Skip to main content

Full text of "رواية الأسرى يقيمون المتاريس - فؤاد حجازي"

See other formats










ه كتى عم وحى وحوع 5 
بالتاييخ لزج" ال 8 


ااح.؛-] 
ود 1 
8 


88 8 كف 1 





6 8 





فؤاد 
حجازي 


الأ 
يعيموت المتا 

ر. 

يبسن 


رواي-ة 


دارالشروة 
قاه 


الإسرى يقيمون المتاريس 
ف_ؤاد حجازي ش 
طبع_ة دار الشروق الأولى ٠١٠١/‏ 


تصنيف الكتاب: رواي-ة 


/ ش-ارع سيبوي-ه المص-ري 
مدينة نصر ‏ القاهرة ‏ مصر 
تليفون: ووهممر. عل 

لمك .كأ ن0 0 داك ./اناالالنا 

رقم الإيداع 8١٠/10ثاه‏ 
لاا5| الاو -/ا/ا-9--1و مل 


2 


في صبيحة الخامس من يونيو الحزين عام 2١14717‏ وبالتحديد في الساعة التاسعة» كان جندي الشرطة العسكرية 
الذي ينظم المرور المتجه من العريش إلى رفح» يمد ذراعه الأيمن مشيرًا إلى رفح» معترضًا بذراعه الأيسر أي عربة 
من الجيش مهما كانت رتب الراكبين فيهاء أن تتقهقر إلى العريش» وظل هذا الجندي يؤدي واجبه هو وزملاؤه في 
الكشك المجاور على أكمل وجه. حتى جاوزت الساعة الرابعة بقليل» حينتذ أخذت قذيفة ملتهبة» منطلقة من 
دبابة» على عاتقها مهمة فتح الطريق» أزاحت الجندي والكشك وعمت الفوضى. 

كان هناك قطار لا يقل عدد عرباته عن الأربعين يقف في دوران محطة الأبطال» محملا بالقنابل وذخيرة الدبابات 
الليل إلى مواقعنا القريبة. وكان يجاور دوران السكة الحديدية كتيبة مشاة ظهرها للبحرء غادرت موقعها في الساعة 
الثانية ظهرًا لتدعيم القوات الموجودة في رفح.. وليتها لم تغادر موقعهاء فبعد أن تحركت تسع وعشرون عربة «زل» 
تحمل أفراد الكتيبة كلهم وقد فكوا إلى أجزاء مدافع الحاون والمدافع المضادة للطائرات»ء والمدافع المضادة للدبابات. 
وقبل جرادة بقليل» وفي منتصف الطريق حومت حولنا الطائرات الإسرائيلية» فاضطررنا للانتشار في الصحراء 
المكشوفة. بعد انتهاء الغارة تجمعناء لم يكن قد بقي منا حيا إلا القليل» ركبنا العربات إلى محطة جرادة. لم نكد نبحث 
عن مواقع نتحصن فيها حتى هاجمنا صف من الدبابات لا يقل عن مائتين» ظل يقصفنا حتى صباح اليوم التالي. 
كانت فرصتنا في عمل شىء معدومة؛» فتسليحنا الشخصى لا يزيد عن الرشاشات القصيرة والبنادق» وكنت أشكو 
من جرح في كتفي الأيمن» وبجواري رفاق خرجت أمعاؤهم وبترت سيقانهم» وما زالوا يتكلمون ويأملون. طلبنا 
من المعاقين أن يذهبوا ناحية البحر ويتركوننا لمصيرناء بعد تردد فعلواء ول تلبث الدبابات أن تعقبتهم» ولم نعد 

جاء الليل غير هياب» احتل العدو سطح المحطة التي أرقد فيها مع خمسة من الجرحىء, نصبوا المدافع فوق 
قبل رحيلهم قد تركوا لنا بعض الذخيرة في فناء المحطة. امتدت إليها نيران الحرائق. ظلت تنطلق دون توقف على 
فترات متباعدة. وكان في الفناء بعض دجاجات,ء ملك لعمال المحطة فيم| يبدو» تركوها وهم في عجلة من أمرهم. 
وبين كل انطلاقة وأخرى تصيح الدجاجات المذعورة صيحات يائسة» وبين حين وآخر نسمع صيحات إحداها 
ولكن دون جدوىء. فقد حاصرتها النيران» فتنطلق صيحاتبها المذعورة المتقطعة. كنا جميعا جرحى ونتحرك بصعوبة 
شديدة. ظلت الدجاجات تصيح وصوتباء دوماء إلى خفوت» وحشرجتها تضعف آنا بعد آخرء حتى فجر اليوم 
التالي» ثم فجأة عم صمت مريبء ولم نسمعها بعد ذلك أبدا. 

طوال الليل أسمع قصف المدافع وحركة الجنود الإسرائيليين فوق سطح الحجرة التي نرقد داخلهاء وأتوقع 
النهاية بين لحظة وأخرى. أخذت أبتهل إلى الله أن ينجيني» ليس من أجلي. أعلم أنني عاق.. ولكن.. من أجل 


أقنع الله دون نبسة ‏ أنه لا داعي لفجع هذه الشابة. وفي الحقيقة عجبت من نفسي» كنت وأنا في الطريق إلى الجبهة 
أستهين بالموت وأرى فيه راحة» وعلى الأقل الواحد يخلص من مرضه. فأنا مصاب بالتهاب مزمن بالقولون يجعل 
حياتي جحياء ولكن الآن كل ذرة في كيان ترغب في الحياة وتتشبث بها في قوة. أعاود دعاء الله.. حياتي لا تهم.. 
فقط من أجل المسكينة زوجتي. 

وما زاد في تعاستي, تخلفي عن أفراد فصيلتي بسبب إصابتيء لو كانوا معي لخففوا عني. استدعيت مع زملائي 
من المؤهلات لخدمة الاحتياط في التاسع عشر من مايوء وانضممت إلى فصيلة الإشارة في كتيبة مشاة. وقد زاملني 
في الفصيلة أناس لا أنساهم, أحمد الزرقا وهو تاجر خضر ريفي من أظرف من قابلتهم في حياتي» تعرفت عليه في 
قمة فايد قبل تحركنا إلى سيناء» من لحظتها لم نفترق قطء هوايته أن يؤم المقاهي. يغادر مقهى ويذهب إلى آخر 
مباشرة» كأنه واجب مفروض عليه» وعن طريق ارتياد المقاهي معه تعرفت بقمة فايد» وقضينا عصورًا رائعة على 
مقهى مواجه للبحيرة نحتسي الكاكاوء ويقص علي حكايات عن زوجته وأهلها وعن زبائن تجار الخضرء وأنا أسرح 
ببصري عبر مياه البحيرة الزرقاء الصافية الوديعة» خلفها رمال سيناء بيضاء ناصعة» أسأل الرمال دون أن تجيب» 
ترى هل نعود لأحضان أحبائنا أم تقع الحرب وتطوينا الرمال كما طوت الذين من قبلناء ترى.. ما سر هذه الرمال 
التي لم تبدأ منذ الأزل دائًا ترتوي بدماء غزاة وادي النيل. ودماء شعبنا وهو يقاتلهم ويتبع فلوهم. ترى.. هل 
شبقت وبها حنين للارتواء؟.. لن يغنيك عن دماء البشر غير ماء النيل» يطفئ لهيبك ويجعلك جنات وارفات» ولا 
يأني الناس هنا للحرب بل للزرع والحب. وينتهي أحمد من حكاياته وأنتهي من سرحاني. يصر على دفع الحساب في 
«معلمانية». ظل على ذلك حتى انتهى القليل الذي معه. فقد أخذوه فجأة من السوق دون أن يتمكن من الاتصال 
بأهله. عرضت ما في جيبي عليه» أصر على أن ما يأخذه يكون قرضاء أصررت أن يكون «جدعنة». بعد إلحاح قبل 
عرضي دون أن يتفوه» منذ تلك اللحظة أصبحت مسئولا عن شراء سجائره» ولسوء حظي كان مدخنا عظيماء وله 
في وجهه مدخنتان قلقتدان لا تمدآن إلا إذا انسابت الخى_وط الفضىىة منهما. وأنا لا أدخنء وني كل مكان 
أذهب إليه وتكون السجائر فيه قليلة أصبح مسئولا ‏ ولست أدري كيف عن إشباع رغبة المدخنين. والغريب في 
الأمر أني أطاوعهم وأدبر السجائر لهم في اهتمام» كأنها مشكلتي أنا مع أني لم أدخن سيجارة واحدة في حياتي» ولم 
أشعر «بالخرم» يوما. وقد افتقدت متولي ساعي مكتب عمل طنطاء الذي كان يجوب الأنحاء بدراجته البخارية» 
ورغم أنه لم يدخل مدرسة في حياته» كأنها محرمة عليه فقد كان يفهم في السياسة وفي مشاكل الناس العائلية. نظل 
نحكي في حفرة مدفعه» يتجمع حولنا أفراد السرية يسمعون مناقشاتناء وكنا ننتهي في كل مرة إلى أن الحرب 
مستحيلة الوقوع نظرًا لقدراتنا واستعداداتناء التي نسمع عنها في الإذاعة» ونقرأها في الصحف. وكان متولي يرتاح 
عندما أذكر له ذلك. ويظل بكافة الحيل يجعلني أعيد هذا الرأي على مسمعه. مرة» ومرات» وعندما يطمئن تماما 
يتمتم لنفسه: نعم والنبي عندي أربعة عيال» وينظر إل بامتنان» كأن استنتاجي سيوقف اندلاع الحرب. وكان 
يشترك في الكلام دون أن يفهم منه شينًا إبراهيم البورسعيدي الذي أطلقنا عليه إبراهيم الجُل لضخامته» وكان يترك 
شعره مهوشا على جبينه الأسمرء وكان شرها في التهام التعيين» ولم تجد أي محاولات في منعه من سرقة التعيين» 
وكان يهددنا بترك نوبتجية التعيين وإحضار طعام الفصيلة من المطبخ. 

كان يتحمل سخافة رقيب نوبتجي التعيين» وهو يجعلهم يصطفون أمامه ويلطعهم ساعة أو اثنتين في الشمس 


المحرقة» ثم يتحمل عجرفة ضابط التعيين وتعديلاته السمجة. يأتي في آخر لحظة ويقرر أن أوعية إبراهيم غير 
نظيفة» فلسبب مالم يكن يعجبه شكله. لم يكن أحدنا يتحمل ذلك مطلقا. فوافقنا على أن يكون إبراهيم الجل 
نوبتجيا داتًا نظير إعفائه من الخدمات الليلية» ولكن إبراهيم زاد على ذلك دون أن يخبر أحدا - حصوله على 
نصيب أكبر من التعيين» وينشب نقارء ولا ننتهي إلى حل. والواقع أنه كان معذورا في ذلك» لضخامة جسده ولعدم 
تحمله الجوع وهو يشم رائحة (البفتيك) والسمك المقلي تفوح من ميس الضباطء لذلك تجده يحتفظ دائ| بقدر من 
التعيين يسد به جوعته. وكان إبراهيم يؤمن على كلاميء قائلا بلهجته البورسعيدية: الله يخليك.. الله يخليك.. نريد 
الرجوع لشغلنا ولعيال «الحتة». 

ظل القصف طوال الليل» ومع كل قصفة وأخرى تلتصق بطوننا على أسمنت أرضية الحجرة الرطبة. ولم نتخل 
عن خوذاتنا لحظة» وني الصباح سمعنا ضجيج الدبابات على الطريق المسفلت فتنفسنا بارتياح.. راحلون وستكون 
أمامنا فرصة. وكنت أثناء الليل أفكر في مسألة الطعام» وأمني النفس بدجاجات المحطة, أما الآن فقد أصبح 
الموقف عسيرًاء ولم تكن مشكلتي الأولى هذا الصباح هي الطعام بل العكس هي إخلاء معائي التي أخذت تشد عل 
منذ الأمس» وكان جلوسي مستحيلاء فا بالك بمحاولة الحزق» بالأمس وأنا أنظر إلى وجوه لا أعرفها اعتراني 
الحزن. كان أحدنا جريحا في فخذه. يداه طليقتان تستطيعان الحركة» وهو الوحيد معنا الذي يحتفظ ببندقية سريعة 
الطلقات» قام من فوره» فك لي بنطلوني الخارجي وأنزل لي لباسي» وتحاملت عليه حتى أفرغت معائيء لم يبد أي 
تأفف أو ضيقء ولم تنم عنه أي خلجة تجرح مشاعريء في حين كنت أنا ضائقا جداء وعندما لمح ضيقي ضحك 
مخففا عني وناولني ورقة أنظف بها نفسي. فعل نفس الشيء مع بقية الجرحىء وقدر لي ألا أتمكن من عمل ذلك ثانية 
إلا بعد أيام من وصولي إلى إسر ائيل. 

لاشك كنت سأنفجر إذا لم يساعدني هذا الشاب السمح. لم نكد نستريح ونتابع صوت الدبابات» متمنين سرعة 
مغادرتها المكان» حتى سمعنا صوت عربة مدرعة» وصوت أحذية ثقيلة قفزت منها في| يبدوء وارتطمت بالأرض. 
أخذوا يطهرون الموقع بالرشاشات قبل مغادرته. فجأة فتح علينا الباب ورأينا فوهات الرشاشات موجهة إلينا. ل 
يدخل أحد منهم الحجرة. بسرعة البرق أخذ صاحبنا طليق اليدين بندقيته وانزوى خلف الباب. كانت أول مرة 
نرى فيها الإسرائيليين عن قرب» أحدهم أحمر الشعر بوجهه نمش بني. ينطقون العبرية بمناسبة وبدون مناسبة 
ويطلقون النار بغزارة. أشار لهم أحدنا أننا جرحى. رطنوا كثيرا فيه| بينهم ثم طلب أحدهم بعربية ركيكة سلاحناء 
فأشرنا له با يعني أننا لا نستطيع استخدامه لأننا جرحى. هم صديقنا الواقف بجوار الباب بإطلاق الرصاص 
عليهم, تمنيت في قرارة نفسي ألا يفعل. ولست أدري» هل انعكست أمنيتي في نظرتي إليه أم لا. نظرت إلى زملائي» 
ولم أستطع النفاذ إلى ما وراء نظرة الترقب في عيونهم. كانوا خارج الحجرة في موقف أفضلء لا نعرف عددهم, كى| 
أننا وسط دباباتهم» وأبسط شيء أن ينسحبوا وينسفوا المحطة كلها. ألقى صاحبنا بندقيته من فرجة الباب. أطلقوا 
علينا النار فورّاء أصاب الرصاص صاحب البندقية فخر جسده فوقي وتلقى عني رصاصهم المنهمرء وكان أسفي 
عظيها على صاحبي الذي لم يطلق النار في محاولة لإنقاذنا نحن الجرحى. وأحسننكة وهر ا فته قبل معت 
صوت عربة تتحرك» فخمنت أنهم ركبوا مدرعتهم وانصرفوا. فتحت عيني فلم أجد حيا يرزق في الحجرة غيري. 
كان خالا أن أحاول التفكير فقن الم الوقن ترقدت ححيث أنا:.سمعت ضوت مدارعة أحترزى تقتزب: وارك 


جسدي تحت الجثث. سرعان ما حضر أفراد المدرعة. ضرب أحدهم الباب بقدمه ثم رش الحجرة بالرصاص. 
انسحبوا على الفور. لم يصبني رصاصهم فحمدت الله وإن كنت موقنا في أعماقي أني هالك لا محالة. حاولت 
بصعوبة جمع شتات فكري لأفعل شيئًا. سمعت وقع أقدام تقترب فتظاهرت بالموت. دخل شخص ما إلى الغرفة 
وأخذ يقلب الجثثء تساءلت في نفسى عن سبب تقليبه لماء إذا كان ليتأكد من موتها ألا يكفيه منظر الدماء 
والرؤوس المثقوبة بالطلقات والأحشاء التي أطلت من البطون. اقترب مني وأحس أنني حيء جمد الدم في عروقي 
ول أتمن شيئًا في تلك اللحظة أكثر من أن أموت سريعا دون ألم. ولكن هذا لدهشتي طلب مني أن أممض. قمت 
متثاقلا وجرحي ينزف. أخذ ساعتي وخاتم زواجي. فتشني بدقة ثم ضغط بفوهة مدفعه منتتصف ظهريء ودفعني 
إلى الأمام. هتفت في سري: أي موتة يدبرها لي» وطلبت من الله سرعة الموت. أثناء خروجي من المحطة رأيت أحمد 
الزرقا ومتولي على الأرض. كأنه| كانا سيتعانقان لولا أن فاجأهما الموت. وعلى مقربة منهما إبراهيم الجل في نصف 
قومة كأنه كان في طريقه لمساعدته قبل أن يثبت هكذا إلى الأبد. 

وكثيرا ما ذهبت مع إبراهيم إلى أحد مقاهي العريش ليدخن «المعسلة» حسب تعبيره. أحسست باختناق في 
زوريء وبأني كمن بكى أياما احتبس فيها صوته مع أني لم أزرف دمعة واحدة» بل ولم أكن لأستطيع لو أردت. 
والإنسان في وقت غير هذا تكفيه مأساة واحدة ليظل حزينا أسبوعا كاملاء ثم يبدأ في التخفيف عن نفسه 
بالاضطراب فيها يضطرب فيه الناس» حتى ينسيه الزمن علته» ولا يبقى من المأساة سوى رواسب في الأعماق 
يتذكرها الإنسان بين حين وآخرء وعندما تتوق نفسه للشجن. 

أما هنا فالمأسي كثيرة» متلاحقة» كل دقيقة تمر محملة بآلاف المآسي. والإنسان في حاجة لأعمار سكان مدينة كاملة 
ليستوعب هذه المآسي ويتأثر مها. 

اعترتني حالة من الذهول. احتبس ريقي. كنت أحس بسقف حلقي خشنا جافا يدمي ملحًاء وكنت أهون الأمر 
على نفسي أنني سألحق بهم عما قليل وينتهي كل شيء. دفعتني فوهة المدفع بين جنبيّ» كدت أسقط على وجهي. 
نكأت الدفعة جرح كتفي فشعرت بألم شديد. سلمني لمساعد حليق الرأسء ملىء بالشباب والزهو. رأيت الدبابات 
تستعد فعلا للرحيل فأسفت للظرف التعس. وجدت عل الرمال بعض الزملاء. أشار لي المساعد أن أرقد على 
بطني إلى جوارهمء لم أطعه بسرعة» جرحي يمنعني من سرعة الانبطاح» لكمني في وجهي بشدة. غصت بأعضائي 
في الرمال. نطقت الشهادتين بسرعة. صكت سمعي دمدمة دبابة. طلبت من الله سرعة الموت. ثوان خلتها سنوات. 
من أعماق الغيبوبة أدركت أن جنزير الدبابة مر بجوار رؤوسنا ولم يقصم ظهورنا. كنت أول الراقدين جهة اليمين. 
ركلني المساعد بمقدمة حذائه وهمهم بالعبرية.. فهمت أنه يريدني أن أقوم فقمت. تقدم مني يضمد جرحي. أشار 
لجندي منهم أن يأتيه برباط ميدان ثم تردد لحظة. تقدم يجس نبضي. مرت دقيقة خلتها دهرًا. كنت أعلم أنهم يقتلون 
ذوي الجروح الخطرة. تمنيت من الله في هذه اللحظات بكل ذرة في كياني أن يكون نبضي قويا. ويبدو أن قلبي م 
يخذلني, ربا لحلاوة الروح» وربما لآن المساعد رأى ذلك في عجلة من أمره. فقد نزفت كثيراء ولم أذق طعم النوم 
والأكل منذ صباح الأمس» وكنت في حالة شديدة من الضعف والإعياء. قال المساعد: تحكي عبراني. قلت لا. قال: 
تحاربوننا.. نحن الذين قتلنا كنيدي (رئيس أمريكا) ثم لوح بقبضته في الهواء. مزق سترتي» كانت ملطخة بالدماءء 
ولم يكن يمكنني خلعها لأن ذراعي الأيمن عاطل عن الحركة. ربط كتفي برباط من شاش أسمر اللون. هدأت 


أعصابي قليلا. وبدأت أرى أملا في الحياة. لكز المساعد بقية الزملاء فنهضوا جميعا. قيدوا أيدينا خلف ظهورنا. 
طلب أحدنا ماء فضحكوا جميعا. ضرب المساعد بقبضة يده عربة «زل) محترقة. قال وعيناه تشتدان احمرارًا: خلوا 
كوسيجن (رئيس وزراء الاتحاد السوفيتي) ينفعكم. ركبنا عربة في الطريق إلى رفح. قبل رفح بقليل كانت تقف 
عربات مؤنهم تحيط بها الدبابات. بعض بناتهم بالبنطلونات القصيرة نزلن من المدرعات» يتسكعن حوطاء وبعضهن 
نظرن إلينا منها. بين شجيرات الخروع على يمين الذاهب إلى رفح كان يرقد شاب مصريء يطلق عليهم من 
رشاشه. رصاصه لا يلحق أذى بالمدرعات والدبابات» ولكنه يرفض التسليم. طلبوا منه أن يلقي سلاحه بمكبرات 
صغيرة للصوت يحملونها في أيديهم. أحضروا له من يكلمه بالعربية. تقدموا إليه من كل جهة وهو يرد عليهم 
بإطلاق الرصاص. لا تسل عن حالتنا في العربة ونحن نرى هذا المنظر. تقدمت منه دبابة بسرعة خاطفة» أدرنا 
وجوهنا إلى ناحية أخرىء أيدينا تمقلملت في قيودها بحاجز العربة. 


استمرت عربتنا في المسير.. 


ت١‎ 


مأسورون من أماكن شتى. وجوه وأيد ملطخة؛ بسواد» ودماء متخثرة. ضلوع محطمة» نفوس ذاهلة» أجساد 
متناثرة على الرمال. تعب سنوات طوال في تثقيف عقول وتربية أجساد. ينتهي في لحظة واحدة» بعد قصفة مدفع. 
عيون مكدودة» غير مصدقة أن ما حدث قد حدث. 


ومن أصوات مزقها عدم النوم» وأضعفها عدم الأكل» سمعت: سيقتلون الضباط. وفي أمكنة يقتلون الجرحى. 
ويقتلون الفلسطيني فورًا. نحن ذاهبون إلى معسكر مؤقت لتجميع الأسرى في رفح. ترى.. أية أوامر لدى 
حراسه..؟! قتل الجرحى أم قتل الضباطء أم الإجهاز عليهما معا؟.. كل إسرائيلٍ يران يصيح في لكنة غبية رحمة: 
أنت ظبات (ضابط). أنفي التهمة فيكون نصيبي زغدة قوية بمقبض الرشاش في كتفي الجريح. ولم يكن أحدنا 
يتوجع لأية ضربة تصيبه. وفي رفح فتشونا وألقونا على ظهورناء شهروا رشاشاتهم في محاولة لإخافتنا. أطلقوا النار 
فوق رؤوسناء ولكن وجوهنا أبدًا صامتة. ذاهلة. صلبة في كبرياء جريح. وألم دفين. بدأت محاولاتهم للنيل من 
كبرياتنا الصلب الجريح. لوحوا لنا بالماء فلم نتهافت عليه» رشوه فوق رؤوسنا وألسنتنا الجافة في حاجة لقطرات 
منه. أحضروا كميات من الخبز. وقسموها قطعا صغيرة فلم يطرف لنا جفن. ألقوها بعيدا عنا. علا ضحكهم 
وصخبهم. يشبهون «الكاوبوي». طلب أحدنا أن يقضي حاجته فأشاروا له أن يفعل أمام أعيننا. وأخذ ثلاثة منهم 
أوضاع الارتكاز «على ركبة ونصف» خلفه ‏ ثم أطلقوا النار حوله؛ عاد ثانية دون أن يفعل شيئًا. طلبوا منا أن نضع 
أيدينا فوق رؤوسنا. «إيدك على راس.. إيدك على راس». وظلوا يكررون في غدو ورواح» وهم يصيحون في 
هوس: «إيدك على راس.. إيدك على راس»» (يدك على رأسك)» حتى يل إلينا أن مصير العالم معلق على وضع 
أيدينا فوق رؤوسنا. رغم الشمس وتعب الأعصاب لم يعفوا الجرحى من هذا الذنب. استأذن أحدنا أن ينزل يده 
ليتمخطء أشاروا له أن يقوم ثم أطلقوا عليه الرصاص. مع تقدم النهار كان جنودهم يفدون من الجبهة لمشاهدتنا. 
ينظرون إلينا في تشف غريبء كأننا نحن الذين اعتدينا عليهم. يصخبون ويشتمونء وينظرون إلينا بتعال. أتراهم 
يعدوننا مجموعة من الفلاحين الجهلة لا داعي لأن تدافع عن أراضي بلادها. ومع ذلك لم يستطع أي هزء أو أية 
سخرية أن تنال منا ونحن بدون سلاح» وعندما كانت أيدينا مقيدة خلف ظهورناء. ظلت وجوهنا جامدة» وأعيئنا 
كأنها لا تراهم. حتى بناتهم لم تتعفف ألسنتهن عن قبيح القول. ألفاظ يحمر لها جبين أقذر عاهرة في مصر خجلا 
عند سماع لفظ واحد منها. عجبت لتبدل الأحوال. في منتصف الطريق بين رفح والعريش دبابة مصرية يتيمة» تقف 
على تبة على يمين الطريق وأنت متجه إلى رفح» عاقت صف دبابات إسرائيلية مؤلف من مئتي دبابة ‏ تقريبًا - عن 
التقدم. 

وظلت الدبابة المصرية تسلط مدفع برجها على الدبابات الإسرائيلية حتى أجبرتها على التراجع» ويبدو أنهم 
اتصلوا بالطائرات لأنها سرعان ما جاءت تحاول مع الدبابة. طاقمها يسلط مدفع البرج على الطائرات فتجري جهة 
البحر» ويوجه مدفع المكنة إلى الطريق. وظل طاقم الدبابة يعمل بسرعة ودقة. كنت في أرض مكشوفة» فأصابتني 
شظية من قنبلة ألقتها إحدى الطائرات. زحفت تحت دبابة نجدة مصرية عاطلة على الطريق. 


تكاثرت الطائرات وانقضت على الدبابة بشكل انتحاري» تغطي كل طائرة الأخرىء ولم يستطيعوا إصابة مدفع 


البرج إلا بعد أن انقضت عليه إحدى الطائرات عموديا من أعلى وكأنها ساقطة من عين الشمس اللتهبة» 
وساعدهم. أنه لا يمكن للمدفع أن يصوب فوهته عمودياء دائما يميل قليلا. بعد ذلك أخذت الدبابات الإسرائيلية 
في الزحف على طريق العريش. 

0 فتاة قصيرة بدينة» لاح من قسمات وجهها أنهبا كانت ستبدو جميلة ولكن لسبب ما أخطأها الجمال» 
سألت: تسمعون «فريد)»؛ لم يجب أحد. طلبت من زميل لناء كان مصابًا بمقذوف ناري في إحدى خصيتيه أن يغني 
لها إحدى أغنيات فريد. قال بصوت متحشرج «قسمة قسمة». ومع ما نحن ففه فق_د كادت الضحك_ات 
تفدلت منن.اء والزمى_ل مع ما يعاني منه ابتسم والدموع تفر من عينيه. ولما أدركت الفتاة ما في صوته من تبكمء 
خجلت من نفسها وانصرفت. ولم تلبث فتاتان كاعبتان أن أقبلتاء متاثلتان كأن| شقيقتان» عيونه| كفصوص من 
الزمرد الأخضرء وجنتا كل منهما نصفا تفاحة. تلبسان بنطلونين ضيقين» وعلى كتف كل منهما رشاش قصير. 
إحداهما متكلمة وزميلتها صامتة. المتكلمة شعرها معقوص خلف رأسها. الصامتة شعرها ملفوف على رأسها 
«كالحواية». قالت أم شعر معقوص: تعرفون «حليم».. تعرفون «أم كلثوم». أشارت إلى أحدنا: احك إيشى (أي 
شيء) لحليم (المطرب عبدالحليم حافظ). ولما يئستا من استجابتنا هما تمخطرتا في الصحراء كغزالتين. الليل يتقدم.. 
بطيئا حزينا كأن) يخجل أن يبسط جناحيه على أناس يُقتلون. كان معسكر تجمع الأسرى يقع في مفترق عدة طرق» 
على مبعدة يسيرة من معسكر الكتيبة الكندية في قوة الطوارىء الدولية. ومن الواضح أن بعض قوات إسرائيل قد 
دخلت من ناحيتها معتمدين على احترامنا لعلم الأمم المتحدة. أتى الجنود والضباط الكنديون لمشاهدتنا. 

كان الجنود الإسرائيليون يركبون عربات الجيب الكندية وعليها علم الأمم المتحدة. 

تذكرت على الفور كتيبة أخرى ودعناها منذ أيام في محطة الأبطال. رقصنا مع اليوغسلاف قبل أن يستقلوا القطار 
عائدين إلى بلادهم.. عزفت موسيقاهم: يا مصطفىء ووالله زمان يا سلاحي (أغنيتان شائعتان). صافحناهم 
بالأيدي وتعانقنا بالأحضان كأننا نعرفهم من أيام الطفولة. كنا نجهل لغتهم ويجهلون لغتنا. ولكننا لم نكن نجهل 
مشاعرهم وكانوا لا يجهلون مشاعرنا. وإذا كنت تحلم بالسلام فلن يستعصي عليك التفاهم مع عجوز من القطب 
اشتد عنف المعارك التى تدور في جنبات الصحراء. تصلنا أصداؤها من بعيد. الإسرائيليون يرسلون إلى الجبهة 
مئات من الدبابات تمر من أمامنا على طريق رفح العريش المسفلت» وقد علقوا في مقدمة كل منها صورًا زيتية 
لناصر وعامر (قائد جيشنا). يبدو أن الليل معذور.. أرخى أعطافه. عبث برد الصحراء بالنخاع. لسوء طالعى 
مُزقت سترتيء والفانلة في ندى سيناء لا تجدي. جرحي يبعث الحمى في جسدي. لا غطاء لي غير السماء أتقلب 
تحتها. الحراس طوال الليل يزمجرون عند أية حركة. يلصقون فوهات مسدساتهم برؤوسنا ويصيحون في عربيتهم 
اللزجة وهم يتفتفون: اسكت.. اسكت. 

في أول الليل كنت أعد نفسي أحسن حالا من الذين استشهدواء فعلى الأقل ما زلت أرزق. مع اشتداد البرد 
والحمى والرعشة عددتهم سعداء. وكنت ألوم نفسي لموت متولي وأحمد الزرقا وإبراهيم الجل. ألم أطمئنهم مرارًا أننا 
أقوى من إسرائيل. كنت اقرأ الجرائد وكان فيها الكثير الذي يشهد بتفوقناء حتى يوم المعركة عندما علمنا بالمجوم. 


كنت أقول لهم: أين نحن وأين هم..؟!.. قواتنا مثل الأرزء في الخطوط الأمامية» وأذكر أني بعد نطقها مباشرة طب 
قلبي» طافت بذهني ذكرى الأيام الأولى من يونيوء عندما كنا نرى قطار العريش عائدًا ومحملا بالدبابات. كانت 
الدهشة تعترين-ا جميع-ا. ولالم يرد أحد على تساؤلاتناء اعتقدنا أن دبابات أخرى ما زالت في الخطوط الأمامية. ألم 
نر بأعيننا في أيام سابقة» نفس القطار يشحن دبابات كثيرة في اتجاه رفح. ولا تسل عن الغبطة والثقة بالنفس اللتين 
تحدثان لفرد المشاة عندما يرى مدرعة تسبقه. ولم نكن ندري وقتها أننا.. (المشاة).. الخطوط الأمامية. 

لست أدري كيف أصبح الصباح. أعتقد أن الليل قد تراجع خزيًا وهو يرى كل اثنين منا يقتربان بظهريه) في 
محاولة فاشلة للدفء على رمال تنشع بالندى. مر النهار والشمس تجففناء وتّقيح جروحنا. لا طعام. لا ماء. فقط 
إطلاق الرصاص فوق رؤوسناء وسيل المحادثات العبرية التي لا تنقطع. ظهرت شاحنات. حاول الحراس اصطياد 
الحمام من برج المبنى المجاور لناء لم يفلحوا في إسقاط مامة واتجدة. أشعلوا النار في البرج فطار الحمام مذعورًا. 
شدوا وثاق أيدينا ثانية. 

انبثق الدم حول أرسغنا. أبت يدي اليمنى أن تنقاد للخلف. فقيدوها بالقوة. سمعت طقطقة عظامي فاقشعر 
بدني. شحنونا في العربات. مررنا بغزة. منعونا من النظر إليها. أطلقوا علينا النار في العربة فسقط عدد من القتل 
والجرحى. رغم ذلك نظرنا إلى غزة. لا أثر لإنسان في شارعها الرئيسي. 

حمار مربوط أمام أحد المنازل. العربات الأجرة» والخاصة» مقلوبة» محترقة. واجهات المنازل مهشمة. سمعنا 
طلقات رشاش. وقفت العربات. يبدو أن جنديا فلسطينيا يطلق النار من نافذة مجهولة. أمر حراس العربة اثنين من 
الأسرى أن يترجلا أمام العربة. وقف إطلاق الرصاص. صعد الأسيران إلى العربة» فعاد إطلاق الرصاص . أنزلوا 
أسيرين آخرين فتكررت اللعبة. مرت فترة ترقب ثقيلة» ويبدو أن صاحب الرشاش أدرك أن عربا داخل العربات» 
لأنه كف حتى مررنا. اخترقنا حدود فلسطين المحتلة. لم نستشعر رهبة. كان شعورنا أننا ندخل بلادنا ولكن بطريقة 
خاطتة. 


رأينا أشجارًا فلسطينية كثيفة. وكفت الرمال عن ملاحقتنا. طالعتنا الروابي المعشوشبة. مررنا على مستعمراتهم. 
خرجت النساء والأطفال لملاقاتنا بالطوب والبصاق. سألني رجل في صفاقة عن ساعتي. حركت له معصمي 
الخالي وراء ظهريء ذهب لزميل آخر. أشجار مخروطية على جانبي الطريق. مستعمراتهم مشيدة بطوب أحمر مفرغ 
من الحواء» مخروطية السقوف. واطئة اللمباني. لا أثر لقنوات أو مجاري مائية. النساء بالبنطلونات القصيرة. وقفت 
العربات في المجدل. وجدنا أخوة لنا باتوا ليلتهم في بئر سبع. 

حكوا لنا بالحمس عما لاقوه. جردوهم من ملابسهم. استجوبوهم. أطلقوا النار على من لم تعجبهم إجابته. 
كالعادة لا ماء. ولا خبز. أنزلونا من العربات. جردونا من الأحذية. صافحت أقدامنا قضبان السكة الحديدة 
الباردة. تعثر بعضنا في قطع الزلط والحصى. كنا نحمل الجرحى كأننا نحمل أجولة من الأرز. ألقينا بهم في عربات 
قطار. تكومنا بعضنا فوق بعض فيه. قال جندي إسرائيلٍ وهو يطلب منا أن نسرع: في الكتاب عندنا مكتوب, لا 
تأمن عربياء العربي خائن. أشفع ذلك بإطلاق الرصاص في المواء» كان قطار بضاعة. كدسونا وأغلقوا العربات 
بترابيس من الخارج. اخترق صريرها الحاد آذاننا. العربة محكمة الإغلاق. نكاد نختنق ونحن في انتظار تحرك 


القطار. 


١ 


طال وقوف القطار. الظلام دامس في العربات» الأجساد بعضها فوق بعض. قدم هذا تحت رأس ذاك. ذراع 
شخص جريح يدوسه آخر دون قصد. صيحات الجرحى تملا المكان. العطشى جن جنونهم. الاختناق يعصف 
بالجميع. عربات القطار صغيرة» تسع الواحدة على الأكثر عشرين رجلا. كدسونا في كل عربة با لا يقل عن مائة 
وثمانين رجلا. ذهول الأعصاب بدأ يذهب. كنا نشعر أننا سنموت على أي حالء فما ضر أن نموت ونحن نرغب 
الحياة. القادرون منا دقوا بأكفهم جوانب العربة الخشبية. ولم تلبث الدقات أن ترددت في باقي العربات» في رتابة 
جنائزية. لم يعد دوي الرصاص ينال منا. ازددنا صياحا وازدادت تموجات الأجساد داخل علب السردين المغلقة. 
وعلا سباب الجرحى. الأجساد يفري بعضها بعضا. 

بعد ما يقرب من ساعتين تقريبا ‏ لست أدري بالضبط ‏ فقد بدأ شعوري بالزمن يتلاشى» سمعنا صرير مزلاج 
العربة يفتح. لوحوا بالرشاشات في وجوهنا. كانوا يعرفون ماذا نريد. أحضروا كوبا من الماء رشوه فوق رؤوسنا. 
شبت الأجسام في الهواء» كل يريد قطرة تقيه شر الموت. وكل هذا على حساب الجرحى الذين يتأوهون أسفل 
العربة. أغلقوا علينا العربة وتركونا بحسرتنا. كنت في هذه الأثناء قد زحفت إلى جانب من العربة» أحمي كتفي 
الخريع من عبف التمونحات» كنا جلها نهل فق صم تكرت مو هذا لتحيو وتعباتك ناذا[ تمرك القطار. 
كانت أقصى أمانينا أن يتحرك القطار كأن في حركته نجاتنا. كنا نريد أن نشعر أن العالم يسير» وأنه لم يكف عن 
الدوران. شعرنا بحركة بطيئة فارتجفت قلوبنا. لم تلبث الحركة أن خمدت. فسّر بعضنا ذلك أن القطار انتقل من 
قضيب إلى آخر استعدادًا للتحرك. مر وقت لا يعلم إلا الله مداه وأحسسنا بزحف كزحف السلحفاة. كنا جميعا بين 
مصدق ومكذب. قال المتفائلون جدًا: القطار يسخن, لكزني زميل وأبرز لي قطعة خبز. ارتبكت. لم أستطع أن 
أهضم وجود قطعة خبز. رغم التفتيش وما تعرضنا له من خلع الملابس. ولم أكن أدري.. هل يجوز في مثل هذه 
الظروف أن يتمنع الإنسان. كنت أعلم أنه أحوج مني هذه القطعة. وكأن) أدرك ما يدور في خلدي, قال: أنت 
جريح. وقبل أن أقول له: وأنت.. قال: معي قطعة فولية. خطفت قطعة الخبز بسرعة فقد انتبه بعضهم» وكادت 
أيديهم تخطف الكنز. ولم أسلم إلا بعد أن أعطيتهم لقمة منها. أمدتني قضمة الخبز بقوة غريبة. وأحسست أنيٍ 
أستطيع أن أمشي مائة كيلو متر دون توقف. ولم تلبث هذه الكسرة من الخبز أن أظهرت مخبآت أخرى. رغم البؤوس 
والإحساس الجنائزي الذي يسيطر على الجميع» رنت ضحكاتناء وشغلنا ‏ عما نحن فيه بالزملاء وهم يحكون 
كيف ضحكوا عليهم وخبأوا بضاعتهم. فمنهم من ألقاها أرضا عند التفتيشء ثم التقطها في براءة الأطفالء كأنه 
يلتقط منديلا سقط منه. ومنهم من أمسكها بإحدى يديه ورفعها مع الثانية إلى أعلى. ومنهم من سرق من طعام 
الحراس في معسكر التجمع في رفح. 

ولم يكن الموضوع ليكمل في رأي المدخنين إلا بنفسين من الدخان وكأنهم أكلوا وجبة دسمة ويريدون أن يحبسوا. 
ولم يكد أحدنا يعلن عن ذلك حتى جاوبته ضحكات. أخرج زميل سيجارة من شعره. بقيت مسألة إشعاها. 
وانتشر سؤال.. «ولعة يا رجال». وانتقل السؤال من ركن العربة القريب إلى ركنها القصي مارا بزحمة البشر. اتضح 
بعد قليل أن زميلا أخفى عودين من الكبريت بين أصابع قدميه. ماجت الأجساد بضعة دقائق. فهمت بعدها أن 


صاحب الكبريت يود أن يشعل السيجارة بنفسه متعللا بخوفه من ضياع الكبريت. ماجت الأجساد ثانية في توتر 
نافد الصبر. استقر الرأي على أن صاحب السيجارة أحق بإشعالهها. بعد قليل بدأت الأيدي في الظلام تتناقل 
الكبريت في حرص واهتام» كأنهم يتناقلون ماسة نادرة. 

الغريب أن السيجارة كفت العربة كلها. لم يشك أحد. إذا قلت إن كل زميل أخذ نفسا عميقا أكون كاذبا. وإذا 
قلت إنه لمسها بشفتيه ولم يجذب أي نفس أكون كاذبا أيضا. السيجارة تناولتها جميع الأفواه التي تدخن. حتى 
وصلت إلى ركن العربة القصى حيث صاحب الكبريت. وكان هناك شك كبير أنه سيصله نفس منها. وكان هو فيا 
يبدو قد فقد الآمل في ذلك :وهو يسلم الكبريت» الجميع دنعنوا من السيجارة والجميع شغروا بالزاحة التي يشعربها 
المدخن عقب التدخين بعد طول «الخرم». والراحة هنا تختلف عنها في أي مكان آخر. مجرد أن يزحزح زميل ركبته 
قليلا حتى لا تفعص زورك» ويسندها على كتفك أو خدك يجعلك تشعر بسعادة لا توصف. ومجرد أن يميل زميل 
على جنبه قليلا ليتيح لك زمنا أقل من ثانية تهدد ساقك ثم تثنيهاء يجعلك تشعر بامتنان لا حد له. 

أحسسنا بحركة خفيفة للقطار. الجميع بين مصدق ومكذب. لم نكن ندري هل يتحرك إلى الأمام أم إلى الخلف. 
تدحرج القطار ببطء فأكد بعضهم أنه يتحرك. في الواقع لأمام أو خلف لا تعني شيئًا. أمام أو خلف بالنسبة لماذاء 
ونحن تائهون. يبدو أن النوم أقوى من شراسة الظروفء. ويتسلل رغم اعتلال الروح وجراح الجسد. أخذتني 
غفوة تنبهت بعدها إلى أننا ما زلنا نتتحرك» وأني ما زلت أسيرا. لشد ما تمنيت في هذه اللحظات أن يكون ما أعيشه 
حلما كئيبا. وتذكرت لعجبي أني منذ جرحت لم أعطس مرة واحدة. كنت مصابا برشح كالسيل في أنفي. من جراء 
الخدمة الليلية المتتالية في الموقع. وكنت كثير العطس مرتفع الحرارة. مرضت في اليومين الأخيرين قبل الحرب. 
وفشلت المسكنات في أداء دورها. ولكن ها أنذا منذ أصبت قد نسيت مرضى تماما. كان معنى أن أعطس مرة 
واحدة أن يُخلع كتفي المصاب من مكانه. كنت لأقل سعلة أو نحنحة أمسك كتفي جيدا وأدعو الله أن يترأف بي» 
ومن أعماقي أنتزع السعلة بحرص شديدء ف بالك لو فاجأتني عطسة تهز كياني كله. 

لا ندري شيئًا عن الوقت. يبدو أنه لا نهاية لسير هذا القطار اللعين. بعض الأسرى يؤكد أن القطار يذهب ثم 
يعود ثانية. أحدهم فسر ذلك أنهم يضللونا حتى يخطئ الطريق من ينجح في الهرب. آخر يقول إنهم بهذا المسير 
الطويل يدخلون في روعنا أن البلاد واسعة. لم يكن الوقت هو الذي يتقدم بنا لأننا فقدناه. كان الغموض يضطرب 
بنا في متاهاته. وآلاف الأوهام والاحتالات تعصف بنا. استبد بنا الظمأ فاحتبست أصواتنا وعجزنا عن الكلام. 
تحسسنا بألسنتنا جدران العربة وقد تجمعت عليها قطرات دقيقة من الماء نتتجت عن أنفاسنا. كان السعيد من يجاور 
شنيرا أو مسمارا. يجد عليه قطرات دقيقة من الماء أكثر. بدأت أظافرنا تعمل في شقوق الخشب بحثا عن متنفس لمواء 
نقي. كان من الواضح أن هواءالعربة الصالح للتنفس قد نفد وأننا نختنق ببطء. لست أدري كيف أحسسنا جميعا 
فجأة برغبة في التبول. توهم أحدنا أنه صنع خرما في جدار العربة وبدأ يتبول. بللنا الماء وكدنا نتعارك. لم يكن بد 
من التبول. ولم يلبث الماء أن أغرقنا جميعا. بدأ بعضنا يمسح باء البول على جبهته. وأخذ آخرون يرطبون ألسنتهم. 
سمعنا ما يشبه الارتطام في العربة المجاورة. خيل إلينا أنهم كسروا العربة وهربوا. شجع هذا الباحثين عن الشقوق 
وجعلوا يعملون بعصبية. كان معنى تأخرهم قليلا أن ينفق نصف العربة على الأقل. رجاؤنا يتصاعد إلى السماء. 
أفئدتنا تلهث ولم نفقد الآمل بعد. أجسادنا تخور ونحاول أن نتماسك. لا أدري متى أو كيف حدث هذا. 


أحسسنا جميعا بتيار من الحواء يسري. انتعشنا وتحركت أجسادنا في فرحة. لم يكن ما نجحنا فيه يزيد عن شق رفيع 
جداء لا يتجاوز طول إصبع ولا يسمح سمكه إلا بمرور المواء. شجعنا هذا على توسيع الشق حتى استطعنا 
الرؤية. أخذنا ‏ رغم الإعياء ‏ نتزاحم لنرى. ودون اتفاق أصبحت الرؤية بالدور» وبحرص على الأجساد 
بين كتفي الأيمن ورقبتي» فأشعر بألم عظيم. تحاملت ونظرت. كان القطار يتحرك ببطء في أرض مهجورة نمت 
فيها أحراش ونباتات شيطانية. ولاحت عل البعد أشجار تين وكروم. وبانت خيوط من الماء» تنحدر بين تلال 
معشوشبة. ضباب يظلل الأفق. وفجر ندى رطب يشمر عن ساعديه. لم أستطع أن أقف أكثر من ذلك. وجدت 
مكان رقادي قد احتله آخرون. ناضلت حتى أفسحوا لي مكانا. مع سريان نسمة الهواء قل توتر الأجساد. وخفت 
عصبيتها. ولم نعرف أن القطار قد توقف إلا عندما جذبوا مزلاج فتحة العربة. غشينا نور الصباح. ولأول مرة أرى 
زملاء العربة وأتعرف على ملامح بعضهم. 

أنزلونا من العربات. بقي في كل عربة خمسة أو ستة أشخاص ل يغادورها. علا لغط الحراس. ذهبوا يجبرونهم على 
النزول فوجدوهم موتى. 


ع - 


لم يكن تحريك رؤوسنا ورؤية ما حولنا دليلا على أننا نحيا. كنا داق في حاجة لمن يؤكد لنا أننا أحياء. وإذا كان 
ذلك يبدو لا معقولاء فأي شيء حدث لنا يبدو معقولا حتى نصدق أننا ما زلنا أحياء. 

ورغم أننا علمنا أن بعض زملائنا لم يصمدوا في معركة الاختناق الليلية» إلا أننا لم نتأثر كثيرا. لم نكن نملك وقتا 
لذلك. كان تفكيرنا ينصب على المجهول الذي ينتظرنا. كانت الجثث ممددة إلى جوارنا. أوقفونا صفا طويلا إلى 
جوار القطار الجنائزي. قسمونا مجموعات بينها فصول حتى لا نحدث شغبا. وضح من منظر مبنى المحطة أننا في 
بلدة صغيرة. وعبثا حاول بعضنا قراءة اللافتة المكتوبة بالعبرية. كان معنا من يجيد العبرية» ولكن أن يظهر ذلك 
الآن قد يضرب بالنار. علمت فيا بعد أن اسم البلدة «عتليت» وهو اسم روماني قديم. مبنى المحطة صغير من 
طابقين» تحيط به أحواض زهور. جاء أهل البلدة من نساء وأطفال يشاهدوننا في فضول. كانت تتولى حراستنا 
شرطة البلدة. وكان يقف إلى جواري شرطي في ملابس أنيقة» فلا فرق بين شرطي وضابطء نفس الملابس. 
الاختلاف في العلامات فقط. نظر الرجل نحونا في إشفاق لا أدري فق كان ا شرقي الملامح. لو 
سار في أحد شوارع الغورية لظننته مصريا صميم|. يتكلم العربية باللهجة الفلسطينية. اقتربت منه محاذرا وسألت: 
01 

وكنا حتى هذه اللحظة نتوقع أن يعدمونا رميا بالرصاص في أي وقت. قال الرجل: معسكر الأسرى. ما تعمل 
«(إيشى»).. تصير مليحا. 

كانت القطارات تروح وتغدو ونحن واقفون في انتظار العربات التي ستنقلنا إلى المعسكر. ركاب القطارات 
يصيحون في وجوهنا. ويبصقون من النوافذ. فجأة اندفع شاب أشقر متين البنيان. لوح بيديه في وجوهنا وقال 
بالعربية: يحرق ربك.. يحرق محمد نبيك.. يحرق دينك ودين ربك. 

غلى الدم في عروق زميل لنا فهجم عليه وكاد أن يحطمه. ولكن الشرطة وجنود الجيش الإسرائيل المرافقين لنا 
حالوا دون ذلك. 

لم نكن نسينا أننا في غاية الظمأء اكتشف أحدنا ماسورة مياه مقامة في المحطة. اندفع إليها بكل قوته. أخذ يعب 
حتى ظننا أن بطنه ستنفجر. زحزحناه عنها بالقوة. اندفعنا جميعا إليها. حاول الحراس منعنا دون فائدة. 

حاولوا تهدثتنا بقولهم إننا سنجد ميامًا كثيرة في المعسكر بعد قليل. لم نصغ إليهم. تكاثر أهالي البلدة على المحطة. 
كان الحراس يخشون التحام الأهالي بنا. أحضروا لنا أوعية تساعدنا على الشرب كي نسرع. بعد أن ارتوينا جميعا 
هدأنا. ولم يكن بهمنا بعد ذلك أن يطلقوا علينا الرصاصء وكأن الموت قبل الشرب يختلف عنه بعده. 

شربث كثيرًا جدًا. وكلما ظننت أننى ارتويت وذهبت بعيدًا عن الماسورة» أعود ثانية. لست أدري. أين كانت 
تذهب كل هذه المياه. يبدو أنهم لم يجدوا عربات لتقلنا. استقر رأمهم على أن نذهب على الأقدام. أحضروا عربة 
للجرحى تنقلهم على دفعات»؛ كانت رائحتها نتنة جداء أرجح أنها عربة قامة. كان أهون عندي أن أسير من أن 
أصعد إلى هذه العربة القذرة. وأنا أصعد تدفق الدماء سريعا إلى المزنق بين كتفي ورقبتي» وأخذ ينقح عل دون 


هوادة. اتكأت بظهري على قمرة السائق وأخذت عيناي تتصفحان البلدة. كان مبنى المحطة في مكان منخفض. 
صعدت العربة مطلعا ولم تببط ثانية. كل| أوغلنا في السير» كانت العربة تستمر في الصعود. البلدة مقامة على 
منحدرات مرتفعة عن سطح البحر. وعندما وصلت العربة إلى أقصى ارتفاع لها على الطريق رأيت البحرء منبسطا 
أزرق ناحية الغرب. على البعد سلسلة جبال متوسطة الارتفاع تكسوها خضرة داكنة» تنساب فيها طرق تعكس 
أشعة الشمس المسلطة عليهاء فتعشى الأبصار. وعند المنحنيات تختفي العربات وبعد قليل تظهر ثانية. ثمة أشجار 
كثيفة على قمم الحبال. كان أعلى مبنى في هذه البلدة مكونا من ثلاثة طوابق» وهو الذي يواجه المحطة مباشرة» وبقية 
بيوتها فيلات متناثرة فوق الربى الخُضر. طرقات البلدة نظيفة. عربات قليلة» صغيرة» بدأت العربة تنحدر ناحية 
الغرب. واتضح أننا ننزل إلى واد. استوى الطريق أمامناء على جانبيه أشجار عالية مخروطية» وعلى البعد صخور غير 
منتظمة. يبرز من بينها نخيل قصير (أفرنجي). وثمة أرض مزروعة ناحية الشرقء يحدها الجبل. 

وفي مكان شجيراته كثيفة» أرضه معشوشبة» وأمام بوابة يحرسها جندي وقفت العربة» وأنزلونا. دلفنا إلى الداخل 
في مر طويلء على جانبيه أشجار عالية» وخلف عنابر خشبية هرمية السقوف وقفنا فيم| يشبه الساحة. أرضها مغطاة 
بحشائش مهملة وبقايا شعير» وثمة قش كثير ملقى في إهمال. وفي هذه الساحة ثلاث ترابيزات صغيرةجلس أمام 
كل منها شخص مسن في ملابس مدنية. يتكلم هؤلاء الأشخاص العربية بلهجة مصرية. علمنا من أحدهم أنه 
تربى في الإسكندرية ومن مواليدها. أمام كل منهم ناذج مطبوعة» وأقلام وكربون. حضر بعض الأطباء لإلقاء 
نظرة على جراحنا. واهتموا بمعرفة سبب كل إصابة. هل نتجت عن شظايا قنبلة ألقتها طائرة» أم عن طلقة مدفع 
مكنة فوق عربة جيب.. أم.. 

طلبنا ماء فتباطأوا. أوضحنا لهم أننا لن نتفوه بأسائنا إلا بعد أن نشرب. من الغريب أننا رغم ما شربناه من مياه 
كثيرة في المحطة» فقد أحسسنا بظمأ شديد. رطنوا كثيرا بالعبرية. نمض الرجل السكندري وأحضر لنا دلوًا من 
البلاستيك ملوءًا بالماء. أخذ يوزع بكوب من البلاستيك. حذا حذوه آخرون. كانوا يريدون منا أن ندلي في هذه 
النماذج بأسياكنا وأسماء وحداتنا العسكرية أو أرقامها. وعنوان منزل كل منا. استجبنا مع تغيير بسيط في أرقام 
الوحدات العسكرية» وتغيير آخر في المهن العسكرية. مر الوقت ولم يكتشفوا مدفعيا واحدّاء أو رجل مدرعات 
واحدًا. 

كانوا يبحثون عن رجال المدرعات بهمة يحسدون عليها. بعد تسجيل أكثر من نصف الأساء لم يعثروا على 
بغيتهم. تملكهم غضب وأخذوا يتكلمون كثيرا فيما بينهم بالعبرية. رجانا أحدهم بالعربية أن ندلي بالبيانات 
الصحيحة. لأن في ذلك نجاتنا. عادوا لعملهم فلم يوفقوا لجديد. لم يملك ضابطهم ‏ نفسه ‏ فصاح: كلكم 
طباخون.. كلكم مراسلة وجناينية.. وين جيش ناصر.. وينو (أين). أتموا تسجيلنا دون أن نحيد عما اعتزمنا 
وكان المساء قد زحف في غفلة من الجميع. نادوا على الجرحى. قادونا إلى خيمة ميدان كبيرة مقامة أمام مبنى من 
طابق واحدء مكون من ثلاث حجرات واسعة. أحاط بالمنطقة سور من الأسلاك الشائكة» وفي المدخل بوابة خشبية 
محاطة بالأسلاك الشائكة» يقف أمامها حارس مسلح. وعلى مر من الأسفلت أمام هذه المستشفى ظللنا في انتظار 
علاجنا حكن الوائحلة ضباضا وصيفل قرعوا يوزعوة غل كنا ملعقة من شفط الكرنب» وتدرعة من ماء غامق 
فاتر ماسخ, قالوا عنه شايا. وكانت هذه أول وجبة ‏ إن صح تسميتها كذلك - نتناولها منذ الخامس من يونيو 


وكانت الساعة قد قاربت الثانية من صباح التاسع من نفس الشهر كما أفتى أحدنا. البرد والأسفلت والإرهاق نالوا 
مناء ولا تضميد لجراحنا. ذهبوا بنا نحو كشك خشبي كبير مواجه للمستشفى. سلموا كل واحد منا بطانية» مكونة 
من قطع موصولة بعضها ببعضء استخلصوها من بطاطين متهرئة. ىا أعطوا كلا منا وعاءً صغيرًا مستطيلًا من 
الألومنيوم (كانتينا) وملعقة. 

أخيرا ساروا بنا عبر مر طويل بين أسلاك شائكة. كانت الأعشاب المهملة قد نبتت بينها الأشواك التي أدمت 
أقدامنا العارية. فتحوا بوابة جانبية. وفي عنبر لم أتبين معالمه أدخلوا بعضنا وأغلقوا الباب. وجدنا أنفسنا في ظلام 
دامس.. وقفنا فترة مبهوتين.. غير مصدقين أننا أصبحنا وحدنا. حركت قدمى أتحسس.. أبحث عن مكان أبيت 
قد اصطنامت قدمى بأجسا ثائمة: جاشدنا جريعا في الطلام: ل يكن تاك مكان ارين حقرنا أنقينناحتى وظيعنا 
جنوبنا. من شدة التعب لم أعد أشعر بشيء. 


0 


في الصباح وجدت أرضية العنبر مغطاة ببقايا آدميين. سحن مقلوبة. عيون منتفخة. أعضاء مبتورة. كدمات في 
بعض الوجوه. سحجات زرقاء في أمكنة مختلفة من أجساد تمزق ما يسترها. 

شخير مخنوق. الذاهب لقضاء شأن من شتونه يتعثر في الأجساد. أغلب نزلاء العنير من الجرحى. تحاملت حتى 
استويت واقفا. كان أقصى أحلامي أن أتمكن من قضاءحاجتي. ساعدني زميل في الجلوس على جردل بجوار باب 
العنبر من الداخل. ارتحت قليلا. عاودت النوم. انتظرنا أن يضمدوا جراحنا. وطال انتظارنا ثانية أيام كاملة. كنت 
أرى جروح زملائي قد نتنت. وزحفت الديدان على أذرعهم وأجسادهم. كان ذلك يصيب البدن بقشعريرة» 
والنفس بتقززء وكنت أعلم أن جرح كتفي مثلهم. لذلك كنت أعاف النظر إليه» وإن كانت رائحته النتنة تملاً 
خياشيمي في بعض الأحيان. كنت قرفانا من نفسي جدا. أتى الفرج عندما علمنا أن مجموعة من الأطباء العسكريين 
أسرىء. وكذلك كل الأطباء المدنيين في مستشفيات العريش وغزة» أحضروا لهم بعض المطهرات وقليلا من 
الضمادات» وقالوا لهم: هاكم جرحاكم.. عالجوهم. بذل الأطباء جهدا مذهلاء دون أدوات جراحية تذكر» ودون 
أدوية تخدير» ودون أية مضادات للجرائيم كالبنسلين والسلفا. وكان الحديث عن شيء مثل فيتامين (ب) المركب 
يعد نوعا من العته. بدأ الأطباء بالحالات الخطرة جدا. بترت أعضاء كثيرة. والذين شارفوا على الموت أخذوا لهم 
من دماء باقي الجرحى. وكان عل أن أنتظر عدة أيام حتى يحين دوريء فقد عد الأطباء حالتي غير خطرة. جاء 
اليوم الموعود وكأنه يوم عيد. كنت أحس بالطبيب يقص لحمي وأتماسك. أفرغ جرحي من الصديد. ثم وضع لي 
فتيلا من الشاشء خيل إلى أن طوله عدة أمتار. وفي كلمات موجزة شرح الطبيب الموقف. جرحك سيندمل» توجد 
شظية قرب رقبتك» نفذت من تحت الإبط» لا داعي لإخراجها الآن» فوسائلنا محدودة» في مصر إن شاء الله 
نخرجها. وطمأنني أنه لا ضرر من بقائها في كتفي مدة من الزمن. رجعت إلى العنبر. كنت آمل في شفاء عاجل» 
ولكن هذا كان مستحيلا. فتضميد الجراح وتنظيفها لا يتم يوميا. كل يومين أو ثلاثة. وأحيانا كل أسبوع فيكون 
اجرح قد عاد سيرته الأولى وامتلاً بالصديد. ولكن» عندما كنت أذهب إلى المستشفى وأرى الذين ينتزعهم الموت 
رغما عن إرادتهم وإرادة الأطباء» كان يبون عل جرحى. ولم يكن هناك غذاء يجعل الجراح الغائرة تكتسي باللحم. 
في الصباح ماء مذاب فيه مسحوق لبن مملح خالٍ من أي دسم. كانت تعافه نفسي. فأكتفي بلماء الملسخ الذي 
يسمونه شايا. رغيف الخبز يقسم على ثانية أفراد. في الظهيرة كل خمسة أشخاص يقتسمون طباطمة وقطعة من 
الكرنب لا تزيد عن قبضة يد. في العشاء يوزعون على كل ثلاثة من الأسرى حبة من اللفت أو من البصل. فكيف 
تلهم جراحنا: 

بعد أن غيرت جرحي عدة مرات» جعلت أقضي نهاري خارج العنبر. وبدأت أدرك ما يحيط بي. كان المعسكر 
الذي نقيم فيه يحتل مساحة كبيرة تقترب من عشرين فدانا. في المقدمة مكاتب الضباط والإداريين والمستشفى» 
تجاورها حديقة صغيرة. ثم عنابر مبنية بالطوب الأحمر لمبيت جنودهم, في مواجهة العنابر أرض نمت فوقها 
الحشائش في إهمال» على حافتها مخازن المعسكر وحجرة الإذاعة. يحف با مر فرعي يؤدي إلى طريق طويل رئيسي 
يقسم المعسكر كله إلى قسمين. على جانبي الطريق عنابر خشبية. سقوفها من الصاج المضلع» مخروطية الشكل. كل 


سبعة أو ثانية عنابر تشكل معسكرا صغيراء ومحاطة بأسلاك شائكة» ولا بوابة خاصة؛ معين لها حارس برتبة رقيب 
وجنديان» ومعهم تليفون. وغير مسموح بالاتصال بين المعسكرات. وكل معسكر صغير محاط بأربعة أبراج عالية. 
في كل منها حارسان؛ مع كل منهما رشاش قصيرء ومن الفتحة أعلى السلمء يتراءى لناء على أرضية البرج مدفع 
براوننج» بجواره صندوقان من الذخيرة. وأعلى البرج كشاف سهل الحركة يحيل الليل ظهرًا. والبرج مجهز بتليفون. 
والطريق الذي بين المعسكرات يؤدي إلى طريق آخر يلف حول المعسكرات كلها من الخارج. تجوب فيه ليل نهار 
عربات جيب مجهزة بمدافع المكنة واللاسلكي. وفي كل عربة داورية من ثلاثة أفراد. وعند أي لغط في أي معسكر 
نجد إحدى هذه العربات قد وقفت أمامه. وإن كان الوقت ليلا تسلط ضوء كشافها فيحفر طريقا في الظلام. 
وحول المعسكرات توجد نوبتجيات من نوع آخر. كل بضعة أقدام يقف جندي مسلح برشاش قصير» وكل خمسة 
جنود يستخدمون جهارًا لاسلكيّا صغيرًا مع أحدهم. كما يوجد أفراد مسلحون ببنادق القناصة» منبثون بعيدَاء بين 
أشجار الخروب القصيرة. وحول المعسكرات من الخارج أبراج غير الأبراج الداخلية» مجهزة بالكشافات 
والرشاشات طويلة المدى. ويحيط بالمعسكرات من الخارج ثلاثة أنواع من الأسلاك الشائكة: شباك من الأسلاك 
العنكبوتية» تليها أسلاك إسطوانية» ثم أسلاك مشدودة بين قوائم حديدية. وقد نبت العشبء ونمت النباتات 
الشيطانية بينها جميعا. والطريق الذي تسير فيه الداورية بعربة يقع بين طريقين آخرين محظور على الجيب المرور 
فيهما. ويواجه المعسكرات من الجهة الغربية صخور نمت بينها حشائش حجبت عنا رؤية البحر. وعلى منحدرات 
الصخورة لافتات بالعربية والعبرية مكتوب على كل منها: خطرء ألغام» ومرسوم عظمتان وجمجمة. وكنت أقيم في 
المعسكر رقم (7) تحده من الغرب صخورء ومن الجنوب المعسكر الثاني للضباط من رتبة رائد فأقل. ويل معسكر 
الضباط المعسكر رقم )١(‏ المخصص لذوي الرتب العالية. ويحد معسكرنا من الشمال معسكر المدنيين المصريين. 
وفي مواجهتنا عبر الطريق الداخلي معسكر رقم 5. وبجواره من الجهة اليمنى ميس ومطبخ لجنودهم. وعلى يساره 
وخلفه بقية المعسكرات. ويحيط بها من الشرق والشمال أرض زراعية. كنا في واد يحيط بنا في نصف دائرة من الشرق 
والشهال سلسلة جبال الكرمل. وهي متوسطة الارتفاع دائمة الاخضرارء على حافتها الشمالية عند التقائها بالبحر 
تقع مدينة حيفا. وكنا نرى عاراتها وأبنيتها كأنها مغروزة في الجبل. أسفل الجبل طريق مرصوف يؤدي إلى حيفاء 
وكنا نرى العربات الخاصة والباصات تسير عليه أمام أعينناء ونتمنى لو أن لنا أجنحة لنطير إليها. وكنا نرى القطار 
من فرجة بين الصخور المواجهة للبحر. وى| يذكرنا صوته بالرحيل يذكرنا أيضا بالقطار الجنائزي البغيض. وذات 
مرة» بينا كنت أتجول في معسكرناء اكتشفت أنهم عملوا دورة مياه. حفرة كبيرة في الأرضء وضعوا عليها قاعدتين 
متقابلتين من الخشب في كل قاعدة عشر عيون. لم يوصلوا المياه إليها» وكان الجالس فيها يرى عورة زميله بكل 
بساطة» ويصاب بدوسنتريا حادة بمنتهى السهولة» وقد أصيب فعلا عدد كبير مها. 

وعندما اشتد البرد وهطل المطرء كان الجلوس في هذا المرحاض غير المسقوف يعتبر نوعا من العته. وكنا نطلق 
عليه على سبيل التندر» المرحاض الصيفي. وزعوا علينا صابونا. كل خمسة عشر أسير يشتركون في صابونة واحدة 
لمدة خمسة عشر يوما. في أول الأمر ضحكنا وعددنا ذلك «فزورة» علينا حلها. ثم واجهتنا صعاب التغلب على 
ذلك. عشرات الاقتراحات. تقسم الصابونة ثلاثة أجزاء وكل خمسة يأخذون قطعة. ونفاجأ أن أحدهم قد انمى 
القطعة وهو يغسل بها رأسه. وأخيرا استقر رأينا على أن يخصص الصابون لغسيل الأيدي والوجوه فقط. ولكننا كنا 


نغافل بعضنا بعضا ‏ أحيانا ‏ ونغسل رؤوسنا وأقدامنا. ولقد ظل دم الجرح الذي تخثر على أماكن من بطني وظهري 
وذراعيء يلوثني طيلة شهرين حتى تمكنت من إزالته. كان الطبيب يمنعني من الاستحام خوفا على الجرح. وحتى 
لو أردت أن أستحم ما استطعت. كانوا يفتحون محبس الماء ساعة في الصباح وأخرى في الظهيرة. وكنا نتسابق إلى 
الحنفيات للشرب. ونغسل «الكناتين» ونملأها بالماء» ثم نغسل ما تيسر من أجسادنا بسرعة. لم تكن المدة كافية. ما 
لا يقل عن ثانائة أسير يتزاحمون على عشر حنفيات. وكنت أقيم في العنبر رقم 1. والعنبر لا يسع أكثر من أربعين 
شخصا ولكنهم وضعوا فيه مائة وستين شخصا. وللعنبر نوافذ خشبية يغلقونها علينا في السادسة مساءً. ومن يفتح 
نافذة يطلقون عليه النار فورا. وعلى جدران العنابر من الداخل وجدنا أسرى عام ١105‏ قد نقشوا أساءهم 
وتواريخ أسرهم, كما وجدنا أسماءً بالانجليزية والألمانية لأسرى الحرب العالمية الثانية. ويبدو أن البريطانيين قد 
أقاموا هذا المعسكر أثناء انتداهم على فلسطين لأسرى دول المحور. أرض العنبر من الأسفلتء طال عليها العهد 
فتشققت. كان هذا يوجع جنوبنا. وكان العنبر الذي أقيم فيه يواجه الطريق الرئيسي بين المعسكرات» وعلى مقربة 
منه برج للمراقبة. خارج العنبر سمعت نقاشا حادا فاقتربت. ورغم الإعياء وجدت نفسي أتحمس للمناقشة. كان 
بعض المصريين قد احتدوا على فلسطينيين من قطاع غزة. كان معسكرنا يضم كثيرا من المدنيين - احتسبوهم جنودا 
- والعسكريين الغزاوية» وكانت لفة المدنيين شديدة للعودة إلى قطاع غزة» أما نحن العسكريين فقد وضعنا في 
بطوننا بطيخا صيفيا. نعلم أن الحكاية ستطولء وإن كنا لا نجرؤ على مواجهة بعضنا بعضا بذلك. أما المدنيون - 
وهم معذورون - فكانوا يتوقعون العودة بين لحظة وأخرى. وكانوا اختصاصيين في إطلاق الشائعات. وكنا نطلق 
على الشائعة «علبة» وكان عاديا أن يسأل أحدنا: من الذي فتح هذه العلبة. فيقال له: الغزاوية أو معسكر المدنيين» 
عندئذ يعلم أن الأمر غير جاد. وأنهم فتحوا العلبة للهفتهم على الرحيل. ومع الوقت انتقلت حمى فتح العلب إلينا. 
وكما يوجد في الجيش المصري مساعد تعيين» ومساعد مهمات.. إلخ. كان يوجد في معسكرنا مساعد للعلب. فإذا 
رجعت لمصدر فتح أي علبة وجدتها من المساعد «أبو الخير» من عنبر 5. كان رجلا مسناء أشيب الشعرء يعاني من 
روماتيزم حاد في قدميه. أصيب بطلق ناري في فخذه؛ عنده دستة من العيال. 

وكان يفتح علبة كل يوم تقريبا. سفر الإسرائيليون دفعتين من الجرحى للوطنء لا يزيد عددهما عن خمسة 
وخمسين شخصا. وفي كل مرة كان مساعد العلب يخطئه الاختيار» مع أن العائدين كانوا شبابا وكانت حالتهم أخف 
من حالته. وعدة مرات بعد ذلك سجل الإسرائيليون أسماء الجرحى لإعادتهم للوطن, ولم يعد إلا نفر قليل» وعدة 
مرات قيدوا أسماء كبار السن لإعادتهم ول ينفذوا شيئًا. عشرات الوعود للمدنيين المصريين.. ثم لا شيء في النهاية. 
كان النقاش كالعادة بين المصريين والفلسطينيين يبدأ بتبادل الاتهامات. المصريون يدافعون عن أنفسهمء 
والفلسطينيون يحملوننا مسئولية ما حدث. وينشب نقار لا ينقطع. والغزاوية عندهم مقدرة فائقة على الكلام 
السريع. وكانت بينهم أقلية ضئيلة جدا تتفهم ظروف المعركة» وتتفهم ظروف مصر وأنه لا ذنب لنا نحن الأسرى 
فيها وقع. وهؤلاء كانوا دائ) يحولون دون أن يتطور النقاش إلى صدام. 

ذات أحد. وهو عندهم أول الأسبوع, أحضر الحراس لنا بطاقات لنكتبها لذوينا. ولم يحضروا قلم| واحداء اعترتنا 
الحيرة جميعا. لم نصدق أنها ستصل. ورفض بعضنا الكتابة رغم إلحاحنا أنهم لن يخسروا شيئا بكتابتها. 


عثرنا على قطعة من قلم رصاص مع أحد المدنيين في المعسكر المجاور لناء كتبت لزوجتي أقول لا أنا في خير 
حال. وكانت أقصى أمنياتي أن تعلم أنني ما زلت حيا. وكنت أطلب من المصلين أن تشمل دعواتهم الصبر لأهلنا 
ومعارفناء فهم لا يعرفون عن مصيرنا شيئا حتى الآن. وكانت الصلاة قد أصبحت «موضة)» عمت أغلب الأسرى. 
حتى بدر سليمان الذي لا يكف عن الزعيق وإقلاق راحتنا صلى هو أيضا. ونفس الضجة التي كان يثيرها أثناء 
صلاة زملائه. أصبح يثيرها ليسكت آخرين حتى يف_رغ لصلات-ه مو. وكنت رغ.م الإيمان الذي حل عل 
فجأة في سيناء لا أصلي. وعندما كان يشتد جدل المصلين معي كي أصليء كنت أتعلل بغياب انتظام إسالة الماع 
فكانوا يطلبون مني أن أتيمم» كأن الإيهان حبك قوي» وكنت إذا سألت نفسي.. لماذا لا أصل؟ لا أجد ردًا مقنعًا. 


-1- 


روعنا ذات صبح نبا يقول إن رجلا قد مات في معسكرناء بالقرب من الخط الأبيض خلف العنابر» ورغم 
محاولات الخراس لنعنا مر ررؤيعه" فقن عدفق الأسيرى مه العتازيه غيل مضكقاق: كل يريد أن يعاكه يف توكانت 
إدارة المعسكر تقيم خطا بالجير الأبيض داخل المعسكره بعيدًا مترين عن أسلاك السور الشائكة» ومنعت الاقتراب 
من الخط الأبيض وأصدرت منشورات بذلكء» وعلقتها في العنابر. وأذاعوا في مكبرات الصوت محذرين من يقترب 
من الخط الأبيض. كان القتيل أسمر اللون في حوالي الخامسة والأربعين من عمره. يعمل طباحًا ببيئة «اليونسيف» 
بغزة. وكان منظره يبعث قشعريره في البدن. طلق ناري من الخلف. الأغلب أنه من بندقية لآنه اخترق الجمجمة 
ونفذ من أعلى الجبهة. وكان الرجل منكفئًا على بطنه وقد ظهرت تلافيف مخه البيضاء. كان في وضع مائل في 
مواجهة السور ناحية الصخور. قال زملاؤه في العنبر إنه تعود أن يفتح النوافذ كل صباح. كانت بعض هذه النوافذ 
تغلق من الخارج بترابيس. ذهبت إلى عنبري فوجدت الجميع في حالة هياج وغضب. فا حدث لهذا الرجل بغتة 
مكن أن يحدث لأي واحد منا. كان لا بد من عمل ما. ووجدت نفسبى أجلس وسط لحنة مؤلفة من بدر سليهان 
وهو محصل بالنقل العام في الإسكندرية؛ ومحمود أبو شنب وكنا نسميه المعلم مغراز لأنه لا يستطيع التكلم إلا وهو 
يغرز يده في جنبك أو بطنك. وهو يعمل حلاقًا للسيدات» ومحمود تعلب وهو مدرس إعدادي كنا نلقبه «أبو 
التعالب». قلت لا بد من عمل شىء وإلا اصطادونا جميعًا واحدًا وراء آخر. قال أبو شنب: نكسر الدنيا. رد عليه 
تعلب: تبقى فرصة لهم. . ويفتحوا علينا النار في «المليان» . وبعد أخذ ورد استقر الرأي على الإضراب عن الطعام. 
اعترض بدر: وعرات محص ري ونيا سوم راو ري لقا كديا متتو لاق فى على 
الإضراب مثلنا. أقنعنا زملاء بقية العنابر فوافقوا. كان لكل عنبر رقيب» يعٌد مندويًا عن العنبر سواء بالنسبة لنا أو 
اليب ودار [لفسكر اول يكن طش الصروري لفاك رركا بالكل جائز جدًا أن يكون جندي احتياط ولكن 
عنده المقدرة ليكون رقيب عنبر» فكنا ننتخبه على الفور. وإذا لم يثبت يثبت جدارته نحيناه. كنا قد انتخبنا مساعدًا 
الممتعر عل قبس الهم نكن عقا لوسك ذا كلد سد يه راسمدا بولق دقة ا لأى نر مامالا اجاح 
اجتمع رقباء العنابر ومساعد المعسكر واستقر الرأي على الإضراب. وبين| نحن في مداولاتناء صدمنا جميعًا منظر 
الجثة يحملها حارسان على نقالة. آه.. سارعوا بنقلها حتى يدعوا أنها كانت على الخط الأبيض. لم يطق أحدنا المنظر 
فخطف بطانية زميل لنا وغطى الحثة» وظل هذا الزميل يعاني من نقص هذه البطانية عدة أشهر حتى استطعنا أن 
ندبر له أخرى. كان الفطور لم يوزع بعد. وعندما وزعوه تركناه لهم على أبواب العنابر. وقع الحراس في حيرة. 
حاولوا إقناعنا بتناول الفطور دون جدوى. طلبنا الصليب الأحمر. اتصلوا باللاسلكي وبالتليفون بقيادتهم. طلبنا 
أقدم رتبة من الأسرى نتفاهم معها. رفضوا وحاولوا استدراجنا لتناول الفطور ريث) يبحثون الموقف فلم نقبل. 
هددوا باستعمال العنف. كانوا كلما تضايقوا منا جمعونا في صفوف «خميش خميش» للتام. والمفروض أن يجمعونا مرة 
في الصباح وأخرى في المساء للتمام فقط. ولكن في مثل هذه الظروف كانوا يجمعون أسرى كل عنبر بجواره» في 
طابور «خمسات» تحت شمس حارقة. وبالفعل جمعونا وجاءنا حارس اسمه ميخاء كنا نستلطفه» يشبه البنت في 
رقتهاء شعره كستنائي مسبسب. عيناه عسليتان ضيقتان» رفيع القوام. يقولون عنه: إنه يعمل صيدليا في المدينة. كنا 


دائًا نغيظه ونضحك عليه. قال ميخا: اسمعوا يا جماعة اليوم أنا صرت منكم مجنونًا.. ما تسووا «هيك» أنا ما 
أسوى.. تسووا مليحًا أنا أسوى مليحًا. ضحكنا جميعًا من كلامه. رد عليه بدر: ولما تقتلوا الرجل يبقى تسووا 
مليحًا. قال ميخا: مات.. الله ير حمه.. الكل ماله يا جماعة.. 

م يرد عليه أحد. تسلل بعضنا بحجة جلب شيء يضعه على رأسه اتقاء لحرارة الشمس. أخذنا نتسرب واحدًا 
وراء آخر. جاء الغداء فرفضناه أيضًا. وفي الحقيقة كان الجوع يعصف بنا. وكنت إذا جلست ونهضتء أحسست 
بدوخة وأكاد أسقط على الأرض. كان القليل الذي نأكله؛ يجعلنا بالكاد نستوي على أقدامناء أما الذين نزفوا دماءً 
كثيرة بسبب جراحهم فكانت مصيبتهم كبيرة. أخبرنا ميخا: أن مساعد المعسكر الإسرائيلٍ في الطريق إلينا. قلنا له 
نريد القائد أو مندوب الصليب الأحمر. جمعونا ثانية من أجل المساعد. كان رجلا متوسط القامة» ربعة» شعره 
أكرت» قمحى اللون. عيناه كأن فيهما ششمً). ينظر بصعوبة ويرمش بين حين وآخر. هدد وتوعد. وأعلن أن المعاملة 
مسعين. قلنا ستغي إل ماذا:ؤهل يود أسوا من القعل. أصررونا عل موقفناء ن جتونه وانسيحب وهو يرظن 
بالعبرية. جاء ميخا يجس نبضنا بعد تبديد المساعد. لم يجد لينًا فذهبء أغلب الظن ليبلغ قائده. كان لكل معسكر 
ضابط إسرائيلٍ برتبة ملازم أول أو نقيب. كان ضابط معسكرنا نقيبًا عجورًاء أحمر الشعر. يبدو من لهجته أنه من 
أضل لباق قضينا سناعتين أو ثلاكا قناقش ما يدبع عمله بعل تبديند المساعل» واستعرضنا نما يمكن أن يلتجاوا إليه 
من وسائل العنف. انر الراى عل أن تمر الأشراب» وأن تعد العدة لأ طارفة: وجعلنا نرفع معنوياتنا. 
لإ ا لبا رالا ام لحر وو لاا ا شر ل دار الصو راود ليه 

بنفس الشيء. وكان بدر يخرج مع بعض الأسرى في «طُلب» خارج معسكرناء إلى المخزن» لتحميل عربة التعيين 
باحيز والوته اتوريعه عا العسكواعيهوكانوا يستطيعون إحضار بعض حبات من الطىاطم وقطع من الخبز في 
غفلة من الحراس :اتعطلنا عن :طريق الاطلب) بي ببقية المعسكرات لتتضامن معنا. وبالفعل بدأوا يثيرون بعض 
القن جل يعدن الر لاد براك ف ولوق قلطم سن للحي د عرها درق عدر 6 لسابو حدر انون لياع 
ويتجمهرون. فوجئنا بدخول النقيب الإسرائيلٍ إلى معسكرنا. حاول الحراس جمعنا «خميش خميش» فأثناهم عن 
عزمهمء كان هذا إشارة فهمنا منها أنهم سيخضعون لمطالبنا. أخبرنا الرجل أن إدارة المعسكر تعتذر عما حدث, وأن 
قائد المعسكر عين لجنة للتحقيق في الحادث. وأن المسئول سينال عقابه. واستفسر عن اسم القتيل وعنوانه. وقال 
إنهم سيصر فون لعائلته التعويض المناسب . وأنه سيدفن على الطريقة يقة الإسلامية. 

اجتمعنا للتشاور. قال بعضنا إنه كاذب وأن شيئًا من هذا لم ولن يحدث. وقال آخرون: وإذا لم يحدث وظللنا 
مضربين سنوات فاذا سيجدي إضرابنا لرجل ميت. وقالت جمهرة منا: نكتفي بها حدث» وحتى لو كان الرجل 
كاذيًا فقد أشعرناهم أننا لن نسكت على تكرار شيء كهذا. ْ 

وافقنا جميعًا على إنباء الإضراب. بعد قليل جاء بعض ضباط إسرائيليين وصوروا المكان وانصرفوا.. شكرنا 
الغزاويون لاهتمامنا بالقتيل ولسان حالهم يقول «مع إنه فلسطيني». أكدنا لهم أن مصيرنا هنا جميعًا واحد» ومن 
واجبنا أن نفعل ذلك. طلبنا طعامنا الذي نستحقه من أول النهار. أصر الحراس على صرف الوجبة الأخيرة فقط. 
تعللوا أن كل وجبة رفضناها لاحق لنا فيها. هددنا باستمرار الإضراب» خشى الحراس مغبة ذلك» فسمحوا لنا 
بالطعام على مضض. وكان ذلك بمثابة وليمة بالنسبة لنا. يكفي أن المرء سيأكل لأول مرة منذ زمن بعيد طماطمة 


كاملة» غير منقوصة. وبصلة» وقطعة من الخبز في حجم الكف وحده دون منازع. 

مع الوقت ألفنا ميخا وجعل يتسامر معنا. أكد لنا أنه زار مصر ويعرف الإساعيلية جيدًا وأقسم أنه حضر مباراة 
الإسماعيل والأهلى الشهيرة» عشية الحرب وحكى لنا وقائعها. ولما كنا غير مصدقينء أخبرنا أنه ارتدى زي جندي 
من قوة الطوارئ الكندية» وذهب في عربة تابعة هم إلى الإسماعيلية. 

في المساء أقمنا حفل عيد ميلاد ابنة بدر. خططنا للحفل. تلاوة قرآن على روح الشهيد قبل صلاة العشاء» بعد 
الصلاة بقليل أغاني للمطرب محمد رشديء ثم رقص بلدي ومواويل إسكندراني. جلسنا في العنبر» متحلقين وقد 
نناسينا قتيل الصباح. 

وكنا كلما تقدم بنا السهر زعق الزميل الذي غطينا ببطانيته القتيل: بطانيتي يا عالم..؟! فيغطي ,بجت - مغني 
العنبر - بصوته الجهوري: رأيت خياله في المنام» فنرد جميعًا في جوق عظيم: «ما أحلاه يا وعدي.. ما أحلاه يا 
وعدي». كنا نعيد تلحين الأغاني با يتفق ورغبتنا في التهريج وإدخ.ال شيء من الس.رور إلى نف_وسن.ا. 
استمررنا نردد دولك ملل.. «ما أحلاه يا وعدي.. ما أحلاه يا وعدي». عن هف أضواتنا وطفر الدمع من 


- ل 


لم يكن عدونا هو الجوع. بقليل من الصبر يمكن احتتاله. ولم يكن عدونا جهل بعض الزملاء. فبعد شهرين في 
الأسر سمعت جنديا يسأل زكريا الراقد إلى جواري: إسرائيل هذه.. أين تقع..؟! 

لم يجبه أحدء فمن الأسئلة ما يجعلك تفغر فاهك مصعوقًاء أو تسرى عن نفسك بالضحك حتى لا تنفجر غيظًا. 
كان عدونًا أخطر وألعن من ذلك.. حشرة القمل المقيتة» اللعينة.. 

فجأة وجدنا أجسادنا مرتعًا خصيًا لحا فالنظافة متعذرة. الصابون شحيح. ولا غيارات داخلية أو خارجية. 
العرق لا يمكن إزالته بانتظام. الأجساد متلاصقة عند النوم. والبطاطين التي أعطوها لناء إذا اقتربت منها أنوفنا 
أصبنا بالاختناق. هل من الغبار الذي نستنشقه منها مهما نفضناهاء أم من رائحة منفرة مكتومة لا تغادرها مها 
شمسناهاء أم من ذرات النسيج» تتطاير من القدم» عند أقل حركة» أم من كل ذلك جميعاء لا نعلم. 

في البداية كنا نخجل. كل واحد يحاول الاختلاء بنفسه» دون جدوى. من يستيقظ مبكرًا يجد من فكر مثله وممض 
مبكرًا. ومن يتسلل خلف العنابر يجد عشرات سبقوه إلى هناك. ومن يذهب إلى دورة المياه في غير أوقات الازدحام, 
يجدها غاصة بزملاء. أخيرًا لم يعد هناك مفر ولم يعد أحد يخجل من آخر.. كنا جميعًا نحمل أنصبتنا من الحشرة 
اللعينة. وكان أكثرنا ضيقا الجرحى». خاصة أصحاب الكسورء يتسرب القمل إلى حواف الجبس الملفوف حول 
الذراع أو الرجل المكسورة. يأكل الجلد صاحبه؛ يحاول هرشه. فلا يستطيع. 

كنا نجلس جميعًا ونخلع ملابسنا الداخلية» التي تهرآت بفعل العرق والقذارة» ونفليها فتلة فتلة. وكنت بعد هذه 
العملية التي تخزق العينين» أذهب إلى الحنفية وأشطف الغيار دون صابون, ثم أنشره في الشمس. أظل طوال النهار 
عاريًا إلا من بنطلوني على لحمي. وعند النوم» «كأنك يا أبا زيد ما غزوت»». إذا ما خلعت الغيار وتأملته وجدت 
لدهشتي البالغة الحشرة اللعينة تزحف غير عابئة بشيء.. في اليوم التاللي أظل بالملابس الداخلية وأفلي البنطلون. 
وهكذا يوميًا دون فائدة. 


4845 


كان جاري في العنبر زكريا حسين» عملاقًا أسمر من أسوان. دائً) يقول لي: لا تصحنيء إلا إذا نادوني» لأذهب 
إلى مصر. لم يتجاوز الثلاثين من عمره وتظنه في الأربعين. سمين جدًا.. لطيف المعشر. حلو الحديث, ابن نكته. 
عريف في سلاح الحدود. متزوج وأب لطفلين» كنا نناديه «عم زكريا» احترامًا لهيئته الضخمة واعترافًا بأقدميته في 
الجيش. رغم رتبته البسيطة فقد التحق بالجيش منذ خمسة عشر عاماء ولكن ترقيات سلاح الحدود صعبة. 

زكريا يلقب القمل ب_«اللوزن» ويصدر نشرة مسائية عن أحوال «اللوزن» في عنيرنا وفي العنابر الأخرى. 

كان لا بد أن نفعل شيئًا وإلا ساقنا القمل إلى الجنون» تسبب القمل في أرقنا ليلا. وكنا مهرش أجسادنا ليل نهار 
فينبثق منها الدم» أخيرًا لم نطق فقررنا الإضراب عن الطعام, ليفتحوا لنا محبس الياه دومّاء وليزيدوا كمية الصابون. 
بعد مفاوضات قصيرة الأمدء وافقوا على زيادة مدة فتح الحنفيات ساعتين إضافيتين. ادعوا أن نصيب الأسير من 
الصابون مثل نصيب الجندي الإسرائيلي» قلنا لمهم غير معقول» وحتى إذا كان هذا صحيحًا فهو يذهب إلى منزله 
ويستطيع أن ينظف نفسه. ظللنا في أخذ ورد دون فائدة. طلبنا مقابلة مندوب الصليب الأحمر. رفضوا وهددوا فلم 


نبال. وحالا جهزنا الصفائح. ونظمنا مظاهرة في المعسكر. وعلت الحتافات: ناصر.. ناصر. رآنا الأسرى في 
المعسكرات الأخرى ففعلوا مثلنا. حاولت الإدارة الإسرائيلية #بدئتنا بمختلف الوعود. وافقوا على صرف صابونة 
لكل خمسة أشخاص كل عشرة أيام. لم نقبل. طلبنا صابونة لكل شخص أسبوعيًا. جاء ضابط معسكرنا الإسرائيلٍ 
لتهدئتنا فلم يفلح. جاء قائدهم فشتمناه» وزعقنا في وجهه. أحضروا لنا أقدم رتبة بين الأسرى. لتكون أقدر على 
التفاهم معنا. أصررنا على مطالبنا. علمنا أن مندوب الصليب الأحمر موجود. ولم يكن يستطيع الحضور إلا إذا 
سمحوا له وقلم| يفعلون. طلبناه وكلمناه عن الطعام الردىء والقذارة. دخل ورأى العنابر ودورة المياه. وعد أن 
يبذل قصارى جهده. طلبنا تطبيق معاهدة جنيف الخاصة بالأسرى علينا. نحن واثقون بأن أسراهم يعاملون في 
بلدنا على أنهم «خواجات» وهنا يعاملوننا وكأننا «فلاحون أجلاف». 

بعد أسبوع. بدأوا في زيادة كميات الصابون. صابونة لكل عشرة أشخاص ثم لكل خمسة» وأخيرًا صابونة لكل 
زادت ساعات إسالة الماء. ولكن على مزاج حراس بوابة المعسكر. وذات يوم كنا نقف أمام الحنفيات. الصابون 
يغطي وجوهنا. بعض زملاء نقعوا ملابسهم في الماء انتظارًا لدورهم عندما تخلو حنفية. بعض أسرى يتوضأون. 
آخرون يغسلون أوعية الطعام. فوجئنا بأحد الحراس يقطع المياه. كادت وجوهنا تتمزع من الغيظ. كان زكريا 
يشرب ساعتها. طلب من الحارس إسالتها لمدة بسيطة حتى ينهى كل فرد ما في يده ثم يقطعها. رفض الحارس. لم 
يكن عندنا ماء للشربء فطلبنا فتح المحبس حتى نملا أوعيتنا. لم يعرنا الحارس التفانًا. ذهب زكريا وفتح المحبس 
بنفسه معرضًا نفسه لضرب النارء لأن المحبس يقع بعد الخط الأبيض المحرم علينا اجتيازه. وقف حراس البوابة 
مبهوتين. لم يجرؤ أحدهم على التقدم نحو زكريا. مربد الوجه. عيناه تطلقان شررًا. قامته العملاقة توحي أنه 
سيحطم من يقترب منه. تكلم أحد الحراس في التليفون. في هذه الأثناء كنا نضحك ونبلل ونغيظ الحراس ونبالغ 
في الوقوف على الحنفيات. حضر المساعد الإسرائيلٍ وأمر بجمع معسكر ١‏ كله. كل أسرى عنبر بجواره. 

كنا في حوالي العاشرة صباحًا والشمس باهرة. هددنا المساعد بإغلاق محبس المياه طوال النهار. باستثناء نصف 
ساعة في الصباح فقط. زعقنا في وجهه جميعًا. طلبنا منه إحضار مندوب الصليب الأحمر. وأخبرناه أنه في حالة عدم 
حضور المندوب سنكسر الحنفيات. هدد بقطع المياه من خارج المعسكر. تحديناه أن يفعل. جاء مساعد المعسكر 
المصري لتهدتتنا. في هذه الأثناء دخل الجندي الذي قطع المياه. رماه أحدنا بطوبة في وجهه أدمته. جرى وزميلنا 
خلفه. توتر الموقف فخاف المساعد الإسرائيلٍ وغادرنا مسرعًا. أعلنت حالة الطوارئ في المعسكر. في كل شبر وقف 
جندي بملابس الميدان» بالخوذة والسلاح وجهاز لاسلكي وزمزمية. جاءت عربة مدرعة وسلطت مدفعها على 
معسكرنا. حضر ضابطهم أحمر الشعرء وطلب منا أن نلزم الهدوء طيلة هذا اليوم. واعتبارًا من غد ستكون إسالة 
الماء طوال النهار. طلبنا نقل الحارس الذي أغلق المحبس فوعد بذلك. وبالفعل نقلوه وأصبحنا نستخدم المياه في 
أي وقت نشاء. وعرف هذا اليوم بيننا بيوم المحبس. وكنا كلم| تذكرناه انفجرنا ضاحكين ونحن نسترجع حوادثه. 
بلغنا هذه الأنباء لمعسكر المدنيين المجاور لنا. وحذرناهم أن يضحك الحراس عليهم ويغلقوا محبس المياه. 

جاء عند الأسلاك الشائكة» الفاصلة بين المعسكرين سائق قطار العريش» وهو مأسور مع المدنيين. جميعًا نعرفه. 


كانت مواقع كثير منا بالقرب من شريط السكة الحديدية» وكان يمر علينا داثً) بالقطار ويلوح لنا بيده مشجمًا. 
وأحيانا يلقي إلينا ببعض الجرائد. عندما رأيناه لأول مرة في الأسر هللنا وكأننا وجدنا كنرًا. اتضح لنا أن الرجل 
صديق للمعلم ‏ مغراز - ولست أدري كيف نشأت هذه الصداقة ‏ وأنه هو الذي ناداه. أخبرنا السائق أنه كان في 
المستشفى وسمع أنباءَ عن عودة المدنيين إلى مصر خلال أسبوعين» وأن العسكريين لن تطول إقامتهم حتى نهاية 
أكتوبر. صبرنا حتى تركنا وأخذنا ننعته بمختلف النعوت ونتهمه بالجنون. 

لم يكن أحدنا على استعداد لأن يصدق أن أكتوبر من الممكن أن يأتي ونحن ما زلنا في الأسر. 

حاول ميخا أن ينتقم لزميله المنقول. أحضر مكنة حلاقة ومقصًا. وأراد أن يحلق لنا شعرنا بحجة النظافة. وأخذ 
يصنفنا. ذو الشعر الطويل يقول له: أنت تبع مقصّاء وصاحب الشعر القصير يقول له: أنت تبع مكنة. انتظرنا حتى 
انتهى من تصنيفه. ولم نسلم رؤوسنا لا للمقص ولا للمكنة. وإذا كان لا بد من قص الشعر فسيقوم به زملاؤنا. 

بعد مشادة كلامية رضخ على مضض وهو يقول: 

- أنتم يا جماعة نسيتم أنكم سجناء.. أسرى. 


أجبناه وعجبه يزداد: 


- /- 


سجلت نشرات زكريا قرب اختفاء «اللوزن».. وكان قبل ذلك بأسبوع يذيع نشرات عن قرب تصديره للكنغو 
لإطلاقه على قوات المرتزقة التي اغتالت زعيمهم الوطني لومومباء حسب أحجام ومواصفات مختلفة. 


ل 4ت 


وأخذنا نفيق.. من كابوس ثقيل. وكنت كلما تذكرت رحلة القطارء لا أصدق أنها مرت بي. فرت في أعاقنا 
بمرارة لا تمحوها الأيام. وكنت كلما تذكرت قسوة الأيام الأولى في الأسر لا أصدق أني أنا نفسي.. ظللت أسبوعا 
أهب من نومي مذعوراء متوهمًا حدوث غارة» وأن قصف القنابل على مقربة مني. أهرول في العنبر» فأتعثر بين 
الأجساد الممددة. ولم أكن وحدي الذي فعل ذلك. وكثير من الأسرى تكلموا أثناء نومهم في اهتلاس عن معارك 
حربية.. وبعضهم أصيب ببوس. كنا نوقظهم ونعيدهم لحالتهم الطبيعية. وكان يزيد هذه الحالات هياجًا أننا ل 
نكن لنطمئن على حياتنا لحظة واحدة. الحراس لا يكفون عن إطلاق الرصاصء نفاجاأً بالأعيرة النارية تمرق فوق 
رؤوسناء من جدران العنابر الخشبية» تستقر إحداها في قاعدة شباك وأخرى في جانب من العنبر. وكنا لا نعلم أي 
وضع صحيح نتخذه لتفادي طلقات الرصاص. هل الجلوس آمن أم النوم. أصيب أسير ذات مرة في إصبع قدمه 
وهو نائم. الذاهب في الليل إلى مدخل العنبر حيث جردل البول لا يصدق أنه عاد من رحلته سالما. وبالقرب من 
الباب ينام الشيخ جمعة منكمشًا حول نفسه؛ وخلفه مباشرة جردل البول. كل صباح يبدي عجبه لأنه ما زال حيا 
يرزق. ولست أدري ما الذي كان يحبب الشيخ في هذا المكان. سنحت فرص عديدة لكي ينتقل إلى داخل العنبر» 
ولكنه رفض بحتبلية وتزمتء راضيًا أن يؤم المصلين من مكمنه. ذات مرة كان يقرأ القرآن بعد صلاة العشا 
وفجأة دوت طلقات الرصاص بالقرب منه فسكت على الفور وانبطح أرضًا. غرقنا جميعًا في الضحكء وسألناه أن 
يقرأ ولا يبخف ولكن حياته كانت عنده أغلى من توسلاتنا. بعدها ظللنا نعيره مهذه الفعلة. وفي ليلة أخرى انقطع 
التيار الكهربائي عن المعسكر كله فأمطرونا بالرصاصء أغلب الظنء حتى لا يفكر أحد في الهرب. ابنطحنا جميعًا 
على الأرض. كل في مكانه. نسمع صفير طلقات الرصاص كأنها تمر بجوار آذاننا. من ينبطح على ظهره يلمح من 
فجوات السقف الصدئ الأعيرة الحمراء الكاشفة والأعيرة الخارقة الحارقة وهي تمر في علو العنبر تمامّاء مكونة 
ستارة رهيبة. لو اهتزت يد الضارب من البرج قليلا لحلكنا جميعًا. ليلتها لم نسلم من الحوادث. جرح اثنان من عنبرنا 
ولم نتمكن من العمل فورًا لإنقاذهما بيدا الضرب مستمرء ولحظه) عاد التيار الكهربائي بعد بضع دقائق. فخبطنا 
بأكفنا الأبواب»ء ونادينا الحراس. 

ردوا علينا بمعاودة إطلاق الرصاصء استمر زعيقنا وهياجنا. اتصلوا بالدورية السيارة. فتحوا باب العنبر فجأة. 
وجدنا عربة جيب قد سلطت مدفعها وكشافها داخل العنبر. وجاء ضابط ومعه ثلة من الجنود. وقفوا أمام باب 
العنبر ووجهوا طبنجاتهم ورشاشاتهم ناحيتنا. خرج إليهم رقيب العنبر وأخبرهم أن عنده مصابين. حمل بعض 
الأسرى الجريحين على أكتافهم والدم ينزف منهما. فوهات الرشاشات تحيط مهم من كل جانب. انقطع التيار فجأة 
فعاد إطلاق النار المحموم. كانت ليلة شديدة البرودة. ولست أدري لاذا كان يقشعر بدني عندما أتخيل نفسي ميتا في 
هذا البرد القارس. كلم توهمنا أننا سمعنا صراححاء سألنا في عنبرنا أولا عن جريح أو قتيل. فإذا لم نجد زعقنا سائلين 


زملاء العنبرين عن يمين وعن شمال. استمر هذا الرعب حتى الصباح ونحن في دهشة لأننا ما زلنا أحياءً. امتنعنا 
عن تسلم الطعام احتجابًا. وهددنا بعمل مظاهرة صاخبة إذا لم يأت قائدهم ليتفاهم معنا. راقبوا تحركاتنا. أحضرنا 
صفائح وكسرنا الشبابيك لعمل هراوات. نزعنا زوايا الحديد من الأرض وأرخينا الأسلاك الشائكة. جمعنا الطوب 
والحجارة ومحونا الخط الأبيض بأقدامنا. حضر القائد الإسرائيلي مسرعا. اعتذر عما حدث ليلة أمس. قال عن 
الجريحين إن هذا قضاء وقدر. لم نقبل تفسيره للقضاء والقدر. 

طلبنا أن يكف الحراس عن إطلاق النار. أخبرنا صراحة أنه لا يستطيع أن يمنع الحراس من إطلاق النار. حسب| 
يتراءى لهم. لحفظ الآمن ليلا. ولنفرض أن أسيرًا يرب فعلا فهل يظل الحرس يتسلون بمشاهدته. لم يكن أحد 
هرب ليلة أمس. وعد أن يجعلهم يقللون من إطلاق النار. وجرح عدد من الأسرى في المعسكرات الأخرى. 
شكونا لمندوب الصليب الأحمر دون جدوى. 

كثيرًا ما كان الحراس يتضايقون من تبريجنا وضحكنا داخل العنابر ليلا فيرمون بقطع من الحجارة فوق سقوف 
العنابر» ولما كانت صدثئة» وبها خروق كثيرة فقد خشينا أن تسقط قطعة منهاء فتفلق دماغ أحدناء ولكن لحظنا أن 
السقوف مخروطية مضلعة. ما كان يساعد على تدحرج الحجارة. 

شُفي جرحي بفضل مواظبتي على الغيار. اكتشفت طريقا لذلك. بعض زملاتنا الذين يعملون في مخازن المؤن 
التابعة للمعسكر يحصلون على سجائر من هناك. فكانوا بهدوننى علبة سجائر بين حين وآخر. السيجارة منها 
قن كته ييل لوه إن عضي ]ذا تمصع اتتدرك «جميرا نواه زورك يسدق غيل إل أله معي من 
سعف النخيل. وتحملت كالعادة مسئوليتى في إرضاء المدخنين. واحتفظت في جيبى ببعض السجائر للطوارئ. 
عؤقث مراعل حارس الإؤابة مسعاوة نبي ل تالروي إلى الغياذة. كل ضياع «اظارنةة اللسيجازة بوانق صن 
خروجي مع الحارس. وني العيادة فعلت نفس الثيء مع التومرجي الإسرائيلي. سيجارتان لقاء حقنة من البنسلين 
وسيجارة لقاء حبة من السلفا. وعندما لا يكون شىء من هذا متوفرًا لديه أعطيه السيجارة فيعطينى نصف كوب 
من الكاكاو أو قليلا من اللبن. وعندا كيت أخر هو فى العدن أن شربت كاكاوًا كانوا يو مرة أعطاني 
الممرض بيضة مسلوقة» فخبأتها بين طيات ملاببي وذهبت بها إلى العنبر. التفوا حولي ينظرون إِِيّ بدهشة وأنا 
أغتويجها كاي حاو بازع اتتسمنا البنضية كل والحد قظمة ل قل ما قيش وذاك صباح ميشه تجالية كنك أغنفى 
في أرجاء المعسكر مع بدر وزكرياء نشخص بأبصارنا نحو جبال الكرمل المكسوة بالأشجارء التي تتغير درجات 
خضرتها مع تقدم النهار. وثمة بيوت متناثرة بين الأشجار. وني نهاية العصاري ترق أشعة الشمس وتترفق بالجبل» 
وتصفو به وبالنفس معًا. وبعد قليل تنعكس شعاعات الشمس الغاربة فتحيط بالجبل إحاطة الشغاف بالقلوب» 
وتضفي عليه لون أحمر رقيقًا ويود الإنسان لو بهفو وراءها. فجأة يزعق الحارس على التمام. متعجلا دخولنا العنابر. 
أقول في هذا الصباح بينا نحن مع الجبل والذكريات. دهشنا لدخول أكثر من أربعين أسيرًا جديدًا إلى المعسكرء 
لحاهم طويلة وعيونهم غائرة. اتصلت شواربهم بلحاهم. ظهورهم منحنية. لا يتكلمون إلا بقدر كأن كلامهم 
سيجمرك. التففنا حوهم نتعرف أخبارهم. نجحنا في اصطياد أحدهم وهات يا أسئلة.. أخبرنا أنهم أسروا بعد 
وقف إطلاق النار بأسبوع. كانوا تائهين في جبل بسيناء» لم يبلغ الإسرائيليون عنهم الصليب الأحمرء ومصر لا تعلم 
عنهم شيئًا. أبقوهم معهم في الجبل ليضعوا لهم المؤن في العربات» ويجلبوا لهم المياه من الآبار.. قاموا بأعمال النظافة 


في المواقع. كانوا يعملون طوال النهار وجانبًا من الليل تحت تبديد المدافع الرشاشة. طمأناه: 

- أنت بين إخوان لك هنا. 

أشعل له أحدنا سيجارة» ويعتبر هذا من الزميل منتهى كرم الأخلاق في مثل ظروفنا. وطلبنا منه قص شعره 
وإزالة لحيته. ونسينا أننا كنا إلى عهد قريب مثله. يكاد المرء ينكر نفسه. حتى رضخت قيادة المعسكر وأحضرت لنا 
أدوات الحلاقة. 

ورغم أنهم قبضوا عليهم بعدنا بعشرة أيام على الأكثر إلا أننا كنا نسمع منهم في شغف عظيم الأخبار التي 
سمعوها في تلك الآونة. ومع أن هذه الأخبار قد مر عليها ثلاثة أشهر على الأقل. إلا أننا كنا متلهفين لأخبار مصر 
تلهف السائر في الهجير إلى شجرة ظليلة. 


ع 


كان يحلو لبدر سليمان» أن يقف عند باب العنبر ويصيح: 

-يا «أفندية».. كل واحد يحضر عهدته ويطلع على البوابة. وبالفعل يذهب ويحضر ما يخصه. ويجري نحو البوابة» 
محدثا هرجا. بعد قليل يعود وقد تفتق ذهنه عن لعبة جديدة: 

-يا «أفندية» اطمئنوا.. العربات أحضرت تعيين شهر مقدماء لن نمثى قبل ديسمبر. 

سمعنا أن الأمطار هنا سيول. والبرودة تقصم الظهور والعواصف تقتلع الأشجار. ونحن في واد مجاور للبحر.. 
ملابسنا وأغطيتنا لا تصلح للصيف. ف بال الشتاء. وكان من يذكرنا بالشتاء» يذكرنا على الفور بانعدام أية وسيلة 
للتدفئة. كنا نرتعب. ثم نخلي عن أنفسناء وننطلق نسبه ونلعنه. وهذا ما حدث لبدرء فقد انبالت عليه اللعنات. 
ومع هذا لم يكن يبدأ إلا إذا أشاع في العنبر هيصة. إذا كنت نائ| أيقظك. وإذا كنت تسمر بالحديث مع أحد لا 
النهار» وأحيانا جانبا من الليل» عندما يعمل وقتا إضافيا. لذلك لا يستريحء إلا إذا زعق.. وأزعجناء وكأنه في 
عربته بالإسكندرية. وكنا في بعض الأوقات نجاريه.. ونضحك معه: 

-هيا.. يا اكمساري».. اقطع لنا تذاكر. 

فيقسم لنا أنه سيمثل دور محصلء في العربة التي ستقلنا في طريق العودة. وباستمرار المعايشة تعودناه» وعددناه 
ضمن المنغصات. التى كتبت علينا في الأسر. وعندما حضر زملاؤناء الذين كانوا يعملون في سيناء» انطلق بدر 
كعادته يرج» وفتح علبة مؤداها أنهم يجمعون الأسرى في مكان واحدء. تمهيدًا للرحيل. وأراحت هذه العلبة نفوس 
الأسرى بضعة أيام» ثم لم يلبث الشك أن عصف بهم ثانية. سألت بدر: 

- هذه العلبة صحيحة؟ ! 

أجابني بصراحة» إنه لن يصدق أي كلام, إلا عندما يأخذوه من يده ويضعوه في العربة الذاهبة إلى مصر. وكنت 
قد وطنت نفسي ألا أصدق أية علبة حتى لا تنعب أعصابيء عندما تسفر عن كذبها. ورغم هذا كنت عند ساع أية 
علبة» أروح أتقصى مصدرها.. وأحللها وأقلبها على كافة الوجوه. وأناقش مع الزملاء في العنبر مدى معقوليتها. ثم 
تمر الأيام ولا نجني سوى الحسرة. فنقسم بأغلظ الأيان أننا لن نصدق أي شائعة بعد الآن. فإدارة المعسكر 
تضعضع عزيمتنا. فلا أحد يتصل بنا سواهم. ثم لا تكاد تُفتح علبة جديدة» حتى نروح نترقب أنباءها بقلوب 
راجفة» وقد نسينا أياننا المغلظة. 


4. 


جائز تصح هذه المرة.. 
وفي مصر كنت كغيري من الشباب أتطلع إلى اليوم الذي أجول فيه في العالم الواسع. لأقرأ الناس وأزيد دخلي 


وأبني لنفسي مستقبلا. ولكن ها أنذا في الخارج.. وأي خارج؟. وقد عرضوا علينا عن طريق الصليب الأحمر أن 
نبدي رغباتنا. فمن لا يريد الذهاب إلى مصر يقول. ومن يود الذهاب إلى أي مكان في العالم يقول. وقد رفضنا 
جميعاء مع أن معنا أسرى كانوا قبل المعركة في سجون وحداتهم» وعودتنا إلى مصر تعني عودة هؤلاء إلى السجون. 
وبعضهم ينتظر المحاكمة وقد ي-حكم عليه بعقوبة يقضيها في سجن عام. ولكن السجون في مصر مشيدة با حجارة 
ولا ينفذ منها الرصاص. وفي سجون مصر لا يطلقون الرصاص إلا في| ندر. تقضي في السجن فترة عقوبة قد تمتد 
سنوات طويلة فلا تسمع صوت طلقة واحدة. والسجين في مصر يزوره أهله أسبوعيًا. ويستطيع بين حين وآخر أن 
يأكل طعاما من منزله. وني السجن يارس بعضهم أية رياضة يريدهاء بل وبعضهم يوارس هوايات كالموسيقى 
والتمثيل. وبعضهم يعمل نساجا أو نجارا بأجر. وفي السجن مكتبة فلا يضيع الوقت كله هدرًا. وأهم من ذلكء أنه 
يعرف يوما محددا يخرج فيه إلى الحرية» مهما كانت جريمته. لذلك فهو يهارس حياته بشكل أو بآخرء وقد لا تخلو من 
منغصات انتظارًا لهذا اليوم. أما نحن فمحرومون من هذا كله» ولا نعرف يوما محددا للسفر. فمن الجائز جدًا أن 
نعود للوطن غدًا. ومن الجائز أن نعود بعد سنوات طويلة. وقد لا نعود أبدًا. 


ل 4ت 
اي يزيا يي 


غادرنا الأسرى الأردنيون بعد ثلاثة أسابيع من وقف القتال. وتبعهم الأسرى السوريون بعد ذلك بأسبوعين. 
وكان منظر وداعهم يقطع شغاف القلوب. كنا نتتجمع على جانبي المعسكرات. في مواجهة الطريق الذي يمر بينهاء 
تفصلنا عنهم الأسلاك الشائكة. ونردد الحتافات بحياة القومية العربية» وأن النصر لنا. وكان الحراس يبذلون جهدا 
مضنيا لكي ننصرف إلى العنابر» دون فائدة. والراحلون يلقون إلينا بمتاعهم القليل» وبا تبقى من هدايا بلدهم من 
سجائر وكبريت» وبعض الغيارات الداخلية. بعد أن تمضي مسيرتهم» ندسحب إلى عنابرنا. يختلط في نفوسنا الفرح 
والحزن. فرح لإخواننا الذاهبين إلى الحرية. وحزن على مصيرنا المجهول. كنا نصيّر أنفسناء أن الدور لا بد آت 
عليناء وأنه لا فائدة من وجودنا في إسرائيل. عندما سافر الأردنيون» قلنا الدور القادم لنا. وعندما سافر السوريون» 
قلنا لم يبق إلا نحن. والحقيقة كان هناك الفلسطينيون» أهل غزة من المدنيين. فراجعنا أنفسنا: ما زال أمامنا 
الغزاويون. وأصبح من المسلم به أن المصريين آخر من سيغادر المعسكر. 

أعطبوا الفلسطينيين. يخبرونهم أنهم يستعلمون عنهمء وتارة في انتظار رأي تل أبيب» وتارة في انتظار رأي 
العسكريين الإسرائيليين في غزة. ونحن مشكلتن-ا أنن-ا جن_ود. وحملن.ا الس-لاح للدفاع عن بلادناء ولكن ما 
ذنب هؤلاء المدنيين وأغلبهم تمورجية وأطباء. وتتوالى ادعاءاتهم.. كبار السن سيرحلون أولاء وبعدهم المرضى. 
وتتوالى الأيام ولا يرحل أحد. سنبدأ بالصبية» وكان يوجد عدد كبير منهم» ولا يوفون بوعدهم. 

وهكذا ظلوا يلعبون بعواطفهم حتى شرعوا في ترحيلهم. الأطباء أولاء ثم التمورجية. كل يوم عشرة أشخاص. 
وكأنما عز عليهم فراقهم جميعا. فحجزوا منهم سبعة أشخاص دون سبب معروف. ونقلوهم إلى معسكر المدنيين 
المصريين» الذين لا يقل عددهم عن خمساثة. وهم هيئة التعليم في غزة وخان يونس والموظفون الإداريون وبعض 
مواطني العريش. 

صفصف المعسكر على المصريين» ومع ذلك كنا نلتمس لتأخيرنا الأعذار. ونقول: 


-المدنيون أولا:. هلمن المعقول أن يمشواعسكريا قثل مدني: 

وكنت كل صباح أستيقظ على صوت زكريا حسين: 

الأعور لم يسمح..؟ (يقصد «ديان» وزير دفاعهم الذي كان بعين واحدة) 
فأرد عليه: 

-يا بني (هو يفصل مني خمسة) العرب كلهم كوم ونحن كوم. 


353 


جلبوا محتويات مخازننا في سيناء. أحضروا الفول والعدس والأرز والدقيق» ومعلبات اللوبيا والبازلاء 
والفاصوليا وغيرها. وقالوا: 

-هاكم طعامكم. 

ولم يعطونا طعامنا كله. احتفظوا لأنفسهم بعلب اللحم المحفوظ. وسمحوا لنا بالنذر اليسير منه كل بضعة أيام. 
ومنعوا عنا معلبات عصير الفواكه والمربات. أصبح نصيب المرء من الغذاء ملعقتين أو ثلاثا من البازلاء ومثلهم من 
الأرت وؤاذت تقلية قد قرلا علمنا مرو الأسرق7الدية يعملون بالمقاوق أن العدن بوإحدى الدول العونية 
ولكن مزراخي مساعد التعيين لم يسمح بصرف شيء. طالبنا بالهدايا. ى| طالبنا بإعادة طهو طعام المعلبات ليكون 
تكين تناعنا الداية: 

وافقناء أن يتناول العاملون في المطبخ وجبات حقيقية» وسمح لكل منهم في المساء بأخذ كانتين شاي ثقيل 
ليخفف من تعب النهار. ولكنهم دائًا كانوا يتجاوزون هذا ويسمحون لأنفسهم بأخذ المزيد» ولو على حساب 
زملائهم. 

الأستاذ إمام كوان من هواة عمل الإحصائيات. وكنا نطلق عليه الأستاذ شيش لكثرة تقولاته عن نفسه. وأصبح 
شهيرًا بهذا الاسم حتى أننا نسيا في كثير من الأوقات اسمه الحقيقي. أذاع ذات مرة أن الشاي الجاف الذي يستخدم 
في صنع شاي عمال المطبخ الثانية» يكفي لعمل ثلاثة قزانات توزع على المعسكر كله. وأن هذا سر رداءة الشاي 
الذي نشربه» وسبب قلة السكر فيه. طلبنا من مساعد المعسكر المصري أن يجري تحقيقا حول هذا الموضوع. وثبت 
أنهم يصنعون شايا أكثر من مرة في اليوم لأنفسهم, وأنهم يلتهمون كميات ضخمة من الطعام. غيرنا طاقم المطبخ. 
ولم تمض أيام قليلة حتى أعلن الأستاذ شيش إحدى إحصائياته على الملأ. غيرنا طاقم المطبخ مرة أخرى. ولم نكد 
نستقر قليلا حتى أذاع الأستاذ شيش أن العاملين في المطبخ اختلسوا اثنتي عشرة علبة من «البلوبيف». 

هاج المعسكر. وتربص أكثر من شخص لأفراد المطبخ. تغير الطاقم جارفا معه هذه المرة مساعد المعسكر لثبوت 
اشتراكه في هذه الولائم. لم يمض وقت قليل حتى عاد الأستاذ شيش إلى إذاعة إحصائياته التي أنبأت بعودة كناتين 
الشاي الخاصة إلى الظهور. لم يستجب له أحد. كنا قد مللنا الموضوع برمته» ولم يبق إلا أن نحضر ملائكة من السماء 
يتولون شئون المطبخ. 

ولم يعد يجدي تحريض الأستاذ شيش لكل من يقابله: 

- طيب.. هات سيجارة وأنا أحضر لك أي حاجة تريدها من المطبخ. 

كان المطبخ في حاجة إلى شخص قويء يقدر على أخذ حقنا من مخازن مرزاخي. وفي نفس الوقت لا ب يستجيب 
لأية طلبات خاصة لمساعد المعسكر ورقباء العنابر» ولا يهاود أفراد الطاقم في كل طلباتهم. اتجهت الأنظار نحو 


زكريا حسين. ولكن زكريا نائم» فمن يوقظ العملاق؟ 

رجاني الأستاذ شيش أن أساهم معهم. وكان في كل أزمة يستثير «متي لأنضم إليهم. ألححنا على زكريا حتى 
وافق. واشترط أن يكون مطلق اليد. أبقى بعض العاملين في المطبخ وغير آخرين. احتفظ الأستاذ شيش لنفسه 
بمنصب المشرف العام. وجعل من حقه دس أنفه في كل شيء. بعد بضعة أيام لم يوافق زكريا على هذا السلوك 
فصارت قطيعة صامتة بين الرجلين. وأخذ الأستاذ شيش يجمع المعلومات ليصدر إحدى احصائياته. وبالفعل أذاع 
إحصائية تشير إلى أن زكريا حصل على «ويسكي» من مخزن مزراخي. وأنه يحتفظ به لنفسه في المطبخ. ولما كنت 
زميلا لزكريا في العنبر ولم ألحظ منه سلوكا غير عادي» فلم ألتفت إلى هذه الإحصائية كثيرًا. وحمن بعضهم أنه ربا 
أتى نفر ممن يعملون معه به دون علمه. ومن عجب أن الناس خارج المطبخ ملائكة وداخل المطبخ» سبحان الله. 
وكأن الجشع والأنانية جراثيم تظل متوارية إلى أن تجد البيئة المناسبة للظهور. ويبدو أن المطبخ بيئة صا حة لذلك. 

وإذا كانت التجربة المريرة في سيناء قد أثرت على بعضناء وجعلت الجراثيم عندهم في حالة كمون, فمن الحائز أن 
طول المدة وجهلنا بميعاد العودة» قد سمحا لهذه الجراثيم أن تمارس نشاطها المحموم. وظللنا حتى آخر يوم لنا في 
الأسرء نعاني من هذه الجراثيم ولا نجد علاجا لما. 

أصبح العثور على زكريا كالعثور على طيف. دائم| مشغول. وني الليل يغرق في متاهات النوم تعبا. كنا نحسده على 
نومه العميق» وفي الوقت نفسه لا نصدق أن زكريا الذي لم يكن يتحركء هو بعينه الذي لا يجلس الحظة أثناء النهار, 
ولا يزوغ دقيقة واحدة من المطبخ. 

وحتى عندما أخذنا الحدايا وناديناه لتسلم هديته» قال دون مبالاة: 

- خلها لما أرجع آخر النهار. 

كان يوم وصول الهدايا المصرية يومًا مشهودًا. قبل ذلك وصلت هدايا للأردنيين والسوريين. ولم يكن أحد منا 
يجرؤ على النطق بالسؤال الحائر: 

معقول مصر تنسانا..؟ 

صبرنا في صمت حتى آذاع المساعد أبو الخير ‏ مساعد العلب - أنه جاءت هدايا لنا من مصر. لم نصدق. وظننا 
الأمر علبة لتخديرنا. ولكن أبو الخير قال مؤكدًا: 

- موجودة من زمان. وستوزع علينا هذا النهار. 

وأضاقه الاستاد شيش يثقة: 

كانوا ركئنها في حيفا. 

ثم علمنا من مندوب الصليب الأحمر بعد ذلك أنه وردت لنا عدة هداياء وأنها تصل عن طريق قبرص إلى حيفاء 
ولسبب ما تظل في حيفا دون أن يأتوا بها إلى المعسكر. 

ولم نصدق إلا عندما رأينا أول هدية بأعيننا. لكل أسير حقيبة من «الكرتون» تحتوي على «بيجامة» وغيارين 


داخليين وزجاجة عطر ومكنة حلاقة ومّوّاس وزنوبة وفوطة و«باكو) بسكويت محشوا بالعجوة وصندوق سجائر 
«بلمونت» به عشرون علبة صغيرة» وقطعتين من الصابون وعلبة «بودرة» وعلبة مربى وعلبة من عصير فاكهة. 

وداعا أيها الحفاء.. من الآن فصاعدا. حضرت الزنوبة. ولا تسل عن فرحة المدخنين «بالبلمونت». وعلى الفور 
نزعنا ملابسنا الرثة وارتدينا الملابس الجديدة. بدا الأسرى جميعا «بالبيجامات» الجديدة المقلمة كأنهم في يوم عيد. 
ورفض الإسرائيليون الساح لنا بالمواس ومكنات الحلاقة وأخذوا علب المربى وعصير الفواكه. ولاحظ بعضنا 
نقصافي علب سجائرهم. 

لم نعر التفاتا للأشياء التي أخذوها من الحدية. وحتى لو أخذوها كلها ما أثر ذلك علينا. ما كان بهمنا أن مصر 
تذكرتنا. وكان مما زاد في سعادتنا تأكدنا أن الحدية أرسلت عقب أسرنا مباشرة. وأن تأخير وصوها إلينا كان من 
الإسرائيليين (وجدنا بطاقات صغيرة عليها تمنيات طيبة لنا ومسجل عليها تاريخ إرساها). 

لم ندم في تلك الليلة وطفر الدمع من عيوننا. سها بعضناء وشرد آخرون. وكاد حنيننا إلى الوطن أن يفيض بنا. 
لكن بهجت قام بدوره في الوقت المناسبء فارتفعت حنجرته بالغناء» وتجمع جوق حوله في لحظات. 

وسرعان ما ذابت همومنا. وهجت لا تنطفيع له سيجارة. وكثرت العزومات. وكثرت تبرعات غير المدخنين 
للمدخنين. وظللنا نهملل حتى شقشق الفجرء عندما دوت طلقات نارية. فتحنا الشبابيك نستطلع الأمر.. وجدنا 
الرقيب سيد» رقيب عنبر١»‏ برول مسرعا من النافذة إلى عنبره» وسمعنا ضحك زملاته. 

فالتعلييات تقضي أن من يغادر قبل التمام في السابعة صباحاء يعرض نفسه لطلقات الرصاص. ويبدو أن الرقيب 
سيد كان مزنوقا وفي طريقه إلى دورة المياه. 

كان بعض الإسرائيليين يعبدون السجائر المصرية» أخذوا يتوددون إلينا. عطف بعضنا عليهم ولكن أكثر عطفنا 
كان على السجناء. فحراس المعسكر كلهم من الشرطة العسكرية. وكان يقوم ببعض أعمال المعسكر كالحفر أو مد 
الأسلاك الشائكة. بعض سجنائهم ستراتهم موصولة ومرتقة. رؤوسهم حليقة. أجسادهم هزيلة. 

استشرى هاجس في نفوسنا. استمتاعنا بالملابس لن يطول. عندما حضرنا إلى المعسكر علموا ظهورنا بالبوية 
الصفراء والسوداءء بعلامات تشبه بعض حروف الهجاء المقلوبة» ليفرقوا بين الأسير وغيره. وطبعا لن تسلم 
الملابس الحديدة. 


تهات 


أذاعت مكبرات الصوت الثبتة على أعمدة التليفونات بجوار المعسكرات المختلفة» نبأ قصيرًا: الرئيس المصري 
ناصر الذي تسبب في حرب الأيام الستة (ي| يطلقون على حرب يونيو) قدم استقالته. نسبوا النبأ إلى مصادر بيروت 
لماذا أشاروا إلى الحرب وقد مرت عدة شهور. أتراهم يريدوننا أن نعتقد أن إسرائيل قد أرغمته على الاستقالة» أو 
على الأقل هي أحد الأسباب الرئيسية لذلك. أم يودون إشعارنا أنهم يتحكمون في قدر شعبناء أم ينقلون إلينا 
إحساسهم بالشماتة في رئيسنا المصري الذي صال بالكلام وجال وعند النزال صدر أمر بالانسحابء تم بطريقة غير 
منظمة» أدت إلى قتل عدة آلاف» وجرح أضعافهم, وأسر الآلاف. وتشرذم باقي الجيش» وضاعت سيناء. لست 
أدري بالضبطء كل ما أدريه أننا جميعا.. استشعرنا الإهانة. 

فا إن أذيع النبأء حتى أصبحت أنفاسنا جميعا حارة لافحة. وكادت أجسادنا تتقد ورؤوسنا تنفجر. ودون تفكير 
لا قد يترتب على ما سنفعله» وجدنا أنفسنا نتجمع ونغلي كالمراجل. أحضرنا صفائح السمن الفارغة من المطبخ.. 
وفي الحال سارت المظاهرات في كافة المعسكراتء كأنها بتدبير سابق» ودوت الحتافات: 

0 

-يسقط أشكول.. (رئيس وزرائهم).. 


كنا في فترة ما بعد الظهر. ضرب الحراس لخمة. اتصلوا بقياداتهم. أعلنت حالة الطوارئ. وفي ثوان أحاطت 
المدرعات بالمعسكر من الخارج. ودخلت بعضها إلى الممرات الداخلية بين المعسكرات. دعموا الحراسة على 
الأبراج. وضاعفوا لها الذخيرة. جلبوا قوات إضافية أحاطت بالمعسكر من الخارج» وسدوا المنافل المؤدية إليه. 
نتشر جنودهم بملابس اللميدان في الطريق الرئيسي بين المعسكرات. يبلغون عن آخر تطورات الموقف بأجهزة 
اللاسلكي الصغيرة التي يحملونها في أيديهم. زادت سرعة الدوريات السيارة وكثر عددها. وعلمنا فيا بعد أن قائد 
المعسكر كان على اتصال دائم بتل أبيب» يبلغهم أولا بأول عما يحدث ويتلقى منهم التعليهات. هتافاتنا تدوي 
واستعداداتهم على قدم وساق. ولا يجرؤ أحد منهم على توجيه أي حديث لنا. 

اصطاد أحدنا كلبا بجوار الأسلاك الشائكة. عصبنا له إحدى عينيه وكتبنا عليه «ديان». قص أحدنا قطعة صغيرة 
من ذيله» فانطلق يعوي. 

جنودهم أصابعهم على الزناد. واحتهال حدوث معركة قائم مائة في المائة. أخذنا بسرعة نستعد. كانوا يضعون 
حجارة صغيرة على الخط الأبيضء فحملناها كلها داخل العنابر. أقمنا متاريس من الصفائح والحجارة حول بعض 
الشبابيك. نزعنا الزوايا الحديدية التي تمتد بين الأسلاك الشائكة وتسلحنا بها. استولينا على أوعية المطبخ 
وسكاكينه. نزعنا ألواح الصاج من حمام قديم مهجور. صنعنا من قطع الصاج ومن علب الصفيح سكاكين لا بأس 
بهاء وعاونتنا زوايا الحديد أيي| معاونة. 


رسمنا النجمة الإسرائيلية المسدسة على فانلة بيضاء. رفعنا هذا العلم ثم أحرقناه. عادت المتافات المدوية بسقوط 
ديان» فلم يملك جنودهم أعصابهم. انطلقت الأعيرة النارية. وكأن| كنا ننتظر هذاء صنعنا سريعا من فانلة علم| 
مصرياء ولوناها بمطهرات الجرحى. كان اللون الأحمر موجودا «الميكروكروم» وتركنا لون القماش الأصلي ليكون 
اللون الأبيض واستعضنا عن اللون الأسود باللون الأزرق (من الجنجانة «مطهر»). صنعنا صاري العلم من يد 
مقشة. سرعان ما ارتفع العلم واشتدت المظاهرات عنفا رغم طلقات الرصاص. من الغريب أن جميع المعسكرات 
فعلت مثلنا. وفي وقت واحد تقريباء الأمر الذي أفزعهم وجعلهم لا يستطيعون التصدي لكل معسكر على حدة. 
زادوا عدد المدرعات داخل المعسكر وكثرت حركاتها لإرهابنا. صوبت مدافعها نحونا. 

تسلل المساء وبدا الإسرائيليون في حيرة من أمرهم. فاجأناهم بقذائف الحجارة. جرى الحراس مذعورين. أغلق 
الطريق تماما بين معسكرنا ومعسكر 5 المواجه لنا. تجمعوا في بداية الطريق ونبايته. سلطوا الكشافات علينا. وجهنا 
القذائف الحجرية فحطمناها. جرح أحدهم فحملوه بسرعة على نق-الة. جرب قائدهم الدخول إلينا في ثلة من 
الحراس لتهدتتنا. سرعان ما واجهناهم بالحجارة. عادوا بسرعة. أصدر القائد أمره بإطلاق الرشاشات. انبطحنا 
أرضا داخل العنابر والرصاص ال منهمر كالمطر يتراشق حو لنا. 

تسلل بعضنا من النوافذ محتميا بجدار العنبر غير المرئي لحمء وأخذوا يقذفونهم بالحجارة وزوايا الحديد. تراجعوا 
للخلف قليلا. وأخلي البرج المواجه لنا تماما. كنا نسيطر على منطقتنا من الداخل سيطرة تامة. ذهبوا لإحضار أقدم 
رتبة بين الأسرى ليحاول تهدتتنا. تقدم أسرى معسكر ” من كشك حراسة معسكرهم. حطموه ونزعوا أسلاك 
التليفون. تقدمنا إلى كشك معسكرنا. أخذنا «ساعة» التليفون. وجدنا لدهشتنا خزائن رشاش قصير محشوة 
بالرصاصء تركها الحراس أثناء انسحابهم السريع. فكرنا بسرعة. اتفقنا على أن نخفيها في باطن الأرض مؤقتا. جاء 
أقدم رتبة معنا. سار خلفه قائدهم واثنان من الضباط. عندما اقتربوا منا زعقنا على اللواء المصري أن يتقدمهم قليلا 
ففعل. اهالت على الإسرائيليين الحجارة. قفزوا للخلف مذعورين. طلب منا قائدنا الهدوء حتى الصباح وأحطنا 
علما بالموقف. أخبروا وزير الدفاع با حدث. صوروا الأكشاك المحطمة وسجلوا صورا صوتية للهتافات المعادية 
لهم. أوصلوها بالطبع للصليب الأحمر» وربماء للصحافة العالمية» وأصبحوا على استعداد لإبادتنا في أية لحظة. ترك 
لنا حرية الخيار لنفعل ما نراه في صا حنا. ظللنا على حالة الاستعداد. وظلوا لا يجرؤون على دخول منطقتنا. مرت 
فترة صمت مفعمة بالتوتر. كان لا بد من طريقة لإخراج الجرحى. المرور من البوابات يعني الانتحار. لا بد من 
المجازفة. ونحن نعد الترتيبات اللازمة لذلك اندفع ثلاثة من معسكرنا يحملون ثلاثة من الجرحى بخطى سريعة. 
تسمرت أعيننا للحظات. اخترقوا خطوطهم في سلام إلى المستشفى. حملنا باقي الجرحى إلى الخارج. هدأت 
الأعصاب قليلا. 

ساد هدوء متحفز حتى الصباح. بلغ عدد جرحانا تسعة منهم اثنان في حالة خطرة. نُقلا إلى مستشفى حيفا. وبلغ 
عدد جرحاهم ستة واحد منهم في حالة سيئة. توقعنا أن يتخذوا إجراءً ما. لا نعرف ما هو بالتحديد. لم يتمموا علينا 
في الصباح كعادتهم. ولم يجرؤ حارس على الاقتراب من المعسكر. بعد قليل فوجئنا بهم يحتلون الطريق بين معسكرنا 
ومعسكر 5. ولم تلبث قيادة المعسكرات كلها أن حضرت يتقدمهم ضابط عجوز. أشيب الشعر. طويل القامة. أحمر 
الوجه. ملامحه ناعمة محتقنة. يسير معهم اللواء المصري بقامته المنحنية قليلاء مع أنه لم يتجاوز الخامسة والأربعين. 


أبيض البشرة. أحمر الجبهة قليلا. شاربه يغطي شفته العليا. فمه واسع وعيناه خضراوان. وتقدم الجميع نحو 
معسكر 5. تجمهرنا في معسكرنا خلف الأسلاك الشائكة لنرى ماذا هم صانعون. أنبأت حركتهم» وجهامة 
وجوههم., ونظراتهم المتقدة» أنهم سينكلون بمعسكر 5» فهو الذي ساهم بأكبر نصيب في تحطيم كشافات الأبراج 
كما حطموا كشك معسكرهم تماما. توتر الموقف فجأة. وجهوا إلينا إنذارا: إذا لم ندخل العنابر خلال أربعين ثانية 
سيطلقون علينا الرصاص. وجهوا الرشاشات نحونا فعلا. علمنا بعد ذلك أنهم استصدروا أمرا من تل أبيب 
بالضرب (في المليان). طلبوا من اللواء أن يعيد علينا الإنذار. ويبدو أن الرجلء» بنظرة واحدة» أدرك الموقف». 
واستحالة انصرافنا إلا بعد الاطمئنان على ما سيفعلونه بمعسكر 5. النقاش معنا غير مجد. الثواني قليلة لا تكفى 
لعبور الطريق إلينا. الأعصاب مشدودة. عددنا يزداد عند الأسلاك الشائكة. القائد الإسرائيلٍ يكاد يجن. 5 
اللواء من فوهات المدافع وعرض صدره للرصاص. 

بت القائد. وبدا كأنه لا يصدق عينيه. أشار لجنوده» فخفضوا الرشاشات. 

أخرجوا أسرى معسكر 5. قادوهم خلف المعسكرات وأجلسوهم هناك. قاموا بحملة تفتيشية مسعورة في 
العنابر» أخذوا خلالها ما وجدوه من الدايا المصرية من سجائر وغيارات داخلية. أسرعنا نرتدي كل ما لدينا 
ونخفي الباقي. عند خروجهم من معسكر 8 مر بنا اللواء فعاتبناه لأنه تركهم يغتالون هدايا زملاثنا. 

اعتذر لنا أنه لم يكن يعلم ما سيفعلونه. وكل ما أبلغوه به أخهم يبحثون عن أشياء مفقودة. طلب منا أن نقاوم أي 
عملية تفتيش تحدث عندناء وألا نترك العنابر مثل زملاثنا. 

اقترب الظهر. أذاعت مكبرات الصوت نشرة الأخبار التي يذيعونها علينا يومياء وفيها نفي لخبر استقالة الرئيس. 
ادن عر وعدى قرتك: لخدا تعفن مها بالأحصادء العلات. عم الرقص ابعاء الفسكرات كل أمر يقابل 
آخر يصيح في موجة انفعال طاغية: 

أل أقل لك:. ؟! 


لم يفتشوا أي معسكر آخر بعد معسكر ”. طال مكوث أسراه في الخلاء دون طعام» وكان العصر قد اقترب. اتفقنا 
مع العاملين في مطبخنا أن نعطيهم نصف نصيبنا من الخبز. أرسلنا الخبز عبر الأسلاك الشائكة إلى معسكر المدنيين. 
وتولوا هم قذفه إليهم تحت أعين الحراس. قبل حلول المساء أعادوهم. لم نكد نستريح في العنابر حتى فوجئنا 
بوصول ثلاثة أسرى جدد فجرينا نستفسر. علمنا أنهم كانوا قد هربوا من القطار الجنائزي اللعين» وقبضوا عليهم 
في إحدى المستعمرات. ظنوهم من منظمة فتح. سجنوهم في سجن تل أبيب» ولم يبلغوا الصليب الأحمر عنهم. كل 
يوم يعذبونهم ويضربونهم ويواصلون استجوابهم حتى استوثقوا بأقوالهم. 

تكاثر الزملاء حوهم يستفسرون. أنقذهم رقيب العنبر الذي سينضمون إليه ونادى عليهم. جمع لهم بعض 
التبرعات مما تبقى من الحدايا. غيارات داخلية وسجائر. جلسوا يدخنون وهم غير مصدقين أنهم بين زملاء لهم. 


4ت 


حان موعد تغيير الحراس للمرة الثالثة. يستبدلون الحراس مرة كل شهرين. شعرنا بالألم. فهم يتغيرون ونحن 
ثابتون كالجبال. وفي كل مرة كنا نصادف بعض المتاعب. 

كان رقيب الحراس الجديد درذيا اسمه إبراهيم» يتكلم العربية جيدًا. وذاع عنه أنه مسلم. توقعنا منه معاملة 
أفضل من غيره. ولكنه تصرف بعنجهية» كأنه حاكم عكاء وليس رقيب في معسكر أسرى. كان لا بد من بذل جهد 
لتوليفه. لم ننفذ أية تعلييات أصدرها. وكان من هواة إصدار التعلييات. كل دقيقتين يمرء ويطلب منا أن ننظف أمام 
العنابر. يأخذ غسيلنا على الأسلاك الشائكة إلى الكشكء لأنه تمنوع نشر الملابس على الأسلاك. ظل هكذا عدة أيام 
لا تريد «الميافة» أن تفارقه. تعمدنا إغاظته وتنفيذ عكس ما يريده. حتى وجد في النهاية أن نظام المعسكرء الذي كان 
متبعًا قبله على وشك أن يفلت من يده. كنا نضحك عليه وهو يمر في المعسكر عاجرًا عن فرض تعليهاته. ومع ذلك 
يسير وأنفه الأحمر في السماء» فمه مزموم وقد قطب جبينه» كأنه على وشك تقرير أمر خطير. في النهاية انفرجت 
شفتاه الرقيقتان عن شبه ابتسامة» وعدل عن مسلكه المتزمت. 

وكان معه حارسان: أحدهما إنجليزي ويسمى حنين. لا يجيد العربية ولا العبرية. تجده صامثًا دات) سواء كان معنا 
أو معهم. وعندما اكتشف أن بعضنا يتكلم الإنجليزية» كان يأتي إلينا ليتجاذب الحديث. وشيئًا فشينًا بدأ يقرضنا 
بعض المجلات العبرية المصورة. التي لا مهتم بها ولا يفهم منها شيئّاء لنشاهد الصور على حد قولنا. ولم يكن يعلم 
أن بيننا من يجيد العبرية. وعندما سألناه عن الطبعة الإنجليزية التى يقرؤهاء أحضرها لنا. فكنا نتولى الترجمة على 
الفور حسب| نستطيع مستعينين بمدرمي اللغة الإنجليزية من معسكر المدنيين. وبدأنا لأول مرة نكون فكرة عامة 
عن العالم الخارجي. واضعين في الحسبان أن ما نقرأه من وجهة نظرهم طبعًا. ولم نكن نثق كثيرًا بنشرتهم الإخبارية. 
وكان الحارس الآخر بهوديًا من أصل عراقي. يعشق أم كلثوم. وعندما سمع أن بهبجت حافظ ومؤد جيد 
لأغانيهاء أرسل في طلبه. وكنت أذهب معه إلى كشك البوابة فيحضر لنا كوبين من القهوة من مطبخهم (قهوة 
فرنسية خفيفة يصنعونها كما نصنع الشاي)» وينفح بجت ما شاء من السجائرء لقاء الدندنة بإحدى أغنيات أم 
كلثوم. مع الوقت بدأ يحكي لنا عن حياته. اسمه عزرا: هاجر وهو طفل مع عمه من العراق أيام حكم نوري 
السعيد» الذي عمل على طرد اليهود بإيعاز من البريطانيين. عمه يتحسر على الأيام التي قضاها في وطنه العراق. بل 
إنه يأمل أن يعود وعائلته يومًا إلى هناك. ولما سألناه عن سر حبه لأم كلثوم» قال إنه أخذ ذلك عن عمه الذي يسهر 
ويوقظ معه أهل المنزل كله. يوم حفل.ة أم كلث._وم الشهرى.ة ويظ ل بجوار الراديو حتى تنتهي الحفلة» ولا تفوته 
قراءة التعليقات عن كل حفل» فعندهم مجلات تنشر كثيرًا من أخبارنا الفنية. 

مع تغيير الحراس تغيرت إدارة المعسكر كلها. وتغير قائد المعسكر أيضّ.ا. ويبعدو أن للتغيير علاقة 
بالمظامرة. مرت الأيام في قلق. ننتظر ما ستأتي به الإدارة الجديدة. بدأ عهدها بالإعلان عن زيادة فترة الإذاعة» 


وأنها ستشمل الأغاني. ترقبنا في شوق ساعها. طال بنا الترقب حتى كدنا نيأس. وذات يوم بعد العصر بقليل» 
سمعنا عبد المطلب يغني «اسأل مرة عليَّ». كان هذا أول صوت من الوطن نسمعه منذ 0 يونيو. تآثر بعضنا وأدمع. 

في اليوم التالي انطلقت في الأبواق أغنية قديمة لعبد الوهاب: 

«أنا والجميل قاعدين سوا على شط النيل..» 

ساعتها كنت على وشك أن أغفو قليلاء ىما تعودت في مثل ذلك الوقت من كل يومء ناداني ببجت: 

- قم بسرعة.. صاحبك يغني. 

كان يعلم أني أحب عبدالوهابء. كثيرًا ما طلبت منه أن يغنينا أغنياته. جرينا لنجلس إلى جوار الأسلاك الشائكة 
حتى نتمكن من السماع بوضوح. وجدنا نصف المعسكر تقريبّاء جالسين على الأرض أمام العنابر. ولست أدري ما 
الذي يعتريني عندما أسمع عبد الوهاب القديم. أحس بمصريتي على الفور وتسري في كياني نشوة مفعمة 
بالشجن. وأشعر براحة عميقة» وأتلاشى في موسيقاه الأصيلة, الحادئة الإيقاع غير المزخرفة» تعبر عن سمت 
المصري وطبيعته المتأنية» وأكاد أشم من أنغامها روائح أرض مصرء وأحس ببكور ريفها الندي» وأمسياتها العذبة» 
وهيء غالباء تحمل طابعًا أسيانًا. 

وكا بدأت الأغنية فجأة انتهت فجأة. وتركتنا على أمواج ا حنين إلى الوطن وإذا استمرت إذاعة الأغاني مهذه 
الطريقة» فإن هذا لا يعني الترفيه عنا بقدر ما يعني ١عكننة»‏ مزاجنا وإفساد أعصابنا. 

امتنعوا عن إذاعة الأغاني بضعة أيام» فأخذنا نلعن الإدارة الجديدة التي شوقتنا ثم تخلت عنا. أرسلنا شكوى إلى 
قائد المعسكر فعادت إذاعة الأغاني ولكن بشكل مغيظ جدَاء أكثر من الأول. أذاعوا أغنية أم كلثوم «للصبر حدودا 
فتجمع المعسكر كله لساعها. وذبنا جميعًا مع أشجانها. ثم أذاعوا لأم كلثوم أيضًا أغنية قديمة «على بلد المحبوب 
وديني زاد وجدي والبعد كاويني». 

تجمدت الإذاعة عند هاتين الأغنيتين. تكررهما دومًا كأنها رُقيتان لحفظ العالم. وبدلّا من أن تهدأ أعصابنا 
تحطمت. 

عندما أذاعوا الأغاني علينا لأول مرة. قلنا: 

- الظاهر قربت يا أولاد ويريدون تحسين المعاملة. 

ثم اتضح لنا بعد ذلك أننا كنا مغرقين في التفاؤل. 

وقدر للإدارة الجديدة أن تواجه بمشكلة تعجز عن حلها حتى غادرنا المعسكر عائدين إلى الوطن. فيوم المظاهرة 
لم يحدث «تمام» في المساء ورأينا الليل» وعجبناء كيف أنفقنا أيامنا السالفة دون أن نراه. 

الآن وقد رأينا مهاء السماء وعمقها اللانهائي» تذوب فيه الجبال على البعد» ورأينا الغروب على سفوح الكرمل» 
شمس آخر النهار ال حادئة تشطف الحبل من أدران النهار» وترسل شعاعات شفافة» تكسب خضرة الجبال الداكنة 
الراسخة جلالا مهيبا وتبعث في النفس إحساسًا بالهدوء والسكينة والسمو والأسى. 


وبعد فترة وجيزة تسقط الشمس في البحر الذي لا نراه» فكأنم) تسقط في المجهول. عاكسة بقايا ظلالحا الحمراء.. 
فيشع من الجبال نور باطني» يبذل محاولة غير مجدية لتأجيل المساء. وظلمة الليل لا تتمكن من الجبل» فثمة منازل 
متناثرة بين جنباته لا نستطيع تمييزها في سطوع ضوء النهار» تض-يء نوافذها بن-ورء لا يكسر من حدة الظلمة 
بقدر ما يتيح لك أن ترى ستارة الليل السوداء. وتكثر الأضواء وتتنوع على سفوح الكرمل الشالية حيث تربض 
حيفا متحفزة لأن تقفز في البحر. وثمة قوس من الأنوار يزداد انحداره كلما اقترب من الشاطئ وفي نهايته صف من 
المصابيح تكون فيما بينها عقدًا صغيراء كأنه حبات من اللؤلؤ. وفي وسط الأضواء تنبض ألوان حمراء وخضراء 
تدغدغ أعطاف الليل. 

بعد انتصاف الليل» عندما تخفت حدة الأضواء وتتعب من طول السهاد. ولا يبقى إلا عقد اللؤلؤ وحبات 
متناثرة من النور» تلحظ وهج كشاف منارة حيفاء الذي لا يكف عن الدوران.. ولكنك لم تكن تلحظه في أول الليل 
لانشغال نظرك بأضواء حيفا. والطريق أسفل الجبل غاص بالعربات التي تمسح أضواء مصابيحها الحقوق وأسفل 
الجبل فتنكشف أمامنا فجأة ثم تختفي» والظلمة تمحو المسافات فيخيل إليك أن هذه العربات قريبة جدًا منك. 
وتوهمك الريح بسماع صوتهاء ويبياً لك أنك تستطيع القفز داخل إحداها. 

كنا نظل الساعات الطوال نتأمل الليل والجبل والأضواء والطريق. 

ثم بعد هذا.. تريد منا الإدارة الجديدة أن نبيت قبل مغيب الشمس..؟ 

واكتشف الزملاء فجأة» أنهم لا يستطيعون الاستغناء عن استعمال دورة المياه ليلا. وهم لا يعرفون كيف صبروا 
في الأيام السالفة. كانوا يقاسون من التعب وينامون كمداء أما الآن فلا يمكن أن يتكرر ذلك. 

أذاعت الإدارة الجديدة في الأبواق» وعلقت المنشورات داخل العنابر» وبعثوا إلينا باللواء» لإقناعنا بعدم الخروج 
أن ينصرف حراس النهارء ونكون في عهدة حراس الليل؛ يبدأ القفز من النوافذ» وتبداً أنواع جديدة من السهرات 
خارج العنابر» وزيارات داخل العنابر. وشيئًا فشيًا قل إطلاق النار حتى كاد ينعدم. وقد تقع حادثة هنا أو هناك. 
عندئذ يشتط الحارس فيطلق النار. يسمعه زميل له فيسانده بإطلاق الرصاص. وقد تستمر الازمة عدة ساعات» 
وأحيانًا عدة أيام» يشددون علينا فيهاء و.. يعود القفز في أحضان الليل من جديد. 


135 


إذا قلت إن المصري في إسرائيل» لكي يصنع لنفسه كوبًا من الشايء يكلفهم أكثر من ثلاثة جنيهات ثمنًا للوقود 
فقط فلن يصدقني أحد. ومع ذلك فهذه هي الحقيقة. فبعد المظاهرة أصبح التفتيش عند بوابة المعسكر يتم صوريًا. 
وكان بدر وقد أطلقنا عليه لقب «الله يكرمه» يحضر لنا شايًا وسكرًا من مخازن مزراخي. وفي كل مرة اعترضتنا 
مشكلة الوقود كان «الله يكرمه» يقوم بنزع ضلفتي أقرب شباك إليه» وبزاوية حديدية يكسرهماء ويشرع في إعدادهما 
للإشعال.. وتفنن زميل لنا في صنع مواقد من الصفائح الفارغة. فكان العنبر يعبق بالدخان كل مساء. 

يا جماعة سنختنق. 

الذي لا يعجبه يتفضل.. (ويشير بيده إلى الخارج) 

ثم لا تلبث أن تنشب قافية بين هيجت في جانب والعنبر كله في جانب. قافية تقلقل التربة من تحت رفات 
الأجداد. من فرط ما يستعمل فيها من سب ولعن. وإن كنا في الحقيقة نضحك من أعماق قلوب أسيانة. وكان 
النصر داتًا من نصيب بهجت. فيسير مزهوًا في العنير» طالبًا نصيبه من شاي «الله يكرمه» كأنه حق له علًا أن 
بجت لا يسهم بأي جهد ني إعداد الشاي. العنبر في المساء حلقات حول النيران وبهبجت ضيف كل حلقة. الجميع 
يشتمونه. والجميع يحبونه. يرد على الجميع بالغناء والدندنة. وفي أي وقت تصادفه تجده يردد: برابابا... وبرابابا هذه 
يقولها بجميع النغمات» أحيانًا خفيضة» وأحيانًا مزعجة» توقظك من أحلاها نومة. و.هجت عريف متطوع بالجيش. 
يؤكد لكل من يقابله أنه لولا قيام حرب يونيو لوصلت ترقيته وأصبح رقيبًا. ويقسم لك (إنه ألف في المئة) صدرت 
نشرة بذلك؛. وعندما نعود للوطن سترى صدق قوله. وهو من عائلة كلها مهندسون عداه. وكل إخوته ببوون 
الموسيقى. اختص هو من دونهم بالعود. وهو الوحيد ‏ بينهم - الذي أخذ هوايته مأخذ الجد. اشترك في ناد 
للموسيقىء ولم ببتم بدراسته كثيرًا. أفقده غرام فاشلء كثيرًا ما حكاه لي» حتى حفظته. إكمال المرحلة الثانوية. وعز 
عليه أن يعود إلى أهله من غرامه خائباء فآثر الالتحاق بالجيش» وأصبح حكمدار طاقم مدفعية مضادة للطائرات. 
أصيب في الحرب بطلق ناري في قدمه» وكان هذا مثار ضحكنا دامّاء لأنه طويل جدًاء أطول رجل تقابله في الطريق» 
اقترب منه فإذا وجدته يتمتم: برابابا فثق بأنك أمام ببجت. عظام كتفيه بارزة» وكنا دائًا نشاكسه بقولنا: 

- بهجت يلعب كمال عظام. 

وهو لم يتجاوز الثامنة والعشرين. اصلعت رأسه إلا من شعيرات خفيفة رمادية وبيضاءء منتصبة في مقدمة رأسه 
كالأشواك. شاربه يتدلى في أناقة على شفته العليا. عيناه صغيرتان. خضراوان. منتفختان كأنه استيقظ لتوه. ذقنه 
بارزة للأمام قليلاء كأنم| تستر على فمه المترنم داثًا. صوته حاد قوي. عنده مقدرة على مداومة الغناء طوال الليل 
دون ملل. بهوى أم كلثوم لدرجة العبادة. كان الزملاء يعدون له ما يلزم من سجائر وشاي ويعزمونه في حفللات 


أعياد الميلاد. ولم يمض وقت طويل حتى ذاعت شهرته في المعسكر كله. وبدر ذو الحيوية الخارقة لا يحب من بيجت 
عدم اشتراكه معنا في أي عملء لذلك كان دائم النقار معه. ولو ترك بدر وشأنه لهدم العنبر وأقامه مع كل طلعة 


- أنا هكذا.. لا أقعد ساكتًا أبذًا. 

وبالفعل كان على وشك هدم العنبر» فقد أشعل نصف نوافذه؛ رغم تحذيرات الزملاء. 

-يا بدر الشتاء قادم و سنموت من البرد. 

لا ييتم.. فيضطر كل من يرقد تحت شباك أن يحافظ عليه» أو على الأقل ينزعه لحسابه» فاستدار بدر يأخذ من 
شبابيك عنابر أخرى. وعندما تنبهوا له» وشددوا الخناق عليه» نظر لعنيرنا كأنه يراه لأول مرة» واكتشف أن العنبر 
مصنوع من الخشبء وأن السقف مملوء بمراين خشبية وشرع على الفور في العمل» رغم احتجاج رقيب العنبر. 
-يا عم اسكت أنت وهو.. هذا مال أعداثنا. 

الحكاية ليست حكاية أعدائنا. نحن الذين نشغله الآن. 

لم يرد. واستمر في عمله» حتى جاء يوم أحسسنا فيه بالعنبر يتأرجح تحت سياط الرياح ليلا. كتمنا أنفاسنا وطلبنا 
من الله أن يسترهاء حتى نترك المعسكر على خير. وترك بعضنا العنر إلى عنابر أخرى. 

عندئذ كف بدر يده عن العنبر» واتجه وجهة أخرى. نزع ألواح الخشب من دورة المياه» وأكثر من إشعال النار. 
سح" الماء للخ للغسيا » ثم للا ستحام بعد ذلك. ولم يعد بدر وحده. بل بزغ بدور نشطوا مثله وأكثر. وأصبح إشعال 
النار مسألة عادية جدًا في المعسكرء لم نعد نخفيها داخل العنابر» بل أصبحت خارج العنابر» ونهارًا. 

الطعام الذي يوزعونه علينا لا يكفي. مخازن مزراخي عامرة بالزبد والبصل والطماطم. وأصبحت هوايتي 
المفضلة أن أقوم بقلي البطاطس في الزبد» وأن أعد «البلوبيف» بالصلصة والتقلية. 

اكتشف مزراخي تسرب بضاعته؛ فغير طاقم العاملين عنده» ومنهم بدر. لم يعدم بدر وسيلة في إيجاد عملاء له 
يوردون له نظير أية خدمات يطلبونها. ولما كان لا يستطيع أن يجلس دون حركة» انخرط في (الطلب) التي يطلبها 
مطبخ معسكرنا لتقشير البصلء والمساهمة في إعداد الطعام. كل دقيقة يقفز عبر شباك العنبر مفرغًا عبه مما حصل 
عليه من بطاطس وبصل. لحظ عليه زكريا ذلكء فراقبه بدقة مضيقًا عليه. 


ات ات 


ذات مساء.. مواقدنا مشتعلة» رائحة قلى البصل منتشرة في الجو. وببجت الذي أصبحنا نطلق عليه «مجتيوز» 
و«هجتوف» وما شئنا من أسماء» تصدح حنجرته بالغناء. يشاركه علي علوان الذي بهوى أغاني فريد الأطرش.. 


-الله.: أنك الذئ :علدت لليدة اقسيها:.! 
طلب منا أحد الزملاء أن نكف عن الضحكء فكدنا نشبعه تريقة» لولا أن وضح لنا بسرعة: 


-امرأة زقوت الفلسطيني ماتت.. 

كان زقوت لا يتكلم عن عائلته إلا نادرًا. ومرات قليلة أبدى قلقه لعدم وصول رسائل منهم. وكنا جميعًا نداوم 
على كتابة الرسائل ولا نتلقى أي رد. وكانت إدارة المعسكر تذيع علينا أن السلطات الإسرائيلية ليست مسئولة عن 
تأخر الرد» فهي تسلم رسائلنا أولا بأول إلى الصليب الأحمر الدولي» وأن سبب التأخير هو السلطات المصرية» التي 
لا تتولى توصيل الرسائل إلى ذوينا. ولكنهم لم يستمروا في هذا الادعاء طويلاء فأذاعوا أنهم بذلوا جهدهم لدى 
الصليب الأحمر.ء ووصلت نتيجة لذلك بعض الرسائل من مصر. كان لا يصل حسب زعمهم أكثر من أربع أو 
حمس رسائل كل شهر ونصف. لكل معسكر لا يقل عدد أفراده عن ثُانمئة أسير. 

وكنا جميعًا متلهفين على هذه الرسائل. كل منا يأمل أن تكون إحداها من نصيبه. وكنت أقول لنفسى: ليس من 
المعقول ألا يصل غير هذا العدد الضئيل» وشاركني آخرون نفس الرأي. فما دامت بعض رسائلنا قد وصلت وجاء 
ردهاء فلا بد أن تكون كل رسائلنا قد وصلت. وتبين لنا فيا بعد صدق حدسناء وأن لكل منا عدة رسائل من 
الأهل والصحاب. وعندما علمنا بذلك من الصليب الأحمر وواجهناهم, لصقوا التأخير بالمخابرات المصرية: لأنها 
تفحص رسائلنا بدقة. وعندما تقادمت هذه الحجة تعللوا أن الرسائل الواردة تصل عن طريق قبرصء ثم حيفاء 
وهذا يستغرق زمنًا. وبعد مدة قالوا إن دواعي الأمن تقتضي أن نراجعهاء ونحاول الإسراع ما أمكن. وأخيرًا.. 
لاستمرار إلحاحنا وتحت ضغط شكاوانا للصليب الأحمرء تدفقت علينا الرسائل. وأصبح يوم وصوطا يوم عيد. 
خاصة بالنسبة لبهجت. فلأن حنجرته كالطبل ولآنه أطول شخص ف المعسكرء كان يقف وسطنا ونحن حوله 
ينادي أصحاب الرسائل ويسلمها لهم. وظل مدة يلعن حظه التعس» لعدم وصول خطابات إليه» وقرر أن يمتنع 
عن أداء هذه المهمة» لولا أن أسعده الحظ بوصول رسالة له كانت تائهة في معسكر آخرء وعثر عليها زميل يعرفه. 
وكان ببجت أثناء توزيعه الرسائل يحتفظ بما يخص أصدقائه في جيبه. وللعلم فأكثر من نصف معسكرنا أصدقاء 
لبهجت. ولا يعطيهم رسائلهم إلا بعد حصوله على سجائر أو وعد بكوب شاي حلوان الاطمئنان. 

كنا نقرأ رسائل بعضنا بعضًا ونشعر أن أي رسالة موجهة إلينا جميعًا. وإن كان من لا تصله رسالة خاصة به يظل 
حزيئًا ساهمًا الليل كله. حتى بدر الذي لا يكف عن الصخبء والذي يعلن بمناسبة وبدون مناسبة أنه لا همه لو 
مكث هنا بضعة سنوات دون وصول رسائل إليه» وجدناه مرة مختليًا بنفسه يدمع» وعلمنا منه في| بعد أنه ترك 
زوجته حاملاء ويود أن يطمئن عليها وعلى الوليد إن كانت قد وضعتء وأخبرنا أن أححا له. كان في سيناء» وآخر في 
اليمن» ولا يعلم عنهما شيئَاء ولم تصله أي رسالة من مصر حتى الآن. 

وكان زقوت أحد هؤلاء القلائل الذين لم تصلهم آية رسائل. وعندما وصلته كانت غما. كانت من صديق له 
أخبره أن والدته العجوز وشقيقاته وأولادهن اضطروا للنزوح من قطاع غزة إلى الأردن» وأن زوجته أصيبت في 
بداية المعركة» عندما هاجم الإسرائيليون غزة بالدبابات» وأن منزله دمر عن آخره. ولم يكن به في تلك الساعة غير 


زوجته وطفلها. وظلت زوجته تقاوم في المستشفى أكثر من شهرينء ثم ماتت متأثرة بجراحهاء تاركة طفلا لم يتم 
عامه الثاني. 

وفيهم| بعد.. تشاءمنا وتوقع كل منا أن تصله أخبار غير طيبة. 

ومن لم تصله رسائل» فسر عدم وصوها أن أهله لا يريدون إخباره بالمآمي التي وقعت. ومن وصلته رسائل شك 
فيها كتب فيهاء وعد أية أخبار طيبة كلمات للتمويه عليه حتى يحضر. ومن لم يصلهم غير السلام والسؤال عن 
الصحة والأحوال قالوا: 

- ألم نقل لكم.. يخبئون عنا. 

حتى لا يصدم ندم يعودء وافريق قال الزمات :زالمكات لبا “ماين اليذاء اع زقيته الغلين: قاشيا فنيها إل 
ضرورة تعزية الرجل أولاء ثم الثرثرة | يحلو لنا بعد ذلك. 

تحلق زملاء العنبر كله حول زقوت. صحا النائمون. ظهرت قهوة فاخرة» طرف من يعملون بالمخازن» بين 
دهشتنا جميعًا. وامتلة العنبر بالدخان ووزعت القهوة. جاد بعضنا سجائر. تطوع الشيخ جمعة لتلاوة القرآن 
وشاركه آخرون. ظللنا في جو مفعم بالحزن والكآبة حتى ساعة متأخرة من الليل. 

أفاق زقوت من حزنه بعد عدة أيام وعاد سيرته الأولى. أكبرناه لتخطيه منطقة الحزن التي تفتت الكبد بهذه 
السرعة. كان يشغل وقته في صناعة «زهور الطاولة». كنت تراه مفليًا المعسكر شبرًا شبرًا. له عين تنجذب نحو 
الرخام فيلتقطه» ويأخذ في #بذيبه. وكان لا يحلو له ذلك إلا بجوار فرشتيء متعللًا أن الأرض عندها خشنة» وأنها 
صالحة لعمله فيرشها بقليل من الماء ويأخذ في حك الرخام» حتى يخرج في النهاية بزهر جميل» يرقمه بمسمار رفيع» 
وأخرج أنا بمسحوق أبيضء فوق بطانيتي. وعندما أنبهه» يقول في أدب إنه سيتولى تنظيفها. وينهض إلى المقشة. 
ويكنس المكان. ثم ينطلق باحثا عن الرخام.. 


6ت 


التفت حلقة من الأسرى.. أنشد أحدهم موالا بلديًا. نمض وسط ال حلقة راقص ماهر أخذ بهتزء وهم يصفقون له 
على الواحدة. استرعى الغناء والتصفيق أنظار الحراس فوقفوا يشاهدون. جذبت الحلقة المتنامية انتباه حراس البرج 
القريب فأسندوا ذقونهم على حافته واندمجوا مع الرقص البلدي. وركنت عربة الدورية السيارة بجانب السلك 
الشائك» ليشاهد أفرادها ما يحدث. وعند بوابة المعسكرء كانت حلقة راقصة أخرىء تجمع حولما حراس البوابة. 
وسدت جموع الأسرى مسار الرؤية نحو الأسلاك الشائكة. سواء من ناحية معسكر الضباط المصريين أو من ناحية 
معسكر المدنيين. وفي الصحبة عيون شاخصة كعيون الصقور.. بعضها مكلف بمراقبة الحراس جيدًا.. وبعضها 
مكلف بمراقبة الطريق خلف المعسكر. فإذا لمح أحدهم حارسًا يقترب». غمز للراقص فيغير رقصته في الحال. بين| 
الرقص والغناء على أشدهماء زحف أسير في خفة هر بين الحشائش في اتجاه الأسلاك الشائكة» التي تفصل معسكر 
الضباط عن معسكرنا. رفع الأسلاك الملامسة للأرض مسافة قدمء وثبت تحتها قطعتين من المخشب على مسافتين 
متقاربتين» ثم أرسل صفيرًا خاصًاء فبرز له ثلاثة ضباط من خلف دورة مياه معسكرهم. وفي نفس اللحظة تسلل 
ثلاثة جنود من معسكرنا ليحلوا محل الضباط عند التمام. والتام عندهم دقيق ويصعب التمويه على ا حراس بشأنه.. 
أما عندنا فالمهمة يسيرة» ومن السهل بعد أخذ التمام في أحد العنابر أن يقفز من إحدى نوافذه ثلاثة أفراد ويتممون 
في عنبر الغائبين. وفي معسكر المدنيين دُبر أمر إخفائهم في أحد الأكشاك الصغيرة الملحقة بالعنابر ليضعوا فيها 
جرادل البول. وفي العنير المجاور للسور الخارجى للمعسكر كانت تنتظرهم ملابس مدنية. كان أحد هؤلاء 
الضباط فلسطيئيًا في الخامسة والأربعين من عمره. أسمر البشرة. يعرف المنطقة جيدًا فهو من مواليد حيفا. أخذ 
على عاتقه مهمة توصيلهم إلى لبنان. 

وكان كل المطلوب منا ألا نقوم بأي شغب يجذب انتباه الحراس هذه الليلة. فلا نقفز من الشبابيك. ولا ينادي 
أحد ليأخذوه إلى العيادة. كان بعضنا من الضيق يريد أن يرى الليل في جنبات المعسكر ويتمشى قليلاء فيتصنع 
المغص الشديد وينادي أحد الحراس ليأخذه إلى العيادة. 

بعد منتصف الليل بساعتين تقريبًا أرهفنا حواسنا. كان سماع صوت لإطلاق الرصاص معناه بالنسبة لناء أنهم 
ذهبوا إلى رحمة الله. ظللنا حتى الصباح وكأن أرواحنا مشدودة على أوتار كيان. استفسرنا من المدنيين بالإشارة 
فتحركت أيديهم» وتكلمت عيونهم أن الأمر سار على ما يرام. أمدنا هذا بأمل مبهم» وعمت نفوسنا فرحة طاغية. 
خدعنا الحراس يومين كاملين في «التمام» وكان كل المطلوب لتأمين رحلتهم تسع ساعات على أكثر تقدير» 
ليصلوا لبنان سالمين. رجع الجنود الثلاثة إلى معسكرناء واكتشف الحراس غياب ثلاثة من الضباط. وكأنهم لم 
يكتشفوا شيئًاء فلم يقوموا بأي استجوابات. لكننا لمحنا مظاهر اهتمامهم الشديد. جاء مهندسون وعاينوا الأسوار 
جيدًا. أوصوا بإجراء تعديلات نفذت في الحال. أحضروا كلابًا شرطيّة وشمموها بطاطين الماربين وأطلقوها في 
جنبات المعسكر. ولم يفطنوا إلى أننا استبدلناها بأخرى من خارج معسكرهم كله. في النهاية لم يصلوا إلى نتيجة 
وكنت تلمح آثار ال حزيمة والعجز على وجوههم. ولكنهم أبدًا لم يتكلموا. عززوا الحراسة الراجلة حول المعسكر. 
وضموا إليها قناصة ببنادق بعيدة المدى. أخذنا نفكر في تدبير خطط أخرى. فأيامنا في الأسر طالت» ول نعد نسمع 


أي أنباء مطمئنة. والشتاء على الأبواب» بل لقد أمطرت السماء بالفعل. 


ل 4ت 
دا جزي يي 


2 
ماع 


وكانت أطيب الأوقات عندي أقضيها خلف العنابر. فقد ذاب الخط الأبيض مع المظاهرة» ولم نعد نخشى شيئًا. 
الصخر الأصم. فيجيبني زحف الأمواج الرتيب» ساخرًا مني» أو مطالبًا بالصبر لا أعلم. والصوت الرتيب يتوالى 
في عناد أخرق. وكان ما يغيظ حمًا أن الصخور تمنع رؤية البحر. ولكنها لم تمنعنا من أن نشير بأيدينا ناحية الجنوب 
ونقول: مصر من هنا.. كنت أظل في جلستي طوال فترة الصباح. وأحيانًا أحضر قبل الغروب. أسرح مع زوجتي 
التي لم أكمل معها شهرين بعد الزواج. وعندما كتبت لي أنها حامل أشفقت عليها وهي وحيدة بحملها الثقيل. 
أتخيل منظرها وقد حملت وأتساءل: هل سيقدر لي أن أراها هكذا أم أن كل شيء سيتم قبل حضوري. أتصعب 
وأفكر.. حركة الموج دائمة سواء حجب عني الصخر رؤيتها أم لا. والسماء ستمطرء يقولون إن المطر هنا كالسيل» 
وسواء كنا في الأسر أم لا فسيسقط المطر في هذه البقعة من العالم. 

كنت حزيئًا كاسف البال أفكر جديا في المرب. لم أغفل عن احتمال الضرب بالرصاص وأنا أجتاز الأسلاك 
الشاتكة. ولم أنس أن هناك زوجة تنوء بحملها منتظرة. وأنه أهون عندها أن أتأخر عدة سنوات من أن أتأخر إلى 
الأبد. ولكن الجمود هنا لا يطاق. نفس المناظر. نفس الرتابة. نفس الأشخاص. أقصى آمالنا أن يكون الجو حسئًا. 
منتهى سعادة المرء أن يحصل على كوب من الشاي.. 

مع تقادمناء تحسن الطعام, نوعا ماء وإن ظل فقيرًا وقليلا. واعتادته أجسادنا وتكيفت معه. 
نحكى عم رأيناه ولاقيناه. 

فاكر الفلاحين الذين كانوا في مركز الإمداد بالرجال. 

- قرفونا.. كل يوم نفاجاً مهم نائمين معنا في الخيام. 

-لم يكن قد صرف هم أكل ولا بطاطين. 

-يا بني الدبابات هزرت معهم هزرًا. 

ثم لا يملك أحدنا نفسه من الاسترسال في الضحكء. وبصعوبة يقول: 

فاكر الضابط الذي وزعنا. 

-أنت تنفع «هاون). 

-يا أفندي أنا مشاة. 


-يا ابني لن تفعلوا شيئًا. 

ديا أفيدق:. 

- اسمع الكلام وبطل «غلبة».. 

-ويا خرابي على «التمام». 

- عربة اللواء تمر مثل السهم. والشريط الأحمر على الكاب يرجف الحثة.. وحالا البروجي يضرب. وحالا يأخذ 
«تمام). 

د لايرل خدد نا 

حوعا لا ادو الي 

- طبعًا كل حاجة «تهمام». 

- كله كوم ويوم ١‏ يونيوكوم.. 

فاكر الدبابات لما رجعت للوراء. 

-كان من الواضح طبعَاء أننا المشاة في المقدمة. 

-وإذا كلمت أي ضابط على هذه الحكاية يقول لك: 

-يا بني لا شأن لك هذا شغلنا.. 

ثم كأنه يتعطف عليك: 

-أي حرب.. يا بني الروس واقفون. 


ل 4ت 


وعشرات الحكايات.. نحاول أن نقهر بها أرق الليالي الطويلة. وأخيرًا لم يعد يجدي الكلام» وتحول كثير من 
كلامنا إلى تلميحات عن النساء. وجعلنا نستعذب سماع النكات الجنسية» والبذيئة. واستشرى الجوع الحنسبى في 
أعماق ليالينا. 

وفي الأصباح, في أغوار نفوسناء حنين إلى صوت امرأة. حنين إلى لطف الأنثى. حنين إلى لحظ سارقء إلى رمش 
مسبل» إلى ضحكة ذات صليل» إلى دلال فتاة. 

ويل لنا مع الوقت أن اشتياقنا للجسد في المرأة قد توارى» ولكن عند أية ذكرىء أو لمحة» نحس به متقدًا تحت 
الرماد. وأصبحنا نهفو للأريج الجميل وقد اختلط برائحة جسد الأنثى» يملا شذاه رثتي المرء فيعبقه بالحياة؟.. كنا 
نحن إلى لمسة حنان.. إلى ربتة عطف. إلى نظرة ولى. إلى شيطنة ماكرة» إلى عبث طفلء إلى مكيدة صبيانية. 


أفيق من أفكاري. أتلفت حولي. أجد دورة المياه لم تُنزح؛ رغم شكاوانا اليومية لإدارة المعسكر. كانت قذرة منفرة 
تعافها الحيوانات. وكان استمرار وجود هذه المباءة هو الجحيم بعينه. فأين نذهب لنفر من القذارة والرائحة التي 
تلاحقنا؟ 

وكان ما حز في نفسي أيضًا فشل محاولة للهرب. فبعد أن أطمأننا إلى نجاح خطة الهرب الأولى» فكرنا في خطة 
ثانية. كان لا بد من تغيير مكان الخروج. 

أمكن رسم خريطة «كروكية» للمنطقة بمساعدة الضباط وبعض الفلسطينيين. واتفق على أن يتم ال هروب من 
الجهة الشرقية لمعسكره المجاور للحقول. حيث يمكن الاختفاء فيها. وبدلا من السير بمحاذاة طريق العربات 
المؤدي إلى حيفا يمكن الاحتماء في الجبل بالسير في ممراته. وقع الاختيار على زميل من معسكرنا وزميل من معسكر 
.١‏ حفظ زميلنا الخريطة جيدًا. وبقيت مشكلة تبريبه إلى معسكر 5. تم ذلك عن طريق عربة القمامة. فأثناء مرورها 
على المعسكرات لجمع القمامة حل زميلنا المقصود محل أحد الزملاء المكلفين بحمل برميل القمامة. ودون أن يشعر 
أحد تبادل موقعه مع زميل من معسكر 5. وحدث في هذا النهار ما أخر عملية ال هروب. جاء بلدوزر إلى معسكرنا 
ليقوم ببعض أعمال الحفر. وحدثت مناقشة بيننا وبين سائقه. أوقف عمله وواجهنا بجسده المتين البنيان وعينيه 
الفوسفورتين وشعره الأشقر. وهو بودي من أصل مغربيء وكان يرى أن العرب يعقدون مشكلة اللاجئين 
الفلسطينيين» بتركهم في معسكرات بدلا من أن يحلوا محل اليهود الذين هاجروا من البلاد العربية إلى إسرائيل. 
أجبناه أن الفلسطينيين لم يتركوا وطنهم بمزاجهم وهم يريدون أرضهم. 

احتدت المناقشة. استفز أحد الأسرى فأقسم ألا يجعل «البلدوزر» يتحرك من مكانه. وضع له في خزان الوقود 
قليلا من السكر فرقد كجثة هامدة.. وتعقد الموقف أكثر. سرق زميل لناء ولست أدري لاذاء شيكارة أسمنت. 
كانوا قد أحضروا بعض الشكائر لعمل قواعد خرسانية للزوايا الحديدية المشدودة بينها الأسلاك الشائكة؛ فيصعب 
علينا انتزاعها. قلبوا المعسكر رأسًا على عقب بحثًا عن الشيكارة . انتتقلت ببراعة وخفة من العنبر الذي لم يفتش إلى 
العنبر الذي تم تفتيشه. 

أحضروا خبيرًا لتحريك الجحثة ال هامدة. ونظرًا لتوتر الجو رأينا تأجيل عملية المروب. وعندما هدأ الجو نفذناها. 
ولسوء الحظ أحس أحد الحراس بحركة. أخذ يمسح بضوء كشاف البرج المنطقة خارج السور. اختفوا في الزرع. 
ظل ا حارس يطلق النار بغزارة» وجاراه حراس آخرون. أصبح متعذرا أن يستمروا. لبدوا في أماكنهم حتى كاد 
الليل أن يتلاشى وتسللوا عائدين. 

م تقض أيام قليلة حتى ضُبطت محاولة أخرى. تمكن بعض الضباط من الحصول على عملة إسرائيلية» برشوة 
بعض الحراس بالهدايا التي وصلتهم من مصرء وبسجائر البلمونت التي يعبدونها. وحصلوا على ملابس مدنية من 
معسكر المدنيين. وفي يوم زيارة الأهالي الإسرائيليين لذويهم من الجنود اندسوا بينهم بعد انتهاء الزيارة. عند البوابة 
الرئيسية كُشف أمرهم. وحوكموا وعوقب كل منهم بالسجن شهرًا. 

كنا نكد أذهاننا للإفلات من الأسر قبل حلول الشتاء. أهون عندنا أن نتعرض لإطلاق الرصاص من أن نتعرض 
للبرد القارس والأمطار الدائمة. 


كشف محاولة الحرب الأخيرة سيجعلهم يقظين. لا داعي لآن نفكر في محاولة أخرى قبل أن يتغير هؤلاء الحراس» 
ومعنى ذلك أن نمضى جميعًا أصعب شهرين من الشتاء هنا. كنت أجلس حزيئّاء أظل الساعات الطوال أحملق في 
شجرة الخروب التى نمت وسط الصخرء متحدية حموده. تيدرة فضي لة معاد عونا مار دو هين وارفة 
الظلال» أوراقها كثيفة. تخفى ثمرها الأسود عن العيون. ويصعب من كثافة الأوراق والتفاف فروعها الكثيرة 
بعضها حول بعض أن ترى جذع الشجرة. لونها من أعلى فضي. وعندما تخف حدة الشمس في العصاري» تنكمش 
الأوراق قليلاء ويخف اللون الفضي وتزداد دكنة الأوراق وتميل إلى اللون الأخضر. 

انتزعت نفسبى من الحزن والخروب. بحثت عن حامد. بعد المظاهرة أخذوا منا أدوات الحلاقة. سمعت في 
المعسكر عن أسير اسمه حامد. قالوا إنه يستطيع أن يحلق شعر الرأس بموسى حلاقة الذقن. وكانت معنا بعض 
شفرات استطعنا #بريبها. وجدته يحلق لبعض الأسرى بجوار شجرة السواك. وهي شجرة رخصة قريبة من 
الحنفيات. أغصانها رشيقة متطلعة نحو السماء. ثمرها يشبه حبات النبق لكنه أصغر قليلا ولونه أخضر. وكان من 
الألوف أن ترى أحد الأسرى مقرفصًا أمام عنبره وفي يده تلك الحبات. ومنهمكًا في نظمها في سُبحة. وجدتهم 
ينادون حامدًا بدراكولا. فيه| يبدو لسحنته السمراء وذقنه المدببة البارزة إلى الأمام. عيناه غائرتان ماكرتان. أنفه كوز 
صغير التصق بإهمال في وجهه. فمه خط رفيع. مع أنه حلاق فقد ترك شعر رأسه ينمو على هواه كشعر خروف. بعد 
أن صادقت حامدًاء اتضح لي أنه ملك التصرف في المعسكر. يصنع أي حاجة من أي حاجة.. وجدته قد قسم شفرة 
إلى نصفين» ورشق أحدهما من طرفه في غصن رفيع من شجرة. وأحضر قطعة من السلك؛» جعلها كمشط بثنيها 
عدة ثنيات وبهاتين الآداتين المتواضعتين» ومهارة يده وثاقب بصره. كان يدرج لنا شعر رؤوسنا ويجعل شكلنا 
مقبولا. ويحلق لنا ذقوننا. في الحقيقة بعد أن تغادره تحس أنه أعطاك علقة ساخنة تتذكرها ‏ لعدة أيام ‏ كلما غسلت 
وجهك أو رأسكء. وبعد أن تفيق منها تشكر الظروف التى هيأت لك رجلا مثل حامد معك. 

أثناء حلاقته لي قادنا الكلام إلى القطار الجنائزي.. ولدهشتي اكتشفت أنه هو الذي أعطاني اللقمة في القطار. 
ضحكنا.. مع اهتزاز جسديناء تقلقل ركام الأحزان» فتطاير غبارهاء وتسرب إلى حلقيناء فاختنقت ضحكاتناء 
ودمعت عيوننا. سألني عن جرحي وقد لحظ ورما بالقرب من رقبتي. وعلمت أنه كان مصابًا في قدمه. وأنه ل 
يشف حتى الآن لأنه حدث كسر لم يجبسوه له واكتفوا برباط ضاغط. وقدمه ما زالت تؤلله. فكان يحلق لنا وهو 
يحمل جسده كله على قدم واحدة. وسرعان ما أصبحنا صديقين. وتشاء الظروف أن ينتقل إلى عنبرنا. كان حريقة 
في تدخين السجائر وكالعادة تحملت مسئوليته. في الليل كان يحدثنى عن ذكرياته في دكان الحلاقة الذي يملكه 
بشبرا. وبين حين وآخر ينهض للبحث عن نار. ولم يكن يتورع عن إيقاظ رقيب العنبر ليشعل له سيجارته. لم يكن 
يسير بل يحجل على قدم واحدة في هرولة. وبعد أن يفرغ من حديثه الذي لا يمله والذي يخبرني خلاله أنه معلم 
بش داقًا لاستقبال زبائنه» أسند رأسي على حافة العنبر وأصغي في هدوء الربع الأخير من الليل لأنات الريح 
تمنطي ظهور أمواج تلعق في غباء شاطنًا لايحس. 


10 


مقطقطة ومسمسمة.. ودمها مثل الشربات.. هذه الكلمات هي مدخله إلى العالم. إذا سألته عن رأيه في قصة قرأها 
قال: مقطقطة ومسمسمة ودمها مثل الشربات. وإذا وصلته رسالة من بنت أخته» قال في سعادة بالغة: بنت 
مقطقطة ومسمسمة ودمها مثل الشربات. وإذا سألته لماذا اختار ميكانيكا السيارات لدراستهاء قال: أصلها مادة 
مقطقطة ومسمسمة ودمها مثل الشربات. وعندما تبدي عجبكء لآن مدرسًا في التدريب المهني مثله» وخريج 
المعهد الصناعي العالي» أنشأ مجلة حائط في الأسر أسماها «اللقاء»» أغلب موادها أدبية وسياسية» يقول لك: ما 
رأيك.. بص لمجلات المعسكر كلها.. لا تلاقي مجلة مثلها.. مقطقطة ومسمسمة ودمها مثل الشربات. 

وكان بجت متخصصًا في إغاظته. كلما لمحه داخلا عنبرنا ارتفعت حنجرته بالغناء: الغراب.. يا واقعة سوده.. 
جوزوه أحلى.. 

كرد علية ق حوفة (قنخروف الكلمة وتتغمها): بزامة. 

- هيه كانت فين عنيكي.. 

فنرد: يا يامة.. 


-لما دورتيٍ بإيديكي.. 


قرغا التدامة.. 

ثم ننشد جميعًا: بطلوا دا.. واسمعوا دا.. 

ياما لسه نشوف وياما. (أغنية من فيلم عربي). 

ينظر إلينا عبد الرحمن غراب» بوجهه القمحي وشعره القصير.. ثم يبتسمء وعيناه العسليتان تشعان مكرًا لطيمًا 
يتميز به أهل ميت غمر. ويخطو بقامته القصيرة وعوده النحيف. ويقول: 

- ما رأيكم... أليست أغنية مقطقطة ومسمسمة ودمها مثل الشربات. فنغرق جميعا في الضحك. ومع أن الغراب 
ينشف ريقي.. فقد كنت أفضل الكتابة في مجلته. 

كان يتصرف معي كأنه رئيس تحرير أكبر مجلة في القاهرة. كنت أكتب له قصة» فيحتفظ لنفسه بحق الشطب 
والاختصارء مدعيًا أن شكل المجلة وتوضيبهاء يمليان عليه ذلك. وعبثًا أحاول إقناعه» أن يفرد مكانًا أرحب 
للقصة. وعندما يعتريني الضيق أصيح في وجهه: أنت ميكانيكي لا تفهم في الأدب. 

يرد عللّ وهو يمسك ذقني بسبابته وإمهامه: 

-لما تنشر القصة.. ستلاقيها مقطقطة ومسمسمة ودمها مثل الشربات. 

وظلت هذه المجلة تصدر أسبوعيًا بانتظام بين|ا تكاسلت مجلات العنابر الأخرى واختفى بعضها.. 

كانت العقبة أمام انتظام المجلات هي الحصول على ورق وأقلام» فكان الغراب يتحايل بكافة الطرق» ويحصل 


على حاجته حتى من الحراسء كما كان الأسرى في خدمته. بقدرة قادر. فجمع منهم كثيرًا من الورق والظروف 
والأقلام الجافة التي وصلتنا في الهدايا المصرية. وانتشر صيت هذه المجلة في المعسكر كله. كنا نرسلها من تحت 
الأسلاك الشائكة إلى معسكر المدنيين لتعليقها عدة أيام» ثم نسحبها ونرسلها إلى معسكر الضباط. وبعد ذلك تأخذ 
طريقها إلى معسكر الرتب العالية. وكان للغراب صديق يعمل مراسلة عندهمء يتولى أمرها. 

ولم نكن نكتفي بنشر القصص والموضوعات العلمية والفكاهة» بل كنا ننشر التحليلات السياسية. في أول الأمر 
خصصنا زميلا لحراسة المجلة. فإذا رأى حارسًا يقترب أعطى إشارة خاصة فننزع المجلة على الفور. ولكن مع 
الوقت أصبحنا نتركها. جاء كثير من الحراس وقرأوها.. هزوا أكتافهم في صمت وانصرفواء وفي بعض الأحيان 
كانوا يناقشون معنا آراءنا. 

اشترك الفلسطينيون معنا في التحرير. تولى زقوت كتابة سلسلة مقالات عن تاريخ فلسطين. بدءًا من قوافل 
العبرانيين الذين عبروا نهر الأردن, في أحد العهود السحيقة إلى هجرات اليهود الحديثة» حتى إعلان دولة إسرائيل 
في عام ..١95/‏ ثم شرح بالتفصيل مذابح اللد ودير ياسين التي قام مها الإسرائيليون» ضد أهل القريتين لإخافة 
باقي عرب فلسطينء لعلهم بجرون قراهم ومدنهم. وكان أغلب الأسرى يقرأون هذا التاريخ لأول مرة. وإزاء 
شغف الزملاء واهتمامهم.. نظمنا سلسلة محاضرات ألقاها زقوت» فأصبح يبيت ليلة في كل عنبر» يلقي فيها 
محاضرة. وكان الأسرى كرماء جدًا معه. قدموا له الشاي والصمتء فسارت مهمته بنجاح. 

وعندما أصدرت المجلة المنافسة ملاحق رياضية وفنية» تردد الغراب بعض الوقتء ثم اقتنع بضرورة مسايرة هذه 
المجلات, وقال لي وكأنه يعتذر: 


- يعني.. ملحق مقطقط ومسمسم ودمه مثل الشربات. 


ل 4ت 
دا جزيا وت 


وتكونت في المعسكر لحان رياضية وفنية. تولت اللجنة الرياضية تنظيم دوري للكرة الشراب بين العنابر» وعينت 
هيئة حكام» وخصصت جوائز للفرق الفائزة ولأحسن لاعب. كانت أغلب الجوائز من المطبخ طبعًا. طماطم. 
عندما تثور مناقشات بينهم» ويختلفون. بعد انتهاء المباراة. 
شاهدناها في مصرء وأدخلنا تعديلات عليها. وبعضها مؤلف في الأسر. والغريب أن المؤلف هنا كان يلقى نجاحًا 
أروع وأكثر» حتى إن «أوبريت» ليلة مصرية التي ألفها ومثلها وأخرجها بجت. قد أعيد عرضها أكثر من عشرين 
مرة. وحضرها الحراس وأبدوا عجبهم, مع أن ما رأوه لا يزيد عن صورة مهزوزة» أو «سالب» للفن في مصر. 
فإمكانات المعسكر هزيلة. البطاطين تخصص العوضي في جعلها ستائر» ينصبها على حبال من الأسلاك الشائكة» 
بعد نزع الأجزاء الشائكة منها. ألوان «التدكر» مستمدة من المطهرات الطبية ذات اللون الأحمر والأزرق» والسخام. 
واستعان المعلم مغراز الذي بانت مواهبه في «التنكر» وفي تمثيل دور الفلاح الخانق. استعان بالشعر المقصوص أثناء 
الحلاقة في عمل شوارب وسوالف ولحى. وبلغ من تفاني الأسرى في التمثيل أن ممثلا أطاع تعليمات بيجت وحلق 


شعر رأسه (رقم واحد) بالموسى. وحلق حاجبيه ومنتصف شاربه. وظهر عاريًا إلا تما يستر عورته. واستسلم 
للمعلم مغراز فأضاف خطوطًا حمراء وسوداء حول عينيه. فبان في المسرحية كجلاد أسطوري من عصر جنكيز 
خان. وكان يستدر تصفيق الجمهور لمدة طويلة. وكانت الأنظار تتجه إليه دومًا أثناء العروض. وكان سر نجاح 
(ليلة مصرية) أن بجت وضع فيها كل ما يذكرنا بمصر. فألف مشهدًا لشيوخ يذكرون.. ويمدحون النبي» ومنظرًا 
لسوق شعبي» ومنظرًا مبتكرًا للقرداتي. فصاحب القرد يطلب منه أن ينام نومة الأسير فينام القرد على بطنه» ويطلب 
منه سلام المصريء فيقفز في المحواء رافعًا يده بالتحية. وعندما يطلب منه سلام موشى ديان يرفع قدمه إلى وجهه 
بالتحية. فننفجر جميعًا ضاحكين. ومنظر راقصة مصرية» وقد لعب هذا الدور علي علوان. بعد أن أتقن له مغراز 
«التنكر» وصنع له ثديين.. أحد الحراس صعب عليه تصديق أنه رجل. والحق أن علي علوان غريب الشأن فهو ليلا 
فريد الأطرش.. وأحيانًا نجاة. ونهارًا هداف العنير. إذا ما رأيته وهو يبين نفسه ويتمرغ في التراب تخال أنه يلعب 
من أجل كأس الشرق الأوسط. ولا يجول في ذهنك مطلقًا مأساة هذا الشاب. فهو لم يتجاوز التاسعة عشرة» من 
الإساعيلية» وكان أبوه أسيرًا في حرب .١1107‏ بعد أن عاد من الأسر بأسبوع, مات بضربة شمس. وأثناء عدوان 
6 هاجر وهو طفل مع عائلته إلى قريب لهم في بلدة القرين» وفي الطريق فاجأتهم الطائرات البريطانية وألقت عليه 
وابلا من القنابل. ماتت أخته الشابة فدفنتها أمه في جانب من ترعة جافة وواصلوا المسير.. 

وألف بدر مشاهد قصيرة عن تصدي الفلاحين للإقطاعيين في كمشيش. وكان من المضحك أن ترى «بدرًا» قد 
جنح إلى الصمتء وأمسك ورقة وقدًاء ويرجوك قليلا من الهدوء.. حتى يستطيع أن يكتب.. 

انتشرت الإعلانات على ظهور العنابر عن المسرحيات الجديدة» وشملت أسء الممثلين وأدوارهم. وبعد العرض 
تظهر الملاحق الفنية وبها تقويم المسرحيات والممثلين. 

حضر اللواء ‏ أقدم رتبة بين الأسرى ‏ مع بعض الضباط ليشاهدوا (ليلتنا المصرية). أدمعوا وهم يرون مصر 
تتابع في مناظر موجزة أمام عيونهم.. وبلغ من تآثر الرجل أن دعا فريق التمثيل في اليوم التالي لتقديم عرض في 
معسكر الضباط. وحصل على موافقة إدارة المعسكر, لكي تقوم الفرقة التي تضم خيرة الممثلين من كافة العنابر» 
والتي كانت تمثل معسكرناء بالطواف على بقية المعسكرات. وأن تتبادل فرق المعسكرات الزيارة.. ولكن لم يقدر 
لشيء من هذا أن يتم. وتدهش عندما تعلم أن من أسباب زحام العنابر أثناء التمثيل» أن كثيرًا من الأسرى كانوا 
يشاهدون المسرح لآول مرة في حياتهم. 

وتألفت فرقة موسيقية» صاحبت المغنين. وكانت الآلات الموسيقية صناعة محلية. علبتان من الصفيح متجاورتان 
أدتا عمل «البنجز). ملعقتان في يد أسير ماهر تصدران إيقاعات مختلفة. قطع مغراز صفيحة صغيرة من أسفلهاء 
وعمل في جدرانها فتحات ثبت في كل منها سلكًا وعلق به حلقات صغيرة من الصفيح» فأصبح رقا رائعًا. 
وبالإضافة إلى تناغيم هجت. والتي يصدرها بفمه. والضرب بأصابعه الطويلة على ظهر علبة فارغة» يكون 
ال«تخت» جاهرًا للعمل. 

وكانت أكثر الأغاني نجاحًاء الأغاني الشعبية» كأغاني ومواويل «بدارة» السكندرية. 


أنا طلعت فوق السطح أدور على طيري 


لقيت طيري بيشرب من قنا غيري 

ليه يا طيري تسيبني وتدور على غيري 

قال لي زمانك مضى» روح دور على غيري. 

وأغنيات الصعايدة. والأسوانية. وتعجب إذا علمت أن زكريا لبس مسوح الفن. فقدم مع مجموعة سمراء أغنية 
أسوانية» وتعجب أكثر إذا علمت أن زكريا الذي لم يكن يكف عن النوم» كون فريقًا لكرة القدم من العاملين في 
المطبخ» وأنه كان يلعب معهم؛ رغم شحمه ولحمه؛ وكان يسجل أهدافًا أيضًا بينا نضج بالضحك والصخب. وأنه 
كان عضوًا في هيئة الحكام» وحكم مبارايات عديدة رغم مشاغله في المطبخ. 

وألف رقيب عنبر 5 قطعة موسيقية أسماها (صابرين) عزفتها الفرقة الموسيقية وكانت تحوي كلمة تردد في نغم 
حزين: صابرين. صابرين. صابرين. 

فكنا كلم) تقدم بنا الليل» وأراد بيجت أن يختم أغنياته» وبين| النوم يغزو أجفاننا.. يصنع بفمه وأصابعه إيقاعا 
هادئا يشبه وقع المجاديف في النيل» وتنطلق حناجرنا تجارية تلقائيًا في رجولة هادرة.. وبصوت خفيض: 


صابرين. صابرين. صابرين. 


1ت 


قال محمود تعلب: 

-أناالا أنات مهروما أنذاء 

فقلت له: 

- يعني أجدع من نابليون.. ولا من هانيبال. 
فقال: 


6 


-ولو.. عمري ما أبات مغلويًا. 

- أتكون قيصرًا ونحن لا ندري. 

ضحك وقال: 

1 تلعب دورًا ثانيًا. 

كان محمود تعلب لا يطيق أن ببزمه أحد في الشطرنج. أو في أية لعبة أخرى. إذا هزمته يظل يستفزك لتستمر في 
اللعب معه حتى تتعادلاء أو بهزمك. أما إذا أصررت على إنهباء اللعب وهو مهزوم» تصبغ وجهه حمرة الخجلء كأن 
عارًا لحق به. وبعد قليل يتمالك نفسه. فإذا سأله أحد عن نتيجة اللعبء قال في بساطة: 


وعملا بالمثل اخذوهم بالصوت ليغلبونكم»» ترتفع عقيرته أنه الوحيد في العنبر الذي يجيد لعب الشطرنج. وكنا 
نظل نلعب حتى نسأم الشطرنجء فننتقل إلى «الدمينو»؛ والنرد. مرب من فكرنا ومن الشتاء الذي حل كضيف ثقيل 
طال ترقبه. كان زقوت قد نحت الشطرنج من حجر جيري. وصنع زملاء آخرون من خشب الشبابيك نردًا 
و(دمينوا. 

اشتد عصف الرياح. وانهمر المطر طوال الأسبوع دون انقطاع. فنحينا باللائمة على من نزعوا الشبابيك. 

وكان لا بد من علاج سريع. وضعنا مكان الشبابيك «كرتون» صناديق العلب المحفوظة الذي جلبناه من المطبخ. 
كما فردنا الصفائح واستعملناها في هذا الغرض. وأول يوم أمطرت فيه السماء كان بمثابة محزنة عامة. ها قد جاء 
اليوم الذي كنا نرتعد لمجرد ذكره. جاء وقد تهبرأت الزنانيب. وهددنا بالحفاء مرة أخرى. ومتى؟ في عز انممار 
المطر.. وأرض المعسكر طينية تحيلها المياه إلى طبقة جيلاتينية. تصلح ملعبًا رائعًا لمواة الزحلقة. وتحولت الطرقات 
بين العنابر إلى جداول صغيرة. ترتفع حيئًا حتى تصل المياه إلى شقوق الخشب من أسفل. نسارع إلى نزحها بعيدًا. 
محاذرين أن يصل الماء إلى مستوى رؤوسنا ونحن نيام. وكانت خروق السقف تسمح للمطر بغزو العنبر. نتجمع في 
أحد الأركان يكون سقفه خاليا من الخروق نوعًا ما. ونظل طوال الليل نجفف المياه المتسربة» وننزحها بعيدًا ناحية 
باب العنبر.. حتى يغلبنا النعاس. وفي البكور نصحو ولم ننج من البلل. وعندما شكونا للإدارة. أحضروا لنا سائلا 
أسود يشبه القار لترميم السقوف. اعتلينا ظهور العنابر لترميمها ورأينا البحر. لا تفصلنا عنه إلا مسافة بسيطة من 


الصخور اللعينة. كان البحر عميق الزرقة:» ممتدًا إلى نهاية البصر. كنا ننظر إليه في إعزاز شديد» فهذه المياه ممتدة إلى 
شواطتنا. هذه المياه تلعق أقدام بلادنا. كنا ننظر في شوق نحو الجنوب وكأن مصر على بعد خطوات منا. وكان 
بجوار معسكرنا مباشرة رصيف ممتد داخل البحر. عليه بعض الرافعات وأماكن للمرساة. وفي مواجهة عنابرنا 
تمامّاء جزيرة صغيرة عليها آثار قديمة. مبان حجرية أشبه بالمعابد. وهياكل قلاع مهجورة. يقول الإسرائيليون إنها 
آثار أجدادهم. ولكنها في الغالب آثار رومانية. يشهد بذلك اسم عتليت الروماني الأصل. 

ومع أننا رمنا السقوف فلم نسلم من المطر. أحيانًا يتغير اتجاه الريح فيسقط المطر بزاوية مائلة. عندئذ تنشع 
جدران العنابر بالماء ويتسلل عبر الفجوات البسيطة بين ألواح الخشب. 

حبسنا المطر والريح داخل العنابر. فلم نكن نخرج طول النهار إلا للضرورة القصوى. كإحضار الطعام أو 
الذهاب إلى دورة المياه العائمة» والتى أصبح استع لما مغامرة خطيرة. وكان الجو غاثًا دومًا والضباب الرمادي 
يحف بالجبل كالمظلة. والأمطار بطل دون انقطاع أيامًا متتالية والكرمل يبدو بعد كل مطرة وقد ازداد رقة ورهافة. 
أما حيفا فكان الضباب يحجبها عن أعيننا أيامًا متتالية» ثم تعود إلى الظهور شيئًا فشيئّاء مع انقشاع الضباب. وأحيانًا 
يظللنا الغيم ونراها من بعيد في سماء صحوة. ومع توقعنا لهطول المطر عندنا نجد حيفا على صفائها. 

تشبعت النفس بالأحزانء تشبع النسيج الثقيل بالماء» وقبلنا الشتاء على علاته» إذ كيف ندفعه بعيدًا عنا. 

أعطوا كل فرد منا بطانية «للشتاء». بطاطين مكونة من أجزاء موصولة ومرقعة. كنا ننتقى أحسن جزء من 
البطانية وندفعه لخياطين معنا. فصنعوا لنا «سترات» دون أكمام كانت من البساطة وتأدية الغرض. مما ساعد على 
سرعة انتشارها في المعسكر. وتفنن الخياطون فصنعوا لما ياقات مختلفة الأشكال. وجيوبًا سحرية. وغيروا في 
التفصيل. أعجب الحراس بها فأحضر بعضهم بطاطين جديدة لنصنعها لهم. فكنا نفعل ذلك في نظير الحصول على 
بطاطين جديدة لنا. 

لم يخل الشتاء من فائدة. استرحنا من غسيل بدر. كان بدر يمد سلكًا بين عنبرنا وعنبر »١‏ ينشر عليه غسيله 
تتحامني يا أ 

- عد من هناك.. 

ويا ويل من تلمس رأسه الغسيل أو يزيحه بيده إلى جانب كي يمر. يهب فيه كأنه لوث ملابسه بإشعاع ذري. 
قذفت الرياح بألواح صاج من الحام المهجور فتلقفها زملاء وصنعوا منها أسرة. يضعون لوح الصاج على 
صفائح فارغة أو يضعونه على ألواح من المخشب ينتزعوها من دورة المياه» أو من سقوف العنابر. 

وأصبحت الأسرة طرارًا سائدًا في كل العنابر تقريبًا ول تكد تنتشر حتى ظهرت طُرز جديدة فقد وصلت كل منا 
ابيجامة» من الكستور هدية من مصر. استغنى بعض الأسرى عن ستراتهم العسكرية القديمة» وأخذوا يكسون بها 
الحقائب الكرتونية التي تسلمنا فيها أول هدية» يلصقونها بنشا مصنوع من لباب الخبز المذاب في الماء بعد وضعه على 
النار قليلا. ثم تقدمت الصناعة فأصبحت للحقائب مقابض وأحزمة وجيوب داخلية. وفي الحقيقة كان منظرها 


أنيقًا جدًا حتى إن اللواء أرسل لإعداد واحدة له. 

ساهم استمرار المطر في اختفاء المجلات أغلب أيام الأسبوع. ولم نكن نعلقها إلا في الأيام الصحوة. 

كان المفروض أن نحاول اقتناص الشتاء. فهو فرصة مثالية للهرب. فالمطر والرياح يلزمان الحراس أماكنهم 
ملتفعين بالأغطية والمعاطف. ولكن آخر محاولة للهرب لم يمر عليها الوقت الكافي بعد. أخذنا نستعد. حتى يحين 
الوقت المناسب. وربم| تسنح فرصة ماء لم تكن لتخطر على بال. 

أخذنا نجمع بعض ال«رفائع» اللازمة لأي عملية هرب: قصافد.ة ‏ مطواة ‏ أوراق نقد. وجعلنا نلتقط من 
أفواه الحراس أي معلومات قد تفيد ال هارب. سمعنا أن مزراخي بطنه واسعة. وكنا أثناء بحثنا عن ال«رفائع» قد 
عثرنا مع بعض أسرى على جنيهات مصرية أمكنهم تبريبها. وكانت المشكلة استبدالها بعملة إسرائيلية. قررنا أن 
نوفد من يجس نبض مزراخيء لشراء عملة إسرائيلية أو مواد تموينية دسمة يحتاج إليها الحاربون» ومحاولة الحصول 
على ملابس إسرائيلية» وإن أمكن إحدى هوياتهم. وكان لا بد من العثور على شخص موثوق به جدًا. قدير. ليقوم 
ببذه العملية. أعيانا البحث مع أن الشخص المطلوب يرقد على بعد خطوات مني في العنبر. وإذا كانت سيرته لم 
تأت حتى الآن» فلأنه لا تكاد تحس به وهو أمامك. يتصرف في صمت مذهل. كان محمد مندور من أنشط الناس في 
العنبر» وربما في المعسكر كله. لم يكن يكتفي بتنظيف «فرشته» والمكان الذي يرقد فيه» بل ينظف كل ما حوله دون 
أن يشكوء أو يذكر أنه قام بهذا العمل. وكان نشاطه هذا يشملني ويريحني. وإذا غفل يوما عن ذلك نهرته» بعشم 
طبعًا. فلم يكن يزيد عن أن يبتسم ويقول في صوت خفيض تغلفه دهشة غير مفتعلة: 

هكذا.. حاضر. حقك علي. 

ثم يشرع في تنظيم «الفرشة» التي أصبحت تحوي فضلا عن البطاطين المهرأة» قطع الكرتون» تحمي جنوبنا من 
الرطوبة التي لا ترحم. فيها مضى كان لا يعجبه تنظيفي للمكان. فأنا سيد من يكروت في هذه المسائل» ولا صبر لي 
عليها رغم بساطتها. ينحيني» ويقوم بذلك بدلا مني. ومع الوقت جعل ينهرني إذا رآني أعمل شيئًاء مدعيًا أن عمل 
لا يعجبه. وهو يريد المجاورين له في النوم أن تكون أماكنهم نظيفة حسب هواه. إذا طلبوا أحدا للنظافة حول 
العنبر» تجد مندور يتقدم في صمتء لا يحس به أحد. وأحيانًا يذهب للعمل في المخازنء ويعود آخر النهار منهكًا 
دون أن يلحظ أحد غيابه. هو كالنفس الذي يتردد. فهل ينتبه أحد إلى رئتيه» إن كانتا تعملان أم لا. صمته ودأبه 
جعلاني أعتقد أنه يصلح لما نريد. إذا أحضر شيئًا من الخارج فسيكون قديرًا في التمويه على الحراس. وسيقدر جيدًا 
اللحظة المناسبة لإحضاره إلى المعسكر. ويكفي أن تعلم أن أي شيء تطلبه» تجده عند مندورء أو يستطيع أن يحضره 
لك. دون مباهاة. فقط.. يبتسم ابتسامته الادثة بفمه الواسع أسفل أنف دقيق يشبه المنقار. عيناه خضراوان. أشقر 
الشعر. أبيض البشرة. لا يعيبه شيء سوى أنه أكول. يحصل على ما يشبعه بطرقه الخاصة. 

لا يحرمني من نفحاته بين حين وآخر. أمضى فترة تجنيده كلهاء ثلاث سنوات ونصف. وهو على وشك ترك 
الخدمة العسكرية فاجأته الحرب التي يلعنها من كل قلبه. يحمل هم والده الكواء بحدائق شبرا. يعول سبعا من 
البنات والصبية. كان الأمل معقودًا عليه ليساعد والده. فهو يعمل نساجًا في إحدى مصانع النسيج بشبرا. تسيطر 
عليه فكرة غريبة. والده بعين واحدة. دائً) يحدثني وهو ساهم أنه سيعود ليجده قد فقدها. لست أدري من أين أتى 


بهذه الفكرة المزعجة. وكيف سيطر عليه هذا الخاطر اللعين. أخبرني ذات مرة أن مزراخي عرض عليه حشيشا. 
غمز لي بعينه. أراني عينة» تمكن بدهائه من أخذها منه مجانًا. لعنته ألف لعنة وطلبت منه ألا يذيع هذا الخبر لأي 
إنسان في المعسكر. خشية أن يحاول أحدهم الحصول عليه؛ ودفنا العينة. 

وفيها تلا ذلك من أيام نجح مندور وكنت أسميه الكاهن لقصره وبدانته وابتسامته ا 
مزراخىء. وموننا بليرة إسرائيلية» وبعض الفكة. حصل عليها منه بدعوى أنه سيحتفظ بها للذكرى. خبأناها لحين 
الحاجة إليها. ىا حصل لنا أيضًا على علب لحم محفوظ. وزعنا بعضها على المرضى وكبار السن واحتفظنا بالباقي 
وكانت أهم من جوهرة بالنسبة لناء فبها يسهل المرور من الأسلاك الشائكة. 


ل 4ت 


انتهز بعض الأسرى من معسكر 5 استمرار هطول الأمطار ذات ليلة وتقييد حركة الحراس تبعا لذلك» وتسللوا 
من معسكرهم إلى ميس الجنود الإسرائيليين المجاور لحم. وجدوا ثلاجة عامرة بالدجاج والزبد وأكياس اللبن 
الجاف. تركوها خاوية على عروشها. دفنوا ما تخلف من الوليمة بعناية وحرص شديدين. ججن مزراخي» وأبلغ قائد 
المعسكر. قلبوا معسكر ” دون أن يعثروا على أثر. سارعوا بإقامة سور عال من الطوب الأحمر» في علو البرج تقريباء 
حاجرًا مانعًا بين معسكر ” والميس. 

أصبح الاستحام مشكلة صعبة. كنا نستحم في الهواء الطلق» والريح تلفحنا. وحتى بدر أكثرنا نشاطاء والذي 
واظب عدة أيام على الاستحام في مستهل الشتاء. لم يطق الاستمراره فالمياه باردة كالثلج. والريح عاصفة. وكنا كلما 
اعترضتنا مشكلة كهذه» صحنا في نفس واحد: 

فالعوضي منافس للشيخ جمعة في الآذان. ويحب داتًا أن يختم الصلاة بالدعاء وتلاوة الأذكار. ورغم تناقص عدد 
المصلين يوما بعد يوم» فقد واظب العوضيى ببمة. وذات يوم بعد صلاة العشاء سمعناه يتوجه إلى الله بالدعاء: 
اللهم لا تجعلنا نغادر هذا المكان إلا مغفورًا لنا. 

انتزعن-_ا هذا الدعاءى كل من وادى-ه. وجعلنا نسبنه ونلعنه. تقوانا لا تؤهلنا لآن يغفر الله لنا. ومعنى 
هذا أن نظل هنا إلى ما شاء الله. 

أذاع الأساتذة شيش أن رمضان على الأبواب. تلفتنا في عجب غير مصدقين. معنا زملاء كأنهم تقاويم متحركة. 
يحسبون التاريخين العربي والأفرنجي بدقة شديدة. بعد أن تأكد الأستاذ شيش منهم أعلن النبأً. وعجبنا.. كيف 
سرقنا الوقت. كنا نعتقد» ولست أدري لاذاء أنه من المستحيل أن نرمضن هنا. انتزعنا من مناقشاتنا الحزينة عن 
ذكريات رمضان في الوطن» صياح أحد الزملاء: 


أذ نطلقنا جميعًا كسهام موجهة. وجدنا الصفحة الأولى من «المساء» مكرمشة» ولكنها مقروءة على أي حال. 


#6. 


نتشر نبأ آخر: 

- ورقة من «الجمهورية»» عند الضباط. 

سارعنا لقراءة ما عندنا في لهفة» كي نتبادهها مع الضباط. بعد ذلك أصبح وجود صفحات من الجرائد المصرية 
مسألة عادية. كنا نجتمع في حلقات نسمع أخبار الوطن لأول مرة منذ أسرنا من مصدر موثوق به. كان الصليب 
الأحمر قد حمل إلينا طرودا من الأهالي في مصر. سمحوا لكل أسير بطرد وزنه ؟ كيلو جرام». وكان الأهالي من 
الذكاء بحيث لفوا محتويات الطرود في الصفحات الأولى للصحف المصرية الحديثة الصدور. عند وصول أول 
صفحات ظنناها صدفة» ولكن تكرارها قطع الظن باليقين. لذلك كنا دائً) نسأل عن وصول طرود. الإسرائيليون 
يظننونا في لحفة على الشاي والسكر أو الملابس الداخلية التي تحويها. ولا يدور بخلدهم أننا نتلهف على ما هو أعز 
فخ للك كدر ا. 


31# 


جواشى.. جواشى.. جاش مياخ لتريك مصبار أشمونى. كثيرًا ما استيقظنا على هذا النداء» يلعلع في مكبرات 
الصوت. الاسم يتغير: مزراخي.. ديدي. لكن باقي كلام الجملة | هو. ومعناها بالعبرية: يحضر مسرعا أمام 
وكتت 1 

ومكبرات الصوت دائًا تفسد. كلما أصلحوهاء أزعجونا بتجربتها: آخد.. اشتاين.. شالوش.. أربع.. حميش.. 
شيكنى اطيفا.» أشووات رشني 8 ذو يظل' العدهن ١:‏ إلى © يتكرر كس تناف أعصاينا. 

استيقظنا ذات صباح خال من الغيم على ضجة واختلاط في الأصوات. وانتشر نبأ يقول: 

- ير حلون المدنيين. 

جرينا جميعًاء ول يزل أثر النوم في أجفاننا. رأينا معسكر المدنيين في حالة نشاط غير عادي. ألقوا إلينا ببطاطينهم 
عبر الأسلاكء وببقايا الحدايا التي معهم. 

أوقفوهم في صفوف أمام البوابة» تميهدًا للرحيل. 

إذن فالرحيل حقيقة. أخيرًا سيمكن مغادرة إسرائيل. وبعد قليل استدركنا في أسف. فهم مدنيون. وكان من 
المفروض أن يطلق سراحهم من زمن بعيد. بل المفروض ألا يؤسروا أصلا. أما نحن العسكريينء لا بد لرحيلنا من 
اتفاق بين الطرفين. والحال متوتر. ولا إمكانية للتفاهم. فمنذ قليل أغرقنا إيلات» أكبر مدمرة لديهم. كنت تراهم 
حزانى يستفزون لأي كلمة. ويطلقون النار بسبب وبدون سبب. ولكننا لم نبال» وانطلقنا نسخر منهم ونقول لهم ما 
إيلات إلا بداية.. 

تبدد ما كدر نفوسنا بسرعة. وودعنا المدنيين في تهليل وفرح. وكل من عرف شخصا من بلده أوعلى مقربة منه 
حمله رسالة لآهله كتبها بسرعة. واكتفى بعضنا بإرسال السلامات الشفهية. وأوصى آخرون برغبتهم في طمأنة 
الأهل عنهم. 

تتابع ترحيل المدنيين» على دفعات» دون التقيد بأسبقية ترحيل المرضى وكبار السن. حل رمضان وأملناء أن نلحق 
أياا منه فى الوظق. وق فق عزنا فلبلا فرعيل الملقيية. فحت علية: ركان محييةة ته امرةة إن الترحيل 
موقوف طوال شهر رمضان. وتساءلنا: إذا كنا صائمين» فا شأن اليهود بذلك؟.. استبقوا ثلاثين مدرسًا مصريًا من 
كانوا يعملون بقطاع غزة» وثلاثة مهندسين من مناجم سيناء. الغريب في الأمر أن السلطات الإسرائيلية متأكدة 
ماما أنهم مدنيون. فبطاقاتهم الشخصية والعائلية معهم. وتشاء الظروف أن يغادروا إسرائيل مع آخر دفعة من 
الأسرى العسكريين. وتشاء الغفلة الإسرائيلية أن يرحل في أول دفعة للمدنيين ضباط برتب عالية. تنكروا في زي 
المدنيين طوال هذه الفترة دون أن تكشف المخابرات الإسرائيلية أمرهم. 

توترت أعصابنا قليلاء حين تيقنا أننا سنقضى رمضان هنا لا محالة. وبدأنا نوطن النفس على ذلك. وثمة حقيقية 
أخرى كنا نتهرب منها. فمن يقضي رمضان هنا سيقضي العيد أيضًا. خشينا أن نواجه بعضنا بعضا صراحة بذلك. 
وفي الحقيقة كنا ما زلنا نأمل. 


في رمضان تغير نظام المعسكر كله من أجلنا. تأخر ميعاد الغداء حتى ساعة مدفع الإفطار. والعشاء إلى موعد 
السحور ووفرنا لمهم فطور الصباح. واستطعنا أن نقنع قائد المعسكر بقراءة القرآن في إذاعة المعسكرء وكذلك إذاعة 
آذان المغرب. معنا ضابط احتياط أزهريء تولى هذه المهمة وكان صوته جميلا. وأصبح فتح العنابر ليلا حتى 
السحور أمرا معترفا به. وأصبح التمام بعد صلاة الفجر بقليل. وأنا لم يسبق لي صيام «رمضان» وأعتقد أن عددًا 
كبيرًا هنا كان مثلي. ولكننا جميعًا - ولست أدري لماذا صممنا على الصيام» رغم رداءة الطعام» الذي إذا قورن با 
نعده في وطننا أثناء رمضانء فكأنه طعام زهاد. 

أول ليلة في رمضان كانت محزنة. كل فرد تمثل أهله. واختلج خاطره بذكريات عزيزة. لمة الأسر حول الطبالي 
والترابيزات» في انتظار انطلاق مدفع الإفطار. وأطايب الطعام» خاصة الكنافة المحشوة بالبندق أو السوداني 
والزبيب. وشراب قمر الدين» والتمر المنقوع في اللبن أو الماء. والسهر والسمر حتى موعد السحور, مع الأصدقاء. 
والمسحراي يضرب بطبلته» مستأنسا بدبيب أرجل المارة» وشعاعات الفوانيس الملونة المعلقة بين شرفات البيوت 
بعرض بعض الحارات» ومسلسلات وبرامج الإذاعة والتليفزيون.. انخرط بعض الأسرى في بكاء صامت. كنا 
نفيق من حالة» فنجابه بأخرى. حتى سرقنا رمضان. كنا نتوقع أن يحدث أكثر من ذلك في العيد. فهو أول عيد 
نقضيه في الأسر. وكنا نمسك أنفاسنا. ولا ندري بماذا نستعد لمواجهة الموقف. 

استعنت على الصيام والأفكار «بالروايات العالمية»» فقد أرسلت لنا مصر عددًا لا بأس به منها. 

- أين كانت من زمان؟ 

ومع أن في مصرء لا أقرأ هذا النوع من الرواياتء إلا أنني هنا كنت سعيدًا بها جدًا. وكانت سعادتنا لا توصف». 
ونحن نقلب الكتبء ونقرأ أسماء دور النشر المصرية ونقرأ إعلانات عن كتب وأساء مؤلفيها المصريين. وكالعادة 
حدث احتكار سريع للروايات من قبل بعض أشخاص. ولكن مشكلتي كانت محلولة. فبدر الذي يستحوذ على أي 
شيء» استحوذ على بعض روايات. والحق أنه قارئ سريع ممتاز. وبالطبع كان يمدني. وعندما كنا نفرغ من قراءة ما 
لدينا نتبادل الكتب مع مستحوذ آخر. وهكذا انقضى الشهر وقد تمكنت من مداراة أشجاني» سارحا مع مغامرات 
عتاة اللصوص في نيويورك وشيكاغوء وقراصنة بحر الإنجليز وأعالي البحار» وغراميات حسان باريس. 

لم يكن ينتزعني من القراءة إلا اقتراب الأستاذ شيش هامسا في أذني ببعض أخباره. وكانت في الأيام الأخيرة سيئة 
جدا. وأينما حل كان يزرع الشؤم. 

- تعرف كم عدد البكم الآن. وصلوا ستة بالأمس. 

والحقيقة أن انتشار ظاهرة امتناع الناس عن الكلام كانت تحيرني. ولم يعرف لها الأطباء الذين معنا علاجا. كنا 
نفاجاً في الصباح» أن أحد الأسرى لا يتكلم. وعبثا يحاول معه الأطباء. 

ولا يتركني شيش لأفكاري» فيكمل: 

- الناس ستجن من وجع ضروسها. أخذوا واحدًا إلى حيفا اليوم. والباقي خلعوا هنا. سنروح هتًا إن شاء الله. 
أحدق فيه صامتًاء فيعاجلني: 


- وهو بائن لها رواح.. تعرف أنا يتهيأ لي... 

ولا أتركه يكمل عباراتته. فأستميحه ع ذرًا أن يتركني أكمل قيراءة ما في يديء على أن ألحق به فيم| بعد. 
فيغادرني إلى زميل آخر. أو إلى شلة مجتمعة. باذرا أفكاره السوداء» ومبسمه في فمه لا يفارقه. كان شيش يحتفظ 
بمجموعة فريدة من المباسم كتذكار على حد قوله. أحدها على هيئة سمكة. وآخر على شكل «بيب»»؛ وقد حفرت 
خطوط عليه بسلك محمي في النار. وكانت صناعة المباسم قد انتشرت غداة وصولنا إلى المعسكر. وكان من النادر 
أن تجد يد مقشة سليمة» أو فرع شجرة جاف. ومن يجد قطعة خشب تصلح مبسماء فكأن) وجد كنرًا. وتخصص في 
صناعة المباسم» سائق عربة حاكم غزة السابق. كان يفترش الأرضء جسمه قليل» أذناه مطويتان» شعره قصيرء أنفه 
أحمر. عندما يشرح لك طريقته في صنع المباسمء يأخذ وجهه سمتا جاداء كأنه يتتحدث في الفلسفة. وداتًا تجده 
نمسكا بسلك يخرم به قطعة من الخشب قبل تشكيلها. وأين) تجول في المعسكر لا تكف يده عن الحركة. 

وكانت تجارة المباسم رائجة» بيننا وبين الإسرائيليين» الذين أعجبوا بها. فكنا نعطيها لهم, لقاء جريدة أجنبية وكنا 
نفضل (المطبوعة بالإنجليزية أو الفرنسية) أو إسرائيلية (مطبوعة بالعربية) أو بعض مواد قموينية. اقتنى مساعد 
المعسكر الإسرائيلٍ مبسما على هيئة غليون» وكان يغدو ويروح وهو يضعه في جانب فمه» ونحن نكاد نموت من 
الضحك على منظره. 

وثمة تذكارات أخرىء. فكناتين الطعام؛ المصنوعة من الألومنيوم في فرنساء تم طرقهاء وصنعت منها ميداليات 
وخواتم. وكان زقوت الفلسطيني ملك الصناعة ليلاء بعد أن يفرغ من بحثه عن الرخام نهارا. صنع لنفسه ترابيزة 
من شباك» تراه منكبا عليها مع بعض أسرى يساعدونه. جانبًا كبيرًا من الليل. ينقش اسم شخص على خاتم؛ ويحفر 
تاريخ أسره. أو يصنع سلسلة دقيقة تشبه كاتينة الساعة. وكان يقهر الظلام بذبالة يشعلها في وعاء صغير» تملوء 
بزيت» أمده به زكريا. وطبعًا لم يفت شيش أن يحتفظ بتذكار من زقوت. 

وللحقيقة فلم يكن تشاؤم شيش ملازما له دائًا. فهو أحيانًا لا رأي له» وأحيانًا يتقلب.. ساعة على هذا الرأي 
وساعة على ذاك» ولكنه غالبا يميل إلى تصعيب الأمور. 

حل العيد في غفلة منا. ترى.. ماذا كان يحدث لعقولنا لو وقف الزمن.. عند بداية أسرنا مثلاء ولم يتتحرك؟! 
حلت الساعة التى توقعنا أن تحدث فيها انهيارات كثيرة. وبين| نحن في التفكير» وأيدينا على قلوبناء وكان الوقت 
بعد إفطار يوم الوقفة بقليل» والليل لم ينتشر بعد» عمت جنبات المعسكر موجات من الحوس. وكأن الهواء يفرح 
ويمرح» وكأن جبال الكرمل تتحرك. والزملاء يجرون ويصخبون: 

-غير المصدقء. يطلع يشوف. 

وكانت السماء قد أمطرت طوال النهار. والأرض موحلة. زلقة» والنقر تفيض بالماء» كأنها عيون. 

والأسرى يجرون في كل مكان. لا يبالون» ويتصايحون: 

اللواء قادم» لينادي الأسماء..! 


1/4 


نادوا على مزراخي في الإذاعة. ففتحت علبة: ينادون عليه لخصم معسكرنا من التعيين غدًا. ترقبنا الغد وبعد 
الغد.. لم يحدث شيء. 

أخذت خابراتهم في استجواب أعدادٍ كبيرة منا. سألوا عن مستوى معيشتنا في مصر. فجأة.. أصبحنا جميعا 
نمتلك البوتاجازات والثلاجات والتليفزيونات. أجاب أحد الزملاء» وكان قد قرر من قبل عدم إجادته للقراءة 
والكتابة» أنه يعمل مهندسًا زراعيّاء وأنه يمتلك منزلا. وسألوا أسيرًا آخر عن البيت الذي يعيش فيه؛ فقال: إنه 
(فيلا» فخمة وليس بها سلمء وإنه يستعمل المصعد فقط. 

وبالرغم من ذلك استمروا في الاستجوابء واستمر الأسرى في هذه الإجابات الأقرب إلى الفكاهة منها إلى 
تقرير حقيقة. عددنا استجواب المخابرات مقدمة لترحيل دفعة من الأسرىء غير أن الآصوات المتشائمة نعقت: 
-ما رأيكء المدنيون المحجوزون. أول ناس استجوبوهم؟ 

-يا جماعة سفروا خمساثة من العسكريين ليلة العيد. 

- وماذا يعني» يمكن بمناسبة العيد. 

- هؤلاء بود ليست عندهم «بقششة» . 

- إذن.. لماذا وقف الترحيل ثانية؟! 

لم يعمر تفاؤلنا أكثر من أيام العيد ثم وقعنا في براثن ال هواجس ثانية» وعجزنا عن تفسير أي حدث يقع أمام 
أعيننا. غير أن شعاعات الأمل كانت تتراقص في جانب من نفوسنا. 

ذات ليلة غريبة فوجئنا بدخول اللواء ومعه ثلاثة من ضباطهم وبعض الحراس» ومعهم كشوف ببعض الأساء. 
دخلوا بعض العنابر وقرأوا عددًا من الأساء. لا نعرف كيف تم اختيارها. أو ما هو الأساس الذي بنوا عليه 
الاختيار. في هذه اللحظات المحطمة للأعصاب خرجنا وراء موكبهم. لم نتحمل متابعتهم. عدنا إلى عنابرنا. وبين| 
توتر نفوسنا لا يحتمل المزيد» قال شيش في برود قاتل: 

وحياتك ماهم مارين جهة عنبرنا. 

لم يعره أحد اهتماما. كل أسير عنده أمل أنهم سينادون اسمه هو دون غيره. بدر في حالة ذهول» يجمع حاجياته» 
يرتدي ملابسه بسرعة. كأنه رأى اسمه في الكشوف. انحسرت الموجة. لم يأخذوا من معسكرنا أكثر من ثانين. 
انطلقوا إلى باقي المعسكرات. لم ينم الأسرى. ظلوا ساعات حول الأسلاك الشائكة. يحملقون في الطريق. بعضهم 
يذيع الأنباء أولّا بأول. ولا نعلم من أين يستقونها. أخذوا من معسكر ” خحمسين أسيرّاء ويرتفع الرقم إلى مئة ثم 
ينخفض إلى ستين. أفتى أسير: 

- هذه الدفعة ألف. إذن سي رحلون الأسرى على خمس دفعات. 

أعقبه آخر: 


الدفعة سبعائة فقط. 

-يبقى لازم فيه اتفاقية لقبادل الأسردق: 

اتضح في اليوم التالي أن ضباطا برتب كبيرة سافروا معهم. انبثقت التحليلات.. ضباط مرضى. هذا لا يعني 
شينًا. إذا كانت اتفاقية لتبادل الأسرى فلا بد أن نسافر جميعًا في بحر أسبوع واحد. أماء لو كان السفر بمناسبة العيد 
الصغير فعلينا انتظار العيد الكبير. شم النسيم. ومن أدراك» لعلهم أفرجوا عن الخمسائة بمناسبة عيد المسيحيين. 
على أية حال لهم عيد قادم بعد شم النسيم مباشرة. وقال الأستاذ شيش: إن هذا الإفراج بمناسبة عيد الأنوار 
اليهودي «حنوكا». وكان يوافق عيدنا ويوافق عيد المسيحيين أيضًا. إذا متى يأتي عيد آخر لليهود؟ 

كل ما فات من أيام الأسر جدول رقيق. وهذه الأيام القليلة التي سبقت سفرنا جبال شاهقة وعرة. ورياح عاتية 
اضطراب الفكر. 

تفع ما العقول واصصية القراءة مستحيلة. وغادر الوقار رجلا كالشيخ جمعة» ورقص ليلة ترحيل 
اللنمسواقة. 

- ما هذا كله يا مولانا؟ 

في تلك الآونة العصيبة وصلتنا بعض الحدايا من المدارس والمنظمات الجاهيرية في مصر. فمن تبرع بصابونة أو 
فانلة. طاقية من القطن. كوفية من صوف. طواقي صوفية من عمل التلميذات. كان توزيع هذه الهدايا مشكلة. 
أجرينا قرعة» وكل شخص وحظه. كان من نصيبى منديل عليه كلمات من تلميذة بمدرسة إعدادية بكفر الزيات: 


أخى العزيز.. 
نحن معك بأوراحنا وأهلك هم أهلنا. وإخوتك هم إخوتنا. ونتمنى لك عودة سعيدة إلى الوطن بإذن الله. 
أختك 


سنية عبدالعال أحمد 

تأثرت جدًا بهذه الكلمات البسيطة.. ورحت أتمعن في خطها الدقيق وكأني أتعرف عليها. انضممت للزملاء 
نتسابق في قراءة الكلمات المكتوبة على الهداياء على الفانلات» وعلى أغلفة قطع الصابون. وقد ختمت بخاتم المدرسة 
التي أرسلتها. وظللنا نضحك ونعلق على الكلمات طوال الليل. 

فجأة عرفنا أن معسكر 4 سيرحل غدا. عصف بنا الشكء لماذا البدء من آخر معسكر. لم ننس عندما أصدروا 
منشورًا باسم إدارة المعسكرء أننا جميعًا سنسافر خلال أسبوعين» وأنهم أرسلوا لمصر لتحديد مواعيد استلام 
الأسرى. وتوالت الأسابيع» ويا كلام إسرائيل يا مختوم بالشمع يطلع عليه نهار الأسر يسيح. 

أصبح الصباح فإذا بمعسكر 4 خاو على عروشه. انطلقنا نهنئ بعضنا بعضا. نتعانق. نضحك في عصبية. نهلل 


وإن كان في أعماقنا هاجس يعربد: فا زلنا في أيدي الإسرائيليين» وترحيل هؤلاء الزملاء لا يعني ترحيلنا جميعا. ربا 
احتفظوا برهائن. ورب أرادوا تخفيض العدد. ورب نقلوهم إلى معسكر آخر. ورغم هذه المواجس كنا فرحين. كان 
سفر أي زميل لنا يعني أن الدور يقترب منا مهما طال الوقت. وحتى إذا انتقلنا إلى بلدة أخرىء ألن نغير اجو على 
الأقل. 

جاء الدور على معسكر /. هبت عاصفة أجلت ترحيله ثلاثة أيام كاملة» عشناها على أعصابنا المرهفة والمشحوذة 
كندل البسييفت: 

أغلقت العاصفة الطريق بين غزة والعريش. ومع أني لم أسمع النشرة الجوية في حياتي» وكنت أكتفي بنشرة 
الأخبار فقطء فإنني في هذه الأيام لم أكن أعير النشرة الإخبارية أي اهتام وأنتظر ومعي كافة الأسرى انتهاءها بصبر 
نافد ل ان ا بحن لح مر ل ا ل ا 
م الاك د انوا لوي رهن بوك بو ٠‏ الطالع كانت 
العاصفة في حوض البحر الأبيض كله. 

أذاع الإسرائيليون أنهم أعدوا الطريق للرحيل. وأن الطريق في الجانب المصري هو الذي تأخر إعداده. وقال 
- ديان وافق.. ناصر وافق.. وربنا (أشار إلى السماء) لا يوافق. 

ناصر وافق.. كثر خيره. تحجرت دموع في عيني. وتحسست قصاصة من جريدة في جيبي. ما زلت غير مصدق» 
بين| تقطع أحشائي سكاكين حادة. استجاب الرئيس أخيرًاء لوفود الأهالي» التي ذهبت إلى قصر الرئاسة» مطالبة 
بالإفراج عن أبنائهم الأسرى. وكان الرئيس طوال الشهور الماضية» يرفض طلب الإسرائيليين» مبادلة الأسرى 
المصريين» بخمسة إسرائيليين في سجن القناطر الخيرية» إضافة إلى تسعة طيارين هم كل أسراهمء لأن ذلك مخالف 
للقانون» فهم محكوم عليهم بالسجن في قضية جاسوسية» وليسوا أسرى حرب. أي قانون يا سيادة الرئيس..؟! ألا 
يستحق خمسائة ضابط» رتبهم تبدأ من رائد فم فوقء الإفراج عنهم مقابل هؤلاء الخمسة. ألا يستحق ستة لواءات» 
الإفراج عنهم مقابل هؤلاء الخمسة. وأعضاء البعثة التعليمية بغزة» أساتذة أجلاء» وبعضهم طاعن في السن, ولهم 
زوجات وأبناء» ألا يستحقون الإفراج عنهم مقابل هؤلاءالخمسة؛ ولو من أجل ذويهم. أيّا كان الوضع القانوني. 
أي قانون.. ونحن.. آه.. ماذا أقول.. كم نفرًا منا قتل.. وكم نفرًا منا جرح.. وكم نفرًا منا مرض.. وكم.. وكم.. 
سحت دمعة ساخنة.. نحن خمسة آلاف جندي أسير.. ألم يفكر أحد في إعتاقنا مقابل هؤلاء الخمسة. 

احتويت القصاصة في كفي بعصبية. ليتها ما جاءت. أتعب الأهل نفوسنا من حيث أرادوا طمآنتنا. 

أخيرًا رحل معسكر 8 وكان يوم عيد بالنسبة لنا. وتوالى ترحيل باقي المعسكرات. وعشية ترحيل المعسكر الذي 
أمامنا أحرقوا العنابر. أعلنت حالة الطوارئ في المعسكر كله . حضرت المطافئ وحاصرت النيران. ارتعشت آمالنا.. 
ترى هل يعطلنا هذا الحادث؟. 


193 - 


الظلام يلف العربة السياحية. الستائر مسدلة على النوافذ. الحراس فقط مسموح لهم بإيقاد النور. ليتأكدوا أننا لا 
نرى شيئًا في الخارج. ثمة أقلام تخرفش على الورق: لن ننسى شعب فلسطين. لن تضيع أرض فلسطين. أيها العرب 
المقيمون في أرض إسرائيل.. نحن معكم. تماسكوا حتى التحرير. ارتفعت الستائر في آخر العربة. ببطء وحذرء 
أزيح زجاج النوافذ إلى أعلى. حمل المهواء معه شعاراتناء يجوب بها فلسطين المحتلة. 

توهج النور فجأة فتراخينا في مقاعدناء كأننا نغالب النوم. اطمأن الحارس في مقعده خلف السائق. خفض مدفعه 
الرشاش. عادت أعيننا تبرق في الظلام» وأقلامنا تجري على الورق. ولقد ساهم الإسرائيليون أنفسهم في نجاح هذه 
العملية. كنا قد أحضرنا ورق الخطابات الذي بقي معنا. ولكن في التفتيش فقدنا معظمه. لم نخفه جيدًا. لأنه 
سيتعذر علينا إخراجه في العربة. وبين| نحن في حيرة وزعوا علينا منشورات باسم الجيش الإسرائيلٍ يتمنون لنا فيه 
رحلة طيبة. 

وكان منشورًا طيبًا حقًا. نظر كل منا إلى زميله في دهشة. فقد كان ظهر المنشور صالًا تمامًا للغرض. تناقلنا 
الأقلام الجافة. نخط بها على الورقء بالعربية والإنجليزية. تكرر رفع الستائر. عند تل أبيب» وهي مدينة بيضاء_ 
ساجية في أحضان الليل» صغيرة» تشبه أحد الأحياء السكنية الجديدة في ضاحية من ضواحي القاهرة. أبنيتها لا 
يزيد ارتفاع الواحد منها عن أربعة طوابق. في مدخل كل بلدة ثُلة من المصابيح الفا اسيلا ار ين 
المصابيح الزرقاء. وعند المدخل يبدأ نشاطنا. وفي الطريق المتفرع إلى القدس ألقينا ببعض أوراقنا. وفي بئر سبع» وفي 
غزة» التي وصلناها قرب الفجرء نائمة تئن. شوارعها مهدمة. وما زالت الأبنية على حالتها التعسة التي خلفتها 
حرب يونيو. رحلونا ليلاء ربهاء حتى لا نرى الخراب» وحتى لا تدوي هتافاتنا. وفي خان يونس ألقينا أوراقنا نحيي 
الفلسطينيين ونمجد مقاومتهم العنيدة. وكانت الأوراق قد نفدتء فقادنا حماسنا إلى رسائل الأهل والأصدقاء 
نكتب على كل بقعة خالية منها. 

كنت أنظر بدين ح-ين وآخبر إلى حقيبتي الكرتونى.ة» فيهما يختفي أع._ز ما أمتلكه في هذه الرحلة. عناوين 
الأصدقاء. وقصص ومقالات مجلة «اللقاء» خبأتها بعناية. شققت الغطاء» ووضعتها. أعدت لصقه بالنشا المصنوع 
من لباب الخبز. وعند بوابة معسكر عتليت» في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل» السماء ترسل رذاذا خفيفاء 
والبرد يلعق عظامناء لكن فرحة العودة تنسينا ما نحن فيه. قلبي يكاد يثب» ومخابراتهم تقلب في الحقيبة. كنت على 
استعداد لأن يجردوني من ملابسبى في هذا البرد القارسء ولا يأخذوا آثار زملاءٍ مررنا معًا بنفس الظروف» وقصص 
أصدقاءٍ قضوا. ْ 

اسقمر الرتل قالمسيرء أكثز هن عشرين غربة: في المقدمة عرية :الصليب الأحر الدؤق- بط يبنا عريات: اليب 
الإسرائيلية المسلحة بالمدافع الرشاشة. وعلى مقدمة كل منها مصباح أزرق» يلف دومّاء عاكسًا شعاعاته في جميع 
الاتجاهات. عربة القائد تحمل مصباحًا أحمر. كل نصف ساعة تقريبًاء تقترب منا تماما عربات الجيب تارة وتتأخر 
تارة أخرى. همس أحدنا: 


-آه لو يقابلونا رجال فتح. 

نتبقى كازثة..فلن الآعو» ونمو ةباينل غربية: 

- يعني خلاصضًا.. تلاقيهم عاملين حسابنا. وإذا كانوا سيقومون بعمليات على طريقناء يؤجلونها لأجل خاطرنا. 
امعقط: الأمتاد شين 

والله الواحد خائف.. 

أحست قلوبنا برجفة وبالبكور يسري. 

-يا جماعة فتنا رفح فلسطين» وداخلون على رفح سيناء. 

طافت زوجتي بمخيلتي. ترى.. كيف ستستقبلني. هل يفقدها اللقاء المفاجئ وعيها ويؤثر على جنينها. وكأن 
أفكارى لها صدىء قال زميل: 

الأحسن الواحد ما يروح البيت على طول ليحصل لهم صدمة. يبعث لهم مرسالا من مقهى قريب أو يبعث 
صبي كواء. 

اراح اكز أديكرر ا نيالوا ايه اويا عقب بعده زميلء إن البرق أحسن. الرن نالك اديلغب ار 
عند أحد أقربائه» ويكلفه إخبار عائلته. لطمأنتهم؛ وحتى تذهب ظنون من يعتقد أننا قتى» أو مشوهون: ودار 
بخاطرى أن أمي لن تصدق عينيها عندما تراني واقفًا أمامها. وكنت في الأيام الأخيرة كثير التساؤل: هل سأحضر 
لحظة ميلاد طفلي المنتظر. أم تشاء الظروف عكس ذلك. أروح أحسب شهور الحمل. تارة أحسبها وقد وضعت 
زوجتي. وتارة أحسبها وهي على وشك الوضع. ومرة آمل أن أحضر. ومرة تساورني الشكوك» ترى» لو وضعت 
وهى في هذه الحالة النفسية السيئة» فكيف يكون حاما. وكيف يكون حال وليدها.. آه.. لو.. أعرف. آه.. لو 
أطمئن» أخاف أن أصلء فأجد أنباءً محزنة في انتتظاري. 

لو حدث ذلك فلتذهب عودت إلى الجحيم. يكون الأسر عندي أهون. أتلفت حولي في العربة. أبحث عن أحد. 
ب ينقذني من أفكاري» وجدت علي علوان قد غط في نوم عميق. ما زالت صيحاته إلى الأمس القريب» تجلجل في 
أذ 

- نفسي في الشمام الإسماعيلي يا عالم. ألا يكفيء فاتنا موسم البطيخ. 

يرد بدر: 

يعقب الأستاذ شيش 

ل ل و 

كنت أرثي لحال الأستاذ شيش. فقد أخذوه من «الكوشة» ليلة عرسه. وعبثًا رجاهم أن يكمل ليلته» ويكون 
عندهم في الصباح. مدر تارخوم ا لاسي 


الزراير الذهبية. لقد أحضر طاقم الفرح من اليمن. حيث خدم مدة الاحتياط هناك. ولكن ضاع كل هذا في سيناء. 
فقد حضر إلى الجبهة بملبسه الأنيق. لم يتمكن من استبدال شيء. ولعله في نفس هذه اللحظة يتساءل: هل ما زالت 
العروس باقية على العهد؟ وهل صبر أهلها؟ 

بعد قليل سيعرف الجواب الشانيء أو.. 

كنا نأمل أن نرى مواطنينا المصريين في العريش. وكنا نعد أنفسنا لهذا اللقاء. فهم أول مصريين سنقابلهم. ولكنء 
شاءت خطة الإسرائيليين الماكرة أن تلف العربات حول العريشء التي وصلناها في الصباح. سلكنا الطريق 
الساحلي. فلم نر أحدًا. ولشد ما أحزننا ذلك. 

أخذت أتأمل ساحل العريش. بدا مقفرًا بيدا نخيله يتمايل في وحشة. جاست نظراتي خلال النخيل السامق 
يسابق العربة. تراءت لي أيامي الخوالي. قبيل المعركة مباشرة كنت أذهب مع رفاقي في السرية» ونستحم في البحر. 
كانت نذر الحرب قد أبعدت الناس عن الساحل» فأصبح خاليا مهجورًا. 

ما زال أثر المعركة يخيم على الصحراء. مدافع ال هاون مغروزة في الرمال مدمرة. أجنحة بعض طائراتهم التي 
أصبناها ملقاة على جانبي الطريق. الأشجارء روح الصحراءء أحرقتها قنابل النابالم. قضبان السكك الحديدية 
خارجة عن خطوطهاء ومنزوعة من أماكن كثيرة. عربات القطارات مقلوبة. دباباتهم المحطمة ما زالت عاطلة على 
الطريق. الصحراء مزروعة بالدمار والخراب. ولكن يا إلمي.. ها هو رجل يلوح لنا.. مصري. 

يبدو أننا نقترب من أحد نجوع الصحراء. وسرعان ما أقبلنا على أكواخ مبنية من سعف النخيل. خرجت إلينا 
النساء والأطفال. برز بضعة رجالء حيُونا بأن صفقوا لناء ولوحوا بأيديهم. وني الحال فتحنا النوافذ على آخرهاء 
رغم الأوامرء وألقينا بعض ملابسنا. ربت رجل على فمه بإصبعي يمناه الأوسط والسبابة» فرمينا له بتعض 
السجائر. زادوا من سرعة العربات ونحن نقذف من النوافذ بها نستطيع. وعرب سيناء المقددون, العراياء يجرون 
على الطريق لالتقاطها. 

كنا نفعل نفس الشيء عند اقترابنا من أي نجع أو قرية مصرية حتى وصلنا القنطرة شرقء في حوالي الحادية عشرة 
من صباح الثاني والعشرين من يناير .١947/4‏ أحاط بنا الأهالي» لدهشتنا لم نر شابا واحدا. وعندما سألنا سيدة عن 
ذلك قالت: أخذوهم كلهم. وسجنوهم. تجمع النساء والأطفال وشيوخ طاعنون في السن. التف الجميع حول 
العربات. قال لنا طفل شقي: 

سو ناا فين 

أمرهم الحراس بالانصراف. لم يطع أحد. حاول ملازم إسرائيل إرهاءهم. أطلق النار في ال هواء لإخافتهم. جرى 
الأطفال هنا وهناك. تجمعوا ثانية. عندما أخرج مسدسه. شتمته فتاة ترتدي بنطلون بيجامة مخططًا. جُن جنونه. 
أطلق النار ناحيتها. لم تتحرك. ضاعفوا الحراس حولناء وصنعوا منهم قيدًا حول العربات. رغم ذلك أعطيناهم كل 
ما نملك. حتى أصبحنا عرايا تقريبًا. لم نكن نبتم بثيء. فعم| قليل سنكون في الجانب المصري. 

طلب شيخ فانٍ شيئًا يتدثر به في الليل. وعلمنا منه أخهم يفتقرون أيضًا للطعام والسجائر والملابس. 


ومن الضفة الشرقية لقناة السويس رأينا علم بلادنا يرفرف في الضفة الغربية. اختلجت أبداننا وطفرت الدموع 
دون إرادتنا. لم نعد نحس بشيء حولناء سوى أننا نرى الوطن على بعد خطوات. ولم ننتبه لريس اللنش المصري 
وهو يحيينا. ونحن ما زلنا في أيدي الإسرائيليين: حمدًا لله على السلامة يا رجال. ولا همكم.. شدوا حيلكم. ثم 
ربت على أكتافنا. ودلنا على الطريق إلى اللنش. 

وف نقطة وهمية» في عرض قناة السويسء» تدفق الدم حادًا في عروقي.. وجرفتني انفعاللات فياضة.. عصاني 
الكلام.. زوري شرق بالفرحة.. ودموعي أطلت من مقلتي.