: فريد بوغدير» نور بوزيد؛ م. ل. غارسيا 
تصوير: جورج بارسكي 
موسيقى: أنور براهام 
تمثيل: سليم بوغديرء ربيعة بنعبدالله» 


«كيف يمكننا أن نتتحدث بأصح شكل 
ممكن عن الطفولة والجنس في ديار الإسلام» 
في لحظة تعود فيها المحظورات أكثر صرامة 
من أي وقت مضى؟ وكيف يمكثنا أن نصور 
الفرح ولذة العيش اللذين ينبضان على الدوام 
كدقات قلب أبدية في المجتمع على الرغم 
من الكليشيهات والأفكار الجامدة بجذورها 
المتعددة؟؟ بمثل هذين السؤالين أراد فريد 
بوغديرء الآتي يومها من النقدء ومن نوع خاص 
من السينما الوثائقية كرّس معظم نتاجاته لسرد 
تواريخ السينما العربية الأفريقية؛ أن يُدخل 
متفرجه إلى عالم فيلمه الروائي الأول هذا. 
وكان من الواضح منذ سؤالي الاستهلال هذين 
أن الطفولة التي يتحدث عنها المخرج/ الكاتب 
هناء إنما هى طفولته الخاصة» والجنس هو ذاك 
الذي اكتشفه بنفسه في طفولته. 

محور الفيلم» والذي يعطي الفيلم طابع 
السيرة الذاتية هو الطفل نوراء الذي سنراه ينتقل 
أمامنا في الفيلم من طور الطفولة إلى طور 
المراهقة» ومن عيش الجنس إلى اكتشافه. فهو 


حلفاوين - عصفور السطح 





كطفل يسمح له بمرافقة أمه وغيرها من النساء 
إلى الحمام الأسبوعي حيث يمكنه مشاهدتهن 
عاريات»؛ دون أن يردعه أحد عن ذلك» فهو ما 
زال أصغر من أن تحجب النساء عريهن عنه. 
لكنه هوء بدأ يتفتح وعيه» وإن كان بالواسطة» 
حيث إن رفاقه الذين يكبرونه سناً بعض الشيء 
يجتمعون به بعد نهار الحمام كي يحكي لهم ما 
رآهء مقابل بعض الدريهمات. وهو إذ اكتشف 
أهمية اللعبة» راح يصوغ حكاياته كما يحلو 
لهء في الوقت الذي بدأ يطرح على نفسه أسئلة 
تمزقه: هل عليه أن يبقى في صف الصغار كي 
يواصل تمتعه يما يشاهد وعيشه الهادئ الممتع 
في عالم النساء الذي لا يزال يشكل له حماية 
تريحه» أم عليه أن يتجاوز ذلك الصف ليحق 
له أن يجعل الجنس جزءاً من حياته» حتى ولو 
كان يجازف بأن يبارح ذلك العالم» مستبدلاً 
إياه بدخول عالم الكبار وعالم الشارع الذي 
يتوق إلى أن يدخله. 

إذاً عند الزمن الذي يشكل مفترقاً في حياة 
نوراء وميداناً لتساؤلاته يلتقطه لنا الفيلم» غير 
أن فريد بوغديرء لا يريد أن يكتفي برسم هذه 
الصورة لنوراء بل إنه يريد أيضاً أن يرسم من 
خلال نورا صورة لمجتمع حي الحلفاوين» 
الحي الشعبي في العاصمة تونس الذي عاش 
وتربى فيه. ومن هنا صار فيلمه مزدوجاً 
على الأقل: فهو فيلم سيرة ذاتية عن طفولة 
تبارح ذاتهاء وهو كذلك فيلم يرصد الحياة 
الاجتماعية وأصحابهاء يعرّي المجتمع 
وأخلاقياته» بقدر ما يعرّي النساء في الحمام» 
ما يجعلنا في نهاية الأمر أمام لعبة مرايا: فإذا 


كنا نشاهد النساء والحمام والعالم العائلي 
المحيط بنوراء بعيئّي هذا الأخيرء اللتين 
ينجح بوغدير في التعبير عنهما بدقة وشغافية 
وعذوبة» فإننا في المقابل إنما نشاهد عالم 
نورا وما يرصده هذا الأخير» من خلال مرآة 
المخرج بعد سنوات عديدة وهو يتذكر من 
دون أن يبدو عليه ذلكء. يتذكر بالأحرى من 
خلال نوراء لكنه يتذكر عشرات التفاصيل التي 
لا يمكن أن يكون نورا نفسه قد وعى عليها في 
طفولته. والحقيقة أن ازدواجية النظرة ولعبة 
المرايا هاتين هما ما يعطي لهذا الفيلم جماله 
وقوته ومكانته في السينما العربية. 

ومن هنا كان من الطبيعي أن تدور من حوله 
سجالات عديدة: لعل أبرزها تلك التي أخذت 
عليه كونه #يبالغ في تقديم الجنس؛ من خلال 
نظرات الصغير» وكونه يقف بشكل عام وحادٌ 
إلى جانب النساء متفهما مواقفهن وإحباطاتهن 
في وقت يعرّي فيه مجتمع الرجال» ولا سيّما 
من خلال شخصية والد نوراء الذي سيصوّر 
له تحرر هذا الأخير منه ومن قبضته القاسية 
وربقته الثقيلة في ذلك المشهد الأخير 
الجميل من الفيلم» والذي يلي اكتشاف الأب 
ل «العلاقة» التي قامت بين نوراء وليلى خخادمة 
البيت المراهقة» بعدما طرد نورا من فردوس 
النساء و#تبرعت» ليلى بأن تدخله عالم الجنس 
مباشرة. إثر انكشاف ما يحدث تطرد ليلى وهي 
تبتسم لنورا إذ أدركت انها عرفت كيف تحرره 
من طوق طفولته من الجنس. 

أما هوء فبعد أن يتحرر من ذلك الخوف 
يبقى عليه أن يتحرر الآن من قسوة أبيه» كي 


حلق الوادي 





يتمكن من أن يستحوذ على حريته كاملة. 
فيقترب الأب منه» كعادته» كى يصفعه متوقعاً 
منه» كما جرت العادة أن يذعن أمام الصفعة 
ويتلقاها بامتئان واستسلام. بيد أن نورا لن 
يقبل الرضوخ للصفعة هذه المرة» بل سوف 
يفلت منها بخفة» ما يجعل أباه الهاجم عليه 
يفقد توازنه» ويقع بشكل مؤلم ومهين في 
الوقت نفسه. فيما نورا يطير في الفضاء متسلقاً 
إحدى شرفات البيت قافزاً إلى السطح - ومن 
هنا العنوان الفرعي للفيلم «عصفور السطح» 
وعلى ثغره ابتسامة ماكرة؛ ايتسامة تكاد 
تقول كل الحرية التي بات يملكها من الآن 
وصاعداًء فيما أبوه في الأسفل مهزوماً مذهولاً 
ولايصدّق ماحدث». وأغنية عنوان نهاية 
الفيلم تنطلق يكلماتها القائلة: عصفور صغير/ 
عصفور سطح يحلق ويطير/ ما يقولش خلي 
الفرح يجنح/ خلي الفرح يطير... 


«حلق الوادي» 


٠ )19896(‏ «. (ألوان) 
إخراج: فريد بوغدير 
سيناريو: فريد بوغدير 
تصوير: رويرت الزراقي 
موسيقى: جان سينا 


تحثيل: جميل راتب. مصطفى عدواني» 


كلوديا كاردينالي 
مهما كان من شأن المكانة التي عرف 
فريد بوغدير كيف يحتلها في السينما التونسية 


ركد 


خصوصاً والسينما العربية عموما بفيلمه 
الروائي الطويل الأول #حلفاوين»: فإن فيلمه 
الثاني «حلق الوادي؟ أتى مخيباً للآمال مليثاً 
بالكليشيهات»؛ بشكل جعل مقولة لورانس 
«العرب» حول أن العرب أصل البدايات 
الجيدة» والنهايات السيئة» تنطبق عليه. ومن 
هناء بقدر ما أثار #حلفاوين» إعجاباً وما يقرب 
من الإجماعء أثار الفيلم الثاني رفضاًء ولكن 
ليس بالمطلق» بل فقط مقارنة بالفيلم حيث كان 
الجميع ينتظر من السينمائي الناجح» والناقد 
الكبير» أن يتجاوز نفسه في الفيلم الثاني ولم 
يفعل» حتى وإن كان هذا الفيلم قد عرض في 
مهرجان برلين» ما كان من شأنه أن يضفي عليه 
هالة إضافية. بل على العكس» توقف بوغدير 
من بعده عن تحقيق السينما الروائية الطويلة 
واضعاً كل مشاريعه على لائحة الانتظار التي 
طالت... إلى ما لا نهاية. 

ومع هذاء كان ل «احلق الوادي؛. كل 
العناصر الكفيلة بأن تؤمن له نجاحاً: موضوع 
جيد؛ نجوم مرموقون؛ مناخ تونسي عابق 
بالجمال والحنين؛ وشخصيات كان يفترض 
بها أن تكون مستقاة تماماً من التاريخ التونسي 
المعاصرء وهو تاريخ يعرف الجميع غناه 
الاجتماعي والفكري بخاصة أن تونس كانت» 
خلال المرحلة التي يعيد الفيلم الأحداث إليهاء 
بلد انفتاح وتلاقح ثقافي وتعايش ديني. وهذا 
هو بالتحديد موضوع الفيلم. فنحن هنا عشية 
حرب حزيران :)١951(‏ وفي منطقة حلق 
الوادي غير بعيد من تونس العاصمة» حيث 
تعيش ير من مختلف الديانات والطبقات 


حمام الملاطيلي 





الشعبية؛ اختار الفيلم منها ثلاثاً تمثل الديانات 
السماوية الثلاث. فهناك عائلة يوسف المسلم 
وجوجو اليهودي وجوزيبي الكاثوليكي» 
والعائلات الثلاث تعيش متجائسة ناعمة 
البال» حتى ذلك الحين على الأقل؛ في ظل 
نظر رضاء عام بأن تكون الثقافة السائدة هناك 
عربية - إسلامية» انما متفتحة» لا تثير نفور 
الأديان الأخرى. وإلى.جانب هذه العائلات 
يعيش الثري الععجوز الحاج بيجي. أما العائلات 
فلدى كل واحدة منهاء في عداد ذريتهاء بنت 
في السابعة عشرة» والبنات رفيقات متواطئات» 
ينظرن باستخفاف إلى صرامة العائلات الثلاث 
معاء ويقررن المشاكسة الجماعية على تلك 
المشاكسة بأن يفقدن عذريتهن في وقت 
واحد... يوم عيد العذراء. 

من حول هذه الحبكة يدور الفيلم» غير 
أن الصراع الأهم فيه هو بين أرباب العائلات 
الثلاث والحاج بيجي الذي يريد السيطرة 
على المكان وسكانه ويفرض قوانينه وقيوده» 
هو الذي يتابع السياسة لنرى شؤون العالم 
الخارجي من وجهة نظره» ونعرف أنه يكره 
جمال عبد الناصر ويتمئى هزيمته على يد 
إسرائيل رغم أنه يكره اليهود! 

أما لتغليف هذه الحكاية التي ستبدو منذ 
المشاهد الأولى للفيلم مفتعلة وخطية» فإن 
المخرج افترض زيارة سوف تقوم بها النجمة 
كلوديا كارديئالي إلى المنطقة» هي التي يعرف 
الجميع أنها في الأصل ابنة تلك المنطقة. 
وبالفعل تصل كلوديا ويرحب بها الجميع في 
احتفالات تكشف حجم التعايش الذي كان 


سائداً في تونس في تلك السنوات لتتضافر 
على ضربه؛ حرب حزيران وتسلّط الحاج 
بيجي» حيث يختلط العام بالخاص هناء ليتأكد 
أن المخرج إنما عاد إلى الماضي القريب» 
الذي يبدو واضحاً أنه عايشه بنفسه؛» كي 
يتحدث عن الحاضرء متسائلاً عما حل بذلك 
التعايش؟ وكيف تغيرت تونس إلى هذا الحد؟ 


«حمام الملاطيلي» 
91 1) 5 د.(ألوان) 
إخراج: صلاح أبو سيف 
قصة: إسماعيل ولي الدين 
سيئاريو: محسن زايد وصلاح أبو سيف 
حوار: ممحسن زايد 
تصوير: عبد المنعم بهنسي 
موسيقى: جمال سلامة 
تمثيل: شمس البارودي» محمد العربي» 
يوسف شعبان 


قد لايكون هذا الفيلم واحداً من أفلام 
صلاح أبو سيف الكبيرة» لكنه بالتأكيد واحد 
من أفلامه الجريثئة» وبالتالي الفيلم الذي أثار 
أكبر قدر من السجال. ولكن ليس لموضوعه 
أو حبكته. بل لكونه الفيلم الذي قدم بطلته 
أقرب إلى العري مما فعل أي فيلم آخر. وهذا 
ماجعل البطلة (شمس البارودي) تخوض 
خلال عقود معركة ضده مطالِبةٌ بمنئعه من 
العرض بعد أن تحجيت واعتزلت التمثيل 
نادمة على ما ارتكبت! 


حمام الملاطيلي 





لكننا اليوم إذ نشاهد هذا الفيلم سنميل 
بسرعة إلى تجاهل «عري؟ بطلته؛ إذ أصبح أقل 
من عاديّ مع مرور الزمن, لننظر إليه» في بعد 
جريء آخر فيه؛ هو البعد الجنسي. فهو يحمل؛ 
وهذا ما لم يجر التركيز عليه كثيرا في حينه» 
أمام مشكلة النجمة معه. رؤية فنية متقدمة 
للمشكلة الجنسية التي يتخبط فيها الشباب 
المصريء بفعل مجتمع يحولهم إلى مجموعة 
من المكبوتين جنسياء ما ينعكس بالتالي على 
أداءاتهم الاجتماعية وأوضاعهم الشيةة ما 
كشف باكراً عن أهمية تحولهم إلى متطرفين 
كارهين للمجتمع وقيمه وتركيبة علاقاته. 

وطيعاً لا يمكئنا أن نقول إن هذا كان 
موجوداً بوضوح فيه أو أن الكاتب والمخرج 
قصداه بتمعنهما في قراءات وتجارب نظرية 
حول هذه المسألة» ولكن يمكننا أن نقول إن 
رصداً صادقاً لأحوال الشياب المصري في 
ذلك الحين» كان من شأنه أن يوصل إلى هذا 
الاستنتاج. 

والحقيقة أن «حمام الملاطيلي» فيلماً 
ورواية من قبله» كانا عمدا مثل هذا الرصد. 
وللإشارة بشكل أكثر وضوحاً إلى هذا قد 
يكون مفيدا هنا الاستفادة من التلخيص» 
التحليلي بعض الشيء الذي وضعه الناقد 
والكاتب الراحل رفيق الصبان للفيلم: إنها 
قصة ثلاثة شبان من جيل محبط ويائس - جيل 
ما بعد التكسة ‏ يجمعهم حمام شعبي يلجؤون 
إليه للمبيت مقابل قروش زهيدة. والقصة 
تركز على واحد من هؤلاء؛ هو أحمد الشاب 
الوسيم الذي عجز عن إيجاد عمل حقيقي 


16 


له بعد تخرجه. فاختار الحمام مكاناً للنوم 
والعمل. وهناك يلتقي نعيمة التي تقيم في 
الحي وتحترف الدعارة» فيعيش معها قصة 
حب تغرق فيها نعيمة حتى الثمالة» إذ تجد فيها 
مهرباً من واقعها الأليم. ومن خلال وجودهم 
في الحمام» يتعرف الشياب الثلاثة إلى رسام 
شاذ يحاول إنشاء علاقات مع رواد الحمام من 
الشباب ومن ضمنهم أحمد الذي لم يمنعه حبه 
لنعيمة من إنشاء هذه العلاقة مع الرسام وعلاقة 
أخرى مع زوجة صاحب الحمام نفسه. ذات 
يوم تشعر نعيمة أن أهلها يطاردونهاء فتطلب 
من أحمد أن يلاقيها في مكان بعيد عن الحمام» 
آملة بأن يتمكنا معاً من النفاذ من مصيرهما 
البائس. ولكن عندما يصل أحمد إلى المقابر 
حيث كان ينبغي أن يلتقي نعيمة يجدها جثة 
هامدة إذ عثر عليها أهلها قبله وذبحوها. 

واضح أن هذا الفيلم الجريء والتجديدي 
في مجاله في ذلك الوقت» أراد طرح العديد 
من المشاكل الاجتماعية مقترباً منها من زاوية 
لم تكن معهودة في السينما المصرية في ذلك 
الحين. ومن هنا بدا فائق الجرأة في طرحه تلك 
المشكلات» ومن بينها قضية المثلية الجنسية 
التي لم تكن قد عولجت من قبل بهذا القدر من 
الصراحة والجدية في أي فيلم مصري من قبل. 
وكذلك قضية الحب الذي يقوم بين أحمد 
ونعيمة ولا يتسم كالعادة بالبعد الرومانسي 
وحده. ومن هنا أتى الفيلم جريثاً وعنيفاً وإن 
كان قد عاد في نهايته إلى الصراط المستقيم» 
في معاقبة الشر والرذيلة» لأنه من دون هذه 
العودة ما كان له أن يعرض بالطبع. 


حياة أو موت 





«حياة أو موت» 





(19465) 6 د. (أسود وأبييض) 
إخراج: كمال الشيخ 
إنتاج: لونس فيلم 
قصة وسيناريو: علي الزرقاني» كمال الشيخ 
تصوير: أحمد خورشيد 
تمثيل: عماد حمدي؛ مديحة يسري. 

يوسف وهبي 


عندما أعيد عرض فيلم كمال الشيخ «حياة 
أو موت؛ ضمن تظاهرة خاصة في #معهد 
العالم العربي؛ في باريس في ربيع العام 
١:؛‏ شكل الفيلم مفاجأة حقيقية؛ من ناحية 
لجمهور فرنسي لم يكن يعرف عنه شيئاً» ومن 
ناحية ثانية لجمهور عربي كان. ربماء شاهده 
منذسنئوات طويلة؛ لكنه نسي الكثير من 
مشاهده وأجوائه. 1 

كان العرض» في حقيقة الأمر إعادة إحياء 
ليس فقط لفيلم كان قد بدأ يعتبر إحدى تتحف 
السينما المصرية على مدى تاريخهاء بل كذلك 
لسينما كمال الشيخ ككل» حتى وإن كان غلاة 
المهتمين بالسينما المصرية يعرفون منذ زمن 
بعيد أن اسم كمال الشيخ يوضع على قدم 
المساواة مع أفلام يوسف شاهين وصلاح 
أبو سيف وتوفيق صالح... وغيرهم. من 
مؤسسي الفن السينمائي الحقيقي في مصر. 
يومهاء في ذلك اللقاء الباريسي أعرب لنا كمال 
الشيخ - الذي سيرحل بعد ذلك بزمن - عن 
سروره بإعادة الاعتبار» كما أعرب عن مفاجأته 


هو الآخر بالفيلم» الذي لم يكن قد شاهده منذ 
سنوات. وفي شكل أكثر دقة تحدث الشيخ 
يومها عن صورة مدينة القاهرة في فيلمه أكثر 
مما تحدث عن موضوعه. ولعل في إمكاننا 
هناء أن نقول انطلاقاً من تلك الملاحظة؛ إن 
صورة مديئة القاهرة تكاد في الفيلم أن تكون 
شخصيته الرئيسة. قال الشيخ» إن فكرة الفيلم 
قد تبدو اليوم عادية أو مشوقة غريبة بعض 
الشيء في نهاية الأمر «وأنا عفرت على هذه 
الفكرة في الصحف لا أكثر ولا أقل» وبشيء 
من الصدفة». لكن ما قاده إلى تحقيق الفيلم 
لم تكن الحادثة. بل تعرفه» بحسب قوله. 
إلى بعض أبرز وأخصٌ سمات سينما الواقعية 
الجديدة الإيطالية. 

ومن هناء قال الشيخ» «مازلت أنظر إلى 
هذا الفيلم حتى اليوم بصفته تلخيصاً لما فهمته 
في ذلك الحين» من تلك الواقعية» بما في ذلك 
ما قررته من أنني حتى وإن استخدمت في 
«بطولة» الفيلم نجماً كبيراً هو عماد حمدي» 
فلسوف استخدمه استخداماً مختلفاً. لن يكون 
بطلا بل سيكون بطلاً مضاداً». وعدا عن هذاء 
يلفت الشيخ: «هناك المناخ التوثيقي الذي 
صور مدينة القاهرة في توتر وإيقاع» ستبدو 
قيمتهما بعد زمن طويل. وهناك الإشارات 
الاجتماعية الرافضة للواقع البيروقراطي 
والطبقي. وهناك السيكولوجيا التي تعكس 
مواقف الشخصيات إزاء الأحداث». ومن هنا 
كان من حق كمال الشيخ أن يعتبر فيلمه #حياة 
أو موت» الذي حقق العام 1105؛ أي بعد 
أقل من ثلاثة أعوام من اندلاع #ثورة الضباط 


حياة أو موت 





الأحرار»»؛ صرخة فنئية واجتماعية تحاول 
أن تواكب جديد السياسة بجديد فني ناقد 
اجتماعياً في المقام الأول. 

في هذا الفيلم الذي لا يزيد زمن أحداثه 
على يوم أو يوم ونيّف» لدينا أحمد (عماد 
حمدي) وهو موظف في شركة؛ صرف من 
عمله في ذلك اليوم بالذات بسبب تدهور 
حاله الصحية... وها هو الآن يعود إلى البيت 
مهموماً لايدري ما الذي سيفعله؛ والعيد 
يقترب ومتطلباته كثيرة. وهو في غمرة همومه 
هذهء يصطدم مع زوجته التي تسأله لماذا هما 
مضطران إلى عدم الاحتفال بالعيد. إنه يقول 
لها ولا يقول. فهو نفسه لم يستوعب بعد. 
تماماء الحال التي هو فيها. وأمام استنكافه» 
لحزنه ولمرضه؛ عن خوض السجالء لا يكون 
من الزوجة إلا أن تهجر البيت ذاهبة إلى دار 
أهلهاء غير راغبة في مواصلة العيش البائس 
الذي صارته حياتها مع أحمد. وهي إذ تهجر 
البيت تترك الزوج مع ابنتهما الطفلة. ومن 
جراء هذاء تضعف قوى أحمد أكثر وأكثر» 
وإذ لا يجد لديه الدواء الذي اعتاد تناوله كي 
يخفف من وطأة الأزمة الصحية» يرسل ابنته 
الصغيرة إلى حي ناءٍ بعض الشيء» حيث ثمة 
صيدلية يمكن أن تؤمّن له الدواء. 

وبالفعل تنطلق الصبية إلى الصيدلية 
مجتازة» على عجل» شوارع وأزقة المدينة 
والكاميرا ترافقها حتى تصل إلى الصيدلية. 
وهنا يكون الحدث الأساس في الغيلم: أن 
الصيدلي يعطي الفتاة الدواء الخطأء الذي 
سيكتشف بعد رحيلهاء أن أباها سيموت إن 


تناوله. لكن المشكلة هي أن الصيدلي يكتشف 
هذا الواقع القاتل؛ بعد أن تكون الصبية قد 
اختفت ذاهبة» على عجل؛ إلى البيت في حال 
سبيلهاء كي تعطي أباها الدواء وتطمثن عليه. 
أما الصيدلي فإنه؛ لا يعرف شيئاً عن الفتاة 
وأبيها. لا يعرف أين يسكنان. لا يعرف اسم 
الأب ولا اسم البنت. فما العمل؟ هناء ذأ 
يختلط الجانب التشويقي بالجانب الإنساني. 
وتقوم كاميرا كمال الشيخ الزارعة الشوارع 
ومناطق كثيرة من القاهرة» بحثاً عن الفتاة 
محاولة» كما الصيدلي وأناس آخرين؛ العثور 
على الفتاة قبل وصولها إلى بيتها وإعطاء 
الدواء للأب. 

طبعاً كان فى إمكاننا أن نتصورء منذ البداية 
ما سيحدث. فالنهاية يجب أن تكون سعيدة 
وإلا أصبح الفيلم مقبرة. والنهاية ستحل طبعاً 
حين يصار إلى إذاعة بلاغ عبر الإعلام يتحدث 
عن الأمر ويطلب ممن يعرف شيئاً عن البنت 
وأبيها أن يتدخل لإعلان ذلك كي يتم إنقاذ 
الأب» طبعاً لا يمكن للأب الغائص في نوبة 
أزمته الصحية أن يسمع البلاغ. لكن الأم» وهي 
في بيت أهلهاء تسمعه. فتفهم أن المقصود 
هو ابنتها وزوجهاء فتهرع إلى البيت وتنتهي 
الحكاية» والحقيقة أن هذا التطور الذي يشغل 
الجزء الثاني من وقت الفيلم» ويكاد يكون وقته 
مطابقاً لهذا الوقت» بمعنى أن ما يحدث على 
الشاشة وتصوره الكاميراء هو - زمنئياً - نفسه 
الذي يحدث في الحكاية... و كان هذا تحديداً 
شديد الأهمية في السينما المصرية وربما أيضاً 
بعض السينما العالمية في ذلك الحين. كذلك 


حياة أو موت 





يمكن القول هنا إن كمال الشيخ حتى وإن 
كان ملأ الفيلم بالمواعظ الأخلاقية من أوله 
إلى آخره» تمكن من أن يحدد على صعيد 
تقنية استخدام الكاميرا والتوليف. في كل تلك 
المشاهد الخارجية التي كان البحث يدور فيها 
عن الصغيرة» هذا التطور هو الذي أعطى #حياة 
أو موت» قوته وكذلك تقبل الجمهور العريض 
له. 

ولكن من ناحية أخرى واضح أن هذا 
الفيلم سجل بداية حقيقية لسينما كمال 
الشيخ» التي ستجد في الناقد الفرنسي جورج 
سارول» صوتاً مناصراً بقوة إلى درجة أن هذا 
الأخير رأى من المناسب أن يطلق على الشيخ 
لقب «هتشكوك العرب؛. طبعاً قد يكون في 
هذا الكلام» من الناحية التقنية - على رغم 
روعة السيناريو الذي كتبه الشيخ شراكة 
مع علي الزرقاني - بعض المغالاة» الذي 
يمكن تحميل مسؤوليته للتراث السينمائي 
المصري الذي كان في إمكانه في ذلك الحين 
أن يجعل النهاية السعيدة متوقعة» ولكن من 
المؤكد ‏ من الناحية الاجتماعية ومن ناحية 
الانتماء السينمائي البحت للفيلم - أن «حياة 
أو موت» لا يمت إلى هتشكوك بقدر ما يمت 
إلى تلك السينمات الأخرى التى كانت - على 
خطى «الواقعية الجديدة الإيطالية» ‏ قد بدأت 
تنتشر في أوروباء في جدية الموضوع 
وإنسائيته. 


ولكن. أكثر من هذاء في كونه فيلماً عن 
القاهرة» عن المدينة» ينخرط في نسق يواكب 
تجديدات فيسكونتي في «الأرض تهتز) 


18 


وروسليني في «روما مدينة مفتوحة» حيث 
تكون البطولة للمكان... 

وحسبئا هنا أن نتذكر تلك المشاهد الرائعة 
التي ساحت عبرها كاميرا كمال الشيخ في 
شوارع القاهرة» بين أهلها وسكانها وأحيائهاء 
في قصيدة حب بصرية لتلك المدينة» يمكننا 
القول إن أحداً قبل كمال الشيخ» وأحداً 
بعده ‏ حتى مجيء سينما محمد خان وعاطف 
الطيب وداود عبد السيد على الأقل -» لم 
يستطع مضاهاتها. ومن هذا المنظور تلوح 
لنا القاهرة» كما أشرناء كشخصية الفيلم 
الأساسية» حيث عرف كمال الشيخ - الذي 
نعرف أن تكوينه الأصلي كسينمائي؛ كان في 
غرفة التوليف وليس وراء الكاميرا - عرف 
كيف يصور التفاصيل» الحياة اليومية» عمل 
الشرطة» الروتين, الإدارة... وطبعاًء وصولاً 
إلى نوع من الرؤيا الاجتماعية ‏ هل نقول 
الأخلاقية؟ - التي تعطي «حياة أو موت» نكهته 
الخاصة والفريدة. 

ليس من السهل هنا إحصاء كل الأفلام 
التي صنعت لكمال الشيخ» مكانته في السيئما 
المصرية» إلى جانب من ذكرنا في ما تقدم» 
لكن هذا الفنان الذي بدأ حياته السينمائية في 
العام نفسه الذي قامت فيه الثورة المصرية» 
حقق طوال فترة نشاطه السينمائي الطويل 
١985-5‏ عدداً كبيراً من الأفلام» ومنها 
ما يعتير علامات أساسية في تاريخ السيئما 
المصرية» بما في ذلك أفلامه الكبرى التي 
اقتبسها عن أعمال أدبية من الطراز الأول: 
«اللص والكلاب» 1917 عن رواية نجيب 


محفوظء و«الرجل الذي فقد ظله» عن رواية 
فتحي غانمء و «ميرامار») عن محفوظ 
أيضاً... الفيلم الذي أثار في وجهه مشاكل 
جمة قبل أن يحسم الرئيس جمال عبد الناصر 
الأمر سامحاً بعرضه - رغم تعرضه لممارسات 
الحكم «الثوري) -. 

والحقيقة أن الشيخ» رغم هذا الفيلم» كان 
يعتبر إلى جانب كونه سينمائيا كبيراء فنانا 
وقف منذ البداية إلى جانب الثورة» وانتقدها 
حين أخطأت. ثم كان في سنواته الأخيرة» من 
المدافعين عنها حين راح أعداؤها يستخدمون 


أخطاءها ذريعة لثورة مضادة. 

«حيفا) 

(19964) ه/.. (ألوان) 
إخراج: رشيد مشهراوي 
سيئاريو: رشيد مشهراوي 
تصوير: إدوين فرشتيفن 
موسيقى: سعيد مراد. فرقة صابرين 
تمثيل: محمد يكرى» هيام عباس 


«حيفا: لا شىء يعنيه هناء الأشياء تحدث 
وتنتظر اكتمالها هناك حيث عليه أن يكون. 
ولكنه هناء في الظلال الغامقة للبيوت 
والحارات اعرف المهجورةء حيث تتفكك 
مصائر الناس» وتتقاطع وتتجاور حكاياتهم؛ 
منتظرين كل شيء» (.... وبموازاة همومهم 
وانتظارهم وأسئلتهم يرتب حيفا سعادته ويقينه 


1١8 


وإجاباته وكأنه يحرس أحلامهم ويعينها على 
البقاء...»). 

بهذه العبارات» التن تقرب من الشاعرية» 
يقدم رشيد مشهراويء فيلمه الروائي الطويل 
الثاني» وهو كسابقه» #حتى إشعار آخر) يدور 
في غزة. ولكن في الوقت الذي كان الفيلم 
السابق يتجول داخحل الفسح الفاصلة» حدائق 
الاحتلال والحصار الإسرائيليين» ها هو الفيلم 
أكثر من هذاء على ذكريات بطله. (معتوه 
القرية») المسممى ع تيمنا باسم المكان الذي 
أتى منه ويريد يوما أن يعود إليه. 





وهذا المعتوه إنما هو في حقيقة أمره» 
في النائن هتاه المددون التدى من وله تدوز 
الحياة اليومية فى الانتظار. انتظار ماذا؟ على 
المتفرج أن يخمّن؛ وفي انتظار ذلك يصور 
الفيلم شرائح من الناس» وغالباً من وجهة 


خارج الحياة 





نظر حيفاء من خلال حكاياتهم العادية جداً: 

فتاة تريد أن تكون حرة في اخختيار حبيبها؛ 
أ تريد أن تزوج ابنها المعتقل قبل خروجه 
من السجن؛ وأخرى عجوز تنكبٌ على نسج 
ملاس لابنها الغائب الذي لا تعرف أين هوء 
لكنها وحدهاء دون غيرها من الناسء واثقة أنه 
سوف يعود يوماً؛ وهناك الرجل الذي لا يتطلع 
إلى أكثر من أن يصبح شرطياً... أما حيفا الذي 
يرصد كل هؤلاء الناس وحكاياتهم من حوله. 
وبالكاد يرصدونه همء فإنه هنا لأن حبيبته 
تزوجت غيره في بيروت» مع أنهما كانا متفقين 
على أن يتزوجا هناك في... حيفا. 

ضمن هذا الإطار يدور الفيلم الذي يقول 
مشهراوي إنه مأخوذ من كتابين مأخوذين 
بدورهما من الواقع «ولكن بشكل لا يشبه 
الواقع تماماً». ينبهنا قبل أن يضيف أن الأمر 
كله يتمحور ها هنا من حول شخصية «حيفا» 
الذي «ليس من الضروري أن يكون لها وجود 
في أي مخيم فلسطيني» بل توجد كمجرد فكرة 
تذكّر بالحلم والذاكرة والضمير». 

ويخلص مشهراوي من هذا إلى أنه إنما 
أراد من هذا الفيلم أن يخرجه «من مأزق 
ومنطق منع التجول, ما أعطاني إمكانات أكثر 
لاستخدام السينما نفسها واستغلال إمكاناتها 
وتقنياتها وعناصر تشكيل لغتها الحقيقية من 
تصوير وتمثيل ومونتاج وصوت وموسيقى 
لأصل في النهاية إلى التعبير عن الفكرة» 
ولكن... من خلال أشكال تعبيرية أعتقد أنها 
أنت متقدمة» على الأقل عما كان سبق لي أن 


-حقفته؟. 


«خارج الحياة» 





)19691١(‏ /1ه د. (ألوان) 
إخراج: مارون يغدادي 
سيناريو: مارون بغدادي. ديدييه دكوان» 

الياس خوري 
تصوير: باتريك بلوسيير 
موسيقى: نيكولا بيوفاني 
تمثيل: هيبوليت جيراردوء رفيق علي أخمد. 

حبيب حمود 


للحديث عن فيلم اللبناني مارون بغدادي» 
«خارج الحياة» قد يكون من الأفضل البدء 
بالدقائق الأخيرة من الفيلم» الدقائق التي يمكن 
على ضوء قراءة سينما مارون بغدادي ككل» 
اعتبارها لحظات سينمائية استئنائية من ناحية 
البعد الذي تتخذه. لكنها قادرة في الوقت 
نفسه على إلقاء أضواء كاشفة على سينما هذا 
المخرج؛ ولكن أيضاً على حقيقة نظرته إلى 
الحرب اللبنانية» وبالأحرى إلى المقاتلين 
الذين انزرعوا في تلك الحرب. فالمكان 
الذي يطالعنا به الجرء الأخير من الفيلم هو 
مقهى باريسي صاخب» حيث 3 تتحرك الكاميرا 
على مجموعة من الوجوه الضاجة والمرحة» 
تتوقف لجزء من الثانية عند وجه فتاة يخيّل 
للمتفرج أنه يعرفها (وسوف يتبين له بعد 
دقائق أنه - أي المتفرج - قد سيق له أن شاهد 
صورة الفتاة لأنها ليست سوى صديقة باتريك 
بيرو التى تداول خاطفو هذا الأخير صورتها 
قبل فترة حين كان أسيراً لديهم)» بعد ذلك 


خار ج الحياة 





تواصل الكاميرا حركتها الاستعراضية لتصل 
إلى من سيحتاج المتفرج إلى فسحة من الوقت 
للتعرف إليه. حين يفعل يكتشف أن الشاب هو 
باتريك بيروء عندما تصل الكاميرا إليه يفكر 
باتريك لحظة؛ ثم يقوم من مكانه فيما الكاميرا 
تلاحقه» ويتجه إلى كابينة الهاتف حيث يطلب 
رقماً. 

تنتقل الكاميرا إلى المكان الذي طلبه 
بيرو: بيروت» في غرفة خالية» حيث جهاز 
هاتف يرن مرات ومرات دون أن يرد على 
فيما تبدأ الكاميرا لقطة «ترافلنغ» في داخل 
الغرفة البيروتية» لقطة تنطلق من جهاز الهاتف 
إلى نافذة الغرفة إلى شوارع بيروت المدمرة» 
في رحلة كأنها هبوط إلى الجحيم... في 
لقطة هي - زمنياً - أطول لقطة في الفيلم» 
وآخر لقطة؛ إذ بها يتتهي الفيلم. ينتهي؟ من 
الصعب الرد على هذا السؤال؛ لكن المهم أن 
هذا المشهد بكامله؛ بنهايته «الشاعريةة هذه 
أعطى فيلم #خارج الحياة؟ كل مبرراته ومنطقه» 
إذ نادراً ما أتت نهاية فيلم لتفسر الفيلم على 
هذا النحوء بل لتعطيه منحى آخر غير منحاه 
المفترض. 

إن قراءة منطقية لهذا الفيلم» على ضوء 
مشهده الأخير هذاء تطرح علينا فرضية تقول 
إن تحقيق الفيلم كله إنما أتى استجابة لتلك 
المكالمة الهاتفية الخائبة. ترى أفلم تكن 
تلك المكالمة» بمعنى من المعاني» المحاولة 
الأخيرة التي يقوم بها بيرو للتواصل مع 
سجّانيه؟ وربما لكي يقول لهم كم أنه يحبّهم 


١/١ 


الآن وقد تحرّر منهم؟ وقد صار بإمكانه أن 
يعاملهم معاملة الندّ للندٌ بعد أن كنف عن أن 
يكون أسيرهم؟ في هذا السياق أفلا يمكننا 
النظر إلى هذا الفيلم - بعيداً من بل وبالتعارض 
مع كل ضروب سوء الفهم التي أثارها - على 
أنه محاولة (أخيرة؟) من مارون بغدادي لقول 
الشيء نفسه» للتعبير عن قسط الحنان الذي 
يحمله لأناس» ريما كان افتتانه بهم هو عامل 
العزاء الأول الذي يبرر ماضياً ما؟ 

بهذا المعنى» وبعد مثل هذه القراءة» 
كان في وسعنا أن نجد أنفسنا في إزاء فيلم 
شديد الذاتية» فيلم يتتمي إلى مخرجه مارون 
بغدادي» وإلى مشاعره الملتبسة تجاه الحرب 
اللبنانية» الحرب التي خاضها دائماً من موقع 
الذات» ومن موقع اللاعب» من وراء كاميرته 
كما هو حال بيروء المصور الفرنسي الذي 
بعد أن صوّر الحرب اللبنانية مطولا أو بشكل 
حيادي؛ اكتشف في لحظة ماء أنه قد يكون 
آن له هو الآخر أن ينتقل دون أن يدري إلى 
الجانب الآخر من الكاميراء ليتحول من ذات 
إلى موضوعء ومن متفرج إلى لاعبء بل إلى 
متواطئ» فقرر أن يسافر. لكنه عشية سفره 
يؤخذ كرهينة من قبل شبّان مسلحين؛ وتبدأ 
رحلة عذابه الأليم التي يصورها لنا الفيلم. 
ولكن هل هي رحلة ألم فقط؟ ألم تكن في 
الوقت نفسه رحلة تعليمية ورحلة افتتان ربما 
وجده البعض منحرفاً وضالاً لكن بغدادي لم 
يره كذلك على أي حال؟ 

لقد أتى هذا الفيلم ليذكرنا مرة أخرى بأن 
مارون بغدادي خاضء ومنذ اليداية» حريه على 


خارج الحياة 





طريقته الخاصة» وعاش إزاءها تمزقاً بين نبذها 
والانجذاب إليها. ولقد رأينا خلال الحديث 
عن أفلامه السابقة كيف أنه عبّر عن هذه الحالة 
مرات عديدة» بحيث إن قراءة شاملة لسينماه 
تضعنا دائماً في إزاء نظرة ملتبسة إلى الحرب. 

حين كان باتريك بيرو طليق العين» كان 
ينظر إلى الحرب ببساطة الصحافي المتنقل» 
الشاهد المحايد الذي لا يهمه من الحدث 
سوى شكله الخارجي كمادة تصور. بعد 
ذلك حين اختطف وغرق في السواد والألم» 
حين عصبت عينئاه. رأى - ويا للمفاجأة! 
ويالمعجزة الفن! قد يكون بإمكاننا أن 
نصرخ! - رأى الحرب الحقيقية: «رأى؛ صراخ 
النساء والأطفال» «رأى» الرعب والألم... 
ودرأى» أيضاً لحظات الحنان الصغيرة: 
امرأة تقدم له ليمونة» طفلاً يسرع للجوء قريباً 
منهء مقاتلين يتحلّقون كالأطفال المبهورين 
من حول جهاز تلفزة متواضع يبث مسلسلاً 
عضري فرح المقاتلين الساذج بالانتهاء من 
طلاء سيارة (مسروقة). 

كل هذا قرآهة المصور وهو معصوب 
العينين» وهو يصغي إلى صوت القذائف. 
ويتلقى الضربات - الجدية والمازحة - 
ويتساءل بين لحظة وأخرى (كما يفعل جوزيف 
ك. في «محاكمة» كافكا) متى يبدأ التحقيق 
معه؟ ولماذا هو هئا؟ حين ينتقل باتريك من 
التساؤل الصامت. إلى السؤال الصاخب لا يردٌ 
عليه سجانوه (وعلى غرار ما يفعل سجانو 
براد هاريس الأتراك في #قطار متتصف الليل؟ 
لألان باركر) إلا بإصدار الأمر له بأن يصمت. 


و1 


ليس له أن يسأل. لماذا؟ ربما لأنهم هم أنفسهم 
لا يعرفون لماذا هو هنا! حين يطيعهم يعطونه 
مكافآت صغيرة: حديث عن بلده فرنسا من 
هناء خبر عن اعتزال لاعب الكرة ميشال 
بلاتيني من هناك» وعشية عيد الميلاد تكون 
هديتهم الكبرى له: صورة صديقته إيزابيل. 
أما حين لا يطيعهم فإنه سيعيش جحيماً يقترب 
عبر كاميرأ مارون بغدادي من حدود السادية. 
ولم لا تقول من حدود المازوشية على افتراضن 
3 ؛ الجلادين عبر تعذييهم بيرو إنما يعذّبون 

لا يأتي مقاتلو سينما مارون بغدادي من 
العدم. ليسوا مجرد آلات قتل (كما هو حال 
الصورة التي تعطينا إياها السينما الأمريكية 
لمقاتلي «الخمير الحمر؛ في فيلم #حقول 
القتل»» مثلاً...). إنهم هنا بشر من لحم 
ودمء أناس يعيشون اليومي ببساطة» يأكلون 
ويشربون ويحبون أطفالهم» ويتابعون أخبار 
كرة القدم. ومنهم من هو مثل مارون بغدادي 
نفسه -. شديد الإعجاب بالممثل روبير دي 
نيرو حين يعمل تحت إدارة مارتن سكورسيزي 
(وهذا مايتيح لبغدادي فرصة توجيه تحية 
مواربة لأستاذه الكبير). ومنهم أيضاً من ينظر 
إلى ما بعد القتال والحرب ويتحدث الفرنسية 
بكل طلاقة ويحلم بأن ينال شهادة البكالوريا 
لكي يلتحق بجامعة فرنسية. 

هؤلاء المقاتلون هم الذين سيتعرف إليهم 
باتريك بيرو وسيشاطرونه سجنه وربما عذابه 
أيضاً. هم فيه جلآدوه؛ لكنه سيدرك أيضاً أنهم 
ضحايا مثله. فمّن رهينة من يا ترى؟ لماذا نحن 


خان الخليلي 





نحن؟ لماذا وصلنا إلى ما وصلنا إليه؟ لماذا كل 
هذه الجراح في جسد بيروت؟ من حول هؤلاء 
الأطفال الطيبين إلى سجّانين؟ ثم خاصة: هل 
يمكن لسجّان أن يكون طيباً وطريفاً إلى هذا 
الحد وأن يستحوذ على مسجونه فيجعله مفتوناً 
به 

أسئلة كثيرة تمكّنت كاميرا مارون بغدادي 
في #خارج الحياة» من التعبير عنها 

من الواضح أن هذا العمل يكشف عن 
تطور كبير في علاقة مارون بغدادي بالممثلين 
في فيلمه؛ هو الذي كان في «بيروتيا 
بيروت» و#احروب صغيرة»» يكتفي بالعمل 
على الكاميرا. فجاء #خارج الحياة» مقلقا في 
شاعريته مقلقاً في اختيار مخرجه للزاوية التي 
منها ينظر إلى ما يحدثء مقلقاً في كونه يتنطح 
في تلك اللحظة بالذات ليقول عن الحرب 
اللبنانية ما لم يكن بعد قد قيل. ومقلقاً خاصة 
في تفاصيله الصغيرة. 

كان فيلماً فضيلته الأساسية في أنه تمكّن 
أخيراً من أن يتيح لمارون بغدادي فرصته 
للعثور على صورة جديدة ومفزعة وحقيقية 
لبيروت الحرب الأهلية. حتى وإن كانت 
بدافة كرة من الغا قد متورت في قله 
فى ابتار الي ا 0 
الاي ان كد من الملا طن بها أن ادر 
إلى أنها صوّرت في شوارع بيروت. وفي يقيننا 
أن عجز مارون بغدادي في الماضي عن العثور 
على تلك الصورة كان دافعه الأول - ولكن 
ليس الوحيدء بالطبع - للتكرار ولصنع الفيلم 


نفسه في كل مرة. وهكذا حين عثر على الصورة 


مدمرة 


إرفنًا 


كفت للحظة عن التفكير بالحرب اللبنانية. وكأن 
الفيلم كان تعويذته التي أخرجت الحرب أخيراً 
من داخله. وهو لئن كان سيحاول أن يعود 
لتصوير فيلم عن لبنان - سوف يحول مقتله 
المفجع دون إنجازه ‏ فإنه لن يكون فيلماً عن 
الحرب. بل عمًا بعد الحرب. 





دخان الخليلي» 
٠ 01955‏ د.(أسود وأبيض) 
إخراج: عاطف سالم 
سيناريو وحوار: محمد مصظفى سامي 
تصوير: مصطقى إمام 
موصيقى: فؤاد الظاهري 
تمثيل: سميرة أحمدء عماد حمدي. 
حسن يوسف 


كان هذا واحداًء في حينه: من أفضل 
الاقتباسات عن رواية لنجيب محفوظ. 
والحقيقة أن أمانة اللغة السينمائية لنص أدبي 
لتر ل وها عبن لجار كلك ا 
هذه الرواية القاهرية التي تند تنتمى إلى ما يمكن 
اعتباره 2جولة الرواية المحفوظية في تاريخ 
القاهرة الحديثة وجغرافيتها»» يمكن اعتبارها 
رواية بصرية بامتياز» بالنظر إلى أن فيها من 
الأحداث والعلاقات البشرية وفعل التاريخ 
الخارجي بجوانيّة البشرء ما يعزز ذلك البعد 
البصري ويجعله يبدو وكأنه خلق أصلاً ليصوّر 
على الشاشة. طبعاً يمكن قول هذا الشيء نفسه 
عن عدد لا بأس به من الروايات المحفوظية: 


عاة العتان 


لكن المشكلة كانت تكمن دائماً في أنه لم يكن 
متاحاً باستمرار للنص الأدبي المحفوظي صنّاع 
سينمائيون يدركون هذا البعد ويتعاملون معه. 
وهنا إذ تولى محمد مصطفى سامي - حرّيف 
كناية السيتاريو فى السينجا المصرية الساقدة 
دون منازع - وعاطف سالم - أحد أفضل 
المهنيين المفكرين في هذه السينما -» كان من 
الطبيعي أن يطلع العمل من بين أيديهما ملتصقاً 
بتصور محفوظ للحبكة التي تدور في مصر 
خلال الحرب العالمية الثانية. 





ب 





يومهاء بسبب تلك الحرب وما أسفرت 
عنه من غارات شَنت على مناطق مصرية 
عديدة ومن بينها القاهرة» بفعل الصراع 
على شمال أفريقيا بين الألمان ‏ الذين يرينا 
العمل تعاطف بعض فئات الشعب المصري 


1١7 


معهم - والإنكليز الذين لم يكونوا ليجدوا 
تعاطفاً بين الشعب المحتل تجاههم. تنتقل 
أسرة عاكف من بيتها القديم في منطقة 
السكاكيني إلى بيت بدا أكثر أمانأ في منطقة 
حي الحسين. وفي السكن الجديد كان لا بد 
للابن الأكبر للعائلة أحمد عاكف من أن يقع 
فى هوى ابنة الجيران الطيبة الحسناء نوال. 
يمره يحدف أذ رسلف: الشقيق اللأصغر 
لأحمدء والذي يعمل خارج القاهرة» أن ينتقل 
للعيش مع الأسرة. وكان لا بد له هو الآخر 
من أن «يكتشف» وجود نوال لبقع كذلك في 
غرامهاء دون أن يلحظ حب أخيه الصامت 
لها. رشدي الأكثر جرأة من أحمد الكتوم؛ 
يلتقي نوال ويصارحها بحبه؛ علماً بأنها هي 
الأخري لااتعرف كا عد انها الخد 
بهاء ويتفق معها على الزواج.. ثم يسأل أخاه 
أحمدء بالذات»؛ أن يطلبها له... لكن أحمد 
يرفض هذا دون الإفصاح عن السببء مفضّلاً 
أن يتولى الأب هذه المهمة. فيفعل الأب 
ولكن في وقت ينقل فيه عمل رشدي إلى 
الصعيد» فيرحل تاركا نوال في انتظاره. لكنه 
هناك يرتبط بفتاة أخرى وقد بدا عليه أنه نسي 
نوال... وحين يعود إلى القاهرة يعزز هذا 
النسيان والخطيبة عاجزة عن فهم ما يحدث 
له فيما أحمد مقيم على صمته وحبه وحزنه. 
وهنا يحدث أن يصاب رشدي بداء الل 
ويكون للإصابة وقع الصاعقة على الأسرة» 
كما على الجيران ونوال التي سيمنع رشدي من 
زيارتها خوفاً من العدوى. أما هي فتصر على 
زيارته» لكنها حين تصل غرفته يكون قد فارق 





خلي بالك من زوزو 





الحياة... وتكون التتيجة أن يعض أحمد على 
جرحه وسط جنازة أخيه فيما الأسرة تغادر حي 
الحسين غارقة في أحزانها وخيبة أملهاء مخلفة 
نوال تائهة خائبة بدورها. 

من الواضح هناء مرة أخرىء أن مايهم 
في هذا الفيلم» كما في أدب محفوظ لمرحلته 
الواقعية القاهرية» ليست حكاية الغرام والخيبة 
منهء التى تذكرنا دائماً بكمال فى الثلاثية 
المحفوظية التي ترتبط «خان الخليلي» 
بها بأكثر من معنى. مايهمٌ هو ذلك البعد 
السرسيولوجي النفساني الذي خلقه محفوظ 
فى نصه. وعرف السيناريوء دون ادعاءات 
كثيرة» كيف ينقله إلى الشاشة. فما أمامنا هنا 
صورة مكبرة لحي شعبي مصريء خلال حقبة 
زمنية محددة: ليس الحارة الشعبية بالمعنى 
الذي كنا نشاهده لدى صلاح أبو سيف ومن 
قبله كمال سليم؛ بل حالة الطبقة الوسطى في 
مجتمع يعيش بفعل الحربء ولكن كذلك 
بفعل التغيرات الداخلية» مرحلة انتقالية» أفلح 
السيناريو والإخراج في تصويرها من خلال 
انتقال العائلة من السكاكينى إلى حى الحسين» 
اتقالاً أهم ما فيه أنه يحدث ويعبر عن الانزياح 
السكانيء ولكن في إصرار على أنه غير 
طوعيء؛ بل بفعل عنصر خارجي هو الغارات 
التي تطالعنا منذ مفتتح الفيلم» متضافرة مع رد 
فعل الناس عليهاء ما يشكل نوعاً من التاريخ 
الدقيق ‏ التاريخ من الداخل - لذهنيات 
الشعب. وفي هذا الإطار يبدو الفيلم متفوقء 
وعلى علاقة مباشرة بحياة الناس الذين يعكس 


تفن 





«خلي بالك من زوزو» 
.١. )191/9(‏ (ألوان) 
إخراج: حسن الإمام 
قصة حسن الإمام من إعداد: محمد عثمان 
سيناريو وحوار وأغاني: صلاح جاهين 
تصوير: محسن نصر 
موسيقى: كمال الشناوي» سيد مكاوي 
توزيع: فؤاد الظاهري 
تمثيل: سعاد حسني» حسين فهمي» 
نحية كاريوكا 


هناك سؤال محيّرء ومحيّر بشكل دائم» 
يقلق بهذا الفيلم: هل تراه ظلم من النقاد بأكثر 
مما يستحقء أم تراه حاز قيمة تاريخية وفنية 
لا يستحقها؟ ليس من السهل الإجابة عن هذا 
السؤال المزدوج. غير أن ما هو مؤكد في الأمر 
كله هو أنه ريما يكون الفيلم الأكثر نجاحاً و... 
تأثيرأ» في تاريخ السينما المصرية. والفيلم 
الذي وضع مخرجه حسن الإمام في مكانة 
يستحقها عنوانها: المخرج الأكثر نجاحاً في 
تاريخ السينما العربية. وربما أيضاًء بشكل 
جانبي سوف تؤكده دراسات مفصلة لمعظم 
أفلام هذا المخرج الشعبي الذي علّم نفسه 
بنفسه» السينمائي الذي ساند قضية المرأة حتى 
من دون أن يكون واعياً تماماً لما يفعل. 

و«خللي بالك من زوزو» هو أيضاً 
الفيلم الذي أوصل بطلته سعاد حسني إلى 
القمة الإبداعية التي لم تهبط عنها أبدً» حتى 
بعد رحيلهاء ليس كممثلة فقطء بل كفنانة 


خلي بالك من زوزو 


استعراضية أيضاً. وفي هذا السياق بالتحديده 
قد يكون من المفيد ذكر «أبيها الروحي؟ صلاح 
جاهين الذي كانت له دون أدنى شك يد طولى 


في نجاح هذا الفيلم وتألقه. 
ومع هذا ستقول لنادراسة معمقة 


لأيديولوجية الفيلم أنه قد يكون متناقضاً 
كل التناقض مع كل الأفكار التي عبّر عنها 
ذلك الشاعر والمفكر المصري الكبير طوال 
حياته. بل إن الفيلم أتى في بدايات زمن أنور 
السادات» وكأنه يرسم بقوة وإقناع سياسة 
هذا الأخير الافتتاحية التي تقوم على التلاقي 
بين الطبقات والحلول العجائبية «من فوق» 
لأزمة الفقر المستشرية في مصر. غير أن الذين 
حققوا لهذا الفيلم نجاحه ‏ ملايين المتفرجين 
المصريين والعرب - ما كان يبدو عليهم أنهم 
يبالون بتلك «المغالطة الفكرية التاريخية»» بل 
ربما تكون قد راقتهم؛ إذ أتت متضافرة فنية مع 
كل تلك الأدبيات التي استشّرت خلال العهد 
الساداتي متحدثة عن «معجزات اقتصادية» 
ومليارات فسوق تهبط من أعلى»» وعن 
الأسرة المصرية الكبيرة التي يمكن أن تلتقي 
من دون صراع بمجرد انفتاح الناس بعضهم 

والحقيقة أن الناسء في مصر بخاصة: كانوا 
يحتاجون إلى مثل تلك الوعود بعد نصف دزينة 
من السنوات العجاف التي تلت اليأس الذي 
اصابتهم به هزيمة حزيران - يونيو - والتكلفة 
الباهظة التي كبدتهم إياها حرب الاستنزاف... 
من هنا ما قيل من أن «خللي بالك من زوزو» 
جاء في وقته تماماً. 


كلاا 


طبعاً لكثرة ماشوهد هذ الفيلم في 
عروضه الأولى» ولفرط ما عرض منذ ذلك» 
على شاشات التلفزة» وفي البيوت عبر ملابين 
النسخ المقرصنة من أسطواناته المدمجة» 
ولكثرة ما قلدت مغنيات أزماننا الحديثة غناء 
بطلته ورقصها فيه لا نجدنا هنا في حاجة 
ماسة إلى تلخيص أحداث الفيلم. فقط نذكر 
بأنه يحكي حكاية زوزو الطالبة الصبية التي 
تنتخب الفتاة المثالية في كلية الآداب حيث 
تتعلم» من دون أن يعلم رفاقها أنها تقيم مع 
أمها الراقصة في شارع محمد عليء ومع أفراد 
فرقة الأم من مغنين وراقصين. بيد أن زوزو 
تحلم بحياة أخرى طبعاً. وهذا الحلم سوف 
يتحققء أو يقترب أول الأمر من التحقق حين 
تلتقي بفتى أحلامهاء المخرج المسرحي سعيد 
كمالء الذي سرعان ما يغرم بها يعد أن كاد 
يصدمها بسيارته. لكن والد سعيد يرفض اقتران 
ابنه بزوزوء أول الأمر لأنه خطط له مصيراً آخر 
يقترن .فيه بابنة زوجة الأب. ثم بعد ذلك حين 
ينكشف أمر زوزو وهي ترقص مكان أمها في 
حضور عائلة سعيد. غير أن الأمور سرعان ما 
سوف تستتب في نهاية الأمر كما يحدث عادة 
في مثل هذا النوع من الأفلام. 

من الواضح أننا إذا نكَّيئا الجانب 
«الأيديولوجي» الذي نقد يُتهم النقد بإقحامه 
على عمل حسن الإمام من خارجه؛ سوف 
نجد أنفسنا أمام عمل فني استعراضي حافل 
بالأجواء المرحة والطرافة. ولعل هذاما 
شكل جانباً أساسياً من جوانب نجاح هذا 
الفيلم الذي وصفه الناقد المخضرم بأنه #تحفة 


دائرة الانتقام 





متألقة وسط هذا النوع من الأفلام التي تجمع 
بين القصة الاجتماعية والرومانسية والمسرح 
والأغاني والاستعراضات» تتجه لإبداع كل من 
ساهم في هذا العمل (...) أما زوزو فهي مركز 
الفتنة والجمال في هذا الفيلم (...) الذي حمل 
الرقم 7" في بطولات سعاد حسني السينمائية» 
التي تمثل وترقص وتغني وتمرح بما لم تصل 
إليه أي ممثلة أخرى من قبل...6. 


«دائرة الانتقام» 





(5/او١)‏ ه" د. (ألوان) 
تأليف: ابراهيم الموجيء سمير سيف 
تصوير: مصطفى إمام 
موسيقى: فؤاد الظاهري 


تمثيل:2 نور الشريف. ميرفت أمين» شويكار 

على الأقل منذ النجاح الساحق لرواية 
الكسندر دوما «الكونت دي مونت كريستوة» 
صار للأعمال الإبداعية التى تتناول حكاية 
انتقام المظلوم من ظالميه بعد أن يدفع الثمن» 
شعبية كبيرة في شتى أنحاء العالم. في أحيان 
كثيرة كانت الرواية نفسها تُحاكى أو تقتبس» 
وفي أحيان أخرى كان يكتفي ب (التيمة» في 
تنويعات تختلف باختلاف اليلدان والمراحل. 
وضمن إطار هذه «التيمة» أراد سمير سيف 
أن يحقق فيلمه الروائى الطويل الأول عند 
بداياته» فكان النجاح الشعبي حليفه: ناهيك 
بأن الفيلم نفسه. كبداية موفقة» كرّس مكانته 


يفنا 


كمخرج حركة وحرفي بارع؛ من دون أن يعني 
هذا أن سيئماه لم تأت دائماً حافلة بالأفكار 
الاجتماعية» أو حتى بالنهايات الأخلاقية. ومنذ 
بدايته يبدو هذا الفيلم حاملاً لكل هذه الأبعاد 
واعدا باسم جديد في السينما المصرية. 

يدور الفيلم من حول جابر (نور الشريف) 
الذي سنعرف لاحقا سبب دخوله السجن» 
هو الذي كان يشارك في عملية سطو على 
فيلا يملكها خال أحد شركائه في السطو 
والذين شاركهم من دون أن يعرف أياً منهم أو 
أسماءهم. والذي يحدث له؛ أنه بسبب إفراطه 
في المشروب وتعبه» يغفو قليلاً خلال العملية» 
فيتركه رفاقه نائماً بعد هربهم» بل يبلغون عنه 
فيقبض عليه ويودع السجن. 

أما الفيلم فإنه يبدأ بعد ذلك بعشر سنوات 
حين تنتهي محكوميته ويخرج وقد آلى على 
نفسه أن ينتقم من شركائه الثلاثة في العملية. 
وهكذا يبدأ عملية البحث عنهم هو الجاهمل 
أسماءهم الحقيقية. لكنه أول ما يفعل هو أنه 
يتجه إلى مكان مشبوه يعلم أن أخته تعمل 
فيه. فتكون النتيجة أن هذه الأخت لا تليث أن 
تنتحر بين يديه فيما يرتبط هو بفتاة أخرى تغرم 
به. وانطلاقا من هناء وإذ زادت لديه حدة رغبته 
في الانتقام إذ يعتبر الذين وشوا به مسؤولين 
عما حدث لأخته في غيابه» سوف يكتشف 
هؤلاء بالتدريج واحداً بعد الآخر: أولهم 
شريف الذي صار الآن نجماً سينمائياً مشهوراً؛ 
وثانيهم فتحي الذي مكنته أموال السطو من أن 
يصبح واحداً من رجال الأعمال الكبار؛ أما 
الثالث فؤاد فهو الآن صاحب مؤسسة للتجميل 


دخان بلا نار 





فاخرة وذات مكانة في المجتمع. وهكذا يبدأ 
جابر قتل الثلاثة واحداً بعد الآخرء فيردي 
شريف برصاصته. ثم يغرق فؤاد في حوض 
الحمام؛ قبل أن يقتل فتحي ذبحأء على رغم 
توسلات حبيبته فايزة التي تريد أن تخلصه من 
هذه المخاطرة التي سوف تقوده إلى نهايته. 
وبالفعل تكتشف الشرطة أفعال جابر وتتعقبه 
في مطاردة نفذها سمير سيف بشكل جيد 
من الناحية السيئمائية» عبر كاميرا أبدعت في 
ملاضقة جايو هارا علن مراجة بخارية خض 
اللحظة التي يصيب فيها رجال الشرطة الدراجة 
فتحترق ويحترق جابر معها. 

أولاً وآخراً نحن هنا أمام فيلم حركة 
ومغامرات» ومع هذاء كما سيكون لاحقاً 
دأب معظم الأفلام التي سوف تتنتمي إلى ما 
يسمى #سينما الانفتاح» نجدنا أيضاً أمام أمثولة 
اجتماعية/ أخلاقية» تربط بين الغنى الفاحش 
والنجاح الاجتماعي من ناحية؛ والسرقة 
واللصوصية من ناحية أخرى... حتى وإن كان 
المتفرج سوف ينسى في سياق الفيلم» أن بطله 
جابر» الذي يتعاطف الجمهور معه بل يتماهى 
في لحظات كثيرة» إنما هو في الأصل مثل 
أولئك الذين ينتقم منهم. وهناء حتى وإن كان 
الفيلم قد عاقبه في نهاية الأمر انطلاقاً من فكرة 
أن دائرة النار تحرق كل من يعبث داخلهاء فإن 
التعاطف مع جابر في انتقامه» يظل ملقياً على 
الفيلم ضباباً سميكاًء ولا سيّما إذ نتذكر أن 
«الكونت دي مونت كريستو» في انتقامه» كان 
مظلوماء أما جابر فلم يكن أكثر من لصء غدر 
به لصوص آخرون لسوء حظه! 


1١74 


«دخان يلا ثار» 





٠ 260‏ د.(ألوان) 
إخراج: سمير حبشي 
سيئاريو وحوار: سمير حبشي 
تصوير: ميلاد طوق 


تمثيل: 


خالد نبوي» سيرين عبد النور» رودني 
-حداد.؛ ديامان بوعبود 


إن الغريب في أمر سمير حبشي هناء هو 
توجهه المعاكس لما هو معتاد. فالمعتاد عادة» 
هو أن المخرج الشاب الوافد إلى تحقيق 
فيلمه الأول» يقول في هذا الفيلم الأول» كل 
ما كان تراكم لديه. ليهدأ في روائيّه الثاني 
ويركز موضوعه ويصقل فكره بشكل أفضل. 
أما حبشى. فإن عمله الأول الإعصارة» جاء 
مركزاء مكثفاً واضحاً - ولو في أشكاله الفنية 
السوريالية اللطيفة - فيما انطبق على الثاني 
«دخان بلا نار»» ما كان يجب أن يكون من 
سمات الأول. مرة أخرى: ربما هو الانتظار 
الطويل» واليأس المسبق من إمكانية أن يكون 
هناك فيلم ثالث. 

ومهما يكن من أمرء في هذا الفيلم - ذي 
«الأفلام» العديدة في داخله » عبّر سمير 
حبشي عن تمزق السينمائي اللبناني إزاء ما 
يحدثء وعن اختلاط الأمور عليه عند نهاية 
العشرية الأولى من القرن الجديد» بعدما كانت 
هذه الأمور» وبشكل نسبي» قد بدت على شيء 


دخان بلا نار 





ها > مس 


تحقيق «الإعصارة؛ بدايات 


من الوضوح حين 
العقد الذي سيقه. 

أو لربما يصح القول إن سينمائياً من طينة 
سمير خبشي» تكون في آخر أيام الاتحاد 
السوفياتي الملتيسة؛ وانطلاقا من سيئما 
سوفياتية/ جورجية خاصة أن حكمنا على 
الأمور من خلال الإعصارة .)١1197(‏ ما كان 
فى إمكانه أن يصور الحاضر (2دخان بلا نارة) 
بالقو ة التي يصور بها ماضياً ما («الإعصار» 
وحتى «سيدة القصر»). ففي تصوير الماضي» 
بعد كل ما حدث من انعطافات سياسية 
وأيديولوجية؛ يمكن التحرر من ربقة الفكر 
المسبق والمؤدلج» أما في تصوير الحاضرء 
فإن هذا الفكر المسبق - بما فيه رغبة غير دقيقة 
في التحليق من حول «نظرية المؤامرة الشهيرة 
وارتباطها بالعولمة - يفرض نفسه. 

على الأقل هناك فى «دخان بلا نار»» ثلاث 
حكايات متداخلة يعضها في بعضص: 

ففي المقام الأول هناك حكاية المخرج 
المصري الذي يأتي إلى لبنان ضمن إطار جولة 
يحقق خلالها فيلماً عن القمع السياسي في 
البلدان العربية» فيقع في ازدواجية غرامية» من 
الواضح أن جزءاً منها إنما هو متخيّل من نوع 
فيلم داخل الفيلم - ويربط بينه وبين يمنى -. 

ثانياء هناك حكاية الصلف الأمريكي 
التي يقدمها الفيلم من خلال جولات السفير 
الأمريكي في شتى المناطق اللبنانية على هواه» 
وتعرّض حراسه للمواطنين اللبنانيين» ما يؤدي 
إلى مقتل مواطن» ومحاولة السفارة شراء 
سكوت أهله على مقتله. 


اخحين 


وأخيراًء هناك حكاية لبنان ما بعد الحرب 
نفسهء بصراعاته وفوضاه وما إلى ذلك.. وهو 
مايطل على أوضاع عربية أخرىء آيتها في 
النهاية القبض على المخرج المصري بتهمة 


الانتماء إلى القاعدة. 
إلى حد كبير تبدو الحكايات مختلطة 


بعضها مع بعض بشكل عشوائي في البداية. 
وبعد ذلك ينكشف السيئاريو على أنه أذكى 
مما يتصوره المتفرج أول الأمرء حتى وإن 
طغى عليه منطق الحرب الباردة» وقدّم للعالم 
والسياسة صورة مانيكية (أبيض ضد أسود. 
الخير ضد الشر... وما إلى ذلك). 

مهما يكن فإن سمير حيشي أثبت هناء 
في عودته إلى الروائي بعد سنوات طويلة من 
«الإعصار:؛ أنه إذا لم يكن فكره السياسي قد 
تطوّر وتوضّحء فإن لغته السينمائية باتت أكثر 
قوة وعمقاً وحرفية من ذي قبل. 

ومع هذا كله فإن :دخان بلا نار لم 
يتمكن من فرض حضوره نقدياً وجماهيرياً 
لافي مصر - التي أتى منها نجمه الأساسي -» 
ولا كثيراً خارجها. بل إن كثراً من الذين كتبوا 
عنه اعتبروه خطوة متراجعة من لدن صاحيه؛ 
لما كان حقق في «الإعصار» قبله بعقد ونصف 
العقد من السنين. ولئن أثنى كثر على الجانب 
التقني في الفيلم وإدارة المخرج لممثليه؛ 
وحتى على تركيبية السيناريو من ناحية اشتغاله 
على أسلوب فيلم داخل الفيلم» فإن كثراً 
في المقابل لم يستسيغوا موضوعه المؤلف» 
في الحقيقة من مواضيع متداخلة ومتقاطعة 


درب المهابيل 





عدة لا بد من أن نقول إن السيناريو عجز فى 
الموالفة بينها. ١‏ 

وربما يصح القول هنا إن سمير حبشي 
الذي بعد «الإعصار»» ابتعد عن السيئما 
الروائية طويلاًء بل أكثر مما يجب» وغرق 
في العمل التلفزيوني» كما في البحث الدائم 
والدؤوب عن أموال تمكنه من العودة» 
رأى في انبعاث مشروع جديد له؛ هو الذي 
سيكونه #دخان بلا نارك» فرصته لقول أشياء 
كثيرة: الهيمنة السورية على لبنان» نظرية 
المؤامرة السياسية» قضايا القمع؛ الصلف 
الأمريكي واستخفاف الأمريكيين بحقوق 
الناس وحياتهم؛ وصعوبة أن تكون سيئمائياً 
في لبنان.. كل هذا مغلفاً بنظرة يسارية للحياة 
والسياسة والهموم الاجتماعية؛ تنتمي في 
الحقيقة إلى ما - قبل - زمن العولمة؛ لتقول 

من هنا إذا كان فيلمه فى شكله الخارجى 
أتى منتمياً إلى ما- بعد الحداثة: فنياً 
(الكولاج.. مثلاً)» فإنه من ناحيته الأيديولوجية 
بداغيرمقنعء وهو يقسم من نخلال 
«مواضيعه» - ولا أقول موضوعه - الهيمنة 
في لبنان» وربما في غيره أيضاء بين السوريين 
والأمريكيين. 

والفيلم ينطلق» أصلاً» بعد أن يقدم ‏ بشكل 
وثائقي يصور مدينة بيروت. بعد انقضاء 
الحرب - جردة سياسية وتاريخية لما حدث 
في الفترة الفاصلة بين زمن الحرب وزمن ما 
بعد الحرب» ينطلق من حكاية مخرج مصري 
أتى إلى لبنان كي يحقق أجزاء من فيلم حول 


الال 


القمع في البلدان العربية. وما لدينا هنا - في 
الجزء الأساس من «دخان بلا نارة إذاً ‏ حكاية 
ذلك الفيلم وعدم إنجازه. بل حتى قبض 
أجهزة الاستخبارات» تواطؤاً مع الأمريكيين» 
على الممخرج بتهمة الانتماء إلى «القاعدة». 

وبين البداية والنهاية» يكون «دخان بلا 
نار» قد صوّر القمع وغسل الأدمغة» وجرائم 
الأمريكيين» والنظام الإقطاعي العشائري في 
لبنان» وافتتان المخرج (خالد نبوي) باللبنانية 
الحسناء سيرين عبد النورء التي أتت في الفيلم 
مقحمة إنما جميلة» وارتباطه بأخرى» وخيالاته 
الجنسية» وعبثية الوضع اللبناني. 


«درب المهابيل» 


٠ )1966(‏ د.(أسود وأبيض) 
إخراج: توفيق صالح 
كتابة: نجيب محفوظ وتوفيق صالح 
تصوير: محمود فهمي» وذيع مدور 
موسيقى: عبد العزيز محمود 
تمثيل: شكري سرحان» برلنتي عبد الحميد 


من الصعب أن يفهم المرء لماذا اختار 
توفيق صالح» الآتي من الحداثة وأوروبا ومن 
الفكر الماركسي التقدمي» أن يجعل من فيلمه 
الروائي الطويل الأول» عملاً يكاد يماثل 
السينما التي كان يحققها صلاح أبو سيف 
خلال ذلك الحين. والطريف أن صالح غاص 
في الحارة» في وقت كان أبو سيف يتطلع إلى 
الخروج منها لتحقيق أفلام تتواكب مع صعود 


درب المهابيل 





البرجوازية الصغيرة القاهرية ودعواتها إلى 
التحرر؛ من طريق اقتباسه روايات إحسان 
عبد القدوس. 

ولكنء في وقت كان فيه أبو سيف قد سبق 
له أن جعل سينما الحارة نوعاً من السينما 
الأخلاقية التي يتجابه فيها الخير مع الشر 
ويحدث غالباً أن يتتصر هذا الأخير» عرف 
توفيق صالح كيف يجعل سينماه أكثر تعمقاء 
وأقل «شعبوية» في رسم صورة الحارة في 
«درب المهابيل». ومن الواضح أنه يدين في 
هذا إلى نجيب محفوظ الذي كتب له القصة 
التي بني الفيلم على أساسها. 

قصة «درب المهابيل» بسيطة: قصة أهل 
الحارة ببؤسهم وآمالهم» بصراعاتهم الصغيرة» 
وتمسكهم بالقليل الذي كان من نصيبهم» 
وكذلك بأفكارهم الغيبية التي تحول أحياناً 
دون تقدمهم - وفي هذه النقطة الأخيرة تكمن 
خصوصية اشتغال توفيق صالح على الفيلم. 

أما الحدث الأساس فهو ورقة اليانصيب 
التي يستدين الفتى طه» صبي العجلاتي خمسة 
قروش لشرائها وكله أمل أن تربح كي يتمكن 
من الاقتران بخطيبته الشابة خديجة:؛ التي 
تعينه بين الحين والآخر بمدخراتها البسيطة. 
وبالفعل تربح الورقة ألف جنيه؛ لكن المشكلة 
أن والد الخطيبة التي كان طه أهداها الورقة 
قبل إعلان نتائج السحبء بسبب تزمّته الديني» 
يغضب لوجود الورقة مع الابنة» فيلقيها من 
النافذة» لتقع في نهاية الأمر بين يدي إفة» مغفل 
الحارة» الذي ما إن يعلن أن الورقة ربحت حتى 
يصبح نجم الحارة ومحط أطماع الجيران... 


ما 


لكن هذا لخوفه على الثروة» يخبئ الجنيهات 
في غطاء عنزة تتبع قطيع ماعز وتختفي لتختفي 
الثروة معها. 

هذا هو الحدث المحوري في الفيلم. لكن 
«درب المهابيل» فيلم جو وشخصيات عرف 
المخرج الشاب في ذلك الحين كيف يرسمها 
بقوة» راسماً من خلالهاء ليس صورة مؤمثلة 
للحارة» كما كانت لدى كمال سليم (في 
«العزيمة») أو صلاح أبو سيفء وإنما صورة 
ميكروكوزمية لمجتمع بأسره وقد جرّد من 
مثاليته» ووزّع أخلاقياً ليس تبعاً لفن الأفراد أو 
فقرهم - الصراع الطبقي الشهير رغم أن توفيق 
صالح كان في ذلك الحين وسيظل مؤمنا به -» 
بل تبعاً لوعيهم الذي يملي عليهم تصرفاتهم. 
وهنا بالذات تكمن أهمية هذا الفيلم» وربما 
كذلك مشكلته الأساس إذ عرضء من دون 
نجاح في زمن كانت لا تزال مثل هذه الأفكار 
عصيّة على القبول فيه. 

ولكنء في ما وراء هذا البعد الأيديولوجي» 
بقي أن نشير إلى أن قوة توفيق صالح في 
إدارة الممثلين وكذلك المجاميع» وفي رسم 
تفاصيل المكان والديكور والاشتغال على 
الحوارات بشكل واقعي - رمزي في آن معأء 
تجلت منذ ذلك الفيلم المبكرء بل ريما بشكل 
تفوق في جماله خطية بعض أفلامه المقبلة» 
بحيث إن الفيلم أتى ناضجاًء حتى وإن لم يكن 
قد اكنشف إلا لاحقاء حتى من قبل النقاد الذين 
لم يكن استقبالهم الأول له بأفضل من استقبال 
الجمهور. 


دعاء الكر و ان 





«دعاء الكروان» 





(1469) د.(أسود وأبيض) 
إخراج: يركات 
قصة: د. طه حسين 
سيناريو: بركات» يوسف جوهر 
تصوير: مسعود عيسى 
موسيقى: أندريه رايدر 


تمثيل: فاتن حمامة» أحمد مظهرء زهرة العلى 

لم يكن أمراً طبيعياً أن ينشر طه حسين في 
بلد محافظ ومتمسك بالقيم الأخلاقية» مثل 
مصرء روايته المدهشة دعاء الكروان» في عام 
7 ففي ذلك الحين» وإلى حد كبير» حتى 
الآنء لم يكن من المنطقي للأدب ألا يعاقب 
الشرير على ما فعلء بل أن يصل إلى حد 
مكافأته في نهاية الأمر» بنهاية سعيدة» تصل 
إليها مغامرته. 

ومن هنا كان من الصعب. بالتالي» على 
السينما المصرية؛ حين أرادت أفلمة تلك 
الرواية الرائعة» أن تجعل للفيلم النهاية نفسها. 
ولكنء في الوقت نفسه؛ كان من الصعب 
أيضاًء أن تخرج نهاية الفيلم كثيرأ» أو بشكل 
جذري عن نهاية الرواية. وعلى هذا النحو 
ابتكر كاتب السيناريو» يوسف جوهر الذي 
كان من الكبار في هذا المجال في مصر ذلك 
الحين» والمخرج هنري بركات. نهاية تقف 
كحل وسط بين نهايتين منطقيتين. والمدهش 
أن النهاية التى ابتكرها جوهر وبركات أتت 
منطقية في حد ذاتهاء تخدم ما كان يمكن لطه 


18 


حسين أن يتصوره لو كان رجل سينما ويعرف 
العقبات في وجه حرية الفن السابع» وتخدم 
أيضاً سياق الرواية. والحقيقة ان تلك النهاية 
لم تكن العنصر القوي الوحيد في فيلم «دعاء 
الكروان؟ الذي يحسب دائماء وفي معظم 
الاستفتاءات واستطلاعات الرأي» جماهيرية 
كانت أو نخبوية» واحداً من الأفلام ذات 
المرتبة المتقدمة جداً في لائحة المثة فيلم 
الأفضل فى السيئما المصرية والسينما العربية 
وك 

عناصر القوة في الفيلم كبيرة وكثيرة» تبدأ 
من الرواية نفسها ومكانتها في تاريخ الأدب 
العربي في القرن العشرين» ولا تنتهي بالأداء 
الرائع الذي قامت به فاتن حمامة صاحبة الدور 
الرئيس في الفيلم» الدور الذي رسخ مكانتها 
على سدة الزعامة بين سيدات الشاشة العربية 
والمصرية... مقروناً في ذلك بدورها الرائع 
الآخر في #الحرام» من إخراج بركات نفسه عن 
قصة ليوسف إدريس هذه المرة. 

ونعرف أن «دعاء الكروان» و#الحرام ١‏ 
يحتلان عادة المكانة نفسها في تراتبية أفضل 
الأفلام المصرية ‏ العربية. وطبعاً لكل من 
الفيلمين نقاط قوته الخاصة به. غير أن 2دعاء 
الكروان؛ يبدو دائماً أكثر جرأة في طرح 
موضوعه. وربما أيضاً أكثر جمالاً في رسم 
أجوائه الريفية. علماً بأن الفيلمين يدوران في 
الأرياف المصرية» إنما من منطلقات شديدة 
التفاوت. وإذا كنا سنعود إلى الحديث عن 
«الحرام» في كلام خاص لاحق. فإننا هنا 
نتوقف عند «دعاء الكروان». 


دعاء الكر و ان 





إذآء ينطلق هذا الفيلم من رواية طه حسين» 
ويتحدث في سياقه الأول كله عن الموضوع 
والحكاية نفسيهما. إننا هنا في إزاء ما ترويه لنا 
آمنة في الفيلم؛ أما الاسم في الرواية فهو سعاد» 
من حكايتها وحكاية أمها وأختها. الأم» كانت 
اصطحبت ابنتيها آمنة وهنادي التي احتفظت 
بالاسم نفسه في الرواية والفيلم» إلى مكان 
في الريف تقمن فيه» بعد أن اضطرت العائلة 
إلى الهرب بسبب سوء سلوك الأب. وهكذاء 
كي تحصل هذه الأسرة الصغيرة على لقمة 
العيش» تضطر الأم إلى دفع ابنتها الكبرى 
هنادي إلى العمل خادمة في بيت مهندس 
شاب من المديئة يقيم جزءاً من وقته في الريف 
(في الرواية يكون العمل لدى عائلة عندها هذا 
الشاب). 

ونفهم بالتدريج كيف أن المهندس استغل 
خادمته جنسيا وهوء في سياق رواية طه 
حسين:» يفعل هذا بحكم العادة حيث اعتاد 
السادة استغلال خادماتهم وسط صمت تام! 
وإذ حملت هنادي بفعل ما حدثء؛ تكتشف 
أمها الموضوع فتولولء ثم تهرب ابنتها من 
العمل وتقرر الرجوع إلى القرية الأصلية.. 
بل إنها لا تكتفي بهذاء بل عليها أن تغسل 
العا فتحرّض أخاماء خال الفتاتين» على 
قتل هنادي.. أمام عيني آمنة. بالنسبة إلى الأم 
والخال» وجريا على العادة وتوقير السادة» 
هنادي هي المذنبة ولا يكون غسل العار إلا 
بقتلهاء مع ترك المهندس لحاله. لكن آمنة» 
لاترى الأمر على هذا النحو وكان هذا الموقف 
ثورياً في عرف رواية طه حسين» لينقلب درامياً 


لذلا 


منطقياً بإحكام في فيلم هنري بركات.. بل إنها 
تعتبر أن الذنب يقع على المهندس لإغوائه 
هنادي واستغلال ضعفها وبراءتها. ولا يكون 
من آمنة» بالتالي» وكما تقول لنا هي نفسهاء في 
المونولوغ الداخلي الذي تروي لنا فيه أحداث 
الرواية - والفيلم هنا -» لا يكون منها إلا أن 
تقرر أن تذهب للعمل لدى المهندسء دون أن 
فيها منه» 


تعرّفه بنفسهاء كي تتحيّن فرصة تنتقم 
لأختها المظلومة. 

عند هذه النقطة المنطقية والتي كان يمكن 
توقعها منذ أول الأحداثء. ومنذ راحت 
الكاميرا - بعد مقتل هنادي» تركز على آمنة 
في لقطات مكبرة وتأملية حزينة» لعل أجمل 
ما في الفيلم -» ينتهي القسم الأول من الفيلم» 
ليبدأ القسم الثاني. في هذا القسم تنضم آمنة 
للعمل خادمة في بيت المهندس الأعزب.. 
لكنها بالتدريج» بدلاً من رسم الخطط لقتله» 
كما كانت نياتها أول الأمر» تقع في غرامه. بل 
إن هذا الغرام يستبد بها بشكل وسواسي يومي» 
حتى من دون أن تبرر لنا سبب هذا الحب لعلها 
من جانب خفي أرادت التماهي كلياً مع أختها 
الراحلة» كي تعيد ضبط العلاقة في اتجاه حب 
عاطفي بريء؛ يكون بديلاً وتعويضاً من العلاقة 
الجنسية «الخطأ» التي أقامها المهندس مع 
هنادي. 

والحال أن هذه الفرضية؛ إن كانت 
صحيحة: وثمة الكثير من العوامل التي 
تنادي ‏ مواربة ‏ بصحتهاء ستكون رواية 
دعاء الكروان قد استبقت الكثير من الأعمال 
الإبداعية التي كتبت خلال العقود الأخيرة 


دعاء الكر وان 





جاعلة من فعل الكتابة والحكى نفسه 
تعويضاً لما اقترف في الحياة: نقول هذا 
ونفكر من ناحية بفيلم «أحمر: ثلاثة ألوان» 
للبولندي كيشلوفسكيء خاصة برواية - ثم 
فيلم ‏ «التكفير» من تأليف إيان ماكيوان... 
غير أننا في الحقيقة لن نوصل كلامنا إلى 
هذا المستوى من التحليل مكتفين بهذه 
الإشارة. 

المهم هنا في الأمر هو أن آمنة التي 
تكون كل الظروف مهيأة لها كي تحقق 
انتقامها وتقيم العدالة على طريقتهاء طالما 
أن المجتمع لا يمكنه أن يحقق مثل هذه 
العدالة» وربما ‏ كمايقول لنا طه حسين» 
ثم هنري بركات - لأسباب طبقية» آمنة هذه 
لا تحقق الانتقام» إلا على مستوى سلبي في 
الفيلم على الأقل: بعد أن توقع المهندس 
في غرامهاء ويسعى هو جاهداً كل الجهد 
لاستمالتها وأصلاًء هذه المرة إلى حدود طلب 
الزواج منهاء ها هي تتركه متخلية عنه معتبرة 
هذا التخلي نفسه فعل انتقام وهذا التخلي هو 
الذي يحل في الفيلم هناء محل اقتران آمنة 
بالمهندس في الرواية. 

وفي عرفنا أن نهاية الرواية ‏ التي ما كان 
والتى تروي لنا طبعاً على لسان الأخخت التى 
أرادت الانتقام لأختها فتزوجت ظالمهاء كابتة 
حتى دعاء الكروان الذي كان يدعوهما إلى 
الانتقام لأن روح أختها وعذابها لن يهدأاء إلا 
عبر التخلص من المهندس - نهاية الرواية 
أجمل وأقوى» حتى وإن كانت غير أخلاقية... 


148 


لأن آمنة تصبح فيها سيدة متزوجة ومحترمة في 
ذلك «الحلول؛ المفترض مكان أختهاء غير 
آبهة بدعاء الكزوان. 

مهما يكن؛ ومهما كان من شأن النهاية 
وتحليلها الأخلاقي؛ نجدنا هنا في الفيلم - كما 
في الرواية ‏ في إزاء عمل فني كبير» عرف 
كيف يصور البيئة الريفية» ويغوص في عواطف 
البشرء ويحلل السيكولوجيا والدوافع لدى 
الشخصيات. مقدماً أداءً رائعاً من فاتن حمامة» 
بخاصة:؛ كما من أحمد مظهر وزهرة العلا 
هنادي وأمينة رزق في دور الأم الذي لا شك 
في أنه كان أروع أدوارها وطبع فنها حتى نهاية 
حياتها. 

والحقيقة أن هذا لم يكن مفاجئاً أو غريباً 
من هنري بركات 19417 - 1941 المخرج 
المصري من أصول لبنانية» والذي قدم للسينما 
المصرية بعض أروع نتاجاتهاء كما أنه قدم 
للتجاري منهاء أعمالاً شديدة النجاح. وإذا 
كان بركات قد خاض كل الأنواع السينمائية 
واعتمد كثيراً على الأعمال الأدبية» فإنه اشتهر 
بكلاسيكية إخراجه؛ وبكونه من أساطين 
التعامل مع الممثلين. 

والحقيقة أن هذا كان يتجلى أكثر ما يتعجلى 
لدى تعامله مع فاتن حمامة» التي قدّمت من 
إخراجه بعض أجمل وأقوى أفلامه إذ إنه 
أخرج لهاء إلى #دعاء الكروان» و«الحرامة 
أعمالاًكبيرة مثل «أفواه وأرانب» و«الحن 
الخلودة وأعمالاً هامة أخرى. 








«دنيا» 

٠ 0.0‏ ١.(ألوان)‏ 
إخراج: جوسلين صعب 
قصة وسيناريو: جوسلين صعب 
تصوير: جان بوكان 
موسيقى: جان بيار ماسء باتريك ليغوني 


تمثيل: حنان ترك» محمد منير؛ عايدة رياض 

ما الذي لمسته جوسلين صعب مع حلول 
الألفية الثالئة لتشعر أن في إمكانهاء وهي 
اللبنانية المسيحية المتكوّنة ثقافياً في الغرب» 
أن تحقق في مصرء البلد العربي ذي المجتمع 
الأكثر محافظة:؛ فيلماً عن ختان النساء؟ 

حسنأء لن نسعى للوصول إلى جواب عن 
هذا السؤال. فجوسلين حققت فيلمها وسط 
لعبة تحدٌّ لا مثيل لها. لكن ما خفف من ممخاطر 
ذلك التحدي هو أن المخرجة اللبنانية التي 
كانت بدأت تقترب من الستين بدأت تعتبر 
نفسها حرة في قول ما تشاءء وأن ليس عندها 
حساب تقدمه لأحدء استئدت إلى دعم غير 
مباشر من عدد من المثقفين المتنورين في 
مصرء ولكن أهم من هذا: إلى دعم - غير 
مباشر أيضاً - من جانب سيدة مصر الأولى 
(سوزان مبارك). 

ولأن موضوع #دنيا» موضوع نسوي 
بامتيازء قد يكون من الأفضل هنا التوقف عند 
ما كتبته» بحذقء الناقدة فيكي حبيب» عن 
جوسلين صعب وعن «دنيا» لمناسبة عرضه: 


6خ1 


«جوسلين صعب مشاكسة دائمة. من يتأمل 
حجمها الصغير ولطفها في الحديث ولكتتها 
الضائعة» لا يمكنه أن يتخيل مدى مشاكستها. 
لكنها ما إن تبدأ الكلام حول السينما أو حول 
قصة ما حتى تنفجر. 

«جوسلين صعبء الصحافية قبل أن تكون 
سينمائية» لها رأي في ما يحدث في لبنان وفي 
الوطن العربي. وهي بعد أن عبّرت عن آرائها 
طويلاً في ميدان الصحافة المكتوية» امتشقت 
الكاميرا وأكملت طريقهاء في لبئان... وفي 
مناطق عربية عدة وصولاً إلى... سايغون» 
حيث كانت ولا تزال المخرجة العربية الوحيدة 
التى حققت فيلماً هناك. ولكن» حتى فى 
السيئماء ظلت جوسلين محافظة على مسألة 
#الرأي من طريق الإبداع». وحتى في فيلمها 
الروائي الطويل الأول #غزل البنات؛ الذي 
دق للوفلة الاولى بعيداً من هذا المنحى» 
عرفت كيف توظف جزءاً من سيرتها كصبية 
مسيحية عاشت طفولتها في بيئة إسلامية» 
لتقول ولو على خلفية حكاية حبء رأيها في 
المسألة الطائفية. والآن... ها هي في #دنيا» 
تغوص في الرمال المتحركة لمسألة شديدة 
الخطورة في بعض أنحاء العالم الإسلامي: 
مسألة نحتان الإناث. 

والحقيقة أن العوراصف كانت هبّت في 
وجه جوسلين؛ سنوات قبل» حتى البدء في 
تصوير الفيلم. عورض في مصرهء منذ برزت 
فكرته... وحورب قبل أن يعرف أحد شيئاً 
عنه. ولولاا دعم سوزان مبارك ما كان في 
وسع الفيلم أن يرى النور. اليوم أبصر الفيلم 





النور وعرض في مهرجان القاهرة حيث لم 
يجد يدأ واحدة تصفق له في مقابل جمهور 
ساخط لم يتوان عن شتم الفيلم وصاحبته 
واتهامها بصفات لا تخطر على بال أي متفرج 
موضوعي. . اتهامهاء أولا بالإساءة إلى سمعة 
مصر من خلال «تشويه؛ صورة هذا البلد» 
بالإكثار من مشاهد الشوارع القذرة؛ في 
الوقت الذي تغاضت فيه المخرجة عن تصوير 
الأماكن الأثرية والأحياء الفخمة والشوارع 

والمؤسف في الأمر كله أن هؤلاء لم 
يتحملوا ادعاء تلك «الغريبة؛ أنها أرادت أن 
تساهم في الحد من مظاهر الجهل في عالمنا 
العربي من خلال فيلم سينمائي عانت الأمرّين 
لإنجازه وخمس سنوات من التعب والشقاف 
إضافة إلى تكلفة وصلت إلى مليون و١٠8٠‏ 
ألف يورو. فماذا عن هذا العمل؟ 

«فيلمي هذا هو في الحقيقة» فيلم عن 
الحب والحرية أكثر مما هو عن ختان المرأة 
في مصر» تقول جوسلين صعب عن هذا 
العمل الذي يلاحق خطوات دنيا التي يحمل 
الفيلم اسمها(حنان ترك) فيدخلنا في 
عالمها: المتاهة التي تعيشهاء القلق» غياب 
الئقة بالنفس... باختصار ضياع هذه الغتاة 
فى بحر من الشكوك. الشك بالذات. الشك 
بالآخر. الشك بالمكان. هى شخصية مضطرية 
لا تعرف ماذا تريد. تتقدم إلى مسابقة للشعر 
من دون أن تمتلك أدنى الأحاسيس. تتجه 
للرقص لأن والدتها كانت «رقاصة». تتزوج 
من دون أن تعرف معنى الحب... 


185 


رحلة دنيا فى اكتشاف الذات لن تكون 
سهلة. بداية تبدأ مشوار التحرر مع أستاذ الشعر 
(محمد منير) الذي تكن له مشاعر لا تدري 
ماهيتهاء ثم أستاذ الرقصء الذي يضعها على 
الطريق الصحيح وصولاً إلى المصالحة 
الكبرى مع الذات حين تهجر الزوج وتتحد مع 
الأستاذ. حب يصالح الروح والجسد. الروح 
المقهورة. والجسد المكبوت. الأمر الذي 
نكتشفه شيثاً فشيئاً في سياق الفيلم؛ فنفهم 
مشكلة الفتاة والختان التي عدت حياتها 
وحياة كثيرات من أمثالها: سائقة التاكسي 
المتمردة على تقاليد مجتمع سلخها حق 
تملك جسدهاء حين مورس الختان عليها. 
ابتنها الصغيرة التي وقعت أيضاً ضحية «ختان 
العقول». والأستاذة الجامعية التي لا تخشى 
عواقب التحرر. 

«وطبعاً لم يكن صدفة على الإطلاق» أن 
تظهر جميع نساء الفيلم على هذا النحو (أي 
جميعهن «مختونات» ويعانين من هذا الأمر)» 
لابل على العكس تعمدت جوسلين هذاء 
فى فيلمهاء لتعكس التنسبة الكبيرة من النساء 
«اللواتي يُسلّبن منذ الطفولة هذا الحق»؛ وهي 
نسبة وصلت» بحسب الإحصاء الذي ظهر في 
الفيلم» إلى /47 في المئة من النساء. 

واضح أن جوسلين صعب أرادت في 
هذا العمل أن تقدم جديداً. أرادت أن تكسر 
الروتين» وتخالف الخط الدرامي الذي فرضته 
السينما الأمريكية. لكن للأسف اعتاد الجمهور 
الاستسهال تماماً كما في التلفزيون حيث 
لا إبداع. 


ديكور 





جوسلين صعب التي بتوبهت في مصر 
راحثت تفاخر بعد ذلك باختيار فيلمها بين 
4 فيلماً آخر من أصل ألف فيلم تقدمت 
للمشاركة في مهرجان روبرت ريدفورد 
«ساندنس». «نشوة كبيرة زعزعت كياني حين 
عرفت بالخبر. بداية لم أخبر أحداً بالنبأ. 
أردت ان احتفظ به لنفسي. لكن هذا لا يعني 
أن الفيلم استقبل جيداً في الخارج. ففي أوروبا 
متلا كثيرون خافوا من موضوع الفيلم» حتى 
إن بعضهم قال لنا صراحة: أنتم تعطون صورة 
مغلوطة عن الواقع في العالم العربي». 

واللافت في الأمر كله أن جوسلين 
انطلقت من الواقع؛ مع أنه اقترب من الوثائقي» 
فشخصيات الفيلم ليست بعيدة من شخصيات 
من لحم ودم» كانت نقطة الإلهام الأولى 
للمخرج التي تضيف حول الفيلم:. 

«المثير للسخرية هو أنني أردت أن ابتعد 
من المواضيع الصعبة. أن أبتعد من الحرب 
اللبئانية والطائفية والسياسة. من هنا اخترت 
الحديث عن الحب. الحب الذي لم أتنبه إليه 
عندما كان عمري ٠١‏ سنة؛ إذ كانت الحرب 
مشتعلة. في البداية أجريت تحقيقاً حول 
العلاقات الجنسية بين الشباب» إلى أن وقعت 


المشروع. أما النتيجة فكانت مخيفة». 

... والنتيجة مخيفة؛ دائماً بالنسبة إلى 
جوسلين صعب. إذ ها هي هنا في دنياة 
تخرق طائفتين من المحظورات في الوقت 
نفسه. فمن ناحية تتصدى لمسلّمات اجتماعية 
راسخة وثئمة من هو مستعد ليقتل دفاعاً 


/اما 


عن هذه المسلمات» إذ يعتقدها تنتمي إلى 
الدين - وهي ليست دينية طبعاً -! ومن ناحية 
ثانية تأتي جوسلين صعب إلى هذا الموضوع 
الذي يخص المسلمين» من خارجهم. ومع 
هذا لا يبدو عليها الخوف. فجوسلين صعب 
اعتادت خوض هذه الأخطار. وما حكاية 
فيلمها عن الرقص الشرقي الذي حققته 
في الج يئيات وخرقت به هو الآخرء 
المحظورات» سوى دليل آخر على كمّ 
المخاطر التي لا تستنكف عن التعرض لها. 


«ديكور» 


00140 5 د. (أسود وأبيض) 
إخرا اج: أحمد عيد الله 
سيناريو: شيرين دياب» محمود دياب 
تصوير: طارق خفني 
موسيقى: هاني عادل» خالد القمار» 

أحمد مصطفى 
تمثيل: خالد أبو النجاء حورية فرغلي» 

ماجد كدوا اني 


ليست كثيرة العدد الأفلام السينمائية 
العربية التي تتخذ من السينما نفسها موضوعاً 
لها. بل إنها ليست بالعدد الخاني عتى في 
السيئما العالمية» حيث إنها غالبا ما تتخذ 
هناك شكل سينما السيرة أو السيرة الذاتية. 
وهو الشكل الذي اتخذته؛ على أية حال» في 
السينما المصرية» أفلام يوسف شاهين التي 
جعلت السينما موضوعاً لها (رباعية السيرة 


ديكور 





الذاتية من #إسكندرية ليه؟» حتى «إسكندرية/ 
نيويورك»). وتبدو أقل عدداً منها حتى» الأفلام 
التي جعلت السينما شكل الفيلم وموضوعه؛ 
من النوع الذي دنا منه» مثلا» وودي آلن في 
«زهرة القاهرة القرمزية؛ أو الأخوان تافياني في 
اصباح الخير يا بابل»» لكن خاصة تيم بورتون 
في «اد وود». 

ومن هنا لن تفوتنا ملاحظة تفرّد فيلم 
المصري أحمد عبد الله الجديد #ديكورة فى 
هذا السياق: فنحن هنا لسنا فقط أمام فيلم 
عن السينماء بل أمام فيلم يدخل جمهوره؛ 
وأبطاله» في قلب لعبة سيئمائية تحاصرهم 
من كل مكان. وفي هذا المعنى بالتحديد. 
يمكن النظر إلى «ديكور» باعتباره واحدة من 
أجمل التحيات التي وجهها مخرج عربي إلى 
الفن السابعء وليس إلى السينما الكلاسيكية 
المصرية وحسبء حتى وإن كان الظاهر من 
الفيلم للوهلة الأولى هو هذه التحية الأخيرة 
إلى عالم الأبيض والأسود المصري المحيّب» 
والذي علينا أن نلاحظ منذ سئوات» وبفضل 
استعادة أفلامه على شاشات التلفزة» عودته 
لاحتلال مكانة أساسية في الحياة اليومية 
للمتفرجين وللناس عموماً. 

واضح أن أحمد عبد الله (صاحب 
#ميكروفون) وافرشة وغطاة بين أعمال أخرى 
اعتبرت تجديداً في السيئما المصرية الشابة 
خلال السنين الأخيرة)» واحد من هؤلاء 
الناس» أو مبدع يحس إحساساً قوياً بنبضهم. 
ومن هنا شغْل خياله» وثقافته السينمائية الثرية 
لاستنباط موضوع شديد الجدة والجمال 


هما 


لفيلمه الجديد هذا. موضوع يكاد يكون منطلقاً 
من تلك القصيدة الصينية القصيرة التي اقتبسها 
اللبناني الراحل أنسي الحاج في قصيدة له 
تقول: #حلمت فتاة أنها فراشة» وحين أفاقت» 
لم تعد تدري أهي فتاة حلمت أنها فراشة» أو 
فراشة تحلم الآن أنها فتاة». 

«مها» في «ديكور» (حورية فرغلي 
المميزة)» هي هذه الفراشة» أما «الحلم» فهو 
هنا أمر واقع في حياتها لا علاقة له بالنوم أو 
اليقظة» يحدث لهاء أمام أعينناء حيث ما إن 
تجتاز مها باباً في ديكور تبنيه (هي مهندسة 
ديكور) لفيلم تشتغل عليه مع زوجها الشاب 
(خالد أبو النجا)؛ مصمم الديكور يدوره» 
حتى تجد نفسها في شقة أخرى وعالم آخر 
وحياة زوجية ثانية تعيشها مع زوج آخر 
(ماجد كدواني). وتضيع مها بين العالمين» 
ولكن المتفرج يضيع معها ضياعاً مقصوداً من 
السيناريو والإخراج. لأن المتفرج لن يعرف 
أبداً أي الحياتين هي الحقيقية وأيهما هي 
الحلم» علماً بأن الحياة الثانية تبدو مستقاة 
مباشرة» في معظم تفاصيلها من رواية «آنا 
كارنينا» لتولستوي» إنما كما حولها عز الدين 
ذو الفقار إلى فيلم «نهر الحب» الذي مثلته 
فاتن حمامة وعمر الشريف في سنوات الستين. 

والحقيقة أن هذا التماهي المدهش الذي 
عرف أحمد عبد الله كيف يصوره بين مها 
وفاتن حمامة وآنا كارنيئاء بصرياً في معظم 
الأحيان» شكّل العمود الفقري لفيلم أخاذ 
يشتغل في آن معأ على الحنين؛ والقلق 
الوجودي الراهن» ونوع من ذلك الازدواج 


الرجل الذي فقد ظله 





في الشخصية الذي عرفت السينما كيف تخلقه 
لدى المتفرج طوال القرن العشرين وأطلق 
عليه علماء الاجتماع اسم «الطبيعة الثانية؛ في 
انطلاقه من لعبة التماهي بين المشاهد ونجمه 
المفضل على الشاشة 

غير أن أحمد عبد الله في السيناريو 
القويء المقلق والمسلّي في آن معاء الذي 
انطلق منه في #ديكور؛» لم يكتفي بلعبة 
رسم خلفية وآثار تلك «الطبيعة الثانية؛» 
بل هو تجاوز هذا ليقتبس؛ ضمنيا» من لعبة 
النهايات الافتراضية الإلكترونية الحديثة» 
لعبة الخيارات تاركاً للمتفرج دخول اللعبة 
بقوة» واضعاً بطلته أمام متاهة أسثلتها: تُرى 
أي من الحياتين اللتين تعيشهما هي الحقيقة 
وأيها الوهمية؟ للوهلة الأولى يبدو الجواب 
سهلاًء طالما أن حياتها مع خالد أبو النجا 
هي الأبسط والأكثر رسوخاً على الشاشة» 
فيما تبدو حياتها المعقدة (التولستية» نسبة 
إلى رواية تولستوي) مع ماجد كدواني 
الأقرب إلى الارتباط بالسينما الكلاسيكية 
المصرية التي من الواضح أن متابعتها لها 
وعشقها لأعمالها اشتغل على ذلك التعقّد 
في ذهنها. غير أن المسألة في الفيلم» ستبدو 
أكثر تركيبية وتعقدأء تعقّد الحياة نفسهاء وكأن 
مؤلف الفيلم» يستعين عند هذا الحد من فيلمه 
بأسئلة لويجي بيرانديللو القلقة حول الواقع 
والخيالء الأسئلة التي عرف بها صاحب استة 
شخصيات تبحث عن مؤلف» كيف يجسد 
القلق الوجودي من خلال سؤال بسيط: أين 
تنتهي حدود الخيال وتبدأ حدود الواقع؟ 


188 


ولعل أجمل مافي #ديكور» المحبوك 
بشكل مميز وذكيء هو أن المتفرج لن يخرج 
منه بجواب قاطع» هذا إذا كان يقيّض له أصلاً 


«الرجل الذي فقد ظله) 

(19454) د. (أسود وأبيض) 
إخراج: كمال الشيخ 
قصة: فتحي غانم 
سيناريو وحوار: علي الزرقاني 
تصوير: محمود نصر 
موسيقى: أندريا رايدر 


تمثيل: كمال الشناو يي ماجدة» صلاح ذو الفقار 


يمكن المرء بكل بساطة أن يحب هذا 
الفيلم ويعتبره من معالم السينما «التاريخية» 
الواقعية في مصرء ولكن بشرط وحيد وهو ألا 
يكون هذا المرء قد قرأ رواية فتحي غانم التي 
تحمل العنوان نفسه والتى اقتيس منها هذا 
الفيلم. 1 

فالحقيقة أنه. على الرغم من أن ما في 
الفيلم يحاول أن يترجم المناخ العام للرواية؛ 
وأن علي الزرقاني قد بذل جهداً كبيراً في 
الاقتباسء وأن كمال الشيخ حاول بدوره 
أن يقدم أفضل ما عنده؛ إلا أن الرواية شيء 
والفيلم شيء آخر تماماً. والمرء طبعاً في حاجة 
إلى أن يكون قد قرأ تحفة فتحي غانم هذه حتى 
يدرك أن صانعي الفيلم إنما خاضوا هنا مغامرة 
مستحيلة» على صعيد الشكل الفني إن لم 


الرجل الذي فقد ظله 





يكن على صعيد المضمون. تماماً كما حدث 
لدى نقل «ثلائية؛ نجيب محفوظ أو حرافيشه 
على الشاشة» مع فارق أساسي يكمن في أن 
ناقلي هذين العملين المحفوظيين الأخيرين 
قد تعاملوابشيء من المنطق حين اختاروا 
أن يوزعوا أجزاء «الثلاثية» على ثلاثة أفلام 
تقرب ساعات عرضها من الست ساعات» 
كما اختاروا اجتزاء فصول وشخصيات من 
«الحرافيش» لتقديمها في ما لا يقل عن نصف 
دزينة من الأفلام. 

أمافي حالة «الرجل الذي فقد ظله؛ 
فالأمر يختلف: اختصرت صفحات الرواية 
التي تقترب من الألف في فيلم يزيد قليلاً 
على ساعتين» ما دفع إلى استبعاد الكثير من 
الأحداث والعلاقات والمواقف وأفقد العمل 
جزءاً كبيراً من قوته وتماسكه. ومع هذاء كما 
قلناء أتى الفيلم في حد ذاته جيداًء بل أفضل 
من معظم ما حققته السينما المصرية اقتباساً من 
عملي محفوظ المشار إليهما. 

فنحنء حتى وإن كنا نفتقر هنا إلى البنية 
الرباعية التي جعلها فتحي غانم لروايته» حيث 
قدمها لنا على ألسنة شخصياتها الرئيسة الأربع: 
مبروكة» سامية» محمد ناجى» وأخيراً يوسف 
عبد الحميد. كما نفتقر إلى فقرات ”تيار الوعي؟ 
الطويلة التي ترتبط بكل جزء من الأجزاء معبرة 
عن كل شخصية من الشخصيات» تصل في 
سياق الفيلم إلى ما هو أساسي: قصة يوسف. 
تقريباً كما يرويها هو نفسه في القسم الرابع 
من الرواية» ولكن مع إطلالات على قصته 
كما تروى لنا على لسان الشخصيات الثلاث 


1 


الأخرى. لتقديم قصة يوسف استغنى الفيلم 
عن الكثير من التفاصيل التي تمر بنا خلال 
حكي هذه الشخصيات الثلاث الآخر ى» علماً 
أننا في الأصلء وفي الرواية» دائماً ما نعود في 
الأقسام الثلاثة الأولى إلى يوسفء قبل ويعد 
التفاصيل التي ترويها مبروكة وسامية ومحمد 
ناجي عن حياتهم وتاريخهم. وذلك لأن ما 
يقدم إلينا على ألستتهم؛ إنما هو في الأساس 
قصة يوسف كما عرفها وعاشها كل واحد من 
هؤلاء الثلاثئة الآخرين. فما هي قصة يوسف 
هذه وعلى الأقل كما يقدمها لنا الفيلم؟ 

ببساطة هي قصة صعود صحافي مصري 
كبير من الحضيض إلى القمة» قصة تبدأ في 
بداية سنوات الأربعين. ويوسف شاب في أول 
عمره ابن لأستاذ بائس فقير الحال. يحدث 
للشاب أن يدخل من خلال تدريس أبيه ابن 
عائلة ثرية ذات سلطة» إلى قصر هذه العائلة 
ليغرم بابنتها الحسناء ويرتبط بصداقة مع ابن 
العائلة الممائلة في السن. طبعاًء لأننا كنا في 
مجتمع طبقي ولأن يوسف من طبقة دنياء لن 
يكتمل غرامه. 

وفي المقابل سوف يحدث لاحقاً أن أباه 
سيتزوج من الخادمة الشابة التي كانت تخدم 
فى بيت تلك العائلة. وهذه الخادمة (مبروكة) 
ستنجب للاب ابناً سيكون شقيقاً ليوسفء لكنه 
سيكون عاره؛ هو الذي ترك البيت احتجاجاً 
على زواج أبيه» في وقت كان فيه نجمه في 
عالم الصحافة قد بدأ يلمع. هنا يلتقي في طريقه 
سامية» كما يلتقي بالطبع محمد ناجيء والإثنان 
سيكونان درجات على سلم صعوده. درجات 


الرجل المحجب 





يحطمها متخليّاً عنها حين يبدأ الوصول إلى 
القمة... وفي نهاية الأمرء عندما تقوم الثورة 
سوف يفقد يوسف مكانته الاجتماعية ويدفع 
ثمن صعوده. 

طبعاً لا يفي هذا التلخيص الفيلم حقهء 
تماماً كما أن الفيلم نفسه لا يفي الرواية حقهاء 
ومع هذا بصرف النظر عن الرواية» لدينا هنا 
فيلم جريء حرّك النقاش والتخمينيات حين 
عرضه وفهم بعده الأساسي الذي يرسم 
صورة الانتهازي» ومن دون أن يكون هناك 
رسم.ء في المقابل» يشكل جوهر الرواية 
الأصلية» للظروف الاجتماعية التي تصنع هذا 
الانتهازي؛ ما حول الرواية من طابعها الأصلي 


التحليلي الاجتماعي العميقء إلى عمل 
أخلاقي وعظي. 
«الرجل المحجب)» 
٠ )1987(‏ د.,ألوان) 
إخراج: مارون بغدادي 
سيئاريو: مارون يغدادي 
تصوير: باتريك بلونييه 
موسيقى: غابريال يارد 
تمثيل: برنار جيرودوء ميشال بيكولي. 
لور مارزاك 
حين انتقل إلى فرنساء اضطر مارون 


بغدادي إلى الانتظار سنوات قبل أن تتاح له 
أول فرصة لتحقيق فيلم طويل» كان موضوعه 


صغيرة6؛ ثم تطور الموضوع من خلال مراقبته 
لحياة بعض الأطراف اللبنانية في باريس. 
ولقد أسفر هذا كله عن فيلمه الفرنسي الأول 
«الرجل المحجّب» الذي أدهش الكثيرين» 
دهشة سلبية» وسيكون واحداً من أكثر أفلام 
مارون بغدادي إثارة للنقاش» وليس على 
الصعيد الفكري والسياسي وحده. 

إن الفارق شاسع بين ما يقوله الفيلم (كما 
وصل إلى متفرجيه على الأقل) ومايقوله مارون 
بغدادي عن الفيلم. ومن المؤكد هنا أن وضوح 
الرؤيا في خطاب بغدادي اللفظي حول فيلمه» 
لا يقابله إلا تشوّش حاد في رؤية الفيلم نفسه 
لموضوعه. وهذا التفاوت لم يخفٌ على النقاد 
الذين شاهدوا الفيلم» ولاعلى المتفرجين الذين 
لم يحبوه؛ هذا إن ن لم يكونوا قد ضاعوا في ثنايا 
أحداثه المعقدة والتى غلب عليها الافتعال. 
الثقاد والجمهور أجمعوا على أن مارون بغدادي 
في #الرجل المحجب» قد أضاع موضوعه. 
وترك نياته تغرق في بحر من الصور النمطية التي 
نقل فيها بيروت إلى قلب العاصمة الفرنسية» 
وجعل الشخصيات المنتزعة من #حروب 
صغيرة» إنما مزودة بقدر أقل من الطرافة ويقدر 
أكبر من الخبثء» تعيش في زوايا باريس وأزقتها 
ركأنها نيش في منواجي ببروت: 

بالطبع» أمام ردود فعل كهذه سيحاول 
مارون بغدادي أن يدافع عن فيلمه قائلاً إنه 
لم يرد لفيلمه أن يكون عن الحربء ولا عن 
المحاربين بل #عن شخص يعيش آثار الحرب 
ورجفانها. هذا الفيلم هو في الحقيقة فيلم 
حربي في زمن السلم؛. والفرق بين 2"حروب 


الرجل المحجّب 


صغيرة» وةالرجل المحجب؛ يكمنء في 
رأي مارون بغدادي في أن «أشخاص الفيلم 
الأول لبنانيون» أما في الفيلم الأخيرء فإن 
الشخصيات الرئيسية التي تعيش في قلب 
الأحداث شخصيات غربية» تحمل معها 
رؤى عن الحرب؛ أحاسيس عن الحرب» من 
البديهي أن تكون منتمية إلى فكرة الحرب أي 
حرب. 

أنا اليوم أرى» أكثر من السابقء لبنان 
كمسرح كوني شكسبيري» حيث لا تستجيب 
الأحداث إلى نواميس الأيديولوجية والسياسة. 
من نافل القول أن تعميمية مارون بغدادي هذه 
لم تقنع أحداً. فهذا الفيلم الذي يتمحور من 
حول ثلاثة أطراف: طرفي الحرب اللبنانية 
(المسيحيين والمسلمين) معبراً عنهم بأفراد 
انتقلوا إلى باريس ليواصلوا فيها صراعاتهم 
وضروب الثأر في ما بينهم» وطرف ثالث هو 
الطبيب الفرنسي بيار لوران (برنار جيردرو) 
الذي كان. خلال عمله مع منظمة خيرية طبية 
فرنسية» قد عاش فترة من الزمن في لبنان» 
وأدى حضوره خلال مجزرة في قرية لبنانية إلى 
انتزاعه من حياديته» لذلك راح يخوض الحرب 
محاولاً الانتقام من الذين ارتكبوا المجزرة؛ ثم 
ها هو الآن يطارد بعضهم في باريس بتكليف 
من قصار (ميشال بيكولي) الذي يطلب منه قتل 
كمال؛ الذي أصبح في أثناء ذلك عشيق ابنة 
بيار» كلير (لور مارساك). 

انطلاقاً من هنا يتعقد الموضوع كثيرأ» 
وتتراكم علاقات الشخصيات بعضها فوق 
بعض» وتختلط الحرب لدى مارون بغدادي» 


1945 


بالصراعات الباريسية وبقصص الغرام الشاذة» 
بأغاني أسمهان؛ بصور اللحوم في أسواق 
الأحياء العربية في باريس. 

بعيداً من ردود الفعل التى طاولت هذا 
الفيلم؛ آخذة عليه؛ بشكل شبه إجماعي: 
«خبثه» السياسي وقصور نظره الفكري». 
وفي بعض الأحيان تعقد موضوعه وأحدائه» 
يمكننا التوقف عند هذا الفيلم» ضمن رسمنا 
لمسار بغدادي السينمائي» باعتباره يفصل 
بين مرحلتين: مرحلة لبنان ومرحلة فرنسا. 
وفي هذا الإطار يقف الفيلم عند الحدود. 
لماذا؟ 

لأن مارؤن بغدادي نقل بيروت إلى باريس» 
وكلّياً إلى درجة جعلت المتفرج الفرنسي 
عاجزاعن التعرف إلى #مدينة النورة في 
مشاهد «الرجل المحجب». ناهيك بعجزه عن 
فهم أي شيء عن الحرب اللبنانية من خلال 
صراع العصابات وضروب الثأر والمواقف 
المفتعلة. 

علناً لم يعلن مارون بغدادي أبداً ندمه على 
تحقيق هذا الفيلم. ولكننا سنلاحظ في فيلمين 
له تاليين على الأقلء أنه يتعمّد الرد على 
نفسه وموازنة الطرح الذي طرحه في «الرجل 
المحجب»» نعني بهذين الفيلمين: «لبئان... 
أرض العسل والبخُور» و«خارج الحياة». بيد 
أن هذين الفيلمين يأتيان بعد سنوات. أما الآن 
فإننا أمام مخرج مهدّد بأن يصبح «فناناً ملعوناً» 
في الوقت نفسه الذي لم يفهمه فيه أولئك 
الذين ربما أراد من خلال هذا الفيلم أن يتقرّب 
منهم: الفرنسيون. 


الرجل المحججب 


ومع هذا لا بد لمن يريد الحديث عن 
«الرجل المحجب؛ أن يضع في الذهن لغة 
الفيلم السينمائية والشكل الفني الذي اختاره له 
صاحيةف وقبل هذا وذاك علاقته» بيخاصة بفيلمه 
السابق «حروب صغيرة» ولكنء بشكل أكثر 
عمومية؛ بكل أفلام مارون بغدادي اللاحقة. 

كما في #حروب صغيرة» يعيش «الرجل 
المحجب» على هامش الحرب لا في وسطهاء 
يستمد أحدائه وشخصياته من أناس يعيشون 
الحرب كما تنعكس عليهم؛ في ذاكرتهم أو 
في حياتهم اليومية» ولكن ليس في ممارستهم 
اليومية لها. ليس المتحاربون من يشكّل 
محور اهتمام مارون بغدادي هنا (ولتتذكر أن 
المتحاربين كانوا «ديكور» أحداث «حروب 
صغيرة» أيضاً)» بل الكيفية التي تنعكس فيها 
الحرب على مصائر الذين يعيشونهاء بإرادتهم 
أو بغير إرادتهم. لقد اختار بغدادي ل «الرجل 
المحجب» شخصيات قد تبدو للوهلة الأولى 
نمطية بمعنى أنها ترمز إلى أطراف معينة؛ إذ 
من السهولة أن نقول إن قصاراً الذي يسعى إلى 
الثأر مسيحي طاولت المجزرة أطفاله وعائلته» 
وإن كمالاً القاتل المفترض خلال المجزرة» 
مسلم. وأن بيار هو المثقف الغربي الذي 
يدخل مرتدياً نياته الطيبة ورغبته في التطهّر من 
ماضيه» فيخرج محملاً بألف جرح وجرح. 

بيد أن هذا التوزيع وإن كان صحيحاً 
ويشكل معضلة الفيلم الرئيسية» فإنه ليس 
أهم مافي الفيلم. أهم مافيه. في اعتقادنا» 
هو الفرد في مقابل حرب كان يعتقدها مطهرا 
(بيار) أو لعبة (قصّار وكمال)» فإذا بها تدمره 


الأحل 


من الداخل» تجرحه جرحاً نهائياً. بالطبع لم 
يوفق مارون بغدادي كثيرا في تحديده هوية 
شخصياته» بل إن توضيح هذه الهوية هو الذي 
أوقع العمل في ثنائية الخير/ الشر وأفقده 
التباساً خلاقاً لمصلحة التباس غير خلاق. غير 
أنه وفق في رسم الآثار التي تركتها الحرب 
على شخصياته» وبخاصة في بيار. فبيار الذي 
عاد من لبنان كان غير بيار الذي ذهب إلى 
لبنان. بيار ذهب إلى لبئان الحرب محملاً 
بالآمال» فعاد منه مليئاً بالخيبة» وهو في هذا 
لا يبتعد كثيراً عن كمالء الذي - في سفر 
معاكس - وصل إلى فرنسا آملاً بأن يتتخلى 
عن ماضيه وعن ذكرياته وأن يتطهر من حرب 
قذرة لم يعد يدري كيف خاضهاء فإذا بماضيه 
يلاحقه حتى يصطاده في عقر ملجئه. وهنا لم 
يكن من الصدفة ان يقيم المخرج علاقة غرام 
بين كلير ابنة بيار وكمالء بل أن يلمّح إلى 
تلك العلاقة المستحيلة بين كلير وأبيها. كلير 
هي - بمعنى من المعاني - البراءة المستحيلة. 
البراءة التي لم يعد أحد يستحقهاء بيار الذي 
يعرف هذا ويعيه» وكمال الغافل عنه. 

في ضوء مثل هذا التفسير» الذي عبّر عنه 
مارون بغدادي أكثر من مرة (ليس محاولة 
منه للدفاع عن فيلمه؛ بل لتفسيره لبعض 
من وجدوه غامضاً)» قد يكون من الممكن 
التخفيف من الحدة الأيديولوجية التي أحاطت 
بطريقة التعامل مع #الرجل المحجب». لربما 
مكننا هذا التخفيف من التوقف بعض الشيء 
عند مسائل في الفيلم لم تتضح كثيراً في حينه. 


قبي 


وفي مقدمة هذه المسائلء» العلاقة بين كلير 
وأبيها. 

هذه العلاقة تبدو في الفيلم شديدة 
الالتباس وكأنها واقفة على حبل مشدود. 
وتقترب في بعض الأحيان من حدود الخطرء 
حيث يلوح شيء من حب المحارم» في هذه 
العلاقة. غير أن ثمة ما يدفعنا فى تحليل العلاقة 
من ناحية أخرى؛ يشجعنا مارون بغدادي عليها 
على أي حال ويبدو محقاً في ذلك: أن بيار 
حين يعود إلى ابنته» التي تنظر إليه في خخيالاتها 
خلال غيابه على أنه مثل أعلى لهاء يعود وهو 
يعرف أن بإمكانها أن تكون وسيلة لتوبته» عن 
الذنب غير الإرادي الذي ارتكبه في لبنان. 
إنه يعرف أن بإمكانها أن تنقذه. أن بإمكانه 
أن يتطهّر عبرها. بيد أن واقع الأمر يقول إن 
ذنبه لا يغتفر وإن تطهيراً مفتعلاً من هذا النوع 
لا يمكن أن يعطيه صك البراءة. فهو حسب ما 
يقول مارون بغدادي «وقّع عقدأء وهذا العقد 
هو الثمن الذي يتعين عليه أن يدفعه لبقائه 
على قيد الحياة. كان ثمن مبارحته لبيروت» 
وهو يعرف الآن أن عليه أن يلعب اللعبة حتى 
نهايتها». فالبراءة لا تشترى ولا تعطى. هذا ما 
سوف يتعلمه بيار» أما كمال فإنه» في المقابل» 
سوف يستعيد براءته وطهارته عبر الموت. 
كمال لم يوقّع عقداًء لكنه مجبر على دفع الثمن 
وموته هو الثمن. 

وفي هذا الإطار يأتي مقتل كمال كفعل 
تطهير فيما سيبقى بيار متتباً إلى الأبف: أما 
قصّار» سيد اللعبة» فإنه يحقق ثأره لكن جحيمه 


سيظل ملازماً له. 


2 


134 


في «الرجل المحجب» الذي تبدّى الأكثر 
جدية والأقل طرافة بين كل أفلام مارون 
بغدادي» أتيح لهذا المخرج أن يحقق العديد 
من رغباته في مجال التجديد التقني ليثبت أنه 
سينمائى بالفطرة» وأن ضروب النقص التى 
كانت تحسٌ في السابق في أفلامه الطويلة 
والقصيرة لم يكن هو المسؤول عنهاء بل كان 
المسؤول فقر الإمكانات التي كانت متاحة له 
في بيروت» حتى حين كان يقيّض له أن يستعين 


بتقنيات وتقنيين غربيين. 
اود قلبي» 
٠6 )16659(‏ د. (ألوان) 
]خرا اج: عز الدين ذو الفقار 
قصة وحوار: يوسف السباعي 
سيئاريو: عز الدين ذو الفقار 
تصوير: وحيد فريد 
موسيقى: فؤاد الظاهري 
صلاح ذو الفقار 
ليس من الصعب فهم استنكاف النقاد 


السينمائيين الحقيقيين في مصرء عند ظهور 
هذا الفيلم» على التعامل معه بوصفه «تحفة 
فئية» بحسب أوصاف الصحافة الرسمية 
المصرية له. ف «رد قلبي؟ لا يمكن بأية حال 
من الأحوال عدّه في فئة الأفلام التي شكلت 
علامات كبيرة وأساسية في تاريخ السينما 
المصرية» ولكن في المقابل يمكن النظر 





إليهء من ناحية على أنه واحد من الأفلام التي 
حققت أكبر نجاح جماهيري في مصر كما 
في غيرها من البلدان العربية في ذلك الحين» 
ومن ناحية ثانية باعتباره الفيلم الذي أتى الأكثر 
تعبيراً عن أيديولوجية الثورة المصرية ونظرتها 
إلى الراهن المصريء وأكثر من هذاء نظرتها 
إلى وظيفتها في المجتمع. 

طبعاً لايعني هذا أننا أمام فيلم دعاوة 
سياسية خالصة» فلو كان الأمر كذلك لما 
تمكن (ردٌ قلبي» من تحقيق ذلك النجاح 
الجماهيري الكبير. بل نحن أمام فيلم يحمل 
كل العناصر المكونة للفيلم الشعبي الحقيقي؛ 
بما في ذلك كونه فيلماً أتى من توفيقه الملائم 
تماماء من الناحيتين السياسية والأيديولوجية. 


فمن ناحية كونه فيلماً شعبياً نجد ذلك 


في موضوعه الذي ينطلق من حكاية حب 
كانت - ولا تزال - تقليدية ومرغوبة في تاريخ 
السينما المصرية والفقير ابن الخدم: الذي 

يغرم بابئة أسياده» لكن الفوارق الطبقية تحر 0 
بين هذا الغرام وأن يكتمل - بالزواج طبعاً -. 
غير أن هذه الفوارق كان لا بد لهاء في سياق 
الفيلم» ألّا تعود حائلاً بين لقاء الخادم بالسيدة 
حين صارا في شرخ الشبابء وبالتحديد لأن 
#ثورة الضباط الأحرارة كانت قد اندلعت في 
تلك الأثناء. وكان الشابء ابن الخدم قد 
أضحى ضابطأ مشاركاأ في الثورة» فيما انتهت 
أيام السادة مع زوال العهد الملكي. تلكم هي» 
بشكل شديد الاختصار والتبسيط حكاية الفيلم 
الأساسية» وهي حكاية نعرف أن تفاصيلها 
أكثر تعقيدأًء و«خبطاتهاة الميلودرامية أكثر 


166 


إسهاباء ولا سيّما أن الفيلم على مدى ساعتين 
ونصف ساعة يتابع حكاية علي الذي تربى مع 
أنجي وهما طفلان غير واعيين بأن ابن «الباش 
جنايني» بينما هي ابنة الأمير ابن الأسرة المالكة 
الذي يعمل الجنايني في حدائقه. إن علي 
سيبارح مكانته الاجتماعية تراتبي» ولكن ليس 
أخلاقياًء بينما نجد أن عائلة أنجي لا تعترف 
له بذلك. الثورة سترغمهم على هذاء غير أن 
«عودة» علي لأنجي في النهاية» بعد هزيمة 
أملهاء سوف تحول - بالتأكيد ‏ الصراع 
الطبقي الذي يمكن أن توحى به أحداث 
الفيلم؛ إلى مصالحة طبقية؛ وكل هذا على 
خلفية حرب فلسطين وقضية الأسلحة الفاسدة 
والثورة والإصلاح الزراعي» وكل تلك 
العناصر التي كانت تكون تاريخ مصر في ذلك 
الحين. 

كان موضوعاً ذهبياً في أيدي صناع الفيلم 
الذين عرفوا هنا كيف يكيّفون الميلودراما 
الشعبية المضادة والمؤكدة النجاح. مع 
«المواثيق» الشورية السياسية» مخصصين 
واحدة من الميزانيات الأضخم في تاريخ 
السينما المصرية حتى ذلك الحين» مصورين 
الفيلم بالألوان والسيئما سكوب - كدليل 
إضافي على الضخامة والرغبة في صنع 
«فيلم الثورة» -. وبالتالي» كان من الطبيعي 
ل #رد قلبي؛ الذي لم يحبذه النقاد كثيراًء أن 
يلقى قبولاًء بل حماساًء لدى العدد الأكبر 
من المثقفين «الشوريين؟ الذين وجدوا فيه 
تطبيقاً للمعادلة الفعالة الي تجمع بين النجاح 
الجماهيري والرسالة السياسية. ومن هؤلاء 


رسائل شفهية 


الكاتب والرسام اليساري المرموق - الذي 
سوف يكتب لاحقاً سيناريو فيلم يوسف شاهين 
«الأرض» عن رواية عبد الرحمن الشرقاوي -» 
حسن فؤادء الذي كتب عن «رد قلبي»: «العل 
فيلم «رد قلبي» الذي يتناول القصتين معاء 
قصة حب وقصة شعبء هو من أهم أفلام هذا 
كبيراً عندما عرض في لبنان ثمانية أسابيع لم 
ينقطع فيها الجمهور عن التصفيق والهتاف 
في مواضيع كثيرة من الفيلم. والشيء نفسه 
حدث في مصر في اليوم الذي شاهدته فيه. 
والواقع أن ما حدث في بلادنا من تغيّرات بعد 
ثورة 71” يوليو» وما سبق هذا الحدث العظيم 
من ضغط وكبت وبداية انفجار» وما تلاه من 
تغيرات أساسية في حياة المجتمع المصري. 
لم تتناولها السينما المصرية بالقدر الكافي» 
ولهذا فإن «ردّ قلبي» يلاقي استجابة حادة من 
الجماهير المصرية والعربية بعامة» لما به من 
أحداث لها مكانتها العميقة في النفوس...4. 


«رسائل شفهية » 


(1491) 6 ١.(ألوان)‏ 
إخراج: عبد اللطيف عبد الحميد 
سيناريو: عبد اللطيف عيد الحميد 
تصوير: عبده حمزة 


تمثيل: 


كان «رسائل شفهية» الفيلم الروائي الطويل 
الثاني للسوري عبد اللطيف عبد الحميد بعد 


فايز قزق رنا جمولء رامي رمضان 


105 


«ليالي ابن أآوى»» لكنه كان أيضاًء وسوف 
يبقى لسنوات طويلة تالية» واحداً من أنجح 
الأفلام التي أنتجتها المؤسسة العامة للسينماء 
الشديدة الرسمية» على صعيد شباك التذكر» 
وعلى الأقل في سورية نفسها حيث ظل 
يعرض في الصالات طوال ما يقرب من عام. 
ومع هذا علينا ألّا نخلط هنا بين هذا النجاح 
«الجماهيري» وبين القيمة الفنية للفيلم» والتي 
أسهب النقاد المحليون والعرب في الحديث 
عنها. إذ يقيناً أن الفيلم لم ينجح بفضل 
رومانسيته» ونقده الخفي للحياة الاجتماعية 
للسلطة» وشاعريته في متابعة الحياة اليومية 
للناس» والظلم اللاجق بهم - وهذه كلها أمور 
عرف المخرج كيف يمرّرها وغالب الأحيان 
على شكل تلميحات تلامس الظلم الطبقي» 
بقدر ما نجح بفضل طابعه الكوميدي الخفيف» 
وكون هذه الكوميديا نابعة» هذه المرة» من 
الواقع المعيشي للناس» لناس من لحم ودم 
آتين من الريف السوري؛ وليس من عالم 
السينما الشعبية الأجنبية أو السينما المصرية. 

والحقيقة أن هذه «المحلية» التي رسمت 
الفيلم» والتي أنت متماشية مع ما يشبهها في 
عدد لا بأس به من أفلام حققت في سورية في 
ذلك الحين» ومنها أفلام عديدة للمخرج نفسه. 
كانت سمة أساسية من سمات نجاح السينما 
السورية» حتى وإن كان كثر سيشيرون» في 
مجال حديثهم عن الفيلم وموضوع وتحليل 
«نفسيات» شخصياته؛ إلى مراجع أجنبية 
لاشك في أن المخرج/ الكاتبء نهل منها 
بشكل أو بآخر. 


الرسالة 


غير أن المهم هنا هو الذي فعله المخرج/ 
الكاتب بما نهل منه. فهو بعد كل شيء حقق 
ما يمكن اعتباره أكثر الأفلام سوريّة» وواحداً 
من أفضل الأفلام عن الريف السوريء الريف 
الحقيقي هذه المرة. فهو في حضن هذا 
الريف. ووسط بيئة كان من النادر لها أن عرفت 
طريقها إلى الشاشة الكبيرة» موضع حكاية 
حب #ثلاثية»» مليئة بالشاعرية والخبطات 
المسرحية. أما أطراف هذه الحكاية الثلاثة فهم 
المراهقة الحسناء سلمى» وإسماعيل عاشقها 
المتيّم ذو الأنف الكبير» والذي لأنه في 
الريف ومتردد وذو هذه الأنف بالتحديد يختار 
لإبلاغها حبه أن يبعث إليها برسائل شفهية 
عن طريق صديقه المقرب غسانء شبه الأمي 
وبالتالي لا يمكن للرسائل التي ينقلها إلا أن 
تكون شفهية» وهكذا مع مرور الوقت وتكرر 
الرسائل» سوف تختار سلمى غسان حبيبا 
لها بدلاً من إسماعيل وتحديداً بفضل صدقه 
في نقل #عواطف صديقه» وكأنها عواطفه. 
غير أن غسان سرعان ما يستدعى إلى الخدمة 
العسكرية؛ ما يحول إسماعيل إلى ناقل رسائل 
شفهية بيئه وبين سلمى. وهنا إذ تصغي سلمى 
إلى الرسائل» يقدر لإسماعيل أن يصبح حبيبها 
هذه المرة» بل يتزوجانء ليعود غسان لاحقأ 
وقد أضحى رجلاًء يزورهما وقد صار لهما 

على خلفية هذه الحكاية اليسيطة:؛ إذاء 
بنى عبد اللطيف عبد الحميد. هذا الفيلم 
البسيط والهادئ؛ الذي قال عنه الناقد الشاعر 
بندر عبد الحميد: «... أهم من عبث الطفولة 


1١ 1/ 


في كل المواقف. وأهم من الضحك المعلن 
والضحك الخفيء نلمس في هذا العمل حرارة 
الواقع. فهذه سلمى التي لعبت بعواطفها 
وعواطف الآخرين تصحو من غفوتها وتصدم 
مشاعرها بجدار الواقع: هو إما أن. أو... 
وهكذا تطلب من إسماعيل أن يسافر إلى 
الجبهة» في النهاية يحمل غسان السؤال الكبير» 
فيفعل. كانت تخاف أن يؤنبها ضميرها لو أنها 


اتخذت خطوة حاسمة من طرف واحدة. 
«الرسالة» 
٠ )1 9195‏ د.,ألوان) 
إخراج: مصطفى العقاد 
سيناريو: عبد الحميد جودة السحار» محمد علي 
ماهر توفيق الحكيم... 
تصوير: جاك هيلبارد 
موسيقى: موريس جار 


تمثيل: عبد الله غيث؛» منى واصف؛ أحمد مرعي 


«الرسالة؛ الفيلم - الحلم الذي حمله 
مصطفى العقاد طويلا» وكان اسمه في البداية 
«محمد رسول اللهة عرض العام /ا/191 في 
أكثر من عاصمة أوروبية وأمريكية في انتظار 
الإفراج عنه عربياًء والسماح بتداوله في 
العواصم العربية. وهوء في باريس» عرض 
عامئذ في صالات عدة؛ وفي نسخ ثلاث: 
عربية» وإنكليزية» وأخرى مدبلجة إلى 
الفرنسية؛ كانت الأسوأء على أي حال. 


الرسالة 


وإذا كان «الرسالة» قد عرض في باريس 
وسط جو ثقافي مشحون إلى حد ما برائحة 
الشرق والإسلامء فإنه بتصدره واجهة إحدى 
أكبر صالات الشانزيليزيه طغى على مختلف 
النشاطات الإسلامية الباريسية.. فدعاية 
الفيلم العملاقة راحت تغطي معظم محطات 
المترو... إلى درجة أنها تمكنت من جذب 
أعداد كبيرة من المتفرجين العرب والأجانب. 

وهكذا في الوقت الذي أبدى فيه غلاة 
المتحمسين تأكيدهم أن نسخة الفيلم العربية 
(من بطولة عبد الله غيث ومنى واصف) أروع 
من النسخة الأجنبية (التي يمثلها أنطوني كوين 
وأيرين باباس)» وفي الوقت الذي ظهر فيه 
مصطفى العقاد (منتج الفيلم ومخرجه) على 
شاشة التلفزيون» ضمن برنامج «موزاييك» 
الخاص بالعمال المهاجرين ليتحدث عن 
فيلمه بحماس شديد ويروجه ويشير إلى بعض 
مشاريعه المقبلة» فى هذا الوقت بالذات» كان 
متفرجو الفيلم يجدون صعوبة فائقة في إخفاء 
بعض خيبة الأمل التي يصيبهم بها الفيلم» 
إن لم يكن على صعيد مضمونه؛ الحافل 
باللحظات الجيدة على أي حال» فعلى صعيد 
تقنية مخرجه الضعيفة» ولغته السينمائية التي 
تعتمد الإبهار وضخامة الإنتاج أكثر مما تعتمد 
المنطق الهادئ المتقشف الذي يتماشى مع 
روحية الفترة التي يروي الفيلم أحداثها. 

من ناحية الموضوع تناول «الرسالة» 
مرحلة نشوء الإسلام ‏ تلك المرحلة 
التي كانت أصفى مراحل الإسلام وأكثرها 
ثورية -.. فقدّمها جيداء مبرزا كل مزاياها 





الإيجابية الصافية» من علاقة الإسلام بالأديان 
الأخرى في تلك المرحلة» معرّجا على قضايا 
حتناسة وجانعة كنطرة الإستلام إن المراةة 
ومسألة الصراع الاجتماعي في الإسلامء 
وعلاقة الفكرة الدينية بالواقع المادي. 





"00 


وفي هذا المجال يلاحظ المرء أن 
السيناريو الذي تشارك في كتابته عدد من أبرز 
الأدباء المصريين ومن بينهم توفيق الحكيم 
وعبد الرحمن الشرقاوي وجودة السحار 
وغيرهم؛ أتى واقعياً إلى حد بعيد كما أتى 
منصفاً لتلك المرحلة الإسلامية الخطيرة 
والهامة. وهو إنصاف لا يقلل من شأنه» نوع 
من التوفيقية والانتقائية الذي سيطر عليه 
ولا الطابع المسرحي السردي الذي طغى 
على الحوار. ولكن يقلل من شأنه» بكل تأكيد» 
إخراج بليد لم يعرف كيف ينقل السيناريو إلى 
الشاشة الكبيرة التي استقبلت صوراً ضخمة 


الرسالة 





ومناظر هائلة» قد تكون شُّغْلت بدقة وإتقان» 
لكنها شُعْلت أيضاً باحتفالية حاولت دفع 
الموضوع جانباء مبرزة الشكل الهوليوودي؛ 
مستفيدة من بعض استعارات مشهدية من 
أمهات الأفلام التاريخية الهوليوودية» ولكن 
غير مستفيدة على الإطلاق من تجارب أكثر 
حداثة وجدية وواقعية في التعبير عن مرحلة 
تاريخية معينة (أفلام بازوليني عن المسبح 
وأوديب» مثلاً...). 

لقد قلب الإخراج حكاية نشوء الدين 
الإسلامي إلى شيء بدا أشبه بأفلام رعاة البقرء 
حافل بالبطولات الفردية... كما حوّل أحداث 
السيناريو إلى أحداث سردية متعاقبة غير 
تحليلية ولا تتمتع بأي عمق حقيقي. 

هنا قد يكون من المغري اللجوء إلى 
الحجة الشهيرة والادعاء بأن الحواجز 
التشريعية والعقبات الدينية حالت دون الإمعان 
في التحليل؛ غير أن هذا الزعم سوف يسقط 
سريعاً أمام هذا الإنجاز الذي حققه مخرج» 
لم يحاول حتى أن يقدم صورة أنثروبولوجية 
حقيقية للبيئة التاريخية والجغرافية التي سبقت 
ظهور الإسلام وواكبت هذا الظهور. 

فقد اكتفى «الرسالة» بقوله للذين يعرفون 
الكثير أو القليل عن الدين الإسلامي وتاريخ 
ظهوره؛ أشياء بديهية يعرفونها ويحفظون 
تفاصيلها عن ظهر قلب ولا يمكن أن 
يختلف عليها اثنان منهم؛ وإن كان قد بالغ 
في تطعيمها بذلك الحس «المانوي» (ثنائية 
الأسود والأبيض) الذي قسم العالم والدول 
والقبيلة إلى أخيار وأشرار وجعل الانتماء إلى 


1044 


أي من هذين؛ بفعل الصدفة وحدهاء أو بفعل 
الاختيار الوجداني في أحسن الأحوال» دون 
أن يكلف نفسه عناء القيام بتحليل اجتماعي 
حقيقي للعوامل الحقيقية التي حددت اختيار 
رجال القبائل بين أتباع دين محمده أو الوقوف 
ضده. ونحن نعتقد طبعاً أن مثل هذا التحليل 
لا يتنافى أبداً مع الشريعة الإسلامية» وإن كان 
يتنافى مع رغبة المخرج (الذي هو المنتج في 
الوقت نفسه) في إنجاز فيلم سردي - وصفي 
إبهاري؛ لا يمكنه أن يغضب أحداً بل يجد فيه 
كل طرف أو تيار ما يرضيه. 

ولكنناء إذ نقول هذاء لا ننكر أن 
الفيلم - بشكل إجمالي - يحمل آثار جهد 
وتعب كبيرين؛ فعلى صعيد الإنتاج» يحمل 
الفيلم غنى واكبه ثراء ماء في بعض النواحي 
التقنية: الصورة ‏ الديكور ‏ الملابس - إضافة 
إلى جمال بعض اللحظات الموسيقية التصويرية 
التي كتبها الفرنسي موريس جار وبخاصة تلك 
التي لم يحاول فيها استعادة بعض الموسيقى 
التي كان قد كتبها لأفلام أخرى (مثل «لورانس 
العرب؟ و«الدكتور جيفاغو» أو سرقة مقاطع 
بأسرها من موسيقى رمسكي - كورساكوف 
(«شهرزادة - و«عتتر»). غير أن المؤسف في 
الأمر أن كل هذا الغنى» لم يتمكن من إخفاء 
بلادة الإخراج» وبلاهة بعض لحظات الحوار 
وسطحيتهاء ولا سيّما فى النسخة العربية. كما 
أن تمثيل عبد الله غيث الجيد في هذه النسخة» 
لم ينسنا أبداً أن المخرج كان يفكر بشخصية 
زورو» وشخصية جيسي جيمسء كما أظهره 
على الشاشة! 





«رساثة من زمن المنفى» 





(:199) ٠د.,ألوان)‏ 
إخراج: برهان علوية 
قصة وسيتاريو: برهان علوية 
تصوير: شار لي فان دام 
موسيقى: مختارات كلاسيكية 
تمثيل: رياض بريدي؛ محمد كلش 


فى #رسالة من زمن المنفى» أطلق برهان 
غلزرة حون تقتمات»هيائل» القدكة وسالن 
نفسه للمرة الأولى السؤال البديهى؛ السؤال 
البدئى: «مَنَ أنا... وأين أنا؟»: واكتشف علوية 
أن ال همَن أنا» وال «أين أناء هما في نهاية الأمر 
شىء واحد. من هنا كان من الطبيعى لقيلمه 
هذا أن ينتهي بتلك العبارة البسيطة الساحرة 
«أبو نسيم هون نايم بالقبر... ومرجعيون 
بعيدة كثير... والشتا نازل... وأنا عمبموت». 
هذه الأنا الأخيرة تطبع نهاية الفيلم في انفجار 
صامت مرير وحزينء يقولها صوت المخرج 
من خلف الشاشة» وكأنها خاتمة منطقية» 
لكلام كان همّه الأول أن يقولها دون أن يقولها 
طوال الفيلم. 

الموت هنا هو المنفى. والأنا هي المخرج» 
وهي اللبناني وهي لينان. 

وعلوية بنى فيلمه كله» في فصوله الأربعة 
و«الأنترميتزوة بينها انطلاقاً من ذلك التواكب 
الخفي بين الأنا والمنفى والموت. الأنا هي 
تلك الذات التي وزعها علوية في فيلمه على 
شخصياته المحورية الأربع: رزق الله» كريم» 


نسيم وعبد الله. شخصيات متفاوتة لكنها 
ليست شريرة بأي حال من الأحوال. قد يكون 
واحدها مقاتلا» والثاني تاجراً... لكنها جميعاً 
تستثير حنان المخرج وعينه العطوف: الأربعة 
ضحايا. الثلائة الأولى منها بارحت المكان 
الأصليء؛ مكان الموت والهذيان» دون أن 
تبارحه حقاًء أما الرابعة فوصلت إلى حيث 
سيصل الباقون: إلى الصمت وإلى الموت 
كعلامتين من علامات المنفى الذي هو نتيجة 
حتمية لهذيان حرب لا تنتهي. 

عبد الله المقاتل المنتظر تحت الأرض» 
في المتروء كالجرذ المحاصرء يحلم لو أن 
فى بيروت مترو تحت الأرض: «كنا ملأناه 
بالجنث؛ هذا المقاتل السابق؛ المطارد: 
المحاصرء لا يتمنى لباريس نهاية بيروت» بل 
إنه يعطي ما معه من قروش لموسيقي عجوز 
يعزف. 

كريم المثقفه العابر في المترو بدوره؛ 
يحلم لو أن في بيروت مترو: ما كان للحرب أن 
تقوم لأن المترو يجمع بين الناس ويوحّدهمء 
كما يتوحّد النمل» أو الجرذان؛ مثلاً في 
واحدة. 

عبد الله وكريم وجهان لعملة واحدة... 
صورتان لمنفى واحدء لم يدر بعد أنه منفى. 
منفى لا يزال منشغلاً بهموم صغيرة» ولا يزال 
يحس أنه في الحرب يكاد لا يخرج منهاء وقد 
يصح أن يعود إليها في أي لحظة. لبنانيانت من 
ذلك النمط الذي يسير في خطواته الأولى نحو 
الخلاص الأمرٌ. 


بويفة 


رسالة من زمن المنفى 





رزق الله. تاجر السيارات اللبناني في 
بلجيكاء قطع الخطوات الأولى؛ لذلك نجده 
في مكتب فوق الأرضء هو تخلص من 
مشاكله المادية؛ لكن لديه مشكلة أخرى: منفاه 
الطوعي (الذهبي!) لن يكتمل» أي خروجه من 
الحرب لن يكتمل إلا إذا أقنع أحد أخاه الأستاذ 
الجامعي بترك لبنان. نسيم في بروكسيل» لكنه 
لايزال موجوداً في بيروتء لا يزال موجوداً 
في الحرب من دون إرادته. بإرادة أخيه: «قولوا 
له أن الحياة هنا أحسن من الحياة في لبنان»... 
أي حياة هي أشرف من الموت» حتى ولو 
نسي أبناؤه اللغة العربية» حتى لو تحققت تلك 
القطيعة التي يعيشها نسيم وكأنها لا تزال أمنية» 
بخاصة في بلد يقدم الخدمات الاجتماعية 
للجميع و:ينتظرنا نحن اللبئانيين كي نعلمه 
الحضارة»... 

مع عبد اللهء مع كريم.؛ مع رزق الله 
وصلنا إلى المنفى لكننا لم نغادر الحرب بعدء 
بصعوبة تركنا المتراس. وإذا كانت كاميرا 
برهان علوية قد تنقلت من باريس الضاغطة 
باريس السجنء إلى بلجيكا بحثاً عن المنفى» 
فإنها عجزت عن العثور عليه. كيف تعثر عليه 
وكل ما هنالك يذكر المنفيين بلبنان: مترو 
باريس/ أشجار رواسي (الأرزتان الشهيرتان 
على طريق بروكسيل)/ تجارة السيارات في 
بروكسيل. كاميرا علوية تريد أن تصل إلى 
المنفى نفسه. بعد أن تغادر الحرب نهائياً. 
وهي إذا كانت فشلت في هذا مع الثلاثة 
الأول» سوف تنجح مع الأخير: نسيم في 
ستراسبورغ هو الوحيد الذي حقق ما يخيّل 


دلي 


له أنه المصالحة الداخلية مع المنفى والقطيعة 
النهائية مع لبنان الحربء مع لبنان نفسه. ولكن 
ماله صامت» وسط الطبيعة الصامتة؟ ولماذا 
يتحدث المخرج مكانه؛ بعد أن طفق في البداية 
يحكي مع كريم وعبد الله ويسمعنا أحلامهما 
والخيبة وتمسك الحرب وبيروت بهما؟ وبعد 
أن جعلنا نستمع على لسان رزق الله إلى 
أصدق وأقسى محاضرة عن الذهنية اللبنانية 
في بهائها المكتمل؟ 

عندما تصل الصورة إلى نسيم» يصمت 
هذا الأخيرء ويتولى المخرج نفسه الكلام عنه. 
فيحكي لنا كيف استقدم أباه من مرجعيون 
(التي لم تعد موجودة)» وحين مات دفنه هنا: 
لو دفنّاه في مرجعيون» سيكون آخخر السلالة 
يدفن هناك... هنا في ستراسيورغ هو أول 
السلالة. هكذا ببساطة استوعب نسيم» في 
صمته المعبر» منفاه» استوعب منفى الوطن. 
فنخطا بنا خطوات أخرى مضاعفة على الطريق 
التي سيخطو عليها الآخرون في ما بعد. 

مع نسيمء لم يعد المنفى هاجساً 
ولا احتمالاً ولا خوفاً مرتقباً. صار ما كان 
يجب أن يكوتة: ضار هونا طبيعيا..:موتا 
عادياً. صار النهاية الحتمية التي لا نزاع فيهاء 
لوطن يحترق. 

من هو نسيم؟ بل من هم عبد الله ورزق 


هم تنويعات على شخص واحد: هم 


المخرج نفسه. هم نحن جميعاًء وإن في 
مراحل مختلفة من تطورنا... من هنا اعتبار 


ريا وسكينة 





هذا الفيلم واحداً من أكثر الأفلام التي حققها 
مخرج عربيء ذاتية. 

بيد أن ذاتية الفيلم لم تنبع من معناه فقطء 
من التوليف بين شخصياته؛ من الحوارات» 
أو من العلاقة التركيبية التي تقوم بين المخرج 
والمتفرج. بل تنبع أكثر من هذا من الصورة 
نفسها: باريس/ بروكسيل/ ستراسبورغ؛ لم 
تعد أمكنة موضوعية هئا. صارت مكاناً للذات. 
صورتها كاميرا برهان علوية في ضغطها 
وبرودتهاء في موتنا فيها. 

ولا ننسينّ هنا أن برهان علوية درس 
السينما في بلجيكاء التي قدمت للعالم أفلام 
أندريه دلفوء ولوحات ماغريت وبول دلفوه 
وأغاني جاك بريل... تلك الأماكن التي اختلط 
فيها الموت دائماً بالفراغ. 

بهذا المعنى كانت كاميرا برهان علوية 
بلجيكية إلى أقصى الحدود؛ عكست ما يختمر 
في داخل هذا المخرج من برودة وموت 
وقلق» وهي أمور انعكست أيضاً من خلال لغة 
سينمائية توترت فيها العلاقة دائماً بين الصوت 
والصورة... ونظرت فيها الكاميرا عبر مسافة 
مقابرية إلى مواضيعها: فلم يعد المترو متروه 
ولا الشجرة شجرة ولا النهر نهراً ولا الطريق 
طريقء صارت كلها حواجز ومزالق تمهد 
للكلمة الأخيرة في الفيلم «وأنا عمبموت»» 
بشكل يذكرنا ببعض أقسى اللحظات في فيلم 
البلجيكية الأخرى شانتال آكرمان (رسائل من 
الوطن) حيث لم نر من نيويورك»ء عبر كاميرا 
المخرجة» سوى الفراغ والموت البلجيكي 


5 


دريا وسكينة» 

(19469) 6 د. (أسود وأبيض) 
إخراج: صلاح أبو سيف 
إنتاج: أفلام الهلال 
قصة وسيناريو: نجيب محفوظ؛ صلاح أبو سيف 
تصوير: وحيد فريد 
موسيقى: أحمد صدقي» حسين جنيد 


تمثيل: أنور وجديء فريد شوقيء نجمة إبراهيم» 
زُوزو حمدي الحكيم 
عندما سأل الناقد المصري هاشم النحاس» 
المخرج الراحل صلاح أبو سيف. فيما كان 
يعمل معه على إعداد كتاب حوارات يتناول 
سيئما أبو سيف ككل» عن فيلم «ريا وسكينة» 
هناء وعن «غرابة؛ أن يدخمل الضابط أنور 
وجدي في معركة مع عضو عصابة «الأعور» 
فريد شوقيء ويخرج منها وليس على وجهه 
أو جسمه أو ثيابه أثر لهذه المعركة على رغم 
شراستها بينهماء وكذلك كانت حاله بعد 
معركة يخوضها مع أعضاء العصابة الأربعة 
عند نهاية الفيلم حيث؛ مرة أخرىء تظل ثيابه 
من دون أي تمزق» ولا يبدو على وجهه أو 
أي مكان من جسمه خدش»ء بل يظل محتفظاً 
بأناقته ووسامتهء أجاب أبوسيف: (لأنه 
شخص قويء ولأنني كنت أقدم بطلاً... لذا لم 
أهتم بمسألة الملابس». 
وما هذا الجواب سوى صورة لبعض ما 
كانت تفتقر إليه السينما المصرية» حتى حين 
يقوم بتحقيق أفلامها كبار مبدعيها. إنها مشكلة 


ريا وسكينة 





التفاصيل المغيّبة» مع أن التفاصيل تلعب في 
فن السينما دوراً أساسياً. مشكلة أساسية من 
مشاكل السينماء في ذلك الحين - ودعونا 
من الحين الذي نعيش فيه! -» كانت مشكلة 
التسرع من ناحية» والخضوع لرغبة النجوم في 
أن يظلوا على أناقتهم مهما كانت الظروف؛ من 
ناحية ثانية. ومن هنا ذلك التفاوت الكبير الذي 
نجده بين الرغبات الإبداعية معبراً عنهاء مثلاًء 
فى السيناريو الذي كتبه نجيب محفوظ لهذا 
الفيلم» وفي التجديدات الإخراجية والتعبيرية 
التي سعى صلاح أبو سيف إلى إضفائها 
على الموضوع وعلى الفيلم بالتالي وبين 
المتطلبات الإنتاجية» وخصوصا مطلب إنجاز 
الفيلم بسرعة» ومطلب حضور نجم فيه لأن 
الجمهور لن يشاهد فيلماً من دون نجوم. 

والحقيقة أن رغبة أبو سيف الأولى كانت 
أن يحقق هذا الفيلم من دون نجوم. مكتفياً فيه 
بحضور ممثلين أقوياء. وكان محفوظ كتب 
السيناريو» أصلاًء انطلاقاً من هذا التصور. لكن 
الإنتاج أصر على أن يكون أنور وجدي - نجم 
النجوم في ذلك الحين - بطلاً للفيلم» بل أكثر 
من هذا: أصر الإنتاج على أن يُرسم لأنور 
وجدي دور لم يكن له؛ أصلاء وجود طاغ 
لا في السيناريوء ولا حتى في الحكاية الأصلية 
التي بتي عليها الفيلم. 

وهذاء طبع لأن فيلم «ريا وسكينة» 
كانت له حكاية أصلية مستمدة من سجلات 
البوليس في مدينة الإسكندرية عند بدايات 
القرن العشرين. والحقيقة أن واحدة من النقاط 
المهمة في هذا الفيلم تكمن في كونه اسئقي 


0 


مباشرة من الواقع؛ ولم يكن هذا سائداً في 
السينما المصرية. إذء حتى وإن كان نجيب 
محفوظء الذي أدخله صلاح أبو سيف بنفسه 
عالم كتابة السيناريو» قد تعاون مع أبو سيف 
في كتابة عدد من الأفلام الواقعية قبل ناريا 
وسكيئة؛» وكذلك في إضفاء بعض ملامح 
الواقع على مواضيع بالكاد كانت تتحمل مثل 
هذا الأمر «مغامرات عنتر وعبلة» و«المنتقمة» 
فإن اشتغال الكاتب الكبير والسينمائي المبدع 
الشرطة؛ أو من أخبار الصحف كما بالنسبة 
إلى «الوحش؛ أو «الفتوة». والعملان من 
إخراج أبو سيف وكان لمحفوظ لمساته فيهماء 
كان أمراً نادر الحدوث» ومن هناء كما أشرناء 
تأتي أهمية هذا الفيلم الذي بقي علامة من 
علامات الواقعية في تاريخ السيئما المصرية» 
رغم - وليس بفضل - وجود أنور وجدي 
ودوره المفتعل وثيابه الأنيقة. 

والحقيقة أن صلاح أبو سيف يضعناء 
في هذه المناسبة» على تماس أمر جديد في 
عالم الإعداد لفيلم سينمائي مصري في ذلك 
الحين )١9407(‏ حيث يقول إنه. استعداداً 
لتصوير ذلك الفيلم» وبعد أن عهد بكتابة 
السيناريو إلى نجيب محفوظ واطمأن إلى 
ذلك» راح يحضّر ملفات ويبحث عن وقائع 
لدى محفوظات البوليس» بل إنه ذهب مراراً 
إلى الإسكندرية أثناء التحضير» كى يتجول 
في الحي الذي عاشت فيه المرأتان المرعبتان 
واقترفتا جرائمهماء كما إنه قابل كثراً من 
الذين عاصروهما وعرفوهما. ومن الذين 


ريا وسكينة 





قابلهم أشخاص تعرضت قريبات لهم لإجرام 
ريا وسكيئة وما إلى ذلك. إن هذا التدقيق فى 
التحضير لرسم أجواء الفيلم؛ والذي يكاد 
يذكر - مثلاً - بتدقيق إميل زولاء في التحضير 
لرواياته الواقعية الطبيعية» علماً أن المبدعين 
العربيين كانا معجبين بأدب زولا وأسلوبه. 
وهما كانا اقتبسا فيلم «لك يوم يا ظالم» قبل 
عملهما على ريا وسكينة ما يقول لنا الكثير 
حول جدية تعاملهما مع الفن السابع. ولكن 
بعد كل شيء من هما ريا وسكينة» في الواقع 
التاريخي؟ 

هما مكتهلتان» عاشتا في المدينة البحرية 
المصرية بين نهاية القرن التاسع عشر ويداية 
القرن العشرين؛ وهما إذ وجدتا أن الجريمة خير 
طريق وأسرع وسيلة إلى الثراء» صارتا تخدعان 
نساءً تلتقيانهن في الطريق؛ أو يدلّهن عليهن 
أعوان لهماء فتجذبانهن» بدعاوى مختلفة» 
حتى بيتهماء حيث يتم قتل النساء وسلبهن ما 
يحملن من مصاغ وأموال. طبعاًء نعرف أن هذا 
النوع من الجرائم يحدث كثيراً في مصر وغير 
مصر. لكن الذي جذب صلاح أبو سيف إلى 
هذا الموضوع؛ كان البعد الاجتماعي والطبقي 
له كما يبدو» حتى وإن كان الفيلم طلع من 
بين يديه في نهاية الأمر ‏ وربما لأسباب 
رقابية - فيلماً عن ميتافيزيقا الشرء لاعن 
اجتماعيته. ذلك أن الخلاصة التي يتتهي فيها 
الفيلم» وقق ملاحظة لهاشم النحاس وافق 
عليها أبوسيف على مضضء هي أن الأختين 
الإسكندرانيتين» شريرتان بالفطرة» لا بفعل 
ضغوط المجتمع عليهماء ما يتناقض طبعاً 


>36" 


مع الطابع «الاجتماعي» الذي يقول أبو سيف 


عادة: أنه أراد تبيانه. 
مهما يكن فإن الحكاية كما تسرد في 


الفيلم؛ لا تبدأ مع المجرمتين اللتين يوجد 
قسم خاص بهما في متحف الشرطة المصرية 
في القلعة القاهرية» بل مع الأجواء التي تسود 
الإسكندرية التى» على أية حالء بالكاد تبدو 
شبيهة بالإسكندرية؛ التي تحدث عنها الكتّاب 
والمؤرخون. وعن كونها مدينة تختلط فيها 
الجنسيات والأعراق واللغات عند بدايات 
القرن العشرين. فتلك الأجواء كانت محملة 
بأخبار» تنضخم أحياناً كالإشاعات عن نساء 
يختفين فجأة ولا يتمكن أحد من معرفة أين 
ذهبن أو العثور عليهن. وهذا الجو يدفع إدارة 
الشرطة في المدينة إلى تكليف الضابط أحمد 
بملاحقة القضية للكشف عن ألغازها. فيتنكر 
هذا في ثياب الصيادين» ويطلق على نفسه اسم 
دحروج وينطلق متحرياء حتى يبدأ بارتياد حانة 
يرتادها العاطلون والبحارة. في ذلك الحين 
يلتقي المدعو أمين» وهو يعمل في مجزرة في 
المديئة بغازية حسناء» سرعان ما يجتذبها إلى 
بيت المرأتين ريا وسكينة» اللتين لا توحيان 
أول الأمر بأن ثمة أي غبار على مسلكهما أو 
عيشهما. ومنذ تلك اللحظة تختفي الغازية» 
فيثور اهتمام الضابط أحمد بهذا المنزل وبأمين 

ولاحقاً إذ يجتذب أمين» فتاتين» إحداهما 
أبنة صاحب المجزرة» وتكونان في رفقة الخ 
الصغير لإحداهماء يدرك الأخ هذا ما تتعرض 
له الفتاتان فيهرب حتى يتمكن من إبلاغ 


ريح الأوراس 





الضابط بما يحدث؛ فيستدعي الضابط قوة 
بوليس تحاصر المكان وتشتبك مع حراسه 
والمرأتين في معركة؛ يُقتل فيها أمين» وتنقذ 
الفتاتان ويلقى القبض على القاتلتين. 

من الواضح هنا أن صلاح أبو سيف». 
وبرغم تمسكه بالواقعية» و#زياراته إلى 
الإسكندرية للتحري عن خلفية الموضوع 
كلهة؛ حوّل الحكاية من حكاية المجرمتين 
وضحاياهماء إلى حكاية الضابط وبطولاته. 
غير أن هذاء ومهما كان من شأن إساءته إلى 
الفيلم» يظل أمراً ثانويء إزاء ذلك المناخ الذي 
عرف أبو سيف كيف يرسمه في الفيلم» وإزاء 
ذلك التجديد الذي تمثل بالتقاط الحكاية من 
الشارع لتحويلها فيلماًء ثم ببخاصة التجديد 
فى مجال خلق سينما تستقى أحدائاء مختلفة 
جذرياً عما كان سائداً في السينما المصرية في 
ذلك الحين. 

ولقد تضافر هذا التجديد, مع تقليدية 
الإنتاج وحضور نجوم في الفيلمء لا يقلون 
أهمية عن أنور وجديء برلئتي عبد الحميد 
وسميرة أحمد» وشكري سرحان الذي كان 
في بداياته الواعدة» تضافر كل هذا لخلق عمل 
ناجح جماهيرياً. وانتقالاً من الناحية الفنية» 
ولا سيّما بالنسبة إلى علاقة الجمهور في 
الفيلم» حيث حتى اليوم يمكن لكل من شاهد 
«ريا وسكينة» أو يشاهده؛ أن يؤكد أن حضور 
ممثلتين كبيرتين - هما نجمتان/ مضادتان 
على أية حال هما نجمة ابراهيم وزوزو 
حمدي الحكيمء يبقى في الذاكرة: إذ تلعبان 
دور الأختين المجرمتين» أكثر كثيراً من بقاء 


أنور وجدي فيها. وحين حقق صلاح أبو سيف 
هذا الفيلم» كان يعيش واحدة من أكثر مراحله 
السينمائية واقعية» المرحلة التي شهدت تحقيق 
«لك يوم يا ظالم» و«الأسطى حسن» و«الفتوة» 
و«الوحش» وخصوصاً «شباب امرأة»» وكلها 
أفلام حُقَقَت خلال الخمسينيات من القرن 
العشرين. 


«ريح الأوراس» 





(19455) 6 د. (أسود وأبيض) 
إخراج: محمد لخضر حامينا 
سيناريو: توفيق فارسء. محمد لخضر حامينا 
تصوير: جوفانوقتش 
موسيقى: فيليب آرتوي 
تمثيل: كلثوم, محمد شويخ» حسن الحسني 


عام 1977» كانت الجزائر قد أصبحت» 
منذ سنوات, دولة مستقلة» وكانت ثورتها 
قد انتتصرت بفضل ما سمي يومها تضحيات 
المليون شهيد. خلال السنوات العشر السابقة» 
لم تكن السينما بعيدة من مواكبة الثورة» وغالبً» 
تقريباء من منطلق يقف مع الثورة ويصور 
تضحيات أبناء الجزائر» والظلم الفرنسي. في 
إطار تلك السينما كانت هناك أفلام فرنسية 
وأخرى أوروبية» وكانت ثمة مساهمة أساسية 
من السيئنما العربية (جميلة الجزائرية؛ ليوسف 
شاهين). وكانت هناك أيضاً أفلام حققت 
في الجزائرء ولكن غالبا على يد سينمائيين 
ومناضلين جزائريين وفرنسيين» لكنها كانت 





إمَا أفلاماً قصيرة وإما أفلاماً تسجيلية. لم يكن 
الجزائريون قد خاضواء بعدء تجارب الفيلم 
الروائي الطويل» باستثناء تجربتين» هما فيلم 
أحمد راشدي الطويل الأول «فجر المعذبين» 
وفيلم مصطفى بديع الليل يخاف الشمس». 
ومن هنا حين حقق محمد الأخضر حاميناء 
في عام 1977ء أي في العام التالي لتحقيق 
الفيلمين الآنفين» فيلمه الروائي الطويل الأول 
«ريح الأوراس؟ كان من حقه وحق النقّاد 
والمؤرخين أن يحتفلوا بالفيلم بصفته خطوة 
جبّارة على طريق ولادة سينما جزائرية حقيقية. 

أما بالنسبة إلى حامينا نفسه؛ فإن هذا 
الفيلم سيكون باكورة أعماله الخاصة بعدما 
كان ساعد وشارك في بعض الشرائط من قبل» 
ولا سيّما في إخراج فيلم #ياسميناة (1951) 
لواحد من رواد السينما النضالية الجزائرية: 
جمال الشندرلي. ذلك أن #ريح الأوراس» أتى 
منذ البداية فيلماً متكاملاً» بل إنه وعلى الرغم 
من موضوعه الذي يتناول فصلاً من فصول 
النضال الجزائري ضد المحتل الفرنسي إبّان 
اندلاع الثورة لم يكن من النوع الذي يمكن أن 
ينضوي تحت مسمى (السينما المجاهدة» وهو 
الاسم الذي أطلق حينها على كل ذلك الرهط 
من الأفلام التي كان» حتى النقاد التقدميون 
ينظرون إليها على اعتبار أنها سينما نضالية 
دعائية» ينقسم العالم بالنسبة إليها إلى طيّبين 
(هم الجزائريون دائماً) وأشرار (هم دائماً 
الفرنسيون). 

أمام كاميرا محمد الأخضر حاميئاء فبدلت 
الأمورء وإن لم يكن التبدّل عميقاً بالطبع» 


فالوقت كان لا يزال أبكر من أن يسمح سينمائي 
مرهفء مثل حاميئاء بأن يضع النقاط على 
الحروف وأن يكون أكثر دقة فى خطابه: كما 
سيكون حاله في «وقائع سنين الجمر» الذي 
سيفوز بعد أقل من عقد من السئين ب #السعفة 
الذهبية» في مهرجان «كان) السينمائي. 

إذء في «ريح الأوراس» الذي كانء 
في ذلك الحينء علامة إضافية على إمساك 
الجزائريين بسينماهم وبقضاياهم. بأيديهم» 
بعدما كان الأمر عبئاً على الآخرين. لدينا 
الثورة ولدينا الغضب والعنف وعذاب الشعب 
وحتمية انتصاره؛ ولكن لدينا في الوقت 
نفسه شخصيات فرنسية لا تخلو من طيبة) 
وشخصيات جزائرية لا تخلو من غش وشر. 
ولدينا أيضاً سينما شاعرية» وإن كان رشيد 
بوجدرة: الكاتب المعروف الذي كتب كثيراً 
عن السينما الجزائرية» سيؤكد لنا أنها شاعرية 
على الطريقة السوفياتية» أكثر منها شاعرية ذاتية 
تبتدع طريقة جزائرية. هنا أيضاً كان الوقت 
أبكر من أن يسمح لمحمد الأخضر حاميناء بأن 
يستنبط لغة خاصة بهء حتى وإن كانت تجاربه؛ 
في ريح الأوراس» قد مهّدت طريقه في ذلك 
الاتجاه. 

ثم إن هذا الفيلم» إلى ذلك كله؛ لم يكن 
فيلماً عن «جبهة التحرير الجزائرية» ولا عن 
#المليون شهيد» ولا عن الرجال الذين حملوا 
السلاح ولا عن النساء اللواتي ناضلن كثيراً 
وبوّعي تامء قبل الانتصار وخحيبات الأمل كما 
تصورهما آسيا جبار في فيلمها اللاحق «انوبة 
نساء جبل شنوة». «ريح الأوراس؟ هوء بكل 


ريح الأوراس 





بساطة عن الطبيعة والحق» عما يقف خلف 
النضالء عن امرأة ثم بعد هذا كله عن الشعب 
الذي هو #عصب الثورة6 كما كان يقول واحد 
من شعارات جبهة التحرير الوطنية الجزائرية» 
في ذلك الحين. 

فى الأساس إِذأَء هناك الثورة والمرأة. 
والحقيقة أن لين قمة من زابط بين هاتينة 
سوى الشاب المدعو الأخضرء الذي هو من 
ناحية ابن المرأة (قامت بالدور الفنانة كلثوم 
في شكل رائع» من دون أن يكون لها أي اسم 
محدد في الفيلم)» ومن ناحية ثانية» العامل 
مع الثوار إذ اعتاد أن يوصل إليهم» وهم في 
مكامنهم في أعالي الجبال يقارعون الفرنسيين» 
مؤنا وحاجات مختلفة. 

وهذا كله سنعرفه بالتدريجء إذ أولاً» وكما 
يقترح علينا المخرج (الذي كتب سيناريو 
الفيلم بنفسه مع زميله توفيق فارس)» كان علينا 
أن نتمعن في تلك المنطقة في جبال الأوراس؛ 
حيث منذ اللقطات الأولى» تبدو الطبيعة 
ملتحمة بالبشر تشكل معهم كلاً واحداً. 
ويختار الفيلم من بين هؤلاء البشرء ثلاثة 
يشكلون عائلة ريفية تعمل في الزراعة: أب 


وزوجته وابنه. وهذا الابن هو الذي يقوم نهارا 


بمهماته الزراعية فيما يوصلء ليلآء ما يحتاج 
إليه المناضلون. وذات يوم تقصف الطائرات 
الفرنسية المنطقة فيقتل الأب. وعقب ذلك 
يعتقل الفرتسيون الشابء الأخضرء ويرمونه 
في معسكر اعتقال. 

ثانياء وعلى هذا النحوء تصبح الأم 
(كلئوم)»؛ محور الفيلم» في رواحها وغدُوها 


يمينا 


من معسكر إلى معسكرء ومن معتقل إلى 


آخرء بحثاً عن ابنها. إنها تريد استرجاعه مهما 


كلفها الأمرء وهذه الفكرة تلح عليها طبعاً حد 
الجنون. تسأل المزارعين» تستجدي الضباط 
الفرنسيين: تجابه الثوار... ولكن لا أحد من 
هؤلاء جميعاً عنده الجواب. لا أحد يعرف أين 
هو الشاب. 

وثالثا» إن هذا البحث الدؤوب والملحاح» 
هو الذي يصبح هنا موضوع الفيلم؛ أكثز مما 
هو الشورة موضوعه. ذلك أن المخرج ربط 
حركة الأم وتجوالهاء الذي راح يزداد حزناً 
وصعوبة يوماً بعد يوم» بحركة الطبيعة» توقعاً 
لمجيء تلك الرياح العاتية التي ستسيطر على 
القسم الأخير من الفيلم؛ وتكاد تصبح هي 
السد العنيف في وجه حركة الأمء والتي تضبط 
إيقاع الفيلم في نهاية الأمرء بل تنهي الفيلم» في 
واحد من المشاهد الرائعة في تاريخ هذا النوع 
من السينماء من منطلق أن النهاية هذه تبدو 
هنا سوداء حزينة؛ بدلاً من أن تكون تفاؤلية 
وبسذاجة غالباً كما اعتادت نهايات الأفلام 
النضالية أن تكون. ففي المشهد الأخير هذاء 
ووسط عصف الرياحء تقع الأم ميتة وسط 
الغبار ووسط الاندماج بالتراب. 

قبل ذلك كانت الأم» في قفزة حياة أخيرة» 
قد عثرت على ابئها وباتت واثقة من أنه سيعود 
إلى حريته» وبالتالي إلى الحياة» من دون تأخير. 
وهو أكد لها هذاء طالباً منها الآن أن تسبقه إلى 
البيت وسيتبعها سريعاً. بالنسبة إليهاء حققت ما 
كانت ترجوه وما شغل زمنها الأخير وبالتالي 
لم يعد لديها من مهمة. فلتسترح أخيراً. أما 


ريح السد 





راحتها هنا فليست شيئاً آخر سوى الموت. 
غير أن هذا الموت» كما صوّره حامينا وهذا 
هو الجانب الذي يعادل القوة السوداوية التي 
تنهي الفيلم ليس موتاً مأسوياء بل هو أقرب 
إلى أن يكون امتزاجاً بالتراب» وزواجاً مع 
الطبيعة؛ بعد الاطمئنان على مصير من سيكمل 
المسيرة (الابن). وهذا البعد المفتوح (بل ريما 
التفاؤلي أيضاً)» عبّر عنه حاميناء فى الشكل 
الذي أعطاه للقطة حيث يصعب علينا بداية 
أن ندرك أن هذا «الشيء» المكوّم فوق التراب 
والتربة ممتزجاً بهماء هو الأم؛ لكننا بالتدريج 
ندرك هذاء ولا نضيق به. انه انتصار الأرض 
بإنسانيتهاء يكاد حامينا أن يقول لنا. 

لا بد هنا من الإشارة إلى أن هذا الفيلم» 
الذي حقق انتصارات كبيرة حين عرض في 
مناسبات. ومهرجانات سينمائية عدة خارج 
الجزائر (وفي مهرجان 3كان» بخاصة). لم يلق 
كبير نجاح حين عرض تجارياً في الصالات 
الجزائرية. ومع هذاء فإن ردود الفعل الويجابية 
(أو السلبية) عليه كانت كافية لبدء انطلاقة 
محمد الأخضر حامينا (مواليد )١954٠‏ ليصبح 
لاحقاً واحداً من كبار السينمائيين الجزائريين 
والأفارقة بشكل عام. وهو بدأ حياته تلميذاً 
فاشلاً مشاكساء ثم حين بلغ الشباب ذهب في 
منحة إلى براغ حيث درس السينما (ومن هنا 
بداياته الموصوفة ب #السوفياتية؛) ثم توجه إلى 
تونس حيث عمل في مهن سينمائية متنوعة. 
وفي التصوير ومساعدة المخرج بخاصة. حتى 
كانت بدايته الحقيقية مع «ريح الأوراس»» 
الذي تلته أفلام عدة» أشهرها طبعاً «وقائع 


سئين الجمر» 2)١191/6(‏ إضافة إلى «الصورة 





الأخيرة» (1947). 

«ريح السد» 

45 4 د.(ألوان) 

إخراج: نوري بوزيد 

سيناريو: نوري بوزيد 

تصوير: يوسف بن يوسف 

موسيقى: صالح المهدي 

تمثيل: خالد الكسوري» عماد معلال» 
منى نور الدين 


لم يكن نوري بوزيد معروفاً في أجواء 
السينما العربية؛ حين عرض فيلمه الأول هذا 
ليثير شتى أنواع الصخب من فوره: الصخب 
الإيجابي أول من ناحية بفضل فوزه بجائزة 
الطانيت الذهبي في مهرجان قرطاجء وثانياً 
لكونه حاول أن يتبع خطى كان سار فيها 
من قبله يوسف شاهين (على الأقل في 
«إسكندرية ليه؟») ومحمد ملص (في «أحلام 
المدينة»)» في مجال جعل الفيلم السينمائي 
عملاً ذاتياًء يتتمي بصورة أو أخرى إلى ذات 
المبدع» أو بعض ذاته. والصخب السلبي بعد 
ذلك؛ من جراء جرأة الفيلم غير المعهودة في 
التعاطي مع بعض الأمور الأكثر #حميمية) 
كالمثلية الجنسية واغتصاب الطفولة» وسلطة 
الأب» كما من جراء التقديم الإيجابي 
لشخصية يهودي عجوزء حتى وإن كان هذا 
اليهودي الذي صوره نوري بوزيد بكثير من 


ريح السد 





التعاطف يؤكد حبه لتونس وعدم رغبته في 
مبارحتهاء كما فعل غيره من اليهود والتوانسة» 
لا إلى إسرائيل ولا حتى إلى فرنسا. فالحقيقة 
أن وجود مثل هذه الشخصية في الفيلم لم يرق 
النقاد العرب واعتبروه - ولو ضمنياً - جزعاً 
من «مؤامرة صهيونية؛ تستكمل هزيمة |١951‏ 

مهما يكنء نحن اليوم بعيدون جداً من 
ذلك الزمن الذي كان يسهل فيه اتخاذ مثل 
هذه المواقف. حتى وإن كان الفيلم لا يزال 
يثير سجالاته حتى اليوم. غير أن السجالات 
تبدو دائماً عابرة» أما الفيلم فياقٍ ويعتبر 
أحد الأعمال الكبرى الأساسية في التجديد 
السينمائي العربي. كما يعتبرء بالتأكيد: الخطوة 
الأولى التي خطاها مخرجه/ مؤلفه» على طريق 
صنع فن سينمائي دائم القوة - مع تفاوت بين 
فيلم وآخر -» دائم المشاكسة: ودائم التأسيس 
لسينما تجرؤ دائماً على قول الكلام الضده 
وتقديم المواضيع الشائكة. 

والموضوع الأساس الشائك هنا في 
«ريح السد»» موضوع اغتصاب الطفولة 
المسكوت عنه في المجتمعات المتخلفة. 
فهاشميء الشخصية المحورية هنا يظل ساكتاً 
على اغتصابه من قبل من كُلف بتعليمه مهنة 
التجارة منذ كان طفلأء حتى اليوم الذي يجد 
نفسه فيه» وقد أضحى شاباً يجدر به أن يكوّن 
عائلة» مرغماً على الزواج. هنا أمام عجزه 
تنفجر ذاكرته؛ ويستعيد وقائع طفولته وما 
حدث له؛ ما يسبب نزاعاً مع أبيه» الذي بصمته 
ربما هو الآخرء ورفضه محاججات ابنه» يبدو 
متواطئاً مع ذلك المغتصب الأول؛ وكأنهما 


معاً اغتصبا طفولة هاشمي وبراءته؛ ما يذكّرنا 
هنا طبعاً بما هو مماثل لهذا في فيلم اعرس 
الجليل» لميشيل خليفيء الذي ظهر بعد #ريح 
السدة بعام» ومائل مثله؛ وإن ضمنياًء بين الأب 
(المختار) والسلطة (سلطة الاحتلال في الفيلم 
الفلسطيني)» في عملية الخصي التي طاولت 
الشاب. ومن الواضح في الحالين - أي في 
الفيلمين - أن المدان إنما هو تلك السلطة 
الداخلية ‏ الأب التى لولا وجودها ولولا 
تسلطها القمعي لما كان للدكتاتور الكبير - أي 
المغتصب المباشرء الخارجي - وجود. 

هنا بالتحديد كمنت قوة الخطاب في فيلم 
نوري بوزيده كما في فيلم ميشيل خليفي. لكن 
هذا لم يكن كل شيء. إذ في الفيلم التونسي 
عرف بوزيد كيف يشتغل على لغة سينمائية 
تتحرك مكوكياً بين الماضي والحاضرء 
وبين لحظات الحنان ولحظات التمزق» 
كما عرف كيف يمكن متفرجه - القادر على 
التوغل في ذهنية الفيلم - من التعاطف مع 
شخصيات - شخصيتين على الأقل ‏ اعتادت 
السينما العربية الأخرى تقديمها على سبيل 
الهزء أو الإدانة. 

هنا نقل بوزيد شخصية فيلمه الأساسية» 
كي نكتفي بالحديث عنها هناء من هامش 
المجتمع إلى نقطة المركز منه. ولم يكن هذا 
النقل من الأمور المستحبة طبعاً بالنسبة إلى 
أنصار السينما السائدة» أو حتى بالنسبة إلى 
أصحاب القبضات المرفوعة المستعدة دائماء 
بحيث حول الفيلم لفترة طويلة من الزمن» إلى 
فيلم ملعون» قبل أن يعود لاحقاً ويستقر في 


زائر الفجر 





مكانته كواحد من الأفلام التي تشتعل تغييراً في 
الذهنيات. 


«زائر الفجر» 





(ه/ا1و١)‏ 6 د. (ألوان) 
إخراج: ممدوح شكري 
قصة وسيناريو وحوار: رفيق الصبان» 

ممدوح شكري 
تصوير: رمسيس مرزوق 
موسيقى: ابراهيم حجاج 
تمثيل: ماجدة الخطيب, عزت العلايلي» 

شكري سرحان 


كانت تلك مرحلة من تاريخ السيئما 
المصرية» فتحت فيها الأبواب واسعة أمام 
الاحتجاج على ممارسات سابقة كانت سائدة 
أيام حكم ما راح يسمى #مراكز القوى)؛ 
ولا سيّما منها أجهزة الاستخبارات القمعية 
التي» منذ هزيمة ١4717‏ قبل سئوات كانت قد 
بدأت تعتبر بممارساتها القمعية» واحداً من 
أسباب الهزيمة. 

ومع هذاء رغم أن نظام الرئيس السادات 
كان من مصلحته ومن دأبه «تشجيع؟ هذا 
تتكائر» لم يكن من السهل على السلطات 
أن تقبل جرأة هذا الفيلم فمنعته من العرض 
لسنوات طويلة. ومن هنا تُظر إليه كفيلم 
«أسطوري؟ فريد من توعه وجرأته في السينما 
المصرية. 


516 


والحقيقة أن العمل في حد ذاته لم يكن 
بعيداً من هذا التقييم» ولا سيّما بالنسبة 
إلى الذين حققوه وساهموا فيه. فهو مكن 
ممدوح شكري من أن يجعل لنفسه اسما 
كبيراً رافقه حتى رحيله؛ إنما كمخرج لفيلم 
واحد كبيرء بغض النظر عما كان حققه قبله. 
كما مكن ماجدة الخطيب من أن تلعب أفضل 
أدوارهاء والبطولة المطلقة الوحيدة الكبيرة 
في تاريخها. 

أما بالنسبة إلى كاتب السيناريو رفيق 
الصبان؛ فإنه أدخل اسمه بهذا الفيلم في حلقة 
أفضل كتّاب سيناريو الفيلم السياسي في مصر 
في ذلك الحين على الأقل. 

ومع هذا فإن الموضوع لم يكن جديداً» 
وهويشبه #ما يحدث؛ في أفلام عديدة 
مشابهة: ما يحدث هنا هو أن صحافية يسارية 
شابة تدعى نادية الشريف». اشتهرت بمواقفها 
الثورية» وجدت مقتولة ذات يوم في شقتها 
الأنيقة. وعلى الفور يكلف وكيل النيابة الشاب 
بالتحقيق في سبب الوفاة: هل هي جنائية؟ ومن 
خلال هذا التحقيق يبدأ وكيل النيابة بالبحث 
في ماضي نادية الشريف. وفي حياة وتصرفات 
العديد من الشخصيات التي كانت على ارتباط 
بهاء ويمكن أن يكون لكل منها واقع ماء لقتلهاء 
بدءاً من زوجها السابق» الطبيب المناصر 
للنظام والذي تركته بسبب مواقفها المناهمضة 
لهذا النظام» وصولا إلى صديقها الرسام 
تجاوزت مقالاتها ما يمكن للنظام أن يسمح 


الزمن الباقي 


به ما تسبب في دخولها السجن» وصديقتهاء 
زوجة شهيد حرب 2191/7 وقريبتها سيدة 
المجتمع ذات السمعة المريبة» إضافة إلى 
أشخاص عديدين آخرين عرفتهم. 

غير أن المهم هناء أكثر مما يتعلق بقضية 
نادية الشريف ومن قتلهاء هو انعكاس ذلك 
التحقيق على المحقق نفسه. فهو بعدما 
كان أول الأمر قد دخل مهمته بأفكار بسيطة 
وحماسة كبيرة لكشف غوامض قضية جنائية» 
هاهو الآن يكتشفه. من خلال تحقيقاته 
ومقابلاته مع كل هؤلاء الأشخاص وغيرهم» 
حقيقة هذا النظام الذي يخدمه. والفساد الذي 
يتآكل كل المجتمع الذي يعيش فيه بدءا 
من أدنى درجات السلم وصولاً إلى أعلى 
مستويات الأجهزة السلطوية» ومن هنا يخرج 
المحقق باستنتاج بسيط فحواه التساؤل: 
كيف يمكننا أن نصل إلى أية حقيقة وسط هذا 
الواقع الموبوء؟ والجواب: إننا في حاجة إلى 
تغييره... ولكن كيف؟ 

وعن هذا الفيلم كتب الناقد رفيق الصبان» 
وهو المشارك في كتابة السيناريو: «زائر الفجر 
بصفته أول فيلم يفضح دور رجال المخابرات 
وتأئيرهم المخيف في الحياة الثقافية في 
مصرء كان الضحية التي قدمتها الرقابة قربانا 
للحريات التي اندلعت كثيراً بعد هذا الفيلم 
الذي منعته الرقابة زمناً طويلاً (عرض بعد وفاة 
مخرجه)» ثم سمحت بعرضه بعد أن اقتطعت 
عشرين دقيقة منه. ولكن هذه الظروف الأليمة 
التي أحاطت بهء جعلته فيلماً رمزاً دخل تاريخ 
السينما المصرية من بابها العريض». 


51١ 


«الزمن الباقي» 





)0.9 84 د.(ألوان) 
إخراج: إيليا سليمان 
سيناريو: إيليا سليمان 
تصوير: مارك أندريه باتني 
موسيقى: ماثيو سيبوني 


تمثيل: إيليا سليمان علي سليمان» صالح بكري 


يتألف فيلم إيليا سليمان هذا من مقدمة 
وقسمين. عنوان الفيلم؛ «الزمن الباقي؛» لكن 
له استكمالاً ينساه كثر هو اسيرة الحاضر 
الغائب6. في المقدمة القصيرة للفيلم والتي 
لن تبدو علاقتها به إلا لاحقاء هذا إذا تذكرها 
أحد أمام زخحم قسمي الفيلم وكثافة صوره 
و#مواضيعه»» نرى شخصا يفتح صندوق 
سيارة ويضع حقيبة سفر ثم يغلق الصندوق. 
نرى المشهد من داخل السيارة» ثم ننتقل إلى 
السائق الذي يتخذ مكانه وهو يثرثر كمن يكلم 
نفسه. إنه يكلم نفسه بالأحرى... بالعبرية... 
نفهم أنه سائق السيارة وأن العاصفة الرعدية 
والشتائية التي تغمره وسيارته استثنائية. نفهم 
حين يتكلم عبر هاتفه الخليوي أنه لا يعرف 
طريقه. شبه ضائع. هو ليس من هذا المكان. 
يثرئر» يشكوء يغضب. في أثناء ذلك نلمح في 
المقعد الخلفي للسيارة وجهاً جامداً يلمع 
شيء من الضوء في نظارة طبية تغطي عينيه. 
نكاد لا ندرك أن ثمة شخصاً جالساً هناك حقاً. 
فهو لا يتفوه بكلمة. لا يجيب كما لو أن كل 
ما يقوله السائق لا يعنيه. منطقياً هو صاحب 


الزمن الباقي 





حقيبة السفر والسائق سائق سيارة أجرة. منطقياً 
السائق يتحدث إليه. لكن ثمة ما يقول لنا إنه 
يكاد ينعدم وجود السائق. مرة واحدة» وسط 
عشرات الجمل والعبارات يبدو السائق وكأنه 
يتحدث إليه. لكن هذا غير مؤكد. أما نحن 
المتفرجينء فإن في إمكاننا أن ندرك ‏ إن أمعنًا 
النظر وكنا من متفرجي سينما إيليا سليمان 
المعتادين» أن الجالس في الخلف لا يبدو منه 
سوى وجهه... تلميحاء هو إيليا سليمان نفسه. 
محدقاً كعادته» صامتاً كعادته» مالكاً زمام 
فيلمه كعادته» سلبياً كعادته أمام إعلان السائق 
انه ليس من هذا المكان ولا يعرف الطريق. 
8 ى أوّلْسنا أمام اليهودي «التائه؛ والفلسطيني 
«اللامرئي»؟ 

ليس صدفة أن يستهل إيليا سليمان فيلمه 
الجديد, بهذا التمهيد» الذي سيحمل مضمون 
الفيلم كله بعد ذلك. وربما سيبرر عنوانه 
الثانوي #سيرة الحاضر الغائب». ومع هذا 
فإنناء وإلى حد ماء لسنا في هذا الفيلم أمام ما 
يمكننا اعتباره سيرة إيليا سليمان. بالأحرى 
نحن أمام سيرة أبيه فؤاد سليمان» وربما أيضاً 
سيرة فلسطين من خلال سيرة فؤاد سليمان. 
ونحن كنا شاهدنا هذا الأخير فى الفيلمين 
السابقين لإيليا سليمان: «سجل اختفاءة ولايد 
إلهية»؛ لكننا في الفيلمين رأيناه من خلال ابنه 
وقد أصبح رجلاً وعاد إلى فلسطينء في الفيلم 
الأول كي يحقق فيلماً لن يحققه أبداً - بل 
ريما كان «الزمن الباقي» نفسه -؛ وفي الثاني» 
عاد ليشهد نهاية أبيه وما آلت إليه فلسطين. 
وفي طريقنا آنذاك كنا أيضاً شاهدنا أمه. 


51 


لكن الأساس كان الزمن الراهن زمن تصوير 
الفيلمين؛ والوالدين في آخر حياتهما. 

هذه المرة تتبدل الأمور. وإذا كان إيليا 
سليمان قسّم «الزمن الباقي» قسمين» فإنما كي 
يعيدناء مرة» إلى ما قبل #سجل اختفاء» ويد 
إلهية»» ثم مرة أخرى إلى ما بعدهما. ذلك 
أن الأب الذي رأيناه نائماً وزوجته على كنبة 
الصالون في اللقطة الأخيرة من #سجل اختفاء» 
أمام شاشة إسرائيلية تبث نشيداً وطنياً لا يبالي 
به أحدء والذي شاهدناه مريراً غاضباً يشتم 
الكل ويدخخل المستشفى في «يد إلهية»؛ هو 
إنسان له تاريخ. واحد من سكان الناصرة الذين 
بصعوبة رضوا أن يلقوا السلاح حين خسر 
العرب فلسطين عام .١1944‏ وهذا التاريخ عثر 
عليه ابنه إيليا في يوميات كتبها الأب. وعلى 
هذا النحوء عاد إيليا سليمان ستين عاماء أو 
نحو ذلكء إلى الوراء ليستحضر تاريخ تلك 
الخسارة. وانطلاقاً منهاء ما تبقى من سيرة 
الأبء وبالتالي سيرة العائلة... وأيضاء طبعاء 
سيرة إيليا الصغير؛ الطفل الذي كان في أساس 
إيلياء الكبير» الذي صار المخرج الذي سيعود 
في القسم الثاني من الفيلم ليشهد موت أمه 
هذه المرة. 

هكذا إذا» اختتم سليمان القسم الأول من 
«الزمن الباقي» بموت أبيه» في مشهد مدهش» 
أمام باب الصيدلية. بينما اختتم حياة أمه في 
نهاية القسم الثاني ونهاية الفيلم بالتالي. وفي 
الحالين كان هو هناك» شاهداً على الموتين. 
إنما شاهد صامتء شاهد غير مرئي» تماماً كما 
حاله في سيارة الأجرة أول الفيلم. 


الزمن الباقي 





وإذا كان سليمان قد قسم فيلمه قسمين: 
أولهما تاريخي والثاني ينتمي - تقريباً - إلى 
الزمن الراهن؛ فإنه - كذلك ‏ اتبع في لغته 
السينمائية» أسلوبين يمكن الافتراض أن 
الموضوع والفارق الزمني بين التاريخين 
اللذين أراد تصويرهماء هما ما تحكم فيهما. 
وكانت التتيجة أن كلاً من القسمين بدا للوهلة 
الأولى وكأنه فيلم في حد ذاته ‏ من هنا لم 
يكن غريباً أن ينقسم بعض جمهور الفيلم في 
«كان» بين فريق فضّل ما اعتبره «كلاسيكية 
القسم الأول السردية»» وفريق آخر فصل 
لغة إيليا سليمان المتشظية والتي تقرب من 
السينما الصامتة» ما برر بالنسبة إلى هواة 
السيئما الأكثر تعمقاً الإمعان في الحديث عن 
مرجعية سينمائية أساسية في الفيلم» في أداء 
إيليا سليمان على الأقل» نعود إلى باستر كيتون 
وجاك تاتي مجتمعين - في القسم الأول» 
ولكن من دون أن يبتعد المخرج كثيراً عن 
أسلوبه الساخر» وتقشفه اللغوي» قدم سيرة 
لفلسطين ولوالده» قدم حكاية الحرب وتأسيس 
إسرائيل وتوهان الجيوش العربية واستسلام 
الأعيان» وهجرة السكان» ورضوخ البعض 
الآخر للأمر الواقع. قدم المجازر الصهيونية» 
والقمع اليومي وتهويد الدراسة» والمتعاونين 
ورافضي التعاون. قدم الأحلام الخائبة»؛ وحزن 
أبيه الدائم والبيوت الخالية من أهل هجروهاء 
والعمدة يوقع وثيقة الاستسلام. وقدم قصص 
الحب المنتهية» والأمر الواقع وبدايات تحول 
«عرب إسرائيل؟ إلى مواطنين ينشد أطفالهم 
الأناشيد الممجدة لدولة إسرائيل... كل هذا 


انض 


قدمه بلغته التراكمية» كما قدم في طريقه بداياته 
هو الشخصية؛ كطفل لا يتوقف مدير المدرسة 
عن تأنيبه لقوله الدائم إن «أمريكا إمبريالية»» 
وكمراهق تتجلى آيات الرفض التمردي 
عنده باكرأًء ثم كتلميذ يعيش بداية علاقته مع 
السيتما - من خلال مشهد من «سبارتاكوس» 
لستانلي كوبريك يعرض في المدرسة ويحمل 
كل دلالاته -. 

نحن هنا في هذا القسم. إذأ» أمام سيرة 
مثلثة: سيرة فلسطين وهي تتحول تدريجاً إلى 
إسرائيل» والفلسطيني وهو يتحول تدريجا 
إلى عرب 1548» باعتذارية أحياناً الشرطي» 
ومن دون اعتذارية أحياناً أخرى» مع إطلالة 
وأخيراً سيرة صمت الأب فؤاد سليمان المرير 
غالبا أو ثرثرة الجار الذي لا يتوقف عن ابتكار 
الحلول للقضية والقضاء على إسرائيل من 
ناحية أخرى. 

وكما قلنا ينتهي هذا القسم بموت فؤاد 
سليمان. ليفتح هذا الموت على القسم 
الثاني» بعد أن يكون إيليا سليمان زرع القسم 
«التاريخي» بإشارات دالة إلى الأحداث 
الجسام؛ بما في ذلك موت الرئيس جمال 
عبدالناصر» وصعود المقاومة» ثم الانتفاضات 
وشتى أنواع المقاومات الصاخبة أو المكتومة 
رائع هنا مشهد الدبابة الإسرائيلية تلاحق 
بفوهتهاء عن بعد مترين أو ثلاثة شاباً فلسطينياً 
يتكلم في هاتفه الخليوي غير مبال بها... وهذه 
الإشارات تيدو لنا هنا عابرة لقسمي الفيلم» 
إنما من دون أن تلعب دوراً أساساً في تحديد 


الزمن الباقي 





مسار ابطله؟ الذي يعود في القسم الثاني منه 
ليواكب هذه المرة أيام أمه الأخيرة وموتها. 

هذا القسم الثاني من «الزمن الباقي؟؛ 
يعيدناء طبعاً: إلى «سجل اختفاء» كما إلى 
«يد إلهية»؛ ليس في الموضوع فقطء ولكن 
كذلك في اللغة السينمائية. ويهيمن عليه بقوة 
وجود إيليا سليمان» في دور إ. س. الحاضر 
في كل لقطة ومشهد تقريباء إنما صامت 
كعادته لا يتفوه بكلمة. إنه يراقب الأحداث» 
يتابع حركة التاريخ» يرصد تغيرات أمه 
وحنينها لأبيه. صمتها. عزلتها. عجزها إلا عن 
الذكريات. 

ولثن كان إن يليا سليمان في القسم الأول من 
الفيلم» قد استخدم أغنيات عربية خصوصاً 
مصرية ولبنانية» شائعة ومعروفة كوسيلة 
لتحديد: من ناحية التعلق الأبدي للفلسطينيين 
بالجوار العربي وثقافته وروحه على رغم كل 
ما جرى السعي إليه من «تهويدة الفلسطينيين» 
ومن ناحية ثانية» تحديد الإشارات التاريخية 
وارتباط الغناء بالأحداث المتعاقية» فإن الغناء 
صار ينحو في القسم الثاني من الفيلم إلى 
تحديدات أكثر جوانية وشعورية. ولعل من 
أروع الأمثلة على هذا المشهد الذي يتأمل 
فيه إ. س. أمه جالسة على الشرفة تحدق في 
صورة بين يديها سيكتشف لاحقاً أنها صورة 
لأبيه - زوجها - فؤادء وهو في الجلسة نفسها 
المطلة على مديئة الناصرة.... إنها لا تراه... 
كما أن أحداً لا يراه على الأرجح يخرج إلى 
الشرفة حاملاً آلة تسجيلء أو راديوء يديره على 
موسيقى أغنية. يصدح اللحن... فنلاحظ قدم 


5331 


الأم؛ الصامتة دائمأء السلبية أبدأ» تبدأ بالدق 
على إيقاع تلك الأغنية. 

كعادته هناء لم يستخدم إيليا سليمان 
الموسيقى والغناء كزينة» أو دالّ أيديولوجي 
استخدمهما فقط كجزء من حياة شخصياته. 
وكذلك لا بد من القولهناء إنه كعادته 
أيضاً استخدم لغة التكرار ‏ التي يتقنها 
جيداً بين فيلم وآخرء وكذلك داخخل الفيلم 
نفسه - كإشارة إلى رتابة الزمن... الزمن الذي 
لا يبقى منه سوى ذكرياته؛ وصمته. الصمت 
الذي هو كما يلوح لنا مرة أخرى في «الزمن 
الباقي» الفن الذي يتقنه المخرج إيليا سليمان 
أكثر من أي فن آخر. فهوء في هذا الصمت 
وعبره «ايقولة كل ما يريد قوله. كل ما لا بد 
من قوله. لكنه يقول طفولة السينما أيضاً. ترى 
أفليس ثمة بين مؤرخي السينما الكبار من 
كانوا يرون أن السيئما الصامتة تعبر أكثر عن 
الحياة؛ من السيئنما الناطقة؟ ونعود هنا إلى 
المشهد الأول - المقدمة - لنتساءل: ترى أفلم 
يكن صمت إ. س. فيهاء أبلغ من ثرثرة سائق 
السيارة؟ 

بالصمت» أو من دوئه» قدم إيليا سليمان» 
هذه المرة أيضاًء عملاً سينمائياً كبيرأء قد 
يرى البعض فيه قسطأ كبيراً من النرجسية 
وتكراراً حتى فى مشاهد «نقلت؟ بأكملها من 
فيلميه السابقين» ومع هذا لا بد من القول 
إنها #النرجبية؟ التي تقول حول الواقم 
الموضوعي ‏ واستطراداً حول التاريخ 
المغدور ‏ أضعاف أضعاف ما يمكن كل 
الفصاحة الأيديولوجية وثرثرة الشعارات 


زنار النار 





الوطنية أن تقوله. وفي يقيننا أن إيليا سليمان» 
أكد هنا من جديد» في فيلم ثالث يستكمل 
ما سيعرف من الآن وصاعداً ب «الثلاثية» أن 
السينماء حين تكون قوية وجميلة ومدهشة: 
يمكنها أن «تخدم؛ الخطاب الذي تريد أن تعبر 
عنه» ألف مرة أكثر مما في امكان القبضات 
المرفوعة أن تقول. ومن لا يصدق هذاء يمكنه 
أن يقرأ ما الذي كتبء بشتى لغات العالم عن 
فلسطين... انطلاقاً من سينما إيليا سليمان... 





«زئار التار» 
افييقية 6 د. (ألوان) 
إخراج: بهيج حجيج 
سيناريو: بهيج حجيج 
قصة: رشيد الضعيف («المستبدة) 
تصوير: ماكسيم هيرو 
موسيقى: فانشي كالندريان 
تمثيل: نداء واكيم» حسن فرحات» 
برناديت حريب 


في أواخر عام ٠٠١1“‏ كان موعد المتفرجين 
مع ما اعتقدوه يومها «آخر العنقود» بين هذه 
الأفلام: فيلم #زنار النارة للمخرج بهيج حجيج 
الذي قدم هنا تجربته الروائية الطويلة الأولى 
فتأخراً نحو عقدين عن ركب رفاقه المؤسسين 
الذين» مع هذاء كانت بداياته معهم, منذ العودة 
من فرنسا (أواسط السبعينيات) مروراً بتجربة 
الاحتجاج ضد مهرجان السينما الفرانكوفونية 
(بيت مري )١977‏ وتجربة النادي السينمائي 


>” 


العربي. طبعاً لن يكون من الصعب على بهبج 
حجيج أن يفسر سبب هذا التأخير. غير أن 
التتيجة التي تمخض عنها (زنار النار؛ ستعفيه 
من هذاء فهو بعد كل شيء - فيلم يبرر 
تأخيره حتى ولو بدا هو نفسه في موضوعه 
ولغته متأخراً عقدين بدوره. مهما يكن فإنه 
فيلم له من الشفافية ما يكفيه لأن يفسر مبدأ 
أنك إن تأتي متأخرأء خير من ألا تأتي أبداً. 
ذلك أن الملاحظة الأولية التي يخرج بها 
المرء من مشاهدة هذا الفيلم هي أنه أتى 
ليلخص - أو يكاد ‏ كل الأفلام التي حققت 
حتى عرضه عن الحرب اللبنانية» يستفيد من 
أخطائهاء يسير على خطاها في الوقت الذي 
يسعى إلى تجاوزها حقاً. 

لكن الأهم من هذا هو ذلك الانطباع الذي 
يتركه الفيلم عند المتفرج المعني: انطباع أنه 
فيلم يقفل» من قلب الحرب وآلامها وعبئثيتهاء 
دائرة الحرب التي كان «بيروت يا بيروت» قد 
فتحها من خارج الحرب. 

صحيح أن هذا الكلام قد يبدو عبثياً للوهلة 
الأولى» طالما أن واقع الفيلمين يقول لنا إن 
بيروت يا بيروت»» ليس فيلماً عن الحرب 
اللبنانية» فيما نعرف أن «زنار النار» فيلم عنها. 
ولكن ماذا لو كان المنطق التناقضي هنا هو 
المنطق السليم؟ ماذا لو كان «زنار النار» هو 
أول فيلم عن الحرب اللبنانية يعلن بوضوح 
عدم افتتانه بالحربء وبالتالي وقوفه تماما 
خارج هذه الحرب؟ 

يقيناً أن ثمة من عناصر الضعف داخل 


الفيلم ما قد يؤديء خطأء إلى عكس هذا 


زنار النار 





الاستنتاج. ويقيئاً أن المرء لكي يصل إلى هذا 
الاستنتاج يكون عليه؛ أولاًء أن يعرف عن كثب 
رواية رشيد الضعيف: المستبد؛ التي اقتبس 
منها بهيج حجيج موضوع فيلمه؛ مع شيء 
من التصرف. وعليه بالتالي أن يدرك الفارق 
الجذري بين شخصية بطل الفيلم» الأستاذ 
الجامعي» وشخصية بطل الرواية كما صورها 
قلم رشيد الضعيف. ذلك أن البطل الهاذي 
الساخر القلق العابث الذي كان الضعيف 
في «المستبد» قد جعل منه واحدة من أغرب 
(وبالتالي أصدق) الشخصيات الروائية في 
الأدب اللبناني الجديد. تحول لدى بهيج 
حجيج إلى بطل تراجيدي يدنو من مارسو بطل 
«غريب» كامو في الوقت الذي كان يتوجب 
عليه أن يكون أكثر دنواً في «ك.؛ #محاكمة؛ 
فرائز كافكا. 

لقد أحدث الفيلم في الشخصية الأساسية» 
إذأ تحويلاً لم يأتِ في مصلحة العمل. ومع 
هذاء إذا تغاضينا عن ذلك الفارق الرئيسي 
بين الرواية والفيلم؛ سيظل أمامنا ذلك 
الهذيان الذي استطاعت كاميرا بهيج حجيج 
أن تصوره» وإن من خلال شخصيات ثانوية 
(حارس البناية» أستاذة الجامعة التي قامت 
بدورهاء ببراعة نادرة» جوليا قصار...). هذا 
الهذيان موجود أصلاً في رواية المستبدء بل إنه 
يشكل عنصرها الرئيسي» لكن نقله إلى الشاشة 
أعطاه زخماً مفاجئا» وجعله العنصر الأساسي 
في ذلك الإحساس الذي أشرنا إليه: الإحساس 
بأننا أمام فيلم يقفل الحربء ينهيهاء لا يصورها 
كحنين وافتتان؛ بل ولا حتى كتراجيديا 


حلم 


اجتماعية جماعية. إنها هنا مجرد وباء (مثل 
داء زنار الئار الذي يرعب جوليا قصار)؛ مجرد 
عائق أمام محاولة الإنسان عيش حياته؛ مجرد 
ديكور أرعنء مثل القمامة التي تملأ شوارع 
المدينة» مكان للقهر» حاجز يمنع التواصل 
ليس بين كاثن وآخخحرهء بل بين الفرد وذاته. 
الحرب جرثومة لا أكثر؛ يصح التخلص منها 
ونسيانها بسرعة. يصح أن ينساها المفتون بهاء 
والمستفيد منهاء والذي تسببت له بكل أضرار 
العالم. 

صحيح أن الحرب وبؤسها هما ما أوقع 
الفاتنة المجهولة في حضن الأستاذ الجامعي» 
ما أعطاه ‏ بالتواتر - مبرراً يجعل لحياته 
اليومية الخاوية معنى وهدفاًء ولكن الحرب 
نفسها هي التي أبقت المجهولة مجهولة: ما 
جعل اشتهاء الأستاذ الجامعي لها غير مكتمل. 
مثل حلم مضى ولا نزال نسأل أنفسنا عما إذا 
كان حلماً حقاً. بل حتى الدفتر الذي يعثر عليه 
الأستاذ في غرفة الحارس كدليل على أن الأمر 
لم يكن حلم وكطريق للوصول إلى الفتاة... 
من أدرانا أنه حقء دفترها؟ 

مهما يكن من أمرء كل هذا لا يبدو كبير 
الأهمية هنا. المهم هنا هو قدرة الصورة - 
وتحديداً في تصويرها الحرب والدمار والذل 
بشكل لم يتمكن أي فيلم عن الحرب اللبنانية 
من تصويره بهذه القوة قبل الآن - قدرة الصورة 
على إخراجناء نحن المتفرجين» من الحرب. 
وتحويلنا حقاً إلى متفرجين محايدين فاصلين 
أنفسنا تماماً عما يحدث أمامنا على الشاشة 
داعين الأستاذ الجامعيء أنانا ‏ الآخرء إلى 


زوجة رجل مهم 


البقاء خارجها بدوره؛ تماماً مثلما هو خارجها 
حارس البناية (المتورط فيها تدريجاً) وجوليا 
قصار وأهل الحي وأساتذة الجامعة وطلابهاء 
بل حتى أفراد الحاجز الطائفي. إن لا أحد هنا 
من الحرب أو معها. الحرب شبح دخيل آتٍ 
من اللامكان. يملأ الديكور ولكن في طريقه 
للعبور إلى اللامكان. 

هل هذاء بعد كل شيء؛ شعور ذاتي أم 
شعور عام لدى المتفرجين؟ من الصعب 
تقديم إجابة حاسمة. ولكن من المؤكد أن 
«زنار النار» لبهيجح حجيج» من شأنه أن يجعل 
كل فيلم يأتي يعده؛ عن الحرب اللبنانية» فيلماً 
من دون فعالية» ومن دون جدوى... فيلماً 
زائداً. إنه الفيلم الذي» رغم تفاوت في إدارة 
الممثلين» ورغم بعض الثقل في الحوار» 
ورغم مناخ أحَلٌ التراجيديّ محل التهكمي 
الهذياني ما أفقد سياق الفيلم بعض دلالاته 
وجعل بعض مشاهده. التي كان من المفروض 
أن تعامل بعيث وهذيان. غير قابلة للتصديق 
إذ ارتدت مسوح التراجيديا وربما الميلودراما 
(كل المقطع المتعلق بقريبة حارس البناية 
وإقامتها في شقة الأستاذ). إنه الفيلم الذي 
على رغم كل هذاء تمكن في رأينا من أن يغلق 
من الداخل دائرة فتحها «بيروت يا بيروت؛4 من 
الخارج. وهو لو لم يفعل غير هذاء لكان في 
وسعنا أيضاً أن نعتبره فيلماً متميزأء ينتمي بقوة 
إلى تيار سينمائي لبناني ولد قبل ذلك بربع قرن 
ولا يزال يولد في كل مرة من جديد. 


5377 


«زوجة رجل مهم» 

(448و1) 6 د. (ألوان) 
إخراج: محمد خان 
قصة وسيناريو وحوار: رؤوف توفيق 
موسيقى: جورج كازازيان 


تمثيل: ميرفت أمين؛ أحمد زكيء ناهد سمير 

لم يكن من باب الزينة أن يهدي المخرج 
محمد خان. أجمل أفلامه إلى ذكرى 
عبد الحليم حافظ و«الزمن الجميل» الذي 
عبر عنه هذا الأخير. فغناء #العندليب الأسمر» 
سجل تاريخاً كانت بداياته أحلاماً كبيرة 
وصعوداً قومياً وآمالاً عربية بمستقبل أفضل» 
كما إنه - ذلك الغناء ‏ كان علامة ليس فقط 
على التحديث الفنىء. بل كذلك على التحديث 
الاجتماعي. 00 

طبعاً نحن هنا لسنا في صدد تحليل هذاء 
لكن الإشارة إليه بدت ضرورية» كمدخل 
للحديث عن واحد من أجمل أفلام محمد 
خان, وأقواهاء وهو فيلم «زوجة رجل مهم؛؛ 
الذي لعب غناء عبد الحليم حافظ فيه -.ومن 
دون أن يغني حتى - دوراً أساسياً. أو لنقل أنه 
كان علامة على شخصية بطلة الفيلم» علامة 
أصاب محمد خان هدفه بقوة حين ركز شغله 
عليها. فبالنسبة إلى الفيلم اتسمت شخصية 
البطلة بارتباطها بأغاني عبد الحليم حافظ» 
وبالحنين إلى عصره. حتى وان كانت الغلبة 
الأساسية في الفيلم: أي الانتقال من عصر 


زوجة رجل مهم 





الذهب الذي كانه زمن عبد الحليم حافظ؛ إلى 
عصر الواقعية اللثيمة» الذي هيمن على الفيلم 
بعد لحظات من بداياته» لم تبرز بوضوح. 
وكان من المنطقي أن يصور خخان؛ عدم 
الوضوح هذاء استناداً - طبعاً ‏ إلى ان الفترة 
الانتقالية بين عصرين» في السياسة والأخلاق 
أيضاًء لم تكن تاريخياً واضحة. 

غير أن هذا كله يجب ألا يدفعنا إلى 
الاعتقاد بأننا أمام فيلم سياسيء تنطح إلى 
محاكمة التاريخ؛ أو إلى محاكمة الحاضر 
من خلال التركيز على سقوط شخصيتيه 
الرئيستين. فسينما محمد خان عادة» حتى وإن 
كان آخرون يكتيون لها السيناريو - رؤوف 
توفيق هنا ليست سينما أسود وأبيض 
لا بمعنى ألوان الفيلم» فالفيلم (ملوّن) طبعاء 
بل من ناحية تجاور الخير والشرّ فيه عبر 
صراع واضح بينهما. سينما محمد خان» وفي 
معظم أفلامه الكبيرة» هي أكثر ارتباطاً بالحياة 
ووقائعها من أن تقع في فخ السهولة التي 
تقسم الأشخاص» أخلاقياً أو طبقياً أو سياضياً: 
ونعرف أن هذه السمة الأساس التي طبعت 
سيئما محمد خان» كما طبعت سينما مجايليه 
من رفاقه في ما سمي «الواقعية الجديدة» 
التي ظهرت في القاهرة في ثمانينيات القرن 
العشرين هي التي جعلت لسينما خان ورفاقه» 
قوتها ومكانتها. 

ولعل «زوجة رجل مهمة يبدو الأكثر تمثيلاً 
وقوة في هذا المجال. فنحن في هذا الفيلم» 
حتى وإن كنا نجد لدينا ما يدفعنا إلى إدانة» 
البطل والتعاطف مع البطلة» بعد أن يقدم لنا 


514 


المخرجء كلاً من الشخصيتين منذ البداية: 
عبد الحليم حافظ؛ وهو ضابط استخبارات 
مهم, ينتمي إلى زمن الثورة والضباط الأحرار» 
وما يليهما. هي تحمل العاطفة كلها في فؤادها 
وتقبل على الحياة مرتيطة يما سماه أحمد 
عبد المعطي حجازي يوماً «سراب الزمان 
الجميل»» وهو واقعي بصورة كلية» لكل شيء 
لديه حساباته» ولكل سؤال جوابه الواقعي» 
ولكل حين مصالحه وارتباطاته. وهذا الجانب 
من شخصية هشام الزوج الضابط والذي لم 
تكن منى الزوجة تدرك تفاصيله» كان هو الذي 
استهواهاء حين تزوجته على اعتبار أنه يمثل 
بالنسبة إليها سلطة أعطتها وأعطت جيلها قدراً 
كبيراً من الأوهام. إن ارتباط منى بهشام؛ إن 
هو - مواربة - إلا ارتباط بزمن ماء من دون 
معرفة شيء عن الوجه الآخر للميدالية. 

ومن هناء أكثر كثيراً من أن يتنطح 
هذا الفيلم» كما رأى كثر من الذين كتبوا 
الساداتي» - حتى وإن كان يبدو هكذا في 
مظهره الأول - سوف يبدو لنا أمام نظرة 
معمقة. إدانة لمفهوم السلطة سواء كانت سلطة 
زمن السادات أو سلطة الزمن الذي سبقه ‏ أي 
الزمن الثوري . والحقيقة أننا من دون إدراك 
هذا الجانب الشامل من #رسالة» الفيلم» 
سيبقى سائداً القول إنه مجرد إعلان حرب على 
الزمن الساداتي» سلاحه الأو ل ومتراسه القوي 
الاختباء خلف زمن عبد الحليم حافظ... أي 
زمن البراءة الأولى للثورة. 


زوجة رجل مهم 


ولكن بعد هذا كله... ما هي حكاية هذا 
الفيلم؟ في الحقيقة ليس في «زوجة رجل 
مهم) حكاية» بالمعنى المعتاد للكلمة. كل ما 
فيه هو حكاية الافتتان - الذي يتحول أحياناء 
وأحياناً فقط - إلى حب بين الطالبة والضابط 
ينتهي بزواجهما. ولكنء بعد فرحة أيام الزواج 
الأولى» تكون صدمة منى (ميرفت أمين) في 
واحد من أجمل أدوارهاء كبيرة ومؤلمة حين 
تكتشف أنها لم تتزوج رجلا بقدر ما تزوجت 
السلطة نفسها... متلائمة في هذا مع انبهارها 
بالسلطة التي يمثلها هذا الرجل المهم. ذلك أن 
هشام (أحمد زكي)» في واحد من أقوى أدواره 
هو الآخرء إذا كان متسلطأ في الحياة العامة» 
ككل مسؤول كبير في الدولة» سواء كانت دولة 
ناصرية أو ساداتية أو أي دولة عسكرية قمعية 
أخرى» وسواء كان ضابط استخبارات أو عمدة 
في قرية ريفية» فإنه لن يكون سوى متسلط في 
بيته؛ وسط عائلته... وهنا إزاء زوجته. 

ومن هناء فإنه يقابل كل الحنان والحب 
اللذين تبديهما نحوه؛ بمزيد من السلطة: هي 
بالنسبة إليه هنا كناية عن الشعب الذي نقمعه 
ونستبد به» تحت عنوان رعايتنا له ووضع 
أنفسنا في خدمته. وانطلاقاً من هنا... تبدأ منى 
بالتدريج باكتشاف أنها لم تحب سوى السراب 
ولم تفتتن إلا بالوهم الجميل. وأن الأرتياء في 
حضن السلطة. لا يكون مجزيا ومجدياء إلا 
حين تكون جزءاً من هذه السلطة» تلعب لعبتها 
بشروطها هيء لا بشروطك أنت. 

ويقيناً أن لحظة اكتشاف هذه الحقيقة هى 
اللحظة التي توصل الفيلم إلى ذروته.» وبالتالي 


529 


سينما محمد خان إلى نقطة اللاعودة. أما من 
الناحية الدرامية الخاصة بالفيلم» فإن منى 
من خلال اكتشافها أن وضعيتها داخل البيت 
الزوجيء إنما حولتها إلى شيء... مثل 
قطعة أثاث جميلة في المنزل... ولا سيّما إذ 
راح زوجها ‏ من جراء ضرورات حياته التي 
هي مّن ومايملي عليه تصرفاته وأسلوب 
عيشه - يعزلها عن العالم الخارجي: إنها له» 
وليست لأي أحد آخر... 


أبة 


َه 





هنا يكاد الفيلم يبدو وكأنه تحول إلى مجرّد 
دراما عائلية. لكن محمد خان بدا أرهف من 
أن يكتفي بمثل هذا التحول: ذلك أنه لم يسع 
أصلاً ليصور دراما عائلية خاصة. بل أراد 
منذ البداية أن يعطى فيلمه سمة العمل الذي 
يدخل تفاصيل الفنلطة ودقائق حياة أصحابها. 
وهوء فى هذا الإطار» يكاد يبدو وكأنه» يكمل 
ويُعَضْرِن» ما كان يدأه صلاح أبوسيف ‏ أحخد 





زوجتي والكلب 





أسلافه الكبار - في مجال الحديث عن السلطة 
كما في فيلم «الفتوة» مثلاً... ومن هناء فإن 
إمعاناً في #زوجة رجل مهم؛ سيقول لناء 
إن مسار منى الآن» انتقال من سراب الزمن 
الجميل الذي كان محرك حياتها الأول» 
وصولاً إلى واقعية حياة منغمسة في السلطة» 
حتى وإن كانت الحكاية هنا سوف تنتهي بدءاً 
من تقاعد هشام. 

هذا المسارء يتعين علينا النظر إليه هنا 
وكأنه إعادة إنتاج لمسار هشام نفسه أي 
لمسار الثورة» منذ كانت فكرة بريئة تداعب 
خيال مجموعة من العسكريين الوطنيين» ثم 
تخاطب - بعد انتصارها ‏ مشاعر ملايين 
المواطنين» حتى أصبحت قوة سلطوية 
متسلطة» تعامل الشعب كقطيع من الخرفان» 
تنطق باسمه» ترعاه» تقمعه. تجوعه؛ ودائما من 
دون أن تسأله رأيه في ما يحدث له. 

وفي هذا الإطار يصبح من حقنا أن ننظر 
إلى منى نظرة مزدوجة» فهي من ناحية كناية عن 
الشعب الخاضع للسلطة لافتتانه بأصحابهاء 
وهى من ناحية ثانية» كناية عن السلطة نفسهاء 
وقد الفصلت ذات لحظة عن حلمها البريء 
تاركة زمن عبد الحليم حافظ ينعى أحلامه 
وحيدأء ولسان حالها يقول انطلاقاً من شعر 
لحجازي نفسه. يمكن تعديله بعض الشيء: 
من ترى يحمل الآن عبء الهزيمة فيثاء المغنني 
الذي سار في الدرب يبحث عن ملك يشتريه 
أم هو الملك الذي قد خيل له؛ أن حلم المغني 
تجسد فيه...؟ أم ترانا خدعنا معاً يسراب 


الزمان الجميل...؟ 


برض 


هذا الفيلم حققه محمد خان عام 21941 
بعد سلسلة من النجاحات السينمائية التي 
أحدثت انعطافة في تاريخ السيئما المصرية 
شكلاًومضموناًمثل «ضربة شمس» 
و«الحريف»» ناهيك بأفلام أخرى له مثل 
«سوبر ماركت» و«فارس المدينة؛ وصولاً إلى 
العملين الرائعين «اخرج ولم يعد و#أحلام هند 


وكاميليا» وغيرهما. 

«زوجتي والكلب» 

(198/1) 6 د. (أسود وأبييض) 
إخراج: سعيد مرزوق 
قضة وسيناريو وحوار: سعيد مرزوق 
تصوير: عبد العزيز فهمي 
موسيقى: ابراهيم حجاج 
تمثيل : سعاد حسني» محمود مرسي») 


قديبدو للوهلة الأولى غريباً أن يقدم 
مخرج مثل سعيد مرزوق؛ مثقف ينحو إلى 
الالتزام السياسيء في تلك السنوات التي كان 
فيها التزام الفنانين سياسياًء أمراً أقرب إلى 
البديهية» ومشارك في حفلة الغضب العامة 
التي تلت هزيمة حزيران» على إخراج فيلم 
يبتعد كل البعد من الأجواء السياسية في مصر. 
والأغرب من هذا أن من المعروف عادة أن 
أي مخرج شاب يدنو من فنه للمرة الأولى إذا 
أتيحت له الفرصة:؛ لا يمكته أن يقاوم إغراء أن 
يضع كل أفكاره وبما في ذلكء طبعاء أفكاره 


زوجتي والكلب 





السياسية وذاتيته في العلاقة مع تلك الأفكار 
في فيلمه الأول» ليهدأ - سياسياً بين أمور 
أخرى - بعد ذلك متحولاً بالتدريج إلى أعمال 
أكثر بعدأ عنه وعن رغبته في التعبير عن ماضيه 
الخاصء أو الجماعي. 

دون ترددء ما إن حقق في عام 1»؛» فيلمه 
«زوجتي والكلب» ليتبين أن هذا الفيلم 
واحد من أهم ما حققته السينما المصرية في 
ذلك الحين. بل إن ثمة من بين المؤرخين 
والنقاد من يعتبر أن «زوجتي والكلب» 
المؤلف» في مصيرء طالما أن سعيد مرزوق 
كتب له القصة والسيناريو:والحوار قبل أن 
يقدم على إخراجه... بل إن علاقة هذا الفيلم 
بمقهوم سينما المؤلف تتعدى هذاء إلى 
مسألة اختيار الممثلين» حيث نعرف اليوم أن 
سعيد مرزوق حتى وإن كان قد اختار لبطولة 
الفيلم نجمين راسخين ونجماً صاعداً بقوة» 
فإنه في فيلمه استخدمهم على عكس ما هو 
متوقع منهم على الشاشة... إذ تحولوا لديه 
إلى أبطال ‏ مضادين: محمود مرسي الذي 
كان اشتهر بأدائه الرائع وأدواره الهادئة كرجل 
محترم؛ صار في «زوجتي والكلب» نوعاً من 
عطيل معاصر يعيش هواجسه وأفكاره القاتلة. 
وسعاد حسني التي كانت اعتادت البطولات 
المطلقة؛ معيدة إلى النجمة في السينما 
المصرية دورها المحوري في الفيلم» تحولت 
هنا - في «زوجتي والكلب» - إلى موضوع» 
ومحور صراع مفترضء إنما جوانيء بين 


لخرض 


محمود مرسي زوجها في الفيلم» ونور الشريف 
(عشية المفترض؟ في رأي الزوج. أما نور 
الشريف نفسهه. فإنه - في نهاية الأمر- لم 
يعد في الفيلم أن يكون فكرة في رأس محمود 
مرسي» ومحركا هواجسه وأفكاره. 

طبعاً هناك في «زوجتي والكلب» 
شخصيات أخرى قام بها ممثلون معروفون» 
غير أنهم جميعاء وكما سعاد حسني ونور 
الشريف. لم يكونوا هنا إلا لتأكيد شخصية 
الريس مرسي (محمود مرسي»» هذا الرجل 
العطيلي» الذي يدور معظم الفيلم داخل رأسه. 
ومن هنا كان في الإمكان القولء أمام هذا 
الفيلم» إنه «فيلم بطل وحيد» وهذه بدورها 
سمة من سمات سيئما المؤلف» خاضها سعيد 
مرزوق من دون وجلء مع أنه كان يعرف 
تماماء في ذلك الحينء أن في الأمر مغامرة 
إنتاجية غير مؤكدة النتائج» وكذلك مغامرة 
فنية لم تعتدها السينما المصرية. فإن اعتادت 
مايقاربهاء اتسم العمل بنخبوية... بل ببعد 
مجر لا قل للمظرجين بالدرٌ من لكنه 
أقدمء وكان المدهش أن الفيلم لم يفشل تجارياً 
ولا فنيآء كما كان مقدّراً له» بل حقق نجاحاً 
على الصعيدين. ولا يزال إلى اليوم حين 
يعرض على شاشة التلفزيون يلقى إقبالا كبيرا. 
كما إنه يعتبر دائماً واحداً من أفضل ٠٠١‏ 
فيلم حققتها السينما المصرية في تاريخها. 
ناهيك بأنه فتح الأبواب واسعة أمام هذا النوع 
السينمائي الصعب» الذي يجمع بين قوة الأداء 
وتركز الموضوعء وماهو قريب من وحدة 
المكان والزمان. فعمّ يتحدث هذا الفيلم؟ 


زوجتي والكلب 





كما قلنا: عن رجل» عن رجل يكاد يكون 
وحيدأء تدمره أفكاره وغيرته» كما يدمره فى 
شكل خاص عجزه عن أن يتعامل مع الأمور 
والناس؛ بل مع أقرب المقرّبين إليه؛ تعاملاً 
إنسانياً عادياً. والأغرب من هذاء أن الرجل 
الذي نتحدث عنه لديه كل ما هو في حاجة إليه 
كي يكون سعيداً» حتى وإن كان كل عنصر من 
العناصر المكونة لسعادته المفترضة» ينقصه 
شيء ما. هذا الرجل هو الريّس مرسي الذي 
يعمل مسؤولاً في فنار أقيم في منطقة جرداء 
معزولة. إنه يعمل ويعيش هناك وحيدا معزولاء 
مع مساعده الشاب نور ومع زميلين عاملين 
آخرين. ذات يوم يأخذ الريس مرسي إجازة 
يقترن فيها بخطيبته ثم يمضي فترة شهر عسل 
يعود بعدها إلى عمله في الفنار» تاركاً الزوجة 
سعاد في منزلهما البعيد. وإذ يعود الريس إلى 
عمله ورفاقه في العمل يقابله هؤلاء بفرحة 
كبيرة» مثنين على ما فعل إذ خرج من حياة 
العزوبية»؛ وصار هناك في البيت - من ينتظره 
بعيداً من العمل الروتيني المملّ في الفنار. 
ففي الفئار الوجوه والحكايات اليومية نفسها 
والإحساس بالملل نفسه. ولكن بالنسبة إلى 
الريس مرسيء صار اليوم في إمكانه تحمّل هذا 
كله؛ طالما أنه سيستطيع بين الحين والآخر أن 
يسافر لرؤية زوجته والاستمتاع بوجودها ولو 
أياماً يعود بعدها إلى عمله. 

أما الريّس مرسي فإن سعادته الآن 
لاتوصف. إنه يعرف أن ثمة امرأة حبيبة تفكر 
فيه وتنتظره بشوق ولهفة في مكان ما. وهذا 
الإحساس يحرك لديه كوماً في الحكي لم 


سرف 


يكن له به عهد من قبل» وبخاصة مع زميله 
الشاب نورء الذي من الواضح أن ليس له أية 
تجارب نسائية ويكتفي من المغامرات بجمع 
صور النساء ولصقها في مكان نومه؛ ويفتح 
عينيه وأذنيه بكل دهشة حين يروي له الريس 
مرسي مغامراته النسائية» قبل زواجه. في هذا 
المجال نلاحظ أن مرسي يستطرد ويستطرد 
وهو يتحدث إلى الشاب المصغي بكل انتباه» 
ولاسيّماعن حكايات يكون هو مرسي - فيها 
على علاقة بنساء. متزوجات. إنه وهو يحكي 
لا يدرك طبعا خطورة هذه الحكايات وقدرتها 
على أن تنعكس على حاله الخاصة. لاحقاً 
سيدرك هذا. ولا سيّما منذ اللحظة التي يطلب 
نور منه فيها - على غير توقع - أن يريه صورة 
زوجته. طبعاً يرفض الريس مرسي هذا. وكان 
يمكن الرفض أن ينهي الموضوع؛ غير أن نوراً 
يزداد - كما سيخيل إلى الريس مرسي - رغبة 
في الحصول على الصورة... ومع هذا - وربما 
تكمن هنا نقطة ضعف أساسية في السيناريو -» 
حين يتوجه نور لقضاء إجازة ما في المدينة؛ 
يكلفه الريس مرسي بإيصال رسالة إلى زوجته. 

غير أن الريس مرسي» وحتى من قبل توجه 
نور إلى الإجازة» وإلى توصيل الرسالة» يدرك 
فجأة خطأ ما فعله إذ أرسل الشاب ليقابل 
زوجته. ومن هنا يتحول الفيلم إلى فيلم يحدث 
داخل أفكار الريس مرسي... ويتحول مرسي 
نفسه إلى ذلك العطيل الشكسبيري المعاصر. 
إذ تستيد به الصور والهواجس والأفكار» من 
حول ما يمكن أن يحدث بين نور وسعاد إذ 
يتقابلان. ولعل حرمان نور وتوقه الجنسي 


زيارة السيد الرئيس 





الدائم الذي لا يتوانى عن التعبير عنه»؛ ووحدة 
الزوجة بعيداً من زوجهاء عاملان فاعلان في 
تلك الهواجس. وهما يبرران بالفعل - ومن 
ناحية منطقية - موقف الريس مرسي ورعبه 
وغرقه في أفكار تكاد تحطمه؛ ولا سيّما بعد أن 
يبدأ نور إجازته... بل إن الريس مرسي يتذكر 
هنا بخاصة كل تلك الحكايات التي كان يرويها 
لنور عن علاقته بنساء متزوجات. فماذا الآن 
إن انقلب السحر على الساحر؟ كيف سيعرف 
حقيقة ما سيحدث بين زوجته وزميله الشابين؟ 
طبعاً سنعرف في النهاية» بل حتى مرسي نفسه 
سيعرف» أن لاشيء سيحدث» وأن سعاد 
وفية لزوجها وحياتها العائلية وأن نوراً نفسه 
لن يقدم على أية مغامرة لاأخلاقية. إن مرسي 
سيتأكد من هذاء ومع ذلك لن تهدأ أفكاره بعد 
الآن. لن تهدأ غيرته أبداً ولن تستكين ظنونه. 
فهكذا هو الإنسان. 

لقد كان من الصعب أن نتصور في تلك 
الأزمان «السياسية» الصعبة أن فيلماً من هذا 
النوع «الجواني» سيكون قادراً على فرض 
نفسه وعلى تشكيل بداية قوية لمخرجه. ومع 
هذا حدثت تلك «المعجزة» الصغيرة ونجح 
الفيلم. وقد فتح نجاحه الباب واسعاً أمام 
مخرجه ليثبّت لنفسه. بسرعة» مكاناً أساسياً في 
خريطة السينما المصرية الجديدة» وبالتحديد» 
بعيداً من التصنيفات الجاهزة» فظل متفرداً 
في موقع خاص له في السينما المصرية وإن 
كنا نعرف أن نجاحاته الكبيرة التالية أتت أكثر 
بعداً من «سينما المؤلف» والنزعة الطليعية» 
حتى وإن أتت شعبية وناجحة» حتى نقدياًء إذ 


رقف 


إن لسعيد مرزوق أفلاماً أخرى في قائمة أفضل 
٠‏ فيلم في تاريخ السينما المصرية ومن بينها 
«المذنبونة عن قصة لنجيب محفوظ و«أريد 
حلاً» عن قصة لحسن شاه. 


«زيارة السيد الرئيس» 





١ ٠ )1١464:(‏ .(ألوان) 
إخراج: مثير راضي 
قصة: يوسف القعيد 
شارك في السيناريى: أحمد متولي 
تصوير: مجدي راضي 
موسيقى: راجح داود 
تمثيل: ١‏ محمود عبد الناصرء نجاح الموجي» 
هياتم 


قبل الحديث عن هذا الفيلم لا بد من 
التوقف عند مشروعين سينمائيين مجهضين: 
أولهماء «الأميرة للمخرج اللبئاني برهان 
علوية» والثاني «السياسة الخارجية الأمريكية؛ 
لمواطنه الشاب زياد دوبري. ويمكننا أن 
نفترض» مع أن هذين الفيلمين لم يُحقَّقا 
إنما ما كان يمكن أن يجمع بينهما هو نظرة 
«مؤامراتية؛ ما إلى الحرب اللبنانية وعلاقة 
السياسة الأمريكية بها. وبالاستئاد إلى 
المعلومات التي توافرت في حينه عن الفيلمين 
كان يفترض بكل منهما أن يكون علامة في 
مجال التعبير عن نظرة السينمائي العربي إلى 
السياسة الأمريكية.. وبالتحديد» بعيداً من 
مناهضة أمريكاء المعهودة شعبياً وفي العديد 


زيارة السيد الرئيس 





من الفنون العربية» بما في ذلك في أفلام 
جماهيرية غالبا ما تكون هزلية تمرّر عبارة 
من هنا أو موقفاً من هناك لإضحاك الشعب 
الطيّب «على الأمريكيين» منبهة من «شرّهم 
أو ساخرة من #سذاجتهم». 

لو تحقق مشروعا علوية ودويري لكان 
من شأنهما أن يتكاملاء من ناحية مع فيلم كان 
المغربي سهيل بن بركة حققه العام ١91/4‏ 
بعنوان «حرب البترول لن تقع» ويتصدى فيه 
لفضح «الشركات العابرة الجنسيات» المهيمّن 
عليها أمريكياً والتي تنهب بترول العالم الثالث» 
ومن ناحية ثابتة مع فيلم «زيارة السيد الرئيس» 
الذي حققه منير راضي في اقتباس من رواية 
يحدث في مصر الآنء وهو فيلم يبدو لنا في 
هذا السياق أكثر جدية وعمقاً. 

صحيح أن هذا الفيلم لا يشكل «مجابهة» 
مباشرة مع الصورة الأمريكية المعهودة» لكنه 
يتوغل إلى ما هو أبعد من هذا: يرسم الصورة 
من خلال أولئك الذين تتكون عندهم. لينسفها 
في نهاية الأمر. فالحكاية هنا تدور في قرية 
بأن الرئيس الأمريكي خلال زيارته الميمونة 
قريتهم. ولما كانت الصحافة المصرية في زمن 
الانفتاح» قد أطنبت في الحديث عن عابارات 
عميقاً بفضل الانفتاح والتقارب مع أمريكاء 
يقفز الحلم الأمريكي بالثراء إلى واجهة الحياة 
في القرية» ويروح الناس يستعدون لاستقبال 
الضيف الكبير وطرح مطالبهم أمامه. آو كم 


>23>33ٌِ 


تيدو الحياة سعيدة في تلك اللحظات» وكم 
يبدو المستقبل وضاءء إلى درجة أن السكان 
الريفيين يتخلون لوهلة عن ثيابهم التقليدية 
ويرتدون الثياب الأمريكية لاجتذاب اهتمام 
الرئيس الأمريكي وعنايته بهم. ولكن, في 
النهاية» يمر القطار دون أن يتوقف في الضهرية. 

حتى اليوم؛ لم يصل أي فيلم عربي آخر في 
تعبيره عن هذه العلاقة المتشابكة مع أمريكا 
وصورتهاء إلى المستوى الذي بلغه موضوع 
هذا الفيلم (من دون أن يكون كلامنا هذا 
حكماً تقييمياً جمالياً عليه)» فهو في الحقيقة 
لخص بقوة وصدقء تركيبية النظرة ولعبة 
المرايا وخخحيبة الأمل» التي لاا شك في أنها 
العامل الرئيس في تكوّن النظرة العربية إلى 
أمريكا. ويقول الناقد كمال رمزي عن الفيلم 
إن من أبرز ما فيه أنه #يستعرض شخصياته. 
وهي أنماط متكررة» معروفة» تفرزها بيئة ضيقة 
الأفق. وهذه الأنماط تتكتسب خصوصيتها 
من تميّز الأداء التمثيلي لدى كل واحدة منها 
على حدة. وعلى الرغم من مأسوية المسار 
العام؛ فإن اللمسات الكوميدية التي أجاد منير 
راضي إخراجهاء جعلت الفيلم متمتعاً بقدر 
كبير من الطرافة والقدرة على الجذب»». كما 
يصف رمزي نهاية الفيلم على الشكل التالي: 
«... مع معجيء ساعة الأمل؛ يصل الفيلم إلى 
ذروته: الحماس» الزحام» فوضى الأصوات 
التي يختلط فيها المزمار بآلات الموسيقى 
النحاسية» الهتاف مع النشيد مع الخطاب» 
كرنفال الملابس المتنافرة... وأخيراً يأتي 
القطار وسريعاً يمرق أمام الجميع؛ مخلّفاً 


سارا أونيا 


مجرد هواء يصفع الوجوه التي ذهبت عنها 
علامات البِشّر المترع بالأحلام» ليحل مكانها 
ذلك الخجل الممتزج بالإحباط الذي يصل 
عند البعض إلى حد اليأس. إنه فيلم سياسي 
من دون كلام فج أو مباشر في السياسة». 


«سارا أونيا» 





٠ )1945(‏ د.(ألوان) 
إخراج: محمد عبيد هندو 
سيناريو: محمد عبيد هندو 
قصة: عبد الحي ماماني 
تصوير: غي فاميشون 
موسيقى: بيار آكندنغ 


تمثيل: أي كيتاء جان روجيه ميلو؛ فيودور آنكين 


خلال الأشهر الأخيرة من القرن التاسع 
عشرء أرسلت الحكومة الفرنسية الساعية في 
حينه إلى احتلال أوسع مناطق ممكنة من القارة 
الأفريقية» ضابطاً كبيراً هو العقيد كولب» كي 
يحقق في ما تواتر إليها من أنباء حول مجازر 
ارتكبتها القوات الفرنسية التي كانت انطلقت 
من «السودان الفرنسي» قصد احتلال المناطق 
الأفريقية السوداء التي لم تكن قوة أوروبية 
وصلت إليها من قبل. تلك القوات الفرنسية 
الغازية كانت في حينه في قيادة الضابطين 
فولي وشانوان. وقد عرف هذا بالقسوة 
وبالرغبة في الانتصار بأي ثمن» ولكنء أيضاًء 
باتّباع نظرية الأرض المحروقة» ومن هنا كانا 
يقتلان ويحرقان حتى الشجر في المناطق التي 


نرف 


يستوليان عليها. خلال مرحلة أولى سكتت 
سلطات باريس عن ممارسات ضابطيهاء 
ولكن بعدما تحولت تلك الممارسات إلى 
أخبار تملأ الصحف الأوروبية» كان لا بد من 
السعي لإنقاذ سمعة الجيش الفرنسي. وهكذا 
أرسل كولب مع قوة مرافقة لتحرّي الأمر. 
وكولب وصل بالفعل إلى المناطق التي احتلها 
الضابطان, لكنه لم يتمكن من إرسال صورة 
مايحدث إلى حكومته» وذلك ببساطة, لأن 
فولى وشانوان أعدماه فور لقائهما به» ما جعل 
أوساطاً يمينية عسكرية في العاصمة تذّعي انه 
قتل على أيدي جنود سود كانوا في رفقته. 
هذا الفصل التاريخي كان فصلاً حقيقياء 
ذكرته لاحقاً كل الكتب التي روت ما حدث 
في تلك المنطقة من أفريقياء والتي منذ ذلك 
الحين» استقر فيها الاستعمار الفرنسي» ليبقى 
هناك عشرات السنين الأخرى. ومفاد هذا 
الفصل التاريخي هو أن القوات المحتلة كانت 
تتقدم لا يردعها رادع» باستثناء ضمير أبيض 
يحاول بين الحين والآخر التصدي لها... 
أخلاقياً على الأقل. غير أن مؤلفين من أبناء 
القارة الأفريقية» لم يجدوا أن هذا ممكنء 
لذا راح كل واحد منهم يقلب في صفحات 
الحكايات والتاريخ ‏ الشفهي حتى ‏ محاولا 
العثور على «خبريات؛ تصلح للتأكيد أن 
الشعوب هناك قاومت حقاً. ومن بين أولئنك 
المؤلفين» النيجيري عيد الحي ماماني» الذي 
كتب رواية اشتهرت منذ صدرت للمرة الأولى 
في العام »198٠‏ وعنوانها سارا أونيا وهو 
مأخوذ من اسم بطلة أسطورية قال المؤلف 


سارا أونيا 


لفترة» إنها وجدت حقاء فيما أكد آخرون أنها 
لم توجد أبدأء بل كان ماماني هو مخترعهاء 
جاعلاً منها بطلة وقفت تقاوم الفرنسيين في 
تقدمهم» ولاقديسة» لم تهزم إلا بفعل الخيانة. 
وهذه الرواية نفسهاء كانت هي النص الذي 
اقتبس منه المخرج الموريتاني محمد عبيد 
هندوء أحد أجمل أفلامه.» وهو الفيلم الذي 
أعطاه العنوان نفسهء وعرض في مهرجانات 
عالمية» معطياً الانطباع» بأن سارا أونيا وُجدت 
حقاً. 

تدور أحداث الرواية والفيلم؛ إذأء في 
العام 1849» بادئة بزحف القوات الفرنسية 
بقيادة النقيب فولي» عبر المناطق التي ستحمل 
لاحقاً اسم النيجر. في البداية يبدو زحف 
القوات المحتلة سهلاً» ويبدو فولي قادراً على 
فعل ما يريد في وجه أقوام تستسلم بسرعة» 
أو تُذبح من دون شفقة: إذا ما حاولت أن 
تبدي ولو شبح مقاومة. والحقيقة أن بعض 
الطوارق وبعض السكان المسلمين - من 
أصول عربية أو غير عربية - كانوا يحاولون 
التصدي بين الحين والآخرء فيكون مصيرهم 
الزوال. غير أن مقاومة هؤلاء سرعان ما 
خبت تماماً ‏ بحسب ما تقول الرواية - حين 
توقف فولى ذات لحظة وذات منطقة ليجد فى 
مواجهته تلك المرأة القوية الساحرة - بمعنيي 
الكلمة ‏ سارا أونياء التي انطلاقاً من قدراتها 
السبغرية من تاحية وقوة تأترها في مقاتايها 
من ناحية ثانية» استطاعت أن تقاوم فولي 
وقواته لفترة. غير أن الأمور سرعان ما ستنقلب 
عليهاء ذلك أن الطوارق والأقوام الآخرين في 


حرق 


المنطقة» سينتهي بهم الأمر إلى الوقوف ضدها 
حتى ولو تحالفوا في سبيل ذلك مع الفرنسيين. 
فسارا أونياء كانت امرأة وليس من حق امرأة 
أن تقود رجالاً. ثم إن سارا أونيا كانت كافرة» 
وهذا في حد ذاته يكفي لاعتبارها العدو الأول» 
والوقوف إلى جانب الفرنسيين لقهرها. بل 
إن الأهم من هذا هو أن سارا أونياء ومقاتليها 
التابعين لشعب بدائي يدعى شعب الآزناء 
كانوا سيطروا تماماً على الأقوام المحيطة بهم 
ولا سيّما على الطوارق والمسلمين» محاولين 
أن يفرضوا على هؤلاء شعائرهم الدينية وأن 
يبعدوهم من دين آبائهم التوحيديء وهكذا 
حين يصل فولي إلى المنطقة سيجد الأجواء 
ممهدة لانتصاره على الساحرة القاتلة» وسيجد 
أقواماً تنتظره لتتحالف معه. وهكذا تكتمل 
الدائرة» وتدور المعارك التي يحقق فولي في 
البداية انتصارات كبيرة فيهاء لكن سارا أونيا 
سرعان ما تستعيد أنفاسها وأنفاس قواتها وتبدأ 
بمهاجمة القوات الفرنسية وحلفاء هذه القوات 
من الجهات كافة. هناء بالنسية إلى فولي» 
لا تعود المسألة مسألة خدمة وطنه؛ بل مسألة 
كرامته الشخصية» ويتحول القتال بالنسبة إليه 
إلى مجازر تُرتكب وأراض يتم احتلالها بعد 
إحراقها وإحراق الأكواخ التي يقطن السكان 

هناء لأن الصراع يتخذ سماته الأساسية 
كصراع بين البيض والسود. البيض يمثلهم 
فولى - بصرف النظر عن تحالفاته - والسود 
تمثلهم سارا أونيا - بصرف النظر عن تطلعاتها 
الخاصة - لا يكون أمام كاتب الرواية إلا أن 


سجل اختفاء 


يختار معسكره: إنه بالطبع» معسكر سارا أونيا. 
والفيلم كما الكتاب» كي يبرر هذا الموقف من 
دون أن يبدو عليه أن موقفه #اعنصري مضاد 
للعنصرية؛ بحسب الاستخدام الشائع؛ يبدأ 
برسم صورة للقائدة تعطيها مزيداً من الأبعاد 
الأسطورية: فهي في الرواية - كما في الفيلم 
لاحقاً - رمز التسامح؛ وساعية دائماً إلى إقناع 
الأقوام الأخرى» لا إلى محاربتهم» خصوصاً 
إن كانوا من الأفارقة» بل حتى الأعداء الييض» 
لن تعاملهم» حين تحقق انتصارات عليهم؛ 
إلا معاملة طيبة. تكاد بهذا أن تكون صورة 
نسائية من صلاح الدين الأيوبي. ولاحقاًء في 
أحد مشاهد الفيلم» حين يتبين لها أن بعض 
جنودها - مثلاً - من رماة الرماح سمموا 
رؤوس رماحهم قصد إيقاع أكبر قدر من الأذى 
في جنود الأعداء تردعهم عن ذلك. فالأخلاق 
لا تسمح بمثل هذا الإجرام. #حتى لو أجرم 
أعداؤناء لن نحذو نحن حذوهم... نحن 
مع ركتنا شريفة». 

إذأء من الواضح هنا أن الفيلم سار على 
خطى الرواية في رغبته» خلق أسطورة أفريقية 
متكاملة» فوفق في هذه الشخصية التي قد يجد 
البعض ضروب تشابه عدة بينها وبين شخصية 
«أسطورية؛ أفريقية أخرى - لكنها أفريقية 
شمالية هذه المرة - هي شخصية «الكاهنة» 
التي تقول حكايات البربر الأمازيغ إنها تصدت 
ل «الفتح العربي» في تلك المناطق من العالم. 
والحقيقة أن من يتبحر في هاتين الشخصيتين 
لن يعدم المماهاة بينهما وبين حكاية زنوبيا 
ملكة تدمر! الحكاية نفسهاء الأخلاق نفسها 


فقا 


والمصير نفسه... والهدف في الحالات كلها 
واحد: أبلسة العدو ‏ مع أن فعل الاحتلال 
نفسه وما اقترفه يكفي لأبلسته إلى أبد 
الآبدين ‏ وإعطاء الشعب المحلي سمات 
قداسة وبطولة. 

مهما يكن فإن هندو حرص دائماً على أن 
يوضح أن هذه القصة «حقيقية» مذكراً بكم أن 
ردود الفعل التي أتته بعد عرض الفيلم كانت 
شديدة الإيجابية» بل إنه في سبيل تأكيد ذلك» 
نشر في مطبوعات الفيلم أجزاء من رسائل 
المتفرجين إليه تؤكد أنهم لم يروا في الفيلم 
أية نزعة ثقافوية نخبوية بل «ملحمة حول عبور 
الزمن في أفريقيا تقوم بدور كبير من أجل الدنوٌ 
من هذه القارة وشعبهاة. 


«سجل اختفاء) 





(194945) 8 د. (ألوان) 
إخراج: إيليا سليمان 
سيناريو: إيليا سليمان 
تصوير: مارك أندريه باتني 
موسيقى: مختارات ١‏ 
تمثيل: إيليا سليمانء علا طبري علي سليمان 
من العلامات الأساسية في سيئما اليوم» 


عربية كانت أو عالمية, ثلائة أفلام تشكل ثلاثية 
فلسطينية متكاملة. . وهي تحمل توقيع مخرج 
فلسطيني بالكاد كان أحد يعرف عنه شيئاً حين 
عرض في دورة عام 1447 لمهرجان قرطاج 
الدولي في تونس فيلمه الروائي الطويل الأول 


سجل اختفاء 


الذي حمل عنواناً مبهماً هر «سجل اختفاء؟. 
-حين عرض هذا الفيلم أثار صخباً كبيراً 
وسجالات حاذة بين رافض له ومعجب به فنياً 
وسياسياً. لكن هذا كله سرعان ما هدأ ليتخذ 
الفيلم ومخرجه مكانتهما ليس في السينما 
العربية والفلسطينية فقط» بل كذلك فى السيئما 
التجديدية الطليعية في العالم. 0 
ولكنء ماهو #سجل اختفاء»؟ هو قبل 
أي شيء آخر يوميات كتبها بالكاميرا مخرج 
فلسطيني يقوم بالدور إيليا سليمان نفسه يعود 
إلى فلسطين ليرصد ما تغير فيها بعد السلام 
أملاً بأن يحقق فيلماً عنهاء لكن زمن الفيلم 
ينتهي من دون أن يتمكن إيليا سليمان من 
تحقيق فيلمه. ومن هنا أتى الفيلم فيلماً عن 
الفيلم» أو بالأحرى عن اللافيلم. ولذلك إذا 
اعتبرنا أن هذا العمل يتميز بوحدته العضوية 
التامة» حيث يمثل كل عنصر فيه جزءاً منهى 
ويرتبط فيه الشكل بالمضمون ارتباطاً لا فكاك 
فيه لا يعود عنوان الفيلم نفسه ترفآء بل جزءاً 
أساسياً من لعبته» وإن كان فعل الاختفاء يظل 
غامضاً: أهو اختفاء الفيلم المطلوب تحقيقه» 
أم اختفاء فلسطينء أم اختفاء الإسرائيليين؟ عن 
أي اختفاء يتحدث العنوان وبالتالي الفيلم كله؟ 
الجواب مفتوح. فإيليا سليمان لم يكن 
في هذا الفيلم يتوخى العثور على إجابات 
وبالطبع لا يتوخى الوصول إلى أي يقين. إنه 
يضع العلامات وينشرها في فيلمه على شكل 
صور وأغنيات ولقاءات وتصرفات وأحداث 
غامضة وشخصيات تتأرجح بين الطبيعية 
والكاريكاتورية وأماكن... خاصة» ولحظات 


774 


تعد ثم لا توصل إلى أي مكان. وذلك لسبب 
بسيط هو أن المخرج العائد إلى عكا والناصرة 
ليرصد حال الناس بعد سلام أوسلوء لم 
يرصد أي تغيير: الملل» السكوت اليومي» 
الفراغ المحيط والمحبطء الأخلاق يغنّها 
وسميئهاء العلاقات الاجتماعية شبه المفقودة 
لدى شريحة من الفلسطينيين حاملي الهوية 
الإسرائيلية من فلسطينيي احتلال 1454. 
ولربما كان التغيير الوحيد؛ الذي لم يرصده 
الفيلم بأكمله» وإن كان أبقاه مكبوتاً مضمراء 
هو أن الناس فقدت حتى الذاكرة» حتى الحلم 
وكأن السؤال الذي طرحه انطوان شماس 
صاحب رواية #عربسك» غداة إعلان ياسر 
عرفات قبل سنوات عن قيام الدولة الفلسطينية 
إلى جانب دولة إسرائيل وفحواه: «أي هوية 
لناء نحن عرب إسرائيل» في صباح اليوم 
التالي؟4» كأن هذا السؤال انتقل فجأة من حيز 
النظرية» إلى حيز الفعل ففاجأ أصحاب العلاقة 
وأسكتهم. 

أسكتهم لأن السكوت هو العنصر الأساس 
المشترك في «سجل اختفاء»» السكوت هو 
المسيطرء حتى إيليا سليمان المعتاد على 
الحكي طوال ساعات وساعات بلا انقطاع 
في الحياة الطبيعية» لم يفه بأي حرف في طول 
الفيلم وعرضه. والعبارات التي يتم تبادلها 
في الفيلم تبدو جوفاء بلا معنى؛ تخدم فقط 
في كمية الإحباط التي تسبغها على مشروع 
الفيلم داخل الفيلم. إذ في كل مرة حاولت فيها 
شخصية في الفيلم أن تتكلم بخاصة المخرج 
أو الكاتب طه محمد عليء الأصدقاء في 


سجل اختفاء 


المقهى وهم يتحدثون عن أطروحة تتعلق بأنه 
كان للإنسان ذنب في الماضيء المتجاورون 
في مقصف الكولونية الأمريكية» المنتدون 
في النادي حيث كان يفترض بإيليا سليمان 
أن يشرح لغة فيلمه المقبلء في كل مرة كان 
المخرج يحاول أن يلتقط طرف الحديث لكي 
يبني عليه الفيلم لا يوصله الحديث إلى أي 
مكان فيعجز عن التقاط موضوع فيلمه. 

قسّم إيليا سليمان فيلمه «سجل اختفاء» 
إلى قسمين» رصد في أولهما وقائع الحياة 
اليومية لأسرته ومدينته بشيء من الحنان 
وكثير من الحزن» وحاول في الثاني والذي 
عنونه ب «سجل سياسي؛ أن يرصد التغييرات 
السياسية. وفي الحالتين كانت النتيجة واحدة» 
حتى وإن كان القسم الثاني قد حمل شحنة 
سينمائية وسياسية أكثر مدلولية وخطراً. 
وذلك من خلال شخصية الفتاة التي التقاها 
في مكتب تأجير الشقق» ثم أدخلها في الكثير 
من المشاهد الأخرى في شكل حلمي ربما 
يفيد بأن شخصيتها قد تصلح لأن تكون محوراً 
للفيلم المطلوب. ولعلها قدمت هنا في أن 
تكون «أناة آخر لإيليا سليمان حيث حمّلهاء 
من دون غيرهاء مخزون العنف والغضب الذي 
بداء هوء عاجزاً عن حمله. ومن هنا لم يكن من 
المصادفة أن تتولى هي «بطولة» ذلك المشهد 
الرائع في الفيلم حيث تحمل جهاز اتصال 
كان سقط من شرطي إسرائيلي وتستخدمه 
لرسم «طوبوغرافية» للقدس عبر إرسال 
دوريات الشرطة إلى هناك» في لعبة مزدوجة» 
تبدو من ناحية أشبه بألعاب الفيديو» ومن 


خرف 


ناحية ثانية أشبه بنبوءة حلمية عن الكيفية التي 
يمكن بها تحريك مخزون العنف الفلسطيني» 
عبر لعبة استيعاب واسترجاع استخدامي في 
خانة الممكن: ١‏ - الأسلحة التي ليست في 
الفيلم سوى ألعاب نارية» والمتفجرات التي 
ليست سوى أسهم نارية» 7 - للأيديولوجيا 
الصهيونية نفسها عبر استخدام واحدة من أشهر 
أغنيات الأمل الصهيوني تغنيها الفتاة على 
طبري وهي جالسة يحضنتها العلم الفلسطيني 
في قاعة المسرح الوطني الفلسطيني. وعنصر 
الاستيعاب يبدو هنا واضحا: حيث إن معاني 
الأغنية التي كانت جذبت ملايين اليهود 
إلى فلسطين يمكن أن تنطيق الآن على 
الفلسطينيين. ويمكن فهم مخزون العنف 
والغضب الذي يعيق به هذا المشهد إن نحن 
تذكرنا كم أن اليهرد حرصاء على ذاكرتهم 
وعلى الاستحواذ على دور الضحية وأهل 
«الغيتو» لا يشاركهم بهما أحد. 

ولعل واحدة من النقاط الأساسية التي 
يتسم بهافيلم اسجل اختفاء؛ هي تلك 
الاستعادة التي يمارسها على مفاهيم صهيونية 
مثل «الغيتو؛ و«العودة بعد انتظار» والعبة 
الضحية والجلاد». وفي اعتقادنا أن قراءة متأنية 
لكل هذه العناصر في الفيلم ستوصل المتفرج 
إلى جزء من لعبة إيليا سليمان الأساسية: اللعبة 
المزدوجة حيث في الوقت نفسه الذي يعلن 
إيليا سليمان عجزه التام عن تحقيق فيلمه 
وعن العثور على أي أمل في السلام العتيد» 
نجده يرمي علامات كثيرة عن الأمل وعن فعل 


السفراء 


المقاومة وعن الرفض التام لما يحدث على 
لسان شخصية الفتاة. 

إن إدراك هذا البعد الأساسي من أبعاد 
رؤية إيليا سليمان كان من شأنه أن يدفع 
الفيلم في اتجاه آخر وحمّله قراءة أخرى يفتح 
الفيلم عليهاء لكنه لا يتوقف عندها طويلاً. 
ذلك بكل بساطة» لأن «سجل اختفاء» كما 
صوره إيليا سليمان» لا كما سيصل في نهاية 
الأمر إلى متفرّجيه» هو فيلم عن إيليا سليمان 
وعن عجز إيليا سليمان عن رؤية المتغيرات. 
والحال أن المخرج رمى الكثير من العلامات 
في هذا السياق» واضعاً في ترف متفرجه أكثر 
من إمكانية لقراءة الفيلم. ولعل هذا ما جعل 
نوعاً من سوء التفاهم يسيطر على العلاقة بين 
المتفرجين والفيلم. 

مهما يكن في كل هذاء يبدو لنا المخرج 
وكأنه يقول: هذا ما شاهدته بأم عيني. ولكن 
هذاء من ناحية أخرى ما يمكن أن يكون حدث 
من دون أن أنتبه إليه. وهذا ما يفصل الفيلم بين 
عالمين: عالم الرؤية الذاتية المحيطة» وعالم 
الواقع الموضوعي الأقل إحباطاً والأكثر حملاً 
للإمكانات. ولعل في إمكاننا أن نقول هنا إنه 
إذا اختار المتفرج جانب عالم الاجتماع في 
الفيلم» كان في مقدوره أن يرصد مع المخرج 
عالم الحياة اليومية» بما فيها من أبعاد أخلاقية 
موقف الخالة من الفتاة المخطوبة» أو الحوار 
الطريف فوق مركب الصيدء وعالم الحصار 
الغيتوي الذي يعيش فيه فلسطينيو 219548 
ومشهد النافورة في تل أبيب» حيث تأتي 
دلالة المشهد السياسية المطلقة من توقف 


رف 


النافورة والموسيقى حين يشرع إيليا سليمان 
في التمتع بهماء وعودتهما إلى العمل حال 
مغادرته المشهد «أن تل أبيب ترفضني» ذلك 
ما يقوله المشهد. ولكن فلسطين كلها ترفض 
إيليا سليمان الذي لم يعد قادراً على أن يعثر» 
لا على طفولته ولا على حاضره ولا على 
مستقبله في هذا المكان الهلامي الذي هو 
إسرائيل/ فلسطين بعد أوسلو. 

بعد كل شيء كان من الواضح أن هذا 
الفيلم الذي أتبعه إيليا سليمان خلال السنوات 
اللاحقة بجزأين آخرين هما المميزان والفائزان 
لاحقاً فى «كان» وغيره: (يد إلهية» و«الزمن 
المتبقي» ما شكل ثلاثية استثنائية أتى لا يشبه 
أي سينما فلسطينية سبقته» وكان في الإمكان 
أن نقول في صدده يومها: ها هي السينما 
العربية تولد من جديد. 


«السشراء» 


1/5و ١" )1١‏ د.(ألوان) 


إخراج: ناصر قطاري 
سيئارد بو: 


ب ناصر قطاريء أحمد قاسم وآخرون 
جان جاك روشو 
حمادي بن عثمان 


تصوير: 
موسيقى: 
تمثيل: 


وإذا كان الكثير من الأفلام التي تريد 
لنفسها أن تكون سياسية تعتمد أسلوب السرد 
التاريخي» للتحدث من وجهة نظرها عن 
مشكلة كالاستعمار» وآلية الحصول على 


السفراء 


الاستقلال وما بعده» فإن فيلم «السفراء؛ الذي 
أنتج بصورة مشتركة بين تونس وليبياء وأخرجه 
التونسي ناصر قطاريء اعتمد أسلوباً ولغة 
سينمائية أكثر بساطة» لطرح مشكلة أخرى 
تتعلق بإحدى النتائج التي أسفر عنها احتلال 
المستعمر لبلدان العالم الثالث. 

فالسفراء» ينطلق من حكاية اغتيال الشاب 
الجزائري المقيم في فرنساء جلالي بن عيده 
في العام الاو ليقدم من خلال هذه الحكاية 
صورة حقيقية وقاسية للأوضاع المزرية التي 
يعيشها العمال العرب المهاجرون. والفيلم 
يتتبع» منذ بدايته» هجرة أحد العمال من تونس 
إلى فرنساء ثم حياته في فرنسا واصطدامه 
بالعنف العنصري الذي يجابه فيه العرب هناك» 
وهو عنف يصل إلى حد القتل. 

ويقدرماتيدوهذه المشكلة خطيرة 
وجدية؛ وبعيدة من وجدان الشعب العربي» 
والأموال العربية التي كانت في الزمن 
الذي أنتج فيه الفيلم - أي سبعينيات القرن 
العشرين -» تحاول أن تجد حلولاً لمشكلات 
شعوب أجنبية عديدة» من دون أن تحاول 
المساعدة على حل مشكلة مئات ألوف من 
العرب الذين لا سلاح لهم؛ في مواجهة 
عنصرية عدد كبير من الفئات الشعبية»؛ سوى 
الصبرء أو محاولة الدفاع عن الذات في أحسن 
الأحوال. أقول بقدر ما تبدو هذه المشكلة 
خطيرة وجدية» بقدر ما كان الجهد الذي بذله 
مخرج «السفراء؛ لإبرازها جدياً ويستحق 
الثناء. 


غير أن النقيصة الأساسية للفيلم تكمن 
في أنه حين حاول التحدث عن «استقبال» 
البلدان «المضيفة» للعمال المهاجرين» 
لم يحاول ‏ أو بالأحرى لم يتمكن - من 
تناول الجانب الأساسي في هذه المشكلة: 
أعني التخلف الاقتصادي في أوطان مؤلاء 
المهاجرين» وهو التخلف الذي يدفع بهم إلى 
الهجرة» في محاولة لتلمس الرزق» أولاً نحو 
عواصم أوطانهم» ثم نحو المراكز الصناعية 
الأوروبية» حين تعجز تلك العواصم عن 
استيعابهم. صحيح أن الفيلم حاول في بعض 
اللقطات الجيدة في المشاهد الأولى أن يشير 
إشارة واضحة إلى هذا الواقع؛ غير أنه لم 
يعد إليه بعد ذلك» واكتفى بتصوير أساليب 
التصدي للدفاع ضد العنصرية؛ وذلك عن 
طريق الاتحاد بين العمال المهاجرين أنفسهم» 
ثم التحالف بينهم وبين أبناء الطبقة العاملة 


الفرنسية (أو غير الفرنسية في البلدان الأخرى 


قرف 


غير فرنسا). 

وفيلم «السفراء» قد لا يكون أول فيلم 
حاول تناول هذه المشكلة» فهناك قبله «البعض 
والآخرون» لمحمد بن صالح» وهتاك #العمال 
العبيدة لمحمد هندو؛ وهناك «مكتوب» لعلي 
غالم» و«أليز أو الحياة الحقيقية»؛ لميشال 
دراش.. إلخ غير أن فضيلة «السفراء؛ تكمن 
في أنه ابتعد إلى حد ما عن الثرثرة» وحاول 
أن يقدم حكاية متوازية الإيقاع» ضمن خط 
سينمائي شيّق وممتع قادر على التعاطي مع 
الجمهور ولا سيّما الجمهور المعني مباشرة 
بتلك المأساة. وكذلك تكمن فضيلته في 


سفر يرلك 


أنه كان أول فيلم لا يكتفي بتصوير الجانب 
العنصري المأسوي من القضية» وإنما تجاوزها 
ليقدم صورة لخطوات التصدي للمأساة» 


ومقاومتها في شكل فعَّال. 
«سفر يرئلك» 
(1959) 6 د. (ألوان) 
إخراج: هنري يركات 
سيناريو وحوار: الأخوان رحباني 
تصوير: جان كلود روبان 
موسيقى: الأخوان رحباني 
تمثيل: فيروزء نصري شمس الدين» 
إحسان صادق 


يعد عامين أو ثلاثة من تحقيق يوسف 
شاهين للفيلم الأول لفيروز والأخوين رحباني 
«بيّاع الخواتم»» خلال النصف الأول من 
سنوات الستين؛ قرر المنتج نادر الأتاسي» منتج 
ابياع الخواتم؛ بالاتفاق مع عاصي ومنصور 
الرحباني معاودة الكَّرّة» على رغم الإخفاق 
التجاري النسبي للفيلم. فنادر الأتاسي في 
ذلك الوقت لم يكن» أصلاًء يراهن على نجاح 
تجاري كبير» كان كما رغيته دائما - يراهن 
على المستقبل ويقول في نفسه إن إنتاجه قبضة 
من أفلام ذات سمعة» ترضيه شخصياًء سيكون 
تعويضاً جيداً مقابل توظيفه رساميل كثيرة في 
أفلام تحقق مداخيل جيدة من دون أن تكون 
قيمتها الفنية كبيرة. 


غرف 


ولكنء لئن كان الأتاسي والرحبانيان قد 
اتخذا قراراً بتحقيق فيلم جديد. خامر ذهنهم 
أمر لا بأس بافتراضه هنا. وهو أن الإخفاق 
التجاري ل «بياع الخواتم» ريما سببه مزدوج: 
تحقيق يوسف شاهين له وشاهين 
معروف عادة بأنه ليس مخرج شباك تذاكر» 
بل هو مخرج فنان يحقق الفيلم المتاح له 
من دون أية اعتبارات أخرىء غير الاعتيارات 
الفنية: ومن ناحية أخرى كون الفيلم مأخوذاً 
من مغنّاة مسرحية معروفة بمعنى أنه لم يحمل 
جديداً لمتفرجين مولعين بفيروز والأخوين 
رحباني. فما العمل هذه المرة؟ نأتي بمخرج 
آخر قد لاا يقل عن يوسف شاهين من ناحية 
القيمة الفنية» لكنه أكثر منه رسوخاً في لعبة 
شباك التذاكر» ثم نكتب فيلماً خصيصاً للسينما 
لا علاقة له بالمسرحيات الرحبانية» مع إضافة 
الغناء والحكايات اللطيفة والرقص الجماعي 
وما إلى ذلك. ويما أن تلك المرحلة كانت 
في شكل عام مرحلة وطنية» بل قومية الطابع 
بامتياز» سيكون مستحباً أن يكون موضوعه 
وطنياً. 

وعلى هذا النحو سيكو ن الفيلم 
الفيروزي - الرحباني التالي فيلم «سفر برلك» 
)»١460(‏ الذي رؤي أن من الآمن له» سياسياً 
طالماً أنه فى نهاية الأمر سيكون ذا صبغة 
سايق أن بقث ر أحداثاً في أيام العثمانيين 
أوائل القرن العشرين... وموضوعاً من حول 
التجنيد القسري للشبان اللبنانيين في الحرب 
العالمية الأولى التي خاضتها تركيا إلى جانب 
ألمانياء ضد الحلقاء. 


من ناحية 


سفر برلك 





في حوار طويل ومفيد مع الناقد والمؤرخ 
هاشم النحاس نشره هذا الأخير في كتاب 
تكريمي لهنري بركات صدر في إحدى دورات 
مهرجان القاهرة السينمائي» أصر بركات على 
أن يفرد لهذا الفيلم كلاماً خاصاً ومطوّلاً دلأنه 
غير معروف بالنسبة إلى الجمهور المصري 
رغم أنه قوبل في لبنان بإقبال عظيم» وكذلك 
كانت حاله في سورية والأردن». أما في مصر 
فإنهء وفق بركات. لم يُعَرّض سوى ثلاثة أيام 
لتتضافر على إنهاء حياته في مصرء لهجته 
اللبنانية التي لم يفهمها المتفرج المصري. 
وكذلك اعتراض السفارة التركية في القاهرة 
يومها على عرض الفيلم في سابقة مضحكة. 
حيث إن احداث الفيلم تدور في حقبة من 
تاريخ تركياء انقلبت» أصلاً» تركيا الحديثة 
عليها. فما هي» على أية حال قصة هذا الفيلم؟ 

في اختصار تدور الأحداث» كما قلناء 
أثناء الاحتلال العثماني للبنان ولمناطق عربية 
عديدة. حيثء إذ تندلع الحرب العالمية الأولى 
وتعلن السلطنة العثمانية مشاركتها فيها يحاول 
لبنانيون مقاومة ذلك الاحتلال» ولا سيّما إذ 
يسيطر الشح والجوع... فيكون رد السلطات 
العثمانية جمع الشباب (القبضايات) وإرسالهم 
إلى الجبهة في مسار كان يسمى «سفر برلك6 
أي المنفى من طريق السفر براً. لكن الشبان 
يرفضون إطاعة الأوامر. ومن بينهم عبدو 
الذي تنموقصة حب بينه وبين الحسناء 
عبلة» ابنة القرية التي تمضي وقتها تبحث عن 
القمح لسد غائلة الجوع عنها وعن أهلها... 
لكن العثمانيين يكونون قد حصدوا كل شيء 


رغرفا 


ولميبق سوى الفراغ. بل إنهم (يحصدون» 
عبدو نفسه إذ يعتقلونه وتحاول عيلة البحث 
عنه وصولاً إلى فصل الشتاء حيث تعجز عن 
العثور عليه. وهنا يقرر أحد الأعيان الثورة في 
وقت يبدأ عمدة القرية محاولات الحصول 
على القمح من دمشق. في تلك الأثناء يحاول 
عبدو الإفلات من قبضة السلطات العثمانية 
مع صديق له؛ لكن الجنود يطلقون عليه النار 
ويردون الصديق قتيلاً» ويتم القبض على مزيد 
من الثوار... لكن الثورة تعود طبعا لتندلع من 
جديد.. وصولاً إلى النصر في النهاية. 

إذا كان ثمة واقع تاريخي خلف هذه 
الحكاية» فإن الحكاية في حد ذاتها أتت من 
نسج الخيالء على الطريقة الرحبانية» مع 
أنها أنت أقل فانتازية من المعتاد في عمل 
الأخوين المبدعين. وربما يمكن القول إنها 
هو الذي كان قد قدّم سابقاء في مصر. ثلاثة 
من أبرز الأفلام الريفية المصرية ومن أكثرها 
واقعية: «(حسن ونعيمة؛ )١9465(‏ عن رواية 
لعبد الرحمن الخميسي؛ وقدعاء الكروانة 
)١19476(‏ عن رواية يوسف إدريس. 

مهما يكن من أمر. نجح #سفر برلك6 
لدى الجمهور في شكل تفوّق كثيراً على 
«بيّاع الخواتم؛. ولقد أثلج ذلك النجاج 
صدور أصحاب الفيلم» وفي مقدمتهم؛ طبعاء 
الأخوان رحباني ونادر الأتاسي»؛ بحيث 
قرروا تكرار التجربة» ومن جديد في عمل من 


السقّامات 





للسينما. وهكذا ولد في العام /1951 ١978‏ 
فيلم #بنت الحارس»» وهو كان الحلقة 
الثالئة ‏ والأخيرة - في الثلاثية السينمائية 
الرحبانية التي انتجها نادر الأتاسي» الذي ظل 
بعد ذلك يحلم طوال عقود بحلقة رابعة يتم 
فيها تحويل مسرحية «هالة والملك» إلى فيلم 
سينمائي لبناني إضافي» لكنه أخفق في ذلك» 
وريما بسبب رحيل عاصي واندلاع الحرب 
اللبنانية. فكان الفيلم سورياً في نهاية المطاف. 





«السقًا مات» 

(/او١) ٠‏ د.ألوان) 
إخراج: صلاح أبو سيف 
سيناريو وحوار: محسن زايد 
تصوير: محمود سابو 
موسيقى: فؤاد الظاهري 


تمثيل: 


يحكي عبد الرحمن الخميسي في كتاب 
طريف له. صدر في الخمسينيات» بعنوان 
مناخولياء حكاية المثل الشعبي الذي يعتبر 
شتيمة في الأوساط الشعبية المصرية «أبوك 
السقامات». ويوسف السباعي» في روايته 
#السقا.. مات؛ التي صدرت في العام 219065 
وتعتبر عادة من أفضل أعماله؛ يستفيد من 
هذا المثل ‏ الشتيمة» ليبني عملاً روائياء 
يقوم جزء أساسي منه على الحوار. والذين 
يعرفون الرواية التي أنجزها السباعي قبل 


عزت العلايلي» فريد شوقي» شويكار 


عرق 


مرحلته الرومانسية؛ يلاحظون فيها تلك 
الرؤية السينمائية التي جعلت مسألة تحويلها 
إلى فيلم: أمراً بالغ الإغراء» لولا موضوعها 
المغرق في سوداويته» والعاجز عن استقطاب 
المتفرجين. فالسينما «الشعبية» المصرية؛ أولاً 
وأخيرأء سينما تقوم على هذا الاستقطاب 
ولا حياة لها بغيره. 

من هنا يمكن اعتبار العمل الذي أقدم 
عليه يوسف شاهين كمنتج؛ وصلاح أبو سيف 
كمخرج» ومحسن زايد ككاتب السيناريو 
والحوار» مغامرة سيئمائية غير مأمونة ولا سيّما 
في ظل الأوضاع الراهنة للسينما المصرية. 
ومنذ الوهلة الأولى للمقارنة بين الرواية 
والفيلم» يلاحظ بأن هذا الأخير كان متفوقاًء 
ولا سيّما في مجال أساسي» هو مجال رسم 
البيئة الشعبية» الذي عاد فيه أبو سيف إلى 
أعماله في الخمسينيات... ففي هذا المجال 
بالذات» جاءت كاميرا أبو سيف لتحقق ما عجز 
عنه قلم يوسف السباعي. 

ولكنء لو ظل الأمر عند حدود هذا 
الإنجاز» لجاز اعتبار «السقا مات واحداً 
من الأفلام المميزة. غير أن في بنية العمل 
مشكلة أساسية؛ عكست نفسها على مدى تقبّل 
الجمهور له. والمرء لا يبدو ميالاً إلى الاتفاق 
مع أبو سيف في تفسيره لابتعاد الجمهور عن 
الفيلم» إذ يعزوه إلى الطابع الأسود. والموت» 
وجو التشاؤم... وكلها عناصر تفرض نفسها 
فرضاً على مناخ الفيلم. فالواضح أن ما يبعد 
الجمهور هو الحبكة؛ وبالتحديد البناء الدرامي 


لأحداث الفيلم. 


السقًّا مات 


«السقا مات» سواء كان رواية أم فيلما» 
هو بالدرجة الأولى «أمثولة أخلاقية»» تقوم 
على رسم شخصيات. أكثر مما تقوم على 
بناء أحداث. وفي مجال رسم الشخصيتين 
الرئيسيتين: المعلم شوشة» وشحاتة أفندي» 
بدا واضحاً مدى توفيق يوسف السباعيء وأكثر 
منه صلاح أبو سيف. ولكن بناء شخصيتين 
في عمل يستغرق 1٠٠١‏ صفحة. أو ساعتين 
من العرض السينمائي» لا يكفي وحده لتقديم 

ليس هذا الكلام؛ محاولة للنيل من 
الفيلم؛ فالفيلم كما سبق وقلناء حدث في 
تاريخ السينما المصرية» وهو حدث لأكثر من 
سبب. غير أن اعتباره حدثاً شيء» وتوقع تدفق 
المتفرجين عليه بالألوف شيء آخر تماماً. 

يحكي «السقا مات» عن علاقة تقوم بين 
رجلين, الأول» المعلم شوشة» يعمل سقاءً 
في حي شعبي في القاهرة؛ ويعيش غارقاً في 
الحزن لوفاة زوجته قبل عشرة أعوام؛ متكئاً من 
جهة على طفله الحكيم؛ ومن جهة ثانية على 
حماته الضريرة التي تقوم بخدمته» وتطمح 
إلى تزويجه من جارة حسناء. والثاني» شحاته 
أفنديء المفلس دائما والمقبل على الحياة» 
رغم أنه يعمل «مطيباتي» في الجنازات. 
والعلاقة التي تنشأ بين الرجلين غريبة الظروف 
والمسارء لكنها تسفر عن صداقة حقيقية» وإن 
قصيرة: بينهما. 

وفي تركيبة الرجلين» جدلية غاية في 
الفلرافة هن الشرستن أن البيخوواع كما 
المؤلف - لم يتمكن من الاستفادة منها كما 


ينبغي: فالمعلم شوشة» الحزين الوحيد العابق 
بالمرارة؛ يعمل سقاءَ... أي أن من عمله بعث 
الحياة فى المزروعات والكائنات. أما شحاتة 
أفندي» فهو مرح» فيلسوفء مقبل على الحياة 
وملذاتهاء رغم عمله المتواجه أبدأ مع الموت. 
هذه الجدلية بين تركيبة الرجلين؛ لم تبدٌ 
واضحة. ولم تقدر على دفع المخرج للاستفادة 
منها. وإن كان قد استفاد كثيراً من بناء شخصية 
شحاتة أفنديء التي وضع السباعي على 
لسانها عبارات فلسفية نابعة مباشرة من الفهم 
السطحي للوجودية» كما انتقل من أوروبا إلى 


. شرقنا الأوسط غداة الحرب العالمية الثانية. 


ومن هنا اعتبار «السقا مات" عملاً فلسفياً ذهنياً 
(وهو ما يعززه كون الجزء الأكبر من صفحات 
الرواية تشغله الحوارات ذات المغزى بين 


شوشة وشحاته). 





السقًا مات 





هنا نلاحظ أن مجرى الأحداثء لم يتمكن 
من تشكيل الحبكة المطلوية: ذات يوم» وإثر 
ليلة عابقة (غابت عن الفيلم!)» يموت شحاتة 
أفندي غارقاً فى ذكريات ملذاته» ويدفن» ويبدأ 
حوار غريب ومرير بين شوشة وبين الموت 
«الجبان الذي يأخذ الناس على حين غرة»» 
ينتهي الأمر به أو يكادء إلى أن يحل محله 
كمطيباتي للجنازات» لكنه بعد تجربة أو اثنتين» 
يقلع عن هذا الخطء ويفاجأ بأنه قد عَيّن شيخاً 
للسقائين. والفيلم ينتهي على رقيّه الاجتماعي 
هذاء الذي يأتيه كتعويض على فقدانه لزكية 
(التي تتزوج شاباً من عمرها في اللحظة التي 
يقرر فيها أن يتزوجها... بفعل نصائح شحاتة 
أفندي). ولشحاتة أفندي الذي زع لديه نسغ 
الحياة قبل أن يموت. وكان هذا واحداً من 
أفضل مضامين «السقا مات6. 

غير أن قولنا هذاء لا ينفي عن الفيلم سقوطه 
في لحظات معيئة» في فخ الميلودراما... وهو 
فخ أنقذ الفيلم منه أكثر من مرة بفضل قوة أداء 
عزت العلايلي» ولا سيّما في اللقطة التي تلي 
إدراكه استحالة زواجه من زكية؛ حيث يقف 
أمام المرآة» ليرى نفسه» بعد سنوات طويلة 
من غيابه عن صورته: هنا يكتشف رجلاً يكاد 
يكون عجوزاء فيسأل حماته الضريرة (وفى 
هذا السؤال ما فيه من مفارقة): لماذا لم تخبره 
أنه بات رجلاً عجوزاً؟ وكيف مرّت عليه الأيام 
كلمح البصرء من دون أن ينتبه لمرورها؟ 

رغم خيبته هذه» ولأن بناء يوسف السباعي 
للشخصيات مستقى مباشرة من أجواء 
المنفلوطي ورومانسياته المحزنة» سيتحول 


هرف 


المعلم شوشة إلى فاعل خير» وسيحضر عرس 
الفتاة التي شاء الزواج منهاء بل وسيساهم في 
العرس. 

إن هذه النقطة في الفيلم» تشكل واحدة من 
أضعف لحظاتهء وتكاد إلى حد ماء تقرّبه من 
بعض السذاجة التي طبعت فيلمي أبو سيف 
الأخيرين «حمام الملاطيلي» و«الكذاب»» 
على رغم تفوق العمل الأدبي في هذين 
الفيلمين على العمل السينمائي الذي حققه 
أبو سيف. 

في «السقا مات»» ورغم هذا النقص 
الأساسي (غياب وحدة الحبكة الروائية» إضافة 
إلى قصور قصة السباعي عن أن تكون متكاملة 
كأمثولة أخلاقية)» تمكن صلاح أبو سيف من 
استعادة أجوائه القديمة: الحي الشعبي» بأهله 
وحواراته. المقهى» الحمام» غانية المحي» 
الحشيشة.» والعرس... هذه العناصر التي 
شكلت على الدوام جوهر العمل السينمائي 
الشعبي كما تجلى عبر عين أبو سيف الذكية 
وذات الملاحظة الدقيقة. 

وإذا أضفنا إلى هذا المناخ, الأداء الرائع 
الذي قام به كل من عزت العلايلي (في دور 
المعلم شوشة) - ولا سيّما في تلك المشاهد 
العميقة التي صورته حزينا وحيداء تكاد 
الكلمات لا تخرج من بين شفتيه الا عابقة 
بمرارة -» وفريد شوقي (الذي أدى هناء في 
دور المعلم شحاته» واحداً من أجمل أدواره 
على الإطلاق» حيث بدا فيلسوفاء مفلساء تواقا 
إلى الحياة» فى شكل ذكّر بأجمل أدوار الفنان 
الراحل نجيب الريحاني): إذا أضفنا أداء هذين 


سلامة في خير 





الممثلين» سيكون أمامنا واحد من الأفلام 
النادرة والفريدة في تاريخ السيئما المصرية» 
التي عرفت عين صلاح أبو سيف أن تلتقط فيها 
عشرات التفاصيل الصغيرة» تماما كما عرفت 
أجهزة الصوت في الصالة التي تعرض الفيلم» 
كيف تشوه عشرات الجمل والعبارات» وتفسد 
على الجمهور متابعته تطور الشخصيات» 


والحوار الخلاق بينها! 

«سلامة في خير» 

197) ٠٠د.‏ أسود وأبيض) 
إخراج: نيازي مصطفى 
فكرة: أحمد سالم 


سيناريو وحوار: بديع خيري؛ نجيب الريحاني 


تصوير: محمد عبد العظيم 
موسيقى: محمد حسن الشجاعيء عبد الحميد 
عبد الرحمن 
تمثيل: نجيب الريحاني» راقية إبراهيم» 
حسين رياض 


في ذلك الحين كان نجيب الريحاني 
المقترب من سن الخمسين في ذروة نجاحه 
المسرحي» وكان يشكل مع بديع خيري ثنائياً 
مرموقاً في مجال الكتابة والإخراج المسرحي. 
أمانيازي مصطفى فيكاد لا يبلغ الخامسة 
والعشرين من عمره» ولم يكن قد سبق له أن 
مارس الإخراج من قبل؛ هو الذي كان يعمل 
في التوليف والتقنيات السينمائية لا أكثر. ومع 
هذاء حين نشاهد اليوم هذا الفيلم الذي أخرجه 


خرف 


نيازي مصطفى كفيلم أول له؛ وكتبه الريحاني 
وخيري ومثّله الريحاني الذي كان نجم النجوم 
في ذلك الحين» سنلاحظ من دون ريب» 
وبالتحديد على ضوء ما سوف نعرفه لاحقاً من 
قدرات نيازي مصطفى التقنية ولغته السينمائية 
التي أعطت للبعد البصري مكانة تفوق مكانة 
الحوار في أفلامه؛ أن «سلامة في خير» ينتمي 
إليه أكثر مما ينتمي إلى نجيب الريحاني. 
بمعنى أن نيازي مصطفى عرف كيف يسيطر 
على الفيلم مكتسباً ثقة الريحاني. وحتى اليوم 
من الصعب علينا تفسير هذا الأمرء ولكن ليس 
من الصعب اعتبار هذا الفيلم دائماً واحداً من 
أفضل الأفلام الكوميدية التي حققتها السينما 
المصرية في تاريخها. 

حين ظهر هذا الفيلم لمم يكن عدد 
الأفلام المصرية التي حققت من قبله قد بلغ 
المئة فيلم» ومع هذا يشاهد هذا الفيلم» منذ 
إعادة اكتشافه؛ قبل نحو عقد من السنين» 
حيث كان له عرض باريسي لافتء وكأنه 
فيلم معاصرء بما فيه من سيطرة على الصورة 
وحبكة في السيناريوء ثم بخاصة تمثيل 
عرف نيازي مصطفى كيف ينتزعه من. قيود 
الأداء المسرحيء ليضع متفرجه أمام سينما 
خالصة. 

أما موضوع الفيلم الذي اقتبس مع هذاء من 
مسرحية عنوانها #الزائرون» فيدور من حول 
سلامة الذي يعمل ساعياً في محل الخواجة 
هنداوي لبيع الأقمشة. وها هو ذات نهاية 
أسبوع يكلف بنقل محفظة غلة المحل كيب 
يودعها في البنك كما اعتاد أن يفعل. غير أنه: 


ضصمع مسن 





لسبب ما يتأخر ليجد البنك قد أقفل أبواب 
فيعود إلى المحل كي يترك محفظة المال فيه» 
فيكتشف أن المحل بدوره قد أقفل الأبواب. 
يجزع إذ إنه لا يريد الاحتفاظ بالمال بقية اليوم 
ولايوم الأحد. ولكن ما العمل وهو كلما 
تحرك بين حانوت الحلاق وبيته وفي الشارع 
ليسمع بحكاية لصوص يسرقون النقود من 
المحفظات أو من الشقق. فيحار في أمره حتى 
ينصحه صديق بأن يبات في فندق حيث يمكن 
وضع المحفظة في خزنة الأمانات باعتبار 
أن هذا أضمن... لكن الفندق يطرده بسبب 
مساومته اللجوجة على سعر المبيت. ثم وهو 
يحاول الخروج من الفندق يصل أمير شرقي 
يلاحظ من فوره مدى الشبه بينه وبين سلامة» 
فيتفتق ذهنه عن فكرة تمكنه من أن يمضي وقته 
متخفياًء إذ يزعم أن سلامة هو الأمير وأنه هو 
ليس سوى فرد من أفراد الحاشية. 

وهكذا يعود سلامة إلى الفندق مرحباً به 
مكرما ليعيش جملة مفارقات في منتهى الطرافة 
بين جيهان ابنة الباشا التي تحيط به طمعاً في 
ثروته؛ والأمير الحقيقي الذي تعجبه وصيفة 
جيهان... ويتتهي كل ذلك بسوء تفاهم يؤدي 
إلى القبض على سلامة بتهمة انتحال شخصية 
وكذلك سرقة أموال المحل وتبديدهاء غير أن 
الأمير ا يقي يتدخل هنا لتسوية الأوضاع 
ويعود كل شيء إلى قواعده سالماً. 

من المؤكد أن «سلامة في خير» أتى فيلماً 
لا يحمل أية قضية؛ لكنه كان فيلماً طريفاً 
مسلياء تمكن مخرجه من أن ينفذه بحرفية 
عالية» ولا سيّما تضمئه العديد من المشاهد 


كرفا 


المثيرة والمضحكة. وغالبيتها على طريقة 
شارلي شابلن التي كانت في أوجها في ذلك 
الحين. 





)19491١(‏ 6 د.(ألوان) 
إخراج: شريف عرفة 
سيناريو وقصة وحوار: ماهر عواد 
تصوير: محسن أحمد 
موسيقى: مودي الإمام 
تمثيل: ليلى علو ي؛ ممدوح عيد العليم» 
حسن كامي 


أسفر التعاون بين شريف عرفه وماهر عواد 
عن أكثر من فيلم في نوع من تيار سينمائي كان 
حامد؛ الذي عمل مخرجاً مساعداً في «سمع 
هس». والحال أن النجاح النسبي لهذا التيار 
ولا سيّما لبدايات شريف عرفة فيه تدين إلى 
إيمان نجوم كبار مثل ليلى علوي وعادل إمام 
به» وإدراكهم عمق مصريته إذ يقوم على قسط 
لا بأس به من الخيال والفكاهة وحتى الغرائبية 
التي تخفي وراءها حساً شعبياً أكيداً. 

ولعل من أهم خصائص أفلام هذا التيار 
سواء كان من تحقيق عرفة أو حامد أو الميهي» 
أن سينماه بصرية أولاآً وأخيراء بمعنى أن من 
الصعوبة في مكان تلخيص أحداث الفيلم» أو 
حتى إيجاد منطق عقلاني يربط أحدائه بعضها 
ببعض. مهما يكن. فإن للفيلم حكاية وهي 


سواق الأوتوييس 





تدور من حول المغنيّين الشعبيّين حمص 
وزوجته الحسناء حلاوة اللذين يتجولان في 
الموالد والأفراح والمناسبات الشعبية في مدينة 
الإسكندرية وحولها حيث يكسبان رزقهما 
البسيط؛ وسعادتهما التي لا تحدٌ من الغئاء 
هناك» وغالباً أغنيات يتوليان كتابتها وتلحينها. 
ويحدث ذات يوم لواحدة من أغنياتهما أن 
تعجب جمهور البسطاء الشعبي فتشيع ليكتشفا 
بعد فترة أن المطرب المشهور غندور قد سطا 
على اللحن ليحوله إلى أغنية وطنية سرعان ما 
تشيع وتزدهر وقد زعم غندور أنها من تلحينه. 
وهنا يبدأ الزوجان البسيطان سعيهما لإثيات 
حقهماء ولكن كيف؟ فهما ليس في وسعهما 
إثبات أي شيء؛ وليس في وسعهما التصدي 
لغندور المرتبط؛ كما يقول لنا الفيلم بمراكز 
القوى. وهكذا من مسعى إلى مسعى ومن 
فشل إلى فشل يقدم لنا الفيلم صورة عن وجه 
آخر من وجوه السلطة في المجتمع المصري. 
السلطة الواصل فسادها حتى إلى داخل العالم 
الفني» حيث يتمكن غندور حتى من طرد 
الفنانين الشابين من الكازينو الذي يغنيان فيه» 
علماً أن الشاهد الوحيد الذي يعرف حكايتهما 
ويمكنه تأكيدهاء هو الذي يتجول في ملابس 
وماكياج شارلي شايلن» صامت أبكم لا يمكنه 
أن يكون ذا منفعة لهما. 

من ناحية مبدئية» قد يبدو هذا الفيلم خفيفا» 
حيث يعتمد على المسرح والفئون البسيطة» 
بالنظر إلى أنه فيلم أتى محاولأء في ذلك 
الحين؛ إعادة الحياة إلى نوع سينمائي كان 
في الماضي عريقاً في مصريّته لكنه بدا شبه 


خرف 


منسي في ذلك الحين: الكوميديا الموسيقية. 
وهو نجح في هذاء غير أن الأهم من هذا هو 
أن الفيلم تمكن» من خلال بساطته ومرحه» 
من أن يطرح العديد من القضايا التي كانت 
تشغل المجتمع المصري في ذلك الحين» 
والتى تتركز أساساً على قضية الفساد. فلئن 
كان الجانب الواضح هنا هو الفساد في عالم 
الفن» فإن الفساد في عالم القضاء لم يكن 
بعيداً من الشاشة» وانطلاقاً منه الفساد في عالم 
السياسة المرتبط به. ومن هنا كان لهذا الفيلم 
فعاليته الكبرى في ذلك الحين» ولا سيّما 
أن استخدامه نجومية ليلى علوي وموضوعاً 
شعبياً» أوصل الأفكار المشاكسة التي حملها 
إلى أعرض قطاعات المتفرجين. 


«سواق الأوتوبيس» 





(1985) د. (ألوان) 
إخراج: عاطف الطيب 
إنتاج: هاديراما 
قصة: محمد خان. بشير الديك 
سيناريو: بشير الديك 
تصوير: سعيد شيمي 
موسيقى: كمال بكير 


تمثيل: نور الشريف. ميرفت أمين» عماد حمدي 


عند بدايات سئوات الكمانين من القرن 
الفائت؛ لم يكن ثمة في بيئة السينما المصرية 
ما يوحي بأن هناك تياراً سينمائياً يولد لتوّه على 
أنقاض ما كان سمي في ذلك الحين #سينما 


سواق الأوتوييس 





الانفتاح»: وكذلك على أنقاض تلك السينمات 
المتهافتة التي كان أول ما يهمها شباك التذاكر 
ورضى جمهور عريض كانت قد تمت أقلمته 
مع أوضاع سياسية متجددة تتراوح بين اليأس 
والتغريب عن قضاياه الحقيقية» بل حتى 
عن ذائقته الفنية الواعية التي كانت تراكمت 
بفضل سنوات طويلة من زهو سمي في ذلك 
الحين» المد القومي. وكان ذلك هو المد الذي 
أنت هزيمة حزيران (يونيو) 19717 لتنسفه 
من أشاسه. رامية أفكاره في مهب النسيان» 
وجمهوره #العريض» في وهاد اليأس. 

ومع هذا كله» ومن دون سابق إنذار تقريباً 
ولد ذلك التيار الذي» حتى وإن لم يعمّر كثيرا» 
كان ذا أثر كبير في تجديد سينمائي مصري 
مدهش. وطبعاً من الصعب اليوم تحديد 
الفيلم الذي شكل البداية» ولا كذلك الفيلم 
الذي شهد بداية الاضمحلال. وهذا هو دائماء 
قدر التيارات الفنية والفكرية في شكل عام. 
المهم في الأمر أن ذلك التيار» والذي سيسمى 
«الواقعية الجديدة1» كانت له أسماء/ علامات» 
وكان له ميبدعون محددون؛ نذكر منهم على 
سييل المثال علي بدرخان والراحل عاطف 
الطيب ومحمد خان وخيري بشارة وداود 
عبد السيد بين آخرين. أما العلامات فكانت 
نحو دزينتين من أفلام سيكون من أيرزها 
«سواق الأوتوبيس» لعاطف الطيب» من كتابة 
محمد خان. 

لم يكن «سواق الأوتوبيس» لا فيلم البداية 
ولا فيلم النهاية. لكنه كان - ويبقى - الأبرز 
في سلسلة كشفت كم أن أولئك المبدعين؛ 


3 


الشبان في ذلك الحين» يمثلون امتداداً لبعض 
أجمل ما عرفته السينما المصرية في تاريخها: 
من أفلام صلاح أبو سيفء إلى أفلام يوسف 
شاهين مروراً بأعمال بركات وتوفيق صالح 
وكمال سليم وغيرهم. لكنهم - وكان هذا 
نقطة تسجل لمصلحتهم - لم تتسم أفلامهم 
بصرامة «الآباء المؤسسين»» بل راحت تنهل 
مما هو جديد في السينما العالمية. وكان من 
حظها أن يتطابق زمن ظهورها مع زمن ظهور 
جديد» مدهش هو الآخر» في السينما الأمريكية 
على أيدي فرانسيس فورد كوبولا ومارتن 
سكورسيزي وبول شرايدر وغيرهم. ومن هنا 
كان ممكنا لكاتب هذه السطور حين كتب» 
بالفرنسية» دراسة حول ذلك التيار المصري 
الجديد» عرّفت به في أوروباء أن يسميه تيار 
«أبناء صلاح أبو سيف والكوكاكولا». 

لكن ليس هذا هو المهم في الموضوع. 
موضوعنا هنا هوء إذاء الفيلم الأبرز: «سواق 
الأوتوبيس»؛ الذي حققه عاطف الطيب عن 
قصة وسيناريو كتبهما محمد خان وبشير 
الديك. وهذا الفيلم كان الأبرز» لأسباب عدة» 
ليس أقلها قدرته على التصدي لموضوعه 
بقوة النقد الاجتماعي» هو الذي كان همه 
الأساس أن يرصد الجديد الذي طرأ على 
مصر والمصريين خلال الزمن الفاصل بين 
وقوع هزيمة حزيران» وبداية ما سيسمى «عودة 
الديموقراطية»» أي تحديداً تلك السنوات التي 
تبدلت فيها مصرء اقتصادياً واجتماعياً وذهنياً 
أيضاً. غير أن هذا لم يكن كل شيء في هذا 
الفيلم» لأن هذا الأخير لم يسع لأن يكون 


سواق الأوتوييس 





مرافعة أكاديمية في علم الاجتماع أو علم 
الاقتصاد» بل كان همه الأساس أن يكون عملاً 


من هنا نرى «سواق الأوتوبيس»» وقد 
سعى - بطريقة ناجحة - إلى أن يقدم توليفة 
تجمع بين السينما التي تفكر والسينما التي 
يقبل عليها جمهور عريض ليتمتع. ولقد أمّن 
هذا العنصر الأخير وجود «نجوم» من الصف 
الأول في لعب أدوار الفيلم (نور الشريف 
وميرفت أمين ومحمود المليجي بين آخرين)» 
كما أمّنه السيناريو السردي الخطّيء الذي لم 
يسم إلى أية بهرجات شكلية لغوية» ناهيك 
بإخراج بسيط سعى أول ما سعى إلى نقل 
السيئاريو إلى الشاشة بأشكال مقئعة حازمة» 
نيقة... على عكس ما كان يفعل؛ في ذلك 
الحين وقبله؛ نوع من السينما التجديدية كان 
يغوص في ألعاب شكلية لغوية تبعد الجمهور 
جاعلة من الفيلم طلسماً غامضاً... منفراً. 

بالنسبة إلى عاطف الطيبء وزميليه خان 
والديك؛ كان الهم الأساس إيصال مجموعة 
من الصور والمواقف الاجتماعية؛ إنما بلغة 
بصرية هادئة وممتعة» للوصول في النهاية 
إلى خاتمة تقول كل الغضب الذي يعتمل في 
التفوس إزاه.ما يعدت في :مصن: ومن هنا جاء 
مشهد النهاية قويا ومدهشاء كما كان وسيحدث 
دائماً في أفلام هذا النوع من السينما: حدث 
ذلك بعد أن أخفق بطل الفيلم في مسعاه لإنقاذ 
ورشة النجارة التي يملكها أبوه ومهددة الآن 
بالزوال. إزاء ذلك الإخحفاق وإذ يرى حسن» 
سائق الأوتوبيسء أن الإنقاذ مستحيل» يندفع 


وراء نشال يرصده وهو يحاول سرقة راكب 
في الأوتوبيس لينهال عليه ضرباً صارخاً به هيا 
أولاد الكلب». المفارقة» وقوة المشهد, هناء 


: ويكمنان في أن حسن نفسه. أول الفيلم» كان 


قد غض طرفه عن النشال حين رصده يسرق. 
فما الذي حدث بين أول الفيلم وآخره» حتى 
تبدل موقف حسن؟ 

في بساطة» حدث التالي: حسن الذي 
يعيش بصعوبة عيشاً متوسطاأً وهو يكد ليلاً 
ونهاراء سائقاً الأوتوبيس صباحاًء وتاكسي 
خاصًبه مساءً كي يؤمّن متطلبات بيته 
وزوجته؛ يكتشف ذات يوم أن ورشة النجارة 
التي يملكها أبوه مهددة بالزوال؛ لأن الأب 
تخلف عن دفع الضرائب طوال سنوات كثيرة. 
إنه هوء حسن. لا يمتلك هذا المبلغ لإنقاذ 
أبيه» الراغب في إنقاذه حتى وإن كان يعرف 
في قرارة نفسه أن المسألة كلها بلا جدوىء فلا 
الأب قادر» بعد على العمل» ولا الورشة تدر 
مالاً... المسألة مسألة عاطفية» لأن المشاريع 
الصغيرة» مثل مشروع أبيه هذاء ما عاد لها 
مكان في زمن المكننة والانفتاح الاقتصادي 
والسمك الكبير الذي يأكل السمك الصغير. 

حسنء على رغم إدراكه هذاء يتئاساه 
تماماً ويسد أذنيه عن واقعيةماتقولهله 
زوجته في هذا المجالء ليقوم بجولة لدى 
إخوته سعيا لجمع المبلغ. ومن خلال هذه 
الجولة التي تأتي نتائجها متناقضة: يضعنا 
الفيلم على تماس مباشر مع التغيرات 
الذهنية المعتملة في المجتمع المصري. أما 
المشكلة الأساس:هناء والمسكوت عنها إلى 


سوبر ماركت 





حد كبيرء إلا من زوجة حسنء التي ترفض 
أن يبيع سيارة التاكسي - التي دفعت هي 
ثمنها - لإنقاذ ورشة أبيه؛ المشكلة الأساس 
هي أن ما يسعى إليه حسن يبدو غير عقلاني... 
أي غير واقعي اقتصادياًء فهو - كما سنكتشف 
بالتدريج - يبحث عن القيم؛ أكثر من بحثه عن 
إنقاذ ورشة لا جدوى من إنقاذها. إنه شخص 
ينتمي إلى عالم بات قديماًء يحاول أن يجابه 
عالماً جديداً لا مكان فيه لأمثاله» وليس فقط 
لأمثال أبيه. حسن إذ يسعى إلى جمع المال 
لإنقاذ الورشة؛ مطلقاً زوجته في سبيل ذلك» 
دافعاً أخته الصغرى للزواج من ثري عجوزه 
ومشتبكاً مع بقية إخواته اللواتي يرفضن 
«حلمه وحلم أبيه الجنوني4» مرغماً أصدقاءه 
على المساهمة في تدبير المبلغ» ناسفاً أحلامه 
الفردية الخاصة بدورها. 

حسن هذا لا يبدوء هو نفسه. مقتنعاً منذ 
البداية بصواب ما يفعل. لكن شيئاً في داخله. 
شيئاً غير منطقي يدفعه لمجابهة التيار» دافعاً 
إياناء نحن الجمهورء إلى التعاطف معه ومع 
مسعاه. ونعرف أن حسن في النهاية يتمكن 
من جمع المبلغ؛ ولكن بعد أن ضحى بأشياء 
كثيرة. ومع هذا فإن كل هذه التضحية لم تُجْدِ 
نفعاً. فالواقع أقوى من الأحلام. هذا ما يقوله 
الفيلم بكل هدوءء من دون أن يحدد لنا ما إذا 
كان أصلاً يدعونا إلى اليأس أو إلى المقاومة. 
الفيلم يكتفي هنا بوضع "ما يجرى في مصر» 
أمام أنظارناء تاركاً لنا تحديد الخطوة المقبلة! 

كان #سواق الأوتوبيس» ويبقى واحداً من 
أقوى أفلام نهايات القرن العشرين في السينما 


5 


المصرية. وهو أيضاً واحد من أقوى ما حققه 
الراحل عاطف الطيب ( - ) الذي توفى وهو 
في عز عطائه؛ بعد أن قدم للسينما المصرية 
عددا كبيراً من الأفلام التي تظل شاهدة على 
قوى وتأثير تيار سينمائي» كان هو واحداً من 
أبرز صانعيه. وإذا استثنيئا فيلم عاطف الطيب 
الأول «الغيرة القاتلة4 المقتبس بتصرف عن 
شكسبير» يمكننا القول إن عاطف الطيب كان 
واحداً من قلة من أبئاء جيله. لم تعرف سيئماه 
التراجع ولا المساومة» تشهد على هذا أفلام 
له مثل «التخشيبة؛ و«كشف المستورة و«دماء 
على الإسفلت» و«البريء» و«الهروب»ة 
وغيرها من أعمال تقول لنا كم أن رحيل عاطف 
الطيب باكرا» كان خسارة للسينما المصرية. 


«سوير ماركت» 
٠ )199(‏ د.,ألوان) 
إخراج: محمد خان 
قصة: محمد خان 
سيناريو وحوار: عاصم توفيق 
موسيقى: : كمال بكير 
تمثيل: نحلاء فتحي» عادل أدهم, 
ممدوح عبد العليم 


حين عرض محمد خان فيلمه هذاء متأخراً 
بعض الزمن عن موعد إنجازه» أجمع النقاد 
على أنه وصل فيه إلى أعلى درجات نضجه 
الفني بعد عشر سنئوات حقق خلالها العديد من 


سوبر ماركت 





الأفلام الجيدة والمتماسكة. كما اعتّبر الفيلم 
نجاحاً كبيراً لكاتب السيناريو عاصم توفيق. 
أما بالنسبة إلى نجلاء فتحيء بطلة الفيلم 
ومنتجته. فقد كان #سوير ماركت؛ علامة 
أساسية في مسارها السينمائي المدهش. ومع 
هذا لم يحقق الفيلم حين عرض في الصالات 
المصرية نجاحاً كبيرأء ومن المؤكد أن السبب 
في ذلك هو اختلافه ليس فقط عن السينما 
السائدة» ولكن حتى عن السينما التي اعتادت 
أن توصف بالواقعية والفنية أو حتى بسينما 
المؤلف. ذلك أن المتفرج وجد نفسه هنا 
أمام أعلى درجات الواقعية المرة» من دون أن 
يغوص في السوداوية. 

فالفيلم هنا هو عن الحياة كما هي. لا كما 
يمكن تخيلها. وعن قسوة الواقع الذي لا نجد 
أنفسنا إلا قابلين» فيهء بتلك الحياة كما هي. 
ليست ثمة هنا بطولات» ولا صعود طبقي» أو 
تلاق بين الطبقات. ليس ثمة تماسك عائلي. 
وليس ثمة انتصار لأية رومانسية. فعلى رغم 
أن شبح عبد الحليم حافظ والزمن الرومانسي 
يخيمان. وعلى رغم حكاية الحب؟ مع ابنة 
الجيران» سينتهي الفيلم داخل سيارة وةالبطلة 
يستمع مرغماً إلى واحدة من أغنيات الزمن 
الرديء... إنه انتصار الرداءة. غير أن الاستماع 
إلى هذه الأغنية من دون إسكاتهاء إنما هو 
تفسير منطقي للفصل الأخير من الفيلم» حين 
نشاهد «ابئة الجيران؛ المحبوبة وقد ارتبطت 
بالطبيب الثري» غير مترددة هارزبة من نظرات 
«الحبيب؟ الرومانسي. إنها ببساطة» مهزومة. 
فارتباطها بالطبيب أنقذها من فقرها كما كان 


برخي 


الطبيب نفسه أنقذ ابنتها من مرضها. والطبيب 
لم يسع إليها حين اختارهاء فيما هي فضلته 
على حبيبها. فهكذا حال الدينا في مجتمع يتغير 
ويسقط وتسقط معه مثله العليا. 

وهذا السقوط هو بالتحديد ما أراد مجمد 
خان تصويره في هذا الفيلم» مؤكداً انتصاره 
في النهاية: وهو فعل هذا من خلال شخصيات 
محورية: رمزي الموسيقي الذي كان يحلم بأن 
يكون بيتهوفن جديداء» فإذا به ينتهي عازفا في 
فندق» وأميرة ابنة الجيران التي» بعدما تزوجت 
خالد وأنجبت منه ابئة» يتركها ليسافر إلى 
الكويت حيث يعمل ويحقق ثروة ثم يعود مع 
زوجته الجديدة لاستعادة ابتته؛ فتعمل بائعة في 
سوبر ماركتء ثم عزميء الطبيب الثري الذي 
يتعرف على رمزيء ثم من خلاله على أميرة» 
ويقرر أن تكون له. 

إذاً من حول هذه الشخصيات الثلاث 
يتحرك الفيلم. في «السينما السائدة0» في 
مثل هذه الحال؛ يكون الحب هو المنتصر 
فى النهاية. ولكن هناء تتبدل الأمور جذرياً. 
فخالد؛ وزوجته الجديدة العاقر: ينتصران 
على أميرة منتزعين منها ابنتهاء ليس بالقانون 
بل بالإقناع بالمال الذي يغدقانه على الفتاة» 
واقتناع هذه بأن الحياة في كنف أبيها وزوجته 
أفضل. وعزمي ينتصر على رمزيء» وينتزع منه 
أميرة» لمجرد أنه قادر على أن يوفر لها حياة 
أفضلء وبالتحديد كعشيقة وليس كزوجة. ثم 
من قال لرمزي إنهء بفقره ورومانسيته؛ يمكنه 
أن يتتصر في المعركة؟ فهو بعد كل شيء حين 
يعود إلى بنت جيرانه» أميرة» فإنما يعود هربا 


السوق السو داء 





من زوجته التي كان على خلافات دائمة معها 
ومع أختها التي تؤويها 

إذء نحن هنا على بعد أميال عن تلك 
السينما الرومانسية وعن ذلك العالم الجميل 
والبسيط. لكننا في قلب سينما محمد خان» 
السيئما المصنوعة من المرارة والرصد الدقيق 
انتقال عنيفة» أخلاقياً واجتماعياً. والسينما التي 
لااتجد غير الفشل موضوعاً لها. ترى أَوَّلم يهدٍ 


أحد الفاشلين إلى كل الناجحين»6؟ 

«السوق السوداء» 

(19:464) د.(أسود وأبيض) 
إخراج: كامل التلمساني 
قصة وسيتاريو: كامل التلمساني 
حوار: بيرم التونسي 
موسيقى: محمد حسن الشجاعي 
تصوير: أحمد خورشيد 


تمثيل: عماد حمدي» عقيلة راتب» زكي رستم 


«... هنا وعلى نحو بريختي» يكشف 
الفيلم الذي كتبه مخرجه. عن آلية المجتمع 
الرأسمالي» من دون أن يتتهي بزواج «البطل» 
من «البطلة4؛ بل يجعل الشعب «البطل4 الذي 
عليه أن يدافعم عن حقوقه بكل الوسائل». بهذه 
الفيلم الذي يميل كثر من النقاد إلى اعتياره 
استثنائياً في تاريخ السينما المصرية» والعربية» 


>32 


كما يعتبرونه فاتحة للسينما الواقعية» مفضلينه 
في هذا الإطار عن فيلم «العزيمة» لنضال سليم 
الذي يحتل عادة هذه المكانة. 

وسمير فريد كان دائماء على أية حال» 
من أوائل الذين دافعوا عن هذا الفيلم كما 
عن مكانة كامل التلمساني في تاريخ السينما 
المصرية/ العربية. علماً أن التلمساني لم يخض 
فن الإخراج السينمائي لفترة من الزمن طويلة» 
هو الذي جاء إلى هذا الفن من الرسم والأدب 
كما من النضال السياسي التقدميء إذ كان 
معروفاً في سئوات الأربعين في مصر بكونه 
واحداً من أبرز المثقفين الطليعيين. وبالتالي» 
كان من الطبيعي ألا يحقق «السوق السوداء» 
النجاح الجماهيري الذي كان صاحبه يت