Skip to main content

Full text of "تاريخ شمال إفريقيا من الفتح الاسلامي إلى نهاية الدولة الأغلبية"

See other formats


50.1 اما 26010 //نمخط 


١ 0 9 9‏ | و 5 
ب : ع و« 

الست الإسلاي إل نهّاية الدوله الاغلبية 
لمكيو اعد مبالاد < ماد رلسيرتف 


نقتدم ومبجعة 
- 31 
حمادىاستاحي 
© 


دار الفرَبِ الإتلاي 


».0 اط ز010طل3//:مغااطا 


9 مم 2 :| ههس 

إح سال لجنيا 

/ الس - 
مالس الإسلاي إل نهناية الول الاغلبية 


5 ا 5 


جن وكين 
الكو رالمدبنميلاد مل ادرلسرى 
نقتم وماجعة 


حماد ىا لشّاجي 


كارالفِالإنتلاي 


ج#ي دحتو حفط 
الطبحت الاولى 


1987 7 


الطبمّة الشانيكة 


1410 -0 


دك 
ولرانيك نوي 


صرب . ببخ: 113-5787 
مجتعررث . بمنان 


00 6010ل :مط 


عندما توفي الشيخ عبد العزيز الثعالبي» رحمه الله اقتنيت 
ما تركه من وثائق ممخطوطة» وكنت أجهل ما تكتسيه من أهميّة, 
ولم أتوفق إلى الاطلاع عليها والتعرّف على فحواها إلا مؤخراً. 

ذلك أني كنت أشتغل بالطبٌ في حي شعبي من أحياء 
مدينة تونس» وكنت على ذمّة الحرفاء آناء اليل وأطراف النهار, 
حيث لم يكن يوجد بالمديئة إلا مستشفى إسلامي واحدء أضف 
إلى ذلك أن الطباعة كانت انذاك غير ميسورة» مثلما هو الشأن 
الآن. 

ولما زالت العراقيل» توفقت بالتعاون مع ابني الأستاذ 
محمد إدريس إلى جمع وترتيب الأوراق المتعلقة بكتاب «تاريخ 
شمال إفريقيا» الذي ألّفه المغفور له الشيخ عبد العزيز الثعالبي» 
وقمنا بتحقيق ما أمكننا تحقيقه من ذلك الكتاب. ثم سلّمناه 
للمكرّم السيد الحبيب اللّمسي» صاحب ب دار الغرب الإسلامي» 
ليتولّى طبعه ونشره. 

لبخ بي الذاكرة إلى سنة 1921 عندما اظلعت لأول مرة 


5 


على كتاب الشيخ عبد العزيز التعالبي » «تونس الشهيدة». وقد 
كان يُقرَأ آنذاك في را ويتبادل خفيلة: ؛وكدت كسيد 
بالمدرسة الثانويةء» فنشرت فصلا في جريدة «المستقبل 
الاجتماعى» لسان حال الحزب الشيوعي بتونس» انتقفدت فيه 
الشيخ الثعالبي . فعغرض ذلك الفصل للنقاش على أعضاء الشبيبة 
الشيوعيّة. واستقرٌ الرأي على تأييد المطالب الذي تقدّم بها 
الحزب الحر الدستوري التونسي» لما تكتسيه من فائدة بالنسبة 
إلى الشعب التونسي» لو كتب لها النجاح. 


وعندما هاجر الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى المشرق في 
سنة 1923., كاتبته من باريس» كما كاتبه عدد كبير من الأصدقاء 
التونسيّين والمغاربة» فأجابنا برسالة مفادها التوجيه العلمي 
والسياسي . قرأناها واستفدنا منها جميعاً. 


ولما رجع إلى الوطن في سنة 1937 دُعيت إلى علاج 
اثنين من أنصاره» أصيبا بجروح أثناء الاصطدام الذي وقع مع من 
كان يسميهم «بالخوارج». كما ذعيت فيما بعد إلى علاجهء هو 
نفسهى كلما اقتضى الحال. واتخرطت في حربه. 


لقد كان الرجل بديناًء وكانت تلوح على محياه هيبة تدعو 
إلى الاحترامء كما كانت ذاكرته تثير الإعجاب. وقد كان يجلس 
كل يوم في نادي الحزب الحر ري التونسي . من الساعة 
العاشرة صباحا إلى الغروب بدون الفا ويجيب على جميحع 
الرسائل التي ترد على الحزب يومياً. وكان كثير المطالعة يطالع 
الكتب على فراشه من بعد العشاء إلى ساعة مبكرة من الصباح . 


بسي تينيز 


6 


وكم امن مرّة مررت ليلا بالقرت :من منزله لؤيارة أخد المرضى 
فوجدت غرفته لا تزال مضيئة . 

أما يوم الجمعة. فقد كان يجلس في بيته بعد العصر لإلقاء 
دروس على طلبة جامع الزيتونة المعمور» حول مقاصد الشريعة 
الإسلامية أو التاريخ أو مشاهداته في البلدان الإسلامية الشرقية» 
وقد كان الحاضرون يجلسون على السجاد المفروش في قاعة 
الاستقبال الفسيحة الأرجاء. 

* 6 كد 

© المرحلة الأولى من حياة المؤلف: 

لقد ولد عبد العزيز الثعالبي سنة 1876. 

وبعدما حفظ القرآن الكريم التحق بجامع الزيتونة لمزاولة 
التعليم الثانوي والعالي الذي كان مقتصراً آنذاك على العلوم 
الدينية. ثم أذى زيارة خاطفة إلى الجزائرء وإثر رجوعه إلى تونس 
كتب رسالته الشهيرة «روح التحرر في القرآن»» وقد دعا فيها إلى 
تخليص العقيدة الإسلامية مما علق بها من خرافات وأوهام وما 
اختلطت بها من بدع لا تمت إلى القرآن بأية صلة؛ مثل التوشل 
إلى الله بواسطة الأولياء والصالحين وعبادة الزوايا والخضوع 
لأصحاب الكرامات. فأحدثت هذه الرسالة زوبعة» شارك في 
إثارتها رجال المجلس الشرعي والباي» وأودع الثعالبي السجن 
للمرة الأولى وتعرض للشتم والثلب من قبل مدير جريدة 
«الرشدية»» فقدّم ضدّه قضية عدلية. وقد جرت هذه الأحداث من 
سئة 1904 إلى سنة 1905. 


وممًا لا شك فيه أن الشيخ عبد العزيز الثعالبي قد تأنّر في 


7 


تفكيره هذا بآراء الشيخ محمل عبذهة الذي أذى زيارة أولى إلى 
تونس في سنة 1884 وكان الثعالبي انذاك صغير السن» ثم 
أصدر فى سنة 1896 جريدة «سبيل الرشاد» المماثلة في اتجاهها 
لمجلة «العروة الوثقى» التى أصدرها الشيخ جمال الدين الأفغاني 
في تلك الحقبة من الزمن. 

ومهما يكن من أمر فإن هذا العمل الجريء يدل دليلاً قاطعاً 
على ما كان يتميز به صاحبه من تفكير سليم وشجاعة فائقة» وقد 
حرصت على تحيته والتنويه بعمله الإصلاحي. في فصل نشرته 
بجريدة «لاشارت» (الميثاق)» عند عودته إلى الوطن فى سنة 1937. 

ع 

المرحلة الثانية من حياته: تتمثل في انتمائه إلى «حركة 
الشباب التونسى»» اعتباراً من سنة 1907, وهى حركة إصلاحية 
ثقافية واجتماعية وسياسية . 


فقد أزر الشيخ الثعالبي طلبة جامع الزيتونة المعمور في 
نضالهم من أجل تحسين حالتهم المادية وإصلاح التعليم الزيتوني 
(1910): وساهم مساهمة فعالة في تأسيس «جمعية الآداب» 
الرامية إلى نشر التمثيل باللسان العربي الفصيح». والجمعية 
العالمية للموسيقى التي كان يشرف عليها بنفسه (1907). 

كما أشرف على تحرير النشرة العربية من جريدة «التونسي) 
التي صدرت سنة 1909 لتعزيز جريدة «التونسي» الفرنسية اللسان 
التي أسّسها علي باش حانبة في سنة 1907. وقد كانت النشريتان 
ترميان إلى غاية واحدة» أي الردٌ على الاستعماريين الذين كانوا 


8 


يشئون الحملات الصحافية لغرس مركب النقص في أذهان 
التونسيية وتشتيت شملهم وإقصائهم عن ميدان التعليم. 

وكان الشيخ عبد العزيز الثعالبي من أعضاء اللجنة التونسية 
التي تأسّست لنجدة المجاهدين الطرابلسيّين في حربهم ضدّ 
إيطاليا سنة 1911: ومدّهم بالإعانة المالية والغذائية. كما انض 
إلى اللجنة التى تأسست سنة 1912 لمدٌ يد المساعدة إلى عملة 
«الترامواي» التونسيّين» مادياً وأدباً. وقد انجرٌ عن هذا النشاط 
إبعاد الشيخ إلى خارج البلاد التونسية» فارتحل إلى فرنسا ومنها 
إلى الآستانة» وأوفده «حزب الاتحاد والترقي» إلى الشرق الأقصى 
لضم الشعوب الإسلامية إلى حضيرة الدولة التركية. ولم يرجع 
إلى تونس إلا سنة 1914. إثر اندلاع الحرب العالمية الأولى . 

فيا نا فب 

المرحلة الثالثة: تبتدىء بظهور الحزب الحرٌ الدستوري 
التونسي في سنة 1919. وقد كان باعثهء بدون نزاعء الشيخ 
عبد العزيز التعالبي » فهو الذي وضع قانونه الأساسي » وهو الذي 
كان يجلس يوميا بنادي الحزب» 20 نهج انجلترا بتونس» من 
الصباح إلى غروب الشمس.» يقتبل الوفود ويزودها عليماته 
ونصائحه. ويفتح الرسائل ويملي الجواب عليها. ونتيجة لهذا 
النشاط الفيّاض. فقد انتشر. 5-0 الدستورية في 8 المدن 
والقرى والأرياف وسرعان ما تجاوز عددها المائة شعبة . كما قام 
الشيخ. ابتداء من سنة 1919. بدعاية واسعة النطاق فى فرنسا 
لفائدة القضية التونسيّة» وألف كتابه الشهير «تونس الشهيدة» 
فالقت عليه السلطة الفرنسية القبض وأرجعته إلى تونس مكبّلا في 


9 


الأغلال وزججّت به في السجن السكري (1920)» بتهمة التأمر 
على أمن الدولة. ثم رع عنه في السنة الموالية» بعدما ثبتت 
براءته وخرج من تلك المحنة مرفوع الرأس موفور الكرامة .. 
ولقد انفصلت عن الحزب اللمتود» فى أيامه الأولى كتلة 
من المفكرينء ولكنّ ذلك لم يؤثر قط في حيويّنه. إلا أن 
الخلاف تفاقم بين أعضاء ل التنفيذية نفسهاء يوم ضعف 
الحزب وقلّت موارد من جرّاء سياسة التعسّف والترهيب التي 
سلكها الحاكم الفرنسي (المقيم العام) لوسيان سان (2عتعنادآ 
58). فقد كان يغض الطرف عن زعماء الحزب©) ويبطش 
بالدعاة والأنصار). وكان صاحب الجريدة يدر «تونس 
الفرنسية»: المعادية للشعب التونسي» يسمّي الدعاة «أعوان 
الدستور» ويوصي حكومة الحماية بالتدكيل بهم. وممًا زاد في 
الطين بلة مؤازرة الجالس على العرش «محمد الحبيب باي». 
للمقيم العام الفرنسي . ش 


(1) كان الشيخ الثعالبي يجلس أحياناً بمقهى «السطنبولي: بحي الحلفاوين. فقال له 
صاحب المقهى ذات يوم : يا سيّدي إن الشرطة قد أعلمتني بأن وجودك هنا غير 
مرغوب فيه» فالرجاء أن لا تتسبّب في غلق المقهى الذي هو مورد رزقي» وأنا 
رب عائلة وأبناء. 

وحدثني المرحوم البشير المتهني أن الشيخ الثعالبي كان يجلس في مقهى 
«السطنبولي» عندما كان مشرفاً على تحرير جريدة «التونسي»» وهناك كان يملي 
فصولها على الصادق الزمرلي. 

(2) قرأت بجريدة «لسان الشعب» أن الطاهر الحداد حل يوماً بقرية ين الجبل 
فاقتبله شرطي عند نزوله من السيارة وقاده إلى مكتب شيخ القرية (العمدة), 
وجاءه محافظ الشرطة وأرجعه من حيث أتى من غير أن يتصل بأحد. 


10 


فقد أرسل المقيم العام لوسيان سان إلى الباي. للتوقيع 
عليهاء. ثلاثة معاريض: (أوامر غليّة) تشلب من الشعن كل 
ما كان قد أحرزه من حرية القول والصحافة والاجتماع وفتح 
١‏ النوادي وجمع المال» كما تنتزع من المحاكم التونسية القضايا 
السياسية وتحيلها إلى المحاكم الفرنسية التي كانت تدين 
التونسيين بلا شفقة ولا رحمة. وممًا يذكره التاريخ أن محمد 
الحبيب أحذ تلك الأوامر وأخحفاها. وقل التمس منه المقيم العام 
مرّات عديدة التوقيع عليها فسوفه . وبعد ذلك بأيام طلب الباي 
من الصائغ لاديزلاس (12015185) إمذداده بمجموعة من 
يجبه) فاشتكى أمره إلى المقيم العام . وفي الحين أدرك لوسيان 
سان ما يمكن أن يجنيه من هذه العملية» فدفع باليد اليمنى ثمن 
المجوهرات وأخذ باليد اليسرى المعاريض الثلاثة المشار إليها 
٠‏ أعلاه مختومة بطابع الباي. وقد أصبحت أوامر عليّة قابلة للتنفيذ» 

وفي تلك الظروف الحرجة والمؤلمة من الناحية السياسية 
والحزبية. غادر الشيخ أرض الوطن للمرة الثانية للقيام بجولة 
دعائية في المشرق ضد الاستعمار الفرنسي الغاشم © . 

* # »د 


كن لت 0 دكان اللسيج باق يطلت في كبر 


11 


المرحلة الرابعة: ارتحل الشيخ خلال هذه المرحلة إلى 
المشرق» حيث مكث أريع عشرة سنة بدون انقطاع فتحول أ 
إلى إيطاليا ومنها إلى اسطنبولء يوم إقالة السلطان العثماني 
وإلغاء الخلافة وتسلّم الكماليّين مقاليد الحكم. ولم تطل إقامته 
بتركياء إذ سرعان ما تحول إلى مصر التي أقام بها سنة واحدة» ثم 
انتقل إلى فلسطين ومنها إلى الحجاز واليمن والحج» حيث 
أصيب بداء المالاريا (#6صتكذط نللة5), ومن الحجاز تحول إلى 
العراق (1925). فأوفده الملك الحسين لحضور المؤتمر 
الإسلامي بالقدس (1931) الذي سيتئاول بالبحث قضيّة الخلافة . 
وقد مكث بالعراق ثلاث سنوات» وهناك ألف. حسبما يظهرء 
كتابه «تاريخ الدولة الأموية). وانتدبته الحكرية العراقية للتدريس 
بجامعة آل البيت» حيث ألقى نا حول التشريع الإسلامي 
والفلسفة والتاريخ» ومن العراق انتقل إلى الهند حيث مكث ثلاث 
سئنوات وألف كتاب «تاريخ خ الهندو. ثم تحول إلى الصين 
وسنغافورة وعاد إلى مصر ومنها إلى تونس سنة 1937. 

*0#* 

المرحلة الخامسة والأخيرة من حياته : 

لقد رجع الشيخ عبد العزيز الثعالبي إلى الوطن لوضع حدٌ 
للانقسام الذي حصل في سنة 1934 داخل الحزب الحر 


الدستوري التونسي الذي أنشأة سنة 1920 وحرر قانونه الأساسي 


- ليفكره بالموعد الذي قطعه على نفسه فأجاب الرسول بقوله: قل له إذا رضيت 
أن أتدسل لدى المقيم 0 ليمنحك «قيادة» أو ما يشابهها من الخطط الدولية. 
فلك ذلك؛ وإلا فالزم بيتك وكفى!». 


12 


بخط يده ولإصلاح ذات البين بين شقيه الجديد والقديم 
ورئاسته من جديد. ولكنه لم ينجح في مسعاه. 

ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية وابتعد عن الشيخ البعض 
من أصدقائه وتوف نشاط الحزب واستولى اليأس على الثعالبي . 
فقد قال لي ذات يوم: «إن كان هنالك رجال آخرون فأت بهم 
إلى لأعمل معهم!». 

لقد فقد من تبقّى من رجال الحزب الدستوري القديم 
النشاط والاندفاع والجسارة. وأشرف الشيخ على السبعين من 
عمره وقلّ نفوذه الأدبي» فتأئّر بكلّ ذلك تأثراً عظيماًء إذ كان 
بؤمن برسالته الراميّة إلى:توحيد كلمة الوطتبين التونستين» :فلم 
ينجح . والواقع أن الوطنيّة هي ملك للجميع. وقد أدّى الشيخ 
عبد العزيز الثعالبي واجبه على الوجه الأكملء فله مثا بالغ الشكر 
وجزيل الثناء . 

لقد علَّم فأفاد» وخطب فأجادء وراسله الأمراء والزعماء 
واستضافته الشعوب والعظماءء فقام برسالته في سبيل العروبة 
والإسلام. أحسن قيام . 

قيل للطبيب القيروانيى «إسحاق بن سليمان» إنه سيموت 

عن غير عقب» فقال له د أصدقائه : «من كلد ذكرك يا ابن 
سليمان؟ فاجاب: كتابان». كتاب الحميات وكتاب الأغذية 
بخلداة ذكري)». ش 

مات الشيخ عبد العزيز الثعالبي (أكتوبر 2)1944 وكتبه 
الكثيرة والمتنوعة ستخلد ذكراه: كتاب «تاريخ شمال إفريقيا». 


13 


وكتاب «الدولة الأمويةى وكتاب «تاريخ الهنديمء و«الرحلة 
اليمنيّة»» و«السيرة النبويّة)» وغيرها من الكتب وهي كثيرة. 
. . . لقد كسّر الأصنام ورفع عالياً راية العروبة والإسلام. 
وكفى ! . 
تونس في 20 مارس 1987 
الدكتور أحمد بن ميلاد 


14 


بشملله الما اريم 


كلمة الناشر 


لقد اعتزمنا منذ إنشاء «دار الغرب الإسلامي» نشر آثار المغفور 

له الشيخ عبد العزيز الثعالبي» سواء منها ما بقي إلى الآن في عداد 

المخطوطات أو ما سبق نشره مثل عهد بعيد» ولكنه أصبح كالنادر 
ثرة الإقبال عليه . 


فأصدرنا لحدّ اليوم مؤلفات الشيخ الثعالبي التالية : 


1- تونس الشهيدة (الترجمة العربية - 1984) و (الطبعة الفرنسية 
الثانية ‏ 1985) . 

2- مسألة المنبوذين فى الهند. 1984. 
3 معجز محمّد كل (الطبعة الثائية ‏ 1984). 
4- روح التحرّر في القرآن (بالعربيّة والفرنسية). 1985. 
5 محاضرات في تاريخ المذاهب والأديان؛ 1985. 
6 - مقالات في التاريخ القديم. 1986. 

وما زالت للمؤلف عدّة آثار أخرى مخطوطة أو متنائرة على 
صفحات الجرائد والمجلات. ونحن نعتزم بعون الله وتوفيقه جمعها 
ونشرهاء حتى يطلع قرّاء اللغة العربية على جانب من آثار السلف 
الصالح, ذات الأهميّة البالغة والفوائد الجمة. 


15 


ومن بين مؤلفات الشيخ الثعالبي المخطوطة التي يحتفظ بها 
الوطني الغيور والباحث المقتدر الدكتور أحمد بن ميلادء أمدٌ الله في 
أنفاسه. كتاب «تاريخ شمال إفريقيا». وقد وافانا في المدّة الأخيرة 
بنسخة منهى بعدما سهر على جمع فصوله والإحالة على أهم مراجعه. 
ورخص لنا في نشره وتوزيعه» حتى تتم فائدته ويعم نفعه كافة 
المهتمين بتاريخ المغرب العربي الكبير. 
| كما وعد بإمدادئا في فترة لاحقة ببقيّة المخطوطات الأخرى 

للقيام بنشرهاء تخليدا لذكرى مؤلفهاء ووفاءً لروحه الطاهرة. فله منا 

جزيل الشكر والثناءء وقابل الله سعيه بالإحسان والجزاء الأوفى. 

والله نسأل أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والصلاح . 


دار الغرب الإسلامي 


16 


هو جو 6 


بسهديم 


1 


يسعدنا أن نقدّم إلى قرَاء اللغة العربية هذا الكتاب الجديد 
من كتب المرحوم الشيخ عبد العزيز الثعالبي التي لم يسبق نشرها. 
وهوعرض موجز لتاريخ المغرب الإسلامي من بداية الفتح إلى سقوط 
الدولة الأغلبية, أي من سنة 27 ه/647م إلى سنة 
6 ه909 م. ولقد اختار له صاحبه هذا العنوان: «تاريخ شمال 
إفريقيا»» وأضفنا إليه عنواناً فرعياً لم يكن موجوداً في الاصل 
وهو: «من الفتح ال .لامي إلى نهاية الدولة الأغلبية». 

ولكن لم يذكر المؤلف تاريخ تأليف ذلك الكتاب» فالغالب 
على الظنّ أنه قد ألّفه ما بين سنة 1937 (تاريخ رجوعه إلى تونس) 
وسنة 1944 (تاريخ وفاته). ذلك أن الشيخ عبد العزيز الثعالبي قد 
بدأ سنة 1939 في نشر الفصول الأولى من كتابه تحت عنوان: 
«خلاصة من التاريخ القديم)0 وهي الفصول المتعلقة بتاريخ 


)0( نشرت تباعاً في جريدة الإرادة (لسان الحزب الجر الدستوري التونسي) بين 
العددين الصادرين بتاريخ 1939-3-9 و1939-6-27. ولمعت أخيراً في كتاب واحد 
تحت عنوان «مقاللات في التاريخ القديم» وم وتحقيق جلول الجريبي ونشر 
دار الغرب الإسلامي 1986). 


17 


0 6 ز010طلو//نماط 


الشمال الإفريقي قبل الفتح الإسلامي » وترك الكتاب غير كامل 
بعد وفاته . 

كما أنْ المؤلف لم يذكر بصريح العبارة الغرض من تأليف 
ذلك الكتاب . ولكنه أشار إلى ذلك ا عند سرده لبعض 
الأحداث والوقائع التاريخية. فعندما تحدّث مثلا عن أعمال 
التخريب التي جرت في إفريقية بإذن من الكاهنةع لمنع العرب 
من الاستيلاء عليها. علّق على ذلك بقوله: 

«وذلك ما 0 الكاهئة لا العرب» كما أرجف به دجاجلة 
عمره ا بعل 56 كشفاً للحقائز ئق وإنصافاً للأجداد من 


التاريخ المصنوع». 
ويتّضح من ذلك جلي أنْ الشيخ عبد العزيز الثعالبي كان 
يرمي إلى إعادة كتابة تاريخ الشمال الإفريقي لتخليصه من 
الأخطاء الفادحة التي ارتكبها بعض المؤلفين الأجانب» بقصد أو 
بخير قصل لتشويه صوره ة الحضارة العربية الإسلامية . 
شمال إفريقيا» فيما يلي : 
1 لقد بدأ المؤلف كتابه مباشرة بالفتوحات الإسلامية في شمال 
يقياء على غرار من سبقوه من المؤرخين التونسيين» أمثال 
1 00 دينار وأحمد بن أني الضياف والباجي المسعودي 


18 


وغيرهم. ولكنه لم يهمل - كما رأينا- تاريخ الشمال الإفريقي 
قبل ' الفتح الإسلامي. فقد خصّص لهذا الموضوع علّة 
فصول نشرها على حدة في جريدة «الإرادة» التونسية سنة 
9. بل إنه كان معترًاً على وجه الخصوص بالقرطاجنيين 
وما أبدوه من مقاومة باسلة ضدّ الرومان. فعندما تحدّث فى 
كانه عرن امعكم العرت "لتاقي عا سي ل اط 
أوضح أن حسّان بن النعمان قد افتكها من الروم وأعادها 
دإلى أحضان أمّها العربية»» باعتبار أنْ الفيئيقيين- حسب 
رأيه ‏ هم «من أصل عربي». 

ثم يضيف قائلا : 

«دخل المسلمون في يوم مشهود مديئة عليسة ‏ ديدون» 
فارتفعت عنها أحزانها التي لابستها منذ خرج منها 
الفينيقيون... فكان دخولهم إليها عيد في عيد: عيد 
الميلاد©» وعيد الخلاص بسيوف أحفاد الذين أجلوا عنهاء 
بعد 843 سنة شمسية. بحيث لولا اليقظة الإسلامية للم 
شعث العرب». لظلت قرطاجنة قرحا في الصدورء يذكرهم 
بأعظم مأساة وقعت لهم في التاريخ». 

ولعلّ اهتمام الشيخ عبد العزيز الثعالبي بالتاريخ القديم 
يرجع إلى تأثره بأستاذه في الجمعية الخلدونية» الزعيم 
الخالد الذكر البشير صفر الذي كان أول من اهتم» من 
المؤرخين التونسيين المعاصرين» بدراسة التاريخ القديم؛ 


(2) لقد تم فتح مدينة قرطاجنة في ربيع الأؤل سئة 78 ه/697 م . 


19 


باعتباره جزءاً لا يتجرّا من التاريخ القومي ©. 
إِنْ كتاب «تاريخ شمال إفريقيا» هوء كغالب كتب التاريخ 
الإسلامية القديمة» مركز على الأحداث السياسية والوقائع 
الحربية. بحيث لم يُعر المؤلف أيّة أهميّة للحياة الاقتصادية 
والاجتماعية والثقافية. وقد اعتمد في نقل الأخبار والروايات 
على مصدرين أساسيّين هما: 
- ابن الأثيرء الكامل في التاريخ. ٍ 
- وابن عذاري» البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب. 
وكثيراً ما نقل عنهما عدّة فقرات بدون زيادة ولا نقصان. 
ولكن المؤلّف ‏ والحقٌّ يقال لم يكتف دائماً بنقل الأخبار 
وسرد الوقائع والأحداث. بل كان أحياناً يعلّق عليها 
ويستخلص منها العبرة والموعظة ويردفها بملاحظات تدل 
على إلمام بالمواضيع التاريخية ودراية بالمذاهب والأديان 
ومعرفة بالأماكن والبلدان. من ذلك مثلاً انتقاده اللاذع 
للعباسيين واتهامهم بالعمل «على تفكيك الوحدة الإسلامية». 
فقد علّق على قيام الدولة العباسية بقوله: 
دوهذا ما يدعو المؤرخ العربي إلى اتهام الانقلاب 
العباسي بأنه كان مؤامرة كيديّة ضدّ العرب. لانتزاع سيادة 
الحكم من أيديهم وتسليمها إلى الأعاجم. وهو ما كان 
يحاذره المروانيُون ووقع فيه العبّاسيّون اعتباطاء فهدّوا كيان 
قومهم بدلٌ أن-يشدّوه ويشيدوا بذكره». 


(3) انظر كتابه «مفتاح التاريخ» تونس 1928. 


20 


ولكن ذلك لم يمنعه ‏ بوصفه تونسيًاً لا محالة من 
استحسان انفصال إفريقية عن الدولة العباسية» فى عهد 
إبراهيم بن الأغلب الذي قال عنه. إنه وأحدث من انقافييا 
مملكة إسلامية عظيمة سارت على غرار الأمويّين في السياسة 
والفتوح وترقية البلاد علماً واقتصاداً» . 


ثم يضيف قائلا : 


«ولولا قيام الباطنيّة وفرقها الهدّامة التي نكب بها الإسلام 
في غفلة من حماته. . .» لاكتسحت فتوحاتها الظافرة كامل 
القارة الأروبية). 
وهنا لا بد من الإشارة إلى الموقف المتحيّز الذي اتخذه 
المؤلف ‏ بدون أي تحفظ ‏ ضدّ الشيعة. فقد حمل على 
جميع الفرق الشيعيّة ‏ أو الباطنيّة حسب تعبيره ‏ حملة شعواء 
متهماً إيّاها بالكفر والإلحاد وبثّ بذور الشقاق في صفوف 
المسلمين والعمل على تقويض الوحدة الإسلامية. وقد 
خصص قسماأً كاملا من الكتاب العا الرابع) للدعوة 
الشيعية في المشرق والمغرب. ولكي يبرر اهتمامه بتاريخ 
الحركات الشيعية في المشرق» بينما كتابه يتعلّق أولاً 
وبالذات بتاريخ شمال إفريقياء صرّح المؤلف بما يلي : 

«مررنا مرّأ خفيفاً بالأدوار السيّئة التي تعاقبت على الإسلام 
في مجرى حياته والتي قامت بها الفرق الباطنيّة الهدّامة في 
أقطار الإسلام ‏ في نخراسان وفارس والأهواز والبحرين 
والعراق والشام ومصر- لكي ندع منها ولو صورة مجملة في 

21 


ذهن القارىءى. يدرك بها جسامة الخطر الذي سينزل بإفريقية 
من دخول هؤلاء الدعاة إليها». 

وهكذا نرى الشيخ يفسّر جميع الانتفاضات والتقلّبات 
والثورات التى شهدها العالم الإسلامي شرقاً وغربأء يسبب 
وحيدء آلا وهو انتشار الفرق «الباطنية» الانفصالية. ولعلٌ 
تحامله على تلك الفرق نابع إمن عقيدة راسخة عنده وهي أن 
امعد المع على حل تعبيره - هو وحده الكفيل 
بتوحيد الامّة الإسلامية وضمان عزتها ومناعتها. فإن وقع 
تصدّع في هذه الوحدة فإن المسؤول الأول عن ذلك هو 
ظهور «الفرق النابية عن روح الإسلام». 

ومما لا شكٌ فيه أن المؤلف قد نظر إلى تلك الفرق نظرة 
والنضال من أجل الجامعة الإسلامية والوحدة العربية. 


ولقد طغى عليه تفكيره السياسي حتى أبعده عن 
الموضوعية التاريخية. وفي اعتقادنا أنه لو اطلع على بعض 
المصادر التي لم تكن موجودة في عصره ‏ مثل «المجالس 
والمسايرات» للقاضي النعمان (تونس  )1978‏ لما اتخذ مثل 
ذلك الموقف المتطرّف المرتكزءأساساً على المعلومات التى 
استقاها من بعض المصادر المناهضة للفاطميين . ١‏ 
ونلاحظ من جهة أخرى أن الشيخ عبد العزيز التعالبي قد 
استعمل في بعض فقرات من كتابه كثيراً من العبارات التى لا 
تتماشى مع العصر الذي أرّخ لهء مثل «الحكومة التوميّةة: 

2 


و«الديمقراطية الإسلامية». و«الدستور»ء. و«المؤتمر 

المي »ء و«إضراب العمّال». و«الاعتصاب». إلى غير 

ذلك. وهذا دليل على أنه لم يستطع الانفصال عن حاضره 

والتخلص. من موئّرات العصر الذي يعيش فيه. والحال أن 

من واجب المؤرخ أن ينسى العقلية التي يتحلّى بهاء حيئما 
يدرس الماضي . 

4 
تلك هي باختصار أهمٌْ الملاحظات التي أوحتث لنا بها 
مراجعة هذا الكتاب. أما عملنا فقد تمثل بالخصوص فيما يلي : 


1 تصحيح التحريف وتصويب التصحيف. 

2- إضافة بعض الهوامش «التعاليق لمزيد الشرح والتوضيح 
والإحالة على المصادر.لتمكين القارىء من الرجوع إليها عند 
الاقتضاء . 

3- المقابلة بين التاريخ الهجري والتاربخ الميلادي المقابل 
الذي وضبعناه بين يحاصرتين [د. ]. 

4- تقسيم الكتاب إلى أبواب» تيسيرا للمطالعة والمراجعة. وقد 
أعطيناها عناوين مناسبة لم تكن موجودة في النص الأصلي . 
ولكثنا -حافظنا على العناوين الفرعيّة كما صاغها المؤلف. 
: والجدير بالملاحظة أن الكتاب ينتهي بسقوط الدولة 

الأغلبية. ولكن يبدو أن الشيخ الثعالبي كان ينوي إتمامه. فقد 

ترك من بين وثائقه التي يحتفظ بها الدكتور أحمد بن ميلاد. 

بعض الجذاذات المتعلقة بتاريخ الدولة العبيدية. فرأينا من المفيد 


23 


إلحاقها بالكتاب تحت عنوان «صفحات من تاريخ الدولة 
العبيدية) . 

ولا يسعنا في الختام إلا أن نتقدّم بأخلص عبارات الشكر 
والامتنان إلى الدكتور أحمد بن ميلاد الذي أتاح الفرصة لظهور 
هذا الكتاب. 

كما لا يفوتنا التنويه بما وجدناه لدى صديقنا الدكتور محمد 
اليعلاوي من عناية بالغة ومساعدة ثمينة لإنجاز هذا العمل . 

وأخيراً نقدّم جزيل شكرنا إلى أخينا الحاج الحبيب 
لإبراز تراثنا الإإسلامي المجيد. 

والله يوفقنا إلى السّداد ويهدينا إلى سبيل الرشاد. 


تونس في 18 ربيع الثاني 1407 
0 ديسمبر 1986 


حمادي الساحلي 


24 


الممدت والمصلاة واللام على من لا ب مده 


الامة التونسية 


الذكت الاس يلزعم الفيخ 


0 التونسي 
لإقة هه 8 
تهج ابي الشوك "مدير عدد .؟ الدائرة للميئة 


تونى للمقابلات الحاسة والمخابرات 


ام -] ودع كلك مدال مداه يل فلل عشب وصراء الوب و سداس دل سد | رلك سرج وس 
با لسار عبت ديزي نيهم در ندل ىبد مادعطا 2 مو سرد ابد زليه بنستها موه اساسن. وف قا يلم 
عا رينت يجي ش فوطق العتت بتي صله اح ع مضه د وفتسرريلية سلة ياب ونيد هذه اونما كه- 
زعي الكو :ليطي جرز و معيهملهرا لوول ولمكوليةعني عدي اول قنزلرا ذ يد ر انرس والعاد رز عار ا أ 
رتصد ساوج ساق ميو منُضد موا إلويا ونضكه.. يلد ير رياتس وعطصروا سد سد برا الررمة لاسرم . 
سال ورشيمورا اولع لها وسارءامنه اذو ميو .رحد ول هده اليييم يي صد هبرع رد ورؤامع* 
تومهوا شد لل | مدو كل ماما ل احا مجر مبالعضك- يقلت ينوع هم رز ْم +الرربنسن رفع ورت 
ملعب #نج- من (ننعرافيه لعبد للك بيع بورق ##ووشاوية عاد طا درا رإيجباز الريك 


اتسين الذبن العوا.6 . 
وإقوا اجالتصين لخن الوا 00 . المزب ال حر الدستوري 





دع ايع عفية هنال ل زمويع ا موائع الي املو ردعيشوا. ورلا د الفشد وق حتوضيد اب و رلفروان وه يفشا ال وو دلق لي 
اعادو الغا رلايد اديلاد دوبيدتيك ؛ وغربيم لدة سا يول العررفظ بلطلاثة ضور ود وسئريرء وال لوال لض. 
يلت مب للبلا د الجرمرة لديد جييد علوطبئي الرئتابع ةلجم ١‏ . 

يدي سامون" شروم سبك (لشببداء (حدلوا مدي ليوان عل يد وشوامن اط ررك علوييد دلوي بالثدكا ن 
رسلميكاهب لثك زعوكد ورلا ه الايك نوقبة المال وزركتك حك سات الكورات ال كات فاغنا عليم تسرد ا هه 
لوول يله لياه را رسل يلع كسد ك لاود رديش لفدا وا علب جدء كلد برؤئد وهاعا مايل اميم 
لع تاراما لول بندس: بيبش هديد 'وجاء ملك الودباره يبن يله ل الل مايه بلاسشولوا لواولراء علق 
إستقطواء كا نوها م ى/كسايل .بد بجاد للك تارل سلريك اق / وسيل وك عليما من ثبل عفبة ينجن بوادابي هرئئله . 
إإعارع يريد اف (لرؤغبة ا رسارجيلا الب دده حديية مله البددت يتفد م يجا شا رز يتل رن ةن نوا الصاين 
ده عيبايي! رتدعنها عا عْ] سد الل ثري مد نكرت سودع' هنك بن ديز دم ا مهيل عل بد دالبررماسم كيت مارحبا 
يايد وداحبئي: ادديها ركيت هعور دعت اصلن سواءه وشلا .. [' ' 

زا ل دعي بلقا عاب يق + باء » لسري لالر به روا ع امول هدعبي د ليث قبعب بون روفوضافا دق 
ابيا عه يي لقع التو رت بعر عوجر واكشدت يوصولم هزد إلعب اوري بط شم ا وود لم لبداريف يم 
ا دتتو وبوشلرور وم ابره عدو /ثرجبر' ورد واللعب للدي جه رز سه (يتمسعبد الث جيك رهز ”روم ول 


ىو العرمرء يعسي الو للد ندم ركاه "دف كنب اليل 4ن يمه اشم ب عدر سباكم وراك ردن طكمايت ٠‏ 


بخطّ المؤلف 


».0 اط 10 0ط ل9//:مغااطا 


البَابَالأُوَلَ 
الست السو لِسمّال!عريينا 


(27 - 86 ه / 647 - 705م ) 


27 


1 الفتوحات الإسلامية الأولى 
فتوح إفريقية: 
لما أتمّ عمرو بن العاص فتح مصر على عهد أمير المؤمنين 
عمر بن الخطاب. ودان له أهلوها من القبط والروم» بالطاعة 
والجزيةء التفت إلى برقة يدعوها إلى الله ومنع أذى من بها من 
الروم عن مصن. فسيّر إليها جنداً بقيادة أمير جيوشه عقبة بن نافع 
الفهري, فواقعهم بها ودخلها عنوة©. ثم قصد زويلة فاستولى 
عليها وبثٌ منها سراياه في بقيّة البلاد. وهكذا فتحت بلاد إفريقية 
بعل مر . 
خروج عمرو بن العاص لفتح إفريقية: 
خرج عمرو بن العاص سنة 23 [643] من مصر© في جيش 
(1) ليس هناك أيّ مصدر يذكر أن فتح برقة تم عئوة. بل تشير كل المصادر إلى 
فتحها صلحأء انظرء. ابن عبد الحكم ص 029 وابن الأثير ج 3 ص 219 
والبلاذري» فتوحء» ص 224. 
(2) ابن الحكم ص 30, والبلاذري ص 225: وابن غذاري ج 1 ص 2» وابن الأثير» 
الكامل؛ ج 3 ص 19. 


29 


كثيف وعدّة حسنة لمناجزة إفريقية ومناهضة من بها من الروم» 
فاجتاز برقة ثم قصد طرابلس فاتحاً حتى بلغ عاصمتهاء فعسكر 
بالقبّة التي على الشرق من شرقيّهاء ونصب عليها الحصار شهراً 
كاملا وهو لا يقدر عليها لمناعتها ويقظة الروم الذين يتولّون الدفاع 
عنهاء فجعل يصابرهم ويرقب غرتهم حتى أخرج ذات يوم طليعة 
عليها رجل من مذحج© متنكرين في صورة صيّادين» فمضوا إلى 
غرب المدينة؛ وهناك اشتد عليهم البحر ولم يكن عليها سور من 
هذه الناحية» فساروا على الضِفَة» ومن يراهم يخالهم من أهل 
المدينة. وكانت سفن الروم شارعة في مراسيها قبالة البيوت» 
فعلم المذنحجي أن الماتى لا يكون إلا منها ساعة الجزر. 
فانتظروا انحسار الماء ثم دخلوا المدينة حتى توضلوا إلى 
الكنيسة. أين يقف جنود المسلمين خلف الأسوارء فكبروا تكبيرة 
واحدة دوت لها الآفاق وأفزعت الروم ولم يجدوا ما يقيهم من 
فزعهم غير سفنهم فأسرعوا إليها©. 

أما عمرو بن العاص فإنه حين سمع التكبير دفع جنوده على 
الأبواب ففتحوهاء ولم يفلت منهم أحد إلا من فرٌ ولاذ بمراكب 
العدوٌ. فكان فتحاً مبيناً ينذر الروم بساعة انقراض تسلّطهم على 
إفريقية والمغرب . ش 

وذكر المؤرخون أن عمراً ندب أثناء حصار طرابلس بُسْر بن 
أبي أرطأة من الجند لغزو ودّانء فاستولى عليها صلحاً.. ثم إن 


(3) الأصح «من بني مدلج»., انظر ابن عبد الحكم ص 31. 
(4) انظر بالإضافة إلى المرجع السابق» ابن الأثير ج 3 ص 19. 


30 


أهلها نقضوه بعد أن انصرف عنهم. وسار عمرو من طرابلس إلى 
جبال نفوسة وكانوا متنصّرين» فاستولى عليها بعد معارك عنيفة. 
ثم أخذ يتأهب إلى دخول إفريقية. فجاءه كتاب من عمر بن 
الخطاب يأمره بأن يكف عنها ويرجع بالجنود إلى مصرء وذلك 
لأن معظم الجيوش الإسلامية كانت منهمكة في بلاد المشرق 
بتقويض دولتي الروم والفرس. وهو يخشى توريط جنوده في 
إفريقية دون أن يتمكن من إنجادهم©, فلبى عمرو الأمر وترك 
حامية في طرابلس تكفي لردٌ الغارة عليهاء وعاد من فوره إلى 
مصر. 

ولما توفقت الجنود الإسلامية في الشام والعراق وقضت 
فيهما على جنود الفرس والرومء وذهب الصدع الذي نزل 
بالمسلمين بمقتل سيّد الشهداء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب 
(قتله أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة انتقاماً منه للفرس)» وذلك 
بولاية رديفه ذي النورين عثمان بن عفان الخلافة» تجدّد العزم 
على فتح إفريقية. فكتب عثمان إلى عمرو بن العاص باتخاذ 
الأهبة وإعداد العدّة لذلك. وقلّد أخاه من الرضاع عبد الله بن 
سعد بن أبي سرح © ولاية الجنود. وبعد سنتين من خلافته سرح 
هذا القائد إلى إفريقية. 


(5) انظر حول سبب امتناع عمر بن الخطاب عن غزو إفريقية» ابن عبد الحكم 
ص 33 والبلاذري ص 236 وابن عذاري ج1 ص 22 ورياض النفوس ج 1 
ص 9. 

(6) وقي كتاب النجوم الزاهرة: إن اسمه الحسام بن الحارث بن بيب وكذا 
بأنساب الطبقات لاين سعد (المؤلف). 


31 


خروج عبد الله بن أبي سرح لفتح إفريقية: 

خرج عبد الله بن سعد من الفسطاط إلى إفريقية في عشرين 
ألفاً© أواخر سنة 29 [649]© ودخلها أوائل سنة 30 [0]650» ومعه 
أكابر الصحابة وفقهائهم. منهم: عبد الله بن نافع بن عبد القيسء 
وعبد الله بن نافع بن الحصين» ومعبد بن العباس بن 
عبد المطلب. ومروان بن الحكم. -وأخوه الحارث بن الحكمء 
وعبيد الله بن عمرء وعبد الرحمن بن أبي بكر الصديق» وعبد الله 
أبن عمرو بن العاصء وعبد الله بن الزبير» والمسور بن مخرمة بن 
نوفل» وعبد الرحمان بن زيد بن الخطاب, وعبد الله بن عمر بن 
الخطاب. وأخوه عاصم بن عمرء وعبد الله بن عباس» وعبد الله 
ابن جعفرء وأبو ذؤيب خويلد بن خخالد الهذلي الشاعرء وعبد الله 
إن تمحر وبسر بن أبي أرطأة العامري. ومن إليهم من 
الجلة©. وكان خروجهم في هذا الجيش لمن أقطع الأدلة على 
اهتمام الصدر الأول من الإسلام بهذا الجانب من المتسع 
العربي» واعتبارهم إياه كجزء حيويٌ من بلادهم كما يعتبرون 
مصر وسوريا والعراق. 

وأمر عثمان لعبد الله بن سعد حين أخرجه إلى إفريقية أن 
يكون له خمس الخمس نفلاً من الغنيمة09©. ولا شبهة أن ذلك 





(7) ابن عبد الحكم ص 37. وابن عذاري ج1 ص 4. 

(5) ويذكر المالكي في «رياض النفوس» سنة. 27 [647], 

(9) تختلف الروايات في ذكر أسماء المشاركين في الغزوة, إل أن المؤلف قد 
اعتمد على رواية البلاذري» فتوحء ص 226. 

(10) ابن الأثير ج 3 ص 67. 


32 


فيهمء ولا وجه في ذلك لرميه بالإيثار والمحاباةء» مادامت 
المكافأة على عمل لفائدة المسلمين. 

سارت هذه الحملة العظيمة في طريقها ولم تجد نصباً ولا 
كيداً إلى أن هبطت أرض إفريقية من ناحية قابس». فحاصرتها 
أياماً ثم تخلفت عنها وتوغّلت في البلاد إلى أن اصطدمت بعساكر 
الروم ووقعت لها معها وقائع كان الفوز فيها للمسلمين. ثم 
انتقلت إلى سبيطلة10© وكانت يومثذ قصبة نوميدية» عليها الأمير 
غريغوار (جرجير)22 المنشقٌ على قرطاجنة» فجرت بينه وبين 
عبد الله مخابرات طويلة انتهت بالحرب ومقتل غريغوار في حكاية 
مشهورة. ثم استولى المسلمون على سبيطلة. وكان جند الروم 
على ما أثبته المؤرخون 23120.000© مقاتل. ثم تقدمت خيل 
المسلمين إلى قفصة وكان أكثريّة أهاليها من البربر والروم 
يعتصمون بالحصون» فداخلهم الرعب بعد وقائع طفيفة وبعثوا 
إلى عبد اله يطلبون منه الصلح. » فصالحهم مع بقيّة البلاد على 
جزية معيّنة 2.520.000 دينار4© ١‏ زنها 300 تعر امن لعن 
مع الغنائم على الجنود» 0 لنفسه مأ ثََ إياه أمير المؤمنين 
(11) وتعرف عند الروم باسم «سوفيطلة: (قلدنعكقن8) . 
(12) جرجير هو اسم أطلقه المؤرخون المسلمون على البطريق الرومي غريغوار. 
(13) ابن عذاري ج1 ص 5» وابن الأثير ج 3 ص 68. 


(14) هذا المبلغ مثقول عن النجوم الزاهرة ج 1 ص 80. إلا أن المصادر الأخرى 
تذكر ألفي ألف دينار وخمسمائة ألف 0 البلاذري ص 2227 وابن الأثير 


1 اج3 ص 69 وابن عذاري ج 1 ص 6280 والمالكي ج 1 ص 12. 


33 


(خمس الخمس) وأرسل أربعة الأخماس الباقية مع ابن وثيمة 
النصري إلى المدينة. لكن هذا الصفيّ الذي كان يأخذه رسول 
الله يِه فى غزواته أحدث لغطأ بين الجنودء وتقولا في ابن سعد. 
ولم تطب به تفوسهمء فسيّروا وفداً بإنكار ما فعله عبد الله إلى 
عثمان. وحين عرضوا عليه الأمر قال لهم: ويلكم أنا نفلته وأمرت 
له بذلك. فإن رضيتم فقد جازء وإن سخطتم فهو رد. فأجابوه 
وكان في جوابهم أثر من الأنانية. قالوا: إنا نسخطه. فسكت 
عثمان قليلاً ثم قال. تفادياً من الانشقاق: إذن فهو ردٌ. وكتب إلى 
عبد الله بن سعد بردٌ ما أخذ. وأمره باستصلاحهم. ولما رأوا 
تساهل عثمان أبوا إلا عزل عبد الله وقالوا: نحن نأبى أن يتأمر 
علينا هذا الرجل! وليس كبيراً أن يحدث ذلك في جند يتألف من 
علية القوم يتنازعهم الاعتداد بالنفس والشفوف. 


ولما بلغ خبرهم عثمان كتب إلى عبد الله بن سعد بالعزل» 
وأمره أن يستخلف على إفريقية رجلاً ممن يرضاه. ويرضاه 
الجند. وأمر بقسمة الخمس الذي نفْله إياه. فامتثل عبد الله 
لذلك. وخرج من إفريقية بعد أن أقام بها سنة وشهرين. واستتبٌ 
له الأمر وأغزى الأندلس عبد الله بن نافع بن عبد القيس وعبد الله 
اين الحصين الفهريين في مراكب. بإشارة من عثمان. وروى لنا 
الإمام الطبري من خبرهما أنهما ناوشاها من برّها وبحرها ثم عادا 
فائزين. وقبل رجوع عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى المدينة. 
عين أول القائدين خلفاً له على إفريقية سنة 33 [653] ثم لحق - 
مصر. وقد استشهد من أكابر رجال هذه الحملة معبد بن العباس 
والشاعر أبونؤيب. ٠‏ 


انتكاث أهل إفريقية وخروج المسلمين منها: 

وحين علم الأفارقة بما حدث لعبد الله لم يحفظوا عهدهمء 
بل نقضوه وأبوا أن يعطوا الخراج الذي صالحوا عليه. فدعا 
عبد الله بن نافع رؤساءهم وجمعهم وقال: إنكم صالحتمونا على 
أن تأخذ منكم في كل حول 300 قنطار من الذهب جزية مثلما 
أعطيتم عبد الله بن سعدء فقالوا: ليس عندنا مال نعطيكهء فأما ما 
كان بين أيدينا في الأول فقد افتدينا به أنفسناء وإنما لك أن تأخذ 
منا ما كان من عطائنا كل سنة لملكنا. فلما رأى عبد الله إصرارهم 
على الامتناع والإخلال بشروط الصلح. أمر بحبسهم إلى أن 
يؤدُوا إليه ما عليهم. فبعث المسجونون إلى قومهم يحرّضونهم. 
فأقبلوا صاخبين ساخطين. فكسروا أبواب السجن وأطلقوا 
المسجونين. ولا شك أن التصلّب الذي بلغ حده الأقصى من 
الجانبين كان نذير سوء لهم جميعاء فقد نشبت الثورة وكان عدد 
المسلمين غير كاف لإخمادهاء ففضل عبد الله بن نافع النجاة 
بمن معه على الهلاك. وترك البلاد يعسف فيها الثوار من 
الأفارقة. وكان المسلمون يومئذ في شغل شاغل عنها بإطفاء الفتنة 
المشتعلة في المشرق التي أودت بحياة أمير المؤمنين الشهيد 
الثانى عثمان بن عفانء وما أعقبته من مشاكل بشأن إقرار الخلافة 
ا المنازعات التي تلتها. 
استئناف الحملة الثانية لفتح إفريقية: 

لم تنطف تلك الفتنة التي استعرت في المشرق من أجل 
الخلافة» إلا لما انعقدت البيعة لمعاوية بن أبي سفيانء شقيق أم 
حبيبة إحدى أمّهات المؤمنين» بعد اغتيال أمير المؤمنين الشهيد 


35 


الثالث على بن أبي طالب سنئة 40 [660] (اغتاله عبد الرحمن بن 
ملجم الحرؤري عقب مؤامرة سياسية عقدت لذلك)» وتسليم 
الحسن السبط فيها. عند ذلك توتجهت الأنظار لتجديد البعث إلى 
إفريقية بعد أن تعطّل طوال عهد الانشقاق الذي استمر ثماني 
سنينء ولم يتفرغ له معاوية إلا حين توطّدت له الخلافة. فقلّد 
ولاية مصر لمعاوية بن حديج السكوني في سنة 46 [2150]666. 
وكان من أشن أنصار بني أمية وأقواهم عزمء وأوصاه بالحزم 
بإتمام أمر إفريقية. ولمًا قدم مصر سرّح (والي برقة) عقبة بن 
نافع9© لتمهيد إفريقية واختبار أحوالهاء فخرج إليها في تلك 
السئة على طريق سرت ومعه من القواد المعدودين بسر بن أبي 
أرطأة وسّحيم المرادي27, واستخلف على برقة زهير بن قيس 
البلوي 9 وسار في تعبئة صغيرة مؤلفة من 400 فارس و 400 بعير 
عليها 800 قربة ماء إلى غدامس حتى قدم ودّانء وكانث نقضت 
الصلح؛ ففتحها وأخذ من إهلها جزاء كان صالحهم عليه بسر في 
خروجه المتقدم مع عمرو بن العاص. ثم قصد جرمة قصبة 
زَانْء قطع إليها المسافة من ودّان في ثمان ليال فلما دنا منها 
بعث إلى أهلها ينذرهم ويدعوهم أن يرجعوا إلى الإسلام وكانوا 
قد ارتدّوا عنه. فأجابوه إلى ذلك وجنحوا إلى السلم. فحاسئهمء 
وتجتب مضايقتهم في بلدهم؛ فانزل عسكره على بعد ستة أميال 


(15) يذكر المالكي أن معاوية بن حديج الكندي تقلّد ولاية مصر سئة 40 ه وخرج 
من مصر لغزو إفريقية سئة 45 ه (رياض النفوس ج 1 صن 17). 

(16) ابن عبد الحكمء فتوحء ص 50. 

(17) لعله يقصد: «شريك بن سمي» كما ورد في المرجع السابق . 

(18) المرجع. المذكورء ص 51. 


36 


ثم تحول عنهم إلى قصور فرَّان فحطٌ عليها إلى أن أسلمت 
وخلف فيهم من يعلّمهم أحكام دينهم» ثم مضى إلى جاوان”0, 
وهو قصر عظيم على رأس المفازة فوق جبل عر مضى إليه في 
لخمس عشرة ليلة» فضرب عليه الحصار شهراً كامالٌ دون أن 
يصيب منه منالاً. فعدل عنه مؤقتاء ومضى إلى قصور كوراف 
فاستولى عليها قصراً قصراء وفرض على أهلها جزاء لما أبوا 
الإسلام» ثم عاد إلى قصر جاوان فخرّبه. ولم يعرض له ليوهم 
أهلّه بأنه لا يريدهم. ومضى إلى سبيله مسير ثلاثة أيام في 
سبسب قفر لا ماء فيه حتى أدركهم العطش وكاد يهلكهم. فنزل 
بعسكره وصلى بهم صلاة الاستسقاءء فاستجيب لهم في تلك 
الساعة. فقد أبصر عقبة فرسه يضرب بحافرة الأرض حتى كشف 
لهم عن صفا به نزيزء فصاح عقبة في الجند أن احتفروا في هذا 
المكان: فاحتفروا في موضع النزيز فظهر منه نبع غزيرء فشربوا 
منه علالٌ ونهلا وملأوا قربهم ووقاهم الله بذلك 5 شر العطش» 
فشدّوا رحالهم وعادوا إلى جاوان من غير طريقهم» فلم يشعر بهم 
أهلها حتى أكبوا عليهم بالليل وهم غارٌون في منازلهم. فالتزموا 
الطاعة» وقبلوا الإسلام؛ فعفا عنهم عقبة وترك لهم من يفقههم في 
دينهم ثم كرّ راجعاً إلى زويلة» بعد أن دوخ الصحراء ورفع في 
ربوعها لواء الإسلام دون إسالة الدماء. 
قدوم معاوية بن حُدَيِجٍ مع الحملة الرابعة إلى فتح إفريقية: 
لما قفل عقبة بن نافع الفهري من حملته التمهيدية في 
الصحراء الواقعة بين طرابلس وإفريقية كتب رسالة بمشاهده فيها 


)019 وردت في نفس المرجع (ص 52 تحت اسم وخاوارة. 





37 


إلى معاوية بن حديج وهو بدوره بعثها إلى أمير المؤمنين معاوية 
ابن أبي سفيان. يرى رأيه فيها. فلما وقف عليها كتب إلى عامل 
مصر يأمره بالخروج إلى إفريقية» فخرج إليها في عشرة آلاف 
مقاتل 020 ومعه من الأكابر عبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله 
أبن الزبير وعبد الملك بن مروان ويحيى بن الحكم بن 
العاص 21 , فسلك بهم الطريق التي خططها له عقبة إلى أن 
خرج إلى تكران وهي بلاد واقعة قرب سبيبة» فنزل بموضع يسمى 
القرن 02 من جبل وسلات. وهو بمثابة معقل طبيعي للجنود. 
فعسكر بهء وابتنى منازل من الطين للجنود. وبعد أن استجم 
الراحة. بلغه أن قيصر الروم» لما علم بتوجهه إلى إفريقية بعث 
أسطولاً عظيماً عليه 30.000 مقاتل مدداً لسبستيان عامله على 
قرطاجنة» فكان يتعقب المسلمين إلى أن بلغ ساحل سوسة. 
فنهد معاوية بن حديج للقائهم عبد الله بن الزبير في الفرسان. 
فخرجوا يتسابقون إليهم حتى أشرفوا على القلعة وهي على شرف 
عال يتنظر منه إلى البحر وهي منه على نحو اثني عشر ميلا 
فعرض لهم السكان بالتسليم والطاعة. 


(20) يذكر ابن عذاري (ج 1 ص 13) هذا الرقم نقلاً عن إبراهيم بن القاسمء ولكنه 
ينسب الغزوة إلى عقبة. انظر أيضاء ابن الأثير ج 3 ص 386. ورياض النفوس 
ج1 ص 18. 

(21) يضيف المالكي إلى هؤلاء: «الأكدر بن حمام اللخمي وكريب بن أبرهة بن 
الصباح وخالد بن ثابت الفهمي وأشراف من جند مصره رياض النفوس ج 1 
ص 18. 
مصر» (ص 48) أن معاوية بن حديج مر بالقيروان قبل أن يعسكر في «القرن». 


38 


ولما بلغ نقبور [ع711660501] بطريق الروم قدوم المسلمين 
اللقائه تهيبهم وأمر جنوده بالترئص على الساحلء فتقدم إليهم 
عبد الله بن الزبير إلى أن قارب أبواب المدينة فأدركتهم عليها 
صلاة العصر فترجلوا عن خيولهمء وصلّى بهم عبد الله وكانت 
تبدو عليهم علائم الاستخفاف بالعدو, اوكان الروم ينظرون إليهم 
بإعجاب شديد ويحسبون صلاتهم ضربا من تمارين القتال» وهم 
يتهامسون بالحديث عن نظامهم وبسالتهم. وكانوا على مرمى 
أسهم منهم. فتشبّجعوا رغم اضطرابهم وزحفوا إليهم والمسلمون 
مقبلون على صلاتهم لا يقطعونها ولا ينظرون إليهم كأنهم يطلبون 
غيرهم » حتى إذا فرغوا من أدائها علوا خيولهم وطاروا كالعقبان 
القرمة تلاحق الطرائد. ولما التقت الوجوه بالوجوهء وقف الروم 
مشدوهين فشدٌّ عليهم المسلمين شدَّة واحدة أفرغت الرعب في 
نفوسهم فولوا مدبرين على أعقابهم» لا يلوون على شيء ولم 
00 من سيوف المؤمنين غير أبواب المدينة فدخلوها وغلقوها 
على أنفسهم ولولاها لقطعتهم السيوف وابتلعتهم أمواج البضن من 
الفزع الذي أصابهم . فحاصرهم المسلمون على المدينة أياماًء 
وأسلمها أهاليها للمسلمين» فدخلوها ظافرين فائزين وكان دخولها 
فتحاً عظيماً. 


فتح جلولاء: 
لم يكن فتيح جلولاء9© أقلّ من فتح سوسة ولا دونها وقعا 


(23) جلولاء 7 لمديئة كانت تبعد عن القيروات بأربعة وعشرين ميلا تقريبأء وهي 
الآن خراب ويعرف مكانها بعين جلولا 2 مح عبد الوهاب) : 


39 


في نفوس الروم وهي من أهم المراكز التي لهم في الوسط بعد 
خروج سبيطلة. فقد سيّر إليها معاوية بن حديج جند المدينة وهم 
ألف فارس © بقيادة عتبد الملك بن مرواك.» وهي على مسافة 
أربعة وعشرين ميلا من موضع القيروان» فحاضرها آياما وضيق 
عليهاء وجرت للمسلمين وقائع كانت من أمثلة البطولة التي 
تحدثت عنها كتب السير. قالت: إن عبد الملك كان يقاتلهم 
بالهجوم على أبواب المديئة صدر النهارء فإذا مال الفيء انصرف. 
عنهم لكي يستدرجهم إلى الخروجء» لكنهم لا يخرجون. 

فقاتلهم يوماً على عادته» ولما انصرف ذكر لأصحابه أنه 
نسي فاسه معلّقاً بشجرة في المدينة, فعاد إليها بمفرده فإذا به 
يرى جانباً متصدّعاً من السورء وشيك الوقوعء فصاح في أثر 
الجيش ‏ فتراجعوا إليهء فرأوا غبرة شديدة في ذلك الموضعء 
فظنوا العدوٌ قد ضرب في ساقتهم. فكروا على المدينة ودخلوا 
من تلك الثلمة©. وقدم أهلها طاعتهم للبطل العظيم بعد 
الامتناع الشديد وسلّموا له المدينة. 

لما تم الفتح كتب عبد الملك إلى معاوية بن حديج 
يستأذنه في قسمة المغانم» فكتب إليه أن يقسم بين الناس 
بالسويةء للراجل مائنا: حزهم :وللفبارسن 400 ذرعم.' ويقول 
0 إن عبد الملك لم يرض بذلكء ولكنه باشر 
(28) ابن عيد الحكمء فتوح مصرء ص 48. 


لمع ابن عذاري. ج1 ص 11. 
(26) نفس المرجع. ص 12. 


التنبؤٌ بخلافة عبد الملك: 

دخل حش الصنعاني 7 على عبد الملك بعد واقعة 
جلولاء فوجده مكتباً. فقال له: ما خطبك أيها الأمير؟ فقال 
عبد الملك: إن الأمير يتجهمني ولا يقبل علي وأراني أبعد قريش 
مجلساً منه. . . ! فقال له حنش: لا تغتمّ فوالله لتلينٌ الخلاقةء 
وليصيرن هذا الأمر إليك . 

فلمًا أفضت الخلاقة إلى عبد الملك» وأخرج الحجاج 
لقتال ابن الزبير» أخذ حنش الصنعاني أسيراء فبعث به إلى 
عبد الملك ليرى رأيه فيهء وحين مثل بين يديه سأله: ألست أنت 
الذي بشّرني بالخلافة يوم جلولاء؟ فقال حنش: بلى يا أمير 
المؤمنين» قال: فلم ملت عني إلى ابن الزبير؟ قال حنش: رأيته 
يريد اللهء ورأيتك تريد الملك. فملت إليه©. فضحك 
عبد الملك. وعفا عنهء وأسنى منزلته وما زال انرا عنده رغم 
انحرافه عنه. 


والجنوب تحرّك معاوية بن حديج إلى أطراف البلاد داعيا وفاتحا 
إلى أن وصل 011 فشذ عبد الملك عن الجند» فمر بامرأة 


(27) هو حنش بن عبد الله الصنعاني من أفاضل التابعين» ولد بصنعاء وشهد غزو 
إفريقيّة وفتح الأندلس مع موسى بن نصير» ثم رجع لسكنى القيروان وبها توفي 
(سئة 1000) وقبره مشهور حذو ضريح أبي زمعة البلوي (ح.ح. عبد 
الوهاب) . 

(28) «رأيته يرفع اللهء وأنت ترفع الدئياء فلذلك ملت إليه». ابن عذاري» ج1 
ص 12. 

(29) رياض النفوس. ج1 ص 19. 


41 


رومية فتقبّلته وأكرمته حتى لحق بالجند. ولم يْرَ في طريقه كيداً 
وكانت الطريق محفوفة بالأعداءء فحفظ لتلك المرأة هذه اليد ولم 
ينسها لها. ل د واتته الخلافة كتب إلى حسّان بن النعمات 
عامله على إفريقية بمكافآتها والبرٌ بها والإحسان إلى أهلهاء 
فأسنى جائزتهم نادي للمرأة معروفاً كثيراً. 
فتح جزيرة جربة: 

لما استولى معاوية بن حديج على مدينة بنزرت وهي من 
أهم التغور الإفريقية» أراد أن يتقبض على جزيرة جربة لصيانة 
سواحل البلاد من مراكب الروم ودفع غاراتهم عليهاء فكتب إلى 
رويفع بن ثابت الأنصاري9© عامله على طرابلس: أن يخرج 
بالأسطول لغزو جزيرة جربة وإجلاء من بها من الروم. فهاجمها 
سنة 47 [667] وافتكّها عنوة من أيديهم» وسهل على المسلمين 
أن يراقبوا حركات أعدائهم في البحر مراقبة صارمة. 
قفول معاوية بن حديج عن إفريقية بدعوة من أمير المؤمنين : 

بينما كانت الفتوحات المتعاقبة. في إفريقية تكلل رأس 
معاوية بن حديجء إذ بكتاب من أمير المؤمنين معاوية بن أبي. 
سفيان يوافيه بالدعوة | إلى الشام فغادر البلاد من فوره وتركها 
معرضة لأخطار جسيمة لا يمكن تلافيهاء أقلّها جنوح البربر لشقٌّ 
عصا الطاعة كما حدث ذلك فعلاً إثر خروجه, وهو لم لها 
غامضاً لم يكشف عنه التاريخ. وكل ما جاء في ذلك أن أمير 


)0( البكري , المغرب في ذكر إفريقيا والمغربء من كتاب المسالك ا 
مكتبة المثنى . بغدادى ص 19. 


42 


المؤمنين دعاه واحتفى بمقدمه وأسنى منزلته ثم صرفه عن إفريقية 
وأقره على ولايته في مصر. وقد تفرد ابن الأثير ععن بقيّة المؤرخين 
بوصف تلك الحفاوة بعبارة موجزة بليغة» فقال: أمر معاوية أن 
تزيّن له الطرقات بقباب من الريحان (أقواس النصر)ء تنويهاً 
بشأنه وإكباراً لمقامه. أما سبب تنحيته عن الولاية وتركها معرّضة 
للفوضى فلم يتعرض لذكره أحد. 


2- فتوحات عقبة بن نافع وأبي المهاجر 

انتداب عقبة بن نافع الفهري للفتح الخامس في إفريقية: 
ٍ لما صرف أمير المؤمنين ابن حديج عن هذه الولاية عين 
كانه عقبة بن نافع الفهري (عامل برقة وزويلة) وأمدّه بعشرة 
الاف فارس فخرج إليها سنة 50 [62]670©. ولما وصل علم أن 
كثيرين ممن أسلم من الأفارقة ارتدّوا وعاثوا في البلاد بالفساد. 
فساءه ذلك. وشمّر على ساعد الجدّ لإرجاعهم إلى الحقّ 
وحملهم على الاهتداء برسالة الإسلام القائمة على تحرير 
المخلوق من العبادة لغير الخالق» وجعل الناس سواسية في 
الحقوق والواجبات. قأعاد فتح ودّان وقفصة وقسطيلية ونفطة 
وتقيوس والحمة. واستنزل قبائل كثيرة من البربر على الطاعة؛ 
منها لواتة ولماثة ونفوسة ومرّاتة وزواغة وزوارةء» ولم يُفلت أحداً 
من أهل القرى والإخصاص دون أن يدعوه إلى الإسلامء فأسلم 
(31) البلائري» فتوح البلدان» ص 228. وابن عذاري ج 1 ص 13. ويذكر ابن 


عبد الحكم سنة 46 ه (قتوح مصر صن 50) وكذلك ابن الأثيرء ج 3 ص 387. 


43 


على مله عاق كي بحيث جعل في كلّ كورة ودوار عدداً 
لا يستهان به من المسلمين» وأشفق من أن يدعهم لأنفسهم 
خاضعين لسلطة الفتح» وفي في الوقت نفسه معرضين لمختلف 
الدعايات. كما كانوا من 5 فأمدّهم بالمعلّمين والمرشدين 
ليفقهوهم في الدين. لكنه أدرك أنْ ذلك لا يكفي وحده لهدايتهم 
ما لم يقترن بوجود مؤسسات اجتماعية للمسلمين يفزعون إليها 
عند الحاجة: يقتبسون منها معنويّات الإسلام وتقاليده. فجعل 
يفكر في تحقيق قيق هذه الرغبة العظيمة . 
إنشاء مديئة القيروان والغرض منها: 

بعد أن استقرٌ عزم عقبة على إيجاد ما ذكرناء دعا للمشورة 
في ذلك ذوي الرأي والمكانة من القواد ووجوه المسلمين خط 

فيهم بالمشروع خطبة قيّمة وصف فيها نفسية الأقارة وَسَيَقا بليقاً 
قال فيها : إن أهل هذه البلاد ضعفاء الأخلاق تنقصهم العزيمة. 
إذا عضهم السيف أطاعواء وإذا رفع عنهم عصواء 0 إلى ما 
كانوا عليه من عاداتهم وأديانهم. ولست أرى أن ينزل المسلمون 
بين أظهرهم ثم يرتحلوا عنهم رأياً سديداً مسلمً2©, بل لا بدّ من 
إقرارهم لتمكين الإسلام في البلاد. وقد رأيت في ذلك أن أبني 
هنا مديئة للمسلمين تكون عماداً لهم في أمورهم. وملاذاً 
يصيرون إليه . 

فاستصوب الحاضرون هذا الرأي ثم صاروا يفتشون على 
مكان صالح لإقامة المدينة. فخرجوا يرودون الجهات حتى وجدوا 


(32) ابن عذاري ج1 ص 13 وابن الأثير ج 3 ص 387. 


44 


موضع القيروان. وكان أجمة عظيمة في طرف البرّء وغيضة 
شعراء لا تشقها الحيّات من تشابك أغصانها وكثرة نباتاتها. فوقع 
المكان من نفس عقبة موقعا عظيما وقال في اختياره على غيره: 
إنه واقع في الصحراء البعيدة عن البحرء فلا تطرقه مراكب 
الروم: ولا تملكه علينا©. ثم أمر برسم الخطط بعد قلع 
الأشجار وتنظيفها. فبنيت دار الإمارة والمسجد الجامع. وطفق 
الناس يعمرون حولهاء وما أتت عليها سنة 55 [674] حتى 
استقامت وعمرت ودعيت باسم القيروان2©9 وبني حولها سور 
حصين دوره 13600 ذراع50©. ثم جعلها يوم تمت عاصمة للبلاد 
ومركزا للجنود. وساس بها البلاد الإفريقية سياسة حازمة تدور بين 
الشْدّة واللين. فعخضع له السكان عن رغبة ورهبة. ثم.ناصب الروم 
فافتك منهم بلادا كثيرة كانت وجارا لهم في نوميديا (الزاب). 
وبذلك انسعت خطة المسلمين وأقبلوا على التعمير والتكسّب 
وصارت البلاد كلّها موطناً لهم فألفهم الأفارقة وجعلوا يقلّدونهم 
في أدابهم وأخلاقهم وشعائرهم. مما جعلهم ينصرفون عن 
الروم . 
هفوة عزل عقبة عن ولاية إفريقية وتولية أبي المهاجر دينار: 

لا شبهة أن الإسلام لم يستقر في إفريقية منذ طرقها أول 


(33) ابن عذاري ج1 ص 14. وابن الأثير ج 3 ص 19 وابن عبد الحكم ص 254 
والبلاذري ص 328: ورياض النفوس ج 1 ص 20. 
(34) القيروانء لفظ فارسي دخيل في العربية ومعناه محط الجيش ومناخ القافلة 
وموضع اجتماع الناس في الحرب .تح عبد الوهاب) . 
(35) ابن عذاري. ج 1 ص 16. 


45 


فاتح عربي إلآ يوم تقلّد ولايتها عقبة بن نافع الفهري. ولا يوجد 
دليل على استقامة الدول العظيمة القائمة على نزعة الشعوب من 
إفساح المجال للعبقريّين من رجالها ذوي المواهب النادرة أمثال 
عقبة لتنفيذ ما وسعته أدمغتهم الكبيرة من الخطط العظيمة للفتح 
والإصلاح. وغير مفهوم بالمرّة تنحية رجل في بصيرته عن الولاية 
بالصورة التي وقعت وهي أشدٌ على النفوس مما جرى على سلفه 
ابن حديجء بعد أن ظهر من مقدرته وذكائه وحسن تصرفه في 
إدارة الأعمال الخارقة ما يستحقٌ به الإعجاب لا العزل. ذلك مع 
العلم بأن الدولة الأموية كانت منفردة بتقدير مواهب رجالهاء 
حريصة على الانتفاع بخصائصهم (بعد دولة الخلفاء الراشدين). 
ولكن مهما تساءلنا عن تلك الأحجية التاريخية فلسنا نجد عنها 
جواباً مرضياً. لذلك يحسن بنا في هذا الموقف الصعب أن نرسل 
الكلام على عواهنه ونكتفي بما حكاه المؤرخون عن ذلك. مع 
إضافة ملاحظة صغيرة لا تخرج بنا عن الصدد. قالوا: 

لما تقلّد مسلم بن مخلد الأنصاري ولاية مصرء أمر بعزل 
عقبة بن نافع الفهري عن إفريقيّة» وقلدها لمولاه أبي المهاجر 
وقالوا عن ذلك بأنه لما قدم القيروان أبى أن ينزلهاء وشرع في 
إقامة مدينة أخرى. سماها تكران (المعسكر الذي أقامه معاوية بن 
حديج لجنوده) وأمر بحبس عقبة والتضييق عليه9©؟! . 

ذلك كان مال عقبة وجزاءه على ما أبداه من نشاط خارق 
في القيام بمهمته العظيمة التي شهدت له بها إفريقيّة» واهتزّت له 


(36) ابن الأثيرء ج 3 ص 388 عن رواية للواقدي. ورياض النفوس ج 1 ص 21. 


46 


أعطاف التاريخ. الواقع أنه كان تصرّفاً غير لائق» وقد يحتار 
الكاتب اللبق في من يلقي عليه تبعته. أيلقيها على مسلم بن 
مخلد وهو الآمرء أم على أبي المهاجر وهو المنقُذ؟ والأقرب 
للواقع إلقاؤها على الثاني لأن الشاهد قد يرى ما لا يراه الغائب. 
وهذا قد يشكل أيضاًء لما وضح من سيرة أبي المهاجر وهي دالة 
على طيب سريرته» ونقاوة عنصرهء وإنه في الواقع رجل مبارك» 
يحور النقيية» صادق العزيمة» رشيد الأمر. مضى في خطته 
قُدُما على غرار عقبة في الفتوح وتركيز أقدام المسلمين في إفريقية 
وبلاد المغرب. لذلك لا ينبغي لنا التسرع في اتهامه ورميه 
بالضغينة في حقٌّ سلفه. وغاية ما يمكن أن يقال عنه: إنه أقدم 
على التنكر لزميله وهو متأئّر ببعض السعايات من غير تبصّر ولا 
سوء نيّة. والعبرة في أعمال الرجال إنما تكون بمقدار ما يحدثونه 
من الآثر في الأعمال الكبيرة لا بالأغلاط الصغيرة التي قد تسقط 
منهم عفوأًء ومهما بولغ في تقديرها فإنها لا تكون في صحائفهم 
إلا ضرباً من اللمم7©. 

فقد رأينا أبا المهاجر يبدأ بالعمل وهو لم يلق عنه وعثاء 
السفر بإشغال الروم مباشرة في المنطقة التي يحكمونها في إفريقية 
للضغط عليهم والإحداق بمدينة قرطاجنة» ولم يقدم على ذلك 
فاتح قبله. فقد ندب لهم حَنش الصنعاني وسيره لفتح جزيرة 
رأس أدار التي سمّيت جزيرة (شريك) باسم أول عامل لها شريك 
ابن قرّةِ العبسي» وهي المعروقة لدينا اليوم بالوطن القبلي» ثم 


(37) اللّمَمء صغار الذنوب. 


47 


رأيناه أيضاً يخرج بنفسه مع بقيّة الجيش للفتح في نوميديا فدح 
ميلة ثم يسير في سبيل الله إلى أن يبلغ تلمسان فيواقع عليها 


عاب 


أميرها كسيلة بن لمزم ومعه أنجاد القبائل من البربرء الاوربية 
والبرانس» فيأسر قريعه ثم يجعله يسلم على يديه ومعه خخلق 

ونحن إذا تبينا هذه الشواهد القاطعة عن أعمال أبي 
المهاجر | - لجليلة. لا يسعنا سوق الجزم برفعة مقداره وعمله 
المشكور وأنه كان فى سوية عقبة» وأن عمل كل واحد منهما كان 
متمّماً للآخرء فهما كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفاها عدا ما 
تكرّان. 

وغايتنا من هذه المقارنة الوديعة أن نثبت في هذا البحث 
التاريخي بأن مصلحة الإسلام لم تخسر شيئاً باعتقال عقبة» وإنما 
الخسارة كانت في الجانب الأدبي من إضعاف روح التنشيط في 
العاملين ليس إل وهذا واقع ليس له من دافع» وإن كان هذا 
الضعف غير متصور أن ينال من نفس عقبة وهي قبس من فيض 
الله . 
أمر أمير المؤمئين بسراح عقبة ودعوته إلى دمشق : 
ممن تذيب سمعتهم الوشايات» بل هو من طراز آخر» طراز 
أولئك الأفذاذ الذين يكون لوجودهم دويّ في الأذهان, فلا غرابة 
إذن أن يكون موضوع اهتمام أمير المؤمنين يزيد بن معاوية بن 
أبي سفيان. فقد نقل المؤرخون أنه لما بلغه ما أصاب عقبة» 


48 


كتب إلى أبي المهاجر يأمره بفك اعتقاله» وإرساله مبجلاً إلى 
الشام فوراً من غير [فهالة: لمضلاح بالآمر 6# 

ولما وصل عقبة دمشق تلقّاه يزيد بالحفاوة والإكرام, وبعد 
أن تحدّث إليه في شؤون إفريقيّة أعاده إلى الولاية» وحكمه في 
وتقدير أعمالهم المرتبطة بمصير الدولة ولم يكن من أونئك 
الرعاديد الضعفاء الذين تلتصق مسامعهم بالنمائم والوشايات فلا 
تصدر عنهم صالحة للبلاد. 


رجوع عقبة إلى ولايته على إفريقية : 

غادر عقبة دمشق لاحقاً بإفريقية» فجدّ في السير حتى دخل 
القيروان سنة 64 [9]683©. فتقيّض على أبي المهاجر وأبى أن 
يسجنه وجعله من ملازميه) وأمر بإعادة العاصمة إلى القيروان 
والإعراض عن تكران. 

ولما تمهّدت له الأمور وثب للفتح.. فدعا إليه زهير بن 
قيس 410 واستخلفه على القيروان» وترك له كفايته من الجنود 


(38) تتفق جل المصادر على أن معاوية هو الذي كتب إلى أبي المهاجر (ابن 
عبد الحكم ص 56ء والمالكي» رياض النفوس ج1 ص 21» واين ناجيء 
معالم الإيمان. ج 1 ص 43). ولم يسب ذلك إلى يزيد بن معاوية؛ إلا ابن 
الأثير (الكامل» ج 3 ص 388) . 

(39) تشير المصادر إلى أن قدوم عقبة إلى القيروان كان في سنة 62 ه (ابن الآثير 
ج 4 ص 88: والمالكي ج 1 ص 22» وابن ناجي ج1 ص 43) 

(40) تذكر المصادر أنه أساء معاملته وسجنئه (ابن الأثيرء المرجع السابق» وابن 
عبد الحكم ص 58» والمالكي ج 1 ص 22, وابن ناجي ج1 ص 43). 

(41) ابن الأثير ج 4 ص 8 


49 


وخاطبه بمحضر بنيه وقال: إني بعت نفسي من الله عر وجل فلا 
زلت أجاهد حتى أخلص إفريقية من مخالب الكفر وإرجاعها دار 
إسلامء أو أقضي دون ذلك. وأوصاه بإتمام اللإصلاح الذي شرع 
فيهء من تعبيد الطرق» وبناء المعابدء وتأمين السبل» وإقامة 
المساجد. وتفقيه الدهماءء وتقليد الأعمال لذوي البصائر» 
والاستعانة بخيرة المجربين منهم . 

ثم وذعهم وخرج في عسكر عظيم لدكُ بأس الثوار». 
فقصد مدينة باغاية). وقد احتشد فيها خلق كثير من الروم 
والبربر لصدّه عنها. وحين علموا بمقدمه تحصنوا فيهاء فكانوا 
يخرجون إليه في جموعهم وهو لا يفت عن قتالهم حتى أصابهم 
الفشل. وغلبوا على أمرهم فملك عاصمة الدوناتوسيين ثم سار 
منها إلى لمبس [1.8830856] وهي من المدن البيزنطية وتعرف 
لهذا العهد بتازروت فأبلى فيهاء وهزم من كان عليها من الروم 
والبربر وأصاب منهم غنائم كثيرة. ثم انتقل في تعبثته إلى أربة 
قصبة نوميدية (الزاب) فوصلها وقت الأصيل فتحصن منه أهلهاء 
ولما أصبحوا هاجمهم وضيق عليهم. ففر منه أكثرهم إلى جبال 
أوراس. بعد أن دخل المدينة عنوة ثم لحق بهم وضيّق عليهم 
المنافذ دون أن يحاول إبادتهم حتى ظفر بهم وأقبلوا طائعين. 


(442 ابن الأثير ج 4 ص 91-88. والمالكي ج1 ص 2523. وابن ناجي ص 49-43. 

[143 باغاية مدينة مشهورة من مدن الزاب. اشتهرت بالمؤتمر الذى عقدته فيها شيعة 
دوناتوس سنة 4 م وي مذهب من المذاهبي النصرانية اعتنقه البربر 
لمعارصة سلطة الكنية الرومانية وقد تخربت فى القرن الرابع من الهجرة. 
(المؤلف)ع. 


530 


فأمنهم ثم سار إلى قسنطينة فنازلها واستولى عليها. وطفق بعد 
ذلك يقل 'في::البلاذ: التي لم يظاها سلفه.:وعي.: تاتيه بالطاعة 
والتسليم إلى أن قارب تيهرت». فخافه من كان بها من الروم 
فتحصنوا منهء واستنجدوا بمن جاورهم من البربر فأنجدوهم 
واجتمع لهم جند كثيف فتقدم للقائهم وأذاقهم ا شديداًء وهو 
يعاودهم الكرة بعد الكرة حتى ظهر عليهم. ولكن بعد خراب 
المدينة وانطماس معالمها. ثم تحول إلى تلمسان وكانت محافظة 
على صلحها مع سلفه أبي المهاجر دينار فأقرها عليه . ولما نفض 
المغرب الأوسط على رؤوس الثوار من الروم» وانتزعه من 
أيديهم: قصد بلاد المغرب الأقصى فتقضّاه دارا دارا إلى أن دخل 
السوس الأدنى (الريف) وأناخ على سبتة فتلقاه بطريقها الكونت 
أليان [ه6ئلن3] حاكم الجزيرة الخضراء في الأندلس بالصلح 
وعرض الجزاءء فصالحهء وواتته البلاد بالطاعة والرضا. وكان 
الكونت داهياً خبيراً واثقاً من مصير بلاده للعرب» ولا سبيل لرد 
غارتهم عليها . وإنما كان همّه صرفهم عنها | إلى أجل معدودء فإنه 
لما سأله عقبة عن رأيه في الجواز إليها عظم عليه أمرها وهون من 
شأن بلاد البرير ليغريه بها فقال: إن فيها بشراً كثيراء وهم على 
غير دين النصرانية» وأطوع ما يكونون لغالب. فقبل عقبة مشورته 
وتحوّل عن سبتة وصار إلى خوض بقية بلاد السوس الأدنى» 
والبربر يقابلونه بجموعهم وإحلاس حروبهم وهو يحرز الفوز 
عليهم والظفر بهم حتى بلغ فرضة طنجة فاستولى عليها ثم قصد 
تاجرة قصبة البلاد. وسيّر منها سراياه لمناجزة أطرافها فدوخوها 
صقعاً بعد صقع إلى أن تم لهم الاستيلاء ء عليها. 


51 


ولما فرغ من السوس الأدنى ألوى عنانه إلى السوس 
الأقصى ففتح طرفلة ثم غانة ثم مدينة وليلي» ثم مديئة نوفيس» 
عاصمة المصامدة وكانت من أمنع بلاد البربر» فحاصرها مدّةء 
وقاتلهم على جبال دورية بمساعدة زناتة حتى انتصر عليهم 
واستولى على مديئتهم عنوة ثم سار إلى لمتونة فأتته قبائلها 
طائعة» فعصم دماءهم وشملها بعطفه وبرّه. وما زال يواصل 
فتوحاته إلى درعة ومليان وهي آخر فرض المغرب على المحيط . 
فأقحم فيه فرسه وأخذ يئاجي ريه مناجاة الأتقياء المتبتلين وهو 
يقول: اللهم إنك تعلم أني أريد أن لا يعبد على وجه الأرض 
أحد سواكء ولو كنت أعلم أن وراء هذا البحر أرضاً لوطئتهاء 
أذكر فيها اسمك العليّ العظيم. اللهم اشهد أني قد بلغت عذراً. 

وبعد أن تمت لعقبة هذه الانتصارات الهائلة في البلاد 
المغربية وطواها بيمينهء وأقام فيها ميزان العدالة بالقسطء» كر 
راجعاً إلى إفريقية وقد أذاق الأهالي الذين أنقذهم من سلطة الروم 
طعم الحرية وأطلق ألسنتهم المعقدة بذكر الله وطهرها من الرطانة 
بالأصنام والآوثان. فواصل السير إلى طبنة وهي على ثماني مراحل 
من القيروان9. فوقف هناك وأمر الجنود أن يتقدموه إلى القيروان 
فوجأ بعد فوج وواعدهم باللحاق بهم وهو مطمئن لولاء الأفارقة 
الذين استسلموا له وأحبهم ورفع عن أعناقهم الإصر والأغلال. 
ولكن الله كتب على كل ذي نفس شريرة أن لا تخرج من الدنيا 
حتى تسيء لمن أحسن إليها. 


(44) ثمانية أيام حسب رواية ابن ناجي (ج 1 ص 47)» وابن الأثير (ج4 ص 90). 


52 


خيانة كسيلة زعيم قبيلتي الأوربة والبرانس: 

دفع عقبة جحافله إلى القيروان» وتخلف عنهم في نحو 
ثلاثمائة نفر من خاصّته وأتباعه. ومعهم أبو المهاجر دينار. ومما 
امتاز به عقبة من الخصال أنه كان كمياً صادقاً لا يخاف ولا يمين. 
فانتقل بمن رافقه إلى تهوداء فلما رأته فلول الناقمين الذين أبقى 
مهنده عليهم شفقة بهم ورحمة وهو في تلك القلةء ساورهم 
الطمع في اغتياله» فغلقوا في وجهه أبواب الحصن وقصدوا له 
وكان كسيلة بن لمزم يمشي في ركابه والخيانة والغدر تتراكضان 
في نفسه وقد وُجد بين مؤرخينا من التمس له في ذلك عذراء 
فقال إن عقبة كان يستخفٌ بهء وهو أكبر أمير في بلاده أظهر 
الإسلام على يد أبي المهاجر وكان عقبة يروضه بذلك على 
الطاعة والامتثال فازورٌ منه كسيلة. فلما أحسٌ بالشر منه أبو 
المهاجر نصح عقبة وقال له داره ولا تهنهء فإن الرجل قريب عهد 
بالإسلام» فأعرض عنه عقبة» ثم عاوده مرّة أخرى فقال: أما وقد 
أبيت الإصغاء لنصيحتي فعاجله قبل أن يجتمع إليه قومه ويب 
بهم عليك» فطلبه عقبة ففرٌ عنه. ولما كان على مقربة تهودا من 
ناحية بسكرة خرج عليه فاحسٌ منه بالشرٌ فالتفت عقبة إلى أبي 
المهاجر وقال له: فز بنفسك والحق بمأمنك وقم بعدي بأمور 
المسلمين: وأنا صامد لقتال هؤلاء» وأرجو الفوز بالشهادة. فقال 
له أبو المهاجر: وأنا أريد أن أفوز بها أيضاء فاظهر بهذا الموقف 
البريء المشرّف منتهى الوفاء والبسالة رغم ما قيل بحقّه بأنه كان 
يجد في نفسه موجدة على عقبة بسبب المنافسة على الولاية 


(45) ابن الأثير ج 4 ص 90 والمالكي ج1 ص 26» واين ناجي ج 1 ص 48. 


53 


وسرى ذلك إلى أوهام الناس وهو خلاف الواقع. فإن هؤلاء 
الرجال الكبار الذين رفعوا سمك الإسلام في العالم أطهر من أن 
يلتاثوا بهذه الشوائب9” . 


اغتيال عقبة وأبي المهاجر ومن معهما من الأتباع: 

اغتنم كسيلة فرصة قلّة من كان مع عقبة من الحاشية 
والأتباع للانتقام وهو محاط بالجموع الكثيرة من قومه مع من 
ظاهره من الروم وأدرك عقبة أن لا قبل له بهمء وكان في وسعه 
أن يفرٌّ من لقائهم وينجو من القتل لو كان جباناً لا يكره الفرار» 
لكنه فارس مغوار فطر على الجلاد والقراع لا يرضى بالفرار من 
أي عدق كان وهو قائد جنود الفتح الذي ما ألف الهزيمة ولا 
عرفها. لذلك صمّم على الاستقتال وهو موقن أن الأجل بيد الله 
والحذر لا يدفع القدر. وتبعه في ذلك أصحابه. فتقدموا وكسروا 
أغماد سيوفهم حتى لا تكون غنيمة للأعداء. وما أشدّ على 
الأبطال أن تكون سيوفهم غنيمة من بعدهم لأعدائهم. ثم تقدّموا 
فرحين إلى القتال فجاولوهم ساعة ولكن الكثرة تغلبت على 
الشجاعةء فوقع عقبة ومن معه صرعى في الميدان ولم يفلت 
منهم إلا نفر قليل لاذوا بالفرار مع محمد بن أوس الأنصاري 
فأسرهم الأفارقة47), وخلصهم من أيديهم صاحب قفصة وبعثهم 
إلى زهير بن قيس. خليفة عقبة على القيروانء» فكانت هذه 
الواقعة من أشأم الوقائع على المسلمين في ما كابدوه من 


(46) ابن الأثير ج 4 ص 90. والمالكي ج 1 ص 227 وابن ناجي ج1 ص 49. 
(47) يؤكد ابن الأثير أنهم أسروا بعد موت البقية ولم يشر إلى هروبهمء (ج 4 
ص 91). 


54 


معضلات الفتوح في إفريقيّة» فقد آلت إلى تحُلَّيهِم عنها وارتداد 
أكثر الذين أسلموا من البربر. 


3- ثورة البربر 

وقوع الخلاف بين أكابر المسلمين في الثأر لعقبة وقفولهم إلى 
المشرق: 

اتصلت القيروان في ساعة نحس من ليلة ضريرة النجم 
بأنباء هذه الفاجعة فحدث من جرائها ارتباك عظيم في الآراء بين 
أمراء الجنود» وتحركت النخوة العسكرية في صدر زهير بن قيس 
للمطالبة بالثأر وقصاص القتلة الناكثين للعهود فخالفه في ذلك 
حنش الصنعاني معتذراً بقلّة المسلمين وكثرة الأعداء المتألبين مع 
كسيلة©». فأبى زهير أن يسمع لقوله وجمع أكابر الجنود للمداولة 
في الأمر. فقال: يا معشر المسلمين إنكم علمتم أن أصحابكم قد 
من الله عليهم بالشهادة وساروا إلى الجنة وأرى لكم أن تسلكوا 
سبيلهم أو يفتح الله بكم دون ذلك. 

فردٌ عليه حنش وكان مسموع الكلمة: والله ما نقبل لك قولاً 
ولا لك في أعناقنا ولاية ولا عمل أفضل من النجاة بهذه العصابة 
من المسلمين إلى مشرقهم . 

ثم خرج وجعل يستفزٌ الئاس لترك القيروان» وهو يقول 
: لهم: من أراد منكم القفول إلى المشرق فليتبعني . فلبّاه وجوه 
الناس وخرجوا معه. ولم يبق مع زهير سوى الضعفة وأهل بيته. 


(48) ابن الأثير ج 4 صن 91. 


55 


ولما رأى الجموع قد تسلّلت من حوله لم يطب له المقام فخرج 
في أثرهم ولحق بقصره في برقة © , لم يلبث زهير طويلا في 
برقة حتى بلغه نعي يزيد بن معاوية» واضطراب المسلمين في من 
ل الخلافة حين تخلى عنها معاوية الأصغر بعل أن تقلّدها 
عقب وقاة أبيه . 
كسيلة يغتصب لنفسه الولاية على إفريقية 
لا ريب أن كسيلة حين أقدم على انتكاثه وخيانته لعقبة كان 
يمتّى نفسه باغتصاب الولاية على إفريقية اعتماداً على مكانته من 
البرير وقدرقة على اصطناع العرب بإظهاره الإسلام» وما كان 
يخشى منازعاً له بعد عقبة غير زهير بن قيس» لاحوراى 
عليه كلمة الأفارقة ولم يتخلّف أحد منهمء فأسرع بمن اختاره 
منهم إلى القيروان فدخلها في حفل عظيم ولم يبق بها من 
واستنولى. عليها. ودانت له جميع البلاد التي > كان يلاها 
فتحها("ة) . 
تعيين زهير بن قيس لإعادة فتح إفريقية وإنقاذها من يد كسيلة: 
لما استقرت الخلافة لعبد الملك بن مروان سنة 65 [684] 
وكان ممن اشترك في فتح إفريقيّة. وهو يعلم أهميّة منزلتها من 





(49) ابن عذاري ج 1 ص 18. 
(50) ابن الأثير ج 4 ص 91. واين عذاري ج 1 ص 18-17. 


56 


بلاد العرب فأشار عليه أكابر المسلمين أن يعجل باستنقاذها 
وقصاص قتلة عقبة وأصحابه. فكتب بذلك إلى زهير بن قيس» 
وأمذّه بجيش ثم سرّحه سنة 66 [685] إلى إفريقية0© , 

وحين علم كسيلة بمقدمه جمع إليه وجوه البربر والروم 
يستشيرهم في الأمر وقال: إني رأيت أن أخلي القيروان وأرحل 
إلى نمش2© فأنزلها فإن بالقيروان خلقا كثيرا من المسلمين» 
ولهم علينا عهد لا نريد أن 'نخفره أو نغدر بهم. ونخاف إن نحن 
قاتلنا زهيراً عليها أن يثب هؤلاء من وراءنا فتكون الدائرة علينا. 
أما إذا نزلنا نمشء» فإننا نكون قد أمناهم. وقاتلنا زهيرأء فإن 
ظفرنا بجنوده تبعناهم إلى طرابلس وقطعنا عنهم خط الرجعة بعد 
أن نكون قد قطعنا شأفتهم من البلاد. وإن ظفروا بنا تعلقنا 
بالجبال ونجونا من غائلتهم. فطابقوه على ذلك. 

رحل كسيلة إلى نمش وبلغ زهيراً خبر ارتحاله» فعدل عن 
دخول القيروان وأقام بظاهرها ثلاثة أيام حتى أراح واستراح» 
وخرج في اليوم الرابع إلى نمش يريد كسيلة. فلما قاربه أمر 
جنوده بالنزول» وفي اليوم الثاني التقى الجمعانء ونزل بهما 
الضرٌ في البلاد وكثر الارتياب إلى أن أيس الناس من الحياة وما 
زالوا كذلك جل النهار. وفي آخره هبّت رياح النصر على 
المسلمين وانهزم كسيلة إلى نمش فأدركه ليوث المسلمين عليها 


(51) جميع المصادر متفقة على أن قدوم زهير بن قيس إلى إفريقية كان في سنة 
69 ه. (ابن الآثير ج 4 ص 91. وابن عذاري» وابن ناجي ج1 ص 52؛ 
والمالكي ج1 ص 30) . 

'(52) اسمها «ممّش» في جميع الروايات (ابن الأثير ج 4 ص 92: والمالكي ج1 
ص 30 وابن ناجي ج 1 ص 52). 1 


57 


فقاتلوه له أن سقط تحت حوافر الخيل» فكان ذلك خير جزاء له 
على ما صنع بعقبة30© , 

ثم أخذ المسلمون يطاردون من كانوا معه من فلول الروم 
ره استأصلوهم وافتكوا ٠‏ من أيديهم بلداناً كثيرة لم يطأوها 
قبلاء منها الاربس والكاف وناجة ] ومضى زهير يسترد د ما انسلخ 
من البلاد إلى أن بلغ وادي ملوية. ثم رجع إلى القيروان قرير 
العين» بما ناله من فتوح وفرح المسلمون بمقدمه الميمونث» 
وتاديوا التهاني » وطابت نفوسهم بعل اليأس وأقام بها سئة كاملة 
5 شؤون المسلمين على الخطط التي وضعها عقبة ويراقب 
حركات العصاة إلى أن عاد الأمن إلى قرابه وتوطدت سلطة 
الإسلام في كل مكان. فأخذ يتأهب للرحيل. والشت في ذلك 
على ما روأه المؤرخون : أن زهيراً زأى بولايته ملكاً عظينا لم 
يتسن له مع زهده وورعه وهو الناسك المقصور على محية ة الجهاد 
وملاقاة الأعداء لا لا يرى أن يعدل بذلك شيعا طوضاً بعل أن 
علم بنزول الروم في برقة فتخلّى عن ولايته بعد أن مهّدها لمن 
سيخلفه وترك بها من الجنود ما يكفي لصيانتها ثم رجع إلى برقة 


يتعقب الروم9” . 


مقتل زهير بن قيس بأيدي الروم في برقة: 
علم الروم بمسير زهير من برقة إلى إفرية يقية لقتال كسيلة. 


(53) ابن عبد الحكم ص 6261. وابن الأثير ج 4 ص 92. وابن عذاري ج 5 
ص 220 والمالكي ج 1 ص 30 وابن ناجي ج1 ص 53. 

(54) ابن الأثير ج 4 ص 92. وابن عذاري ج1 ص 220 والمالكي ج 1 ص 30» وابن 
ناجي ج 1 ص 53. 


58 


فاغتنموا فرصة لو ذلك المعقل من ذادتهء فعولوا على إشغاله 
لقطع الصلة بين المشرق والمغرب ومنع المدد عن الجيوش 
الإسلامية الضاربة بإفريقيةء» ويظهر من ذلك أنهم كانوا على اتّفاق 
ون كيلك البتكتره سن الوقيعة بالعرب:فخرجرا بمراكهم هن 
جزيرة صقلية ونزلوا يبرقة يشئون الغارة على من بها من المسلمين 
فأصابوا منهم سبياً كثيراً وقتلوا وانتهبوا ثم أقلعوا بغنائمهم» ووقفوا 
فى البحر يرصدون المدد الذي عسأه يأتيهم من البر. ومن 
0 زهيراً لما وصل إلى أجل ولم توذايه أجداً من الروم 
وبلغه ما صنعوا ببرقة» أمر جيشه بالمسير للقائهم من أقرب الطرق 
وبقي في ثلّة قليلة من الجنود سار بهم على جادة البحر إلى أن 
بلغ درنة57). ولما رآهم الروم طمعوا فيهم فنزلوا البر وهم في 
ل طبع تقار انز رن كل ان لم ل مع ريز يات 
المسلمين وصراخهم ورآهم يسوقونهم كالأنعام إلى مراكبهم. 
فأبى عليه شممه أن يستعبدهم الروم دون أن يتقدم لإنقاذهم. أو 
يقتل في سبيلهم . فألوى عنان فرسه نحو الروم ونادى في 
أصحابه: النزال النزال. وكانوا كما وصفهم ابن عذاري 
المراكشي في تاريخه: من أشراف العابدين» ورؤساء 
المجاهدين: جلّهم من التابعين9©, فالتحم بينهم القتال 
واستشهد المسلمون جميعاً وكان في مقدمتهم زهيرء وغنم الروم 
ما كان معهم فنقلوه إلى مراكبهم وساروا إلى القسطنطينية حذراً 


(55) درنة مدينة من أعمال برقة. (المؤلف). 
56 أبن الأثير ج4 ص 93-92 وابن عذاري ج1 ص 21» والمالكي ج1 
ص 31-30 وابن ناجي ج 1 ص 54-53 حسب رواية لأبي العرب :التميمي . 


59 


من أن يدركهم الطلب. وكانت هذه الواقعة الموجعة خلال سنة 
9 ه [688]. 

ولما بلغ خبر هذه المحنة العظيمة إلى أمير المؤمنين 
عبد الملك بن مروان غمّتهء وعظمت عليه لمكانة زهير من 
الفضل والدين. وكانت مصيبة المسلمين فيه مثل مصيبتهم في 
عقبة. ولم يمنعهم من التعجيل بالثأر إلا الاضطرابات السنياسية 
الحاصلة بالمشرق وتفرّق الكلمة على النزاع في الخلافة» كما 
وقوع القلاقل في إفريقية وظهور الكاهنة عقب منصرف زهير إلى 
فرقه. 

لا جدال في أن زهيراً كان جندياً من جنود الله بمعنى 
الكلمة» نشأ في كنف عقبة بن نافع الفهري. لكنه كان ينقصه 
الاضطلاع بأعباء السياسة العليا والدربة على الاستقلال بالرأي 
في إدارة الممالك الواسعة. الواجب توفرهما في قادة الفتح 
الباكر. لذلك شق عليه الاضطلاع بمنصب الحاكم الأعلى 
لإفريقية» وهي خطة حازمة صعبة المراس» تستلزم جانبا وافرا من 
الدهاء .والحنكة. وهذا شىء لا يتفق إلا فى النادر وطبيعة 
الجندي » آليف المغامرة وحليف الصرامة. ولتأصّل هذه اللخلّة في 
زهير كنا نراه يفضّل الجهاد على الولاية. لذلك تخلّى عن حكم 
إفريقية ممختاراً دون أن يحسب لتخلّيه حساباً لا قليلاً ولا كثيراً» أو 
ينظر في ما سيعقبه من كوارث في بلاد لم تزل حديثة العهد 
بالفتح» مضرجة الأديم بالدماءء ولم يقدّر كذلك نفسية 
المحكومين الضعيفة المجبولة على التقلب والتقلقل وعدم الرضا 

600 


بحال. وهو يعلم أن طاعتهم مدخولة كما وصفهم عقبة بذلك. 
حين استخلفه على القيروان» لا ينقادون إلا للقوة الباطشة» وإذا 
أمنوا خَفُوا إلى الفتنة والثيار. فكان تخلّيه مضرّة فادحة. وخسارة 
عظيمة لا يوازيها في الحساب زهده وورعه. 

كان الأفارقة غضاباً لما نزل بهم من مقتل زعيمهم كسيلة» 
لكنهم كانوا يكتمون غضبهم وسيف زهير مسلط على الرقاب. وما 
أقدر الأمم المغلوية الماكرة على إخفاء مُوجدتها أمام الغالب 
القاهرء وتصئعها الرضا الكاذب! وهو ما حمل زهيراً على الاغترار 
بهم لما فارقهم. لكنهم لم يتمهّلوا حتى تولب فيهم الميل 
للانتقام, والتفوا حول زعامة امرأة منهم يدعونها الكاهنة من جبل 
أوراس7"). تسمى دهيّة بنت تابتت بن تيفان59) واتخذوها رمزاً 
للاستقلال» وهي من أشدّهم رغبة في الأخذ بالثآر. فخرجت 
تطالب بدم كسيلة وتدعو قومها إلى طرد العرب من البلاد. 
فأجابها إلى ذلك جماهير الناس الذين يريدون النكاية 
بالمسلمين» فتقدّمت بهم وافتكت مقاليد الأمور من خلفاء زهير 
وألحقت بهم أذى شديداًء بما رجّ إفريقية وقلب نظامها رأسأ على 
عقب. وكانت في واقع الأمر أعلى مثل للبسالة النسائية في تاريخ 
الثورات الكبرى. وممًا ساعدها على النجاح في قيامهاء انصراف 
أمير المؤمئين عبد الملك بن مروان لفض المشاكل الاجتماعية 
والسياسية الناشئة في المشرق» وكانت شغلا شاغله عن الاهتمام 
بالأحداث الواقعة فى المغرب. 
(57) ابن الأثير ج 4 ص 301 وابن عذاري ج 1 ص 25, والمالكي ج1 ص 32» 

وابن ناجي ج 1 ص 56. 

(58) انظر تاريخ ابن خلدون ج 7 ص 17.؛ دار الكتاب اللبناني للطباعة سنة 1968. 


61 


4 المشاكل السياسية والاجتماعية في المشرق: 

كانت بلاد الخلاقة الإسلامية يوم تقلدها أمير المؤمنين 
عبد الملك بن مروان إثر وفاة أبيه مروات بن الحكم أتونا يستعر 
بالقلاقل والاضطرابات. فكان عبد الله بن الزبير قابعاً في مكة 
يدعو لنفسه بالخلافة وينكر خلافة بني أمية» وقد تمت له البيعة 
فى الحرمين الشريفين. وهناك في العراق مصعب بن الزبير يواشب 
الناكبين من الشيعة والخوارج عن البيعة لأخيه. وهذا نجدة 
الحروري يخوض في بحر من الدماء بين الأهواز وفارس لحمل 
المسلمين على القول بأن لا حكم إلا لله. والمختار بن عبيد 
الثقفي يثيرها فتناً شعواء في الكوفة والموصل باسم الدعوة للقائم 
من آل محمد 7 به الناس . حتى قال في 
ذلك جمهور كبير من عقلاء المسلمين: ها نرى قريشياً ينصف!. 

وبلغ من تفككك الوحدة الإسلامية» وهوانها على الناس. 
أن وقف بعرفات في حجج سنة 68 [687] أربعة ألوية لأربعة أيمة 
يتنازعون الخلافةء لواء محمد بن الحنقية وكان داعيتة المختار. 
ولواء عبد الله بن الزبير ومعه أصحابهء ولواء عبد الملك معقود 
على رأس قائد من جنوده. وأمره لا ينقذ في غير مصر والشامء 
ولواء نجدة الحروري يرفرف فوق رؤّوس أنصار. ه وأتباعه من 
الخوارج. ودعوته متفشية في فارس والآهوازء “وبين هؤلاء راع 
أخرون يذكون الدعوة إلى الشقاق ويعيثوت نادأ فى البلاد بسيب 
ضعف الوازع. والتواء الرأي واختلاف الدعايات. ' 

وكان حال عبد الملك لما قفل زهير من القيروان: أن خرج 
من دمشق إلى قرقيسية يدعو أهل السجزيرة إلى الطاعة وترك 

602 


الخلاف, وكان معه قريبه عمرو بن سعيد الأشدق. فحدثته نفسه 
بالخروج على أميره تبعاً للتقاليد المألوفة في ذلك العصر المظلم . 
ولما بلغ عبد الملك إلى بطنان حبيب» وأراد مناجزة زفر بن 
الحرث الكلابي صاحب الجزيرة» وكان موالياً لابن الزبير» فارقه 
عر ان مع من شايعه.» وكر زاجعا 3 إلى دمشق» مظهراً 
العصيان. فغلب عليهاء وأخذ خزائنها. واجتمع عليه الناس 
يبايعونه» ورغبتهم في المال الذي وضع 0 يده لا في إقامة 
العدل والسلطان. فكبر ذلك على عبد الملك؛ ولم يبق له من 
ملكة قير 21 من الجند يمكن أيضاً أن تحدثهم نفوسهم بالفرار 
وتركه في عرض الطريق شريداً فريداً يحرق الأرم على الملك 
الضائع والحقٌّ المنشود. ولكن عبد الملك ليس كغيره؛ بل هو 
رجل الساعة الذي لا يعرف الفشل ولا تربكه العطري» فإنه 
أدرك بيصره الثاقب ورأيه الصائب أن الدولة لا تتركز إلا في 
دمشق. فأسرع العودة إليهاء وعدل عن الجزيرة. فلما وصل 
اصطدم بعمرو أياما ثم اصطلحاء وكان كل منهما يصرٌ على الغدر 
يصاحيه» ولم يترئص به عبد الملك حتى دعاه مع أهل بيته 
وأعجل به. 

غير أنه لم يكد يطفي هذه الجمرة التي اتقدت في موطن 
أمنه حتّى اشتعلت بعدها فتنة الجراجمة من جنودهء فإنه خرج 
عليه قائدهم في جبل اللكام وتبعه خلق لا يحصى من الأنباطء 
والجنود والروم والآبقون من عبيد المسلمين وقصد بهم أعالي 
لبنان. فندب لاستنزاله القائد سحيم بن أبي المهاجر فاحتال عليه 
إلى أن ظفر به فقتله ‏ وبموته خمدت هذه الفتنة. 


63 


وحين نشبت هذه الاضطرابات في الداخل تقدم الروم من 
بأيديهم لمحو الخلافة . فصانعهم عبد الملك وصرفهم عن مناجزته 
بإتاوة يؤديها لهم ألف دينار في كل جمعة. فقنعوا بذلك وعادوا 
على الأعقاب لما شعروأ بإخفاق مساعي الثوار. 

هذه جملة الحال التي عرست في المشرق» فكيف يمكن 
معها استئقاذ المغرب من أيدي الذين خرجوا به من البغاة أو إزالة 
مأ حدث به من حطوب» والشقة بعيدة والجند مضطرب الرأي 
وهو غير متوفر. 

لا ريب أن إقرار الأمن في المشرق أولى وأوكد منه في 
المغرب. لم يكد يستوثق الأمر لعبد الملك في الشام حتى لفت 
بصره إلى العراق. فاخذ يغري قواد مصعب بن الزبير بالوعود. 
ويمتّيهم بالأطماع حتى استمال الكثيرين منهم. وما أشدّ وقع 
الطمع في أفئدة الضعفاء الناكبين عن الطاعة. وقد حكى عنهم 
ابن الأثير أنَ كلّ واحد منهم كان يطلب لنفسه ولاية أصبهان؟! 
فوعدهم يها جميعا. . . ! ثم تأهب. وتقدم إلى العراق. ولما بلغ 
إلى دير الجثاليق قرب دجيل» التقى بمصعب واقتتلا هناك اقتتالا 
شديداً. فانتصر عبد الملك. وقتل مصعب. وضم العراق إلى 
الشام» واستعمل عليه أنتحاه بشر بن مروان. فسأسه سياسة حكيمة 
عادلة. قال فيها شاعرهم : 
قد استوى يشر على العراق من عير سيفه ودم مهراق 

ولما بلغ المهلب بن أبي صفرة مقتل مصعب وكان منتدباً 
من قبله لقتال الخوارج في فارسء وبجّه بالبيعة إلى عبد الملك. 

64 


فأقرّه على الولاية ثم كرّ راجعاً إلى دمشق على ظريق الجزيرة» 
فهادنه زفر بن الحرث الكلابي بعد وقائع» ثم تمكن من خراسان 
وسيّر عمّاله إليها ولم يبق تخارجاً عنه إلا الحجاز. ودخل دمشق 
في مهرجان عظيم يليق بمقام قامع البغاة ومقوض معاقلهم. 

وما كان عبد الملك يحفل بشىء قبل استرداد الحجاز 
واقتلاع عبد الله بن الزبير من مجثمه فيه كما اقتلع أخاه مصعباً 
من العراق» ولم يزل يهم به حتى نهد إليه بالحجاز فامتلكه منه 
بعد أن استقتل فيه ابن الزبيز حتى لقي أجله. 

وهكذا توقق عبد الملك بثبات ورصانة قِلَّ من عرفهما من 
رجال التاريخ المعدودين » حتى ملك ناصية الدنياء وانتزع 
الخلافة من أيدي المنتزين عليهاء وأعاد للدولة الأموية رونق 
عظمتها وجدّد لها شرخ الشباب حين أشرفت على الزوال وطوت 
عبقريته في جانبها ذكر سلفه معأوية ب بن أبي سفيان» وكان يضرب 
به المثل في السياسة والدهاء. وهو لم يفعل شيئاً يذكر غير إزاحة 
منافس واحد له في الخلافة, مع أن له دولة قائمة تأثل فيها مجده 
ومن سخلفه عصبيّة بني أمية, وهم ما انفكوا عن الطلب بدم 
عثمان. أما عبد الملك فقد استطاع أن يغالب خصومه بمجهوده 
الفردي . بعد أن تناثر ملك الأمويين بموت يزيد بن معاوية 
وخروج عاصمته عنهء» ولم يبق. له غير عَزماته وثلّة قليلة من 
الجنود» ما جعل الروم يطمعون في الانتزاء عليه» واضطراره 
لمصانعتهم بإعطاء الدنيئة » وكان خصومه بالرغم من ذلك أقوياء 
من أقطار مختلفة وذوي عصبيّات» ولكنه ما زال بهم حتى غلبهم 
جميعاً وأدال منهم وردٌ للمسلمين وحدتهم: بعد أن أصيبت بداء 

65 


الانقسام. ولما توقق لذلك انصرف من فوره للاهتمام بشؤون 
إفريقية . 
5 ولاية حسان بن النعمان 

انتداب حسّان بن التعمان الغساني” لإفريقية: ٠‏ 

أسلفنا أن عبد الملك لما بلغه مقتل زهير وخروج 
الإفريقيّين عن الطاعةء همه الأمر ولم يشغله عن إفريقية سوى 
رتق الفتوق التي ظهرت في المشرق. وحين فرغ منها التفت إلى 
إفريقيّة فدعا إليه أقطاب الدولة يستشيرهم في من يختاره من 
القواد الجلة» يسدّ ثغورها ويصلح أمورها ويجبر مكسورها. 
فذكروا لديه أسماء رجال كثيرين لم يحفل بهم. فقال: أينكم من 
حسان بن النعمان الغساني؟ وكان ملك الأسماع والأفواه. أقامه 
بمصر عُدَةَ لما يحدث من الأمورء فأجمعوا عليه. فكتب إليه 
عبد الملك تقليداً بالولاية» وأطلق يده في خراج مصر يأخذ منه ما 
شاء للقيام بأعباء هذه الولاية التي أودت بحياة أكابر القواد الذين 
تقدموه. فتأهب إليها وخرج بجيش جرار بلغت عدّته 40.000 
مقاتل9©؟. فدخلها سنة 76 [695] في قوة ومهابة طأطأت لهما 
الأعناق بعد أن تناسوا أيام العرب6282 , 


(59) هو من أحفاد الغساسنة ملوك الشام. (المؤلف). 

(60) ابن عذاري ج 1 ص 220. 

(61) يذكر ابن الأثير سنة 84 (ج 4 ص 2)300 وابن عبد الحكم سئة 73 (ص 2)62 
وابن عذاري سنة 78 (ج 1 ص 22)» والمالكي سنة 69 (ج 1 ص 31): وكذلك 
ابن ناجي (ج5 ص 55). 


66 


بدء حسان بتخليص قرطاجنة من يد الروم وإزاحة نفوذهم عن 
إفريقية : 

كان هم حسان بعد نزوله في إفريقيّة افتكاك قرطاجنة من 
الروم» وإعادتها إلى أحضان أمها العربية. فتقدم إليها من جزيرة 
شريك ونصب عليها الحصار. وجرت له معهم وقائع نكل فيها 


بهم . ولما علم أنهم ما زالوا يصرون على الامتناع» قطع عنهم 
ماع الشراب الجاري فوق أقواس الحنايا. وبسبب ذلك يئسوا من 
المقاومة: ددأنا أن لا نجاة لهم من العطب إلا بالتسليم؛ فسلّموا 
أنفسهمٍ طائعين 3 ودخل المسلمون في يوم مشهود (قريت 
مت مديئة علّيسة 3 0 فارتفه تفعت 66 أحزانها التي 


سئة 146 قبل الملذد واستبشر: 58 500 الذين خلصيها 


(62) وفدت الأميرة على إفريقية سئة 840 قبل الميلاد من مدينة صور في حاشية كبيرة 
من أشراف الفيئيقيين وأكابرهم فارّة من ظلم أخيها بيغماليون الذي اغتال 
زوجها الملك الكاهن اسرباس خشية منازعته إياه في الملكء» لأنه أحقٌّ به منه 
لكونه من أبوين منحدرين من صلب ملكي أما بيغماليون فأمه من العامة لا 
تبيح له التقاليد تولي الملك وإنما تقلّده بطريق الاغتصاب وقتل ابن عمه. 
وأراد أن يتزوج أخته ليكون ولده منها وريثاً للعرش. ففرّت منه ونزلت على 
ساحل تونس وطلبت الأميرة من الملك البربري إينارياس أن يبيعها بقعة سِ 
الأرض بمقدار جلد ثور. فوهبها لها فأخذت جلد ثور وقطعته شريطاً رقيقاً 
مستطيادٌ جد ثم دعت الملك وحاشيتها وأدارت ذلك الشريط حول الأرض 
التي أرادت تملكهاء. فاستوعب مساحة كبيرة ولم يسع الملك البربري إلا 
قبول هذه الحيلة وسلّم لها تلك الأرض وينت لها ما يكفيها من القصور وأقبل 
الفيئيقيون الذين تقدموها يبنون بجوارها المباني العظيمة وسمُوها قريت 
حديشت (القرية الحديثة) وكانت تؤدي إتاوة سنوي مدة طويلة إلى ملوك البربر 
حتى تخلصت من حكمهم وصارت م المدائن في فى البحر المتوسط عاصمة 
للدولة القرطاجنية العتيدة. (المؤلف). 


67 


من الروم البيزنطيين ورثة رومة في ربيع الأول سنة 78ه وفي 
سنة 697 ميلاديةء فكان دخولهم إليها عيدين في عيدء عيد 
الميلاد [المولد النتبويئ الشريف] وعيد الخلاص بسيوف أحفاد 
الذين أُجُنُوا عنهاء وذلك بعد 843 سنة شمسيةء بحيث لولا 
اليقظة الإسلامية للم شعث العرب» لظلت قرطاجنة إلى الأيد 
قرحاً في الصدور يذكر بأعظم مأساة وقعت لهم في التاريخ. على 
أن خلاصها لم يكن هين بل كان بحرب فسروس استخرقت 
8 سنة (تخلّلتها فترات قليلة لصدّ الغوائل في نواح أخرى من 
بلاد العرب لإشغال المسلمين عنها/)» وما زالوا يعاودونها الكرة 
بعد الكرّة. إلى أن أزاحوهم عتها نهائياً واستعادوها. وذلك هو 
شأن العرب» فهم لا يقيمون على ضيم يراد بهم ما لم يدركوا 
ثأرهم ولو بعد قرونء وإنما يتتظرون الفرص حتى إذا واتتهمٍ برذ 
اعرف الجضاع؟ لم يتخلفوا عن ذلك حتى ينتقموا من عدوؤهم 
إلقاماً قينا وحهما كبااسدة. 


2 
2 


دخل حسان قرطاجئة آسياً جابراً لا كما دخلها شيبيون . 
الأصغر مدمّراً فاتكاً» ورأى من كبريائه العربى أن لا يثأر من 


(63) حاصرٍ الرومان قرطاجنة حولاً كاملا وتجرّع القرطاجنيون أثناء الحصار غصصاً 
وآلاماً لم يعهد لها مثيل في التاريخ وكانوا يزدادون شدة في المقاومة وثباتاً 
على الدفاع كلما ازداد الرومانيون صلفاً وإصراراً على تخريب المدينة وعزما 
على الاستيلاء عليها. فقد شدّد شيبيون الأصغر على فيالقه وأمرهم بإشعال 
النار في المديئة وكان القرطاجنيون رجالا ونساءٌ وصبية يحملون السلاح 
ويدافعون على مدينتهم لكن ماذا تفيد هذه العزيمة الخارقة وقد سقطت 
الأسوار تحت ضربات الرومانيين وهم يحتلونها قسماً قسماً بعد محق 


68 


المغلوبين بما فعلوه بأجداده أو ما فعله أسلافهم الرومان. بل من 
عليهم وعصم دماءهم وأموالهم واكتفى منهم بالتسليم والدخول 
أ الذمّة الكريمة. والعربي مهما كان قويًا في جلاده. صعب 
المراس في حروبهء فهو هيّن في تغلب إذا ظفر بعدوٌه رحمه 
ورقّ له وبرٌ به. كذلك فعل حسّانء فقد ترك كل شيء على حاله 
سوى الشعار والمسكوكات» فإنه مسّهما مسا رفيقاً وحذف منهما ما 
لا يتفق والعقيدة الإسلامية. ثم عيّن حراسة للمدينة وأقام عليها 
حاكماً من قبّله إيذاناً للأفارقة بأن الملك قد دار دورته ورجع 
إلى العرب . 


المدافعين وأشلاؤهم تتساقط كما يتساقط الجدار المنفض والدماء تسيل وهي 
تملأ السكك والأزقة والساحات» فلا تسمع إلا الأنين وحشرجة الموت ولا 
ترى إلا الخراب والتدمير» واستمر ذلك ستة أيام وست ليال» وفي اليوم 
السابع دخلت قرطاجنة في ص العدم . 

وبقي أزربعل حيّاً بعد مقتل رجاله» فالتجأ إلى هيكل قديم ومعه بقيّة من 
قومه: وزوجته وولداهء وقد فقدوا كل أمل لهم في النجاة. فاستسلم هذا القائد 
العظيم للرومان؛ ولما شاهد بقايا القرطاجتيّين ما فعله قائدهم أوقدوا النيران 
في الهيكل وقذفوا فيها أنفسهم وفضلوا هذه الموتة الشنيعة على ذل 
الاستسلامء وكانت زوجة القائد قد وقفت على درج الهيكل وزوجها بين يدي 
الرومان وحملقت فيه بعينين جمعتا كل الغيظ القرطاجنى وصاحت به: اذهب 
أيها النذل ليفخر المنتصرون بأسرك! ثم خنقت بيديها فلذتي كبدها وألقت 
بهما في وسط اللهب وألقت فيه بنفسها وهي تقول: الثار ولا العار, 

ذلك وصف مجمل للوطئّة القرطاجنية التي كانت تتقد في صدور الأمهات. 
ويعد دول الرومان المديئة ورد الأمر من رومة بإحراق المدينة» فأوقد الجند 
الروماني بها النيران ودام الحريق نصف شهر كامل» ولما انطفت لم يبق 
بالمديئة سوى 25 ألف من 700 ألف نسمةء أغلبهم مشوه وجريح و30 ألف 
امرأة بعن كلّهن رقيقاً كما تباع الطيور والدواجن في الأسواق. (المؤلف). 


69 


فتح مديئة تونس: : 

لما فرغ حسّان من الاستيلاء على قرطاجنة» تحول إلى 
556 وكانت قد ارتدّت بعد أن فتحها زهير بن قيس أول مرة» 
إثر قفوله في المرّة الثانية من المشرق». ولما كان بضواحيها أقبل 
عليه الأهالي مذعنين يسألونه أن يكفٌ عنهم». ويرتب عليهم ما 
شاء من الجزاءء فأجابهم إلى ذلك وكانت للروم منهم سفن راسية 
على سيف البحر» فاحتملوا فيها أموالهم وأهليهم ليلا وتركوا 
المدينة» ولم يتخلّف بها إلا المستضعفون من الأفارقة. وحين 
علم حسّان بخبرهم دخلها غاضباً فدك معاقلها وتركها مفتوحة لثلا 
يعود إليها الفارّون ويتحصّنوا بها0», وأمر يبناء المسجد الجامع 
(جامع الزيتونةء وكان في الأصل ديراً للرّهبان تخلّوا عنه. ثم 
وسّع في بنائه عبيد الله بن الحبحاب» وضم إليه زيادة الله بن 
الأغلب زيادات كثيرة» ثم تكاملت ضخامته في أيام ملوك بني 
حفص. وممًا لا جدال فيه أن هذا الجامع. وكذا جامع القيروان 
هما من جملة الماثر الأمويّة الشاهدة بعظم شأنهم وبرورهم 
بدينهم وقومهم). 

ولما فطن روم قرطاجنة بما فعله روم تونس نكثوا العهد 
وتحصّنوا بالقلاع وتدافعوا إلى الشرّء فعاد إليهم حسّان-غاضباً غير 
منتقم وشدّد عليهم حتى أنزلهم من الحصونء فأمر بهدمها 
فهدّمت وقرٌ منها خلق كثير في المراكب إلى صقليّة وغيرها من 
شواطىء اليحر المتوسط. 


(64) البكري . المغرب قي تاريخ المغرب ص 37. 


0 


وبهذه الواقعة الأسيفة ختم دور الروم في إفريقية» وأمر 
حسان بنقل الدواوين إلى القيروان خوف الهجوم عليها من 
البحرء وليس يومئذ للمسلمين أساطيل كافية يذودون بها عن 
شطوطهم. فهاجر الناس قرطاجنة ولم تبق صالحة لأن تكون 
مباءَة 69 للعرب كما كانت في عهد الفنيقيئين وهم سادة التجار في 
زمنهم. فتخربت بالإهمال ولم تقو على مقاومة عَوَادي الذّهر. 
فخلفتها القيروان في بعد الصيت. والدنيا دول بين الناس 
والبلدان. 

وبينما كان حسّان يهم بالرحيل إلى القيروان» إذ بلغه أن 
جموعاً من الروم والأفارقة يحتشدون في صطفورة وبنزت للوقيعة 
بدء فداهمهم بالجنود ولقي منهم مقاومة عظيمة ومازال بهم 
يواقعهم حتى هزمهم 9" واستولى على المدينتين بعد أن طهرهما 
من عيثهم وفسادهم ولم يترك لهم موضعاً في إفريقية يلجونه إلا 
وَطئه : فقصد الروم منهم مدينة باجة وتحصنوا بها وتقدم متنصرة 
الأفارقة إلى مدينة بونة وهم يظئونها واقيتهم . وفيما يذكر ابن الأثير 
أن حسّاناً فضل أن يعود إلى القيروان بمن معه عن متابعتهم» 
إراحةٌ لجنوده لأن الجراحات قد أثقلتهم. فأقام بها إلى أن أبلّوا. 
ثم رجع إليهم يطاردهم ويتعقبهم حتى سلْموا له وقدّموا الطاعة. 
لقاء حسّان للكاهئة واثهزامه منها: 

علمت الكاهئة بدخول حسّان إلى إفريقية ومسيره إلى 


(65) المبائة هي المنزل. 
(66) ابن الأثير ج 4 ص 300. 


/1 


قرطاجنة» فجمعت قواتها وحشدتها بجبال أوراس جنوب 
قسطتطيئة تنتظر إنهاك قواه في قتاله مع الروم لتباغته. فنصحه 
الأفارقة وقالوا له: إن استطعت أن تفاجئها وتظفر بهاء هابك 
جميع الأفارقة» ولم ينازعك بعدها أحد. فعججل إليها وأبى أن 
يمهلها. فبلغ الكاهنة أنه يريدها فخرجت إلى لقائه بجنود لا قبل 
له بها إلى أن التقيا على وادي مسكيانة». فتزاحفا واقتتلا قتالا 
عنيفاً. فوقعت الكسرة على حسّان فانهزم متنه بعد أن قتل أكثر 
عارك :راس تلوت 0 رجلا من بينهم خالد بن يزيد العبسي 69 
وكان شاباً جلداً شريفاً فاحيّته وتبنته وأطلقت الآخرين من الأسر 
لم ادر نهنم د واستمرٌ حسّان منهزماً والكاهنة في إثره إلى أن خرج 
من قابس ولحق بطرابلس. فاكتفت بذلك وصفت لها البلاد. 
كان انهزام حسان أشنع ما مني به العرب في إفريقية» وأول, 
انكسار عرفه لهم التاريخ. ولكن العرب قوم لا يخملهم انكسار 
ولا يثملهم انتصار. فإن حسانا لما لحق بمأمنه كتب إلى عبد 
الملك بالواقعة يستنجده لإعادة الكرة» ويعتذر عن اتكساره» ومن 
ضمن ما قاله في ذلك: وإن أمم المغرب ليس لها غاية» ولا يقف 
أحد منها على نهاية؛ كلما بادت أمة خلفتها أمم. وهي من 
الحفل والكثرة كسائمة النعم». ثم أتى على وصف وقائعه في 
الروم والبربر إلى أن هزم أمام الكاهنة» وذكر ما أصاب جئوده 7 
كثرة الجراح والقتل» وقال إنه ينتظر أمر أمير المؤمنين. ثم طوى 
الكتاب وبعثه وانطلق نحو المشرق. فورد عليه كتاب أمير 
67) ابن عذاري» ج1 ص 25. 
(68) ابن عذاري ج 1 ص 25, والمالكي ج 1 ص 033 وابن عبد الحكم ص 63. 


72 


المؤمنين يأمره أن يقيم حيث يصله كتابه إلى أن توافيه الجنودء 
وكان يومثذ ببرقة. فأقام هناك ينتظر المدد لكي يسير إلى مناجزة 
الكاهئة ويدرك الثأر. 
تخريب الكاهنة لإفريقيّة وعسفها بالأهالي بعد انهزام حسّان: 

لما سار حسّان إلى المشرق تسلّطت الكاهنة على البلاد 
بقسميها: إفريقية ونوميديا وحكمتها مدّة تزيد عن أربع سنين إلى 
أن بلغها أنه يتأهب للرجوع وكانت بعيدة عن تصور غاية 
المسلمين وفهم مقاصدهمء فدعت قومها وقالت لهم : إن العرب 
لا يريدون من بلادنا إلا الذهب والفضة والمدن. ونحن تكفينا 
منها المزارع والمراعي» ولسنا نأمن غائلتهم إلا إذا قطعنا تأميلهم 
وخربنا المدن والحصون وقطعنا الأشجار. فإذا علموا بذلك 
ضعفت أطماعهم ولن يرجعوا إلينا أبداً. فوافقوها على ذلك 
وندبت جنودها وبثتهم في كل مكان. وأمرتهم بقطع الأشجار 
وهدم الحصون والقصور ويحريت الندد » وما زالوا مثابرين على 
التدمير إلى أن صيّروا البلاد قاعا صفصفا لا ترى فيها إلا الأطلال 
والدّمنْ©». وقد كانت ظلً واحداً ظليلاً من طرابلس إلى 
طنجة29» قرى متصلةء ومدائن منسقة» ومساكن طيبة وحدائق 
زاهزة» وأراضي عامرةء وأكواراً مأهولة» ومياهاً جارية» ونعماً 
وافرة» كما وصف ذلك قدماء مؤرخينا الذين رافقوا الفتوحات 
الأولى . فقد ذكروا أنه لم يكن في أقاليم الدنيا أوفر خيرات, ولا 
أدرٌ بركات ولا أنضر مدائن ولا أنسق عمراناً من إفريقيّة. وقد 
(©) الكتن جم .دثلة وهي آثار المنزل. 
(00) ابن عذاري ج 1 ص 26. 


1/3 


أثبت ابن عذاري المراكشي قولهم بالمساحة فقال إن العمارة 
كانت منّصلة مسافة ألفى ميل في مثلهاء فأتت عليها الكاهئة 
بالقطع والتخريب2©. وخرج منها أكثر الأفارقة المنكوبين إلى 
الأندلس وغيرهاء ويزيد في وصفها تدقيقاً للاحصاء الذي أثيته 
الإمام المحمّق الفقيه أبو خالد عبد الرحمان بن زياد بن أنكم 02 
قال: إنه كان بإفريقيّة قبل التخريب 0 حصن بين مدينة 
وقرية وكان الروم إذا أرادوا الغزو بعثوا إلى كل حصن يأني منه 
فارس وديئار فيجتمع من ذلك 100.000 فارس و100.000 ديئار 
ولا ينقص من البلاد شيء» إلى أن قال : ومن تأمّل في أطلال 
هذه المدن والقصور وتدانيها بعضها من يعضء رأى من ذلك ما 

يفضى إلى العجب» وأيقن بكثرة عمارتها في السالف. وكذلك 
إذا تأمل في أشجارها 0 راها على اعتدال وترتيب ينبئان 
أنها كانت مخروضة لا نابتة - 

ذلك ما خربته الكاهنة 9 5 كما لعزب به دجاجلة 


المؤرخين الذين يريدون من معالم التاريخ لغاية عارية عن 

الشرف . ولرد مفترياتهم سنتعرض في غضون هذا الكتاب لذكر ما 

عمّره العرب بعد التخريب» كشفاً للحقائق وإنصافاً للأجداد من 

التاريخ المصنوع. 

وصول المدد إلى حسّان بن النعمان وزحفه الثاني على إفريقيّة 
أقام حسان يبرقة أربع سنين أو تزيد230 ينتظر المدد من أمير 


(71) نفس المرجع . 
(72) قاضي إفريقية وهو أول مولود ولد بها في الإسلام وقرأ في المدينة مع أبي 
جعفر المنصور. 


(13) يذكر ابن الأثير (ج 4 ص 300) أنه أقام ببرقة حمس سنين, وكذلك ابن عذاري - 


74 


المؤمنين» فأبطأ ذلك عليه إلى أن بلغ أكابر المسلمين في دمشق 
ما فعلته الكاهنة. فسألوا عبد الملك أن يسرع لتدارك هذه البلاد» 
وإنقاذ أهلها من العسفب والجور. وإلا هلك الناس» وفات وقت 
التدارك. فأجابهم إلى ذلك وأمر بسوق الأجناد والأموال والسلاح 
إلى حسان وأذنه بالخروج. وقبل قيام حسّان من برقة أذكى العيون 
في إفريقية» يتعرف بهم قوات البربر وجموعهم. وما إلى ذلك من 
أحوالهم . فأخبروه أن البربر متفرّقون» وقل اختل نظامهم وساءت 
أحوالهم واختلفت أراؤهم. وأن البلاد تنتظم لمن يأتي لإنقاذها 
مما حلّ بها من الأرزاء. فبعث حسّان رسولاً إلى خالد بن يزيد 
وكان يثق برأيه, يستعلم منه حقائق الأمور. فرد عليه خالد يكتاب 
مرق يعزفه عرق ارين واتشرافهم عن العامة وخر فيه علن 
التعجيل بالقدوم وجعل الرقعة في خبزة. ولما وصل الرسول 
وجدوا الكتاب محترقا بالنضج . فعاد الرسول إلى خالد, فعاود 
الكتابة في رقعة وضعها في قربوس السرج272, وخاطه عليهاء 
فبلغت حسان9”. ولما وقف عليها تأهّب للزحف فقام يطوي 
المراحل إلى أن قرب من البلاد. فخرج إليه جمع من الأفارقة 
والروم يستقبلونه بالحفل وهم يستغيثون من الكاهنة وما أنزلته 
ببلادهم من البوائق والمناكر. فطمنهم ووعدهم خيرا وحين بلغ 
قابس خرج إليه أهلها بالبشائر يقدمون شعائر طاعتهم ويطلبون منه 
- (المرجم السابق). أما المالكي فهو يذكر أن مدة إقامته كانت ثلاث سنين 
(رياض النفوس ج1 ص 33). ١‏ 
(74) القَربوس هو قسم السرج المقوّس المرتفع من قَدَام المقعد ومن مؤخره. 
05( ابن الأثير ج 4 ص 301 وابن عبد الحكم ص 63 وابن عذاري ج 1 ص 28. 
والمالكي ج 1 ص 34. 


715 


الأمان على ما سلف منهم. وكانوا قبل ذلك يتحصنون من لقاء 
المسلمين ويستنكرون وجودهم. فقبل طاعتهم وعيّن لهم عاملا 
من قبّله وصيّرهم إلى ما كانوا عليه. 

وقبل قيامه من قابس وافته وفود البلاد من نفزاوة وقفصة 
وقسطيلية» يستنجدون به ويطلبون منه إنقاذ بلادهم من جور 
الكاهنة . وروى المؤرخون في ذلك أن جموع النصارى كانت في 
كل مكان تتقدّم لاستقباله بالبشائر والأفراح وكانوا يرونه كمخلص 
حقيقي بعثه الله لإنقاذهم باسم الإسلام من جور الكاهنة وعتوهاء 
فكان يستقبلهم بالرضا ويعاملهم بالعدل والإحسان ويتغاضى عما 

ولما أدركت الكاهنة الجدّ من أمر حسّان وأنه مهلكها لا 
محالة» دعت ولديها وكان أحدهما لصلب رومي والآخر من 
عياب يوتري واحضرت ممهلا خالد بن :يريك وقالت لوت 3 أن 
هالكه لا محالة فامضوا إلى حسّان واستأمنوه على أنفسكمء ولم 
تكن عارفة بما لخالد من المكانة لديه. ولما قدموا عليه أمنهم 
وأسنى منزلتهم . 

وخرج حسّان يطلب الكاهنة إلى أن وافاها على الجم 
فقاتلها واشتدٌ بينهما القتال وعظم البلاء حتى ظنٌّ الناس أنه 
الفناء. وثبتت له الكاهنة ثباتاً عجيباً يفوق الحديث عن الأبطال 
المخرافيّين الذين خلقتهم مخيّلة هوميروس شاعر الألياذة» ولكن 
بالرغم من ذلك كان الفوز للمسلمين عليها فتفرق الجنود من 
حولها بعد أن قتل منهم خلق كثير. ولا غرابة في ذلك فإن الواقعة 
كانت حاسمة بين الفوضى والإسلام. فولّت الكاهئة على أعقابها 


76 


وتبعها حسّان وما زال في أثرها إلى أن ظفر بها فى طبرقة © 
وبعد معركة صارمة ذهبت هذه المرأة النادرة ا الدفاع عن 
حمى البلاد. وفي الوقت نفسه استراحت إفريقية من عسفها 
وجورها بعد أن رفعتها إلى منازل الآلهة البشريّين الذين عبدهم 
الناس. 

وبعد مهلك الكاهئنة صفت البلاد لحسان وأقبل الأفارقة 
عليه من كلّ صوب يستأمنونه فأمنهم جميعاً واستوثق منهم بتجنيد 
أثني عشر ألفاً من أبناء رؤسائهم وعشائرهم. ولما حضروا لديه 
دعاهم إلى الإسلام فأسلموا عن بكرة ة أبيهم. وندب ولدي 
الكاهنة فعقد لكل واحد منهما على ستة آلاف من أولئك 
المواطنين وخحولهما أسمى رتب الجيش» ناهيك برتبة القيادة في 
نظر الصدر الأول من الإسلام . فأخرجهم وسير معهم ستة ألاف 
من العرب لاكتساح المرتدّين في موروطانيا (المغرب الأقصى) 
وجعل مقرهم ثغر طنجة77 وأقام لهم المعلّمين يعلّمونهم العربية 
والدين. 

ولما استقرّت البلاد وانقطعت منها الفتن قصد حسّان 
القيروان فدخحلها دخول القائد الظافر يحمل إلى قومه أكاليل النصر 
في رمضان سنة 82 [701]. وبعد انقضاء أيام العيد خرج غازياً 
إلى طنبذة» وسير مولاه أبا صالح إلى قلعة زغوان وكانت شديدة 


(76) وفي روايات أخرى قتلت عند بثرء فسمّاه العرب «يثر الكاهئة». ابن 
عبد الحكم ص 64 والمالكي ج 1 ص 36. 

(77) طنجة) فرضة مهمة على البحر المتوسط بشمال المغرب الأقصى بواجي 
لإسبانيا (حم. ح. عبد الوهاب). 


71 


المناعة فنزل فحصها وجعل يهاجمها ثلاثة أيام دون أن يظفر منها 
بطائل. فكتب إلى حسانء فترك معظم جنوده على طنبذة 
يحاصرونها وسار في الخيل إلى زغوان ففتحها صلحاأء ٠‏ ثم رجع 
إلى طنبذة فأوقع بها إلى أن دخلها عنوة وعاد منها إلى القيروان 
وقد أتته جميع أقطار إفريقية بالطاعة وقرت بها عيون المسلمين 
ولم يبق له ما يشغله غير الجزر التابعة لها التي اعتصم بها الروم 
واتخذوها مكمناً للصوصهم يغيرون منها على الشطوط. فكتب 
بذلك إلى عبد الله يسأله أن يمدّه بالأسطول لمنازلتها وحملها على 
التسليم. فأمدّه بعمارة بحرية عظيمة بقيادة عبد الملك بن قطن. 
فقصد تلك الجزر واستنزلها على الطاعة وأمن إفريقية من غوائل 
الروم. فأقبل الأفارقة قة على الإسلام من شراشر قلوبهم وتيمنوا 
بعهدهم الجديد الذي صير بلادهم من مراكز الإسلام وقوادم 
أقطاره. 
إصلاحات حسان السياسيّة في إفريقية 

لم يكن حسّان رجل الحرب والفتح فحسبء بل كان أيضاً 
رجل السياسة والإدارة والعزم. فقد عكف بعد استخلاص البلاد 
على إصلاح تراتيبها وتنسيق نظمها ومطابقتها بما ينسق وديح 
الإسلام. فدون الدواوين ومسح الآرا اضي وقطع عليها اللخرا78) 
ووزعها على أهلها القدماء الذين"افتكها منهم الرومان» وأبطل 
نظام الإقطاع الذي شرعوه وقضوا به على رفاه الأهلين وأقصرهم 
إلى الداخل وحلوا كلهم في مواطنهم. ومهّد الطرقات وشيّد 
المحارس والرباطات لإيواء الجنود والمرابطين ودفع الناس إلى 


تب ادب د 
(78) أبن عذاري ج 1ص 29 30, 


78 


العمارة وتجديد الغراسة وإحياء الأراضى المواتء وإنباط المياه 
ونشط لإقامة المساجد وتعميرها في الحوات التي اعتتق أهلها 

ولم تقصر همّة حسان عند هذا الحدّء بل أدرك بثاقب رأيه 
أن طمانيئة البلاد في الداخل إنما تتوقف على سلامتها في 
الخارج وهي واقعة على مقربة من البلاد النصرانية. وهذا مطلب 
عسير التحقيق. ما لم يكن لديه أسطول قويّ يرابط على الثغور 
ويدفع به غائلة الأعداء. فكتب بذلك إلى عبد الملك يستأذنه في 
إنشاء مصنع للمراكب البحرية. فاستحسن رأيه وكتب إلى أخيه 
عبد العزيز بن مروان وكان على مصرء أن يوجه إلى إفريقية ألف 
قبطي من بناة المراكب لإنشاء أساطيل تكون عدّة للمسلمين في 
هذا الثغر يدفعون بها عدوّهم. فوصل القبط إلى حسّانء وكان 
يومئذ يقيم بتونسء فأجرى البحر من رادس اثني عشر ميلا 
ووصله بقرطاجنة وبنى على طرف منها دار الصنئاعة وأمر بجلب 
الأخشاب من الغابات©7 ودار فيها العمل. فأنزلت إلى البحر عدة 
مراكب تعزّز بها الدفاع. ولما علم بذلك أكابر التابعين في. 
المشرق كتبوا إلى المسلمين في المغرب يحرضونهم على التجنيد 
البحري» وقالوا لهم من رابط عنا يوم برادس حجبنا عنه في 
المشرق بزوغينا له ثواب الح . ظ 

ومن أهم تدابير حسّان السياسية لصيانة البلادء وهو اليقظ 


(79) البكري » المغرب في ذكر بلاد إفريقيا والمغرب. مكتبة المثنى يغداد. 
ص 38, 


79 


الذي يعد لكل شيء عدت التفاته لإصلاح أغلاط العلائق 
الكنائسية وكانت تايعة لسلطات روحية أجنبية لا تتفق ومصلحة 
البلاد. فالكتائس التقليدية (الكاثوليكية ية) تابعة للكرسي الرسولي 
برومة والكنائس السنيّة (الأرئوذوكسية) تابعة لبطرياركية الفنار 
00 في القسطتطينية» وهما أجنبيتان عن البلاد لا سبيل 

غضاء عنهما. فجمع حسّان قساوسة المذهبين وأمرهما بقطع 
هذه الصلات مع تلك المراجع وربطها بالكئيسة المرقوسية في 
الإسكندرية التابعة للخلافة. وهو تدبير حسن للغاية يدل على 
ذكاء سياسي خارق يجدر بمثل حسان رجل الدولة. ومن 
إصلاحاته المهمّة المتعلقة بالتقاليد» تغيير الشعار. فقد كان 
لقرطاجئة شعار قومي اتخلته للبلاد منذ اعتنقت الديانة النصرانية 
يرسم على الصورة التالية: 


إب 


وهو يعرف بالصليب القرطاجني. فغيّره بصورة لا تنافي 
التقاليد الإسلامية وجعله على هذه الصورة : 


0 


فرقعم من الأول رمز التثليث وعوض الأخير بوضع كرة 
الأرض على العمود الأسطواني » وجعل ذلك بغار للمسلمين» 


50 


بدل الشعار القرطاجني وأجراه في صلك النقود. وكانت على عهد 
الروم البيزنطيين تضرب على الصورة الآتية: 


وسرت 
01 )2 
الوجه الأول (شكل 0: عليه صورة القيصر وولي العهد أو 
القيصرة, إن لم يكن للقيصر ولي عهد. وبه من الكتابة اسم 
القيصر وألقابه. 
ومن الوجه الثاني (شكل 2©: في الوسط م ليب مقام علق 
ثلاث درج وحول الدائرة ما تعريبه: ضرب هذا بإفريقية سنة 
كذاء وهي تذكر فحسب عقّد مقدّرة بعشر سئوات من استيلاء 
قيصر ذلك العهد. فيقال مثلاً: سنة كذا من العقد كذا. 
أما الدينار القرطاجني اللاتيني العربي الذي ضربه حسان 
في ولايته. فكان رسمه كما يلي : 


(2 01) 





فالوجه الأول (شكل 1): فيه صورة عبد الملك وولي 
عهذه. 
والوجه الثاني (شكل 2): فيه الشعار القرطاجني 
581 


الإسلامي . وبعد ححين » ضرب نقوداً أخرى حذف منها الصور 
:ووضع مكانها كتاية باللغة اللاتينية والأحرف اللاتينية بطريقة 
الاحتزال هكذا: . 


1010111 1110107 5 


وصورة الدنانير الثانية هكذا: 


ا 


(2) : 010 

فى الوجه الأول كتب عليه ما نصه: 

111 2101111113 170111111 7115111021215 5 

ترجمتها: بسم الله الرحمن الإلاه الأحد. 

5 15.آذخ 5011115 71151 1081715 105 آنآ 

تعريبها: وحده لا شريك ولامثيل له. 

71 121017101711 111 لم 11 11515111 

ضرب بإفريقيّة في العشرة الثالثة» يقابل 85 هجري . 

ومن ترائيب حسان في السياسة الداخلية .. أنه كتب الخراج 
على الروم والعته را ه من 00 ا من أسلم 0 لقاء 
السوس الأقصى . فمنهم من أسلم وحسن إسلامة. ومنهم من أبى 
وأطاعء فضربت عليهم الجزية. وهو سلطان عظيم لم يجتمع 

582 


لأحد قبله من الروم والفندال» ولكن ترقّب زوالا إذا قيل تم 
والدنيا ملاءة يتعاورها الإقبال والإدبار. 
عزل حسان بن نعمان عن ولاية إفريقية: 

بلغ عبد العزيز بن مروان أخا عبد الملك وعامله على مصر 
ما يتمتع به حسان من السطوة في هذه البلاد الواسعة,» فحسده 
وقيل وشي به إليه: أنه يريد الاستقلال والخروج على الخلافة 
الأموية . فدعاه إلى مصر وعزله عن الولاية©©. فثرك المغرب بعد 
أن استخلف أيا صالح وخرج إلى دمشقء ولما لقي الوليد بن 
عبد الملك شكا إليه تلك الفرية التي اتهمه بها عمّه وعزله 
بسبيها . فغضب الوليد من الوقيعة برجل لا تقرب التهم ساحته 
وكان يعرف عندهم بالشيخ الأمين9©. فقال له الوليد: لا تختم» 
فأنا أردّك إلى عملك. وأحسن إليك وأنوه بك عند أمير المؤمنين» 
وهو أعلم بمنزلتك من غيره. 

فقال له حسّان: لا تفعل فإنما خرجت إلى المغرب لإعلاء 
كلمة الله وقد فعلت وليس مثلي من يخون الله والخلفاء. وأقسم 
أني لا ألي أبداً عملا لبني أمية. فكلّم الوليد أباه بما لحق حسّاناً 
من عمه. فأحنقه حتى هم بخلع أخيه عبد العزيز عن مصر جزاء 
فعلته النكراء بيمين الدولة وأمينهاء لولا تعرض الوزير قبيصة بن 
ويب وكان على الختمء فأمسك عنه وفي النفس منه أشياء إلى 
أن عاجلته المنون» ولكنّ حسّاتاً أبى أن يرجع إلى الولاية رغم 
إلحاح عبد الملك. مكتفيا بما لحقه من الوشاية والعزل. 
80) ابن عذاري ج1 ص 30. 


(81) نفس المصدرء ص 31. 


83 


».0 اط 10 0ط ل9//:مغااطا 


البَابَالكَانّ 


عمترالولا” 
(86 - 184 ه / 5 - 800م) 


585 


1- ولاية موسى بن نصَيْر 
على إفريقية 

كان لتخلي حسان أو عزله عن إفريقية وقع شديد في دمشق 
والقيروان ولم يكن أحد يتصور أن الولاية التي كان يشغلها يسدّ 
مسدّه أحد فيهاء حتى تقلّدها موسى بن نصير بمساعي عبد العزيز 
ابن مروان على غير رغبة من أمير المؤمنين عبد الملك©©. وقد 
تكلّم عنه المؤرخون فذكروا له صفات ونعوتاً قالوا فيها: إنه كان 
من صفوة رجال الدولة الأموية كفاءة واقتدارء وكان أبوه يتولّى 
رئاسة حرس معاوية بن أبي سفيان» ولما كبر ابنه عيّنه عبد الملك 
معاون لأخيه بشر لما ولاه العراق» فتربّى في حجر الدولة ونشأ في 
كنفها واضطلع بأهمٌ المناصب قبل أن يتقلّد هذه الولاية. 
سياسة موسى في إفريقية سياسة عمل وحزم: 

لما وصل موسى إلى القيروان دعا الناس إلى المسجد© ثم 


2( السلاوي, الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى ج 1 ص 44. . 





00 


ارتقى المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: وأيها الناس إنما كات 
قبلى على إفريقية أحد رجلين» مسالم يحتبٌ العافية ويرضى 
لين بي الم أو يكرء أن يكلم وبحب أن يسلمء ورجل 
ضعيف العقيدة قليل المعرفة راض بالهون» وليس أخو الحرب 
إلا من اكتحل السهر وأحسن النظر وخاض الغمر ورسمت به 
ونه ولى يرض بالدون هن المغتم لينجو ويسلم هون أن يكلم أى 
يُكُلّم ويبلّغ النفس عذرها في غير خخرق يريده ولا عنف يقاسيه ., 
متوكلاً فى حزمهء جازماً في عزمهء متزيّداً في علمهء مستشيرا 
لأهل الرأي في أحكام رأيهء متحلكاً بتجاريبه » ليس بالمتجابن 
إقحاماً ولا بالمتخاذل إحجاماً. إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا 
وناب أظهر جلادة راجيا من الله حسن العافية للمتقين. 


وبعد فإِنّ من كان قبلي يعمد إلى العدوٌ الأقصىء ويترك 
عدوا منه أدنى ينتهز منه الفرصة» ويدل منهم على العورة ويكوث 
عوناً عليه عند النكبة. وأيم الله لا أريم هاته القلاع والجبال 
الممتنعة حتى يضع الله أرفعها ويذلٌ أمنعها ويفتحها على 
المسلمين بعضها أو جمعها أو يحكم الله لي وهو نخير 
الحاكمين»© . 
بطش موسى بالثوار واستنزالهم على الطاعة : 

لما وصل موسى إلى القيروان كان أبو صالح على ولايتها 
ومعه سفيان بن مالك الفهري» استخلفهما حسّان قبل قفوله إلى 





(3) ابن قتيبة» الإمامة والسياسة» الطبعة الثانيةء مطبعة الحلبي» مصر 2 
ص 63-42. 


58 


الشام فنحاهما موسى عنهاء فشقّ ذلك على البربر وتنمروا عليه. 
وأوؤل من خرج عليه منهم لذلك قوم يقال لهم عَبدُوه من أهل 
زغوان» عليهم رئيس اسمه ورقطان» وتبعهم آخرون في جهات 
كثيرة» فأراد موسى أن يقرن قوله بالفعل فوجه إليهم 500 فارس 
عليهم رجل خشين يقال له عبد الملك فقاتلهم إلى أن هزمهم 
وقتل صاحبهم ورقطان وفتحت بلادهه . 

وأرسل موسى 100 فارس عليهم عيّاش بن أخيّل لتأديب 
هوارة وزناتة ومنازلتهماء فأغار عليهم وقاتلهم إلى أن أرجعهم 
وقتل رئيسهم كمَامُون فدعوه إلى الصلح فقاد وجوههم إلى موسى 
فصالحهم على ما رَضِيّهك . ظ 

ولما بلغ كتامة ما نزل بإخواتها خافته فقدمت من تلقاء 
نفسها على موسى. فصالحته وولّى عليها رجلا منهم. وأخذ 
عنهم رهونهمء وقد بلغ من حذره ويقظته أن هؤلاء الرهون 
استأذنوه مرة في الخروج إلى الصيد فأذن لهم . فبلغه أنهم إنما 
يريدون الهروب» فوجه الخيل تسرع في طلبهم ولما أوتي بهم 
أراد صلبهم. فقالوا: لا تعجل أيها الأمير بقتلنا حتى يتبيّن كل 
أمرناء فنحن عبدانك» وآباؤنا وقومنا لم يكونوا ليدخلوا أمرأً فيه 
خلافك. ونحن في يدك. وأنت على البيان أقدر منك على 
استحيائنا بعد القتل. فأوقرهم جنيدا وأخرجهم معه إلى كتامة. 


(4) نفس المصدر. ج 2 ص 63. 
(5) نفس المصدرء ج 2 ص 66. انظر أيضاً ابن عذاري ج1 ص 34): وقد ذكر أن 
زعيم البربر» اسمه «طامون». 


89 


فلما بلغهم قدومه خرج وجوههم يستقبلونه . ولما لقيهم تبينت له 
براءتهم فاستحيى رهونهم وصدّ عنهم. 

وقدم عليه الجواسيس من صلهاجة فأخبروه أنهم في غرّة 
وغفلة لا يستطيعون براحأً وكانوا عصاةء فخرج إليهم بأربعة آلاف 
من العساكر وألفين من المتطوعين. فخشيهم وهم لا يشعرون 
بقدومه حتى أوقع بهم ثم صالحهم وقفل عائداً إلى القيروان. 

ثم خرج بعد ذلك من القيروان واستخلف عليها ابنه 
عبد الله وسار في عشرة آلاف من العساكر وكان على مقدّمته 
عياض بن عقبة» وعلى ميمنته زرعة بن أبي مدركء وعلى ميسرته 
المغيرة بن أبي بردة القرشي. وعلى ساقته نجدة بن مقسم. 
أعطى اللواء ابنه مروان وهو يريد سجومة9© وما حولها للانتقام 
ممّن بقي من قتلة عقبة» فسار حتى إذا كان بمكان يقال له سجن 
الملوك ترك به الأثقال وأقام عليها عمرو بن أوس في ألف فارس 
ثم تقدّم حتى انتهى إلى نهر يقال له مَلُوية» فوجد حائلاً وأبى أن. 
يطول مقامه عليه خخوفاً من أن يبلغ العدرٌ مخرجه ومكانه. وكره أن 
يجوز على مخاضة عقبة» فأحدث مخاضة أخرى لمروره. فلما 
جاز إليهم وجدهم قد أنذروا به وتأهبوا لحربه. فاقتتلوا قتال 
شديداً وكانوا على جبل منيع وهو أسفل منهم لا يصل إليهم إل 
من شعب مخصوصة:. فواقعهم منها ثلاثة أيام من الصباح إلى 
العصر وفي اليوم الرابع خرج إليهم رجل من أمرائهم إلى أن وقف 





6 ابن قتيبة » المصدر السابق, اج2 ص 66. 
7) المرجع المذكور. ج2 ص 67. 


20 


بين الجنود وهم مصطفون فنادى بالمبارزة فلم يجبه أحد. فالتفت 
موسى إلى مروان ابنه فقال له: أي بني اخرج إليه. فخرج مروان 
ودفع اللواء إلى أخيه عبد العزيزء فلما رآه البربري استصغره 
وضحك ثم قال له: ارجع فإني أكره أن أقتلك وأنت حديث السن 
وأثكل فيك أبويك. فلم يمهله مروان حتى حمل عليه إلى أن 
ألجأه إلى الجبل. ثم إنه زرق مروان بالمزراق فتلقّاه مروان بيده 
وأخذه ثم حمل على البربري وزرقه زرقة وقعت في جنبه ثم 
لحقته حتى وصلت إلى د و فمال فوقع به البرذون. ل 
التقى الناس عليه فاقتتلوا قتالاً شديداً أنساهم ما كان م 
عليهم المسلمون انتصاراً عظيماً. وقد أبلى زرعة بن بن أبي مدرك 
في ذلك اليوم بلامٌ عظيماً حتى اندقّت ساقه فالى 00 
يحمل إلآ على رقاب الرجال حتى يدخل القيروان: يحمله 
خمسون رجلا كلّ يوم يتعاقبون بينهم حتى دخل على الرقاب©. 

وأمر موسى أولاد عقبة بن نافع عياضاً وعثمان وعبيدة أن 
يشتفوا من قتلة أبيهم ويضعوا سيوفهم في رقابهمء فقتل عياض 
وحده منهم في ذلك اليوم على ما ذكره ابن قتيبة 600 رجلا من 
كبارهم. ولما بلغ موسى عدد من قتل منهم أرسل إليه: أن امسك 
فقد استوفيت واشتفيت. فقال عياض: أما والله لو تركتني ما 
أمسكت عنهم وفيهم عين تطرف© . 

ولم يتعظ البربر بما نزل بهم بل حدث فيهم تأثير معكوس» 


5( ابن قتيبة) المرجع السابق» ج2 ص 68-67. 
(9) ابن عذاري, اج1 ص 34. 


91 


نقد حسبوا أن إجابة موسى طلبات من صالح منهم على تعيين 
حكام لهم من قبيلهم؛ إنما كان عن شعور منه بالضعف عن 
مقاومتهم » فتآمروا عليه وتواعدوا على اللقاء في درعة من بلاد 
موروطانيا للثآمر على إنزال ضربتهم القاضية على العرب وطردهم 
من إفريقية . فكانوا يزحفون إلى الموعد إلى أن بلغ خبرهم موسى 
فخرج إليهم أول ررنة 86 01243 يتعقبهم ويقص آثارهم حتى 
باغتهم وهم مجتمعول؛ فأجفلوا منه وتفرّقوا. ثم بلغه أنهم 
يتجمعون في السوس الأقصى على مزدانة الأسواري فوججه إليهم 
انه موك في 0 رجل» فلما التقوا ورأى مروان أن الناس قد 
تعجلوا إلى قتا العدو» وكان في يده قناة وفي الأخرى ترس وإنه 
ليشير بيده إلى الناس: أنْ كما أنتم إلى أن اقترب الجند فأمر 
عساكره بالهجوم فاقتتلوا اقتتالاً وجيعاً ثم انهزم مزدانة ومنح البربر 
أكتافهم للمسلمين ثم استسلموا وتعاقدوا على الصلح. 


الكيد في الحرب: 

بلغ موسى أن صاحب قلعة أرساف أغار على بعض 
الأطراف من سواحل إفريقية حتى نال منها. فخرج إليه بنفسه 
يطلبه ففاته ولم يدركه. فاشتدٌ ذلك عليه وقال: قتلني الله إن لم 
أقتله وأنا مقيم في مكاني. فأقام موسى ما أقام ثم إنه ذعا رجلا 
من خاصته فقال: إني موججهك في أمر وليس عليك فيه بأس ولك 
لعيدهم . فإذا كان الليل فادن من ساحلها ودع إحدى هاتين 
الأذنين بما فيها ثم انصرف بالآذن الأخرى. وجعل موسى فيها 

52 


شيثاً من الخ والوشي وما إلى ذلك من طرائف بلاد العرب. 
وكتب رقعة بالرومية كأنها جواب لكتاب كتب إلى موسى يسأله 
الأمان على أن يدلّه على عورة الروم وكتب فيه أماناً من موسى 
وقع عليه بختمه. 

فسار الرسول حتى انتهى إلى الموضع الذي وصف له 
موسى فترك الأذن بما فيها وانصرف راجعا بالثانية حتى قدم على 
موسى . 

ولما عثر الروم على أذن موسى استنكروها ورفعوا أمرها , 
إلى بطريق تلك الناحية فأخذ ما فيهاء فلما رأى الكتب والهدية 
تهيّيهماء فبعث بهما إلى ملك الروم» فلما أفضى بهما إليه وقرأ 
الكتاب» تحيّقت لديه خيانة عامله فبعث مكانه إلى أرساف رجلا 
3 عليها وأمره بضرب عنق صاحبها الذي أغار على ساحل 

فريقية ففعل» وكان انتقام موسى منه بهله الحيلة الغا( . 

إخلاد البربر إلى الطاعة وإنصاف موسى لهم لقاء ذلك: 

علم البربر من صراحة موسى وصرامته أن الموائبة لا 
تجدي عنهم شيئاً فأخلدوا إلى الطاعة وأخذوا يسألونه إنصافهم 
وتعيين حكام عليهم من أنفسهم يفهمون رغائبهم ويتولّون فض 
خصوماتهم. فرق لهم. ولم ير مانعاً عن رمعم وإجابة 
سؤالهم . فندب طارق بن زياد البربري النفزي وقلّده الولاية على 
مغربهم وأقامه بين أظهرهم في مديئة طنجة(1!) وترك معه سبعة 


(10) ابن قتيبة» المرجع السابيق» اج2 ص 73-18 
(11) ابن الأثير ج 4 ص 428» وابن عذاري ج1 ص 37,» وابن عبد الحكم ص 71. 


593 


عشر ألف فارس من العرب والبربر. ثم عاد من قوره إلى 
إفريقيّة» فمرٌ بقلعة مسجانة فتحصّن منه أهلهاء فأمسك عن 
مناجزتها وترك بها جنداً يحاصرهاء عليه بشر بن فلان7" وأمره أن 
لا يفك عنهم إلا إذا التزموا الطاعة وتركوا القتال» ثم واصل سيره 
إلى القيروان فدخلها في رمضان سنة 86 [124]. وبعد أن أقام بها 
أشهراً وافته الأنباء بمصرع أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان 
وجلوس ابنه الوليد على عرش الخلافة في شوال السنة. 
توحيد العمل بالسياسة الإسلامية وربطها بمركز الخلافة : 

كان الوليد فتى بني مروان صليب الرأي شديد الملوكية؛ 
حريصاً على تثبيت السلطة المركزية في الخلافة دون أن يدع فيها 
تساهل أو هوادة!2©. فكتب بذلك إلى عمّاله وأمرهم أن لا يبرموا 
أمر دونه إذا لم يتبينوا رأيه فيه توحيداً للسياسة وصبغها بالصبغة 
الآموية الخالصة. ثم ترادفت كتبه على العمال بمشاريع 
الإصلاحات» كالتنبيه للتعمير وإقامة الأوابد والاعتناء ببناء 
المصانع وتعبيد الطرق» وحفر الآبار وإنباط المياه. ومما يذكر في 
ذلك بمزيد الإعجاب: الأمر بتحجير أصحاب العاهات ومنعهم 
من الاتصال بالناس وأن يعطى للعمي والمقعدين والمجذومين 
كفايتهم من بيت المال وأن لا يكونوا عالة على غيرهم يتكقفون 
الناس» وجعل لكل مقعد خادماً ولكلّ ضرير قائداً. وممًا يؤثر عن 
سياسة الوليد الترفع بها عن قبول الوشايات وسماع النمائمء ومن 


(13) وكان القصد من ذلك إحداث التجانس في الآراء والمفاهيم بين المسلمين. 
(المؤلف). 


94 


ذلك: أنه لما قحطت إفريقية واشتدٌ انحباس الغيث عنها خرج 
موسى يستسقي بالناس فخطبهم ولم يذكر اسم الوليدء فقيل له 
في ذلك. فأجاب, هذا مقام العائذ بالله لا يليق أن يذكر فيه أحد 
ولا يدعي إلا الله. فنقل عنه هذا القول إلى الوليد فلم يتحرج 
منهء بل أعرض عن القائل واشتدٌ فى تأنيبه وقال: لا تعد لمثلهاء 
فقد أصاب موسى وما أنا في مقام ذكر الله00؟!. 


2 فتح الأندلس 

اهتمام موسى برد ممتلكات إفريقية التي كانت لها على عهد 
الفيئيقيين : 

كانت نحطة الدولة الأموية فى المغرب قائمة على استرداد 
ممتلكات إفريقية القديمة خلف البحار وهي لها حدود طبيعية. 
وامتلاكها ضروري لسلامة البلاد من الغارة عليهاء لذلك شمر 
موسى على ساعد الهمة. بعد أن فرغ من تطويع البربر على 
استردادها . فأمر دار الصناعة بإعداد مائة مركب ولما تم تجهيزها 
دعا عساكره أن يتأهبوا للغزو في البحر وأعلمهم أنه خارج بنفسه 
معهم » كما حكى عنه ذلك ابن قتيبة في غبٌ الناس في الكون 
معه ولم يتسخللف شريف ولا عظيم إلا تجئد وركب الأسطول 
ولما لم يبق لإقلاعه إلا رفع الشراع» أمر برمح وعقد عليه لابنه 
عبد الله ولاية الأسطول» ثم أذنه بالمسير على بركة الله إلى 
سردينية090 , وأراد موسى بإعلان خروجه في هذه الحملة؛ أن لا 
يتخْلّف عنها أحد من أهل الجلد والنكاية والشرف» حتى ركبوا 
(14) ابن الأثير ج 4 ص 428, والسلاوي ج1 ص 44. 
15 ابن فتيبة المرجع السابق. ج 2 ص 70,. 


5835 


جميعاً . وبذلك سمّيت غزوة الأشراف. ثم سار عبد الله بن موسى 
بهذه القوة الهائلة وهي أوّل غزوة بحرية غزاها المسلمون في 
أروبا»ء بعد استقرارهم في إفريقية» وكان بها من الجنود نحو 
الألف. فيخط على سردينية وأصاب يها من الروم مغانم كثيرة » ثم 
عاد منها ظافراً إلى إفريقية . 

ولما كتب موسى إلى الوليد بالبيعة استأذنه بإعادة الغزو 
على السواحل الروميّةء فأذنه بمناوشتهم دون مناجزتهم. فآمر 
موسى بإخراج الأسطول وقسمه إلى عمارتين: عيّن على إحداهما 
عياش بن أخيل وجعل على الأخرى طريف بن زرعة البربري . 
سيّر الأول لإشغال صقلية9© والثاني إلى جزر الآندلس» فشتى 
ابن أخيل في البحر ثم حطّ على شركوزة» فانتعشت بذلك أحلام 
الذين كانوا ينتظرون مصير تلك البلاد للمسلمين. ثم عادت 
العمارة إلى إفريقية» وقد خلفت بها ما لا يعادله دك الحصون 
واستنزال المعاقل . وسار طريف إلى الجزر الجنوبية من الأندلس 
القريبة من شواطىء المغرب. 

وليس موسى» في انتباهه ويقظتهء من يغفل عن اتخاذ تلك 
التدابير وهو العالم بما تضطغنه الأمم النصرانية للاسلام بعد أن 
دّخَرها في المشرق والمغرب» وإليه أمره وصيانة مقدراته في بلاد 
النغرب ولآايزتاب في تعره ]لبه عنما شرق الفرضة: لذلك 
لم يفتأ عن تعقّبها في تلك الأطراف وإجلاء القوطيين من الأندلس 
إلى ما وراء جبال البرتات. 

وفعلا فقد نزل طريف بعساكره جزيرة قريبة من ناحية 





)16( ابن عذاري» ج1 ص 36. 


526 


المغرب عرفت باسمه إلى هذا العهد أنزل بها مائة فارس 
وأربعمائة من المشاة المعروفين برماة الحدق. واتخذها قاعدة 
لأعماله العسكرية في إشغال تلك الجزر. شظ 

كانت هذه الغارة البحرية على جنوب أروبة بمثابة إنذار 
صارخ لسكان تلك السواحل بأن الحضارة العربية قد أطلّت 
عليهم مرّة ثانية من أفق المشرق حاملةً لواء النور الإلاهي لا 
الدُّمى والزجاج التي حملها أوّل مرّة سلفهم من الفينيقيين. وفي 
ذلك تنبيه لمن حثّهم بها منهم بأن ساعة بعثهم قد اقتربث وأنهم 
سيعودون أحياء من أرماسهم - التي وأدهم فيها الرومان» فإذا هم 
قيام ينظرون يستبشرون بنعمة من الله ورضوانه. 

وما كان طارق ذلك القائد الجليل الذي رفعه الإسلام إلى 
منزلة الأبطال وخوّله أسمى مراتب الشرف ليألو جُهْداً في تحقيق 
تلك الأمنية الإسلامية في بلاد القوط. فقد كان جاداً على الدعاية 
لها في دواخل الأندلس بالتشويق والوعود والصلات والمؤازرة في 
النوائب حتى أمال الله خلقاً منهم وحبّب إليهم الدخول تحت 
رعاية الإسلام. فتبادروا إلى موسى بن نصير يستنجزونه الوفاء لهم 
بذلك. فكانوا ينتظرونه وهم على أحرٌ من الجمر. 

سعى ذوو الشأن من الأندلسيين في طلب حماية الإسلام 
على بلادهم لما رأى عظماء الإسبان ما يتمتع به أهل المغرب من 
الرفاهية وما أصابوا من حظوظ في السياسة على عهد الإسلام 
وكفٌ أيدي الولاة عن المظالم اغتبطوا بهم وتمنوا لو تنال بلادهم 
مثل ذلك ويتخلصون من عسف ملكهم لذريق7© وحاشيته. 


(17) لذريق هو آخر ملوك القوط بإسبانياء كان أبوه دوق قرطبة تنصبٌ عليه غيطشة - 


597 


فكتب بذلك الكونت أليان حاكم الجزيرة الخضراء إلى موسى بن 
نصير (وكانت له سابقة مع عقبة) يلتمس منه التعجيل بإرسال 
العساكر لاستنقاذ البلاد من حكم القوط وتعهده بالمساعدة التامة 
في ذلك. فكتب موسى إلى أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك 
يستأذنه في ذلك. فردٌ عليه الوليد أن لا يعجل. وأن يختبر 
الأندلس بالسرايا قبل الغزو كي لا يغرّر بالمسلمين أو يورطهم . 


غزو الأندلس ومخالفة طارق لرأي أمير المؤمئين فيما أشار به 
على موسى : 

لما أبطا جواب موسى على الكونت كتب إلى طارق يدعوه 
إلى عبور الأندلس بجنوده. حتى لا ينتبه القوط للأمر ويعدّوا له 
عدّته. فرأى طارق أن الفرصة سانحةء. وهو القريب من تلك 
البلاد يرى فيها ما لا يراه أمير المؤمنين وهو بعيد عنهاء وأشفق 
من انفلات الأندلس من بين أيديهم. وقد أحسن صنعا بذلك 
إحساناً لا تعادله الطاعة العمياء في غير منفعة» وأبى أن يعود 
لمشاورة أميره» خيفة أن يبعث إليه بالإصرار على ترك الفتح. لما 
يعلم من إيثار أمير المؤمنين ولا يريد أن يفتات عليه في أمر من 
الأمور. فانتخب اثني عشر ألفا من المقاتلين وأحضر لهم الكونت 
أليان مراكب تجارية نقلتهم من العدوة إلى الأندلس» فوجاً بعد 
فوج» دون أن يشعر القوط بذلك وجاز طارق في أثرهم فنزل 


ملك البلاد وسمل عينيه. فثار عليه لذريق وهزمه واستولى على عرش إسبائيا 
مكانه. فاتفق أولاد غيطشة مع الكونت أليان والي سبتة على الاستنجاد 
بالعرب وإجازتهم إلى الأندلس. (المؤلف). 


98 


فرضة من الأندئس واقعة على جبل هناك دعي باسمه «جبل 
طارق» وكان ذلك في غضون سنة 92 [9]711©. وبعد ذلك أمر 
طارق بإغراق المراكب لينقطع بذلك أمل العساكر في الرجوع. 
ثم قال لهم: «سيروا على بركة الله لا وقاء لكم بعد اليوم إلا 
تحت ضباة السيوف. العدو قبلكم والبحر وراءكم. فإما النصر 
وإما الموت حرفا أو غرقاء فاختاروا منها لأنفسكم ما شئتم69. 

وهكذا جاز طارق بلاد الأندلس وأمر جنوده أن يخترطوا 
سيوفهم وأن ينادوا بالتهليل والتكبير» وتقدّموا لغزو البلاد إلى أن 
التقت بهم أجناد القوط ودارت بينهم معارك عنيفة كتب فيها النصر 
لطارق في واقعة حاسمة عرفت بواقعة وادي الطين قتل فيها ملك 
القوط لذريق9 في منسلخ الليلة الرابعة من شوال السنة. ثم 
أرسل فريقاً كبيراً من جيشه إلى قرطبة ليشغل من فيها عن قطع 
طريق عودته» وكان قد استولى قبل ذلك على مدينة استجة 
صلحاً. كما أرسل فريقاً آخر لفتح أوريولة جنوب شرقي 
الأندلس. ومضى طارق بمعظم جيشه مسرعاً إلى طليطلة ليصل 
إليها قبل أن يتحصن بها أنصار لذريق. 

فأما الجيش الذي سار إلى قرطبة فقد دلّهم راع على ثغرة 
فى سورها فدخلوا منها إلى المدينة وملكوها. وأما الذين قصدوا 


(18) ابن الأثير ج 4 ص 449: والسلاوي ج1 ص 43 واين عبد الحكم ص 73. 

(19) أورد هذه الخطبة ابن قتيبة (المرجع السابق ج 2 ص 74). 

(20) لا يجزم ابن عذاري بموت لذريق ويكتفي بقوله: «ولم يعرف للذريق موضع 
ولا وجدت له جثّةء وإنما وجد له خفٌ مفضض فقالوا إنه غرق وقالوا إنه 
قتل» والله أعلم». (البيان ج 2 ص 10). 


99 


أوزيولة» فلقيهم حاكمها تدمير ومعه عسكر كثيرء فقاتلهم عليها 
قتالاً شديداً ثم انهزم فقتل من أصحابه بشر كثير» فأمر تدمير 
بتجئيد النساء قأجيّنه ولبسن السلاح ثم صالح بعد ذلك على 
المدينة0ة© , 

وفي الجملة فقد توققت جميع الفرق من فتح المدن التي 
قصدت إليها وانهزم ملك القوط في الأندلس . أما طارق فإنه لما 
وجد طليطلة فارغة خاوية على عروشها ضم إليها اليهود©" وترك 





(21) ابن الأثير» ج 4 ص 446. 

(22) لما نزل م الأندلس حورّروا اليهود من الاضطهاد المسيحي. وقد قص 
علينا دوزي ما كانوا يعاملون به قبل مجيء المسلمين. قال: إن رجال الدين 
الكاثوليكي كانوا يرهقون اليهود عسراً ويبالغون في إيذائهم واستشهد على 
ذلك بقول المؤرخ الفرنساوي ميشلي قال: كان الناس في القرون الوسطى 


كلّما سألوا: لماذا هذا العالم الذي ينبغي أن يكون المثل الأعلى من 
الفراديس في ظلّ الكنيسة» نراه انقلب جحيماً. أجابتهم الكنيسة: «إن هذا 
من غضب الله الذي يرى أن قتلة ربنا لا يزالون وافرين؛. 
فبدأ اضطهاد الكئيسة لليهود سنة 616 في أيام الملك سيسبوت وتقرر إعطاء 
اليهود مهلة سنة ليتنضرواء فإن لم يتنصروا في خلال تلك السنة نفوا إلى 
خارج إسبانيا وضبطت أملاكهم وجلد كل منهم ماثة جلدة فتئصّر منهم تسعون 
آلفاً من مجرّد الرعب. ولكن المتنصرون لبثوا يخفون أولادهم ويدينون بدين 
موسى. فقرر مجمع الأساقفة اراق الم المنعقد في طليطلة تركهم أخيراً وشانهم 
بشرط أن يسلموا أطفالهم لأجل تنشئتهم في التصرائية. ثم في المجمع 
السادس في طليطلة قرر الأساقفة - لا يؤذن بمبايعة ملك إسبانيا إلا على 
شرط إنفاذ قرارات المجامع الأسقفية عن اليهود. ٠‏ وبرغم هذا كله بقي يهود 
كثيروت في تلك البلاد. ولكن استمر المسيحيّون يعذبونهم نبجو من ثمانين 
سنة إلى أن فرغت جعبة اصطبارهم فاجمعوا الثورة بمظاهرة ود البربر في 
إفريقية ووعدهم هؤلاء بالإجازة إلى الأندلس لأجل نجدتهم. وكان ذلك زمن 
الملك أجيكا الذي بلغه هذا الخبرء فجمع الأساقفة وبعد أن استوثقوا من 
صحّة الخبر قرّروا استعباد اليهود بأجمهم وضبط جميع أملاكهم وقضي على - 


100 


60500 6010ل //:مااط 


معهم جنوداً يحرسونهم وسار هو إلى وادي الحجارة فقطع الجبل 
من فج فيه حتى انتهى إلى مدينة جليقة فاخترقها وانتهى إلى 
مدينة استرقة ثم عاد إلى: طليطلة ووافته إليها الجنود التي كانت 
معسكرة على استجة بعد أنه فرغوا من المدن التي توجهوا 
إليها0© , 


فتوحات موسى بن نصير في الأندلس: 

وهنا انتبه طارق إلى واجبه فكتب إلى مولاه موسى بن نصير 
يبشره بهذه الفتوحات الجليلة التي .قام بها في الأندلس. ولمًا 
وصله كتابه فارق القيروان في رجب سنة 93 [712] وركب إلى 
الأندلس بعد أن استخلف على إفريقية ابنه عبد الله. وعبر إلى 
طارق في رمضان السنة ومعه عشرة آلاف مقاتل من خيرة الجنود 
الإفريقية. وكان على حربه القائد الجليل حبيب بن عبيدة بن 
عقبة بن نافع الفهري. فلما عبر الجزيرة الخضراء أمر الأدلاء أن 
يسلكوا به غير الطريق التي سلكها طارق وقصدوا به جهات لم 
فتح. فساروا إلى مدينة سرفوزة9© وهي أحصن مدن الأندلس» 
فتقدّم إليها أليان وخاصته على حال المنهزمين ومعهم السلاح, 
فأخلوهم المدينة. فأرسل موسى إليهم الخيل» ففتحوها لهمء 


م« 5 


اليهود بأن يكونوا عبيداً لمن كانوا عبيداً لهم. ولما جاز المسلمون إلى 
إسبائياء كان اليهود في أشدّ العذاب فحرّروهم وأعادوا لهم حريتهم. 
(المؤلف). 

(23) ابن عبد الحكم ص 275 وابن الأثير ج 4 ص 456. والبلاذري ص 331: وابن 
فتيبة ج 2 ص 75. 

(24) بل «قرمونة»» كما أشار إلى ذلك ابن الأثير ج 4 ص 447. 


101 


ودخخلها المسلمون وملكوها بهذه الحيلة الحربية9© . 

ثم سار موسى إلى إشبيلية وهيٍ من أجل مدائن لادان 
بنياناً وأفخمها آثاراًء فحاصرها أشهراً وفتحها وهرب مَنْ بها 
فانزلها موسى اليهود المضطهدين» كما فعل طارق بطليطلة وسار 
إلى مديئة ماردة» فحاصرها وقد كان أهلها مستعدّين للقائه فقاتلوه 
قتالاً شديداً حتّى كمن لهم موسى ليلا في مقاطع الصخر مع قسم 
من -جنوده ولم يرهم الأندلسيون. فلما أصبحوا زحف عليهم جنود 
المسلمين خارج الكمين على عادتهم. فصمد لهم الأندلسيون 
ولم يشعروا حتى خرج عليهم الكمين من الخلف وعديو بهم 
وحالوا بيهم وبين المدينة وأحدثوا فيهم قتا كوا ثم دخلوا 
المدينة وأقاموا بها أشهراً تحث الحصارء فززرحف إليهم المسلمون 
بالديّابات وثقبوا أسوارها. فخرج لبهم أهلها فقتلوهم جميعاً عند 
البرج؟ ولذلك سمي برج الشهداء. ثم سار إليها موسى ففتحها 
فلحا يوم عيد الفطر سنة 94 [يونيو 0 وأحال إلى المسلمين 
جميع أموال القتلى يوم الكمين» وأموال الهاربين إلى جليقة 
وأموال الكنائس وحليّهاء ثم نكث أهل إشبيلية العهد فاجتمعوا 
اراي نواد الع 0 فسيّر إليهم موسى ابنه عبد العزيز 
فملكها عنوة وسار عنها إلى كبكة وباجة فملكهما وعاد إلى إشبيلية 
ثم فتم ماردة20 , 

وعقب هذه الفتوحات ا ظَ لعظيمة» قصد موسى لقاء طارق في 


(25) ابن الأثير ج 4 ص 447. 
(26) نفس المرجع . 


102 


طليطلة. فخرج للقائه. ويذكر المؤرخون في هذا اللقاء هنات 
ارتكبها موسى مع قائده لإقدامه على مخالفة أمر أمير المؤمنينء, 
زآينا أن تقترب صقهاً عن ذكرها وأن نكتفي بهذه الإشارة تفادياً 
من التطويل. ثم توه موسى إلى سرقسطة ومدائنها وأوغل منها 
في بلاد الإفرنج. ولما كان عليها وافاه مغيث الرومي رسولاً من 
قبل الوليد يأمره بالقفول إليه. فساءه ذلك ومطل الرسول. وهو لا 
يريد أن يترك شبراً من أرض دخلها جند العدو. فسار يغزو ويفتح 
حتى بلغ صخرة بّلاي على بحر المحيط©. فقدم عليه رسول 
آخر اسمه أبونصر لقيه في لك بجليقة. فخرج للقائه على الفج 
المعروف بفح موسى ووافاه طارق من الثغر الأعلى فأقفله معه 
ومضيا إلى المشرق. 

وجاء في كتاب بهجة النفس أن المسلمين لما بلغوا مدينة 
أوطون لم يتركوا شيئاً من الأندلس لم يتغلبوا عليه إلا جبال 
قرقشونة289) وجبال السلوقة وجبال قشتالة وهي أفدح غلطة وقعت 
في تاريخ الفتوحات الإسلامية وكان الاستيلاء عليها ضرورياً. ولو 
تم لقضي نهائياً على النصرانية في الأندلس. ولكن العدول عنها 
جعلها معقلاً حصيئاً للصليبيين وملجا لجنودهم يتحصنون فيه ثم 
يغيرون منه على البلاد آنا فآناء وهي تمدّهم من الخلف إلى أن 
اشتدٌ بأسهم فأرحلوا المسلمين عن قسطيلة» ثم ما زالوا 
يطاردونهم من مكان إلى مكان إلى أن أجلوهم عن الأندلس 


(27) نفس المرجعء ص 448. 
(28) وهي من البلاد الإفرنسية. (المؤلف). 


103 


وأدالوا منهم . . وتلك عاقبة الأغلاط. تكون صغيرة ثم تكبر شيئاً 
فشيئاً وتعظم إلى أن تصير وبالاً على الأمم . 
اهام موسى بالخلع وادّعاء الاستقلال: 

بينما كان موسى عانياً بالجهاد في فرنسا بعد أن فرغ من 
الأندلس ومقارعة النصرانية في عقر ديارها وتركيز سلطان الإسلام 
فيهاء كان أعوان الشرٌ والهزيمة يمشون في دمشق بالنمائم ونشر 
الأخبار الكاذبة عن عزمه على خلع الأمويين. وكان كتب إلى 
الوليد وهو على طليطلة يبشره بالفتح مع علىٌ بن رباح وسير معه 
0 الجنود فوصل إلى دمشق والتهمة مستفحلة في ذهن 

مير المؤمنين وازدادت حين أبطآات عليه كتب موسى . فأمر الوليد 
0 المدينة أن يعلن عزل موسى عن الولاية ويدعو عليه دبر 
كلّ صلاة. ولما وصل الوفد دمشق دل المسجد لصلاة العصر 
فسمع القاضي يدعو على موسى» فاعترضه علي بن رباح رسول 
موسى وقال رافعاً صوته: أيها الناس الله الله في موسى والدعاء 
عليه! والله ما نزع يدأ من طاعته ولا فارق جماعة وإنه لفي خدمة 
أمير المؤمنين والذبٌ عن حرمات المسلمين والجهاد في سبيل 
الله . وإني لأحدثكم عهداً به وما قدمت إلا من عنده. وإن عندي 
نخبره» 5 أفاء الله على يده لأمير المؤمنين ما تقر به أعينكم» 
ويسر خليفتكم . 

وما بلغ خب الود إلى اللي وان أت من قبل موسى 
أرسل إليه يدعوه» فأدخل عليه ثم سألهء ما وراءك؟ فقال: كل ما 
يسرٌ أمير المؤمئين» تركنا موسى بالأدلس وقد أظهره الله ونصره 
وفتح على يديه ما لم يفتح على يد أحد. وقد أوفدني إلى أمير 

104 


المؤمنين في نفر من وجوه من معه من القواد لتبشير أمير 
المؤمنين. ٠‏ ثم ب إليه كتاب موسى, فقرأه الوليد» فلما أتى على 
آخره ساجدا لله تعالى ثم رفع رأسه فأتاه الى فخ كاشمير 
تبجا مر أخرى » 0 8 رأسه قأتام ناء الخبر عن أت 0 
يرفع 50 أبداء ثم 58 للوفد فأكرمه وسمع أتخباره وأقرٌ موسى 
على الولاية © , 


سبب رجوع موسى عن متابعة الفتح: 

أخبر عبد الرحمان بن سلام وكان من جنود موسى قال: 
كنت فيمن غزا مع موسى غزواته كلها فلم ترد له راية قط ولا هزم 
له جيش . وروى ابن صخران أن أسقفاً من أساقفة قفة الأندلس قال: 
إنا نجد صفاتك في كتب الحدثان عندنا كأنك صِيّاد تصيب 
بشبكتين. لك رجل في البرّ ورجل في البحر تضرب بهما ههنا 
وههنا فتصيب. فسرٌ موسى بقوله وأعجبه. 

وقال عبد الحميد بن حميد: إن موسى لما وغل وجاوز 
سرقسطة اشتدٌ ذلك على عساكره وقالوا: أين تذهب بناء حسبنا 
ما في أيدينا. وكان موسى حين دخل إفريقية وذكر عقبة بن نافع 
قال: لقد غرّر بنفسه حين وغل في بلاد العدؤ وهو محيط به عن 
يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه! أما كان معه رجل رشيد يرده. 
فسمعه حبيش الشيباني قال: فلما بلغ موسى ذلك المبلغ» قام 
حبيش فأخل بعنان فرسه ثم قال: إني سمعتك أيها الأمير وأنت 
تذكر عقبة بن نافع تقول: لقد غرّر بنفسه وبمن معه» أما كان معه 





(29) ابن قتيبة ج 2 ص 76-75. 


105 


رجل رشيد؟! وأنا رشيدك اليوم. أين تذهب؟ تريد أن تخرج من 
الدنيا أو تلتمس أكثر وأعظم وأعرض مما آتاك الله عزّ وجل من 
فتح وتدويخ؟ إني سمعت من الناس ما لم تسمع» وقد ملأوا 
أيديهم وأحبّوا الدعة. فضحك موسى وقال: أما والله لو انقادوا 
إليّ لقدمت بهم إلى رومية من هذا الطريق7©. 


قفول موسى من الأندلس وقدومه على الوليد: 

لما أحس موسى بضجر من كان معه من الجيش وقد 
أمضى في صحبته ستتين في الفتح كر راجعاً بهم إلى المغرب» 
وقبل خروجه من الأندلس أمر بضمها إلى ولاية إفريقية واستخلف 
عليها ابنه عبد العزيز©. ولما عبر إلى سبتة استخلف على 
المغرب ابنه عبد الملك. واستخلف على إفريقية وملحقاتها الآنفة 
ابئه الأكبر عبد الله ثم غادر القيروان سنة 98 [717]. وكانت ولايته 
لإفريقية على التحقيق اثنتي عشرة سنة قضاها في الفتوح 
والتأسيس وطبع البلاد على الطابع الإسلامي » وكان معه من بنيه 
مروان وعبد الأعلى وعبد الملك. وماثة من وجوه العرب 
وأشرافهم منهم: عياض بن عقبة» وعبد الجبار بن أبي سلمة 
والمغيرة بن أبي بردة» وزرعة بن أبي مدرك» وسليمان بن نجدة» 
ومائة من وجوه البربر وأمرائهم فيهم أبناء كسيلة وبنو قصُدَّرء ومن 
دانة ملك السوس وملك ميوزقة وعشرون أميراأ من أمراء جزر 
الروم ومائة من أمراء الأندلس من قوطيين وإفرنج ومعه هدايا مما 
في كلّ بلد من بزها ودوابها وطرائفهاء من جملتها عشرون تاجاً 


031 ابن عذاري ج 1 ص 38. 


06 


لملوكها محمولة على 130 عجلة» فاقبل يجرٌ الدنيا وراءه جرّأ لم 
يسمع بمثله ولا بمثل ما قدم ه62 , 

سعي وليّ العهد سليمان بن عبد الملك في تأخير قدوم موسى 
على الوليد©: 

. كان قدوم موسى على الوليد وهو في آخر شكاته من وجعه 
الذي توفي به فبعث إليه سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ على 
الرملة يأمره أن يتمهّل في مسيره وأن لا يتعجل بالدخول إلى 
دمشق لأن الوليد بآخر رمقه ليكون أول قادم عليه يوم يتولى 
الخلافة. فلما أتى موسى الكتاب قال: حببت والله ما غدرت ولا 
تربصت |ولا تأخرت ولا تعجلتء ولكني أسير بمسيري» فإن وافيته 
حا لم أتخلّف عنه وإن عجلت به ميته فأمره إلى الله. فرجع 
الرسول إلى سليمان فأخبره بذلك فقال: لئن ظفرت بموسى 
لأصلبئه ولآتِينٌ على نفسه وهو صاغر. 
وصف مقابلة الوليد لموسى بن نصير ومن جاء معه"”: 

كان الوليد ينتظر مقدم موسى وهو في طريقه إليه فكتب إليه 
يأمره بالعجلة في مسيره خوفا أن تدركه منيته قبل أن يقدم عليه 
وإنه يريد أن يرآه. ولم يكن لموسى ما يثبطه عن لقاء الوليد فاقبل 
حتى دحل عليه في يوم جمعة» والوليد جالس على المنبر في 
المسجد الأموي وكان موسى أوضى من بحاشيته من الملوك 
والأمراء أن يلبسوا تيجانهم وثياب زيانتهمء فلبس ثلاثون منهم 
(32) ابن قتيبة ج 2 ص 82. 
(33) ابن عذاري ج 1 ص 40: وابن عبد الحكم ص 82. 


(34) ابن عبد الحكم ص 82. آم ابن الأثير (ج 4 ص 2)458 فقد ذكر أنَّ موسى قد 
وصل إلى دمشق بعد وفاة الوليد. 





107 


تيجانهم وأمر أبناء أمراء البربر أن يتهيارا بهيئاتهم يكدلك أبناء 
ملوك الروم والإسبان أن يتهيأوا بمثل ذلك فتهيأوا حييناً ولبسوا 
تيجانهم. وأمر برصف الجواهر واليواقيت واللآلىء والزبرجد 
0-0 والوضاء والكساء 0 بالذهب والمحرش باليواقيت 
موسى بالمتوجين حتى دخل / بهم مسجد دمشق والوليد مكانه اله على 
المنبر يخطب وهو موهوق وقد أثرت فيه العلّة وإنما كان متحمّلا 
لأجل اقتبال موسى ومن معه. فلما رأهم التفت إليهم وقال الناس 
بعدما أقلعوا إليه بأعناقهم. موسى! موسى ! ثم أقبل حتى سلم 
على الوليد ووقف الغلا تون بالتيجان عن يمين المنبر وشماله. ثم 
أخذ الوليد في حمد الله والثناء عليه والشكر لما أيده الله به 
وتصره. ولما انتهى من الخطبة نزل وصلَّى بالناس» فلما فرغ من 
الصلاة جلس ودعا بموسى فافرغ عليه من الخلع المزركشة ثلاث 
مرّات وأجازه بخمسين ألف ديئار وفرض لولده حدما في الشرف 
وفرض لخمسين ممن كانوا معه كذلك. ثم رجع الوليد إلى 
القصر بين صفوف الجنود» ولما دخل القاعة عرض عليه موسى 
ملوك البربر والروم والإسبان والإفرنج . ٠‏ ثم أدخل عليه من كانوا 
في معيّته من وجوه البلاد من قريش وغيرهم من العرب فأحسن 
جوائزهم وفرض لهم في ديوان العطاء. وقد بدت دمشق ذلك 
اليوم في أبهى حلة من الزيئة وأقيمت فيها قباب الريحان تنويها 
بشأن موسى . ٠‏ وأقام في ضيافة الوليد أربعين و وفي حتامها 
أدركته الوفاة09 , 


(35) ابن قتيبة ج 2 ص 90. 


108 


عزل موسى بن نصير عن الولاية: 

حين أفضت الخلافة إلى سليمان بن عبد الملك بعد وفاة 
أخيه الوليد طلب موسى فأوتي به فعنفه بلسانه ومما قاله: أعلي 
اجترأت؟ وأمري خالفت, والله لأفلنّ عددك: ولأفرقنٌ جمعك. 
ولأبرّدن مالك» ولأضعنّ منك ما كان يرفعه غيري ممّن كنت تمنيه 
أماني الغرور وتخدعه من آل أبي سفيان وآل مروان. 


تأجابه موسى : والله يا أمير المؤمنين ما تعتلّ علي بذنب 
سوى أنني وفيت للخلفاء ء قبلك» وحافظت على ولاء النعمة. فأما 
ما ذكر أمير المؤمئين من أنه يفل عددي ويفرّق جمعي ويبدّد مالي 
ويخفُض حالي » فذلك بيد الله وهو يتولّى نعمة الإحسان علي وبه 
أستعين. ويعيذ الله عزّْ وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري 
على يديه شيئاً من مكروه لم أستحقه» ولم يوجب ذنباً اجترمته؟ ! 
أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي» ولا قدر جزائي » وأنا بعيد 
لأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين مع قدمة آباثي 
دم . فأمسك سليمان قليلاً ثم أمر به وكان 
في يوم صائف شديد الحرٌ فوقف تحث العراء وما زال كذلك 
حتى سقط على الأرض» وعمر بن عبد العزيز حاضر ينظر إلى 
موسى وقد رآه مغشيًاً عليه وحكي في ذلك فقال: : ما مر بي يوم 
كان أعظم عندي 2 ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم الذي رأيت 
ع ل 8ك 
فتح الله على يديه من الممالك إلى أن قال: فكتمني 
3 وقال: يا أبا حفص ما أظنٌ إلا قد خرجت من يميني؟ 
فقال عمر: يا أمير المؤمنين شيخ كبير بادن وبه سمنة قد أهلكته 


109 


وأنت على ما فيه من السلامة لك من يمينك وهو موسى البعيد 
الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين. قال عمر: والذي 
منعني من الكلام فيه هو ما كنت أعلم من يمينه وحقده عليه 
فخشيت إن ابتدأته أن يلح عليه وهو لحوح لجوج. فلما قال لي 
ما قال: حمدت الله تعالى على ذلك وعلمت أن الله قد أحسن 
إليه وأن سليمان ندم على ما صنع به©©. 

فقال سليمان: من يضمّه؟ فقال يزيد بن المهلب وكانت له 
عليه يد من قبل: أنا أضمّه يا أمير المؤمنين. فقال سليمان: ضمّه 
إليك يا يزيد ولا تضيق عليه. فانصرف به يزيد وقدّم إليه دايّة ابنه 
مخلد فركبها موسى وأقام لديه أياماً حتى تقارب ما بين موسى 
وسليمان وحرّرت وثيقة بذلك7© وبعد التقاضي سأل يزيد موسى 





(30) ابن قتيبة ج 2 ص 85-84. 

(37) نص وثيقة الصلح: هذا ما قاضى عليه عبد الله سليمان أمير المؤمنين قاضاه 
على مبلغ أربعة آلاف ألف ديثار وثلاثين ألف ديار وخمسين ديناراً ذهباً يؤديها 
إلى أمير المؤمنين وقد قبض منها أمير المؤمنين مائة ألف وبقي على موسى 
سائر ذلك أله أمير المؤمنين إلى سير رسوله إلى ابن موسى الذي بالأندلس 
يمكث بها شهرا وليس له أن يمكث وراء ذلك يوماً واحداً حتى يقبل راجعاً 
بالمال إلا ما كان من إقريقية وما دونها. وليس لموسى أن يتكثر بشىء مما كان 
عليه من العمل منذ استخلف الله أمير المؤمنين من ذمة أو فيء أو أمانة فهو 
لأمير المؤمنين يأخذه ويقتضيه ولا يحسبه موسى من غرامته. فإن أدَّى موسى 
الذي سمى أمير المؤمنين في كتابه هذا من المال إلى ما قد سمّى أمير 
المؤمنين من الأجل فقد يرى موسى وبئوه وأهله ومواليه وليست عليهم تبعة ولا 
طلبة في المال ولا في العمل. يقرون حيث شاؤوا. وما كان قبض موسى أو 
بنوه من عمال موسى إلى قدوم رسول أمير المؤمنين إفريقية» فهو من الذي 
على موسى من المال يحسب ممًا عليه: ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير 
المؤمنين فليس منه في شيء. وقد خلى أمير المؤمنين بين موسى وبين أهله - 


110 


كم تعد مواليك وأهل بيتك» قال: هم كثيرء قال: أيكونون ألفاً؟ 
قال موسى : نعم آلفا وألفاً حتى ينقطع النفس. لقد خلفت من 
الموالي ما أظن أن أحداً خلف مثلهمء قال له يزيد: إنك لعلى 
مثل ما وصفت وتعطي يدك؟! ألا أقمت بدار عرّك وموضع 
سلطانك» وبعثت بما قدمت بهء فإن أعطيت الرضا أعطيت 
الطاعة: وإلا كنت على التخيبر من أمرك. فقال موسى : والله لو 
أردت ذلك ما تناولوا طرفاً من أطرافي إلى أن تقوم الساعة. 
ولكني آثرت حقٌ الله ولم أر الخروج من الطاعة والجماعة. ولما 
تقاضى سليمان بن عبد الملك وموسى بن نصير على ذلك المبلغ 
من المال أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى وابنيه والكفٌ 
عنهم . 


3- ارتباك أحوال الدولة المروانية 

الدولة الأمويّة في عهد سليمان بن عبد الملك: 
لم يكن سليمان في صلفه وعنجهيته كابيه عبد الملك في 
بعد النظر وقوة السياسة واستقامة الرأي. ولا كأخيه الوليد في 
الاعتداد بالنفس وحسن التقدير للأمور, بل كان ضعيف الرأي » 
- ومواليه وليس له ظلم أحد منهم. غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا 
مولاه ولا شيئاً من الذي قد أباه عليه أول يوم . شهد أيوب بن أمير المؤمنين 
وداود بن أمير المؤمئين وعمر بن عبد العزيز وعبد العزيز بن الوليد وسعيد بن 
خالد ويعيش بن سلامة وخالد بن الريان وعمر بن عبد الله ويحيى بن سعيد 
وعبد الله بن سعيد.. كتبه جعفر بن عثمان في جمادى الآخرة سنة 99 ه [انظر 


111 


وأنت على ما فيه من السلامة لك من يمينك وهو موسى البعيد 
الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين. قال عمر: والذي 
منعني من الكلام فيه هو ما كنت أعلم من يمينه وحقده عليه 
فخشيت إن ابتدأته أن يلح عليه وهو لحوح لجوج. فلما قال لي 
ما قال: حمدت الله تعالى على ذلك وعلمت أن الله قد أحسن 
إليه وأن سليمان ندم على ما صنع به9©. 


فقال سليمان: من يضمّه؟ فقال يزيد بن المهلب وكانت له 
عليه يد من قبل : أنا أَضِمّه يا أمير المؤمنين. فقال سليمان: ضِمّه 
إليك يا يزيد ولا تضيّق عليه. فانصرف به يزيد وقدّم إليه دابة ابنه 
مخلد فركبها موسى وأقام لديه أيَاماُ حتى تقارب ما بين موسى 
وسليمان وحرّرت وثيقة بذلك7© وبعد التقاضي سأل يزيد موسى 


(36) ابن قتيبة ج 2 ص 85-84. 

37) نص وثيقة الصلح: هذا ما قاضى عليه عبد الله سليمان أمير المؤمئين قاضاه 
على مبلغ أربعة آلاف ألف دينار وثلاثين ألف دينار وخمسين ديناراً ذهباً يؤديها 
إلى أمير المؤمنين وقد قبض منها أمير المؤمئين مائة ألف وبقي على موسى 
سائر ذلك أجله أمير المؤمنين إلى سير رسوله إلى ابن موسى الذي بالأندلس 
يمكث بها شهراً وليس له أن يمكث وراء ذلك يوماً واحداً حتى يقبل راجعاً 
بالمال إلا ما كان من إفريقية وما دونها نها. وليس لموسى أن يتكثر بشيء مما كان 
عليه من العمل منذ استخلف الله أمير المؤمنين من ذمة أو فيء أو أمانة فهو 
لأمير المؤمنين يأخذه ويقتضيه ولا يحسبه موسى من غرامته. فإن أَذى موسى ١‏ 
الذي سمى أمير المؤمنين في كتابه هذا من المال إلى ما قد سمّى أمير 
المؤمئين من الأجل فقد يرى موسى وبنوه وأهله ومواليه وليست عليهم تبعة ولا 
طلبة في المال ولا في العمل» يقرون حيث شاؤوا. وما كان قبض موسى أو 
بنوه من عمال موسى إلى قدوم رسول أمير المؤمنين إفريقية» فهو من الذي 
على موسى من المال يحسب مما عليه ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير 
المؤمنين فليس منه في شيء. وقد خلّى أمير المؤمئين بين موسى وبين أهله - 


110 


كم تعدّ مواليك وأهل بيتك. قال: هم كثيرء قال: أيكونون ألفاً؟ 
قال موسى : نعم ألفاً وألفاً حتى ينقطع النفس. لقد خلفت من 
الموالي ما أظن أن أحداً خلف مثلهم, قال له يزيد: إنك لعلى 
مثل ما وصفت وتعطي يدك؟! ألا أقمت بدار عرّك وموضع 
سلطانك» وبعثت بما قدمت. به فإن أعطيت الرضا أعطيت 
الطاعة» وإلا كنت على التخبير من أمرك, فقال موسى : والله لو 
أردت ذلك ما تناولوا طرفاً من أطرافي إلى أن تقوم الساعة. 
ولكني آثرت حقٌّ الله ولم أر الخروج من الطاعة والجماعة. ولما 
تقاضى سليمان بن عبد الملك وموسى بن نصير على ذلك المبلغ 
من المال أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى وابنيه والكفٌ 
نهم 


3- ارتباك أحوال الدولة المروانية 
في المشرق والمغرب 
الدولة الأموية في عهد سليمان بن عبد الملك: 
لم يكن سليمان في صلفه وعنجهيته كأبيه عبد الملك في 
بعد النظر وقوة السياسة واستقامة الرأي. ولا كأخيه الوليد فى 
الاعتداد بالنفس وحسن التقدير للأمور, بل كان ضعيف الرأي » 
- ومواليه وليس له ظلم أحد منهم. غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا 
مولاه ولا شيئاً من الذي قد أباه عليه أول يوم . شهد أيوب بن أمير المؤمنين 
وداود بن أمير المؤمئين وعمر بن عبد العزيز وعبد العزيز بن الوليد وسعيد بن 
خالد ويعيش بن سلامة وخالد بن الريان وعمر بن عبد الله ويحيى بن سعيد 
وعبد الله بن سعيد. كتبه جعفر بن عثمان في جمادى الآخرة سنة 99 ه [انظر 
ابن قتيبة» ج 2 ص 93]. 


111 


قليل التدبير في العواقب» وكان حكمه مشوباً بالذّهل ودخائل 
النفس وهي التي جعلته يعجل بأكابر رجاله وأعاظم قواده أمثال 
قتيبة بن مسلم الباهلي فاتح المشرق وموسى بن نصير ممهد 
المغرب وفاتح الأندلس وعبد العزيز بن موسى بن نصير خلف أببه 
على الثغور المواجهة لبلاد الإفرنج ومن إلى هؤلاء من الأكابر 
الذين رفعوا شأن الدولة ومهدوا لانتشار الإسلام في تلك الأقطار 
التي أشغلوها. وأسند مناصبهم للضعفة والعجزة من الرجال 
العاديين الذين لم تصقلهم التجارب . 


فقد ولّى على خراسان وما وراء النهر أشرس بن عبد الله 
السلمي سئة 109 [728] وليس له من المؤهلات السياسية إلا أنه 
كان رجلا تقيّا نزيهاً وكانوا يلقبونه بالكامل» لا هم له إلا حمل 
الناس على الإسلام من غير تبصّر في العواقب. فآثار بذلك في 
ولايته مشاكل كان الواجب أن يكون بمفازة منها. فإنه لما قدم 
خراسان قال: ابغوني رجا له ورع وفضل أوجهه إلى ما وراء 
النهر يدعوهم إلى الإسلام » فأشاروا عليه بأبي الصيداء صالح 
ابن طرف فلما قدم عليه ولآه على ما وراء النهر. فاشترط عليه 
أبو الصيداء من أسلم ترتفع عنه الجزية. وكان خراج خراسان 
وبلاد ما وراء النهر موظفا على: الرقاب. فوافقه أشرس على طلبه 
من غير تدبر في العواقب. فقال أبو الصيداء لأعوانه: إني خارج 
للعمل فإن لم يف لي أحد بشرطي أعنتموني عليه . فوافقوه على 
ذلك. فشخص إلى سمرقند وعليها الحسن بن أبي العمرّطة 
الكندي. فدعا أبو الصيداء أهل سمرقند ومن حولها إلى الإسلام 
على أن توضع عنهم الجزية فتسارعوا إليه وأقبلوا على الإسلام . 

112 


فكتب نموزك أحد ملوك الأتراك إلى أشرس أن الخراج قد 
انكسر وأن أهل الصغد وأشباههم لم يسلموا رغبة في الدين وإنما 
دخلوه تعوذا من الجزية. فكتب أشرس إلى ابن أي العمرّطة : أن 
في الخراج قوة للمسلمين» وقد بلغني أن أهل الاسغد وأشباههم 
لم يسلموا رغبة فانظر من اختتن وأقام الفرائض ووحسن إسلامه 
وقرأ سورة من القرآن» فارفع عنه خراجه. 


فامتثل ابن أبي العمرّطة لأمر أميره وأبدى الشدة في ذلك 
فتعالت منهم الأصوات بالشكوى. فأمر أشرس برفع يده عن 
الخراج وصيره إلى هاني بن هاني وضم إليه الأشحذ. فقال ابن 
اي العمرطة لآبي الصيداء: لست الآن من الخراج في شيء» 
فدونك وهانئا والأشحذ! فقام أبو الصيداء يمنعهم أخحذ الجرية 
ممّن أسلم. فذهب دهاقين بخارى إلى أشرس يسألونه: ممّن 
يأحذون الخراج؟ وتمالوا قد صار الذين كانوا يؤدونها عربا (أي 
مسلمين) وكتب هانىء أيضاً إلى أشرس: أن الناس قد أسلموا 


فكتب أشرس إلى هانىء وإلى بقية العمال: خخذوا الخراج 
ممن كنتم تأخذونه منهم . فأعادوا الجزية على من أسلم . فامتئعوا 
عن أدائها. واعتزل سبعة ألاف ممن تظاهر بالإسلام من أهل 
الصغد. فنزلوا على 7 فراسخ من سمرقند. وخرج إليهم 
أبو الصيداء في جماعة من القواد وانضمٌوا إليهم فاشتدٌ بذلك 
الارتباك فخاف أشرس وأسرع بتنحية ابن أبي العمرطة عن 
الجنود. وعيّن مكانه المجشر بن مزاحم السلمي. 


113 


ولما رأى أصحاب أبي الصيداء ما نزل به اجتمعوا وولّوا 
أمرهم أبا فاطمة ليقاتلوا الآمرين بإيجاب الخراج على من أسلم . 
فقال لهم المجشر: كفوا الآن حتى أكتب إلى أشرس ويأتينا أمرء 
فنعمل به وكتب إلى أشرس: فردٌ عليه بأن يأخذ الخراج منهم. 
وأعاد هانثاً إلى عمله وأشرك معه سليمان بن أبي السري. فلح 
هانىء في جباية الخراج واستخفٌ بعظماء الترك والعجم وامتهن 
أكابر الدهاقين وأخذ الجزية من جميع الذين كانوا أسلموا حتى 
من الضعفاء والمساكين. وبسبب ذلك ارتدّت بلاد الصغد. 
واستجاشوا الترك. وتشعبت بينهم الفتن إلى أن جلس هشام بن 
عبد الملك على عرش الخلافة فأمر بتدويخهم. وهكذا كان 
ضعف السياسة وسوء التدبير سبباً في انحطاط الدولة وزوال هيبتها 
من المشرق» كما حدث مثل ذلك في المغرب بعد أن بلغت أوج 
عظمتها في أيام الوليد. 


تامر سليمان بن عبد الملك مع قواد إفريقية على قتل عبد العزيز 
بالأندلس : 

بينما كانت الفتن تعصب في المشرق وهي نائمة في 
المغرب». إذ يلغ عبد العزيز ما فعله سليمان بأبيه لغير سبب. 
فتكلّم في ذلك بكلام خفيف نقل عنه مبالغاً فيه إلى سليمان» 
فتوجس منه شرّاً فكتب إلى جماعة من قوّاد الجيش بالقيروان» 
حبيب بن عبيدة وابن وعلة التميمي وسعد بن عثمان بن ياسر. 
وعمرو بن زياد اليحصبيء وعمرو بن كثير» وعمرو بن شرحبيل : 
كتب إلى كلّ واحد منهم يعلمه بما بلغه عن عبد العزيز بن موسى 
وما هم به من الخلع. وأعلمهم أنه كتب إلى عبد الله بن موسى 

114 


يأمره بإشخاصهم إلى عبد العزيز وأعلمه أنه إنما دعاهم إلى ما 
أحبٌ من مكانفته لأنه بإزاء العدوء وأعطاهمُ العهود أن من قتله 
منهم فهو أمير مكانه. 

وكتب إلى عبد الله بن موسى أني نظرت فإذا عبد العزيز 
بإزاء عدو يحتاج فيه إلى الغناء والبلاء» فسأآل أمير المؤمنين عممن 
ينجده بهم» فأخبر أن معك رجالا منهم فلان*-ؤفلان ذكرهم 
بأسمائهم» فاشخصهم إلى عبد العزيز. 

وكتب سليمان إلى عبد العزيز: أما بعد فإن أمير المؤمنين 
علم ما أنت بسبيله من العدو ووحاجتك إلى الرجال أهل النكاية 
والغناء» فذكر ل أن بانريقة رعال 0 فكتب أمير المؤمنين 
إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إليك. فولّهم أطرافك 
وثغورك واجعلهم أهل خاضتك. ثم عاد سليمان وكتب إلى أولئك 
القواد: أني وطأت لكم الأمور وبعثت بكتاب إلى الأندلس 
بالسمع والطاعة لكم. فإذا ولآكم أطرافه فاقرأوا عهدي على من 
قبلكم من المسلمين ثم ارجعوا إليه حتى تقتلوه7©. 
تنفيذ هله المؤامرة الفظيعة: 

فلما قدم الكتاب على عبد الله بن موسى بإفريقية لَبّى الآمر 
وهو يجهل ما فيه من كيد. وأشخص القواد إلى الأندلس. 
فخرجوا حتى قدموا على عبد العزيز بكتاب سليمان وهم في 
إلطاف وإكرام. فقربهم عبد العزيز وأدناهم وحباهم وقال لهم: 
اختاروا أيّ نواحيّ وثغوري 0 فضربوا الرأي بينهم وقالوا: إن 
نحن قبلنا ذلك ثم رجعنا إليه من أطرافه لم تأمن أن يستميل معه 


57( ابن قتيبة ) جَ 2 ص 6-5 , 


115 


جمهور الناس وفي يديه الأموال والقوة من مواليه وغيرهم ولكن 
ينبغي إعمال الرأي الآن في الفتك به. وقال قائل منهم: إن ههنا 
رجلا إن دخل معنا استقام لنا الأمر ووصلنا إلى ما أردنا. وهو 
أيوب بن حبيب بن أخت موسىء فلقوه وراودوه على مواطتتهم. 
وقالوا له: إن قتلته فأنت الأمير مكانهء فقبل وبايعوه على ذلك. 
ثم إنهم أتوا عبد الله بن عبد الرحمان الغافقي وهو يومئذ سيد أهل 
الأندلس صلاحاً وفضلاً فكاشفه بأمرهم ثم أقرأوه كتاب سليمان. 
فقال لهم ناصحا: لقد علمتم يد موسى عندكم جميعا كبيركم 
وصغيركم» وإن ما بلغ أمير المؤمنين أمر كذب عليه فيه الرجل 
ولم ينزع يدا من الطاعة ولم يخالف فيستوجب القتل. وأنتم ترون 
وأمير المؤمنين لا يرى. فأطيعوني ودعوا هذا الأمر. فأبوا ومضوا 
على رأيهم وأجمعوا على قتله. فوقفوا له يوماً حتى خرج لصلاة 
الصبح ودخل المحراب وأحرم وقرأ فاتحة الكتاب ثم استفتح يقرأ 
سورة «الواقعة) فضربه حبيب بن أبي عبيدة ضربة (فدهش) ولم 
يصنع شيئا. فقطع عبد العزيز الصلاة وخحرج. فتبعه المتامرون 
حتى قتله ابن وعلة التميمي. فذهب عبد العزيز شهيد الظلم 
وسوء السياسة. رحمه الله . 

وأضحى الناس ولا حديث لهم إلا اغتيال الأمير المظلوم 
وقد أعظموا ذلك. فأخرج القتلة كتاب سليمان بذلك لتبرير 
موقفهم. ولكن الشعب ظلّ ساخطأاً على فعلتهم فلم يحفل أحدٌ 
بالكتاب وأجمع الناس على استفظاع الجريمة. واتفقوا على 
البيعة لعبد الله بن عبد الرحمان الخافقي8©. وخفٌ القتلة من 


(38) ابن قتيبة» ج 2 ص 97-96. 


116 


الأندلس مع حبيب بن عبيدة برأس عبد العزيز إلى سليمان بن 
عبد الملك. ولم يلبث سليمان أن كشف عن أمر عبد العزيز 
فألفى ما بلغه باطلاء وأن عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة 
مستقيم الطريقة. فندم على تعجله بالأمر وأبى أن يلاقي وفد 
القتلة. فأخرجوا من الشام دون أن ينظر في شيء من حوائجهم . 
وأسقط عن موسى بقيّة المال الذي كان قاضاه عليه. وكان يقول: 
ما ندمت على شيء ندمي على قتل عبد العزيزء ويميني على أن 
ولخوفه من عبد الله ابنه على ما صنع بأبيه وأخيه عزله عن الولاية 
وولآها عبد الله بن كريز © . 


4- ولاة إفريقية 
(بعد عزل عبد الله بن موسى) 
. ولاية عبد الله بن كريز على إفريقية وملحقاتها»: 


م 
00 


قلده سليمان بن عبد الملك الولاية بعد عزله عبد الله بن 
موسى فدانت له بالطاعة ولم يختلف عليه اثنان. وكانت ولايته 


(39) نفس المرجع. ص 99-98. ولكن ابن قتيبة روى أن سليمان كان يقول: دما 
ندمت عن شيء ندامتي أن لا كنت خلواً من اليمين على موسى في أن لا 
أوليه شيثاً. ما مثل موسى أستغني عنة» , 1 

(40) لقد أشارت المصادر القديمة إلى أن الذي تولّى على إفريقية بعد عزل عبد الله 
ابن موسى بن نصيرء هو محمد بن يزيد القرشي. انظر ابن الأثير ج 4 
ص 239 وابن عبد الحكم ص 86. وابن عذاري ج1 ص 44 والسلاوي ج 1 
ص 46. وورد ذكر عبد الله بن كريز فى «المؤنس» لابن أبى دينار» الطبعة 
الثالثة ص 38. ش ْ 


117 


مترامية الأطراف من برقة إلى السودان والمغرب وبحر الزقاق إلى 
بلاد قشتالة من أرض الأندلس. وانقطع في عهده شغب النصارى 
وثيار البربر فمنهم من دخخل في الإسلام ومنهم من أطاع وضربت 
عليه الجزية فأداها. 

وكانت إفريقية يومئذ بها كثير من النصارى من أهل الذمة 
حافظوا على نصرانيتهم إلى ما بعد المائة الرابعة ثم أسلموا 
جميعاً ولكن الديانة الغالبة كانت هي: الإسلام . 
ولاية إسماعيل بن عبد الله بن أبي المهاجر”” : 

واستمرٌ عبد الله بن كريز في ولايته إلى أن توفي سليمان بن 
عبد الملك2» وتخلّف عمر بن عبد العزيز فنسّاه وولّى مكانه 
إسماعيل بن عبد الملك بن عبد الله بن أبي المهاجرل» مولى بني 
مخزومء وكان كأميره بارا تقياً عادلاً. وتعلٌ ولايته من أجمل أيام 
الدهر على إفريقية وملحقاتها. وقد امتاز عهده الميمون بنشر 
العلم والتهذيب وتوزيع الفقهاء والمعلّمين على البلاد واستقدم 
لهذه الغاية الشريفة طائفة من فقهاء التابعين. انتهت إليهم الإمامة 
والرئاسة في العلم وحفظ السنة واللغة وأيام العرب» أمدّه بهم أمير 
المؤمنين عمر بن عبد العزيز وكانوا عشرة قدموا برئاسة أبي 
عبد الرحمان عبد الله اللي ومنهم عمد الرحمان بن نافع 
التنوخي وسعيد بن مسعود التجيبيى9/ وأبو عبد الرحمان عبد الله 
(41) جاء في رواية ياقوت في المعجم ابن أبي الهواجر. (المؤلف). 
(42) توفي سليمان بن عبد الملك سنة 99 ه /717م. 


(43) ابن عبد الحكم ص 87., وابن الآثير ج 4 ص 40» وابن عذاري ج 1 ص 45. 
والبلاذري ص 331. 1 
(44) ابن عذاري ج 1 صن 4645. 


116 


ابن يزيد العامري وحيان بن حبلة القرشي وموهب بن جبير 
المعافري وطلق بن جَامَان الفارسي وبكر بن سواد وزياد بن أنعم 
أبو عبد الرحمان وإسماعيل بن عبيد المعروف بتاجر الله. وقد 
فت الله بهم على إفريقية اضعاف ما 'فتنحه النيف» فإنهم أقروا . 
الدين في تصابه وأعادوا السيف إلى قرابه» حل العلم والاجتهاد 
محل الجلاد والطرادء» حسبما نقلته الأخبار ودلت عليه الكتب 
والآثار» ناهيك بما بلغت إليه القيروان وتونس وبجاية وتلمسان 
وإشبيلية من الشهرة وبعد الصيت في العلم والمعرفة وما كان 
لعلماء هذه الأمصار من التعمق في حل عويصات المسائل 
والتبحُر في الفنون والتأليف فيهاء وغير ذلك من المقوّمات 
لمعنويات الإسلام وإرساخها في البلاد. وفي أخريات أيام هذا 
الأمير أخرج قائد أسطوله محمد بن أوس لمعاودة غزوة جزيرة 
صقلية» فنال من سواحلها ثم عاد إلى إفريقية ظافراً يحمل أكاليل 
النصر. 

ولما تمهدت الأمور في إفريقية والأندلس» عاد الأمير 
إسماعيل إلى المشرق واستخلف بعده محمد بن يزيد 
الأنصاري. ولم يؤثر عنه شيء جدير بالذكر لقصر أيام ولايته. 
غير توليته الحر بن عبد الرحمان القيسي على الأندلس. 

ولما توفي أمير المؤمئين عمر بن عبد العزيز©» واستخلف 


(45) رأينا أن المصادر القديمة تشير إلى أن محمد بن يزيد قد تقلد ولاية إفريقية قبل 
ابن أبي المهاجر. (انظر الإحالة رقم 40) , 

(46) توفي عمر بن عبد العزيز سئة 101 ه /719م وقدم يزيد بن أبي مسلم إلى 
إفريقية سئة 102ه/720 م . 


119 


بعده يزيد بن عبد الملك. ندب إلى ولاية إفريقية يزيد بن أبي 
مسلم. 
ولاية يزيد بن أبي مسلم مولى الحجاج7: ١‏ 

كان يزيد من أشدٌّ الولاة عصبيّة وأكثرهم تشيّعا لمذهب 
الحاكمية العربية وكراهية المضي على سياسة التشريك والمساواة 
التي ألفها سكان هذه البلاد من الولاة السابقين فشرع في تغييرها 
وأخل في تجريد الأفارقة مما كان لهم من حقوق وضمانات منذ 

كان يزيد قبل أن يتقلّد ولاية إفريقية» تقلب في مناصب, 
كثيرة بولايات العراق على عهد رجل الدولة والسياسة الفذّ 
الحجاج بن يوسف الثقفي إلى أن ارتقى إلى مرتبة الوزارة. 
وورث منه عزمه ونشاطه في إدارة السياسة وولاية الأحكام في 
الولايات. فآراد إرجاع معاملة من أسلم من أهل الذمة في إفريقيّة 
إلى ما كانوا عليه قبل الإسلام» كما صنع أستاذه في العراق. 
فردهم إلى رساتيقهم وقراهم ووضع الجزية على رقابهم. فلما 
شرع يزيد في ذلك بإفريقية تأمر عليه مسلمو البربر فقتلوه وأعادوا 
إلى الولاية سلفه ابن يزيد الأنصاري لمُمّالاته لهم. وكان على 
بعض الفرق من الجنود. وكتبوا بذلك إلى يزيد بن عبد الملك 
وقالوا في كتابهم: إنا لم نخلع أيدينا من الطاعة ولكن يزيد بن 
أبي مسلم سامنا ما لا يُرضي الله والمسلمين فقتلناه وأعدنا عاملك 
السابق مكانه. فكتب إليهم يزيد يداورهم ويصانعهم: إني لم 


كيت بحب حيبت 
(47) انظر أبن عذاري ج 1 ص 34, وابن عبد الحكم ص 214. 


120 


ولما سكنت الثائرة صرفه عنها وعين مكانه بشر بن صفوان 
الكلبي 09 . 
ولاية بشر بن صفوان بن نوفل الكلبي: 

لم يستقر بشر بن صفوان في ولايته إلا مدّة يسيرة درس فيها 
حال الأهالي وما أحدثته فيهم تدابير السياسة العنصرية» حتى 
رجع إلى المشرق سنة 105 [723] للاتفاق مع ولاة الأمور 1 
دمشق على اتخاذ طريقة صالحة يجري عليها في. حكم البلاد» . 
فبلخته وهو في الطريق وفاة يزيد بن عبد الملك وولاية أخيه هشام 
. الخلافة. وكان من أشدّ الخلفاء الأموين تصلباً في أمر العنصرية 
وحاكمية العرب. فردٌ بشر إلى عملهء :بعد أن زوده بالأوامر 
المتعلّقة بتنسيق السياسة العنصرية في جميع الولايات9©. 


. ويرى هؤلاء المروانيون أن المساواة في الحقوق السياسية 
ضعف تدبير يفضي إلى فناء العنصرية العربية في العناصر الأخرى 
الداخلة في الإسلام بالنظر لكثرة أمم الأعاجم وقلة العرب. ولم 
يجدوا لوقايتهم من هذا الخطر الداهم غير تحصينهم بالامتيازات 
وجعلهم عنصراً متفوقاً في الدولة. ومهما كان لهذا التغيير من 
مبزرات» فقد كان شديد الوقع في نفسيّة تلك العناصر وغير بعيد 
أن يتحول ذلك إلى قلق يجتثٌ أسس الوحدة الإسلامية التي تركز 
(49) انظر ابن عذاري ج 1 ص 48.: وابن عبد الحكم ص 90. والسلاوي ج1 


ص 47, 


121 


لذلك كان الإقدام على هذا الانقلاب في شكل 
الديمقراطية الإسلامية من الخطورة بمكان» إذ يجعل كلّ عنصر 
يعمل للانفصال وطلب الانفراد بكيانه. وهذا لم يفت نظر 
السواس المروانيّين» بل هم الذين أقدموا عليه ورأوه أهون شرٌ 
من انتزاع الدولة من أيدي العرب. وإنما اعتمدوا في ذلك على 
الكفاح وحسبوا أن منطق القوّة الغاشمة يقطع كل خلاف. وقد 
كانت لهم خطة أخرى هي أدنى للسلامة وضمان السيادة» خطة 
التعريب التي شرع فيها عمر بن عبد العزيز ومشى عليها ابن أبي 
المهاجرء وهي خخطة الإسلام تفسه. لكن ما الحيلة والعرق كما 
قيل دسّاسء والعرب يأنفون أن يغمر عنصريتهم الموالي. 

ذللف انتعين. يزيل يو عند التلكة الاع: رسج للساسة 
المروانية» بعد أن استوحاه عن يقين من تقارير الولاة. بكثرة إقبال 
الأعاجم. على الإسلام والتعرّب» وتبعه في ذلك عن بصيرة ثابتة 
أخوه هشام . 

عاد بشر إلى إفريقية وكان يقدّم رجلا ويؤخر أخرى في 
تنفيذ خطة محفوفة بالمصاعب وهو يعوقه عنها أمران: 

الأول: ضعف حبجته في إقرار ما لا يرى فيه الناس مساغاً 
من شريعتهم التي استحوذت على قلوبهم عن إيمان وبصيرة 
بصلاحيتها لأنفسهم وفيه من النصوص المحكمة ما يكفي لردٌ هذه 
البخظة الهوجاء, 

والثاني: الخوف من إيقاظ الفتنة النائمة باسم العنصريات» 
وقد أطفأها الله بالإسلام. فتهيّب الصراحة بذلك وفضل التكتم 
إلى أن مات سنة 109 [727] واستخلف بعده على الولاية ابن 


122 


قرط الكلبي9), وكان عصبّاً صليب الرأي مغامراً عكس ما كان 
عليه بشر من مسايرة ولين. فأظهر أحقية العرب في التفوّق 
والامتياز بالوظائف والعطاء. وتهاون بحقوق البربرء فأحدث 
مسلكه اضطراباً وقلقاً في البلاد. ولما بلغ خبره هشاماً عجّل 
بعزله لمنع الفتنة وولّى عبيدة دون أن يحدث تغييراً في السياسة. 


ولاية عبيدة بن عبد الرحمان السلمي: 

قدم عبيدة وهو ابن أخي أبي الأعور. السلمي في صفر سنة 
0 [710]728) ولم يعدل عن اتباع السياسة العنصرية بل ألحٌ فيها 
وأشغل الأفارقة عن معارضته بصرف اهتمامهم إلى الفتح في 
الخارج» فأمر قائده المستنير بن الحارث بالخروج في الأسطول 
لغزو صقلية. فمكث إلى أن أدركه الشتاءء فأصابته ريح فيها 
إعصار فأغرقت المراكب ولم ينج منها إلا مركبه. ألقته الزوبعة 
على طرابلس. فعدّ عبيدة ذلك تقصيراً من القائد تسبّب عنه فقد 
الأسطول والأرواح» فكتب إلى عامله في طرابلس بالقبض على 
المستئير وإرساله مسجوناً إلى القيروان. ففعل ولما وصل شهّر به 
وألقاه في السجن؛ جراء تفريطه وإهماله واستمرٌ في سجنه إلى 
أن تقلّد الولاية عبيد الله بن الحبحاب». فأطلقه وولآه على 


.6 52 
تونس 027 . 


(50) وهو نّعْاشُِ بن قرط الكلبي» حسبما ذكره.ابن عبد الحكم ص 91» وفي رواية 
أخرى» العبّاس بن باضعة الكلبي» ابن عذاري ج1 ص 48. 

(51) أبن عبد الحكم ص 91. وأبن عذاري ج 1 ص 49. وابن الأثير ج 5 ص 108. 

(52) ابن عبد الحكم ص 92. 


123 


فتوحالمسلمون في نلاد الإفريج 


5 فتوح المسلمين في بلاد الإفرنج 00 
ولاية عبد الرحمان الغافقي على الأندلس- خروج 
:عبد الرحمان للجهاد ‏ معركة بلاط الشهداء ‏ مواصلة 
الغزو بعد معركة البلاط. 


مدودة برح.ز 1 عزور 


01ل //ن مط 


بالغارات إلى أن يكون قد حضر هو بنفسه بمعظم الجنود. ٠‏ فوقع 
من عثمان على منافس شديد يناوتّه في الإمارة. ولم يكن راقا 
إلى عمل يبتدثه عبد الرحمان وينال به حسن الذكر. وقد اتضاف 
إلى حسلده غرامه بمفليجة ابنة أود دوق أكيتانية» التى سباها فى 
إحدى غاراته على فرنسا وكانت فاتنة فائقة الجمال فتزوجها وعقد 
مع أبيها معاهدة سلم ومهادنة أمن بها الدوق على بلاده من 
غارات العرب6539 , 

فلما ورد أمر الأمير عيد الرحمان الغافقي إلى عثمان بن أبي 
نسعة بالزحف إلى دوقية أكيتانية اجر صهره. وقع في حيص 
بيص» وكتب إلى الأمير في ذلك قائلا: إنه لا يقدر أن يخفر 
جواره ولا أن يخرق العهد قبل انقضائه. فغضب عبد الرحمان من 
تلكو عامله من الزحف وأفهمه أن العهد الذي قظعه من تلقاء 
نفسه للفرنساويين دون موافقة أميره عليه لا يعدّه موثقاً له تترتب 
عليه حقوق. وأن عليه أن يمتثل أمره ويخرج للجهاد بدون 


عند ذلك قطع عثمان أمله من صدّ عبد الرحمان الغافقي 
عن الغارة في بلاد حميه. فقلب ظهر المجِنْ وأرسل إلى حميه 


(55) لم يشر المؤلف إلى المراجع التي استقى منها هذه الرواية. إذ أن جميع 
المصادر المعروفة تذكر أن الذي صاهر أود وتحالف معه هو زعيم بربري 
يدعى «مونوسة» (انظر د. حسين مؤنس» المرجع المذكور ص 251-250). أما 
عثمان بن أبي نسعة الخئعمي فقد عيّنه عبيدة بن عبد الرحمان والياأ على 
الأندلس من شعبان 110 ه/ نوفمبر- ديسمبر 729 م إلى ذي القعدة 111ه/ 
يناي فبراير 730 م. (المرجع المذكورء ص 213). 


125 


ينذّره بذلك لياخذ حذره. فبلغ عبد الرحمان خبر هذه الخيانة من 
عثمان فأرسل جيشاً إلى باب جبال البرانس (البرنيت) بقيادة ابن 
زيدان وأمره إن تمكن بالقبض على عثمان وإرساله إليه ليرى فيه 
رأيه. وإن أبى الطاعة يهدر دمه. ش 

فوصل ابن زيدان بعسكره بغتة إلى مقر عثمان وهو ينوي 
القبض عليه ففرٌ هذا منه إلى الجبال ومعه بعض أعوانه وزوجته 
الإفرنسية التي كان لا يفارقها ولا يصبر عليها ولا يرى الدنيا إلا 
بهاء فسار الجيش في. إثره حتى أدركوه وأحاطوا به» فتفرق عنه 
أصحابه في تلك الأوعار ولم يبق معه أحد إلا زوجته الحسناء. 
فدافع عنها وعن نفسه دفاع الأبطال» حتى وقع قتيلا جزاء 
بغيه2”9. وكانت هذه الواقعة الغرامية التي تغلّب فيها الحبٌ على 
الواجب من الوقائع المؤسفة في حروب الفتوحات الإسلامية وهي 
واقعة في سنة 113 ه وفي سنة 730م. 
خروج عبد الرحمان للجهاد: 

ولما وصل خبر مصرع عثمان إلى دوق أكيتانية علم أن 
الحرب واقعة لا محالة فتأهب للدفاع عن بلاده. ولكن الجيش 
العربي اندلق من جبال البرانس اندلاق السيول من الأعالى, لا 
يقف أمامه شيء إلا كسحه. فاستولوا على الأراضين فق تأفازا 
إلى بوردو وأخذوا هذه المدينة عنوة. ولما فرغ الأمير 





(56) يدو أن هذه الرواية مشكوك في صحّتها. فقد أشار ابن القوطية (تاريخ افتتاح 
الأندلس ص 20) إلى وجود عثمان بن أبي نسعة في الأندلس فى مدة ولاية 
أبي الخطار الحسام بن ضرار الكلبي. ومن المعلوم أن هذا الوالى قد تقلد 
ولاية الأندلس من سنة 125 إلى سنة 127 ه (746-145 م) . 1 


126 


عبد الرحمان الغافقي من فتح بوردو تقدم إلى الشمال فوجد دوق 
أكيتانية في طريقه صامدا لقتاله يحاول صدّه في مضيق دردون» 
غير أن غزوات المسلمين لا يقف في سبيلها شيء» فانهزم أود 
وفرَ مع فلوله وانقطع أمله في الملك فالتجأ إلى شارل مارتيل 
ملك الإفرنج يستصرخه رغم ما كان بينهما من عداوة مكيئة لرد 
الغارة الإسلامية على النصرانية» فبادر شارل لإجابتهء» لأن مصير 
أوروبا كان مرتبطاً بمصير فرنسا في هذه الحرب» فلو تغلب فيها 
المسلمون لما وقفوا دون سواحل بحر البلطيق» فامتدٌ الصريخ في 
كل فرنسا وزحفت مقاتلة النصرانية من كل صوب» وانضم الجمع 
تحت لواء شارل مارتيل. وقد كان حين هجم المسلمون على 
الجنوب الغربي من فرنسا بقيادة موسى بن نصيرء رأى غير هذا 
الرأي: فقد فزع إليه يومئذ أمراء الإفرنج وشكوا له ما حل بهم من 
إقدام المسلمين على امتلاك بلادهم. وأوضحوا له العار الذي 
يلحق بهم من كون جيش كالجيش العربي مجهز بأسلحة خفيفة 
يتغلب على جيوش شائكة بأثقل الأسلحة! فاجابهم: دعوهم الآن 
يفعلون في إبان صولتهم أشبه بالسيل الذي يجرف كلّ ما يقف 
في وجهه. وهم اليوم قد اتخذوا من جرأتهم دروعاًء ومن 
إقدامهم عتميز ا لكنهم بعد أن تمتلىء أيديهم من الغنائم وبعد 
أن بالفوا. : نعيم الحضر ويستولي الطمع عليهم فينافس بعضهم 
بعضاً ويدخل على الشقاق في: عنقوفهع »حبكل ترجف إليهم ونتغّب 
عليهم ونترك جمعهم شريداً ودفاعهم حصيداً . 


ولك لقا ل عله راجا داك بدن ال واوا 
الخلاف والتوثر بشأن السياسة العلصرية. لم يتردد في حربهم. 
127 


فتقدم إليه العرب إلى أن وصلوا إلى قريب من مدينة تور. وهناك 
علم الأمير عبد الرحمان الغافقي أن جيشاً عظيماً زاحف لقتالهم 
ودقعهم . . وكان عبد الرحمان رضي الله عنه 8 شدّة بأسه وغرامه 
بالحرب وولوعه بالفتح. عاقلا حازماً بصيراً في العواقب بعيد 
النظر في الأمور السياسية ففكر ساعة فيما بين يدع رجاله من 
الغنائم والأسلاب لكنه عات من إغضاب جنوده فيما لو حاول أن 
يكرههم على ذلك. وقد تفتر همتهم وتلفس7 نفوسهم. فرجع 
عن عزمه معتمدأ في ذلك على ما تأمّل في نفوسهم من شجاعة 
وصبر. 

وكان رحمه الله يحاول بعد تدويخ فرنسا أن يجتاز منها إلى 
إيطاليا وألمانيا فالقسطنطينية ويلحق جميع هذه الممالك بحكم 
الإسلام. فتقدّم غير آبه لعدرّه وأخل تور عنوة بمشهد من جنود 
شارل مارتيل وخيم بساحتها. 
معركة بلاط الشهداء: 

وفيما تقول المصادر الأروبية أن الجيشين التقيا بين تور 
وبواتيه» وكان الأمير عبد الرحمان الغافقي هو المهاجم. فدارت 
بينهما المعركة مدة طويلة قبل أن يترجح النصر لأحدهما على 
الآخر. ولما رأى عبد الرحمان أن الخلل قد بدأ يتمشى في 
صفوف جنوده وخاف الهزيمة» ألقى بنفسه فى وسط المعمعة 
يصطليها بهمته ودخل بين صفوف الأعداء الفسي يغامر بحياته 
مغامرة الجندي الباسل إلى أن خيرٌ هناك شهيد العظمة والكرامة 
الحربية فوق بلاط الشهداء. 
(57)يقال لفست تلفس لفساء إذا غثيت. (المؤلف). 


128 


ذكر مؤرخونا أن سبب الهزيمة هو أن الجنود كانوا وضعوا 
غنائم في المخيم وراءهمء فانحرف فريق من جند الإفرنج 
وهاجموا المخيم فخاف العرب على غنائمهم. وبينما كانت 
المعركة دائرة وهي في أشدٌ معمعاتهاء ترك خند كبير من فرساتهم 
ساحة القتال وذهبوا لحماية الغنائم . ويذهاب 0 خفّت كفة 
المسلمين في ميدان القتال.» حيث كان الميزان منتصبأء وكان أقل 
شيء يرجح كفّة الواحدة على الأخرى. لهذا حسب عبد الرحمان 
كما قلنا للغنائم حسابها وخاف أن تكون يي لبوار العرب.» ومن 
المقدور أن وقع ما يخافه. ويقول مؤرخو النصرانية : أنْ عدد قتلى 
المسلمين في هذه الواقعة المحزنة كان 2360.000 وهو بعيد 
التصديق وإنما هو ضرب من الدعاية والتهويل. 

فلما رأى المسلمون مصرع قائدهم الجليل نزل بهم 
الوهن,) وخمدت جمرة بأسهمء فأذرع الفرنساويون فيهم القتل 
وطرحوا من منهم بالعراء ألوفاًء وما زالوا يعملون السلاح في أقفيتهم 
إلى أربونة. وروى لنا المقري في نفح الطيب أن هذه النكية 
حصلت في رمضان سنة 114 وفي سنة 732م [أكتوبر]!©. 
وكانت كما لا يخفى من أشأم وقائع التاريخ الإسلامي. 

ولما وصل خبر هذه الكسرة إلى إفريقية زلزل المسلمون 
زلزلاً شديداًء فأسرع عبيدة السلمي أمير إفريقية بتدارك الأمر 
فقلد عبد الملك بن قطن الفهري ولاية الأندلس خلف فقيد 
الإسلام الأمير عبد الرحمان الغافقي وأنفذ معه جيشاً كثيفاً لراب 


)58 المقري » نفح الطيب» ج2 ص 59. 


129 


صدع ذلك الثغر ويعث إلى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك 
يخبره بالفاجعة . 
مواصلة الغزو بعد معركة البلاط: 

لما علم هشام بن عبد الملك بتلك الأنباء المؤسفة شمر 
عن ساعد الجدّ للأخذ بالثأر وأمر بتكرار الغزو على فرنسا وأخذها 
بالسيوف من كل ناحية. ولكن أنى له بذلك وجند المسلمين في 
الأندلس مهزومء وفتنة العنصرية مشتعلة في إفريقية؟!. 

ومع ذلك فقد تمككن عبد الملك بن قطن عقب وصوله إلى 
الأندلس من تدارك صدع تلك الهزيمة. فإنه. سار بالجنود إلى 
البرنيت ودوخ من كان به من العصاة واسترد معظم البلاد التي 
فتحتها سيوف المسلمين. وقدم يوسف9©) عامله على أربونة على 
جيش الفتح. فاتفق هذا مع مورند دوق مرسيليا سنة 734: وبعد 
هذا الاتفاق زحف المسلمون بجيش جرار وعبروا نهر الرون 
واستولوا على مدينة أرل» وأنزلوا ديار الرسل والعذراء على الطاعة 
وهدّموا ضريح سان سيزر ثم تقدّموا إلى أواسط بلاد البروفانس 
وحاصروا مدينة برتيا المعروفة اليوم بسان ريمي واستولوا عليها 
وساروا منها نحو أفئيون. وحاول جند الأفينيونيين صدّهم في ممر 
دوارنس» فلم يتوققوا بعد أن ذلّل المسلمون كل ما كان أمامهم 
من العقبات. وظلت جنودهم رابضة في البروفانس بضع سئوات. 

ولما أتيح هذا النصر المبين لعبد الملك بن قطن في 


(59) الغالب على الظن أن يوسف الفهري هو الذي تقلّد ولاية الأندلس فيما بعد. 
(د. حسين مؤنسء» المرجع السابق ص 278). 


130 


الأرض الفرنساوية عاد ظافراً إلى جبال البرنيت. 


وفي أواخر سنة 114 [732] خرج عبيدة السلمي من 
القيروان لاحقا بالشام وحمل معه هدذايا كثيرة من الجواري 
المتخيرة والإماء وكانت عدّتهن على ما أطبق عليه المؤرخون 
0, فضلاً عن الخصيان والعبيد والخيل والدوابٌ وكلّ طريف 
من الأواني والحلي النفيسة من الذهب والفضة واللآلىء. 
واستخلف حين انصرافه على إفريقية وملحقاتها عقبة بن قدامة 
التجيبي. ولما لقي أمير المؤمنين استعفاه من الولاية فآعفاه. 
وكتب إلى عامله بمصر بولاية عبيد الله ابن الحبحاب على إفريقية 
وملحقاتهاء وكان يومئذ على خراج مصر. 


6 صراع العرب والبربر 

ولاية عبيد الله بن الحبحاب مولى بني سلول»: 
كان عبيد الله بن الحبحاب نبيلاً جليلاء بدأ كاتباً صغيراً 
في ديوان الرسائل ثم تقلّب في مناصب الخلافة إلى أن تقلّد 
ولاية الخراج في مصرء ثم تناهت به الرئاسة إلى الولاية على 
إفريقية وهي من أعظم ولايات الخلافة المروانية» واجتمع له فيها 
ما لم يجتمع لأحد قبله.» وصارت القيروان على عهده عاصمة 
لعدّة ممالك تابعة لها في إفريقية وأروبا فساسها في أوليات عهده 
بدراية وحكمة» .وتولآها بعزيمة وهمة. ولم ينكسه شيء من 
الفطانة والحذق غير تصلّبه في تنفيذ أمر سياسة الحاكمية العربية 


)60( قدم عبيد الله بن الحبحاب إلى إفريقية سنة 116 ه/734 م. 


131 


رجل. فلم يزل يغاورهم ويقاتلونه حتى هلكوا جوعاًء وترامت 
طائفة منهم على الطاعة وبقي الملك في ثلاثين رجلاء وكان 
عيشهم بالعسل يستخرجونه من شقوق الصخرة» فتركهم 
المسلمون شفقة لهم. وقالوا يومئذ: ثلاثون علجاً. ما عسى أن 
يكون أمرهم؟ وليتهم أنوا عليهم. فإن معظم النار من مستصغر 
الشررءٍ ولو أنهم فعلوا ذلك لقضي الأمر في الأندلس ولبقيت بلدا 
إسلاميا إلى الأبد. 

وفي أيام عقبة حصّن المسلمون جميع المواقع التي أمكنهم 
تحصينها في بلاد اللندوق حتى ضفاف نهر الرون وشحنوها 
بالمقاتلة وفي ذلك الوقت أعادوا المعارك في بلاد دوفينية» وخربوا 
بلدة سان. بول المعروفة بالثلاثة قصورء ودونيزير» واحتلوا مواقع 
أخرى بالأندلس وأصبحت جميع البلاد المجاورة لمدينة فيين 
(1715817113) على ضفتي الرون تابعة لهم. 

ولكي ينال المسلمون ثأرهم في بلاط الشهداءء احتلوا 
مديئة ليون من جديد وبنُوا منها الغارات على بلاد برغونية. فأخذ 
شارل مارتيل يتأهب لقتالهم وقد كان واتاه الحظ من جهة الشمال 
والشرق حيث سكنت الثورات التي كانت قائمة عليه فسرح أخاه 
شلدبراند بجيش إلى ليون وأرسل يستصرخ ملك اللومبارديين 
لقتال المسلمين» فجاء شلدبراند وحاصر المسلمين في أفنيون 
وتبعه شارل مارتيل بنفسه بجيش جديدء وجاء ملك اللومبارديين 
بجيش ثالث من إيطاليا فاستولوا على أفنيون عنوة واستأصلوا من 
كان بها من المسلمين. وتقدم بعد ذلك شارل مارتيل إلى أربونةء 
وكان عليها من قبّل عقبة بن الحجاج هرثمة. فلما وصل الخبر 

133 


بذلك إلى عقبة أرسل جيشاً في البحر لنجدة حامية هذه البلدة. 
فتقدم إليها شارل مارتيل وقاتل من بها من المسلمين قتالاً عنيفاً 
ثم ارتدٌ عنها صاغرا بعد أن خرب مدنا كثيرة. ومع ذلك فإن 
سيادة المسلمين على بلاد البروفانس بقيت على حالها لم تتغير 
إلى أن داهمتها أساطيل إفريقية في عهد حملات المسلمين منها 
على فرنسا. 

ولما عاد عقبة بن الحجاج إلى سرقسطة جاءه الخبر بأن 
البربر ثاروا في إفريقية» وتلقى أمرأ من عبيد الله بن الحبحاب 
بعبور البحر وأولاه قيادة الجيش الذي سيره لقمع الثورة. فعبر 
طنجة واشتدّت بوصوله عزائم العرب في إفريقية» فأسئد أمر 
الأندلس إلى عبد الملك بن قطن فانتهز الأشتوريون ظهور القلق 
في إفريقية وخرجوا من جبالهم وطردوا العرب الذين يلونهم. 
فزحف إليهم عبد الملك بجيش وهزمهم ولما أخمدت ثورة 
البربر» رجع عقبة إلى الأندلس» وكان قد ضعف. فكتب إلى 
أمير إفريقية باستخلاف عبد الملك بن قطن ومات ودفن 
بقرطبة60) , 

وبعد أن اطمأن عبيد الله بن الحبحاب على الأندلس» 
أخرج حبيب بن عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري غازياً بلاد 
السودان من وراء السوس بعد أن بلغ الصحراء الكبيرة وملك أهم 
المدن التي مرْ بها في طريقه. فسيّره عبيد الله سئة 117 735[1] 


(61) دامت مدة ولاية عقبة بن الحجاج من سنة 116 ه/734 م إلى سنة 123.ه 
17 م. 


134 


على الأسطول إلى جزيرة سردينية ففتح منها حصوناً كثيرة» ولما 
قفل عنها سيّره لفتح صقلية فحطٌ عليها سئة 122 [740]. وكان 
معه ابنه عبد الرحمان بن حبيب» فجعله على الخيل وسيره للفتح 
فظفر بكلّ من لقيهء ثم قصد مديئة سركوزة فنصب عليها الحصار 
إلى أن صالحه أهلها على الجزاء والطاعة ثم عاد إلى أبيه. 

وكان حبيب عقد العزم على أن يرابط على صقلية إلى أن 
يملكها جميعاء ولكن القلاقل التي حدثت في المغرب بسبب 
اشتداد فتنة السياسة العنصرية دعته إلى الرجوع عن عزمه 
والإسراع بتلافيها. فقد كتب إليه ابن الحبحاب يدعوه إلى 
إفريقية» بسبب الارتباكات الحاصلة فيها0©». فإنه لما نقذ الشطر 
الأول من السياسة العنصرية فيما يتعلق بالوظائف والعطاء» شرع 
في تطبيق الشطر الثاني وهو تخميس أعشار البربر. فانتدب لذلك 
عمر بن عبد الله المرادي وألحقه بولاية إسماعيل» فجدّ في الأمر 
وزعم أن البربر فيء المسلمين وهو ما كان يتحاماه جميع الولاة 
الذين تداولوا على هذه الولاية قبله منذ جلوس يزيد بن 
عبد الملك على عرش الخلافة إلى أيام عبيدة©». فعقد البربر 
عزمهم على الاحتجاج على هذه السياسة الجائرة أمام ولاتهمء 
فلم يسمعوا صراخهم. فولّوا وجوههم شطر أمير المؤمنين» بعد 
أن كانوا من أطوع الناس للولاة وأبعد ما يكونون على الانشقاق 
منذ تيامنوا بالإسلام في عهل موسى بن نصير. 





(62) ابن عذاري ج 1 ص 54. وابن الأثير ج 5 ص 141. 
(63) ابن عبد الحكم ص 95-94: والسلاوي ج1 ص 4948, وابن الأثير ج 5 
ص 2141 وابن عذاري ج1 ص 52. 


135 


شكوى البربر إلى هشام من عسف الولاة ٠‏ 

لم يكن للمنازع السياسيّة المتوثبة في المشرق التي أثارتها 
أحزاب الخوارج والشيعة أدنى تأثير في البربر» بل كانوا يصدّون 
عنها ويمنعونها أن تصل إليهمء مع أن رسل الثوار لا ينفكون 
عنهم ولا عن دعوتهم إلى الانضمام إليهم وافتتانهم في طاعتهم 
بما كانوا يلاقونه في عهد هذا الانقلاب. وهم يردّون عليهم بأن 
لا يخالفون أيمتهم بما يجتني العمال ولا يحملون وزر ذلك 
عليهم . فيقولون: ويلكم وهل يعمل هؤلاء بغير أمر أولئنك؟!. 

فيردون عليهم : هذا قولكم ونحن لا نريد مخالفتهم حتى 
قبورهم . لذلك أجمعوا أن يبعثوا وفداً إلى أمير المؤمنين هشام بن 
عبد الملك يرفع إليه ظلامتهم ويطالب بإنصافهم. فانتخبوا من 
بينهم 17 رجلا وخرجوا في أربعين وكان بين المنتخبين رجال , 
خرجوا قبل ذلك إلى المدينة المنوّرة وتلقوا العلم عن أكابر ' 
التابعين وهم : ميّسرة بن مطغري الحقير)؛ ومغرور بن طالوت. 
وطريف البرغواطي» فقصدوا الشام, ولما وصلوا دمشق طلبوا 
الدخول على هشام وانتظروه سنة كاملة وهو لا يجيبهم حتى يثسوا 
من لقائه . فأتوا الأبرش الكلبي وزيره وقدموا له عريضة ذكروا فيها 
شكواهم قالوا فيها: ْ 

إن أميرنا يغزو بنا وبجنده» فإذا أصاب, أنفلهم دونئا وقال: 
هم أحقٌّ به. فقلنا: ذلك أخلص لجهادنا. لا ناخ منه شيئاً إن 
كان لنا فهم منه في حلٌء وإن لم يكن لنا لا نرده. 


(64) ابن خلدونء العير (طبعة دي سلان) ج1 ص 150. 


136 


وإذا حاصرنا مدينة قال: تقدموا وأخر جنده. فقلنا لبعضنا: 
تقدموا فإنه ازدياد في الجهاد والمثوبة. ومثلكم من كفى إخوائه. 
فوقيناهم بأنفسنا وكفيناهم . 
ْ ثم إنهم عمدوا إلى ماشيتنا فجعلوا يبقرونها عن السّخال 
يطلبون الفراء الأبيض لأمير المؤمنين فيقتلون ألف شاة في جلد. 
فاحتملنا ذلك وخليناهم وما يريدون. وقلنا ما أيسر هذا لأمير 
المؤمنين؟ . 1 

ثم إنهم سامونا أن يأخذوا كل جميلة من بناتنا وتخميس 
زكاتنا. فقلنا: لم نجد هذا في كتاب ولا سنة» ونحن مسلمون. 
والآن أحببنا أن نعلم : أذلك عن رأي أمير المؤمنين أم لا؟ فقال 
الأبرش : أفْعَل إن شاء الله فلما موا الانتظاز ولم يأذن لهم هشام 
كتبوا أسماءهم في رقاع ورفعوها إلى الوزراء وقالوا: هذه أسماؤنا 
وأنسابنا فإن سألكم أمير المؤمنين عنا فأخبروه. ثم ودعوهم 
ورجعوا إلى إفريقية يقصّون على إخوانهم ما لقوه في دمشق من 
الإخفاق. 

ولما عادوا انتحلوا مذهب الصفرية وبايعوا هميسرة بن 
مظغري بالخلافة وتعاهدوا على قتال العرب ككفار مرتدّين عن 
الإسلام . وقاموا يدعون البربر للثيار فتداعوا إليهم من كل صوب ٠‏ 
مسلمهم وكافرهم. فتقدّم بهم ميسرة وقصد طنجة فقاتلهم عمر 
اين عبد الله المرادي فقاتلوه واستولوا على المدينة9©©. ثم زحفوا 
إلى السوس وعليه إسماعيل بن عبيد الله بن الحبحاب فقتلوه. 


الس سييست 
(65) ابن عذاري» جح 1 ص 52. 


137 


ولما وصل خبر هذه الثورة إلى هشام ورفعت إليه أسماء 
الثؤار فإذا هم من أعضاء الوفد الذين وفدوا إليه وأبى أن يلاقيهم . 
حرب العرب والبربر التي أثارتها المسألة العنصرية في إفريقية: 

ثم استتبعت هذه الفتئة العمياء حروب بين العرب والبرير» 
وقد هلك فيها منهم خلق لا يحصى وتعطلت بسببها الفتوحات 
وزاد في ضرامها هشام وأعوانه بإصرارهم على تنفيذ تلك السياسة 
مهما كلّفهم الأمر. 

ولما بلغ عبيد الله بن الحبحاب مقتل ابنه وعامله كتب إلى 
قائد جنوده حبيب بن أبي عبيدة بن عقبة الفهري يأمره بالإقلاع 
عن صقلية والآخذ بالحركة إلى تونس©©) وندب جيوشه في البر 
وسيّرها بقيادة خالد بن حبيب الفهري إلى أرض البربر وأوصاه 
بالتكاية في الذين التمّوا حول ميسرة بن مطغري. ولما وصل 
حبيب أردفه به فتقدّم خالد حتى عبر وادي شلف ومضى إلى أن 
لقى جيش ميسرة قرب مدينة طنجة فوقع بينهما قتال عنيف لم 
يسمع بمثله كان فيه الفوز للبربر على العرب. وانهزم خالد 
بصورة فظيعة وعاد ميسرة إلى طنجة. ولكن البربر استنكروا سيرته 
فقتلوه وولّوا أمرهم خالد بن حميد الزناتي. 

ولما سمع خخالد بن حميد بقدوم خالد بن حبيب ومعه حماة 
العرب خف إلى لقائه وكان بينهم قتال عصيب صبرت فيه العرب 
صبر الكرام. وظهر خلفهم كمين من البربر ضاعف تلفاتهم 
فانهزموا من الموقف وكره خالد بن حبيب أن يتبعهم أمام البربر 


)66 ابن عذاري» نفس المرجع » وابن عبد الحكم ص 94. 


138 


فدعا إليه من العرب من أنف الحياة. فتقدّموا إليهم في ثلّة قليلة 
وصبروا للقائهم إلى أن قتلوا جميعاً وفقد العرب بمقتلهم أهم 
قوادهم وأكبر حماتهم7. 

ولما انتشرت أخبار هذه الواقعة الفاجعة انتقضت البلاد 
وخرج الأمر من أيدي الولاة واختلطت الأمور على عبيد الله بن 
الحبحاب وانتقض عليه من أطاعه من البربر» ولما بلغ ذلك إلى 
هشام بن عبد الملك قال: لأغضبنٌ للعرب غضبة مضرية وأسير 
جيشاً للبربر يكون أوله عندهم وآخره عندي©. وكتب إلى ابن 
الحبحاب يأمره بالشخوص إليه. فخرج إلى دمشق في جمادى 
الأولى سنة 123 [741] وعيّن هشام بدله كلثقوم بن عياض 
القشيري . 
ولاية كلثوم بن عياض القشيري: 

سيّر هشام من دمشق عامله الجديد على إفريقية كلثوم بن 
عياض وسيّر معه جيشاً عدّته 12000 مقاتل© وكتب إلى جميع 
البلدان التى على طريقه بالمسير معه إلى إفريقية» فوصل في 
عقن للع رقن مقدّمته ابن عمّه بلج بن بشر وكان فضأ بذيئاً. 
ولما خرج أهل القيروان يستقبلونه لقيهم بالجفاء والتكبر. وأراد 
إنزالك العساكر الذين جاءوا معه في منازلهم. فكتب أهلها إلى 
حبيب بن عبيدة وكان مرابضاً على مجاز وادي شلف بمقربة من 


: - لد 5 
(67) أبن عذاري ج1 ص 255-54 وأبن عيد الحكم ص 94 5 وابن الأثير ج 
ص 142. 
(68) ابن الأثير ج 5 ص 142. 
(69) ابن عذاري جّ 1 ص 56. 


139 


تاهرت يشكون إليه بلجاً وكلثوماء فكتب حبيب إلى كلثوم يقول: 
إن بلجا ابن عمك فعل كيت وكيت فمُره بالرحيل عن القيروان 
وإلاً رددنا أعة الخيل إليك. 

0 يعتذر إليه 0 أن 0 وني 00 
الخيل إلينا؟ فقام إليه عه الرنعات بن حبيب وقال: ابت هذا 
حبيبا فإن شئد شئت فاعرض له. فتصايح الناس: السلاح! 0 
وكادت. تنشب بينهم الفتنة لولا أن تداركها العقلاء وفصلوا بين 
الندين . لكن بقيت الأحنة كامئة ف الصدور وهي التي عات م 
في هلاكهم جميعاً زيادة عما جرّه ضعف رأي كلثوم وبلج في 
تدابيرهما ا حربية والسياسية. ولذلك عُنى الدول حين اندبارها 
بالضعفة وذوي امزال العقلٍ. 

سار كلثوم إلى وادي سبو في ثلاثين ألفاً من خيرة الجنود فيهم 
عشرة آلاف من صرح الأمويين والباقون عرب الساج من 3 
مختلفة 29 . فتهد إليهم خالد بن حميد الزناي فخفٌ بلج للقائهم 
فتقدم إليه الصفرية من البربر حراة الأجسام ‏ فأكبوا عليه ساعة 
واحدة حتى هزموه واتبعوه إلى معسكر كلثوم فناشبهم القتال وكانوا 
يتعاورون الانتصار أيَّاماً حتى انكشفت خيل العرب والتفت 
الرجال بالرجل فقتل 0 وحبيب بن أبي عبيدة وسليمان بن أبي 
المهاجر وغير هؤلاء من وجوه القواد وأمراء العرب27120, وبلغ عدد 


'(70) ابن عذاري» المرجع السابق . 
(71) ابن عذاري» نفس المرجع. وابن عبد الحكم ص 99-98. 


140 


قتلى العرب في هذه الواقعة الأليمة ثمانين ألف مقاتل. وانمزم من 
بقي متهمء فذهب جند الشام إلى الأندلس وجند مصر إلى إفريقية 
وخلا بعد هؤلاء الجوٌ للبربر» فكانت فتنة عظيمة تقلّص عل إثرها 
ظل الدولة المروانية من إفريقية والمغرب ولم تقم لها فيهما قائمة 


تعيين حنظلة بن صفوان الكلبي على ولاية إفريقية وملحقاتها: 

لما بلغ هشاماً مقتل كلثوم وانبزام جنوده أمام عصبيّة البربر 
التي أثيرت فتنتها في الإسلامء ندب إلى إفريقية عامله على مصر 
حنظلة بن صفوان الكلبي أخا بشرء فجدٌّ إليها السير حتى وصل 
إلى القيروان في ربيع الأول سنة 124 ه [02742©, 


فبعث إليه أهل الأندلس أن يرسل إليهم عاملاً» فوججه إليهم 
أبا الخطار حُسَام بن ضرّار الكلبي بأمر من هشامء فسار في البحر 
من تونس إلى الأندلس. ولم يطل مكث حنظلة جالقيروان حتى 
زحفت إليه الصفريّة© من البربر في فلين عظيمين أحدهما بقيادة 
عكاشة الخارجي والثاني بقيادة عبد الواحد بن يزيد الهواري» وكان 
افتراقهما من الزاب. أخذ عكاشة على طريق مجانة فنزل القيروان. 
وأخذ عبد الواحد على طريق الحبال وكان على مقدمته أبوقرة 
المغيلٍ . فرأى حنظلة أن يبدأ بقتال عكاشة قبل أن يلتحق به 


(72) اين عبد الحكم ص 102. وابن الآثير ج 5 ص 143. 

(73) هم أتباع زياد بن الأصفر وقولهم في الجملة كقوله الأزارقة في كتال المسلمين كفرا 
وإباحة دمائهم . وقد قاتلهم عبد الله بن زياد في أيام يزيد بن معاوية حتى ظفر 
هم ولم تنطف جرتم بالمشرق حتى اشتعلت بالمغرب على أيدي البرير. 
(المؤلف). 


141 


عبد الواحد الصفري فزحف إليه بجنوده وكانوا على تعبئة حسنة 
فالتقوا بالمكان المعروف بالقرن من جبل وسلات ودار بينها قتال 
شديد فانهزم عكاشة يمن معه وقتل من البربر ما لا يحصى وعاد 
حنظلة إلى القيروان خوفاً عليها من عبد الواحد وسير إليه جيشا 
عظياً عدعهم 940.000©. فلا قاربوه لم يجدوا شعيراً لخيوهم 
فأطعموها حنطة ثم لقوه من الغد. فاهزموا من عبد الواحد وعادوا 
إلى القيروان. وهلكت دواتهم ب بسبب أكل الحنطةء فلا وصلوأ 
نظروا وإذ قد هلك من خيوهم 20000 فرس759). 

وسار عبد الواحد فنزل على ثلاثة أميال من القيروان بموضع 
كان يعرف يومئذ بالأصنام وقد اجتمع لديه 300.000 مقاتل» 
فحشد إليه حنظلة كل من كان بالقيروان من المسلمين وفرّق فيهم 
السلاح والمال فكثر جنوده. فلما دنا الخوارج مع عبد الواحد خرج 
إليهم حنظلة من القيروان وتصافوا للقتال. وخرج علماء 0 
عضوم جنود حنظلة على الجهاد وقتال الخوارج ويذكرونهم بما 
سيفعلونه بالنساء من السبي وبالأبناء من الاسترقاق وبالرجال من 
القتل» فكسر الناس أغماد سيوفهم وخرج النساء من خلفهم 
يحنلهم فديّت الحمية فيهم وحملوا على الخوارج حملة الكواسر وثبت 
بعضهم لبعض فاشتتدٌ اللزام وكثر الزحام وصبر الفريقان لبعضهم 
إلى أن اخمزم الخوارج والبربر وكثر الارتياث فيهم وانتصر العرب 
عليهم انتصاراً ظاهراً وتبعوهم إلى جلولاء يقتلونهم وهم لا يعلمون 
أن عبد الواحد قد قتل حتى حمل رأسه إلى حنظلة بن. صفوان. فخر 


(75) حسب رواية ابن الأثير ج 5 ص 144. 


142 


الناس سبد لله تعالى. وقد قال المؤرخون إنه لم يقتل في أي حرب 
من حروب الفتوح أكثر من هذاء فقد أمر حنظلة بإحصاء القتلى 
فعجز الناس عن عدّهم حتى عدّوهم كيلا بالقصب فكان عدد 
القتلى 180.000» وأسر عكاشة وحمل إلى حنظلة فأمر بقتله وأراح 
بذلك الناس من شرّهء وكانت هذه الواقعة في سنة 124ه 
797421 

ونقل عن الإمام الليث بن سعد قوله: ما غزوة كنت أحبٌ 
أن أشهدها بعد غزوة بدر أحبٌ إل من غزوة الأصنام والقرن9. 
ويخك هذه الكارثة المهولة كتب -حنظلة بن صفوان إلى هشام يبشره 
بالنصر الذي أحرزه على البربر. ولكن كان من ورائه تفكك وحدة 
المسلمين وزهد العناصر غير العربية في الإسلام وانصراف بعضها 
عنة . 
نتائيج سياسة التفوق: 

لقد كانت هذه السياسة من أشأم ما أخرجه المروانيون من 
النتائجء ولا شلكٌ أنها كانت اجتهاداً خاطتأء والغريب أنهم كانوا 
يعلمون أن من ورائهم أحزاب الشيعة والخوارج لا يلقون من 
أعمالهم صغيرة ولا كبيرة إلا أحصوها ولهم ذعاة هدّامون يمشون 
بآرائهم في البلدان» تحت ستار الأمر بالمعروف والنبي عن المنكرء 
وأيّ شيء أشدّ في إثارة الحفائظ على المروائيين من إنكار حقٌ الناس 
في المساواة؟ فقد كانت الدعاية بذلك جثابة النار تلقى في المشيم» 


ع ب كه 
(76) حسب رواية ابن الأثير ج 5 ص 145-144. 
(77) انظر اين الآثير ج 5 ص 145. وابن عذاري ص 64. 


143 


فقد عجلت بتقويض الدولة الأموية من الأساس وهي في شرخ 
الشباب والقوة وألوت عنها القلوب في فارس وبلاد الترك والتثر 
والبربر. 

سمعنا فيا قدّمنا شكاية البربر في إفريقية تصطخب في دمشق 
على عهد هشام» ونسمع شكانة الحزاباتين تعالن بها أيضأ 
ولكن في سنة 100 [719] على عهد عمر بن عبد العزيزء وقد وفد 
إليه ثلاثة رجال: اثنان عربيان والثالث تركي اسمه سعيد أخو 
خالد» فلم تقدّموا إلى أمير المؤمنين تكلم العربيّان والتركي ساكت. 
فقال له عمر: ما أنت من الوفل؟ . 

قال: بلى يا أمير المؤمنين» 

قال: ف| يمنعك من الكلام؟ 

فقال: عشرون ألفاً من الموالي يغزون بلا عطاء ولا رزق! 
ومثلهم قد أسلموا من أهل الذمة يؤخذون بالخراج! وأميرنا عصبي 
جاف يقوم على منبرنا يقول: . أتيتكم حفياً وأنا اليوم عصبي . والله 
لرجل من قومي أحبّ إل من مائة من غيرهم. وهو يُعَدَ سيفاً من 
سيوف أمير المؤمنين. 

فقال عمر: مثلك فليوفد! 

وكتب من ساعته إلى الجراح “عامله على خراسان بإنصاف 
الأعاجم. وقال: انظر من صلّ.قبلك إلى القبلة فضع عنه الجزية» 
وأجر للمقاتلين أعطياتهم . فسارع الناس إلى الإسلام. افقيل 
للجرّاح إن الناس قد 5 إلى الإسلام وإنما ذلك نفوراً من 
الجزية فامتحنهم بالختان. فكتب الجراح بذلك إلى عمر يسأله رأيه. 
فردٌ عليه أن الله بعث محمّداً داعياً ولم يبعئه خاتناً. فكلّ من ادٌّعى 


144 


الإسلام فصدّقوه. ولكن هل كان هذا التساهل من عمر مرضياً 
لأهل خراسان؟ الحقّ أنهم لا يريدون إلا ما كان يريده البربر» 
يريدون الاستقلال. وما كانت شكواهم في الحقيقة إلا تقيّة 
وشتارا : 


سوء مناوي البربر مع العرب كبا يذكرها العرب عنهم: 

ذكر المؤرخ ابن القطان أن البربر لما أقدموا على ثورتهم ضدّ , 
العرب اتفقوا فيا بينهم» على قسمة إفريقية وسبي النساء العربيات 
وافتكاك أموال العرب واستعباد رجالهم. ولذلك خقوا إلى مهاجمة 
القيروان في 300.000 مقاتل إسوة في ذلك بالكاهنة وكسيلة من 
قبلها. ولكن العرب هزموهم وقتلوهم شر قتلة وعصموا أنفسهم 
ونساءهم وأموالهم من الاستباحة والتلف .ولا يحيق المكر السيىء 
إلا بأهله. 
انفصال إفريقية عن الدولة الأموية: 

لم يستقرٌ الأمر لحنظلة بن صفوان الكلبي في إفريقية بعد 
انتصاره في القيروان. والبربر كالعرب لا يمسكون عن الأخذ بالثأر, 
وقد أفنت الحروب معهم أجناد العرب. وقلوب السكان التوت عن 
الطاعة للمروائيّين. فقد خرج على حنظلة عبد الرحمان بن حبيب 
ابن أبي عبيدة الفهري.ء فرحل إلى المشرق وترك له البلاد فائتف 
حوله العرب ومن بقي على إسلامه من البرير فدخل بهم القيروان 
سئة 129 [747] وأعلن فيها استقلاله عن الدولة المروانية لمنع 
انقسام البرير عن العرب. وتما ساعده على ذلك اشتغال المروانيين 
بمناهضة الفتن الناشبة في المشرق التي أثارها عليهم الخوارج 
والعباسيون. ولكن البربر لم يطابقوا العرب في إفريقية على ما كانوا 


145 


يريدون من تأسيس حكومة إقليمية تنهض بمصلحة البلاد دون نظر 
إلى تفرقة بين العناصرء بل كانوا يريدون تأسيس حكومة بربرية 
محضة لا شائبة فيها للعرب. 
كلمة جامعة عن الدولة الأموية للإمام ابن حزم الأندلسي: 

وصفها الإمام وصفاً موجزاً ختصراً لكنه كان جامعاً فقال 
عنها: كانت دولة عربية على علاتها لم يتخذوا قاعدة ولا قصبة. إنما 
كان سكنى كل منهم داره وضيعته التي كانت له قبل خلافته. ولا 
كلّفوا المسلمين أن يخاطبوهم بألفاظ العبودية والملك. ولا بتقبيل 
أرض ولا رجل. أنما كان غرضهم فتح الممالك وضبط الملك 
والتولية والعزل في داني البلاد وأقاصيهاء في الأندلس والمغرب 
وإفريقية ومصر والشام والحجاز واليمن والعراق وخراسان 
وأذربيجان وبلاد اللان والجبل والترك والصين والحند وعمَان 
وحضرموت وسائر بلاد الدنيا. 


7 ظهور أديان بربرية لناهضة 
الإسلام والعرب في إفر يقية يقية (78) 
طريف البرغواطي وأتباعه : 
إن إخفاق الثورة البربرية عن ملاحقة العرب والتخلص من 
سلطاتهم على البلاد قد فتح مصارع الكيد في أدمغة دهاة البربر 
لمناهضة الإسلام قبل العرب, كا فعلوا بالنصرانية» بعد أن أحاطوا 
بأسباب إخخحفاقهم وتبين لهم أنها دينية محضة. وأن العرب إثما تفوّقوا 


(78) يعتمد المؤاف هنا رواية ابن عذاريء ج1 ص 61-60. 


146 


عليهم بالدين الذي امتلك قلوب الكثيرين منهم فأرادوا نبذه وأن 
يتخذوا لأنفسهم دياً يعرّزون به وطنيتهم ويستغلون به عن 
الإسلام . وبذلك يتخلصون من حكم العرب . 

ومن أعظم دهاتهم الذين كانوا يرون هذا الرأي طريف 
البرغواطي 79 الذي أسلفنا ذكره في وفد البربر إلى هشام. فإنه بعد 
موقعة العرب مع ميسرة بن مطغري الحقير على طنجة ذهب إلى 
بلاد تمسنة وانقطع بها لوضع الدين وترتيب عقائده وأحكامه. ونا 
أتم كتابته سلمه لابنه صالح وأمر أن يحمل البربر عليه 

ولما كان الوقوف على تاريخ هذه النحلة يهم تاريخنا القومي 
من الوجهتين العلمية والسياسية» رأينا أن نستعرض بعض 
الإفادات عنه) وهي مقتبسة من [كتاب] أ بي صالح زمُور بن موسى 
ابن هشام بن واردزين البرغواطي» كتبه إلى أمير الؤنين الخكم 
البصن الأمرى : وهو دن أئمة هذه النحلة ومتولّ صلاتها ولا 
يتبتك مثل خبير. وكان قد أرسل من قبل مولاه أمير برغواطة أبي 
منصور عيسى بن أبي الأنصار عبد الله بن أبي يحيى محمد بن معاد 
ابن اليسع بن صالمح بن طريف البرغواطي في شوال سنة 352 ه 
31 8]. 


أخبر زمور: أن ا أبا ملوكهم احتل بلاد تمسئة» ‏ وكان 
إذذاك ملكا لزناتة وزواغة, فقدّمه البربر على أنفسهم وولي 
أمرهم. وكان يُظهر الإسلام إلى أن هلك فخلفه ابنه صالح وكان 
(09 هو طريفا ابن شمعوق بن يعقوب بن إسحاقء انظر البكريء» المساللك 
والممالك» ص 135. 


107 


مع أبيه في حرب ميسرة الحقير وهو صغير ويعرف بالعلم والنباهة . 
فتنبا فيهم ودعاهم إلى دين برغواطة. وادّعى صالح أنه أنزل عليه 
قرآنهم الذي يقرأونه. (قال زمُور): وهو صالح المؤمنين الذي ذكره 
الله عز وجل في قرآن محمد عليه السلام في سورة التحريم. وعهد 
صالح إلى ابنه إلياس بديانته وعلّمه شرائعها وفقهه في أحكامها. 
وأمره ألا يظهر ذلك إلا إذا قوي وأمن. وخرج صالح إلى المشرق 
ووعد أنه يعود إليهم في دولة السابع من ملوكهمء وزعم أنه المهدي 
الأكبر الذي يخرج في آخر الزمان لقتال الدجال» وأن عيسي بن 
مريم يكون من أصحابه؛ ويصلي خلفه, وأنه يماذ الأرض عدلاً ىا 
علقت عورا ا ا 0 
موسى, وإلى سطيح الكاهن وإلى ابن عبباس» وزعم أن اسمه في 
العربية صالح» وفي السريانية مالك وني الأعجمية عام وربيّة وفي 
البربرية وريّاوري (أيٌّ الذي ليس بعده شيء). 


(قال زمّور): فتول إلياس الأمر بعد خخروج أبيه. وكان 
يظهر الإسلام ويخفي النحلة التي عهد إليه بها أبوه خوفا وتقية. 
رقا طاجا عنينا ‏ مارت ييه درا اليا إل انملك يجا أن 
أبيه رأظير دبائتف ميت وقتل في سبيل 7 خلقاً كثيراً» 
وقتل من صنبهاجة خاصة في وقعة واحدة ألف وغد 80 , 
(قال زمور): ورحل يونس إلى المشرق وحج ولم يحج أحد 
1 من أهل بيته قبله ولا بعده. ومات يونس بعد أن ملك 44 سنة 
(80) الوغد عندهمٍ المنفرد الذي ليس له أخ ولا ابن عمّء وذلك في البربر قليل» وإنما 
أحصوا الأقلّ ليستدلوا به على الأكثر. (المؤلف). 


148 


وانتقل الأمر عن بنيه بقيام ابن عمهم ابن غفير محمد بن معاد بن 
اليسع بن صالح بن طريف عليهمء فاستولى على الملك بدين أبائه 
واشتدّت شوكته وعظم أمره وكانت له وقائع كثيرة في البرير مشهورة 
قال عنها أبو عبيد البكري: «لا تنسى مع الأيام». منها واقعة 
تيمغيسن وكانت مدينة عظيمة أقام القتل في أهلها ثمانية أيام من 
الخميس إلى الخميس حتى شرقت دورهم ورحابهم وسككهم ومنها 
وقعته بموضع يقال له بَدْتَء عجز الإحصاء عن عدّ من قتل فيها. 

(قال زمّور): وكانت لأبي غفير من الزوجات 44 وكان له 
منبنّ من الولد عددهن. ومات أبو غفير بعد أن ملك 29 وذلك 
:سنة 300 [912] وول الأمر بعده من بنيه عبد الله أبو الأنصار وكان 
سخيّاً ظريفاً يفي بالعهد ويحفظ الجار ويكافء على الحدية 
بأضعافها. ومن أوصافه أنه كان أفطس شديد الأدمة ناصع البياض 
طويل اللحية وكان يلبس السراويل ويلتحف عليها ولا يلبس 
القميص ولا يعتمٌّ إلا في الحرب. ولا يعتم أحد في بلده إلا 
الغرباء. وكان يجمع جنده وحشمه في كل عام ويظهر أنه يغزو من 
حوله. فتهاديه القبائل وتتألفه. فإذا استوعب هداياهم وألطافهم 
فرّق أصحابه وسكنت حركته. فملك بهذه السياسة 42 سنة في دعة 
ولا هلك دفن في مسّلاخة ويها قبره. 

وولي بعده من بنيه ابنه منصور بن عيسى بن أبي غفير وهو 
ابن 22 سنة وكانت ولايته سنة 341 [952]» فسار بسيرة أبيه» ودان 
بديانتهم » واشتدّت شوكتهء وعظم سلطانه. وكان أبوه وقاه قبل 
موته بموالاة خلفاء الأندلس وكذلك كان يوصي جميعهم المرشح 


149 


وحكى عنه زمّور أنه قال: يا بن أنت سابع الأمراء من أهل 
بيتك وأرجو أن يظهر صالح بن طريف في عهدك ى) وعد. 


الئحلة البرغواطية: 

أساسها الإقر ار بالنبوات والتسليم بنبوة صالح بن طريف 
ونبؤة جميع الذين تولّوا الأمر من بعده من ولده؛ وأن الكتاب الذي 
أخرجه لهم وحي من الله تعالى» لا يشكون فيه. وقد فرض فيه 
عليهم صوم رجبء وحرّم صوم رمضان» وأوجب حمس صلوات 
في اليوم» وخمس صلوات في الليلة» والتضحية في اليوم الحادي 
عشر من المحرمء وجعل الوضوء غسل السرة والخاصرتين ثم 
الاستنجاء ثم المضمضة وغسل الوجه ومسح العنق والقفاء وغسل 
الذراعين من المنكبين ومسح الرأس ثلاث مرات والأذنين كذلك ثم 
غسل الرجلين من الركبتين. وفرض عليهم بعض الصلوات بالإيماء 
من غير سجودء وبعضها على كيفية صلاة المسلمين» يسجدون 
ثلاث سجدات متصلة. ويرفعون جباههم وأيدييم عن الأرض 
مقدار نصف شبر. وطريقة إحرامهم في الصلاة أن يضع المصلي 
إحدى اليدين على الأخرى ويقول بالبربرية: (إبسمن يكش) باسم 
الله (مقرياكش) الكبير الله ثم الله فوقنا لى يغب عله شيء في 
الأرض ولا في السماء ثم يقول المصلي: (مقرياكش) 25 مرّة 
(والحسن يالش) مثل ذلك ومعناه الواحد اللهء و (أردمٌ ياكش) 
معناه ليس مثل الله شيء. ويجمعون يوم الخميس ضحى النهار. 
وفرض عليهم صيام يوم من كل جمعة» وصيام الجمعة الأخرى التي 
تليه أبداء وليس عندهم في الصلاة أذان ولا إقامة. وتعرف عندهم 
أوقات الصلاء بزّقاء الديك ولذلك حرّموا أكله ويلعقون بصاقه 


130 


تبركاً ويستشفون به مرضاهم . وجعل عليهم من الضرائب العشر 
من جميع الحبون. ولا يأخذون من المسلمين شيئاً. وأباح لحم في 
الأنكحة أن يأخذوا من النساء ما استطاعوا مُبَاعَلتَهنٌ والإنفاق 
عليهن بلا عدّ ولا حدٌ. وحرم عليهم تزوج بنات الأعمام إلا بعد 
ثلاثة جدود. ى) حرم عليهم التسرّي ومناكحة المسلمين. وأباح 
هم أن يطلّقوا ويراجعوا ما أرادوا. وجعل لهم حدوداً جعل فيها 
حكم السارق القتل إما بالإقرار أو بالبينة. ورجم الزاني ونفي 
الكاذب (ويسمّونه أمغيرٌ) والديّة عندهم مائة من البقر. وحرم 
عليهم أكل رؤوس جميع الحيوانات وأكل السمك ما لم يذ وأكل 
البيض . أما الدجاج فمكروه إلا في حالة الاضطرار. 

أما الكتاب الذي دعا إليه صالح بن طريف فهو مشتمل على 
0 سورة أكثرها منسوب إلى أساء الأنبياء المعروفين من لدن أدمء 
وها سورة أيوب وآخرها سورة يونس. وفيه سور أخرى كسورة 
فرعون وسورة قارون وسورة هامان وسورة ياجوج وماجوج وسورة 
الدجّال وسورة العجل وسورة هاروت وماروت وسورة طالوت 
وسورة غروذ وما أشبه ذلك. وفيه سور أخرى بأسماء الحيوانات 
وهي : سورة الديك وسورة الحجل وسورة الخراد وسورة الجمل 
وسورة الحنش الذي يمشي على 8 أرجل وسورة عجائب الدنيا. 

وهاكم نموذجاً من قرآهم معرّباً من أوّل سورة أيوب: «باسم 
الله الذي أنزل الله به كتابه إلى الناس ليبين لمم به أنخباره. قالوا 
علم إبليس القضية. أبى الله ليس يطيق إبليس كما يعلم الله. أي 
شىء يغلب الآلسن في الأقولة؟ ليس يغلب الألسن في الأقولة إلا 
الله بقضائه أبا اللسان الذي أرسل به الحق إلى الناس. أعني 


151 


مامات. انظر محمّدا كان حين عاش استقام الناس كلّهم الذين 
صحيوه ولما مات فسد الئناس. كذب من يقول: إن الحقٌّ يستقيم 
وليسن ثم رسول اللهع. وهي سورة طويلة. ومن عقائدهم الإيمان 
بالعلم العظيم وليس بعده شيء. 

ثم تكلم زمّور عن القبائل التى اعتنقت هذه النحلة وسمّاها 
وعد منها: جراوة وزواغة والبرانس وبني أبي ناصر ومنجصة وبني 
أبي نوح وبني واغمر ومطغرة وبي بورغ وبني درٌ ومطماطة وبني 
زكسنت وبرغواطة وهي وحدها تزيد على 10.000 فارس. 

أما القبائل البربرية التي دانت بالطاعة وكانت مسلمة 
وانضافت إليهم فهي: زناتة الجبل وبنو ليت ونمالة» وأونسنت 
وبنويفرن وبنوناغيت وبنوالنعمان» وبنوفلوسة وبنوكونة 
وبنو سبكر وأصادة وزكانة وأزمين ومنادة وماسينة ورصَانة وترارته 
ويخرج من هذه القبائل نحو 12.000 فارس 

ولم تزل برغواطة ومن والاها معلنة في بلادها بدينها. 
وبنو صالح بن طريف ملوكها إلى أن قام فيهم الأمير تميم اليفرني 
بعد سئة 420 [1030] فغلبهم على بلادهم واستوطنها وحملهم 
على الإسلام. وعفا أثر النحلة البرغواطية ولم تبق لها باقية 

يكذ عير كانافن جا اليقلين فب البرير عرف بالجدّ 
وإيثاره للعدل حتى حل واحداً من بنيه لاغتصاب بنية بوادي سَلَة 


إلى أن مات رام افد داعا ويه للك 
القبائل البربرية التي اتبعت النحلة البرغواطية ويعيدها للإسلام . 
فقضى على تلك النحلة التي دامت 293 سنة عثرة فى طريق 
الإشلاموالجوت. ْ ْ 


152 


ديانة المتنبي عاصم بن جميل مقدم ورفجومة : 

ظهرت نحلته في سنة 127 [745] أيام عبد الرحمان بن 
حبيب بن أبي عبيدة ولقيت منه إفريقية كل ضر وبلاء. فكان 
يدّعى النبوءة والكهانة, فبدّل الدّين وغير العقائد وزاد في الصلاة 
وأنتقط ذكر رسول الله من الأذان وأوجب قتال العرب واستباحة 
دمائهم وأموالهم وأعراضهم 
ديانة المتنبي البربري حم: 

لم تكن فتئة اختراع الأديان فى البربر وصرفهم عن الإسلام 
لعقف عند النحلتين السالفتين بل تلتهما نحلة ثالثة أظهرها المتني 
أبو محمد حم بن أبي خلف بن حريز بن عمرو بن وَاجِفُوَال بن 
وازروال. وقد نعته مسلمو البربر بالمفتري لما ذاقوا وبال الأمر من 
برغواطة وابن جميل ماذاقوه. 

وبئو واجفوال رهط حم ينزلون على نهر راس وهو على 3 
أميال من مديئة تطوان. ظهر بالمكان أواخر الماثة الثالثة من 
الهجرة وانضمٌ إليه بشر كثير من البربر الذين كانوا مفتونين 
بكراهية العرب» وأقرٌوا له بالنبرّة» وجعلوا شريعته ناسخة لجميع 
الشرائع التي تقدّمتها والمغزى من ذلك مفهوم . 

وادّعى حم أنه أنزل إليه كتاب بالبربرية وتفرد أبوعبيد 
البكري بنقل آيات منه جعلها حم لصلواتهم منها: حلني من 
الذنوب يامن يحل البصر ينظر في الدنياء» حلني. من الذنوب 
يا من أخرج موسى من البحر. ش ا 

ومنها أيضاً : آمنت بحميم وبأبي خلف, امن رأسي وعقلي 


153 


وما أكنه صدري وما أحاط به دمي ولحمي وآمنث بتازفيت (عمة 


حم). 

ومن تكاليف هذه الديانة جعل الصلاة كما هي عند 
المجوس مرتين عند طلوع الشمس وعند الغروب» يسجدون على 
بطون أكقّهم. وافترض صوم يوم الخميس كله وصوم يوم الأربعاء 
إلى الظهر. فمن أكل فيهما كانت كفارته خمسة أثوار لحم. 
وجعل عليهم صوم 27 يوماً من رمضان وأبقى فرض صوم ثلاثة 
أيام والفطر الرابع. وجعل العيد اليوم الثاني من الفطرء وجعل 
الزكاة العشر من كلّ شيء. وأسقط الحجٌ والطهر والوضوء وأحل 
أكل لحم الخنزير وقال: إنما حرم ذكورها في قرآن محمّد. وحرم 
أكل الحوت ما لم يذكُ. وحرّم أكل البيض من جميع الطيور. 

وكان مآل دين حم كما آل إليه دين عاصم وبرغواطة. 
« فأما الزيد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في 
الأرض 62©. وهكذا زالت من إفريقية والمغربين جميع الأديان 
الاصطناعيةء وبقي الإسلام ثابتا فيها. ومن سخرج منه رجع إليه 
لما علموا أنه الحقّ من ربّهم فاتبعوه. 

8- ارتباك الأحوال في الأندلس 

ولاية عبد الملك بن قطن [للمرة الثانية] : 

لم تكن الارتباكات السياسية منحصرة في المغرب وحده بل 
تجاوزته إلى الأندلس», فقد ثار الناس على عقبة بن الحجاج 
(81) سورة الرعد, الآية 17. 


134 


السلولي فخلعوهء ثم قتلوه وأعادوا للولاية عبد الملك بن قطن. 
وذلك في صفر سنة 123 ه [زناير 9]741© . 

ذكرنا فيما تقدم ما حدث لبلج بن بشر سنة 117 [734] في 
المغرب وقد لبث محصوراً ومضيّقاً عليه من البربر إلى سنة 123 
[741]. ولما بلغه رجوع عبد الملك بن قطن إلى الولاية كتب إليه 
يطلب منه إنقاذه ومن معه وذلك بإرسال مراكب يجوزون فيها إلى 
الأندلس. وذكر له ما نزل بهم من الشدة والبؤس حتى أكلوا 
دوابهم ولم يبق لهم شيء يستعينون به على معاناة الحصار 
فسكت عبد الملك عن إجايته على الإجازة إلى الأندلس. لما 
كان يعلم من خطله وسوء رأيهء ووعده بإرسال المدد لكنه لم 
يفعل إلى أن تفاقمت دعوة البرير بالأندلس فاضطر عبد الملك 
إلى الاستعانة بلج ومن معه من أمجاد العرب. فاستشار رجاله 
في جوازه فخوّفوه منه. فقال: أخشى أن يقول أمير المؤمنين 
أغضى عن جنودي وتركهم عرضة للهلاك. فكتب إليهم أن 
يجيزهم بشرط أن لا يقيموا في الأندلس إلا سنة واحدة ثم يرجعوا 
إلى إفريقية. ولما أجابوه إلى ذلك أذن لهم بالجوازء وحين 
وصولهم إلى الأندلئس رأى عبد الملك ما نزل بهم من الفقر 
والعراء وسوء الحال فأطعمهم وكساهم وأحسن إليهم . ولما 
استقامت أمورهم أبوا أن يلازموا الهدوءء فقصدوا قوماً من البربر 
كانوا يقيمون بشذونة فقاتلوهم وغنموا دوابئهم وأسلحتهم وأموالهم 
وصلحت بذلك حالهم. ولما علم بذلك عبد الملك بن قطن 


(82) ابن عذاري ج 1 ص 55» وابن عبد الحكم ص 94. وابن الأثير ج 5 ص 142. 


155 


ركب إلى قرطبة وأمر بلجا ومن معه أن يخرجوا من الأندلس 
فأجابوه إلى ذلك وطلبوا منه مراكب يسيرون فيها من غير طريق 
الجزيرة الخضراء خوفاً من لقاء البربرء فامتنع عبد الملك من 
ذلك وقال ليس لدينا من مراكب إلا في الجزيرة. فقال بُلْج: 
نخاف من لقاء البربر والمرور بمكان يلاقوننا فيه. وأبى 
عبد الملك أن يسمع لهم. فلما أدركوا منه الجدّ ثاروا إليه 
واحتجزوه في ذي القعدة من السنة. فأشار على بلج رفقاؤه بقتله 
فأخرجه من قصره كأنه فرخ لكبر سئه وكان ذ فى التسعين» فقتله 
وصلبه وهرب ابناه قطن وأميّة قبل قتله. فلحق أحدهما بماردة 
والآخر بسرقسطة3*) وبعد هروبهما خرجا يستنجدان بأهل البلاد 
والبربر فاجتمع لهما جند كثير قيل إنه بلغ 100.000 مقاتل. فسمع 
بلج والذين معه فساروا إليهما واقتتلوا قتالا شديداً وجرح بلج 
جراحات: بالق لم «ظفر 5 عبد المللكة بن قطن والبوير:وفكل 
منهم خلقاً كثيراً وعاد إلى قرطبة مظفْراً منصوراً. فبقي بها سبعة 
أيام ومات من جراحاته. وكانت وفاته في شوال السنة [أغسطس 
2] بعد أن اغتصب الولاية أحد عشر شهراً. فلما مات قدم 
أصحابه عليهم ثعلبة بن سلامة العاملي» فقام بالأمر بعده. وثار 
عليه البربر بناحية ماردة فغزاهم فأكثر فيهم القتل وأسر منهم ألف 
رجل وأتى بهم إلى قرطبة ليقتلهم بها إخافة لأهلها©. 
قدوم أبي الخطار حسام بن ضرار الكلبي أميراً على الأندلس: 
في رجب سنة 125 [مايو 743] قدم الأندلس أبو الخطار 


)83 ابن الأثير» ج 5 صن 188. 
(84) نفس 0 اج 5 ص 194. 


156 


حسام بن ضرار الكلبي عاملا عليها من قبل حنظلة بن صفوان 
الكلبي المتولّي على إفريقيّة كما تقدّم. فدخل قرطبة فرأى متوليها 
تعلبة بن سلامة أحضر الأسرى من البربر فدفعهم إليه ولم يقتلهم 
فكانت ولايته سببأ لفكاكهم ونجاتهم. وكان عساكر الشام الذين 
بالأندلس يريدون الرجوع إلى بلادهم مع ثعلبة بن سلامة. فلم 
يزل أبو الخطار يحسن إليهم ويستميلهم حتى رضوا بالإقامة فأنزل 
كل قوم على شبه منازلهم بالشام. فلما رأوا بلداناً تشبه بلدانهم 
أقاموا بها وتعزّز بإقامتهم مركز العرب في الأندلس . 
ظهور الخلاف في الأندلس بين المضرية واليمنية : 

لما تولّى أبو الخطار على الأندلس جنح لليمنية وتعصّب 
لهم على المضريّة فاظهر له المضرية السوء وما زالوا يناوونه 
ويكايدونه إلى أن ثاروا عليه سنة 127 [745]. وسبب ذلك أنه 
اختصم كناني وغساني» فاستعان الكناني بالصميل بن حاتم بن 
ذي الجوشن الضبابي. فكلّم فيه أبا الخطارء فاستغلظ له 
أبو الخطار» فأجابه الصميل» وأمر به فأقيم وضرب قفاهء فمالت 
عمامته. فلما خرج قيل له: نرى عمامتك مالت؟ فقال: إن كان 
لي قوم فسيقيمونها. وكان الصميل من أشراف مضر”؟ دخل 
الأندلس مع بلج فشرف فيها بنفسه وأوليته. فلما جرى له ما ذكرنا 
جمع قومه وأعلمهم بما أصابه. فقالوا له: نحن لك تبْع. فقال: 
أريد أن أخرج أبا الخطار من الأندلس . فقال له بعض أخصائه: 
افعل ما تريد واستعن بمن شئت»ء وإيّاك وأبا عطاء القيسي. وكان 
من أشراف قيس يحسد الصميل ويناظره في الرئاسة. وقال له 
859) ابن القوطية» تاريخ افتتاح الأندلس ص 37. 


1537 


آخر: الرأي أنك تأتي أباعطاء وتشدٌ به أمرك. فإنه رجل تحرّكه 
النخوة والحميّة.» وينصرك على خصمك. وإن تركته مال إليه» 
وأعانه عليك ليبلغ فيك ما يريد. والرأي أيضاً: أن تستعين عليه 
بأهل اليمن فضلاً عن معد. فانصاع أبو الخطار وسار من ليلته إلى 
أبى عطاء. وكان يسكن مدينة استجة. فتلقاه أبو عطاء وسأله عن 
597 قدومهء فأعلمه. فلم يكلّمه أبوعطاء بل قام من ساعته 
فتقلّد سلاحه وركب فرسه. وقال له: انهض الآن حيث شئت» 
فأنا معك. وأمر أهله وأصحابه باتباعه. فساروا إلى مورور وبها 
ثوابة بن سلامة الحدّاني» وكان مطاعاً في قومه وكان يلي إشبيلية 
وغيرها لأبي الخطار ثم عزله. فحقد عليه. فدعاه الصميل إلى 
نصرته ووعده بإمارة الأندلس إذا رع منها أبو الخطار. فأجابه 
إلى نصره ودعا قومه فلبّوه وسار بهم إلى شذونة8©. ولما بلغ 
خبرهم أبا الخطار استتخلف وخرج لقتالهم فالتقوا في رجب السنة 
وصبر الفريقان لبعضهم وأظهر الثوار أشدّ قتال عرفته الجنود. 
وأسرفوا في قتل عساكر أبي الخطار. ولما علم عبد الملك بن 
قطن بالواقعة ‏ تقدم بأنصاره إلى قرطبة فأخرج منها خليفة أبي 
الخطار وانتهب كل ما وصلت إليه يده فيها. ولما اتصلت أخبار 
قرطبة بأبي الخطار انهزم في موقفه وسار ثوابة بن سلامة والصميل 
إلى قرطبة فملكاها وجلس ثوابة على عرش الإمارة. فثار عليه 
عبد الرحمان بن حسان الكلبي. فاستجاش اليمنية واجتمع له 
خلق كثير منهم وأقبل بهم إلى قرطبة» وخرج إليه ثوابة فيمن معه 
من اليمنية والمضرية مع الصميل. فلما تقاتل الفريقان صرخ 


(86) ابن عذاري» ج2 ص 35. 


158 


رجل من مضر: يا معشر اليمنية ما بالكم تتعرضون للحرب على 
أبي الخطار وقد جعَلْنا الأمير منكم (يقصد بذلك ثوابةء فإنه من 
اليمن)» ولو أن الأمير ما لكنتم تعذرون في قتالكم لناء وما نقول 
هذا إلا تحرّجاً من إراقة الدماء ورغبة في العافية للعامة. فلما 
سمع الناس كلامه قالوا: صدق واللهء الأمير مثاء فما يالنا نقاتل 
قومنا؟ فتركوا القتالء وافترق الناس عن بعضهمء فهرب 
أبو الخطار حتى لحق بباجة الأندلس» ورجع ثوابة إلى قرطبة. 
وسمي ذلك العسكر «عسكر العافية)9». وتقلد ثوابة إمارة 
الأندلس سنتين89©© ثم توفي . فأراد أهل اليمن إعادة أبي الخطار, 
وامتنعت مضر من ذلك؛». وعلى رأسهم الصميل وافترقت الكلمة 
وخلت الأندلس من أمير يتولآها. فقدّم أصحاب الشأن 
عبد الرحمان بن كثير اللخمي لولاية الأحكامء فلم يغن عنهم 
شيئاً"©. ولما تفاقم الأمر أجمعوا رأيهم على يوسف بن 
عبد الرحمان بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري. فوليها يوسف سنة 
12 [ديسمبر 746 - يناير 747]. واستقرٌ الأمر بين الزعماء أن يليها 
سنة ثم يرد الأمر إلى اليمنيين فيولون من أحبوا من قومهم. فلما 
انقضت السنئة أقبل أهل اليمن بأمرهم يريدون أن يولوا رجا 
منهم. ة فسار إليهم الصميل وقتل منهم خلقاً كثيراً في في موقعة 
مشهورة تعرف في كتب التاريخ بموقعة شقندة. وفيها قتل 
أبو الخطار"©. اقتتلوا بالرماح حتى تقطعت وبالسيوف حتى 
(87) ابن الأثيرء ج 5 ص 258-257. 

(88) من رجب 127/ إبريل 745 إلى المحرم 9 سبتمبر - أكتوبر 746. 


)90( ابن عذاري» اج2 ص 53-52. 


159 


تكسّرت ثم تجاذبوا بالشعور حتى تنصّلت وأخيراً تم الأمر ليوسف 
دون غيره ولم يعترضه أحد. وكان ذلك سنة 130 ه [747]. 

وبسبب هذه الفتن توالى القحط على الأندلس وتضعضعت 
أحوال البلاد وجلا عنها أهلها وألمٌ بها الانحطاط من كل جانب 
مدّة ست سئين. وفي سنة 136 [753] أجتمع تميم بن معبد 
الفهري وعامر العبدري بمدينة سرقسطة وحشدا معهما الناس 
فحاربهما الصميل ؛ ثم سار إليهما يوسف الفهري فقتلهما وبقي 
يوسف متغلبا على الأندلس حتى أدال منه عبد الرحمان بن معاوية 
ابن هشام بن عبد الملك المعروف «بصقر قريش» وفصل هذه 
الولاية عن إفريقية بعد أن كانت ملحقة بها مدّة 46 سنة من سئة 
2 [711] إلى سنة 138 [29756© , 


9 ولاية عبد الرحمان بن حبيب 
وثورة البربر 

قيام عبد الرحمان بن حبيب بن عبيدة الفهري بالأمر في إفريقية 
وملحقاتها: 

أحس عبد الرحمان بن حبيب بن عبيدة أن حياة البلاد التى 
تملكها آباؤه بدمائهم لإقرار الإسلام فيها على وشك 
. الاضمحلال» وأن رجوع البربر إلى طاعة الأمويين بعيدة الوقوعء 
وقد يئسوا من إنصافهم. فسار إلى الأندلس سنة 122 [741] بعد 
مقتل أبيه وكلثوم بن عياضء وأراد أن يتغلب عليها فلم يتوفق 


(91)نفس المرجعء ص 54-53. 


1060 


لذلكء فلما ولي حنظلة إفريقية ووجه إليها أبا الخطار يس منهاء 
فعاد إلى إفريقية ونزل بتونس في جمادى الأولى سنة 126 
[مارس 744]» فدعا الناس إلى نفسهء فأجابوه بالطاعة فسار بهم 
إلى القيروان» فأراد من بها من الجند قتاله فمنعهم حنظلة بن 
صفوان وكان لا يرى قتال مسلم إلا ذا كان عرتد] أو خاريا. 
وبعث إليه حنظلة رسالة مع جماعة من أعيان القيروان ورؤساء 
القبائل يدعوه إلى مراجعة الطاعة فقبض عليهم وأخذهم معه إلى 
القيروان وقال: إن رمانا أحد من أهلها بحجر واحد قتلت من كان 
تحت يدي منهم أجمعين» وفضل حنظلة الخروج إلى الشام عن 
إراقة دماء المسلمين واستولى عبد الرحمان بعد خروجه على ولاية 
إفريقية. ولكن الحروب التي دارت فيها قبل ذلك عقبها طاعون 
جارف لازم البلاد سبع سنين. ولما جلس مروان بن محمد بن 
مروان الجعدي على عرش الخلافة بعث إليه بكتاب يقره على 
الولاية2© , 
ثورة العرب والبربر على عبد الرحمان بن حبيب: 

لم تنتسق الولاية لعبد الرحمان حتى ثار عليه جماعة من 
أكابر العرب والبربر» فقد خرج عليه عروة بن الوليد الصدفي 
واستولى على تونس. وأقام أبو عطاف عمران بن عطاف الأزدي 
بتيفاش وأعلن العصيان. وثار عليه برابرة الجبال. ونابذ ثابت 
الصنهاجي بباجة9" , 

ولما رأى عبد الرحمان كثرة الخارجين عليه لجأ إلى 
(93) نفس المرجعء ص 236. 


161 


الحيلة في مقاومتهم فأخرج أنحاه إلياس وجعل معه 600 فارس 
وقال له: سر حتى تجتاز بحدود أبي عطاف الأزدي» فإذا رآك 
عسكره ففارقهم وسرٌ إلى ناحية تونس» كأنك تريد مناجزة عروة 
أبن الوليدء فإذا أتيت موضعاً سمّاه له فقف به حتى يأتيك كتابي 
فافعل يما فيه. 

فسار إلياس ودعا عبد الرحمان رجلا من خاصته وأعطاه 
كتاباً وقال له: امض حتى تدخل عساكر أبي عطاف, فإذا أشرف 
عليهم إلياس وسمعتهم يدعون السلاح والخيل» فاصبر حتى إذا 
فرقهم ووضعوا سلاحهم وأسنوه فسر إليه وسلمه كتابي . فمضى 
الرجل ودخل عسكر أبي عطاف وقاربهم إلياس فتحركوا يريدون 
مقاومته. ولما رأوه فارقهم وتوججه نحو تونس» أمسكوا عنه وقالوا: 
اتركوه» قد دخل بين فكي أسدء نحن من ههنا وأهل تونس من 
هناك. وأمنوه. فسار ذلك الرجل إلى إلياس فسلمه كتاب أخيه 
فإذا فيه أنَّ القوم قد أمنوك فسر إليهم وهم في غفلتهمء فعاد 
إلياس إليهم وهم غافلون» فلم يتمكنوا من أخذ سلاحهم حتى 
دهمهم فقتلهم وقتل أبا عطاف. وقد دارت هذه الواقعة سئة 130 
[747] وأرسل إلى أخيه عبد الرحمان يبشره بذلك. 

وكتب إليه عبد الرحمان يأمره بالمسير إلى تونس ويقول: 
إنهم إذا رأوك حسبوك أبا عطاف فأمنوك. فإذا تقدّمت إليهم 
ظفرت بهم. فسار إليهم إلياس فوجد الأمر كما قال عبد الرحمان 
إلى أن دخل تونس وكان صاحبها عروة بن الوليد في تلك الساعة 
في الحمّامء فلم يلحق أن يلبس ثيابه حتى غشيه إلياس فالتحف 
بمنشفة ينشف بها بدنه وركب فرسه عرياناً وهرب. فصاح به 


162 


إلياس: أين الفرار يا فارس العرب؟! فرجع إليه فضربه إلياس 
واحتضنه عروة حتى سقطا إلى الأرض وكاد عروة ينال من إلياس» 
فأدركه مولى له فقتله واجترٌ رأسه وسيّره إلى عبد الرحمان وأقام 
إلياس بتونس 97 . 

وبلغ عبد الرحمان أن ثائرين من الأباضية خرجا عليه 
بطرابلس اسمهما عبد الجبار والحارث وقتلا من لم يجبهما من 
أهل البلد جماعة كثيرة» فسار إليهما بنفسه سنة 131 [748] 
وقاتلهما إلى أن قتلهما وأقام بطرابلس إلى سنة 132 [749] وبنى 
بها سور المدينة ثم رجع إلى القيروان. ولم يطل مقامه بها حتى 
علم بخروج زناتة بتلمسان واتخاذها قاعدة لأعمال الخوارج» فعبأ 
. جنوده وسار إليها وأقام عليها حتى افتكها وأعاد أهلها إلى الطاعة 
ثم كرٌ راجعاً إلى القيروان. 

وفي سنة 135 [752] أخرج جيشاً إلى صقلية فغزاها ثم غزا 
سردانية» وبعد الانتصار عقد معهما صلحاً على الجرّاء والطاعة. 
ثم أقلع عنهما عائداً إلى إفريقية. وهكذا كان عبد الرحمان موققاً 
في جميع حروبه مع البربر والروم ولم ينهزم له أمامهم جيشء بل 
دوخهم جميعا وفرض عليهم الطاعة50© . 
سقوط الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية: 

بلغ عبد الرحمان مصرع مروان بن محمد الجعدي آخر 
خلفاء المروانيين في بلد أبو صير بمصر وائتقال الخلافة للعباسيين 
ببيعة أبي العباس السفّاحء في الكوفة. فخطب له وسود, ثم قدم 


(94) ابن الأثير ج 5 ص 237» واين عذاري ج1 ص 66. 
(95) ابن الأثير ج 5 ص 238-237» وابن عذاري ج1 ص 73.. 


163 


عليه جماعة من بنى أميّة لاجئين. وكان في من قدم عليه منهم 
العاص وعبد المؤمن ابنا الوليد بن يزيد بن عبد الملك. فتزوّج 
إلياس أخو عبد الرحمان ابنة عمّهما. فبلغ عبد الرحمان أنهما 
يسعيان بالإفساد عليه فقتلهما. فقالت ابنة عمهما لزوجها إلياس: 
إن أخاك قتل أختانك ولم يراقبك فيهم وتهاون بك. وأنت: سيفه 
الذي يضرب بهء وكلّما فتحت فتحاً كتب إلى الخلفاء أن ابنه 
حبيباً نتحه. وقد جعل له العهد وعزلك عنه. ولم تزل تغريه على 
أخيه بمثل ذلك حتى أثارته ©" , 

ولمّا توفي عبد الله السفاح وتولى بعده أبو جعفر المنصور 
أقرّ عبد الرحمان على إفريقية وأرسل إليه خلعة سوداء» شعار 
دولتهم فلبسها. وأرسل إليه عبد الرحمان هدية نفيسة قال عنها 
ابن عذاري المراكشي : فيها بِزّة وكلاب. وكتب إليه أن إفريقية 
صارت اليوم كلّها دار إسلام وقد انقطع السبي والجزيةء فلا 
تطلب مني شيئاً من ذلك. فغضب عليه المنصور وكتب إليه 
يتوعده إن لم يرسل إليه الجواري والمال. فأنف عبد الرحمان من 
كتاب المنصور. فدعا أهل الشورى وقرأه عليهم وهو على المنبر 
وقال: كنا ظنناه يدعو إلى الحقٌ ويأمر به فبايعناه على العدل 
وإقامة الدين» فإذا به خلاف ما ظنناه. وهذا كتابه يتلى عليكم. 
لذلك لست أرى له طاعة في أعناقنا وإني أخلعه كما أخلع نعلي 
هذه ورماه من رجله ومزّق خلعته وهو على المنبر. فوافقه الناس 


على الخلء ©. 


(96) ابن الأثير ج 5 ص 2238 وابن عذاري ج1 ص 68-67. 
97( ابن عذاري. ج 1 ص 76. 


164 


اغتيال عبد الرحمان بن حبيب بيد أخيه إلياس: 

1 اغتنم إلياس فرصة الخلع للعباسيين للقيام على أخيه. 
فاتفق مع جماعة من وجوه القيروانيين على قتل عبد الرحمان 
وتوليه مكانه وإعادة الدعاء للمنصور على المنابر. فبلغ 
عبد الرحمان ما كان مبيّتا له فأمر أخاه إلياس بالمسير إلى تونس 
فتجهز ودخل عليه القصر يودّعه ومعه أخوه عبل الوارث ولما رأياه 
قتلاه. وكان قتله في ذي الحجة سنة 137 [مايو 2]7535 وكانت 
إمارته على إفريقية عشر سنين وسبعة أشهر. وبعد قتله ضبط 
إلياس أبواب القصر وأجكم منافذه ليأخذ ابنه حبيباً فلم يظفر به» 
بل تسلّل من يديه إلى تونس واجتمع على عمه عمران بن حبيب 
وأخبره بمقتل أبيه. وسار إلياس إليهما واقتتلوا قتالا يسيرا ثم 
وقسطيلية ونفزة. ويكون لعمران تونس وصطفورة وجزيرة شريك 
ويكون سائر إفريقية لإلياس. وقد تم انعقاد هذا الصلح سنة 
8ه [756]. 

فلما تصالحوا سار حبيب بن عبد الرحمان إلى عمه ومضى 
إلياس إلى تونس مع أخيه عمران ولم يلبث إلياس أن غدر به 
فقتله وأخذ منه تونس وقتل بها جماعة من أشراف العرب ورجع 

إلى القيروان©© . 
الصراع بين إلياس بن حبيب وابن أخيه: 

ولما استقر الأمر لإلياس بعث بطاعته إلى ١‏ لمنصور مع وفل 





(98) ابن الآثير ج 5 ص 236» وابن عذاري ج1 ص ١7877‏ . 


165 


من أكابر القيروان منهم الإمام عبد الرحمان بن زياد بن أنعم 
قاضي إفريقية. وبعد ذلك خرج حبيب إلى تونس فملكهاء فخرج 
إليه إلياس في قوّة واقتتلوا قتالاً ضعيفاً حتى جنهم الليل فترك 
حبيب خيامه وسار في عساكره إلى القيروان» فاستولى عليها 
زأخرج من كان :بها من المسسجونين التياسين» فكثر به جبعه 
وتبعه إليامن ففارقة أكثر جنوده وقصدوا حبيبا وانضموا إليه فعظم 
بذلك جنده وخرج إلى قتال عمه 9 . 

ولما التقى العسكران أشفق حبيب من إراقة دماء المسلمين 
وأكثر الناس كانوا معه. فبرز بين الصفّين ونادى عمه إلياس فخرج 
إليه ولما التقياء قال له: لم نقتل صنائعنا وموالينا في أمر بيني 
وبينك». فَلْنتبَارزٌ وحدناء وأيّنا قتل صاحبه كان الأمر إليه واستراح 
من منافسِهِ وحقن دماء المسلمين. فتوقف إلياس أوَلاٌ. ثم برز إليه 
فاقتتلا قتالاً شديداً تكسّر فيه رمحاهما ثم سيفاهما ولم يلبث 
عبيب أن غلك عل ,عمه فتله بووقن ذلك العسامين من حرين 
ضروس ودخل القيروان ظافراً منصورً©©6, 


ظهور وَرفجومة وقيام البربر نثورة عنيفة على الإإسلام والعرب: 

لما بلغ عبد الوارث مقتل أخيه إلياس فر بمن كان معه من 
الغاشية والأتباع إلى قبيلة ورفجومة؛ وهم من بربر نفزة. فكتب 
حبيب إلى عامله عليها عاصم بن جميل299 برذهم إلى القيروان. 


(99) ابن الأثير» ج 5 ص 238. 
(101) ابن عذاري. ج1 ص 80. 


166 


فامتنع وخذله في ذلك فزحف إليه حبيب بن عبد الرحمان لتأديبه 
والقبفى على عمّه عبد الوارثء. فالتقاه عاصم بالجنود 
الورفجوميين الذينٍ أضلْهم واستغواهم بنحلته وردهم عن 
الإسلام. فاقتتلوا قتالا صارما وانهزم حبيب إلى قابس» فوصل 
القيروان خبر انهزامه وكان أهلها كارهين له. فكتبوا إلى عاصم 
ومشايخ ورفجومة يستقدمونهم إلى مدينتهم وهم يجهلون 
دخائلهم . وأتبعوا كتابهم بوفد يأخذون عليهم العهد والمواثيق 
بالدفاع والصيانة والدعاء إلى المنصور العباسي» فوعدهم عاصم 
بذلك وهو يبطن لهم الشرٌ والكيد. فسار إليهم بمن تبعه من البربر 
والعرب حتى قاربوا القيروان» فعلم بمقدمهم شيعة حبيب 
فخرجوا لقتالهم» اجا قتالاً شديداًء انهزم فيه جلد حبيب 
فدخخلها عاصم فاتحاً وأباحها لجنوده فاستحلُوا بها المحرّمات 
وسبوا النساء والذراري ثم سار عاصم يطلب ا وهو مقيم 
بقايسء. فأدركه بها فاقتتلوا ثم انهزم حبيب إلى جبل أوراس» 
تامى به وق بتصرك من كان هنك من السلمين فلحق به 
عاصمء فاقتتلوا به وبطش حبيب بعاصم فقتله وقتل أكثر 
أصحابه. ثم رجع حبيب إلى القيروان سنة 140 [20]757 2 
0 الجعد خليفة عاصم الذي قام بعده 
بأمر ورفجومة (للانتقام من قاتل رسول البربر) فاقتتل هو وحبيب» 
وقد فقد في هذه الواقعة أنصاره» فقتل رحمه الله بعد أن حكم 
البلاد ثلاث سنين وتقدّم الورفجوميون إلى القيروان ووضعوا 
سيوفهم في رقاب أهلها وأحدثوا فيهم مقتلة عظيمة واستحلوا 





(102) ابن الأثير ج 5 ص 240-239, وابن عذاري ج1 ص 81-80. 


167 


المحارم وارتكبوا جميع المناكر. فتغلّب البربر على إفريقية بعد 
انتصارهم وارتكبوا فيها كل الموبقات والمخازي وربطوا دوابهم 
في جامع عقبة ولم يفلتوا أحداً وصلت إليه أيديهم من قريش 
وساموا غيرهم من العرب ألواناً من العذاب» ونكلوا بمن أسلم 

من البرير نكال عظيماً. وندم القيروانيُون على فعلتهم حيث لا 
يغني عنهم الندم . 


الاستنحاد بالأباضِب:0039: 
دخل عبد الملك بن أبي الجعد إلى القيروان وفعل بها 
أضعاف ما فعله عاصم من الفساد والظلم وخحبث الدين. ففارقها 
أهلها ولم يبق بها إلا ضعفاء الحال. واتفق أن رجلاً من الخوارج 
الأباضية دخل القيروان. لحاجة وكان قادماً من طن ابلس» فرأى أناساً 
من الورفجوميين قد اغتصيرا انزاة مسلمة قهرا فى الطريق والناس 
ينظرون» فأدخلوها الجامع وأتوا عليها في بيت الصلاة واحداً بعل 
واحد. فترك الأباضي حاجته التى جاء من أجلها ورجع إلى 
طرابلس يريد أبا الخطاب عبد الأعلى بن السمح المعافري. 
فأعلمه بذلك واستنجد به لإغاثة المسلمين. فخرج أبو الخطاب 
بمن معه من طرابلس لإنقاذ القيروان من هؤلاء العتاة وهو يقول: 
بيتك اللهمٌ! بيتك اللهمٌ! فاجتمع إليه الأباضيّون وأهل السئة من 
كل مكان. ولما علم الورفجوميون بمقدمهم أخرج لهم 
. عبد الملك جيشا لقتالهم فانهزموا من لقائهم وخذلهم القيروانيون 


(103) ابن الأثير ج 5 ص 241-240: إلا أن ابن عذاري ينسب إلى الصفريّة لا إلى 
الأباضية (ج 1 ص 81). 


168 


وكثر الارتياث فيهم حتى قتل عبد الملك الورفجومي وتبعهم 
أبو الخطاب وهو يسرف في قتلهم حتى محقهم ثم كر راجعاً إلى 
طرابلس. وقبل رجوعه استخلف على إفريقية عبد الرحمان بن 
رستم الأباضي الفارسي وذلك في صفر سنة 141 ه [0042]758 , 


ا ا بج سك 
(104) ابن الأثير ج 4 ص 2240 ويضيف المؤلف كلمة والأباضي» . 


169 


والخوالف من البرير. وسيّر جيشاً إلى زويلة وودّان فافتتحهما من 
أيدي الأباضية وقتل مقدّم زويلة ابن سنان الأباضي . فلما رأى 
1 العيث والخلاف منه ذلك خافوه خوفاً شديداً وأذعنوا له 


وثار عليه رجل من جنده يقال له هاشم بن الشاحج بقَمونية 
وتبعه كثير من الجند فسَّيّر إليه ابن الأشعث حملة كبيرة فقتل 
قائدها وانهزم من معه. وجعل المضريّة من قواد ابن الأشعث 
يحرّضون من معهم على اللحاق بهاشم كراهية لابن الأشعث 
بدعوى أنه تعقب عليهم. فبعث إليه ابن الأشعث جيشا ثانيا 
فاقتتلوا طويلاً وانهزم هاشم ولحق بتاهرت وجمع حوله طغام 
البربر فبلغ عدد جموعه 20.000 فسار بهم إلى تهودا فسيّر إليه ابن 
الأشعث جيشاً ثالث فانهزم هاشم وقتل كثير من جنودهء ثم فر إلى 
طرابلس. وقدم رسول من المنصور يلومه على إخلاله بالطاعة. 
فقال: ما خالفت ولكنني دعوت للمهدي بعد أمير المؤمنين. 
فأنكر علي ذلك ابن الأشعث وأراد قتلى. فقال له الرسول: إن 
كنت على الطاعة فمدٌ عنقك فمده فضربه بالسيف فقتلهء وكان 
ذلك في صفر سنة 146 [763]. وبذل ابن الأشعث الأمان لمن 
كان بصحبته من الجنود ثم فارقوه فعادوا. ولما تمكن منهم قتلهم 
فغضب المضرية لدكثه بالوعد 5 حقهم واجتمعوا على عداونه 
وخلافه وإخراجه من إفريقية 

ولما رأى ابن الأشعث الجدّ من العساكر في إخراجه رحل 
عن إفريقية واستعمل المضرية بعده على إفريقية عيسى بن موسى 
الخراساني على غير عهد من المنصور وكان تأميره لمدة ثلاثة 

172 


أشهر إلى أن يوافيهم من يقلده أبوجعفر أمر الولاية". 
ظهور عبد الرحمان الداخل بالأندلس وانسلاخ هذه الولاية عن 
إفريقية : 

خرج عبد الرحمان من العراق خفية بعد أن أهدر السفاح 
دم الأمويين» فقصد المغرب إلى أن وصل إلى إفريقية فألحقته أم 
الأصبغ ببدر مولاه ومعه نفقة له وجواهرء فلما علم بمقدمه 
عبد الرحمان بن حبيب بن أبي عبيدة الفهري والد يوسف الأمير 
بالأندلس لح في طلبه واشتدٌ عليه فهرب منه فأتى مكناسة الزيتون 
بالمغرب وأهلها بربر» فلقي منهم شدة عظيمة ثم هرب منهم 
فأتى نفزاوة وهم أخواله؛ لأن أمه كانت جارية منهم». ومعه مولاه 
بدر فاتصل بقوم من الزناتيين فأحسنوا لقاءه واطمأن إليهم. ثم 
أخل في تدبير الصلة بينه وبين حرت الأمويين في الأندلس 
وأعلمهم بقدومه ودعاهم إلى نصرته ووجه إليهم بدراً مولام وأمير 
الأندلس يومئذ كما قدّمنا يوسف بن عبد الرحمان الفهري» فأتوه 
مذعنين. ثم انتقل من المغرب إلى كورة ريّة من أعمال الأندلس 
فبايعه عاملها إبراهيم بن شجرة© ثم عاد إلى إشبيلية فبايعه 
عاملها أبو الصباح يحيى بن يحيى . ونهد إلى قرطبة قبلغ خبره 
يوسف وكان غائباً عنها بنواحي طليطلة فوصله الخبر وهو راجع 
إلى قرطبة. فلما أتاها عبد الرحمان تراسل هو ويوسف في الصلح 
وكان يخادعه نحو يومين كان أحدهما يوم عرفة. ولم يشكٌ أحد 


(4) نفس المصدر. ج 5 ص 241-240. 
(5) بل كان عامل مورور. أما عامل كورة رية فهو عيسى بن مساورة انظر ابن 
الأثير» ج 5 ص 378. 


1/13 


من أصحاب يوسف أن الصلح قد أبرم. وأقبل على إعداد الطعام 
ليأكله الناس على السماط يوم العيد. وعبد الرحمان مرتب خيله 
ورجله وعبر النهر بجنوده ليلآء وما دنت ساعة العتمة حتى نشب 
القتال ليلة العيد وصبر الفريقان إلى أن ارتفع النهار وكانت 
الأضاحي بدل الخرفان أرواح المسلمين. وركب عبد الرحمان 
بغلاً لثلا يظنّ الناس أنه يهرب عند اللقاء. فلما رأوه كذلك 
اطمآنت نفوسهم وكثر الارتياث في أصحاب يوسف» ثم انهزم 
على أسوأ حال وبقي الصميل ثابتاً مع عصابة من عشيرته يقاتل 
عبد الرحمان حتى هلك أصحابه ثم فر فيمن بقي منهم وكتب 
الفوز لعبد الرحمان© , 


ولما انهزم يوسف لحق بماردة ودخل عبد الرحمان قرطبة» 
فأخرج حشم يوسف من القصر ودخله ثم خرج في طلب يوسف 
فلما أحسٌ يوسف به حرج من ماردة وخالفه في الطريق إلى قرطبة 
فدخلها وسار إلى القصر فأخذ جميع أهله وأمواله ولحق بمدينة 
البيرة. ولما انهزم الصميل لحق بمدينة شذونة. ولما ورد العخين 
بذلك إلى عبد الرحمان رجع من فوره إلى قرطبة طيفا في 
اللحاق بيوسفء فلم يجده بها فركب خلفه إلى البيرة. وكان 
الصميل قد لحق في تلك الأثناء بيوسف وتجمع لهما بها جند 
فتراسلوا في الصلح. وقد تم بينهما على أن ينزل يوسف ومن معه 
بأمان وأن 1 مع عبد الرحمان بقرطبة» ووضع ابنيه أبا الأسود 
محمدا وعبد الرحمان رهيئة ثم سار إلى قرطبة فلما دخل تمثل : 


(6) نفس المرجع . 


1/14 


فيا ستو القاون والامن أفرنا 
إذا نحن فيهم سوقة تتنصب 

ولم يلبث يوسف الفهري أن نكث عهده لعبد الرحمان. 
والسبب في ذلك على ما ساقه المؤرخون أن عبد الرحمان كان 
يضيق عليه وينازعه في أملاكهء فإذا أظهر حبجة شرعية يردّها ولا 
يعمل بها. فخرج إلى ماردة واجتمع عليه هناك عشرون ألفاً من 
أشياعه فسار بهم إلى قتال عبد الرحمان» وخرج عبد الرحمان إليه 
من قرطبة إلى أن وصل إلى حصن المدورء وهناك تحول عند 
يوسف ورأى أن يسير إلى عبد الملك بن عمرو بن مروانٍ وكان 
اليا غلى | شبيلية» وإلى ابيئه عمر بن عبد الملك وكان واليا على 
المدور, 0 نحوهما وخرجا إليه بمن معهما من الجنود فلقياه 
فاقتتلوا قتالاً شديداً صبر فيه الفريقان وانهزم جند يوسف بعد أن 
قتل منهم خلق كثير. ومضى يوسف على وجهه شريداً يتردّد في 
البلاد إلى أن قتله بعض أصحابه في رجب سنة 142 [759] 
بنواحي طليطلة. وحمل رأسه إلى عبد الرحمان. أما الصميل 
فإنه» لما فرّ يوسف من قرطبة» أنف الفرارء فدعاه عبد الرحمان 
وسآله عنهء فقال: 

لم يخبرني أين ذهب. 

فقال عبد الرحمان: لا بد أن تخبرني! 

فقال الصميل: لو كان تحت قدمي ما أخبرتك. 

فسجنه عبد الرحمان مع ابني يوسف. فلما هربا من 
السجن أنف الصميل من الهروب معهما وبقي فيه إلى أن مات 
ولم يعلم خبر موته حتى دخل عليه رجال من مشيخة مصر 


1715 


يزورونه. فوجدوه ميّاً وعنده كأس. فقالوا. وهم يخاطبون رفاته: 
يا أبا جوشن قد علمنا أنك ما شربت كأسك». ولكنك سقيته. ثم 
أمر عبد الرحمان بدفعه إلى أهلهء قدفتوه© 


ولما علم أبو جعفر المنصور العباسي باستيلاء الأمير 
عبد الرحمان الداخل على الأندلس هاله الأمر وأخذ يدير المكائد 
لإسقاطه وسيّر سنة 146 [763] العلاء بن مغيث اليحصبي من 
إفريقية إلى الأندلس وأمره بلبس السواد والقيام بأمر الدولة 
العباسية للوقيعة بعبد الرحمان وأن يخطب للمنصور دون أن يذكر 
اسم عبد الرحمان. فاجتمع إليه خلق كثير بنواحي إشبيلية 
فخرج إليه عبد الرحمان فالتقيا هناك» ثم تحاربا أيَاماً حتى هزم 
العلاء وأصحابه وقتل منهم في المعركة نحو 7000 مقاتل في 
جملتهم العلاء» وأمر عبد الرحمان بعض خاصّته وكانوا في زي 
التجار بحمل رأسه ورؤوس جماعة ممن كانوا معه إلى القيروان» 
وإلقائها سرّاً بالسوق ففعلوا ذلك, ثم أمر بحمل رؤوس أخرى 
إلى مكة. وكان المنصور بها يومئذ ومع الرؤوس لواء أسود وكتاب 
من المنصور إلى العلاء» وجده في مخبئاته» مكايدة للمنصور. 
وكانت هذه الواقعة سبباً في انقطاع أطماع العباسيّين في الأندلس 
وفصلها نهائياً عن إفريقية» بعد أن ظلّت تابعة لها مدة 45 سئة©©. 
ولاية الأغلب بن سالم بن عقال بن خفاجة التميمي على إفريقية 


لما علم أبو جعفر المنصور بتخلّي محمد بن الأشعث عن 
ولايته على إفريقية بسبب ثورة الجند عليه بعث إلى .الأغلب بن 


(8) ابن الأثير»: ج 5 ص 440. 


106 


سالم بن عقال بن خفاجة التميمي عهده بالولاية على إفريقية 
وكان معدوداً من أكابر الرجال ذوي الرأي والحصافة والمشورة 
والتدبير» وكان مع أبي مسلم لما خرج على الدوله الأموية» وقدم 
مع جند محمد بن الأشعث,. فلما وافاه التقليد خث إلى القيروان 
في جمادى الآخرة سنة 148 [765] وأخرج منها جماعة من قواد 
المضريةء فاستقامت له الأحوال ودانت له البلاد بالطاعة. ويعد 
مدّة وصله كتاب من المنصور يأمر بمحاسنة الجند وإقامة العدل 
بين الرعيّة وتحصين القيروان وإحاطتها بخندق لوقايتها من الهجوم 
وترتيب حرس عليها وغير ذلك من ضروب الإصلاحات وتراتيب 
النظام . 


ولكن عهد الطمانينة لم يطل حتى عاد البربر إلى ثورتهمء 
فقد خرج عليه في سنة 150 [767] أبو قرة الصفري وجمع حوله 
خلقا عظيما من البرير» ولما بلغ ذلك الأغلب بن سالم استخلف 
على القيروان سالم بن سوادة وسار بمن كان معه من التواد 
والجنود إلى الزاب لإخماد الثورة. فلما علم أبوقرة بدنوه فر من 
لقائه وتفرّقت عنه جموعه فدخل الأغلب بلاد الزاب بعد انطفاء 
جذوة الفتنة. ثم انتقل إلى تلمسان قاعدة زناتة. ولما أراد أن 
يتحول إلى طنجة كره الجند المسير معه وقالوا: ما لنا وتدريخ 
البلاد. وأبوقرّة قد هرب عنها. ثم جعلوا يتسلّلون من الجند وهم 
يتراجعون إلى القيروان التماسا للراحة» بحيث لم يبق معه إلا نفر 
قليل مْن الوجوه وأكابر القواد” . 


(9) ابن الأثير» ج.5 ص 448. 


177 


وكان الحسن بن حرب الكندي مقدم كتاب الجند تحدذّثه 
نفسه بالإمارة» وكان يركذ عقيماً كرتس وكاقن اليد يمديتم 
ويدعوهم إلى نفسه فأجابوه إلى الطاعة فسار من قوره إلى 
القيروان ودخلها من غير مانع» وحبس سالم بن سوادة. فوصلت 
الأخبار بذلك إلى الأغلب وهو لم يزل على الزاب. فجدّ السير 
إلى القيروان» وكتب إلى الحسن يدعوه إلى الطاعة ويحذّره وبال 
المعصية فلم يقبل منه وأصرٌ على الخلاف. 

ولما أحسٌ قوّاد الأغلب بقلّة من كان معهم من الجند قالوا 
له: ليس من الرأي أن تسير للقاء عدوك وهو متحفز للشرٌ في هذه 
العدّة القليلة» ولكن الرأي أن تعدل إلى قابسء فإن أكثر من معه 
يجيء إليك لأنهم إنما كرهوا المسير إلى طنجة لا غيرء فتقوى 
بهم وتنكل بعدوّك, فأجابهم إلى ذلك وسار إلى قابس فكثر بها 
جمعه ثم خرج بهم بهم إلى لقاء الحسن بن حرب فاقتتلوا اقتتالاً 
عنيفاًء فانهزم الحسن بعد أن قتل أكثر أنصاره ومشايعيهء فترك 
القيروان ومضى إلى تونس. ودخخل الأغلب إلى القيروان. 

ولم يكد يستقرٌ المقام بحسن في تونس حتى حشد الجنود 
وجمع الناس من حوله ولما صار في عدّة عظيمة قصد الأغلب. 
فخرج إليه الأغلب في عدّة عظيمة واقتتلوا قتالاً عنيفاً» فأصيب 
الأغلب بسهم طائش» فقدم المخارق بن غفارء وكان على ميمنة 
الجندء فابلى في القتال بلاءٌ حستاء وفي شعبان السنة انهزم 
الحسن إلى تونس فوجه المخارق الخيل في طلبه ففر من تونس 
ولج إلى قبائل كتامة» فأقام بها شهرين ثم كر راجعاً إلى تونس» 
فخرج إليه من كان بها من الجند فقتلوه وانهزم أصحابه. وفي 


18 


تلك الأثناء توفي الأغلب من جراحاته. فدعي بالشهيد وشيّع 
جثمانه بحفل عظيم لاعهد لمثله بإفريقية9©. وحمل جثمان 
الحسن إلى القيروان وصلب على أبوابها تنكيلاً به وزجراً لأمثاله . 
ولاية عمر بن حفص بن أبي قبيصة المهلبي على إفريقية : 

هو ولد قبيصة بن أبي صفرة أخي المهلب. وإنما نسب إليه 
لشهرته؛ عيّنه المنصور لما بلغه قتل الأغلب بن سالم وخخاف على 
إفريقية. وكان من أشجع القواد وأشدّهم بسالة ونكاية. قدم 
القيروان في صفر سنة 151 [768] ومعه خمسمائة فارس. فاجتمع 
وجوه البلد للقائه والحفاوة به. فأحسن إليهم ووصلهم. ومكث 
بالقيروان ثلاث سنين وأشهراً استقامت له فيها الأمور. ثم خرج 
إلى الزاب بأمر المنصور لبئاء مدينة طبنة واستخلف على القيروان 
حبيب بن حبيب المهلبي وخرج في الجيش فاغتنم البربر فرصة 
خروجه وخلوٌ القيروان من الجنود للثيار عليه والتخّص من حكم 
العرب وتأسيس دولة بربرية. وتلك كانت شنشنتهم من عهد 
كسيلة . فثاروا على حبيب ولما خرج للقائهم قتلوه©. 
ثورة البربر الاستقلالية علئ العرب: 

لما قتل حبيب بن حبيب المهلبي بمدينة القيرواذ»ء رحل 
البربر إلى طرابلس وأجمعوا الرأي على أبي حاتم الأباضي 
«واسمه يعقوب بن حبيب مولى كندة». وكان عامل عمر بن 
حفص بن أبي قبيصة على طرابلس الجنيد بن بشار الأسادي . 


(10) ابن الأثير ج 5 ص 449؛ وابن عذاري ج1 ص 87. 


179 


فكتب إلى عمر يستنجدهء فأمّده بالجنود فخرج فيهم لقتال أبي 
حاتم فهزمهم. فساروا إلى قابس فلحقهم أبو حاتم وحاصرهم 
بهاء وعمر مقيم بالزاب على تعمير طبنة. وكانوا في اثني عشر 
عسكراً يسدّون الفضاء. 

فقد كان أبو قرة المغيلي الصفري في 40.000 وعبد الملك 
ابن سكرديد الصفري ف 4.000 والمنصور الزناتي في 10.000 
ويعقوب بن لبيب الأباضي في 12.000 وعاصم السامرائي في 
0 وعبد الرحمان بن رستم الفارسي الأباضي في 000 .15. 
ويذكر المؤرخون أنهم كانوا زهاء 2300.000 وهو جيش كاف 
لاقتلاع جرثومة العرب من إفريقية لولا مهارة ساستهم وخبرة 
عمّالهم وقوادهم . 

رأى عمر بن حفص ما أحاط به من الجنود البرابرة وأنه لا 
طاقة له بدفعهم بالقوّة» فلج إلى الحيلة وهي أمضى سلاحاً بيد 
الدول الأثيلة» فقد بعث سرًاً إلى أبي قرّة المغيلي مقدم الصفرية 
يبذل له 60.000 درهم لقاء انصرافه عن القتال. فبعث إليه: كيف 
أرجع عن قتالكم وقد سلم إلي الناس بالخلافة منذ أربعين سنة. 
وهل أبيع عربكم بعرض قليل من الدنيا؟ . 

ولما يئس عمر من استغواء أبي قرّة أرسل إلى أخيه يراوده 
ودفع إليه مقدماً 4000 درهم وثياباً موشّاةء» على أن يعمل الحيلة 
في صرف الصفرية عن أخيه. فأجاب إلى ذلك» وارتحل من 
ليلته» وتبعته عساكر الصفرية وأبوقرّة لا يعلم ما بيت له مع أخيه 
حتى رآهم ينفضُون من حوله وينصرفون» فلم يسعه غير 
ما وسعهم . 

150 


وبقيت جنود الأباضية مجتمعة على عبد الرحمان بن رستم 
حول مدينة تهوداء فتقدم عمر إلى مناجزتهم. فقاتلهم حتى 
ضعف شأنهم وانهزموا إلى تاهرت. 

وسار أبو حاتم الأباضي منهزماً إلى القيروان فحاصرها وعاد 
عمر إلى طبئة» ولما طال حصار أبي حاتم على عاصمة إفريقية 
نحو ثمانية أشهر وقد كثر بها جمعه, مع أنه لم يكن معه يوم تقذّم 
لحصاره غير 700 مقاتل وكان جند القيروان أثناء الحصار يخرجون 
كل يوم طرفي النهار يقاتلون البربر حتى جهدهم الجوع وأكلوا 
دوائهم وكلابهم بل وحتى سنانيرهم وبيعت وقيّة اللحم بدرهم. 
ولحق كثير من أهلها بالخوارج. ولم يبق غير دخولهم إليها 
ظافرين» إذ أتاهم الخبر بقدوم عمر بن حفص من طبنة ونزوله 
بالمكان المعروف بالهرشي. فزحف إليه الخوارج بجموعهم 
وتركوا القيروان. فلما فارقوها تحول عمر صوب تونس فتبعه 
البربر. ولما علم بذلك عاد من فوره إلى القيروان وجدّ في السير 
حتى وصلها وأدخل إليها ما يحتاجه الناس من عام ووقود ودواتث 
وغير ذلك. فعاد إليها البربر ونصبوا هايا هارا شديداً وفي كلل 
يوم يدور بين الفريقين قتال عنيف. حتى ضاق الأمر بعمر ومن 
معهء فقال لعساكره: الرأي أن أخرج من الحصار وأذهب إلى 
البلاد أجمع لكم الميرة . قالوا : نا نخاف يعدك غائلة العدو. 
قال: إذن أرسل فلاناً وفلاناً من القواد يأتوننا بذلك. قالوا: ذلك 
إليك. فلما خاطبهما في الأمرء قالا: لا نتركك في الحصار 
ونتخلّى عنك. عند ذلك صِمّم على الاستقلال أو كسر البزيراة. 


(12) ابن الأثير» ج 5 ص 459. 


151 


وبينما كان عمر يعاني أشدّ الكروب إذ وافاه الخبر من 
العراق أن المنصور قد أنجده بيزيد بن حاتم بن قبيصة بن 
المهلب ومعه جند عدّته 60.000 مقاتل وأشار عليه بتوقيف القتال 
إلى أن تصل النجدة. فلم يفعل بل خرج إلى لقاء الأعداء وهو 
يقول لا خير في حياة الذلٌء فإنما هي ضجعة ثم أبعث إلى 
الحساب. وقاتل الخوارج العصاة إلى أن قتل رحمه الله شهيداً 
في منتصف ذي الحجة سنة 154 [771]. وقام بالأمر بعده أخوه 
لأمه حميد بن صخر3©. فدعا أباحاتم إلى الصلح. على أن 
يجيبه إلى ما طلبه بشرط أن لا ينفض الخوارج أيديهم من البيعة 
للعباسيّين ولا ينزلوا عن سلاحهم وسوادهم22©. فغضب أبو حاتم 
من هذه الشروط الوقحة وعدّها سبباً لإنزال النكاية بالغرب. فأمر 
بإحراق أبواب القيروان ودخلها عنوة وأفحش في قتل المسلمين 
وسبي النساء والذراري». وساقهم كالأغنام إلى الزاب. وكان ممن 
تبعه تقية عمر بن عثمان الفهريء فخرج يمانع عن العرب 
وأعادهم إلى القيروان وقتل أصحاب أبي حاتم فعاد إليه 


(13) ويؤكد ابن عذاري أن الذي خلفه هو أخوه جميل بن حفص (ج 1 ص 90). 
(14) كتب أبو جعفر المنصور إلى عماله بلبس السواد شعار الدولة واتخاذ القلانس 
الطوال وكانوا يصنعونها بالقصب والورق ويلبسونها السوادء وفيها يقول أبو 
دلامة الشاعر متهكما: 
وكنا نرجى من إمام زيادة 
فزاد الإمام المصطفى في القلانس 
تراها على هام الرجال كانها 
دنانك يهود جللت بالبرالس 
(المؤلف). [نقلاً عن الطبري» انظر تاريخ الأمم والملوك» دار 
القموس الحديث» بيروت» ج1 ص 284]. 


152 


0 ا 0 
ب 


وذكر الإمام ابن جرير الطبري أن عدد البربر الذين تألبوا 
على قتال العرب في الواقعة كان 350.000 وكان عدد فرسانهم 
فقط 35.000. 


وروى ابن القطّان في كتابه نظم الجمان في تاريخ القيروان 
أن عدد الوقائع التي تقاتل فيها العرب والبرير من لدن قتالهم مع 
عمر بن حفص إلى انقضاء فتنتهم 375 واقعة وهي فظائع منكرة لا 
يغتفرها لهم التاريخ. ش 
ثأر أبي جعفر المنصور للعرب وتعيين يزيد بن حاتم ؛ بن أبي 
صفرة للولاية على إفريقية : 

بلغ أبا جعفر المنصور ما نزل بالعرب في إفريقية 
و ا 0 
عليه الكارثة فنهد إلى إفريقية يزيد بن حاتم في 60.000 مقاتل”"ا 
كانوا من أفضل جنود خراسان والعراق والشام وجهزه على شحه 
بالغال ب 66.000.000 دره, 29 . . ومع ذلك فقد أمر ابن حاتم أن 
يتجنب الإثخان في البربر. وهو معدود من أكابر رجال الدولة 
وحاله في شجاعته وأصالة رأيه وبعد صيته وعراقته في المجد. 
معروف. وكان في بلائه وإقدامه على المهالك كثير الشبه بجدّه 


21-00 
(15) ابن 0 0 ويذكر الطبري 0 ج 9 ص 285. 


153 


المهلب بن أبي صفرة مبيد الخوارج من الأزارقة في المشرق على 
عهد الدولة المروانية» فنهض إلى إفريقية سنة 155 [772]» فتلقته 
فلول العرب في الطريق. ولما وصل إلى طرابلس فارقها أبوحاتم 
في مكان وك من الحكال كنا فى الطرق وخندق على 
عسكره. وعبّا يزيد جنوده وزحف إليه فالتقوا في ربيع الأول من 
السنة فاقتتلوا أشدٌ قتال عرفته حروب الثورات فانهزمت البرير 
كل ابركات بال مل وطلبهم يزيد بن حاتم في كل مكان 
في السهل والجبل وقتلهم قتلا ذريعاً» وقد أحصى ابن الأثير عدد 
من قتل منهم بثلاثين ألف في المعركة وحدها”© وعكف قواد 
الجيش من المهالبة يتتبعون الثوار الذين اشتركوا في قتل عمر بن 
حفص بن أبي قبيصة وأقاموا على ذلك شهراً كاملا حتى أذاقوهم 
وبال أمرهم جزاء ما فعلوه وما ارتكبوه من اغتيالات وضحايا 
لتفكيك نظام الوحدة الإسلامية. 
وقبل منصرف يزيد عن طرابلس بعد أن خلّصها من ظلم 
اراي عن حليها متعيد ين شذاذ قم حك إلى "التيرؤان 
فدخلها في يوم مشهود يوم الإثنين لعشر بقين من جمادى الآخرة 
سنة 155 [772]» فأحسن السيرة ونظم الأمور وأصلح الاختلال 
الذي عقبته الثورة وجدّد ما تهدّم من مدن ومبانٍ ورتب الأسواق 
وجعل لكل صناعة سرقاً وأعاد إلى القيروان شبابها ونضارتها 
وجدّد فيها جامع عقبة بعد أن خربه الخوارج» وجعل البلاد ترفل 
في حلل الهناء والرخاء. 


(17) ابن الأثير» جْ 5 ص 461. 


1534 


غير أن البربر ما كانوا يعدلون باستقلالهم شيئاً ولا يبالون 
بما يقدمونه لذلك من الضحايا ويأبون أن يخلدوا إلى الطاعة إلا 
بقدر ما يستجمون الراحة وسيجمعون قواهم ثم يثورون قو 
بيرة. فقد ثارت كتامة على يزيد بن المهلّب فسيّر إليهم جيشاً 
لجباً وقتل كثيراً منهم. ولمًا كمّوا عن الشغب أمّنهم وأحسن 
السيرة فيهم. ثم ثار صفرية سجلماسة وقبضوا على أميرهم عيسى 
ابن حزم فأوثقوه ووضعوه على قمّة جبل تحت العراء في أيام 
الشتاء إلى أن مات29©. وقدّموا على أنفسهم أبا القاسم سمكو بن 
واسول بن مدلان المكناسي جد مدرار. ثم قبعوا في ديارهم 
فتغاضى عنهم يزيد بن المهلب. ثم تحرّكت هوارة طرابلس على 
عاملهم عبد الله بن السمط الكندي واجتمعت كلمتهم على رجل 
منهم يقال له أبويحيى بن قرياس الهواري7" وتوائبوا للشغب 
والفتنة فتلقاهم عبد الله بن السمط بجنوده على البحر فتكل بهم 
وفرٌ أبويحيى وبعث عبد الله خلفه السرايا يتعقبونه. ثم التقضت 
ورفجومة بأرض الزاب سنة 164 [780] وعليها أبوأيوب 
الهوّاري9©. فسيرٌ إليهم يزيد جنداً كثيراً عليهم يزيد بن مجزأة 
المهلبي, فانهزم منهم يزيد وقتل كثير من جنده كما قتل عاملهم 
المخارق بن غبار فولّى مكانه المهلب بن يزيد المهلبي وأمدّهم 
يزيد بن حاتم بجند كثير واستعمل عليهم العلاء بن سعيد 
المهلبي. ومضى المنهزمون إلى ورفجومة. فخرج إليهم المهلب 


(18) ابن عذاري» ج1 ص 94. 
(19) نفس المرجع . 
(20) نفس المرجع . وابن الأثير ج 5 ص 461. 


155 


وقاتلهم قتالاً صعباً إلى أن انهزم أيوب وقتل من كان معه من 
البربر دون أن تقع تلفات تذكر في الجند. وبعد إخفاق البربر في 
هذه الثورات المهولة ركنوا إلى الطاعة خوفاً من صولة يزيد وطمعاً 
في استرضائه. وكان في ولايته ماد أعلى للنزاهة والشرف وسمو 
الهمّة وبعد النظر وأثبت المؤرخون له على ذلك شواهد كثيرة» 
منها أنه بلغه أن أحد وكلائه زرع فولاً كثيراً في بعض غيطانه فأمر 
بإباحتها للناس وقال: لا ينبغي للحكام أن يزاحموا العامة في 
طرائق مكاسبهم. كما لا ينبغي للعامّة أن يزاحموا الحكام في 
تدبير سياستهم. وذكروا له أيضاً أنه مر يوماً بضواحي القيروان» 
فنظر إلى أغنام كثيرة أعجبته ولما سأل عنها قيل إنها لابنه فأمر 
الناس بانتهابها فانتهبوها وزجر ابنه©. وكانت أيام حكمه من 
أزهر أيام شمال إفريقيا. ومكث في الولاية غير مدافع ولا منازع 
خمسة عشر سنة وثلاثة أشهر عمل فيها لأربعة خلفاء من بني 
العباس وهم المنصور والمهدي والهادي والرشيد. وفي أخريات 
أيامه أصيب بوعك شديد في رمضان سنة 171 [788]» فاستتخلف 
ابنه داود ثم لحق بريّه راضياً مرضياً بما أسداه لهذه البلاد من 
الأيادي التي منها قمع أطماع البربر في مناوأة العرب وكفٌ أيديهم 
عن الشغب والثورة وصرفهم إلى الأعمال النافعة إلى التعمير 
والزراعة وتنمية الثروة وإنعاش البلادء بعد أن كان بؤرة للفتن 
والقلاقل. وحكى عنه الإمام سحئون أنه كان يقول: ما هبت شيعا 
قط كهيبة رجل واحد يزعم أني ظلمتهء وأنا أعلم أنه لا راحم له 
إلا الله ويقول بيني وبيئك الله . 


156 


ولاية داوود بن يزيد بن المهلب: 

تقلّد داوود ولاية إفريقية بعهد من أبيه وخرج عليه أيام 
حكمه الأباضية من البرير» فكانت له معهم مواقف عديدة قاتلهم 
فيها على جبال خخمير من ناحية باجة فسيّر لهم جيشاً عليه أخوه 
المهلب. فتقدّموا إليه بزعامة نصير بن الصالح الأباضي فردّهم 
وقتل جماعة من قوادهم. ثم أعادوا عليه الكرة فندب إليهم 

سليمان بن يزيد في عشرة آلاف فأوقع بهم وهزمهم فكفوا عنه. 

ومكث داوود في ولايته تسعة أشهر ونصفاً ماضي العزم» مهاب 

الطاعةء نافذ الأمرء إلى أن استعمل هارون الرشيد عمّه روح بن 
حاتم المهلبي. فتخلى له عن الولاية وليس له من الهنات التي 

تذكر غير تهاونه بأمر إدريس الأكبر. 

انفصال المغرب الأقصى عن إفريقية بعد الأندلس: 

انَفقَ المؤرخون على أن دخول إدريس الأكبر إلى المغرب 
كان سنة 170 [787]» وهو إدريس بن عبد الله بن الحسن السبط 
ابن علي بن أبي طالب» وقد وصفه المؤرخ ابن عذاري المراكشي 

وصفاً جليلً: فقال عنه: «كان مالكا لشهواتهء فاضلا في ذاته» 

موثراً للعدل» مقبلاً على البرٌّو©©. قدم إلى المغرب بعد مقتل 

ابن عمه الحسين بن على بن الحسين بن علي بن أبي طالب في 
واقعة فخ0) أيام ولاية يزيد بن حاتم على إفريقية فانس البربر 

(22) ابن عذاري» ج 1 ص 102-101. 

(23) فخء اسم لوادي بمكة قتل فيه الحسين المذكور وكان حرج يدعو للبيعة إلى 
نفسه في ذي القعدة سئة 169 فبايعه جماعة من العلويّين بالمدينة على الخلاقة 
وخرج إلى مكة. فلما كان بفخ لقيته جيوش العباسيين وكان لقاؤهم في يوم 
التروية فأصيب بسهم وخرٌ صريعا. (المؤلف). 


1537 


بمقدمه وأجابوا إلى طاعته وتعظيمه وتم له ذلك في سنئة 173 
[790] وكمل له الأمر ببيعة قبائل تازة سنة 174 [791]. فأعلن 
يومئذ استقلاله بالملك. وفصل بلاد المغرب عن إفريقية0©©. 


تعبين روح بن تم بن قبيصة بن المهلّب على إفريقية 

لما بلغ هارون الرشيد وفاة يزيد بن حاتم ندب أخاه 
وعيّنه مكانه في الولاية» فقدم إليها في رجب سنة 172 [789] 
وكان على فلسطين9© فأحضره الرشيد إليه فعزراه في أخيه وقال 
له : قد ولّيتك مكانه لتحفظ صنائعه ومواليه ولتسير على سئته . 

كان روح بن حاتم من وجوه الدولة وقد تقلّب في أهم 
المناصب منها الحجابة للمنصور ثم تقلد الولايات العظيمة منها 
البصرة 5 ثم الكوفة. فالسئد وطبرستان وفلسطين وكان كبقيّة آله في 
النيخاء والكرم وعلوٌ الهمّة وبعد الصيت في الأدب» ومما يؤثر 
عنه في ذلك أنه بعث لكاتب له عطية بها 30.000 درهم ومعها 
توقيع لا يدرى أيهما كان 0 0 2 الكاتب العطية 
التوقيع؟ فقد قال في التوقيع : بعثت لك بثلاثين ألف درهم. لا 
أستقلّها لك تكبّراً ولا أستكثرها 03 8 أقطع عنك بها رجاء 
بعدى والسلام. وكان رحمه الله أكبر من أخيه يزيد غير أنه لما 
ولي القيروان غلبه الضعف وانتابته الشيخوخة فتوفي ليلة الأحد 
سلخ 22 رمضان سنة 174 [791] ودفن بالقيروان إن جانب أنخيه 
ءل(06, 


(26) ابن الأثيره ٠ج6‏ 6 ص 78. 


158 


وقبل وفاة روح كتب نصر صاحب بريد القيروان إلى الرشيد 
مع جملة من أكابر القواد يخبرونه بضعف روح بن حاتم» 
ويقولون: إن إفريقية ولاية واسعة الأطراف لا تستقيم بغير سلطان 
قاهر وحاتم لا فضل فيه للولاية. فكتب الرشيد عهده بولايتها إلى 
نصر بن حبيب المهلبي وكان على الزاب» وبعث به سرًا يبلغه 
إليه. ولما مات روح قام صاحب البريد صحبة أبي العنبر فأوصل 
الكتاب إلى نصر وسلم عليه بالإمارة وأتيا به إلى القيروان وأعلنا 
قدومه إلى الناس وقرا عليهم كتاب أمير المؤمنين بولايته عليهم 
فارتفعت أصواتهم بالتهليل والتكبير والطاعة لأمير المؤمنين وكانت 
ولاية نصر قصيرة لكنها خالية من الأحداث. 
ولاية الفضل بن روح بن حاتم بن قبيصة المهلبي على إفريقية : 

في سنة 176 [792] عيّن الرشيد على إفريقية الفضل بن 
روح وكتب بعزل نصر بن حبيب» فقدم الفضل من العراق وكان 
قدومه في المحرم سئة 177 [793]» ولما وصل استعمل على 
تونس ابن أخيه المغيرة بن بشرء وكان مغروراً غير ذي تجربة ولا 
دراية بالسياسة فاستخفٌ بالجند. وكان الفضل أيضاً غير محمود 
السيرة. وكان الجمهور يميل إلى نصر بن حبيب السابق. فاجتمع 
الجند بتونس وكتبوا إلى الفضل يستعفونه من المغيرة ابن أخيه 
فأبى أن يجيب إلى طلباتهم فقرروا خلعه ونقض طاعته . فقال 
لهم محمد بن الفارسي أحد قواد جند الخراسانية: إن كل جمعية 
لا رئيس لها فهي إلى الهلاك أقرب. فالنصيحة أن تختاروا من 
بينكم رجلا يدبر أموركم. فاتفقوا على تقديم قائد منهم يدعى 
عبد الله بن الجارود ويعرف «بعبد ربّه الأنباري» فقدموه عليهمء 


159 


وبايعوه على السمع والطاعة وأخرجوا المغيرة ه من الولاية. وكتبوا 
إلى الفضل يقولون : إننا لم نخرج أبداً عن طاعته ولكنه أساء 
السيرة فأخرجتاه كول علينا من ترضاه27 , 


مؤامرة جند تونس على الفضل ومكايدته : 

لما وقف الفضل على شكاة جند تونس من عاملهم المغيرة 
ابن أيه عزله واستعمل عليهم ابن عمه الفضل بن عبد الله بن 
يزيد بن حاتم وسيّره إليهم. فلما كان على مرحلة من تونس أرسل 
إليه اين الجارود جماعة لينظروا في أي شيء قدم» وأمرهم أن لا 
يحدثوا حدثا إلا بإذن. فساروا إليه.» وقال بعضهم لبعض: إن 
الفضل يخدعكم بولاية هذا ثم ينتقم بإخراجكم ابن أخيه. 
فتأمروا على الفضل بن عبد الله ثم عدوا عليه فقتلوى. وأخذوا من 
كان معه من القواد أسرى. فاضطرٌ حينئذ عبد الله بن الجارود ومن 
معه إلى القيام في وجه الفضل والجدٌ في إزالته. وانتدبوا ابن 
الفارسي لتنفيذ مؤامرتهم الآثمة. فجعل يكتب إلى كل قائد 
بإفريقية ومتولي مديئة يستغويهم ويستهويهم وكان يقول لهم: إنا 
نظرنا إلى صنيع الفضل في بلاد أمير المؤمنين وسوء سيرته فلم 
يسعنا إلا الخروج عليه لكي نرحله عنا. ثم نظرنا فلم نجد أحداً 
أوَلى بنصيحة أمير المؤمنين لبعد صوته وعطفه على جنوده منك. 
فرأينا أن نجعل نفوسنا دونك فإن ظفرنا جعلناك أميرنا وكتبنا إلى 
أمير المؤمنين نسأله ولايتك عليناء وإن كانت الأخرى لم يعلم 
حل أننا أردناك والسلام 2 . 


(27) نفس المرجع. ج 6 ص 93. 1 
(28) نفس المرجع. ج 6 ص 99. 


150 


وبهذه المؤامرة الخبيثة التي أحكموا تدبيرها أفسدوا جميع 
السجند على الفضل وكثرت اجتماعاتهم حتى بلغه خبرهم» فساق 
حليهم عسكراً كثيراً. وأراد أن يضربهم ضربة قاضية ولكن دون 
آت ينتبه إلى أن عسكره قد فسد عليه فإنهم لم يتقابلوا مع جند 
تونس. حتى انهزموا منهم وكروا منهزمين إلى القيروان وتبعهم ابن 
اللجارود. فحاصر العامة نا واحداً ثم قام أهل القيروان 
وفتحوا أبوابها للثائرين فدخلها ابن الجارود بمن معه في جمادى 
الآتحرة سنة 794[178] وأخرج الفضل من قر الولاية .ووكل إبه 
ومن معه من أهله من يوصلهم إلى قابسء فساروا يومهم. ثم أمر 
اين الجارود بردهم وقتل الفضل بن روح بن حاتم . وبمقتله 
اتقرضت إمارة المهالبة من إفريقية والملك للّه وحده. بعد أن 
دامت 33 سنة. وبعد مقتل الفضل علم الجند بما كان يظهر ابن 
الجارود وأنه يريد أن يتغلّب بمكره على البلادء فغضبوا لمقتل 
أميرهم البريء وأجمعوا على قتال ابن الجارود وحرمانه من 
الولاية. فسير إليهم جنوداً من قبله فانهزموا بمجرد ما تلاقوا مع 
السجند الغاضب وعادوا إليهء واستولى الغاضبون على القيروان ثم 
تفرقوا من تلقاء أنفسهم. فوصل إليهم ابن الجارودء» وبمجرد ما 
للاقوه انهزموا وقتل جماعة من أكابرهم ولحق المنهزمون بالأربس 
وقدموا على أنفسهم العلاء بن سعيد عامل الزابء وساروا 
ممجتمعين إلى القيروان للانتقام من الخائن المرتاب. 
وصول مندوب عال من قبل أمير المؤمنين لتلافي الثورة ومكر 
أبن الجارود به: 

لما بلغت أخبار ثورة الجنود في إفريقية إلى الرشيد أوفد لها 


151 


يحبى بن موسىء نظراً لما له من المنزلة عند العساكر الخراسانية 
وأمره أن يتقدّم إلى ابن الجارود فيتلظف له ويستميله ليعاود 
الطاعة قبل وصول الوالي الجديد هرئمة بن أعين. فقدم يحيى 
القيروان فجرى بينه وبين ابن الجارود أخذ ورد في خروجه وقيامه 
ووجوب الطاعة لأمير المؤمنين. ودفع له يحيى كتاباً منه. فقال له 
٠‏ أبن الجارود وهو يداوره ويخاتله: أنا على السمع والطاعة لأمير 
المؤمنين ولكن العلاء بن سعيد هجم علينا ومعه البربر. فإن 
تركت القيروان وثب عليها وملكها البربر» وحينئذ أكون قد ضيّعت 
بلاد أمير المؤمنين» وأرى من الأوفق أن أخرج لمناجزة العلاء فإن 
ظفر بي فشأنكم والثغور. وإن ظفرت به انتظرت قدوم هرثمة بن 
أعين فأسلّم إليه البلاد وأسير إلى أمير المؤمنين. 

ولم يكن ابن الجارود جادًاً في قوله» بل كان يماكر مندوب 
أمير المؤمنين ليكتسب الوقت حتى إذا ظفر بالعلاء» وقف في 
وجه هثرمة ومنعه من الدخول إلى البلاد. وقد علم يحيبى بذلك 
فدعا محمد بن الفارسي ولمًا خلا به لامه على إخلاله بالطاعة 
وسازرقة: لاوم البعارزد فاعتذر له وأقسم أنه لم يزل على وفائه 
لأمير المؤمنين. ووعد ببذل ننفسه لمقاومة ابن الجارود©. وفعالٌ 
فقد سعى في استمالة الجنود. فأجابوه وانضمّوا إليه وخرج بهم 
لقتال ابن الجارود. ولما علم هذا منه بذلك أيقن بالهلاك فأوعز 
إلى رجل من أصحابه اسمه طالب وقال له: إنني سأدعو ابن 
الفارسي لأعاتبهء فإذا تواقفنا فاقصده أنت من خخلف وهو غافل 
فاقتله. فأجابه طالب إلى ذلك. 


(29) ابن الأثير» ج 26 ص 9594. 


1052 


ولما تواقف العسكران دعا أبن الجارود محمد بن الفارسي 
وكلّمه في الموضعء فأتاه طالب من < خلفه وحمل عليه وهو غافل 
فقتله وانهرزمت جنوده . وتوجه يحيى بن موسى من حينه لملاقاة 
هرئمة بن أعين على طرابلس وترك ابن الجارود يتعشف في 
البلاد. 
بلاء العلاء بن سعيك فى مقاومة فتئة عبد الله بن الجارود: 

أما العلاء بن سعيد فإنه أخذ يكاتب الناس بالطاعة 
ويحذرهم من الوقوع في المعصية حتى أقبل عليه الجنود من كل 
ناحيةع وكثرت حشوده فخرج إلى القيروان لمناجزة ابن الجارود. 
ولما علم هذا بمقدمه وأنه لا طاقة له به كتب إلى مندوب أمير 
المؤمنين يحيى بن موسى يلعوه إلى القيروان لم إليه مقاليد 
0 فسار إليه في جند طرابلس في المحرم سنة 795[179]. 

فلما وصل قابس تلقاه الجند بالتجلّة والاحترام ومعهم ابن 
الجارود مستهل صفر. وكانت ولاية ابن الجارود المغتصبة سبعة 
أشهر. وتقدم يحبى بن موسى والعلاء بن سعيد يستبقان إلى 
القيروان» كلّ منهما يريد أن يكون له الذكر في إنقاذها. فكان 
السبق للعلاء فدتحلها ظافراً يعد أن فتك بأصحاب ابن الجارود 

0 القور للعاقه بن شين نجه تلقام عرق ونان 
ابن الجارود أيضاً©© للقائه. ولما لقيه قبض عليه وسيره إلى 
307 كلا نه الرواة عن أن الأثير. وأمار ابن عذاري المراكشي فإنه يقول إن ابن 

الجارود استمرٌ في طغيانه وخر فاراً إلى تاهرت وإن هرئمة ة تعقبه إليها وقتله - 


103 


الرشيد . وكتب إليه يعلمه بخصال العلاء وسعيه الحميد في إطفاء 
فتئة ابن الجارود. فكتب إليه الرشيد بتوجيه العلاء بالإعزاز 
والتكريم. ولما بلغ إلى مصر وافته بها صلات الرشيد وخلعه ثم 
واصل سيره إلى بغداد لكنه لم يلبث بها غير قليل حتى أدركته 
منيته. وأما ابن الجارود فقد اعتقل في سجن بغداد جزاء خيانته 
وإخلاله بالطاعة لأمير المؤمنين. 
ولاية هرثمة بن أعين على إفريقية 

وهو معدود من أقطاب الدولة العبّاسية وكانوا لا يوجهونه إلا 
في المهام العظيمة. قدم القيروان في ربيع الأول سنة 795[179] 
ولم يصلها إلا بعد انقضاء فتنة ابن الجارودء فآنس أهل القيروان 
بمقدمه خيرً كثيراً بعد أن غشيهم من الفتن ما غشيهم فشيهم: فأحسن 
إليهم . وانفتح عهد ولايته على إفريقية بتعيين 0 بن الأغلب 
عامل على الزاب. وكان مولده بالقيروان ونشأ فيها على 
المحامد. ومن ماثر هرثمة في هذه الولاية تشييد رباط المنستير 
وبناء سور طرابلس مما يلي البحر وقد أتمّهما سنة180 
03107961 

وبالرغم من عدله وإحسانه فقد خرج عليه عياض بن وهب 


بها مع من قتلهم من الثوار. والظاهر أن رواية ابن الآثير أصحٌ (المؤلف). 
[والواقع أن ابن عذاري قد ذكر أن العلاء قد رحل إلى طرابلس «دوكان ابن 
الجارود قد وصل إليها قبل وصول العلاء. فلقي بها يقطين بن موسى فخرج 
معه سائراً إلى المشرق. فلقوا هرثمة بن أعين قد وصل بولاية إفريقية. . ولما 
لقي هرثمة ابن الجارود سيره إلى هارون الرشيد» (ج 1 ص 109) فليس هناك 
تناقضص بين الروايتين]. 
(31) ابن الأثير» ج 6. ص 96. 


1044 


الهواري » وكليب بن جميع الكلبي وجمعا له جموعاً يريدون قتله 
فسيّر للوقيعة بهما يحيى بن موسى في جيش لجب ففرق 
جموعهما وقتل منهم خلقا وألزم من بقي منهم الطاعة ثم عاد 


ظافراً إلى القيروان. 
ولما رأى هرئمة ما بإفريقية من الاختلال والانشقاق أشفق 
على سمعته وواصل كتبه إلى الرشيد يستعفيه من هذه الولاية حتى 


أعفاه وأمره بالقدوم إلى العراق. فارتحل عن إفريقية في رمضان 
سئة 797[181]. فكانت مدّته ثلاثين شهراً. ولما وصل عيّنه 


ولاية محمد بن مقاتل بن حكيم العكي على إفريقية 
في الشهر والسنة اللذين ارتحل فيهما هرثمة بن أعين عن 
إفريقيّة» وصلها محمد بن مقاتل بن حكيم العكي » أخو هارون 
الرشيد من الرضاع. وكان أبوه معدودا من أكابر رجال الدولة 
العباسية ؛وكان :جما كما بصفه المؤحون متكنقا :ضعي الرائ 
غير محمود السيرةء فاختلف عليه جندهء واتفقوا على تقديم 
مخلد بن مرة الأزدي وألّب عليه كثيراً من الجنود العرب والبربر 
وغيرهم فسير إليه محمد بن ال جيشاً يناجزونه فانهزم مخلد 
واختفى في مسجد فأخرج منه قسراً وذبح ذبح الشاة. 
وخرج بعلي انام إبن تميع التميدي وكان على تونس 
مقتفيأ بسلفه ابن الجارود فزحف إليه في رمضان سنة 799[183] 
وكان معه فوج عظيم من القواد والأجناد من أهل الشام وخراسان. 
فخرج العكي لقتاله في غير تعبئة حسنة. فتقاتلا بظاهر القيروان» 


155 


فانكسر العكي ولحق بداره واتخذها عصاماً له. ودخحل تمام 
القيروان في يوم الأربعاء لخمس بقين من شهر رمضان السنة. 
فأمُن العكي وأمره بالرحيل من إفريقية» فخرج منها بأهله إلى 
طرابلس وهو لاحق بالعراق. 20 


ولما بلغ إبراهيم بن الأغلب خبره وكان عامل على الزاب» 
سار إلى القيروان فصدّ عنها تمام خوفاً من بطشه وكرٌ راجعاً إلى 
تونس. فدخل اين الأغلب القيروان في حفل عظيم وأذاع في 
الئاس أنه إنما قدم لنصرة العكي المعيّن عليهم من قبل أمير 
المؤمنين. وكتب إليه يدعوه من طرابلس فرجع بمن معه من فوره 
إلى القيروان في حماية إبراهيم بن الأغلب. فثقل ذلك على أهل 
البلدء وبلغ من تجنيهم عليه أنه خرج يوماً يتمشى في المدينة 
فأشرفت إحدى العقائل من شرفة بيتها وقالت: أيّها العككّي اشكر 
هذه النعمة لإبراهيم بن الأغلب الذي حماك ومنعك وردّك إلى 
وَلايتك “سالماء .يح أن قرطت فيها واظعتها يسوء :رايك: وفنناد 
تدبيرك. فسقط في يده وانخذلت نفسه ولم يحر جواباً©©. 

ولما بلغ خبر رجوعه إلى تمام كتب إليه يمكر به ليوقع بينه 
وبين إبراهيم: .أما بعد فإن إبراهيمء بن الأغلب لم يبعث إليك 
فيردذك عن كرامتك عليهء ولا للطاعة التى يظهرها لأمير المؤمنين» 
ولكن كره أن يبلغ أخذه البلاد فترجع إليه. فإن منعك كان مخالفاً 
لأمير المؤمنين وإن دفعها إليك كان ما فعله لغيره» فبعث إليك 


(32) ابن الأثيرء» ج 6 ص 106-105. 


156 


لترجع ثم يسلمك للقتل وغداً تعرف ما جرّبت من قتالنا 
بالأمس 69 , 

ولما وصل كتابه ألى العكي دفعه إلى إبراهيم ولما قرأه 
ضحك وقال: قاتله الله ما أضعف رأيه وأوهى حيلته : فر عليه 
العكي بإشارة من إبراهيم : 

فإن كان ما قلته نصيحة فليس من خان الله والخليفة مقبولاً 
مئه ما نصح به وإن كان خديعة فأقبح الخدائع ما فطن له. ثم 
طوى الكتاب وأرسله. 

ولسئنا نغرب إذا قلنا إن هوى الناس يومئذ مع تمام فقدل 
اجتمعوا عليه لفزعهم من العكي وكراهيتهم له. فخرج بهم من 
تونس إلى القيروان لمناجزة العكي وهو يظنٌ أن الناس 0 
ويساعدونه على قتاله. ولما وصل قال إبراهيم لابن العكي : إن 
تماماً انهزم مني وأنا في قلة ار لعلمه 
أن الجند يخذلونك» والرأي أن د تستقر في مكانك» وأنا أخرج 
إليك بمن معي من الجنود. ففعل ذلك وخرج إليه إبراهيم في 
طلبه ولما أحمن تمام مئه بذلك بعث إليه يطلب منه الأمان 
فأمنه وأتى به القيروان بعد أن عزله وأشفى منه غليل العكي 69 , 

غير أن كراهيّة أهل البلاد لولاية العكي كانت شديدة» 
فحملوا إبراهيم بن الأغلب على أن يكاتب الرشيد يطلب منه 
تعبينه على إفريقية. فكتب إليه بذلك وكانت نفقات الولاية تحمل 
(33) ابن عذاري » ج 1 ص 114-113. 
(34) ابن الأثيرء» ج 6 ص 106. 


177 


إليها من مصر وهي 000 100 دينار كل سنةء فتنازل لها عنها 
إبراهيم ووعد أن يحمل إلى دار الخلافة 000 40 دينار كلّ سنة. 
فأحضر الرشيد ثقاته واستشارهم فيمن يوليه أمر إفريقية يكفيه 
مؤونة هذا الثف 635 ويمنع عادية العادين عليه. وذكر لهم كراهية 
أهله ولاية محمد بن مقاتل العكي . فأشار عليه هرثمة بن أعين 
بتولية إبراهيم بن الأغلب وجعلها ورائية في عقبه. وذكر له ما رأى 
فيه من العقل والدين والكفاية. فوافقه الرشيد على رأيه وأقام 
إبراهيم بالقيروان يراقب أعمال الثوار وحركاتهم إلى أن وافاه 
التقليد بالولاية من هارون الرشيد في أواسط جمادى الآخرة 
سنة 800[184]. والأمر بإرجاع العكي إلى العراق. 





(35) نقس المرجع . 


108 


».0 اط 10 0ط ل9//:مغااطا 


البَابَاكَالتْ 


الرُوكَة الاغلسية 


(296-184 ه/ 909-800 م) 


159 


001.0 005اط. 215010 //:مخاط 


1 نشأة الدولة الأغلبية 

ظهور النظام اللامروكزي في دولة بني العباس وتجرثئة البلاد إلى 
ممالك عنصرية : 

لا مفرٌ لبني العبّاس في خلافتهمء بعد أن أيقظوا الروح 
الشعوبيّة (القومية) في أقطار الإسلام» وقد كانت مداراً لدعاوتهم 
السياسية المصطبغة بالصبغات القومية» من إعطاء الاستقلال 
الداخلي للولايات غير العربية» الواحدة تلو الأخرى ومنها ولاية 
إفريقية» وذلك لسببين جوهريين: 

الأول جنوح الشعوبية إلى التخلّص من الحكم العربي 
المركزي ومناداتهم بالاستقلال الداخلي وإدارة بلادهم البعيدة عن 
مركز الخلافة» مع صعوبة المواصلات» أضف إلى ذلك توارد 
الشكايات من سوء تصرف العمّال والولاة. وقد يعسر على خلفاء 
بني العباس إنصافهم بغير إيجاد ذلك النظام لإقرار هيبة الدولة في 
النفوس وقطع دابر الخلاف والثيار. 

والثاني قيام السياسة العباسية على الدعاوة بتقبيح نظام 


2.2 1 


المركزية في الحكم الذي وضعه المرواتيون وكانوا يشئون به 
الغارة عليهم. تنفيرا للأعاجم من حكمهم. وقد كانوا يعدونهم 
ويمنونهم إن هم أجابوهم إلى دعوتهم أن يُمتّعوهم بنوع من 
الاستقلال الذي خرموه. وطبيعي أن يكون انتقال الحكم إلى 
العباسيين فاتحة انقلاب سياسي تتطور به حياة الشعوب غير 
العربية الداخلة في الإسلام وتعويضها بنوع من نظام الإقطاع 
القائم على اصطناع الْأسَّر. وهذا ما حصل بالفعل. فقد كانت 
فاتحة هذه التجربة بولاية إفريقية على عهد الرشيد, لكنها كانت. 
ناقصة. لذلك كان مصيرها إلى تفكك وحدة الدولة.» بعد أن 
كانت منظمة أمميّة قائمة على أساس التكافل بين الأجناس» 
وذلك لفقدان التجانس في نظام اللامركزية الجديد. وهكذا تجرد 
الخلفاء العباسيون بالتدريج عن سلطتهم التنفيذية في الأقطار 
للولاة دون أن يبقى لهم منها غير النعوت والألقاب. فإن هذا 
النوع من الحكم أيقظ النعرات الجنسية في ممختلف الأقوام التي 
صهرها نظام الخلافة. وصار هم كل قوم الاعتزاز بذاتيّتهم مكان 
الوحدة. ثم تدرّج بهم هذا التفكك إلى أن صار أوضاعاً قوميّة 
نابية عن وحدة الإسلام. . وتحت ضغط هذه التجربة القاسية 
المنافية لروحية الإسلام. تناثرت الممالك الإسلامية الواحدة تلو 
الأخرى من عقدها النضيد الذي أحكم المروانيون انتظامه. وفي 
النهاية آل الأمر إلى تداعي ملك العرب وقيام العناصر المغلوبة 
عليهم. وتخلي العرب عن السيادة القعساء التي شادتها سيوفهم ء 
والرضى بالرضوخ لحكم الموالي. وهذا ما يدعو المؤرخ العربي 
إلى اتهام الانقلاب العباسي بأنه كان مؤامرة كيدية ضِدّ العرب 


202 


لانتزاع سيادة الحكم من أيديهم وتسليمها إلى الأعاجم؛ وهو ما 
كان يحاذره المروائيون ووقع فيه العباسيون اعتباطا فهدموا كيان 
قومهم بدل أن يشدّوه ويشيدوا بذكره. 

ومهما عتبنا على العباسيين سعيهم في تفكيك وحدة 
الخلافة السياسيةء فلا يسعنا إلا أن نصوب رأيهم في جعل 
إفريقية ولاية ممتازة وإناطة إدارتها لإبراهيم بن الأغلب وجعلها 
وراثية في عقبه. فقد أحدث من أنقاضها مملكة إسلامية عظيمة. 
سارت على غرار الأمويين في السياسة والفتوح وترقية البلاد» 
علماً واقتصاداء ولولا قيام الباطنية وفرقها الهدّامة التي نكب 
فيها الإسلام في غفلة حماتها عنها وتأثيرها الخبيث في ذهنية 
فلول البرابرة الكتاميّين» لاكتسحت فتوحاتها الظافرة كامل القارة 
الأروبيّة وركزت الإسلام في المهد الثاني للنصرانية» كما أقره 
الخلفاء الراشدون في مهدهاالاوٌل بالمشرق. ولكن أنى لنا بذلك . 
وأيدي الهدّامين قويّة مطلقة تعبث في الإسلام هنا وهناك وأيدي 
البناة مغلولة» والأعداء متضافرون على قطعها. 


وهكذا كان وللَّه عاقبة الأمور. 


الدولة الأغلبيِسة: 
كانت الدولة الأغلبية دولة عربية مسلمة بأوسع معاني 
الكلمة» رشيدة الأمرء حكيمة السياسة. وكان منهجها في الحكم 
إدماج البربر في العرب وتحويل نشاطهم إلى المخارج» والتعالي 
عن مناوأة البلاد المنفصلة عنها كالمغرب الأقصى والأندلس» بل 
تنيت عنها وانصرفت إلى الفتح والتوسّع في قارة أروبا وتركيز 
203 


سياستها في علائقها مع الدول المجاورة لها على أساس القوة 
والسطوة فكانت بذلك المثل الأعلى لعظمة الدولة الإسلامية في 
الخارج. 


ولاية إبراهيم بن الأغلب على إفريقية 
هو إبراهيم بن الأغلب (الوالي الأسبق) بن سالم بن عقال بن 
خفاجة التميمي» من مواليد القيروان. وكان من رجال الدنيا 
الأقذاة « في العلى اباس وعدن : التندين > والرانة جا رزورك 
ومكانه 17 وقد ترجم له ابن عذاري المراكشي فأثبت له أنه كان 
حافظاً لكتاب الله وعالماً به وقال عنه أنه فقيه أديب» وشاعر 
خطيب» وذو رأي ونجدة. وباس وحزم. جريء الجنان.» طويل 
اللسان. لم يل إفريقية أحد أحسن سيرة وسياسة ورأفة بالرعيّة, 
0 أوفى بعهد ولا أرعى لحرمة منه. وهي صفات نادرة» قلما 
تتوفى إلا في أكابر الرجال من مؤسّسي الدول. وكان أستاذه 
الليث بن سعد يقول عنه أيام تحصيله: «ليكونن لهذا الفتى 
شأن). فكان كما قال حسنة من حسنات الدهر في توطيد مملكة 
إفريقية وإزالة ما تفشى فيها من ذرائع الخلاف بين البربر 
والعرب297), 
003 وافاه التقليد بالولاية من هارون الرشيد في المحرم سنة 
4 [800]. فخضعت له قبائل البربر ودانت له بالطاعة واستقامت 
به أحوالهم. ولم يشاغب عليه أحد سوى العرب. وافتتح حكمه 
الميمون بإبعاد تمام ومن كان على شاكلته من العرب المتكالبين 





(1) ابن عذاري. ج1. ص 116. 


204 


على تسلّق العروش وطلاب الولاية إلى العراق» ورأى من أصالة 
رأيه اجتناب الإقامة في القيروان المنافقة المتردية. وابتئى بالقرب 
منها عاصمة له سمّاها المبّاسية© وانتقل إليها بأهله وحاشيته 
وعساكره, وقاية لهم من شرّهاء فضبط الأمور وانقطعت الفتنة 
وأمنت البلاد من الغوائل. 

وفي سنة 186 [802] خرج عليه بمدينة تونس رجل من أبناء 
العرب اسمه حمديس فتزرع السواد وكثرت جموعه فنهد إليه 
إبراهيم جنوده بقيادة عمران بن مجادة العامري وأمره بأن لا يبقي 
على أحد منهمء قطعاً لدابر الفتنة. فسار إليه عمران فقاتله 
حمديس وكانوا يصرخون في قتالهم : بغداد بغداد (أي ارجع 
إليها). فصبر لهم عمران إلى أن أخذهم بالسيف. وحكى ابن 
الأثير أنه قتل في هذه الواقعة 0 رجل ودخل عمران مديئة 
تونس ظافراً بعد أن طهّرها من أدران الشغب والفتنة© , 

ومن حكمة إبراهيم السياسية أنه لما بلغه أن إدريس الأصغر 
بعد أن أكثر جمعه في المغرب أصبح يطمع في إفريقية وأن مولاء 
راشد يقوم له بدعاية واسعة النطاق مطابقة لمنازع البربر 
وأهوائهم ‏ فأبى أن يجهز عليه وأعمل الحيلة لصرفه عن بلاده. 
فكاتب القائم بأمره من المغاربة واسمه بهلول بن عبد الواحد 


وأهدى إليه ولم يزل يلاينه ويستدرجه حتى_ فارق إدريس وانضم 





(2) وكانت تعرف أيضاً «بالقصر القديم»» انطمست الآن آثارها وتسمّى بقايا أنقاضها 
الوهاب) . 
(3) ابن الأثير» ج 2.6 ص 107. 


205 


إليه وتفرقت الجموع عن إدريس» فكتب إلى إبراهيم يستعطفه 
ويستجديه الرضى والكف عنهء وهو يناشده فى ذلك قرابته من 
رسول الله كللِ. فأمسك. عنه رحمة به وكتب إليه: «إني أتركك ما 
تركت الفساد والشغب فى بلادي)© . 


ولما استقامت البلاد لإبراهيم وأقبل الناس على شؤونهم 
وأمسكوا أيديهم عن البغي» كنت الشر في معطس عمران بن 
مجادة الربيعي العامري. القائد الأعلى للجيوش فثار على 
إبراهيم» بعد أن رفعه إلى أسمى الرتب وأنزله معه قصره وأشركه 
في نعمته؛ والسبب في ذلك على ما يرويه المؤرخون. أنه ركب 
معه يوماً وهو يحدثه فلم يفهم إبراهيم من حديثه شيئاً لاشتغاله 
عنه بمهم عرض لهء فاستعاد منه الحديث:» فغضب عمران من 
ذلك وفارق إبراهيم وجمع حوله كثيراً من الجنود. وأظهر العصيان 
ونزل بمن معه بين القيروان والعباسية ثم تبعه قريش بن التونسي 
في تونس واجتمع حولهما خلق كثير من مشايعي الفتن وتقدّموا 
لحصار إبراهيم في قصره بالعباسية. وخالف عليه أيضا أهل 
القيروان وانضموا إلى العصاة. ودخل عمران بمن معه القيروات» 
فكانت بينهم وبين إبراهيم وقعة شديدة في أول رجب, انهزم فيها 
[براهيم. ثم التقوا مرة ثانية فانهزم فيها أيضا ثم التقوا مرة ثالثة» 
فكانت الدبرة على العصاة. ولما أحسٌّ عمران بالضعف أرسل 
إلى الإمام أسد بن الفرات صاحب الأسدية ليخرج معهم إلى 
القتال» فامتنعء فأعاد إليه الرسول وقال له: تخرج معنا وإلا 





(4) نفس المرجع . 


206 


أرسلنا إليك من يجرٌ رجلك. فقال أسد للرسول: قل له والله إن. 
خرجت لأقولنّ للنّاس إن القاتل والمقتول منكما في النار. فكفٌ 
عنه. ولما أدرك إبراهيم الفوز على خصمهء خندق على العباسية 
ورابط فيها دون أن يناجزه ومكث بعد رجب يناوش العصاة 
واستمر على ذلك سنة كاملة, حتى بلغ الرشيد الخبر» فأنفذ إلى 
إبراهيم خحزانة مال يستعين بها على أمرهء فلما صارت , 
إليه أمر المنادين أن ينادوا في الجهاتء. من كان من جند_ 
أمير المؤمنين فليحضر لأخذ عطائه» فخرج عن عمران جل من تبعه 
وتفرّقوا عنه وأقبلوا على إبراهيم ففرق فيهم الأموال ولم يبق مع 
عمران إلا شراذم قليلة في أخلاط القيروانيين» فوئب عليهم جند 
إبراهيم فولوا منهزمين. فنادى إبراهيم فيهم بالأمان والحضور 
لقبض العطاء وحضروا جميعاً فأعطاهم كفايتهم وسامحهمء لكنه 
أمر بقلع أبواب القيروان وهدم أسوارهاء حتى تكون بلدا مفتوحاً 
لا يقدم أهله على الثيار وإلا عرضوا أنفسهم للتلف والهلاك© . 

وأما عمران فقد لاذ بالهرب ولج إلى الزاب واختفى إلى 
أن مات إبراهيم وولي بعده ابنه عبد الله فاستأمن له فأمنه وأسكنه في 
قصره كما كان مع أبيه. غير أن لما أحسٌ منه ببعض الشرٌ عدا 
عليه فقتله حيث لم يفد فيه الاصطناع. 

وبعد انهزام عمران انقطعت الفتن من إفريقية وذاقت البلاد 
طعم العافية» وكان إبراهيم وافر الرعاية للعرب والاصطناع 
بالعطاء للجنود وكان يرى امتلاك القلوب بصنئوف البرّ أهون عليه 
من استعمال السيف. لكنه ما كان يتأخر عن وضعه في رقاب 


(5) نفس المرجع . 
207 


البغاة إذا لم يفد فيهم المعروف. كما فعل بأبي عام ومن وافقه 
من الخارجين عليه حتئى ولع ذابرهم وانتزع الغل والحسد من 
القلوب وانقاد له الكافة رغبة ورهبة. 


وفي سنة 196 [811] علم بتغير الأباضية في طرايلس 
الغرب. فعيّن عليها ابنه عبدالله ولم يكد يستقرٌ بها حتى ثاروا 
عليه فحصروه في داره ثم اصطلحوا على أن يخرج عنهم وكانوا 
من الخوارج المنابذين لحكم أهل السئة» فخرج عنهم ولم يبعد 
عن البلد حتى اجتمع إليه كثير من الناس وأجرى عليهم العطاء فأتاه 
البربر من كل صوبء. فأعطى الفارس كل يوم أربعة دراهم 
والراجل درهمينء فاجتمع له عدد كبير من الجندء فزحف بهم 
على المدينة. فخرج إليه مقاتلتها فاقتتلوا معه إلى أن هزمهم 
ودخل عبدالله المدينة وأمن الناس وأقام بها إلى أن نححاه عنها أبوه 
واستعمل مكانه سفيان بن المضاء للمرّة الرابعة. فثارت عليه 
هوارة طرابلس» فخرج إليهم في الجند فاقتتلوا اقتتالاً شديداً ثم 
ارتدٌ سفيان بالجند إلى المدينة فتبعتهم هوّارة فخرج الجند هاريين 
إلى إبراهيم بن الأغلب ودخلت هوارة إلى المديئة وهدّموا 
أسوارها. وأجمعت فلول الجند على تأمير إبراهيم بن سفيان 
التميميء فكانت ولايته سبعاً وعشرين يوماً©. ثم وقع بين الأبناء 
بطرابلس وبين قوم يعرفون ببني أبي كنانة وبني يوسف حروب 
كفيرة حتى أفسدت فيما بينهمء فبلغ ذلك إبراهيم بن الأغلب 
فاستنجد احمل ين اميل وجي اين وله تحبا كيرا ومتار 


(6) ابن الأثير» ج6. ص 132. 


208 


عليهم ابنه عبدالله . فخرج إليهم في 13000 فارس وأمره أن 
يحضر بني أبي كنانة والأبناء وبني يوسف, فقاتل البربر إلى أن 
هزمهم وقتل منهم خلقاً كثيراً ودخل المدينة عنوة وبنى سورها 
وساق إلى القيروان الذين طلبهم أبوه. فلما قدموا عليه أراد 
معاقبتهم بما يستحقون. فسألوه العفو فعفا عنهم وأعادهم إلى 
بلادهم. بعد أن أخذ عليهم العهود والموائيق بالطاعة. ورجعت 
نجدة أحمد بن إسماعيل إلى مصر بعد أن اشتركت مع جنود 
إبراهيم في قمع الثورة9 . 

ولما اتصلت هزيمة الأباضيّين من البربر بعبد الوهاب بن 
عبد الرحمان بن رستمء جمع إليه من أطاعه منهم وحرضهم على 
قتال العرب» فأجابوه إلى ذلك وأقبل بهم من طريق الصحراء إلى 
طرابلس وحصرها من كل جانب فسدّ عبدالله بن إبراهيم باب 
زناتة وأخذ يقاتلهم من باب هوارة إلى أن توفي أبوه وقد عهد إليه 
بالولاية . 

فكتبب إليه أخوه زيادة الله بذلك. فأخذ الأباضية الرسول 
والكتاب ودفعوهما إلى عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم 
فأمر أن ينادي عبدالله بن إبراهيم بموت أبيه. ولما علم بذلك نزل 
إلى البربر فصالحهم على أن يكون البلد والبحر تابعين لمملكة 
إفريقية» وما كان خارجا عنهما يكون للأباضية ويتولاها عبد 
الوهاب. وسار عبدالله من ساعته إلى القيروان ليتقلّد الإمارة مكان 
أجسه9© , 


7( النجوم الزاهرة. ج22 ص 125 
(8) ابن الأثير» ج 6. ص 187. 


209 


أما إبراهيم رحمه الله تعالى. فإنه بعد أن وطد الملك 
لأولاده وقطع دابر العصاة وراضى الناس بالرغبة والرهبة وأقبلوا 
على أشغالهم وتوفرت لديهم المكاسب وتضاعف الخراج 
فاستغنت الحكومة بذلك عن 100,000 دينار التي كانت تتقاضاها 
من خزانة مصر لسدٌّ عجز نفقاتهاء رأى من الصيانة للمملكة أن 
يبتعد عن القيروان بؤرة الثيار والهرج وأن ينشىء لدولته الفتية 
عاصمة جديدة فاختار لها كما قلنا العباسية وأمر بأن تنقل إليها 
جميع الدواوين2 السياسية والعسكرية. فعمرت بسيب ذلك 
وأقبل عليها الأغنياء ووجوه الناس وشيّدوا فيها القصور والعمارات 
والدكاكين والأسواق وتنافسوا في البناء إلى حدٌ بعيد حتى صارت 
في بضع سنوات من أبهج العواصم وأحفلها وأقبل السفراء ووفود 
الأمم عليها من كل صقعء وكان من جملتهم سفير فرنسا على 
عهد شرلمان 009 , 

ومن جملة الإصلاحات النافعة التي أجراها إبراهيم بن 
الأغلب قبل وفاته إيجاد جيش كثيف من الزنج بلغت عدّته 80000 
ليكون الاعتماد عليه في قراع النازعين للخللاف من العرب 
والبربر» وإن كان اعتماده في الواقع لا على الجيش بل على 
الإحسان والرعاية . فإنه يؤثر عنه قل أنه غمط حقّاً لأحد من 
العرب أو البربر. وقد دأب ري السياسة المثلى التي جمع 
فيها بين الحزم والكياسة. إلى أن وافاه الأجل المحتوم في العشر 





(11) شارلمان. أحمد ملوك الإفرنج العظام تولى من سنة 768 إلى سنة 814 م . 


210 


الأواخمر من شوال سنة 196 [811عء بعد أن حكم البلاد بكفاءة 
وبجدارة نادرتين 2 سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام» وهو لم يتجاوز 
من العمر 56 سنة» فحزنت على فقده البلاد وثكله الملك وبكاه 
الإإصلاح والاحسان . 
ولاية أبي العباس عبدالله بن إبراهيم بن الأغلب: ٍ 

لما توفى إبراهيم بن الأغلب كان عبدالله كما أسلفنا متغيبا 
في طرابلس الغرب وكان أبوه قد عهد إليه بالولاية من بعده وأمر 
ابنه الثاني زيادة الله أن يتولّى أخذ البيعة لأخيه. فقام زيادة الله 
بالوصيّة خير قيام وأخذ له البيعة على الناس وبعث بها إليه. فقدم 
عليه سنة 197 201208171 فتلقاه زيادة الله بحفاوة عظيمة. غير أن 
عبدالله لم يحفظ هذا الوفاء لأخيهء بل تنكر له وقابل إحسانه 
بالإساءة وأمر بطانته بإطلاق ألسنتهم فيه. فتحمّل ذلك زيادة الله 
برباطة جاش ولم يظهر تغيرً لأخيه, نخحوفاً على الملك ومحافظة 
على الطاعة والولاء ليعطي بذلك مثلا أعلى للناس. 

وكان عبدالله من أجمل أهل زمانه. لكنه كان قبيح السلوك 
لا في سياسته مع أخيه فحسبء بل في سياسته العامة ايشا 
خصوصا في أخريات أيامه. فقد سلك بالبلاد مسلك الخشونة 
والعنف وحاد عن سنن أبيه. ومن جملة ما أوغربه صدور العامة 
إلغاؤه لضريبة الأعشار وتعويضها بخراج قارٌ على الأراضي قطعه 
على كل فدان ثمانية دنانير2© أصابت الأرض أم أمحلت. ولو 
فعل ذلك لزماننا لحمده الناس وخلدوهء لكن فعله في زمن 
(11) ابن عذاري: ج1ء ص 120. 
(12) وفي رواية ابن الأثير 18 ديناراً (المؤلف). 


211 


ما زال الناس فيه على سذاجتهم لا يفقهون فلسفة الاقتصاد. فكان 
في نظرهم أول أمير خرج على أحكام الشريعة المطهرة فكرهوه 
وحسبوا ولايته بليّة نزلت بهم بعد أن تيمنوا بعهد أبيه وقد حال 
دون ثيارهم عليه تنظيمات أبيهء أخصها تأليف جند الزنج. ولم 
تفد فيه نصائح علماء عصره ولا مواعظهم» فلجأوا إلى الدعاء 
عليه واستمرٌ على طريقته لا يعبا برضا أحد أو غضبه حتى 
أصابته قرحة تحت أذنه كانت بها وفاته ليلة الجمعة لستٌ نخلون 
من ذي الحجة سنة 201 [817]» بعد أن مكث في الملك خمسة 
أعوام وثلاثئة أشهر إلا أيَام08 , 


2 إفريقية في عهد زيادة الله الأول 

ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب: 

وهو من أعظم ملوك الدولة الأغلبية على الإطلاق وأعلاهم 
صيتاً وأبعدهم نظراً في الأمورء وكان حاله في إفريقية أشبه ما 
يكون بحال عبد الملك بن مروان في المشرق في كثرة الخارجين 
عليه ونزوعهم إلى العبث بأمن الدولة ومصابرته لهم حتى فاز 
عليهم وظفر بهم يها وفتح الفتوحات العظيمة في جنوب إيطاليا 
كر اعافيل ف الاير في ذلك الصقع. » ولا شك أنه 

بويع له بالملاك بيع الجمفة الدع كين منج البحيجة بعد 
201 [517] وكان في حلقه يوم و ارا عنيداً سيّء الظنٌ 


(13) ابن عذاري. ج1. ص 121-120. 


212 


بجنوده لما كان يعلم من ثيارهم على أبيد. فشدد عليهم وقسا في 
معاملتهم . . فكثر خحوضهم في ذلك وجلبوا إليهم العامة وهم أتباع 
لكل ناعق » فثاروا عليه في أماكن مختلفة فرماهم بالجتود 0 
الزئج فتكلوا بهم . عند ذلك خحافوه وهابوا بأسه وأظهرو! له الطاعة 
وهم إنما كانوا يرقبون الفرص للنيل منه. 


اطمأآن زيادة الله للسكون الظاهر الذي يبديه الثوار فاشتغل 
بإصلاح ما اختل من أحوال البلاد وأراد توجيه النشاط الشعبي إلى 
الغزو والفتح في الخارج كما صنع ذلك قبله أبو المهاجر دينار 
وغيره. فأمر بإعداد الأسطول وحشد الجتود. ولما تم تجهيزها أذن 
بخروجها إلى سردانية وهي يومئذ تحت حكم الروم البيزنطيّين 
فأوقعوا فيها مواقع عظيمة ثم عاد الأسطول منصوراً بعد أن 'لحق 
بالروم هزائم كثيرة» فأمر زيادة الله لأولئكك العساكر بهبات جزيلة 
مكافأة لهم على بلائهم في العدوٌ©. 

ولم يقصر زيادة الله في عطفه لأهل القيروان رغم نفاقهم 
وفسادهمء فكان يعيّن عليهم أفضل رجاله. ومن ذلك انتدابه 
للامام أسد بن الفرات لولاية القضاء على القيروان سنة 204 
[9820© فابتهج الكبير والصغير بهذه الولاية» لما للإمام من 
العتؤلة العالية في الدين والعلمء وكان في تلك الأثناء الهدوء 
شاملا لإفريقية» وكان أهلها في أيسر حال وأنعم بال إلى أن كانت 
سنة 207 [823]» فخرج على ذيافة :الله وياد بخ سهل المعز 


(14) ابن الأثير» جح 6 ص 2 واين عذاري» ج1. ص 124. 
(15) يؤكد ابن عذاري أنه تولى القضاء سنة 203 ه (ج1. ص 124). 


213 


بابن الصقلبية وجمع جموعاً كثيرة وتوجّه بها إلى حصار باجة ء 
فندب زيادة الله العساكر لقتالهدء فأزالوه عنها 000 كل من 
شايعه واشترك معه في تعكير صفو البلاد©2©, غير أنه لم تكد 
تنطفى ء هذه الجمرة حتى نقل إلى زيادة الله سنة 208 [824] أت 
منصور بن نصير الطنبذي7© يتأهب لإيقاد الثورة في تونس وأنه 
كتب إلى الجنود يستثيرهم. فلما تحقق ذلك لديه ندب إليه قائدآ 
اسمه محمد بن حمزة في 300 فارس وأمره أن يخفي وجهته 
وبنحن السير وآن بدضل على خين غفلة على منصون وياعذه افيضم 
باليد ويحمله إليه دون أن يربك البلاد في حرب طاحنة يهلك فيها 
الناس لغايات رديئة©©. فسار محمد إلى تونس فلم عا 1 
وكان متغيباً في طنبذة» فأرسل إليه محمد قاضي تونس ومعه 
أربعون شيخاً يحذرونه من عواقب الخلاف ويأمرونه بالطاعة . 
ولما اجتمعوا به وذكروا له ذلك أنكر المخالفة لأميره ووعدهم 
بالسير معهم إلى محمد والخروج معه إلى لقاء زيادة الله ثم أأحف . 
تدع يطعي في نهحهة وكل اليم : اقيهوا: معن ايوننا ها 
حتى نهيىء للأمير ضيافة تليق بمقامه. فصدقوه وأجابوا دعوته 
وأقاموا عنده يومهم. وأرسل من فوره إلى محمد ومن معه عندت 
الضيافة من البقر والغنم والطعام والفاكهة والمشروب والمشموم 
وغير ذلك مما يستأنس بهء وكتب إليه يقول: إني صائر إليك مح 
القاضي والجماعة فركن محمد إلى دهائه وخداعه وأمر بالغتم 


(16) ابن الأثير» ج6. ص 232 وابن عذاري ج 1. ص 124. 
(17) الطنيذي نسبة إلى طَنبْذَة قصر حصين كان بمكان المحمدية على مقربة من 
مدينة تونس (ح.ح. عبد الوهاب) . 


214 


فلبحت» وبالقدور فنصبت وبالمائدة فوضعت وأكل هو ومن معه 
من تلك الضيافة البالغة وطربوا وشربوا من الخمور المهداة 
إليهم. أما منصور فإنه لما جنه الليل سجن القاضي ومن أتى 
بصحبته في القصر وسار فيمن معه يجدّ السير حتى دثخل دار 
الصناعة التي نزل بها محمدء فأمر بدقٌ الطبول وكبّر هو وأصحابه 
فوثب محمد ومن معه على أسلحتهم وقد أثملهم السكر وأحاط 
بهم منصور وأصحابه وأقبلت العامة من كل مكانء» فرأوا جند 
زيادة الله يترنّحون وقد أوهنهم السكر فرجموهم بالحجارة وسبوهم 
وشتموهم وأسحر فيهم أصحاب منصور القتل عامّة الليل ولم 
يسلم منهم إلا من لجأ إلى البحر فسبح حتى خلص بنفسه". 
وكانت هذه الواقعة في صفر السئة [جوان 824 وهي أشدٌّ ما 
لاكته الألسن في التنفير من حكم زيادة الله والتشهير بقواده 
وعساكره بكلّ شائئة ونقيصة. أمّا ما كان من أتباع منصور 
وأشياعهء فإنهم لما أصبحوا قالوا له: نحن لا نثق بك ولا نأمن 
غائلتك وقد يستميلك زيادة الله بدنياه فتميل إليه على ما رأينا من 
خلائقك. فإن أحببت أن نكون معك فاقتل رجلا من قرابته من 
عندك حتى لا يكون فيما بينكما موضع للصلح. فقال هذا أهون 
ما طلبتم وأمر في الحين بإحضار إسماعيل بن سفيان بن سالم بن 
عقال التميمي وهو من قرابة زيادة الله وكان عامله على تونس» 


(18) لقد اعتمد المؤلف على الأخبار التي أوردها ابن عذاري (البيان ج1؛ ص 
27 وابن الأثير (الكامل ج» ص 232 - 233). انظر أيضاً حسن حشني عبد 
الوهاب» ورة الطنبذي . منعرج في تاريخ الأغالبة, الورقات ج3 ص 
1 - 297. 


215 


ولما حضر أمر الطنبذي بقتله فقتل صبراً رحمه الله إرضاءً لأهواء 
أوشاب الجنود والأتبا ع9" , 
ولما بلغ زيادة الله خير مقتل عامله وقريبه سير جيشا عظيما . 

لمعاقبة منصورء استعمل عليه الوزير غلبون الأغلب بن عبدالله 
'ابن الأغلب» وحين وقف لتوديعهم تهدّدهم جميعاً وقال إن جزاء 
من انهزم منكم عند لقاء عدوه القتل. فلما وصلوا إلى تونس في 
اليوم العاشر من ربيع الأول السنة خرج منصور لقتالهم فانهزم 
جند زيادة الله فقال قوادهم لغلبون لا نأمن زيادة الله على أنفسنا 
إن نحن أتيناه على هذه الحال قبل أن تأخخذ لنا منه أماناً. ثم 
.فارقوه على ذعر وتفرقوا في عدّة جهات يعيثون في المدن. 
فاستولوا على باجة وصطفورة والأربس والجزيرة وغيرهاء. 
فاضطربت منهم إفريقية وتمخضت حركتهم الطائشة عن تعزيز 
مركز منصور الطنبذي . فطمئهم ثم جهّز منهم جنداً وسار بهم إلى 
القيروان وهو يطمع في خلع زيادة اللهء9©. ولما انتصر زيادة الله 
أمر جنوده بتأديب القيروانيين على ما ارتكبوه من البغي والفساد 
وعلى وقوفهم إلى جانب كل خارج على الحكومة القائمة. 
فتعرّض له في ذلك من كان بمعيّته من العلماء وأهل السمط وقالوا 
عنهم: إنهم ضعفاء النفوس يمشون في كلّ هيعة ويتبعون كل 
ناعق» فقبل شفاعتهم فيهم وأمر بالكفٌ عنهم واقتصر في 
معاقبتهم على هدم أسوار المديئة. ولكن تساهل زيادة الله في 
(19) ابن الأثير» ج 6. ص 233 وابن عذاري ج1ء ص 127., ولمزيد التفاصيل»: 

انظرء محمد الطالبي» الدولة الأغلبية: دار الغرب الإسلامي» ص 1988 

9 200 
(20) نفس المراجع . 


216 


ترك معاقبتهم معناه التشجيع للجريمة لأنهم لا يرغبون في إيجاد 
حكومة جيّدة توّطد الأمن وتقرٌ النظامء وإنما يريدون الفوضى 
وإطلاق أيديهم في النهب والسلب0©. 

وكيفما كانت الحال في تهاون زيادة الله في معاقبة 
القيروانيين» فقد سلك سياسة حازمة جمع فيها بين التأديب والرأفة 
وهي التنكيل بالثوار والتساهل مع المستسلمين توهيناً لشوكة 
الخارجين عليه وقد انادف عق النتانة نرعا :ما .فزن ا 
أتباع منصور الطنبذي قد فارقوهء منهم عامر بن زافع 72 وعبد 
السلام بن المفرّج وعادوا إلى المدن التي تقلّبوا عليها. عار 
إلى سبيبة» فسيّر إليه زيادة الله جيشاً بقيادة محمد بن عبدالله سنة 
9 [27]824© فالتقوا في العشرين من المحرم فكانت الدائرة 
على محمدء فعاد بفلوله إلى القيروان. فعظم الأمر على زيادة 
الله فجمع الرجال وبذل لهم الأموال. وكان عيال الجنود الذين 
انضموا إلى منصور الطنبذي ما زالوا يقيمون بالقيروان دون أن 
يعرض لهم زيادة الله بسوءء فخافوا أن يفكر بالبطش بهم فقالوا 
لمنصور: الرأي أن تحتال في نقل عيالنا من القيروان قبل 
هلاكهم لكي تأمن عليهم . فسار بهم منصور إلى القيروان وحصر 
زيادة الله ستة عشر يوماً ولم يكن بين الفريقين قتال. وفي تلك 
الفترة أخرج الجنود نساءهم وذراريهم وانصرف بهم منصور إلى 
تونس 207 . 


(21) ابن الأثير ج22 ص 2234 يتصرّف. 
(23) نفس المرجع . أما ابن عذاري فيذكر سنة 210 (ج1. ص 129) . 


217 


وبسبب هذه الثورات المتوالية خرجت أغلب .بلاد إفريقية 
عن الطاعة لزيادة الله ولم يبق له منها إلا بلاد الساحل وقابس 
ونفزاوة وطرابلس. وأرسل قواد الجيوش الثائرة إلى زيادة الله 
يقولون له: ارحل عن إفريقية وخل عنا ولك الأمان على نفسك 
ومالك وما ضمّه قصرك. فغمّه ذلك وضاق به الأمر. فقال له 
سفيان بن سوادة وكان دا لديه: لا يهيب بك الأمر مكني من 
عسكرك لأختار منهم مائتي فارس أسير بهم إلى نفزاوةء» فقد 
بلغني أن عامر بن نافع خرج إليهم يستهويهمء فإن ظفرت به كان 
الذي تحبّ وإن تكن الأخرى», عملت برأيك. فآأذن له بذلك 
فاختار له مائتى فارس من الصناديد وسار بهم إلى نفزاوة فدعا من 
بها من البربر إلى نصرتهء فأجابوه وأسرعوا إليه. ولما بلغ ذلك 
8 أقبل إليه بعساكره فتلقاه سفيان بمن معه واقتتلوا 
قتالاً عنيفاًء فكثر نعثر القل: في جند عابر ثم اتهرم يمن ني نهم 
وتحول إلى قسطيلة فجبى أموالها فى ثلاثة أيام وواصل أيامها 
بلياليها. ولما ا 0 ثم أرسلوا 
إلى ابن سوادة يسألونه المجيء إليهم. فأجابهم إلى ما سألوه 
وضبط البلاد وكان ذلك سنتي 210-209 [2590]825 . 

وفي سنة 826[211] انشقٌ عامر بن نافع عن حليفة منصور 
ابن نصر©© الطنبذي. وسبب ذلك أن منصور كان كثير الحسدٍ 
لأقرانه وحلفائه”. وسار عامر بجنوده من تونس إلى منصور وهو 


(25) ابن الأثير» ج1 ص 131. 


(26) وفي رواية أخرى منصور بن نضيرء وقد استعمل المؤلف الروايتين على التوالي . 
27( ابن حلدونت» العير» سج4 ص 424, 


بقصره بطنبذة فحصره به مدة حتى فني ما كان عنده من الماء 
فراسله منصور وطلب منه الأمان على أن يركب بجنوده سفينة 
ويتوجّه إلى المشرق. فأجابه عامر إلى ذلك. فخرج منصور أول 
الليل مختفياً يريد الأربس فتحصّن بها وحصره عامر ونصب عليه 
متجنيقاً» فلما اشْيْدٌ الحصار على أهل الأربس قالوا لمنصور: إما 
أن تخرج عنّا وإلا سلّمناك إلى عامرء فقد أضرٌ بنا الحصار. 
فاستمهلهم حتى يصلح أمره. فأمهلوه وأرسل إلى عبد السلام بن 
المفرج يسأله الاجتماع به. فأتاىء فكلّمه منصور من فوق السور 
واعتذر وطلب منه أن يأخذ له آماناً من عامر حتى يسير إلى 
المشرق. فأجابه عبد السلام إلى ذلك واستعطف له عامراً فأمنه 


على أن يسير إلى تونس ويأخذ أهله وحاشيته ويرتحل بهم 7 
المشرق. فخرج إليه عامر فسيّره مع خيل إلى تونس وأمرسراً من 

كلّفه به أن ينقله إلى جزيرة جربة ويسجنه بها. ففعل ذلك وسير 

معه أخخاه حمدونء فلما علم عبد السلام بذلك عظم عليه الأمر. 
وكتب عامر إلى أخيه وكان عامله على جربة يأمره بقتل منصور 
وأخيه حمدون ولا يراجعه فيهما. فحضر عندهما السجن وأقرأهما 
الكتاب. فطلب منه منصوز دواة وقرطاساً ليكتب وصيّتهء فأذن له 
بذلك. فلم يقدر أن يكتب حرفاًء ثم قتلهما وبعث برأسيهما إلى 
أخيه. واستقامت بعدهما الأمور لعامرء ورجع عبد السلام بن 
المفرج إلى مدينة باجة. وبقي عامر بن نافع بعديئة تودين؛ إلن أن 
هلك سنة 214 [2]829©. فلما وصل خبره إلى زيادة الله قال: 


(28) ابن الأثئير» ج 6 ص 231. أما اين عذاري فقد ذكر أن وفأة عامر بن نافع كانت 
في سنة 213 ه. انظر أيضاء محمد الطالبي» المرجع المذكورء ص 209. 


و21 


الآن استراحت إفريقية. وأرسل بنوه إلى زيادة الله يستأمنونه 
فأمُنهم0© وأحسن إليهم جره يا على خطته السياسية التي ذكرناها 
في أخد الأمور بالتسامح واللين استغلافاً للقلوب يها للقوم . 
خطة زيادة الله السياسية : 
لا ريب أن زيادة الله كان من أبعد الملوك نظراً في تدبير 
سياسة الملك. فقد أمسك عن متابعة الثوار وتركهم يتجنون على 
البلاد التي أطاعتهم باختيار أهلها ليذوقوا وبال أمرهمء وهو أبلغ 
عقاب سلبى ينزله ملك قدير بشعب كفور بالنعمة. وصرف 
اهتمامه إلى إسناد المناصب إلى العلماء الأذكياء وإنشاء المصانع 
لصنع السفن في سوسة لاستئناف الفتوح في جنوب إيطالياء ومن 
أجدر بذلك من زيادة الله الأكبر وهو يسعى في تكوين دولة 
للإسلام عظيمة في إفريقية بينما كان غيره يسعى للفساد 
والإفساد ليعتاش بهما ويتحكم في الرقاب . 
الأسياب التي أغرت زيادة الله على فتح اليلاد الإيطالية : 
لم يكن زيادة الله ليغفل مراقبة الأحوال الجارية في البلاد 
الإيطالية. فقد علم في سنة 827[212] أن امبراطور الروم 
لقسطنطيئية استعمل على جزيرة صقلية بطريقاً اسمه قسطنطين 
ا فلمًا وصل إليها عين على قيادة الأسطول رجلا 
ا اسمه فيمي ) كان ارقا شجاعاًء فغزا إفريقية وأخذ من 
سواحلها سبياً ونهب أموالاً ثم رجع ظافراً. وبدا لأمبراطور الروم 
لضغينة في نفسه أن يكتب إلى قسطنطين يأمره بالقبض على فيمي 


)29 النويري » النهاية» ج-2) ص 72. 


220 


وتعذيبه. فوصل الخبر إلى فيمي فأعلم أصحابه بالأمر فغضبوا له 
وأعانوه على المخالفة . فسار في مراكبه إلى صقليّة واستولى على 
مدينة سركوزة . فخرج إليه قسطنطين واقتتلوا قتالاً يسيراً. فانهزم 
قسطنطين إلى مدينة كتانية» فسيّر إليه فيمي جيشاً. فهرب منه ثم 
أخذ وقتل» وخوطب فيمي بالملك. واستعمل على ناحية من 
الجزيرة عاملاً اسمه بلاتة فخالفه وعصاه واتفق مع ابن عم له 
اسمه ميخايل وكان والياً على بلرمء فجمع عسكراً كثيراً وخرج به 
لمقاتلة فيمي . فانهزم أمامهما واستولى بلاتة على مدينة سركوزة. 
وركب فيمي ومن معه إلى إفريقيّة. وأرسل إلى زيادة الله يستنجده 
يعده بملك جزيرة صقلية00© , 
ائتداب الإمام أسد بن الفرات لغزو جزيرة صقلية9©: 

لم يكد يصل استنجاد فيمي إلى زيادة الله حتى هب لإجابة 
غيائه وأمر دار الصناعة التي أنشأها بسوسة بإخراج أسطول إلى 
البحر وجهزه بعدّة عظيمة وملأه بالجنود وندب لقيادتها قاضي 
القضاة الإمام أسد بن الفرات» فجمع له بذلك بين الإمارتين» 
إمارة الجيش وإمارة الأحكام وأخرج معه في ربيع الأول 
سنة 8271212] أشراف إفريقيّة من العرب والبرير والأندلسيين 
وأكابر أهل العلم والبصائر وأركبهم من بنوسة فيه حفل بهيج 
الأسطول262. فطرق حصون الجزيرة وحاضرها ا شرا ولقيته 
جموع من الروم فتكل بهم وأغرق مراكبهم ثم حطّ على مديئة 
(30) ابن الأثير.» ج 6. ص 236-235. 
(31) نفس المرجع . 
(32) لم يذكر ابن الأثير (نفس المرجع) ولا ابن عذاري (ج1. ص 132) انطلاق 

الأسطرل من سوسة. 


221 


مازرة(62 وكانت من أهم مدن الجزيرة» فسار منها إلى بلاتة وكان 
معه جند من الرومء فواقعهم الإمام بجنود من المسلمين وأمر 
فيمي ومن معه أن يعتزلوهم. واشتدٌ القتال بين المسلمين والروم. 
فانهزم الروم وغنم المسلمون أموالهم ودوابهم وهرب بلاتة إلى 
قلورية©© فقتل بها واستولى المسلمون على عدّة حصون من 
الجزيرة وواصلوا تقدمهم إلى قلعة الكراث» فاجتمع بها خلق 
كثير وتقدّموا بالطاعة إلى الإمام أسد بن الفرات وذْلّوا بين يديه. 
فلما راهم فيمي رف لهم وكلمهم أن يثبتوا ويحفظوا بلدهم. 
فبذلوا لأسد الجزية وسألوه أن لا يدنو منهم فأجابهم إلى ذلك 
وتار عنهم يام فاستعدّوا للخصضان وجلبوا ما يحتاجون إليه ثم 
تكبوا عن طاعة الإمام . فناصبهم الحرت وحاصرالمدينة وبث 
سراياه في كل ناحية فغنموا شيئاً كثيراً وافتتحوا قرى عظيمة . 
وتلاحقت به الإمدادات من إفريقية فملك مازرة ثم سار إلى بلرم 
في عساكركثيرة وأحاطها بالمسلمين. وأمر بحفر حفائر كثيرة 
خارج الخنادق مكايدة للعدوٌ. ولما حمل الروم عليهم سقطوا في 
تلك الحفر ولقوا فيها حتفهم وضيّق المسلمون على سركوزة وفي 
أثناء الحصار وصل أسطول من القسطئطينية لإنجاد المحاصرين وفيه 
جنود كثيرة» فدارت حولها موقعة عظيمة أصيب فيها الإمام رضي 
الله عنه بجراحات خطيرة فاز منها بالشهادة وذلك في ربيع الآخر 
سنة 213 [3]828©. وبعد هذه الوقائع نزل بالمسلمين وباء شديد 


(33) ابن الأثير» ج 6» ص 235. 
(34) نفس المرجع. ص 236. 
(35) نفس المزجعء» ص 237. 


222 


هلك فيه خلق كثير منهم. فلما رأى المسلمون قلتهم بإزاء تظافر 
الوياء والنجدات للروم وفرار رهائن الروم الذين كانوا تحت 
أيديهم » حدثت فيهم مغبّة شديدة كادت تؤول إلى هلاكهم. 
فإنهم تحمّلوا في مراكبهم لكي يبتعدوا عن الجزيرة. فوقف لهم 
الروم بمراكبهم على باب المرسى ومنعوهم من الخروج. وحين 
رأى المسملون منهم ذلك تراجعوا ونزلوا إلى البر وأحرقوا 
مراكبهم حتى لا تكون غنيمة لعدوهم ولا يعاودهم الأملى في 
الفرار» وعينوا لقيادتهم دنا عن الإمام أسد بن القرات» محمد 
ابن أبي الجواري ثم تقدّموا إلى مدينة ميناو فحصروها ثلاثة أيام 
وتسلّموا الحصن. وسار فريق منهم إلى حصن بفرغلوش2. ثم 
تلته مراكب كثيرة من إفريقية مدداً لهم فبلغت جميعها 300 مركبا. 
ولمّا رآهم الروم يملأون البحار انهزموا وتركوا الحصارعن 
المسلمين وفرج الله عنهم. ثم ساروا في قوة عظيمة إلى مدينة 
بلرم فحصروها. وضيّقوا على حماتها من الروم . فطلب حاكمها 
الأمان لنفسه ولأهله وماله فأجيب إلى ذلك وسار إلى مأمنه في 
عرض البحر ودخل المسلمون المدينة في رجب 831[216] ولم 
يكن بها إلا نحو 3000 وكان بها لما بدأوا الحصار 70.000 نسمة. 
وبعد هذا الانتصار المهول جرّى بين المسلمين الإفريقيين 
00 نزاع على إمارة الجيوش كاد أن ينقلب إلى شرء ثم 
تفقوا على أصيغ لبلائه وسابقيته وسيّروا البشائر إلى زيادة الله 5 
صقلية فوردت عليه هذه البشرى حين وردت عليه بشرى أخرى 





(36) ابن عذاري. ج1 ص 134. 


بمهلك الثائر عامر بن نافعء فكان السرور بالبشريين عامًا 
عظء 62 

وفيى سنة 834[219] سار المسلمون إلى مدينة قصر يافة 
وفر الروم إلى معسكرهم. ثم استأنفوا الكرة عليها في الربيح 
فهزموهم وأسروا امرأة بطريقهم ومعها ابن لها منه ثم عادوا إلى 
بلرم. ومنها سيّر محمد بن عبد الله عسكراً إلى ناحية طبرمين > 
عليهم محمد بن سالم فقتلوه ولحقوا بالروم فعين زيادة الله بدله 
الفضل بن يعقوب وكان من قواد الجنود الإفريقيّين. فخرج في 
سرية إلى ناحية سركوزة. فأصابوا غنائم كثيرة ورجعوا ظافرين . 
ثم عاد إليهم في جيش عظيم فتصدّى لقتاله بطريق الروم وكات 
على الجزيرة» فتحصنوا منه في أرض وعرة شعراء © , ولما رأى 
أنهم لا يقاتلونه رجع عنهم فتفرّق جنده وتركوا تعبئتهم. فلما رأى 
وطعِنٌ البطريق طعنات قاتلة حتى سقط عن فرسه فأدركه أصحايه 
وهو مئخن بالجراحات فأنقذوه وغلم المسلمون ما كان معهم من 
سلاح ودوات وكانت شيئاً كثيراً. 

واتفق أن فر قبل ذلك في سنة 217 [832] أبو فهر محمد بن 
عبد الله التميمي من إفريقية إلى صقلية9© إثر وفاة فرغلوشس 
يطلب ولايتها فتغلب عليها ولما علم بذلك زيادة الله عن على 
27( ابن الأثير. ج66 ص 239. ش 


(38) نفس المرجع . 
(39) ابن عذاري.» ج 1» ص 135. 


224 


صقلية أبا الأغلب إبراهيم بن عبد الله فوصلها في منتصف 
رمضان». فنحى أبا فهر وأمر الأسطول بالخروج لمناجزة قوات 
الروم التي على البحرء فالتقوا بقسم من أسطولهم كان مرابظاً 
على شواطىء بلرم فأخذوه غنيمة . ثم انتقل. الأسطول إلى قوصرة 
فظفر بحراقة هناك فيها عساكر رومية بينهم رجل من أهل إفريقية 
تنصّر وكان يدلّهم على عورات المسلمين» فأوتي به إليه وأمر 
بقطع عنقه جزاء خخيانته لبلاده وقومه . وأمر بعد ذلك بإلخراج جد 
كثيف لإشغال مديئة نابولي فأحدث ذلك ارتباكاً شديداً في الروم 
ثم كف عنها. وفي سنة 8367221 أعاد الغارة عليها وأمر بالتوغل 
في جنوب إيطاليا فاحتل جبال فيزوب وكانت له فيها وقائع 
وانتصارات باهرة ومغانم كثيرة حتى بيع رقيقها بأبخس الآثمان. 
ثم أمر بتجهيز الأسطول وأمره بتعقب جزائر البحر فتعقبها جزيرة 
جزيرة ودلكٌ معاقلها واستنزل حصونها على الطاعة والجزاء. 
توالت بعد ذلك وقائع برية وبحرية في دواخل الجزيرة ع 
شواطتها والمسلمون في تقدّم يحتلون المدن ويستولون على 
المراكب إلى أن ملكوا قطانية ويلد قصريانة. واتسعت ممتلكات 
المسلمين في أرض الجزيرة. عند ذلك وصل إليهم أمر من 
زيادة الله باتخاذ مديئة بلرم عاصمة لولايته الجديدة في جنوب 
إيطاليا. ولم تمض غير مدَّة يسيرة حتى كانت من أبهج العواصم 
الإسلامية الحافلة بزهر الفنون وأفانين التقدّم . 
نتائج سياسة زيادة الله في المملكة: 

يتضح مما استعرضناه من الوقائم والحوادث أنْ تدابير 


(40) ابن الأثير. ج 6 ص 239. 


22 


المركزية في الحكم الذي وضعه المروائيون وكانوا يشئون به. 
الخارة عليهم» تنفيراً للأعاجم من حكمهم. وقد كانوا يعدونهم 
ويمتونهم إن هم أجابوهم إلى دعوتهم أن يُمتعوهم بنوع من 
الاستقلال الذي خرموه. وطبيعي أن يكون انتقال الحكم إلى 
العبّاسيّين فاتحة انقلاب سياسي تتطور به حياة الشسوب غير 
العربية الداخلة في الإسلام وتعويضها بنوع من نظام الإقطاع 
لقائم. على اصطناع الْأسَر. وهذا ما حصل بالفعل.فقد كانت 
فاتحة هذه التجربة بولاية إفريقية على عهد الرشيد؛ لكنها كانت. 
ناقصةء لذلك كان مصيرها إلى تفكك وحلة الدولة, بعد أن 
كانت منظمة أمميّة قائمة على أساس التكافل بين الأجنان» 
وذلك لفقدان التجانس في نظام اللامركزية الجديد. وهكذا تجرد 
الخلفاء العباسيون بالتدريجح عن سلطتهم التنفيذية في الأفطار 
للولاة دون أن يبقى لهم منئها غير النعوت والألقات. فإن هذا 
النوع من الحكم أيقظ النعرات الجنسية في مختلف الأقوام التي 
صهرها ب الخلافة» وصار هم كل قوم الاعتزاز بذاتيتهم مكان 
الوحدة . ثم تدرج بهم هذا التفكك إلى أن صار أوضاعاً قرمية . 
نابية عن وحدة الإسلام . وتصتك ضغط هله التجربة القاسية 
المنافية لروحية الإسلامء تناثرت الممالك الإسلامية الواحدة تلو 
الأخرى. من عقدها النضيد الذي أحكم المروائيون انتظامه. وفي 
النهاية آل الأمر إلى تداعبي ملك العرب وقيام العناصر المغلوبة 
عليهم . وتخلي العرب عن السيادة القعساء التي شادنها سيرفهم» 
والرضى بالرضوح لحكم الموالي . وهذا ما يدعو المؤرخ العربي 
إلى اتهام الانقلاب العباسي بأنه كان مؤامرة كيدية ميد العرب 


202 


ومفاد القول أن إفريقية لم تظفر بملك اجتمعت فيه خصال 
الخير البالغة مع سداد الرأي. مثل ما اجتمع ذلك لزيادة الله 
ناهيك بما بلغت إليه على عهده من الرخاء والبسطة والتقدم بعد 
أن كانت معيفاً للثورات وها للفوضى والقلاقل حتى بلغ من 
ضعفها ووهن شأنها أنها تسدّ عجز نفقاتها من خزانة مصر. وهذا 
وحده كاف للدلالة على ما بلغت إليه من سوء الانحطاط عكس ما 
بلغت إليه في عهد الحكم الرفيع الوارف الظلال. عهد الحكومة 
القوميّة الجيّدة! (كذا) . 

لذلك كانت وفاة هذا الملك الراحل باني صرح مجد 
إفريقية فاجعة عظيمة في إفريقية. فقد نعاه النعاة ليلة الثلاثاء 
لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة 838[223] عن إحدى 
وخمسين سنة» بعد أن مكث في الملك 21 سنة وسبعة أشهر 
وثمانية أيام قضاها في خدمة المجتمع الإفريقي في مختلف 
نواحى العظمة. وكان يقول فى حياته حين يذكر عمله من غير مئة 
على أحد :لا أبالي ما تبك عا يوم القيامة وفي صحيفتي أربع 
حسنات: (1) بنياني المسجد الجامع بالقيروان (2) وقنطرة أبي 
الربيع (3) ودار الصناعة بمدينة سوسة وسور القيروان (4) وتولية 
أحمد بن أبي محرز قضاء إفريقية». وهي أجمع ما قيل من 
الكلمات في التعبير عن السياسة الإنشائية التي تفصح عن رغبة 
السواس العاملين في تقدّم أممهم بأسلوب وديع كان يرمي به 
لتركيز الإسلام بإفريقية» ويرمز إلى اهتمامه بتسهيل طرق 
المواصلات» ونشر الصناعات», وتعزيز قوة الدفاع» وبناء الأوابد. 


41( ابن عذاري. -[ى 01 ص 138-7. 


221 


وإقامة قسطاس العدل بين الناس وإزالة ما حدث من سوء التفاهم 
بين العرب والبربر بواسطة الآلة الحكومية الفاسدة. وهي بذور 
التمدّن التي زرعها في إفريقية رحمه الله ورضي عنه. 


3- من أبي عقال إلى أبي الغرانيق 

جلوس أبي عقال الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب على عرش 
الأغالبة : 

خلف زيادة الله الأكبر أخوه أبو عقال الأغلب بن إبراهيم بن 
الأغلب في الجلوس على عرش الأغالبة. وهو لم يكن دون أخيه 
في الهمة -والنشاط وحسن التدبير وبعد النظر في العدل والصيانة 
للملك. فقد افتتح عهده بتوفير العطاء للعمّال والأجناد والجباة 
ومن إليهم لقبض أيديهم عن الرشاء وإضاعة حقوق الشعب تأمينا 
للبلاد. ثم التفت بعد ذلك لإصلاح المجتمع ووقايته من الشرور 
والآفات. فمنع الخمر وهي م الخبائث ومئنشاً العاهات 
والأمراض» وعاقب على بيعها وشربها» وقطع دابر الدعارة 
والفجور وحرّض الناس على الزواج وأزال مناكر كثيرة كانت فاشية 
في الناس. وقد أفضت إصلاحاته بالأمة إلى الانصراف للأعمال 
النافعة» كالبناء والتعمير وتعاطي الصناعات ومنها الإقبال على 
العلم وفتح المدارسء» فاستقامت الأحوال. والناس كما قيل على 
دين ملوكهم . 


وبعد أن توق من ازدهار البلاد وإقبال الناس على شؤونهم 


042ن( أبن الأثين ج26 ص 350, 


228 


وإخلادهم إلى الطاعة. تفرغ إلى المضيّ على سياسة الفتح إسوة 
.بأخيه» فسيّر جيوشه سنة 838[224] لإكمال الفتح في جزيرة 
صقلية وغزو إيطالياء فضبط بهما بلاداً كثيرة واستأمنت إلى جنوده 
حصون عديدة منها حصن البلوط. وبلاطنوء وفرلون. ونازل 
الأسطول قلورية حتى فتحها وحدثت له على ساحلها معركة مهولة 
مع أسطول الروم القادم من القسطنطينية لإنجاد الحامية التي لهم 
المظفّرة إلى قلعة الغيران وهي حصن منيع له أربعون سرداباً 
فاستولت عليه بعد أن لقيت به شدّة عظيمة سنة 226 [2]840. 

ولم يعكر على هذا الأمير الموقق صفو أيامه الجميلة غير 
تأشب خوارج :لواتة وزواغة ومكناسة على عامل قفصة عيسى بن 
ربعان الأزدي . فتكل عيسى بهم حتى قطع دابرهم من تلك 
الأطراف . وعقب ذلك اجتمع خوارج سجلماسة على مدرار بن 
اليسع واتفقوا على تقديم ميمون بن مدرار على إمارة بلادهم 
وإخراج أخيه المعروف بأبي تقية وكان يتولى أمورهم يتقليد من 
الدولة الأغلبية. 

فلما استقرٌ الأمر لميمون أخرج أباه وأمه من المدينة ونفاهما 
إلى بعض القرى» ثم هدأت الثائرة وكتب ميمون بما تم له من الأمر 
إلى مولاه التماساً للموافقة. فلم يتعرض له الأغلب بل أقره على 
الولاية. ولم تطل به الأيام حتى وافته منيته في ليلة الخميس لسبع 


بقين من ربيع الآخر سنة 226 [840] وهو في سن533 سنةء وقد 


229 


مكث في الحكم سنتين وسبعة أشهر وسبعة أيام رحمه الله( . 
جلوس أبى العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب 
على رف الأغالبة : 

وبعد وفاة أبي عقال الأغلب» جلس على العرش ابنه أبو 
العباس محمد بن الأغلب بن إبراهيم بن الأغلب. وكان جليل 
القدر نابه الذكر محظوظاً في أموره مظف رأفي حروبه. يعتمد في 
تدبير مملكته على رأي وزيره الأول أبي عبدالله بن علي ال 
حميد. وهو الذي أعانه مع حداثة سنه على ضبط شؤون المملكة 
وكفٌ أيدي البغاة عنها. ولم تزل الأمور جارية على هذه الوتيرة 
إلى أن ثار عليه أخوه الأمير أحمد واقتحم على الوزير قصره 
سنة 231 [845] فقتله ظلماً. وتقدّم بحشمه ومواليه إلى قصر 
الملك فدخل على أخيه وهو في مجلسه الذي يقعده للعامة 
بالسلاح» فتعاتبا ثم تصالحا وتحالفا على أن لا يغدر أحدهما 
بصاحبه. واتفقا على الأمر وذلك بأن يتقلد أحمد الوزارة لأخيه. 
غير أنه لم يلبث أن استبدٌ عليه ولم يترك له من خخصائص الملك 
إلا الشعار والاسم. واشتدٌ بأسه على الأمة وصادر الأموال ونكل 
بمنتقديه وأفحش في الظلم والارتكاب. وذاق الناس منه بلاء 
عظيماً.ء حتى أغضب آل الأغلب وتأمروا عليه سنة 232 [846] 
بالاتفاق مع أنحية . 

فدخلوا عليه القصر على حين غفلة منه بحشمهم فقبضوا 
عليه وأرسلوه منفياً إلى العراق» إيثاراً لسلامة العرش على وجوده 


(43) ابن عذاري» ج 1. ص 139. 


230 


ومنعاً لإراقة الدماء. ومكث به إلى أن مات واستراحت إفريقية من 
لله ون( 

وخلصت المملكة لحامل تاجها محمد الأوؤل. فاستعان 
على تدبير مصالحها بالبصراء من أولي الرأي والحزم. فصلحت 
الأمور واستقامت الأحوال. وكان على رأس هؤلاء النصحاء الإمام 
الجليل عبد السلام سحنون9 © فقد :جعله على ولاية الأحكام 
وقاضي القضاة رغم كراهيته لهذه الولاية ولم يقبلها إلا على 


(44) نفس المصدر. ج 1 ص 142-141. 

(45) سحنون بفتتح السين وأنكر أبو علي الجلولي ممُها وقال: هو على وزن 
حمدون وعبدون. وهو اسم لطائر حديد النظر لقب به الإمام لحدّة ذهنه في 
المسائل واسمه: عبد السلام بن سعيد بن حبيب بن عبد السلام بن 
عبد القدوسي التنوخي » وأصله من حمص . 

كان ثقة حافظاً للعلم واسع الأطلاع اجتمعت فيه خصال ما اجتمعت في 
غيره: الفقه البارع. والورع الصادق» والزهد في الدنياء والسماحة . وهو أوّل 
من شرد أهل الأهواء من مسجد القيروان» لما ولي , قضاء إفريقية سنة 2233 
ولم يتناول أجراأ على هذه الولاية وإنما تولاها احتساباً للّه إلى أن مات رضي 
الله عنه. 

كان مولده بالقيروان سنة 777[160] وخرج إلى المشرق في طلب العلم 
سنة 804[188]. أخذ العلم عن طائفة من فحول الملّة الإسلامية مثل الإمام 
ابن القاسمء وأشهب. وسفيان بن عييئة» وابن وهب» وأنس بن عياض 
ووكيع, وعبد الرحمان بن مهديء ويزيد بن مروان والوليد بن مسلم وغيرهم. 

وعاد إلى إفريقية سنة 807[191] وكان إليه مردٌّ أكابر فقهائها وغيرهم يؤمونه 
من أقطار الدنيا للأخذ منه. وقال عنه ابن عجلان «وهو أحد أعيان عصره 
بالأندلس» ما بورك لأحد بعد أصحاب رسول الله كل ما بورك لسحئون في 
أصحابه (تلاميذه). إنهم بكل بلدة لأيمة. وكتب عنه الإمام ابن القاسم 
صاحب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنهما إلى أسد بن الغرات ينصح له 
أن يصلح مدونته من كتاب سحئوت. وتوفي رحمه الله وهو على قضاء إفريقية 
يوم الثلائاء لسبع خلون من رجب سنة 240 [854]. (المؤلف). 


231 


شروط ثقيلة منها إطلاق يده في الحكم على أهل بيت الملك 
ووزرائه وبطانتهء وتنفيذ الحق فيمن أحبٌ أو كره منهم. فقبل 
محمد شروطه بعد أن أحلقه عليها بالأيمان المغلظة. فولي 
القضاء سنة 848[233] واستمر إلى أن توفي سنة 854[240]. ١‏ 

ومما يؤثر عن عدل هذا الإمام واستقامته وتصلبه في الحقٌ: 
أن ورثة القلفاط تقدموا الى مطالبة القاضي السابق عبد الله بن 
أبي الجواد ب 500 دينار تسلّمها من مؤرثئهم على وجه الوديعة 
وأنكرها فاستظهروا ملي خط ونه فالكنه قا فألقاه الإمام في 
السجن وأرادت زوجته فداءه بمالهاء فلم يقبل منهاء إلى أن 
يعترف بما ادّعي به عليه. فما زال في السجن إلى أن مرض 
ومات ولم يخرج منه إلا جثة ة هامدة محمولة على الأعناق. فتشفّع 
بذلك أهل القيروان على الإمام فلم يكترث بأقوالهم. لأنه لم 
يحمله على ذلك إلا الانتصار للحق والعمل به 

ولما وافى الملك محمد بن الأغلب من جزيرة صقلية خبر 
وفاة عاملها أبي الأغلب إبراهيم بن عبد الله بن .الأغلب» أولى 
مكانه محمد العباس بن الفضل» فجاهد كثيراً وغزا طويلاً. وفي 
سنة 853[239] خرج غازياً قصريانة وقطائية وحاصر مدينة بشيرة 
وأقام على حصارها ستة أشهر إلى أن سلم له أهلها وقبلوا طاعته 
فخلف بها قوّة ثم ذهب إلى محاصرة روما فضيّق عليها مدّة» ثم 
عاد إلى حاضرة بلرم , وفي أثناء رجوعه مر على مدينة سهريئة 
وأنزلها على طاعته. وكانت فتوحاته المظفرة تتكرّر في كل صائفة 


(46) ابن عذاري» ج1 ص 143. 


232 


في جنوب إيطالياء وفي كل مرّة يعود منها بنصر مبين وعزّْ مكين 
حتى دوخ معظم مدنه 47 , 

وعندما تواردت الأخبار السارة بتلك الفتوحات على 
الملك محمد أمر ببناء مدينة قرب تاهرت سماها العباسية 
وجعلها عاصمة لحدوده الغربية» ذكرى لانتصارات جنوده في 
جنوب إيطاليا. فبنيت» ولم يرق وجودها في أعين الخوارج من 
الأباضية» فتقدم إليها أفلح بن عبد الوارث بن عبد الرحمان بن 
رستم فأحرقها وكتب بذلك إلى عبد الرحمان بن الحكم صاحب 
الأندلس يتقرب إليه بهذا الفعل الذميم. فبعث إليه تلقاء تلك 
الفعلة النكراء 000 100 درهه 3" . 

وما زال الملك أبو العباس محمّد موفقاً في جميع أعماله 
وحركاته في الداخل والخارج حتى استآثرت به رحمة الله لليلتين 
خلتا من المحرم سنة 856[242]. فكانت ولايته 15 سنة وثمانية 
أشهر وإثني عشر يوماً بالغاً من السنّ 36 سنة. 
جلوس أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب على عرش 
الأغالبة : 000 

وبعد وفاة الملك محمد جلس على العرش ابنه أبو 
إبراهيم أحمدء وكان على صغر سنّه نبيلا محمود السيرة سامي 
الخصال كريم الفعال رفيقا بالشعب كثير السخاء. فكان يخرج 
47) نفس المرجع؛ ج 1 ص 146-145. 


(48) ابن الأثير ج266 ص 350. 5 
(49) بل هو ابن أخيه: لأنْ الأمير محمد بن الأغلب لم يعقب ولدأ. انظر» محمد 


الطالبي» المرجع المذكورء» ص 2/2. 
233 


في ليالي شعبان ورمضان كلّ عام من القصر القديم حتى يدخل 
باب الربيع إلى المسجد الجامع بالقيروان ومعه دوابٌ موفورة 
بالدراهم يعطي منها الفقراء والضعفاء حاجتهم وهو ما في 
الطريق». ويبعث إلى المتعقفين كفايتهم إلى بيوتهم صيانة 
لوجوههم من لوثة السؤال. 

وعقب جلوسه كتب إلى الأمير محمد العباس بن الفضل 
عامله على صقلية يحثه على الغزو ومناجزة البلاد الإيطالية. فلبى 
الأمر وخرج غازياً حتى أثخن فيها وفتح منها معاقل كثيرة. وفي 
سنة 857[243] آم ه بمعاودة الغزو لقصر الحديد وشلفودة. فأبلى 
فيهما بلاء حسنا 

ولما تكلّلت مغازي جنوده بالنصر ولم تنهزم له راية عزم 
على غزو الروم في عقر ديارهم. فأمر الأسطول بالتجهز والخروج 
إلى جزيرة كريت9"). فساز إليها وأحدق بها وجرت له فيها معارك 





(50) ويسميها مؤرخونا جزيرة قريطش. قال عنها ياقوت: اقريطش اسم 
جزيرة في بحر المغرب يقابلها من إفريقيا لوبيا. وهي جزيرة كبيرة فيها مدن 
وقرى كثيرة «وافرة الخصب». وقد غزاها المسلمون مراراً. وذكر عنها أحمد 
ابن يحبى بن جابر قال: بعد أن غزا جنادة بن أبي أمية الأسدي جزيرة أرواد 
في سئة 54 في أيام معاوية» غزا اقريطش. وفي أيام الوليد فتح بعضها ثم 
أغلق (بكثرة من أقبل عليها من الروم). وفي خلافة الرشيد غزاها حميد بن 
معيوف الهمذاني ففتح بعضها ثم غزاها في خلافة المأمون أبو حفص عمر بن 
عيسي الأندلسي المعروف بالأقريطشي (وهو من إفريقية) . فافتتح منها حصنا 
واحداً ونزله (وهو كندية). وقال البلاذري: لم يزل يفتح فيها شيئاً بعد شيء 
حتى لم بق من الروم أحداء وذللك في سئة 210 في أيام المامون. 

وروى غيره أنها فتحت نهائياً قبيل سنة 250 على يد عمر المعروف بابن 
الغليظ وكان من أهل قرية مطروح من الأندلس (وهو في خدمة الأغالبة) . 


234 


مهولة تدمر فيها عشرون مركباً من أسطول إفريقية. ولكن خسائر 
الروم كانت أضعاف ذلك. وتعدٌ هذه الموقعة من أشهر المواقع 
البحرية الفاصلة التي دارت بين المسلمين والروم في البحر 
المتوسط. وعقب فتحها أسندت ولايتها إلى عمر المعروف بابن 
أبي الغليظ. ثم توارث ولايتها عقبه سنين طويلة وكانوا تابعين 
للدولة الأغلبية68 , 


ولم تكن همّة ملكنا الفتي قاصرة على الاهتمام بالتدويخ 
والغزوء بل كان يقرنها بعنايته في إيجاد المنافع العمومية وتشييد 
المباني والمعالم وهي عنوان ضخامة الدولة وحسن سير البلاد» 
فقد خصّص في ميزان المملكة لسنة 859[245] 300.000 دينار 
(أي 000 4500 فرنك ذهباً) لإقامة المعالم وبناء المرافق التي من 
جملتها خرّان الماء المعروف بفسقية الأغالبة بالقيروان. وهو 
صهريج متناو في الكبر مستدير الشكل بديع التنسيق. يبلغ 


وتوارث ولايتها عقبه سنين كثيرة وكانت من أعظم ثغور المسلمين» نكاية على 
الروم إلى أن أناخ عليها نغفور في خلافة المطيع العباسي ثم تلاه أرمانوس بن 
قسطئطين وهاجمها في آخر جمادى الأولي سنة 349 في إثنين وسبعين ألفاً 
منهم خمسة آلاف فارس. ولم يزل محاصرا لها حتى دخلها عنوة بعد أن فتك 
الجوع بالمسلمين» وذلك في نصف المحرم سنة 350. فقتل ونهب وأخدذ 
صاحبها عبد العزيز بن شعيب الأندلسي وأمواله وبني عمّه وحمل ذلك كله 
إلى القسطنطيئية. ويروى أنه حمل من سبي المسلمين وأموالهم نحو 300 
مركب ودامت تحت الروم إلى أن فتحتها الدولة العثمانية أيام عظمتها وبقيت 
من ضمن ولاياتها إلى أن وقعت الحرب اليونانية أواخر القرن التاسع عشر 
ميلادي الغابر. فقد سعت انجلتراء بمساعدة فرنسا وروسيا وإيطاليا في 
سلخها عنها وضمّها لليونان وأقصي عنها الجند العثماني المنتصر بصورة أليمة 
ومزرية (المؤلف). 
(51) ابن عذاري» ج1. ص 148-147. 


235 


قطره 1500 متراً» تنصب فيه مياه الأودية المجلوبة وفي وسطه 
صومعة مثمّنة في أعلاها قصبة مفتحة على أربعة أبواب تسع أحد 
عشر رجا فإذا امتلأ الصهريج كان ذخرا لأهل المدينة أيام 
الجفاف. ومن ماثره أيضا تجديد بناء جامع عقبة بعد أن قوضه 
من 00 عدا المحراب» فإنه أبى أن يمسّهء لمكانة واضعه 

بن نافع الفهري . وهو لا يريد أن يكون فيه أثر لغيره. فقال 

بعض المهندسين المعمارّين: لو أمرت بإدخاله بين حائطين 
ا لغير صاحبه. فاستصوب رأيه وأمر أن يفعل 
ذلك وهو على بنائه | إلى هذا العهد. والمحراب كله وما يليه مبني 
بالمرمر الأبيض من أعلاه إلى أسفله ومخرم بالنقوش, منها كتابة 
تقرأ. ومنها تدبيج مختلف الصناعة. مستدير به أعمدة نحا في 
غاية الحسن» والعمودان الأحمران المقابلان للمحراب الموشيان 
بصفرة قدم بهما حسان بن النعمان من فلسطين من المكان 
المعروف بالقيسرية. ويقولون إن قيصر الروم بذل فيهما قبل 
نقلهما إلى إفريقية وزنهما ذهباً فآثر بهما رجال الدولة الأموية 
جامع عقبة. وعلنه بلاطاته سبعة عشر بلاطة وطوله مائتان 
وعشرون ذراعاً. وب من الأعمدة الرخامية 4 أسطوانة وعرضه 
في الأصل 250 ذراعاء فزاد الملك أحمد في طول بلاطاته وبنى 
القبّة المعروفة بباب البهور على آخر بلاطات المبحرات في دورهأ 
2 أسطوانة من بديع الرخام . وجعل فيها نقوشاً أية في الفنْ 
عص 0 بصباغات محكمة عجيبة. وحلى المحراب وجعل عليه 
قرميداً جلبه من الصين. وأتى برحام المحراب متطية على 
.صورته من العراق. وجعل تلك القراميد في وجه المحراب وأفرِغ 


236 


عليه تلك الزينة الغريبة ونصب فيه المنبر وهو يعدٌ تحفة من تحف 
الصناعة وآيات الفنّ العربي البديع . 

ومن مآثره أيضاً بناء الصهريج العجيب بالقصر الكبير» 
والزيادة في بناء جامع الزيتونة (بتونس) وبناء سور سوسة©© ودار 
إمارتها وقصر لمطة وسور صفاقس» إلى غير ذلك من الماثر 
الفاخرة الخالدة الباقية إلى يومناهذا الناطقة بعظمة شأن الدولة 
الأغلبية وعلو همة بانيها على كر الدهور والعصور. 

ومن تدابيره السياسية السديدة تشريك أمراء البيت المالك 
في المناصب السياسية العالية وتمرينهم على أساليب الحكم بعد 
أن كانوا مقصورين على المناصب العسكرية والإدارية. فإنه قلد 
عمه أحمد بن إبراهيم بن الأغلب الولاية العامة على صقلية بعد 
وفاة محمد العباس بن الفضل سنة862[247] وكانت أيام حكمه 
على البلاد أيام صفاء وهناء لم يعكرها شيء سوى ثورة رياح سنة 
8 فرماها بجنوده الأشاوس ونكل بالعصاة أشدّ تنكيل جزاء 
بغيهم وفسادهم. ولم يأل رحمه الله جهدأً في توفير راحة المملكة 


(52) سوسة هي من جملة الأسواق التي اختطها الفنيقيُون على شواطىء إفريقية 
وسمُوها حضرموت» ثم تضاءل أمرها في عصر الروم البيزنطيّين بسبب ما 
نكبوها به من حروب. وكانت في عصر بني الأغلب قرية صغيرة وفي سنة 226 
سورها وعمارتها وألحقها بالمدن وعني كثيراً بنهضتها الصناعية, فصارت في 
عهده من أهم المدن الصناعية في إفريقية واستمرت على ذلك إلى أيام 
الصنهاجيين وقد اشتهرت بالغزل وحياكة الأقمشة والمنسوجات الحريرية 
وكان يباع المثقال الواحد من غزلها لهذا الصئف بمثقالين ذهب. ولمصنوعاتها 
شهرة فائقة في أقطار العالم (المؤلف). 


237 


ورخائها إلى أن وإفاه الأجل المحتوم. فلحق بريّه راضياً مرضي 
يوم العلاثاء لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة 8641249] 
وله من العمر 28 سئة » وكانت أيام ولايته سيع سنين وعشرة 0 
ونصف» وهي من أبهج أيام إفريقية وأجملها بذكريات الجود 
والمآثر. 
جلوس أبي محمد زيادةالله بن محمد بن الأغلب على عرش 
الأغالبة : 

وبعلك وفاة أبي إبراهيم أحمد بن محمد ولي أخوه على 
الفرقن وكان رؤوفاً بالرعيّة كريم الأخلاق حليم الأمر جارياً في 
السياسة على خطة أسلافه. ولم تطل أيامه في الملك إلا سنة 
واحدة وسبعة أيام ثم لحق بريه ع على شبابه القض وسيرته 
المرضية سلخ عشرين ذي القعدة سنة 250 [8643]. 
جلوس أبي الغرائيق محمد بن أحمد بن محمد بن الأغلب على 
عرش الأغالبة : 

لما توفي زيادة الله الثاني جلس على سرير الملك ابن أخيه 

بو الغرانيق محمد الثاني وكانث لين العريكة حسن السيرة فى و 

6 طيب 00 سار ارعلت درل ا ل ونا 
تنا أنفق على 0-5 وحده 2320000 ا 0 . إلا اث كان 
ور | للعدل شغوفاً بالغزو والفتح . ولما توطدت له الأمور عين 
خفاجة عامل له على صقلية وأمره بغزو إيطالياء فخرج لغزوها 


لم سم 
(53) ابن عذاري » ج 1 ص 150. 


238 


مرتين متواليتين الأولى في سنة 252 [866] والثانية في سنة 253 
71 . ولما علم قيصر الروم بنكاية المسلمين في الإيطاليّين 
أخرج كارا علي يرن كن لذزو المتامين فى مله قر 
خفاجة للقائه في حفل عظيم فالتقيا على سركوزة فانكسر الروم 
وغنم المسلمون أثقالهم وذخائرهم. وانقطعت بهذه الكسرة 
أطماع الروم البيزنطيين في الشواطىء الجنوبية من إيطاليا. ولكن 
هذا الانتصار الباهر كان عقا بالمنغصات . فبينا كان الأمير خفاجة 
عائداً إلى حاضرة بلرم رافعاً راية النصر باليمين إذ خرج عليه 

طاغية من جنوده فطعنه طعئة مردية في المقاتل مات منها في 
ساعته. فحمل إلى بلرم ودفن بها رحمه الله. وعيّن أبو الغرانيق 


)55( 


مكانه أحمد بن يعقوب 


ولم تكن همّة أبي الغرانيق لتفتر عن الغزو والفتح وكان 
يهم بامتلاك جزيرة مالطة» فاخرج الأسطول وبعد أن جرت له مع 
أهلها وقائع استولى عليها وضِمّها إلى إفريقية. ولا خفاء أن 
سكانها عرب أقحاح من بقايا الفنيقيّين. وبعد هذا الفوز أمر أحمد 
ابن يعقوب عامله على صقلية بالخروج للغزو في البلاد الإيطالية 
فغزاها واقتطع منها عدة جهات ثم عاد منها ظافراً سنة 8721258 . 
وبعد عودته لحق بربه. فعين أبو الغرانيق ابئه الحسن» فسارعلى 
منوال أبيه في الحزم والنبل وبعد الهمة في الغزو وحطّ على 


(54) يؤكد ابن عذاري (المرجع السابق) أن الغزوة الأولى تمت في سنة 251. 

(55 يذكر ابن عذاري (ج 1 ص 151) ما يلي : «فولى أهل صقلية ولده محمداً 
وكتبوا بذلك إلى الآمين محمد ترح جمد رد الأغلب أبي الغرانيق: فكتب إليه 
بالولاية), 


239 


سركوزة وافتِكٌ من بها من أسرى المسلمين ولم ينجل عنها إلا 
واستمر أبو الغرانيق في يقظته وهمته في الغزو وإعداد 
المعدّات وتجهيز الجنود وبناء المحارس والحصون على سواحل 
مملكته الواسعة في إفريقية وإيطاليا. وكانت هناك بلدة على 
ساحل البحر مما يلي برقة تدعى بارة وكان أهلها متنصرين» 
برعاي أسطولاً بقيادة حياة مولى الأغلب فلم يقدر عليها 
لحصانتها. ثم عاد فسيّر لها القائد خلفون البربري وكان حازما 
فط فراضهم وحملهم على الطاعة وعاد ظافر © . 
واستمٌ أبو الغرانيق عانياً بتدبير شؤون المملكة بدقّة ومهارة 
إلى أن وافاه الأجل المحتوم ليلة الأربعاء لست خلون من جمادى 
الأولى سنة 8751261]» بعد أن حكم البلاد عشر سنين وخمسة 
أشهر ونصف. 
4 إفريقية في عهد إبراهيم الثاني 
بداية عهد الارتباكات السياسية في الدولة 


دهان القير وانيين وسعيهم لإفساد نظام الحكم : 

قبل وفاة أبي الغرانيق» عهد بالحكم لابنه أبي عقال» 
ولصغر سنه أناب عنه أنحاه إبرأهيم وشرط عليه أن لا ينازعه في 
الملك عند بلوغه من الرشدك. وكان إبراهيم مولى على القيروان 
من قبل أخية . فأقبل عليه المداهئنون من وجوه القيروانييه670 بعل 





(56) ابن الأثير» ج 6 ص 371. 
(57) ذكر ابن عذاري (ج 1 ص 154) أن القيروانيّين قد عرضوا البيعة على إبراهيم 
ولأنه قد أحسن السيرة فيهم». 


210 


وفاة أخيه وأخذوا يراودونه على نكث العهد والحنث باليمين. 
وقالوا له: قم إلى القصر نبايعك. فأنت الملك دون غيرك. فقال 
يدفعهم عنه: لقد علمتم أن أخي عقد البيعة لابئه واستحلفني 
على ذلك خمسين يميناء لا أنازعه ولا أدخل قصره. فقالوا له: 
إذن قد انتهى الإشكال. كن ملكنا في دارك أو القصر القديم ولا 
تنازع ولد أخيك في قصرهء فنحن كارهون لولايته» ونريد عقد 
البيعة لك. وليس له في أعناقنا بيعة. 

فاغتر إبراهيم بدهان هؤلاء المنافقين وحرج فيهم إلى 
العباسية ودخل بهم قصر الإمارة عنوة على العسس وبايعوه ملكا 
على إفريقية ثم أعلنوا هذه البيعة وأذاعوها. 
انتصاب إبراهيم بن أحمد بن محمد بن الأغلب على عرش 
الأغالبة: 

بعد أن تمت البيعة لابراهيم من الوجوه غير الوجيهة عند 
الف أمر باعتقال الملك الحقيقي الشاب أبي عقال بن أبي 
الغرانيق محمد الثاني في مدينة بلرم مع الأغلب بن محمد بن 
الأغلب وانفرد بالملك. وكان عهده في الأول عهد إصلاح 
وتقدم» بحيث لم يكن دون أسلافه اهتماماً بالعمارة وتشييد 
المباني العظيمة فقد شرع سنة 8771264] في بناء مديئة رقادة 
وأتم تخطيطها وبناء قصر الفتح سنة [878] وانتقل إليه حذر 
انتكاث رجال الدولة» بعد أن فتك بالموالي بطانة أخيه في القصر 
القديمء بتهمة أنهم كانوا يريدون الثيار عليه. ثم بعث إلى عامل 
صقلية وأمره بحصار ميركو فحاصرها وأقام عليها ستة أشهر 
وفي اخرها دخلها فاتحا. 


241 


ثم أخذت الفتوق تبدو في عهد هذا الملك المغتصب وكات 
من أوائلها تآمر حاشية والي صقلية جعفر بن محمد مع الأميرين 
أبي عقال والأغلب المعتقلين ببلرم. فاغتالوا الوالي ونصبوا 
الأغلب أميراً على الولاية. فوثب عليهم أهل بلرم وأخرجوا 
الأميرين ومن شايعهما من بلدهم إلى إفريقية وولُوا عليهم إبراهيم 
الحسن بن رباح©©, فأقره إبراهيم وأمره بغزو الصائفة فتكل في 
العدوٌء وكرٌ الروم في الأسطول وغزوا شواطىء المسلمين 
سنة 8791266]» فخرج هؤلاء للقائهم في نحو 140 مركب 
فدارت بين الفريقين معركة شديدة كان الفوز فيها للروم على 
المسلمين وانئنى أسطول إفريقية راجعاً إلى بلرم . 
خروج العباس بن أحمد بن طولون من مصر لغزو إفريقية: 

أشغل هذا الخارجي اهتمام الدولة الأغلبية عن الخرويجح 
لحرب الصائفة في إيطاليا سنة 880[267] والصمود في وجهه . 
فقد خرج هذا المفتون مغاضباً لأبيه حين توبجّه إلى أنطاكية لقتال 
سيماء الطويل وقصد إفريقية لانتزاعها من أيدي بني الأغلب وأقبل 
فى جملة مؤلفة من 10.000 راجل من السودائيين و800 فارس 
وانتزى على بيت هال أبيه وأخذ منه 50000 جمل من المتاع 
والسلاح و800 حملا من الدنانير. ولما وصل إلى برقة فرق ببها 
العطايا وأجزل الصلات» ثم سار إلى لبدة وأجزل فيها العطايا 
ليفعل في ضمائر أهلها ما فعله في برقة. 

ولما اتصل خبره بالملك إبراهيم الثاني نهدإليه 1600 فارس 


(58) ابن عذاري» ج 1 ص 155. 


242 


بقيادة أحمد بن قُرْمُبِء فجدّ السير حتى دخل طرابلس قبل 
وصول العباس بن أحمد إلى لبدة. ثم جنئد ابن قرهب من أمكنه 
من أهل البلاد عربها وبربرها وأسرع إلى لبدة فدخلها. 

وعلى إثره أقبل العباس بن طولون زاحفاً عليه ب5000 راجل 
و800 فارس وأركب ال5000 الباقية كل واحد منهم جما وأعطى 
كل واحد علماً بيده وفرقهم في مؤخرة الجيش ليظهر بذلك أنْ 
خلفه جيشا جرّارا لا نهاية له. فالتقى بابن قرهب على بعد خمسة 
عشر ميلا من لبدة» فلم تكن إلا مناوشة قصيرة حتى كر ابن 
قرهب على عقبه. وهو يظن أن من بدأ القتال ليس إلا مقدمة 
الجيش. ودخل ابن قرهب طرابلس منهزماً. وركب العباس ظهره 
وحاصر طرابلس ونصب عليها المجانيق. ولازم حربهم ثلاثة 
وأربعين يوماً. وأفحش سوادنه في البوادي وهتكوا المحارم وفعلوا 
الأفاعيل”©. فاستغاث أهل طرابلس بأبي منصور الأباضي 
صاحب نفوسةء فأسرع لإنقاذهم وزحف إليهم في 12000 من 
رجالهم فلجأوا في محاربة البغاة ا إلى أن هزموهم إلى 
برقة. وانتهب أهل طرابلس م وأبى النفوسيون©) أن 
تلتبس أيديهم بشيء من فيئهم تورّعاً منهم 

لك لا رد ةسام كد جا 
فعثروا عليه منهزماً في برقة فقاتلوه حتى استسلم وأحضروه إلى 
أبيه فحبسه وقتل جماعة من القواد الذين واطؤوه وخرجوا معه 


59) نفس المرجع . ج1 ص 157. 
(60) أي سكان جبل نفوسة . 


2143 


واستمرٌ في مححيسة إلى أن مات أبوى فقتله أخوه خمارويه لأنه 


أما الملك إبراهيم فإنه لما علم بخبر انهزام ابن قرهب أمر 
المفسدين عليه. فأقام بها أياماً ثم عاد إلى القيروان. فبلغه حين 
وصوله عصيان أهل الزاب فسار إليهم وفتك بهم ثم رجع إلى 
القيروان69 . 
الوضع في صقليّة وجنوب إيطاليا: 

وفي سنة 885[270] توفي الحسين بن أحمد عامل صقلية 
ووليها سوادة بن محمد بن خفاجة التميمي » فافتئح ولايته تت 
سراياه في البلاد الإيطالية وقد عادت إليه ظافرة . 

لكن الروم البيزنطيين لم تغف لهم عين عن صقلية؛ 
فأرسلوا إليها جيشأاً جرّاراء وبعد معارك طاحنة احتلوا سبرية 
وخرج من كان بها بأمان. ولم يصل العهد بولاية سوادة حتى 
خرج عليه أهل بلرم في سنة 2/3 [ديسمبر 056] واعتقلوه مع أخحيه 
ورجال بطانته ووجهوهم إلى إفريقية. واجتمعوا على أبي العباس 
ابن علي فولوه عليهم . 
فاستجمعوا قواهم وخرجوا في سنة 275 [889] إلى البلاد الإيطالية 
وصالوا فيها صولة عظيمة وتعقبوا الروم في مدن كثيرة كانوا 
مستولين عليهاء فافتكوها من أيديهم وأرحلوهم عنها وأضعفوا 


(61) اين عذاري ج 1 ص 159 وابن الأثير» ج 27 ص 258. 


214 


مركزهم أمام الإيطاليين واشتد الرعب في قلوبهم من صولة 
المسلمين وأيقنوا باستحالة مقاومتهم وإجلائهم عنها. 
ظهور أزمة النقد بالقيروان2»): 

حدثت هذه الأزمة بسبب تافه وهو أن دار ضرب 
المسكوكات سكت دراهم يعات اواشيو ريغ ههه لها قات 2 
صغرى للتفاريق تسهيلا للمعاملة بين الناس أنكرتها العامة 
بدعوى أنها زائدة عن مقدار الذهب وهم أحوج ما يكونون إليها 
فى تدوير المعاملات. وإنما أرادوا بذلك إثارة الشغب الذي 
اعتادوه. فقد أغلقت الأسواق والدكاكين وأضرب العمال عن 
أعمالهم وتعددت النظارات وخرجت جموع منهم إلى مدينة رقادة 
لإعلان احتجاجهم على الحكومة. وكانوا أثناء هتافهم عبرعره 
بكلمات عدائية يتحدّون بها الملك. فكانوا يقولون: ويلا لك. 
0 يا إبراهيم . فأمر باعتقالهم في الجامع أين ير كر 
ولما وصل خبرهم إلى القيروان هاج الشعب هيجاناً عظيماً وبدأات 
الأزمة النقدية تتحول إلى ثورة ضدّ العرش وفزع الناس إلى أبواب 
المدينة وأعلنوا أنهم يمضون إلى تخليص المسجونين إذا لم, 
تسرع الحكومة بالإفراج عنهم .. ولما وصل هذا الخبر إلى الملك 
إبراهيم أرسل كبير وزرائه أبا عبدالله بن أبي إسحاق يدعوهم إلى 
الهدوء والسكيئة وينذرهم عقبى ما أقدموا عليه. فسبوه ورموه 
بالحجارة,» فرجع إلى الملك وأعلمه بواقعة الحال» فركب من 
ساعته في جند كثير وأصحب معه حاجبه نصر بن الصمصامة. 


(62) جدّت هذه الأزمة في سنة 275 ه/ 888 - 889 م. 


245 


فتعرض له أهل القيروان وهم يهمّون بقتاله. فجانبهم وعدل إلى 
المصلى . وأمر الجنود بالكفٌ عن مقابلة الشر بالشر» وأعاد الوزير 
إلى القيروانيّين للمفاهمة في حل الاعتصاب. فشقٌ سماطهم 
وسكن ثائرتهم ووعدهم بإجابة طلباتهم متى أقلعوا عن 
التظاهرات. فأصاخوا له السمع ثم تفرقوا وعادوا إلى مساكنهم 
ينتظرون الوفاء بوعد الملك©© . 

ولما هدأت الثائرة سيّر الملك إبراهيم بن أحمد بن أبي 
مغيث إلى رقادة وأمره بإطلاق من كان بها من معتقلي 
التظاهرات» وأمر ا بضرب دراهم ودنانير مساوية لقيمة تلك 
القطع النحاسية التي سمّاها العاشرية» وجعل عيار النقد كل دينار 
عشرة دراهم. فاطمأن الشعب لقبول رغباته وعادت المياه إلى 
مجاريها. 
تغيير أنظمة الدولة الإسلامية وتعبين وزراء اختصاصيين : 

كان لأزمة النقد أثرها في إصلاح نظام الدولة والتخفيف من 
أعبائها عن كاهل الملك. فجعل الوزراء مسؤولين لديه عن 
أعمالهم وأحدث عدة وزارات: وزارة للمظالم تقلّدها أبو العباس 
أحمد بن الأغلب» ووزارة للنظر في شؤون صقلية وغيرها من 
الممتلكات وراء البحارء تولاها محمد بن الفضل» ووزارة للمالية 
عرضها الملك على سوادة النصراني وشرط عليه الدخول في 
الإسلامء» فأباها وقال: ما كنت أدع ديت على رئاسة دنوية أنالها . 
فتولاها غيره. وأبقى رئاسة الوزراء على حالها لأبي عبدالله بن 





(63) ابن عذاري » ج1 ص 160. 


أبي إسحاق وأطلق يده في بقيّة شؤون الدولة/ . 


ثورة الملك إبراهيم 7 الدستور (كذا)68©: 

لم يليبث الملك بعل العمل بهذه التنظيمات» حتى ساءت 
نيته في وزرائه وبطانته. فأخذ ينكل بهم ويقتلهم واحداً بعل 
واحدل فالتوت عليه الأمور. وكان ذلك من أهم الأسباب في فساد 
المناوي واضمحلال الدولة الأغلبية ونقل تاجها إلى هامات 
الدخلاء المتربصين» وتلك عاقبة التهور والغرور. فقد أقدم 
الملك إبراهيم على نقض جميع الضمانات التي أعطاها للحكومة 
وأمر بحبس كاتبه الأول محمد بن حيون البربري ووضعه في 
تابوت فمكث فيه إلى أن مات ظلماً. وفي سنة 277 [890 - 891] 
أمر بقتل حاجبه نصر بن الصمصامة بعد أن ضربه خمسمائة 
سوطء تلقاها بجلد وصبر. 


قال عنه المؤرخون: إنه لم ينطق بكلمة أثناء جلده ولم 
يتحرك. وأمر بقتل سوادة النصراني. وطرح طبيبه إسحاق بن 
عمران للجلدء فضرب بالسياط إلى أن مات» وجمع فتيان القصر 
من الصقالبة وآمر بقتلهم جميعاً واستخدم عوضاً عنهم فتياناً من 
الرنج وكانوا زهاء خمسة ألاف» ثم عرض لهم ما عرض للفتيان 
الصقالبة فقتلهم عن بكرة أبيهم9. 


(64) نفس المرجع » ج1 ص 2162 ولكن ابن عذاري ذكر أن إبراهيم «عرض. 


ديوان الخراج على شوادة النصراني». 
(65) يقصد المؤلف «بالدستور» التنظيمات السياسية» لأن ذلك اللفظ لم يكن 


مستعملا في ذلك التاريخ . 
(66) ابن عذاري» ج141 ص 163 - 164 


217 


وفى سنة 280 [893] امتدّت يده إلى الفتك بأبطال العرب 
الذين كانوا في مدينة بلرم7» وهم نحو 700» فاستقدمهم إلى 
رقأدة وأحسن إليهم وأجزل صلاتهم وأنزلهم قصبة بناها لهم فيها 
دور كثيرة وليس لها إلا باب واحد. فلما نزلوها واطمأنواء جمح 
خاصة رجاله وأمرهم بلقاء ابنه عبدالله . فلما اجتمعوا لديه ركب 
بهم إلى تلك القصبةء» وعندما وصلوا أمر عساكره بقتلهمء 
فقتلوهم عن أخرهم . وكان قتل هؤلاء الصناديد من أظهر الأسباب 
ف 0 العربية من صقلية. وقد كان في بلرم وحدها 
لف رجل يعدّون من أقحاح العرب وأكثرهم من قيس . 
00 بعد هذه الواقعة إلى أنحاء مختلفة. ولما نزحوا منها على 
هذه الصورة. استطال البربر على الدولة ووجدت كتامة السبيل 
ممهّداً لقيامها مع الشيعة على هدم ملك بني الأغلب» وذهبت 
معهم مطامع المسلمين في الاستيلاء على إيطاليا بعد أن كانوا 
يمون أنفسهم بميراث المملكة الرومانية. 
ولما نقلت أخبار هذه المجازر ايه إلى الشعب هاج 
وماج واندلم لسان الثورة في أنحاء كثيرة من البلاد في لسن 
والجزيرة والأريس وباجة وقمودة» وقدّموا على أنفسهم رجالا 
معروفين من قوّاد الجندء وصارت إفريقيّة أتوناً مستعراً ولم يبق 
من بلدانها خاضعاً لسطوة الملك غير الساحل والقسم الشرقي 
منها إلى طرابلس» فجمع منهم أجناداً كثيرة وولّى عليهم ميمون 
الحشيمي ثم سيره في سنة 281 [894] إلى قتال العصاة فمثل بهم 
أشنع تمثيل. ودخل تونس بالسيف وأذن للعساكر بانتهاب الأموال 
67) يتعلق الأمر بحصن «بلزمة» لا بلرم. (انظر ابن عذاري. جء ص 123). 


248 


وسبي النساء والذراري واستحلال الفروج وانتهاك الحرمات 
فعسفوا في الناس عسفا شديدا. 

ومن سوء التقادير أن كان دخول أبي عبدالله الصنعاني (62) 
إلى إفريقية خلال تلك الحوادث» فوجد الأهالي مستعدّين لقبول 
دعوة كل ناعق يجمع أهواءهم على الثورة. فذهب إلى كتامة 
وأقام بها في كنف القدر يحفز الناس لقلب الدولة. 

وفي اليوم الثامن من رجب سنة 281 [سبتمبر 894] انتقل 
الملك إبراهيم إلى تونس وجعلها عاصمة للمملكة بعد أن أباحها 
لجنوده وأوهن عرَّة أهلها وأضعف شأنهم. وفي سنة 282 [896] 
اندلع لهيب الثورة في أطراف إيطاليا. وبسبب قلة الجنود أبرمت 
الحكومة مع الثائرين صلحاً شائناً لمدة أربعين شهرأء من جملة 
بنوده أن يقدم المسلمون رهائن للإيطاليين في كل ثلاثة أشهرء 
ستة رجال» ثلاثة من العرب وثلاثة من البربر» وهي أؤل مرة عقد 
فيها صلح مهين للمسلمين مع ممتلكاتهم في جنوب أوروبا© . 

وفي سئة 283 [897] رجع الملك إبراهيم إلى رقادة» فأقام 
بها مدة ثم خرج إلى طرابلس فتعرضت له نفوسة بعد منصرفه من 
قابس ومنعته من المرور وكان في 20000 راجل ليس معهم 
فارس. فهبٌ لحربهم وقتالهم حتئ هزمهمء ثم تابع سيره إلى 
طرابلس فقتل بها ابن عمّه محمد بن زيادة الله الأكبر وكان من 
أجلّة العلماء الأكابر وقد وصفه المؤرخ ابن عذاري المراكشي بأنه 


6 سيأتي ذكره في الباب الموالي . 
(69) اين عذاري» ج11 ص 173. 


219 


كان أديباً ظريفاً له تآليف كثيرة. والسبب في قتله أن الخليفة 
العباسي 27 كتب إلى إبراهيم بن أحمد يعنفه على سوء سلوكه مع 
أهل تونس ويهدّد بتصيير الأمر إلى ابن عمه المذكور إن لم يكفٌ 
عن غيّه وفساده. فنحًاه من طريقه. 

وبعد أن ارتكب تلك الفعلة الشنعاءء تحول من طرايلس 
إلى تاورغة. فقتل بها خمسة عشر رجلا من أعيانهم وأمر بطبخ 
رؤوسهم في قدرء مظهراً بذلك أنه يريد أكلهم هو ومن معه من 
رجاله. فارتاع العسكر منه وقالوا: إنا نراه قد خولط في عقله 
وأخذوا يتسلّلون من صفوفه. فعبّل بالأوبة إلى تونس خيفة أن 
يبقى وحده. ولما عاد جعل عقوبة من فر عنه ثلاثين ديناراً ولم 
تغق) منها أحدا: 

وفي سنة 284 [897] ساق جيشاً على نفوسة بقيادة ابنه أبي 
العباس فأوقع فيهم مقتلة عظيمة وأسر نحو 300 رجل من 
أعيانهم ‏ فلما وصل بهم دعاهم إبراهيم» فدنا إليه شيخ. منهم 
فسأله وهو يعبث به: أتعرف علي بن أبي طالب؟ فقال له الشيخ: 
لعنك الله يا إبراهيم على ظلمك وقتلك الناس بغير حقٌء فلبحه 
إبراهيم وشقّ عن قلبه وأمر أن يفعل كذلك ببقيّة الأسرى» حتى 
أتى على آخرهم. فنظمت قلوبهم في حبال وعلقت على باب 
تونس إرهابا لغيرهم”” . 


ولما. تكاثرت مظالمه واشت حوره أنكر عليه الرجل 


(70) هو الخليفة المعتضد (279 - 289 ه/ 892 - 902 م) . 
010( ابن عذاري » ج1 ص 3 -174. 


2530 


الصالح البركة الشيخ أحمد بن عبدالله المكفوفي السوسي الملقب 
بأبي الأحوصء وكان عونا بالتقوى والزهد والورع» ودعا رجلا 
من أهل سوسة وأملى عليه رسالة ينذر فيها الملك ويحذره من 

عواقب البغيى. ومما قال فيها: يا جائر» قد حدت عن شرائع 
الإسلام, وعمًا قريب تلقى مقعدك من جهنم. وبعث بها إليه؛ 
فلما قرأها غضب وكتب إليه: إننا عذرناك لفضلك ودينك ولا 
نريد مؤاخذتك» وإنما ابعث إلينا من كتب عنك الكتاب» وتالله. 
لئن لم تفعل لأقتلن فيه من أهل سوسة (كذا وكذا). أخذاً بالظنة 
ويكون إثم ذلك عليك. فأجابه ابن الأحوص: لئن قتلت ألفاً من 
السوسيّين؛ لا يكون إثمهم إلا عليك. أمّا لو أعلمتك باسم 
الرجل فإن إثم قتله يكون علئْ. ولو عملت ما عملت ما 
أخبرتك. فتب إلى خالقك وارجع من ظلمك وجوزك خيرٌ لك. 
فأمسك عنه الملك إبراهيم» خوفا من ثيار العامة عليه ولولاهم 
لفتك به كما فعل لأقلّ من ذلك مع غيره©. 

وفي سنة 285 [898] ثارت فتئة بصقلية بين عربها وبربرها 
فوافاهم كتاب من إبراهيم يدعوهم إلى الطاعة ويؤمنهم . واستثنى 
منهم أبا الحسن بن يزيد وولديه والحضرمي» فقبض عليهم عامله 
ووجههم إلى تونس» فانتحر أبو الحسن قبل وصوله ولما وصل 
الآخرون أمر بقتلهم فقتلوا جميعاً. 

وف تلك لسن قاد عاك بور امل لي نال شكرن د فسير. 
لهم جيشاً وقتل بشراً كثيراً منهم حتى الزمهم الطاعة وأعاد ما 
التاث عليه 


(72) نفس المرجع ‏ جا1آء ص 175. 


251 


وفي سنة 287 [900] أخرج ابنه أبا العياس في الأسطول 
إلى صقلية لإصلاح ما اختلّ من أمورهاء فنزل في بلرم وأمن 
أهلها وحرضهم على الطاعة» فأتاه قاضيها في وجوه من أهلها 
مسلماء فصرف القاضي واعتقل الآخرين. ووجه إلى المدينة 
ثمانية من مشيخة إفريقية مهدّئين» فقبضوا عليهم لقاء ما صنع 
بأعيانهم » فزحف إليهم أبو العباس بالأسطول وأغرق لهم منفثاء 
فثاروا عليه: فنزل إليهم بين كان معه من الجنود وحاربهم على 
أبواب المدينة وقتل منهم خلقاً كثيرأ ولما أدركوا ما نزل بهم 
وهم بين الأعداء استأمنوه فأمنهم ودخل المدينة ظافراً لعشر يبقين 
من رمضان السئة73 , 


وفي سئة 288 [901] سيّر الملك إبراهيم ثاني بنيه الأمير 
أحمد في جيش عتيد إلى الزاب لإرغام السكان على الطاعة 
وكانوا قد ثاروا عليه فنكل بهمء وكتب إلى ابنه أبي العباس في 
تلك السنة وهو لم يزل على صقلية أن يخرج لغزو الصائفة في 
إيطاليا فاحتل عنوة مدينة زلة واستأمنت إليه حصون كثيرة» فصالحهم 
على الجزيةء بحيث لو استمرّت الغزوات على وتيرتها الأولى » 
ولم تشبها الفتن الداخلية التي أثارتها حماقة الملك إبراهيم 
وارتبكت بها أحوال إفريقية» لأتت الفتوحات على إيطاليا وغالة 
ولبلغت طلائع جنود المسلمين إلى الجزر البريطانية. ولكن أبى 
الطالع النحس ودهان القيروائيّين إلا تغيير مجاري التاريخ وتحويل 
سيوف المسلمين إلى الفتك برقاب بعضهم وفتح الثغرات الواسعة 
لفتنة الباطنية واستغلالها لغضب الناقمين على الدولة الأغلبية. 
نفس العرحم بعد عر 6 - 177. 


222 


حدث كلّ ذلك بسبب الإخلال بنظام التولية ووقوع الاختيار 
المشؤوم على رجل غير متزن الأعصاب» فأفسد بسوء تصرفه 
جميع ما أصلحه الملوك السابقون ورتبوه لتسيير الدولة. استمرر 
الخلل فاشياً في إفريقية والدعوة الباطنية9» تنفث سمومها وراء 
ذلك في بلاد كتامة. 5 

ولما بلغ خبرها إلى الملك إبراهيم ذعر منها فأظهر التوبة 
والندم على ما فرط منه وكفٌ عن الظلم وأراد أن يستميل قلوب 
العامة وإرضاء الخاصّة ليصرف الشعب عن إجابة هذه الدعوة. 
فأسرع بردٌ المظالم وأسقط القبالات وأمر بأخذ العشر حباء وترك 
لأهل الضياع خراج سنةء وأعتق مماليكه. وأجزل العطاء للفقهاء 
ووجوه الناس» وفرّق عليهم أموالاً عظيمة. وخصّص أموالاً أخرى 
للفقراء والمساكين وسمّى المؤرخون هذه السنة التي أقلع فيها 
الملك إبراهيم عن الظلم والاضطهاد سئة العدل وسماها العامة 
سنة الجور5” . ولكن هذا التغيير لم يغن عنه فتيلاء فإن نفور 
الناس قد تمكن ولم يزدهم التغيير إلا سخطاً. لذلك اضطر إلى 
التخلي عن الملك إيثاراً لسلامة الدولة» فاستدعى ابنه أبا العباس 
من صقلية وسلّمه زمام الملك79 وكانت مدة حكمه 28 سئة وستة 
أشهر واثني فين وما : قام فيه أول ولايته ستة أعوام على ما كان 
عليه أسلافه من العدل والاستقامة وحسن السياسة م الرعية . 
وبعدما أخذ ينتقل سنة فسنة من سيء إلى أسوأ. فتنكر للناس 
(74) يقصد بذلك «الدعوة الشيعيّة». 
(75) ابن عذاري» ج1. ص 180. 


(76) سلّم له الملك سئة 289 [902]. 


253 


واشتدٌ حرصه على جمع الأموال. وقتل أخحص رجاله وثقات 
حجابه. بل إنه فتك بابنه أبي الأغلب لمجرد ظنْ طرقه فيه وقتل 
بناته صبرأء وأمر بثمانية من إخوته ضربت أعناقهم بين يديهء 
وأتى في المملكة أحداثاً لم يأت بها ظالم قبله. وتشبها كقز 
الخروج عليه من العرب والبربر. وممًا يحكي عن ظلمه وحبه 
لسفك الدماء أنه افتقد مرة منديلاً صغيراً كان يمسح به وجهه 
وسقط من يد بعض جواريه فأصابه غلام لهء فقتل بسبب ذلك 
0 خادماً©. ولما تنازل عن الملك وشعر بمقت الناس له 
وكراهيّتهم لبقائه. ترك إفريقيّة وانتقل إلى إيطاليا واتخذ له قصراً 
بهاء فاحتجب فيه إلى أن أدركته منيته يوم الاثنين لثلاث عشرة 
ليلة بقيت من ذي القعدة سئة 290 [903] ونقل رفاته إلى صقلية. 
فدفن بها بعد 43 يوماً وكان عمره 52 سنة. 


5 آخر ملوك بني الأغلب 

جلوس أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد على عرش الأغالبة : 

جلس أبو العباس على عرش أجداده وكانت البلاد على 
وشك الانهيار وهي تستعر بالكوارث والفتن والدعوة إلى الباطنية 
قائمة على قدم وساق» ودعاتها يتحفزون إلى التوثب. والشعب 
كاره لحكم بي الأغلب» ويكفي لتصوير ارتياعهم ما ذاقوه فق عهد 
أبيه المظلم الملطخ بالدماء. فاراد أن يتدارك بعض ذلك» فسير 
ابنه الثاني أبا عبدالله الأحول في جيش جرار إلى مدينة طبئة 
للوقوف في وجه الدعاية الباطنية وصدّ الناس عنها بالقوة. وكتب 
(77) ابن عذاري» ج1ء ص 178 - 1/9. 


254 


إلى جميع العمال بتخلّي أبيه عن الحكم وتفويض الأمر إليه 
0 إلى أنخذ البيعة له. وعين ابنه الرية ' الله نيا على 

قليّة. وانتقل إلى تونس وأظهر فيها النسك والتقشف ولازم 
00 العلماء وأهل الرأي ومشاورتهم في مهام د وأنصف 
المظلوم وأجرى العدل وأجزل العطاء وأرضى الناس حناء 
فاطمأنٌ له الشعب وأخذ ينسى ما سلف من أبيه. ولو طالت مذّته 
لقضى على الباطنية وجدّد عهد أسلافه وأعاد ما كان لهم من عر 
ثابت ومجد مكين. ولكن من سوء طالع هذه البلاد أن كان عمره 


كُصيرا. 
أثر الوشايات في قصور الملوك ومقتل أبي العباس بأيدي فتيانه : 
بلغ أنا الغيائن أن ابنه زيادة الله يريد الانتزاء عليه 
والاستيلاء على الملك. فبعث إليه يستحثه في القدوم من 
صقليّة. فقدم لعشرين بقين من جمادى الآخرة سنة 290 [903]. 
فآمر باعتقاله في غرهة من قصره واستلم ما كان معه من علّة 
وأموال وقبض على رجال بطانته وأمر بهم إلى السجن. ولم يابث 
بعد ذلك طويلا في الملك حتى قُتل غيلة» قتله اثنان من فتيانه 
كان يثق بهما حدّثتهما أنفسهما الأمّارة أنهما يصطنعان بقتله يدأ 
عند ابنه زيادة الله . فتريصا به إلى أن يأوي إلى دار كان يختلي 
فيها بعد الاستحمام وينام على سرير وتحت رأسه سيف. ولما نام 
تآمر الفتيان على قتله (وقيل إن ابنه زيادة الله هو الذي أغراهما 
على ذلك). فتقدّم أحدهما واستلٌ السيف الذي كان تحت رأسه 
وضربه به على حبل عاتقه ضربة واحدة قطع بها عنقه حتى نفد 
السيف إلى السرير ومضى الفتى الآخر إلى ناحية من القصرء 
255 


ميلاً من تونس وهناك ضربت أعناقهم ليلة السبت لثلاث خلون 
من رمضانء ثم ماطل الجند بالعطاء حتى ملوا الاختلاف 
والانتظار وأمسكوا عن الطلب90©, 

وا صفا الحو لزيادة الله الثالث دعا بِالفتيين قاتلى أبيه فأمر 
بصلبهماء فصلب أحدهما على باب الجزيرة والآخر على باب 
القيروان من أبواب تونس» ليتخلّص بذلك من تبعة جريمتهما في 
نظر الشعب. ثم انثنى على عمّه أبي الأغلب الزاهد المعتكف 
في سوسة فقتله. وقتل أخاه أبا عبدالله الأحول بعد أن استقدمه 
من طبنة وقتل أيضاً الوزير ابن القياد. إذ اتهمه بأنه هو المشير 
على أبيه بتأديبه وسجنه. ثم قلّد عبدالله بن الصائغ الوزارة وولاية 
البريد»ء ومنصور بن إسماعيل ديوان الخراج» وجماس بن مروان 
ابن سماك الهمذاني ولاية القضاء والمظالم» وإبراهيم بن حبشي 
ولاية الجيوش. وأمر بتأسيس مدينة وهران على يد عامله محمد 
ابن أبي عون بن عبدوس وأمدّه بجماعة من المعماريين 
الأندلسيّين» أمر بذلك تذكاراً لولايته. وسيّر إلى العراق الحسن 
ابن حاتم رسولاً إلى أمير المؤمنين ومعه هدايا كثيرة من جملتها 
0 مثقال من الذهب. 
مؤتمر ملّي (كذا) لنقض الدعوة الباطنية : 

لم يكن زيادة الله الثالث ليغفل عن الدعوة الباطنية وهي 
تتغلغل فى أحشاء البلاد. فإنه عقب أخل البيعة لنفسه (سنة 
0ه/ 903 م). جمع علنه ن] فحقيةة رنقهاء ها رفوت الراق 


(79) نفس المرجع ء جل ص 182- 183. 


257 


والمكانة فيها في مدينة تونس للنظر في الدعوة الباطنية69 , 
فاجتمعوا في بد مشهود برئاسة عبدالله بن الصائغ كبير الوزراء. 
فكان أول مو تمر إسلامي انعقد في إفريقية في أمر هذه الدعوة 
والبتٌ في مصير البلاد. ففتح عبدالله بن الصائغ المؤتمر بخطاب 
قال فيه: يقول لكم الأمير إن هذا الصنعاني الخارج علينا مع 
كتامة يزعم أن أصحاب النبي ارتدُوا بعده ويسمي شيعته المؤمنين 
ومخالفيه الكافرين ويبيح دماءهه0؟. 

وبعد الخطاب تفاوض المؤتمر فيما عرضه عليه كبير 
الوزراء ثم قرّ قرارهم على إعلان كفر الصنعاني ووجوب لعنه 
والبراءة منه وممًا يدعو إليه. وأفتوا بحربه وتحريض المسلمين 
على قتاله لمنع فتنته وزيغه. 

ويُعَدَ هذا الاجتماع أوّل إجماع إيجابي عُقد في تاريخ 
الإسلام . أمَا ما يعدّونه من قبيل الإجماع في كثير من المسائل 
فهو إجماع سكوتي لا أثر فيه للايجاب. | 

وإثر اتسخاذ هذا القرار انتدب زيادة الله الثالث عبدالله بن 
حبشي وأخرجه مع جنود كثيرة فيهم وجوه الرجال وأنجاد العرب 
والموالي ووزع عليهم فوق الكفاية من المال والعدّة والسلاح وكلٌ 
ما به قوام الحرب. ولما بلغ عبدالله الصنعاني قرار المؤتمر 
وخروج الجيش إليه سقط في يده وارتاع ولم يكن يومئل ينتبه أن 
نجم دعوته في صعود وحظ بني الأغلب في هبوط وأن العبرة 


(80) تم هذا الاجتماع سنة 1 ه/ 3 - 904 م . 
(81) ابن عذاري » ج1. ص 185. 


2536 


ليست بالتظاهرات وعقد المؤتمرات واصطناع المنافقين أو إشهار 
السلاح وحشد الجنود. بل بامتزاج القلوب وإقبال الشعب على 
تمكين الدولة وتأييد سياستها ضدّ كل خارج عليها. وهذا ما لم 
يوفق إليه آخر ملوك بني الأغلب. 


229 


».0 اط 10 0ط ل9//:مغااطا 


البَابَاك8 


3-0 
البعوة السيعة 
22 


ف لمسشرى وَالمكترب 


201 


1 الدعوة الشيعية في إفريقية 


الدعوة الباطئية الإسماعيلية 

يذهب مؤرحو الشيعة إلى القول بأن الإسماعيلية ليسوا 
منهمء بل يذهبون في اتهامهم إلى القول بأنهم ملاحدة من غلاة 
الباطنية التي تأسست لهدم الإسلام ديناً وسياسة» وإقامة نحلتهم 
الباطلة على أنقاضهماء ويتبرأون منهم. ونحن لا نستطيع أن 
تلصقهم بهم أو ننفيهم عنهمء وإن كانت الفرق الشيعية كلها 
ترجع إلى أصل واحد وهو دين المثنوية (دين المجموس) وإثبات 
مقادير ما أخذته كلّ فرقة من هذا الأصل ينبغي أن يرجع فيه إلى 
تاريخ المذاهب», والبحث في ذلك من وظيفة مؤرخي الأديان 
والفلسفة العامة. أمّا نصيبنا نحن في هذا الموضوع فهو نصيب 
المؤرخ السياسي. وهو الاكتفاء بنقل ما اتصل من دعايتهم 
بالحوادث السياسية التي ألمت ببلادناء للتعريف بهويتهم ومادهوا 
به الإسلام ف فى العشر الأواخر من القرن الثالث وفي القرن الرابع» 
حتى يقف قراء هذا الموجز من تاريخنا على ما أصاب إفريقيتنا 


203 


من ضمور وتعطيل بأيدي الباطنية» بصرف النظر عن موضوع 


وهاك ما كتبه عنهم المؤرخ أبو عبدالله محمد بن سعدون 
ابن علي في كتابه المسمى «تعزية أهل القيروان بما جرى على 
البلدان»)» وهو حبّة فيما نقله عنهم لأنه كان واقفاً على أخبارهم 
ولم يكن صنيعة لحزب من الأحزاب القائمة على الحكم في 
عهده حتى يتهم بالتعرّض كما رمي به غيره» ونحن ننقله كتوطئة 
الما ستذكره عنهم فيما يلى. قال المؤرخ رحمه الله : «أؤل من 
نصب هذه الدعوة جد عبيد وهو عبدالله بن ميمون القداح 
الأهوازي . وكان ميمون أبوه تنتسب إليه فرقة من أصحاب أبي 
الخطاب تعرف بالميمونية . وكان عبدالله هذا اذّعى لنفسه النبوة 
'فأراد الناس سفك دمه. فاختفى منهم ثم فر من وطنه وأخخل يتنقل 
في البادد مستتراً يخفي اسمه ومذهبه لثلا يقتل إن عرف إلى أن 
وافته منيته في الشام وأراح الله من شره. وأخذ جماعة من 
أصحابه فقتلوا عن آخرهم». 


ثم ذكر المؤرخ دعاتهم وما كان من غوايتهم» فقال: 
«فمنهم 5 أحدهما يعرف بالنجار والآخر بالكوضي؟ خرجا من 
الشام وتشلبا على اليمن. فماث النجار وخللّف ابن فكان يكتب 
إلى أصحابه : «من ابن رب العالمين»» ولما عرف ابن نصير بأمره 
قتله ونهب أتباعه وشردهم في الآفاق. ومات الكومي 3 في 
بطنه أعضل داؤها. وكان لهؤلاء أتباع بالشام والبحريق يظهرون 
وبحختفون». 

2604 


«والذي دعا إلى هذا الكفر عبدالله بن ميمون القداح لأنه 
صاحب قرمطا ودعاه إلى مذهبه فطاوعه على ذلك. واشتهر 
استخفافهم بالدين وكثرت بذلك الأخبار والأحاديث. وكان ممن 
أظهر مذهبهم وأعلن به أبو عبدالله الجنابي الذي رفع الحجر 
الأسود من الكعية. فإنه لما تغلب على البحرين أسقط عنهم 
جميع الفرائفض وأعلن بالزناء واللواط والكذب وشرب الخمر. 
وكذلك فعل الأصفهاني وزاد عليه تحريم الامتناع على الغلمان 
ممن أراد الاستمتاع بهمء وجعل حدّ الممتنع منهم الذبح. 
وكانت له ليلة تسمى الإمامية يجمع فيها نساءه ونساءهم ومن ولد 
من تلك الليلة يسمى «ولد الإخوان». (ونحن سنذكر خلاصة عن 
هذه الفرقة عند الكلام على تقلص ظل الدولة العباسية). 
بنو عبيسد: 

أما عبيد الذي تسمّى بالمهدي فإن اسمه الحقيقي سعيد. 
وتسمى أيضاً بعبيد الله ليخفي أمرهء لأنه كان عليه الطلب من 
الحسين بن أحمد بن محمد» وكان لمحمد هذا ولد يلقب بأبي 
الشلعلع بن عبدالله بن ميمون القداح. فبعث بداعيين أخوين إلى 
المغرب» فنزل أحدهما بقبيلة تعرف بكتامة» اسمه حسين وتكنى 
بأبي عبدالله الشيعي وسمي المعلّم» والآخر أبو العباس وسموه 
بالمحتسبء فأظهرا من أنفسهما الزهد والورع حتىيٍ افتتحأ 
بالكذب والتدليس بلاد إفريقيّة ونصبا عليها عبيد الله لظنهما أنه 
هو صاحب الدعوة الذي كانا يدعوان إليه. 

وممًا عرف من جهل أبي عبدالله الشيعي أنه قال يوماً لأبي 
عثمان سعيد بن الحداد العالم الحبّة : القرآن يخبر أن محمد 


2065 


ليس بخاتم النبيّين في قوله: « ولكن رسول الله وحاتم 
النبيين 20# فخاتم النبيين غير رسول الله. فقال أبو عثمان: هذه 
الواو ليست من واوات الابتداء» وإنما هي من واوات العطف مثل 
قوله تعالى: ط هو الأوّل والآخر والظاهر والباطن #4 فسكت 
وقال له مرّة أخرى: إن الله أخبر أن أصحاب الرسول يرتدون 
بدليل قوله تعالى: «أفئن مات أو قتل انقلبتم على 
أعقابكم 4 فقال أبو عثمان: هذا إِنما هو استفهام لا إخبار. 
وله نظائر في كلام الله كقوله سبحانه وتعالى : أفئن مث فهم 
الخالدون #© , 


ولمًا وصل عبيد الله الشيعي إلى الملك قتل أيا عبدالله 
الداعي وأخاه قبل أن يفتضح أمره وانتقم إليه منهما على يد من 
سعيا لتنصيبه وقتلا الخلائق بسببه حتى أخرجاه من السجن وسلّما 
له في الملك» ولم يقيما معه إلا سنة واحدة أو نحوها. ثم تسلط 
على أكابر كتامة الذين سعوا في إقامة ملكه فقتلهم جميعاً ثم 
تمادت دولة أبنائه نحو 300 سنة”) ملكوا من مضيق سبتة إلى 


مكة. 


وممًا يؤثر عن كفر عبيد الله وطغيانه أن شيخاً من أتباعه 


(1) سور الأحزاب» الآية: 40. 

(2) سورة الحديدء الآية: 3. 

(3) سورة آل عمرانء الآية: 144. 

(4) سورة الأنبياء الآية: 34. 

(59) دام حكم الفاطميين بإفريقيّة من سنة 297 إلى سنة 362 ه/ 972-910 م. ثم 
انتقلوا إلى مصر فحكموها إلى سئة 567 ه/ 1172 م. 


266 


خرج يتجمسّس له أحوال الناس ومعه خيل فباتوا بخيولهم في 
المسجد. فقال لهم الناس: كيف تدخلون خيولكم المسجد؟ 
فقال لهم الشيخ وأصحابه: إِنْ أروائها وأبوالها طاهرة لآنها خيل 
المهدي. فقال لهم قيم المسجد: معاذ الله إن الذي يخرج من 
المهدي نفسه غير طاهر. فكيف الذي يخرج من خخيله! فقالوا له: 
طعنت في المهدي وأخذوه إليه فأخرجه في عشيّة جمعة فقتله. 

وذكر البكري أن الحجر الأسودء لما اقتلعه أبو طاهر 
الجنابي من الكعبة أرسله إلى عبيد الله بالمهدية. فلم يلبث بعد 
وصوله إلا أياماً ومات ثم رده أبناؤه على القرامطة بالمشرق خوف 
الافتضاح به وظهور الناس على أمرهم . 

ومما يزيد تعريفاً بأمرهم خطبة أبي إبراهيم أحمد بن محمد 
ابن الوليد وهو من أيمّة الخوارج ألقاها في أحد المساجد بحقٌ 
عبيد الله قال فيها: «اللهم إن هذا القرمطي الكافر المعروف بعبيد 
المذّعي الربوبية من دون الله اعد نعمتك» كافرا بربوبيتك 
فانصرنا اللهم عليه وأرحنا منه ومن دولته واصله جهنم وساءت 
00 

ولما ولى معد الأمر من بعده ادّعى النبوة وأذن المؤذن بذلك 
فوق صومعة القيروان بأمرهء فضجٌ المسلمون. فلما بلغه دخله 
الرعب وأرسل إلى الناس يهدّدهم إلى أن خرج إلى مصر فدخلها 
بالمنكر والبغي» ولم يمت حتى رأى بعينيه العبر. 


وولي بعده نزار المكنى بالمنصور.ء فحدث في أيامه من 
سب الصحابة ما حدث ومات في مرحاض حمّام . ثم ولي بعده 


207 


الحاكم بأمر الله فأظهر من نحلتهم ما أظهرء فقد ادعى الألوهية 
وجعل رجا سمّاه بالهادي يدعو العام إلى ذلك. وكات مما 
أحدث أنه بنى دارا وجعل لها أبواباً فطانا “راقن <فنها قيوداً 
وأغلدلّ وسماها جهلم .2 فمن جنى جناية عنده قال لأعوانه : 
سيروا به إلى جهتم . وهو أل من جهر بسب الصحابة رضي الله 
عنهم وأمر أن يكتب ذلك في الشوارع والجوامعء 0 ثم أرسل داعياً 
إلى مكة للإعلان بذلك» فلما رقي المنبر وذكر ما ذكر اقتحم عليه 
بنو هذيل فقطعوه قطعة قطعة وكسروا المنبر وفتتوه حتى لم يجتمع 
الأسود بدبوس فقتل من حينه وأحرق بالنار. وأرسل إلى مدينة 
الرسول من ينبش القبر المطهّرء فسمع الناس صائحا يقول: القبر 
الشريف ينبشء ففتشه الناس فوجدوه وأصحابه فقتلوهم شر قتلة. 
وكتب إليه أحد دعاته سنة 410 [1020] وكان اسمه حمزة. 
لقبه فيه بالربوبية. فقرىء كتابه على رجال المملكة المصرية 
«الحمد لمولاي الحاكم وحده 


«وباسمك اللهم الحاكم بالحق ثم استرييل في الكتابة إلى 
أن قال: توكلت على إلآهي أمير المؤمنين جل ذكره وبه نستعين 
في جميع الأمورء ثم قال: وأمرني ربي بإسقاط ما لا يلزمكم 
اعتقاده من الأديان الماضية والشرائع الدارسة. فقام رجل تركي 
إلى حمزة فقتله فاظهر الحاكم كأنه هو الآمر له بذلك لكنه استمرٌ 
في طغيانه حتى قتل هو وحماره وأهدر دمه. 


208 


ولما ولي الملقب بالمستنصر أرسل من كتب سبٌ الصحابة 
في أستار الكعبة في ليلة ظلماء. فلما أصبح الناس وجدوا تلك 
الكتابة فضِجوا منها وأكثروا البكاء والنحيب» لسبٌ أصحاب 
الرسول يكل والطعن في طهارتهم. 

وقال عنهم ابن القطان: «إنهم قوم من الرافضة يذّعون 
النسب إلى على رضي الله عنه وأكثر اعتقاداتهم كفر». 


2 الدعوة الشيعية بية في المشرق 

التعريف بهؤلاء الباطنية وبإسماعيل الذي ينتسبون إليه: 

قلنا فيما تقدم إن مؤرخي الشيعة يقولون عنهم إنهم ملاحدة 
من غلاة الباطنية والتحقيق الذي ثثبته نحن: أن محدثي هذا 
المذهب هم غلاة من شعوبيّة فارس وغيرهم تأمروا على تهديم 
كيان العرب الديني والسياسي, بعد أن عجزوا عن مكافحتهم 
بقوة السلاح. وما عجز عنه السلاح لا يعجز عنه الكيد والتضليل 
وانتظام الدعايات: فقد رموا لتقويض الإسلام وإقامة دين جديد 
على أنقاضه سروه بإظهار الفكرة الشيعية والتحيز لآل البيت 
ليموٌهوا بذلك على مُبل المسلمين وحمقائهم وانتزعوا تقاليدهم 
وتعاليمهم من شبَّى الأديان ليطابقوا بها أهواء كل قوم ملك العرب 
نواصيهم وحكموا أقطارهمء فجاءت نحلتهم خليطاً مشوهاً من 
المجوسية والبرهمية والصابئة والوثنية واليهودية والنصرانية 
والمزدكية"». ولم يجرّدوها من شيء غير الإسلام؛ وأضافوا إلى 


6( انظر حول هذه المذاهب. عيد العريز الثعالبي : محاضرات في تاريخ 
المذاهب والأديان» دار الغرب الإسلامي » بيروت 1985. 


269 


هذا الخليط ما أفادوه من تجاريب الهدم . 


فقد كان حزب الشيعة يذهب إلى القول بإبطال عمل 
الصحانة رضوان الله عليهم» لأن الإمامة لا تنعقد بالانتخاب 
والاختيار بل بالنصٌ والتعيين» وساقوها بالوصيّة لأمير المؤمنين 
علي بن أبي طالب ومن بعده للحسن ثم الحسين ثم لابنه علي 
زين العابدين ومنه لابئه محمد الباقر ثم لابنه جعفر الصادق ثم 
إلى موسى الكاظمء. ويذهبون في تسلسلها إلى الثاني عشر من 
أهل البيت وهم: علي الرضى» ومحمد التقي, وعلي النقي» 
فالحسين العسكري الزكي» وبعده ابن القائم المنتظر الذي 
اختفى في سامراءء وهم ما زالوا ينتظرونه ويرقبون رجوعه 
ويسمّونه الامام المهدي المنتظرء كما ينتظر اليهود المسيح 
والبراهمة كلنكي أوتار. والغريب أن اختفاء “الإمام الثاني عشر 
كان أشبه ما يكون باختفاء الإلاه كريشنة عند البراهمة الذين 
تتظطرون محروجه في صورة كلنكي أوتار, فيماذ الأرض عدلاً كما 
ملقت ظلماً وجورأًء شأن الضعفاء الذين لا يستطيعون الاعتماد 
على أنفسهم في تخليص أنفسهم من الإرهاق فيتكلون على 
القوّات الغيبيّة أو الآلهة الذين يتجسدون ويظهرون في صور 
الناس. 

ولما كانت أهواء الباطنية 'لا تتمشى دائماً وأبداً مع النزعة 
الشيعية الإمامية» طابقوهم إلى الإمام ١مام‏ السام جعفر ع 
وحالفوهم في السابع] وخلقوا لأنفسهم سابعاً آخر سمّوه إسماعيل . 
وزعموا أن إمامته نص عليها أبوه جعفر الصادق ولم ينص على 
موسى الكاظم الذي يقول به الإمامية الاثنا عشرية. مع أن 

210 


إشتاعيل عذا امات صتغيراً فق ححيلة أبيهب :ونسيوا لهاولذا مجهول 
سموه محمد المكتوم. وقالوا عنه هو أوْل الأيمة المستورين. 
ولإثبات دعواهم زعموا أن أباه الذي مات قبل البلوغ تركه في 
بطن أمه. وقالوا أيضا إن الإمام إذا لم تكن له شوكة يستترء وإنما 
يكون دعاته ظاهرين إقامة للحجة على الخلق. وهو لا يظهر 
للناس إلا حين تكون له الشوكة. لذلك سموا الذين يدعون 
إمامتهم من ولد هذا الإسماعيل: المستورين أو المكتومين (ومن 
هنا أيضاً جاءت كلمة الغوث المكتوم). وهم بزعمهم ثلاثة: 
محمد المكتوم ثم ابنه جعفر الصادق ثم ابنه محمد الحبيب» ثم 
ظهر ابنه عبيد الله المهدي الذي قام بالدعوة إليه الدّاهية أبو 
عبدالله الصئعاني وأخوه أبو العباس كما تقدم. وهو عندهم من 
الأيمة الظاهرين ثم تلاه في الظهور بنوه من بعده إلى أن انقرضت 
دولتهم في مصر على يد بطل الإسلام العظيم صلاح الدين بن 
أيُوب رضي الله عنه. 
العقيدة الباطنية: 

ومن أصول عقائدهم. وهي بمثابة الإيمان بالله عند 
المسلمين أن الأرض لا تخلو أبداً من إمام ظاهر أو مستور وإلا 
هلكت وهلك من عليهاء بحيث لا تحمل أنثى ولا تنبت حبة ولا 
تسقط ورقة ولا يتحرك جنين في رحم إلا عن أمره. لذلك يرون 
أنه لا بدّ من ظهور حججته عند اختفائه. ويقولون إن مدار الآيمة 
على سبعة أعداد كعدد أيام الأسبوع والكواكب والسموات 
والأرضين» ويسمونهم بالسبعيّة ليطابقوا بذلك أقوال الصابئة» 
ولهذا يزعمون أن النطقاء بالشرع سبعة وهم الرسل: آدم ونوح 

271 


وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإسماعيل بن جعفر الصادق. 
والذين يأتون بعد السابع يسمُونهم بالمستورين والمكتومين. 

ويقولون إن لكلّ شريعة حقّة (كذا) سبعة يقتدى بهم وهم: 
الأول الإمام وهو يتلقى عن الله مباشرة ويؤدي عنه. 

والثاني » الحجة وهو يؤدي عن الإمام . والئالث وهو ذو 
المصّة (أي يمتصٌ الحقائق عن الحبجة) والرابعالأبواب أو 
الأقطاب وهم الدعاة. والخامس» الداعي الأكبر وهو أرفع مراتب 
المؤمنين. والسادسء الداعي المأذون وهو الذي يأخذ العهد عن 
الطالبين من أهل الظاهر ويدخلهم في ذمام الإمامة ويفتح لهم 
باب العلم والمعرفة. وهو الذي ارتفعت درجته في الدين لكن لم 
يؤذن له في الدعوة بل في الاحتجاج عند الناس . والسابع» 
المؤمن» وهو الذي يتبع الداعي» وقد أنخذ عليه العهد وامن 

وأؤل من ظهر بالدعوة إلى الباطنيّة أسقف بالرها يقال له 
ابن ديصانء. وكان على مذهب البرديصانية9©) فق ززعم أن 
م الحياة النور الذي هو لباسها وتدخل على أبي الحياة فيتغشاها 
فتلد أولاداً يمدّون العالم السفلي بالنموٌ والزيادة. 
(7) البرديصانية: مذهب في النصرائية ينسب إلى برديصان المولود سنة 170 بعد 

الميلادء وقد بنى مذهبه على القول بوجود إلاهين اثنين: إلاه الخير وإلاه 


الشرء وقال عن المسيح ليس جوهراً أرضياً إنما هو جوهر سماوي وأنكر قيام 
الموتى »> وقد ذاع ملهبه قبل الإسلام في جزيرة العرب (المؤلف). 


2آ2 


ومن أركان الإيمان عند الباطنية الاعتقاد بأن لكل شيء من 
العبادات والتكاليف ظاهراً وباطناً وأن الله تعالى لم يوجب على 
أوليائه ولا على من عرف الأيمة والأبواب صلاة ولا زكاة ولا غير 
ذلك ولا حرم عليهم شيئاً. ويبيحون الزواج من ذوت المحارم. 
ويقولون عن المحرمات: إنما هي قيود وضعت للعامة ساقطة عن 
الخاصة . 
دعاة الباطنية: 

وقد عكفت هذه الطائفة الهدّامة للح والفضائل مدّة طويلة 
على تعليم دعاتها وتلقينهم أفانين الشعوذة والدجل والتنجيم 
وجميع الأساليب للاستغواء والتضليل. حتى تعلّموا كيف يحتالون 
على كل قوم بما يطابق أهواءهم ثم يسيّرونهم إلى الآفاق لافتتان 
الناس وتضليلهم في أديانهم وعقائدهم. ومن هؤلاء. عبدالله بن 
ميمون القدّاح اليهودي وأبو عبدالله الشيعي وحمدان بن قرمط. 
فانتدبوا الأول إلى ال.عوة فى فارس والثاني إلى إفريقية والثالث 
إلى جزيرة العرب. وبهمّة هؤلاء الدعاة البواسل أقاموا لنحلتهم 
الخبيثة ثلاث دول: دولة الملاحدة في المشرق ودولة الباطنية في 
إفريقيّة ودولة القرامطة في البحرين. ولهم ألقاب يعرفون بها في 
كلّ بلد. فهم بأصفهان يعرفون بالخرّمية والكودية وبالري: 
المزدكية والسنبادية» وبأذربيجان الذقولية والمحمّرة» وبما وراء 
النهر: المبيضة وفي إفريقية: الباطنية وأهل التشريق. 

ولما استقرّت الدولة الباطنية في مصر بعد انتقالها من 
المهدية بسبب يقظة الخوارج وانتباههم لها واستمكن لها السلطان 
في وادي النيل رأت أن تقيم حكمها على قواعد نحلتها 

273 


وفلسفتهاء فأسست على عهد الحاكم بأمر الله مدرسة عليا في 
القاهرة لتخريج العلماء والموظفين دعتها مدرسة الحكمةء وأببح 
لكل إنسان الدخول فيهاء وجعلت التعليم في هذه المدرسة 
مقسّماً على تسع رتب. ففي الرتبة الأولى يتعلم الطالب معنى 
مكتوماً لمتن القرآن. وبعد أن يؤدّي يميئاً مقرّرة يرتقي إلى الرتبة 
الثانية وفيها يتلقى العلم عن معرفة الأيمة القائمين من عند الله 
الذين هم مصدر لكل علم ومعرفة» وفي الرتبة الثاثة يتعلم عدد 
الأيمة السبعة وكذلك فلسفة هذا العدد وانطباقه على نظم 
الكائنات. وفي الرابعة يرتقي إلى تلقي العقائد السبعية ومفادها 
أنه منذ ابتداء العالم لم يوجد إلا سبعة إلآهيون شرعيون وهم 
الرسل السبعة المعروفون بالنطقاء الذين قدمنا ذكرهم وكيف أقاموا 
الشرائع على الفطرة الروحية. وفي الخامسة يتعلم وظيفة كل 
واحد من المساعدين للسبعة المستورين في شريعة الرسول الكبير 
وهم اثنا عشر رسولاً يتولون نشر الإيمان الحقيقي» وعدد الاثنا عشر 
هو أفضل الأعداد عندهم بعد السبعة. وفي السادسة يتلقى 
تمحيص السنن الإسلامية ويلقنونه ضمن ذلك أن الشرائع الدينية 
يجب أن تكون خاضعة لناموس الشرائع العمومية والفلسفية. 
مبرهنين على ذلك بأقوال فلاسفة اليونان: أفلاطون وأرسطو 
وفيثاغورس ويعتبرونها أساساً صالحاً لكل التعاليم. وفي السابعة 
ينقل الطالب من المباحث الفلسفية التي تفهم الأسرار. وفي 
الثامنة ينتقل من النظريات إلى التطبيقات وتئوير المدارك بعرض 
سمو حياة الأنبياء والرسل وإثبات عدم الحاجة إلى الجنة والنار 
ونفي وجودهما على القطع وبطلان جميع الأعمال» وأن ليبس 


2/4 


عليها ثواب ولا عقاب لا في هذا العالم ولا في العالم الآخر 
وفى الرتبة التاسعة يتلقى الطالب قواعد الطاعة المطلقة والانقياد 
الأعمى لأوامر رؤسائدء واجتناب وحي الفطرةء وإن النجاة لا 
تحصل إلا بالممارسة والتلقين. 
أثر هذه المدرسة السياسي والاجتماعي في ارتباك أحوال الشرق 
الإسلامي : 

لا نريد أن نتعمّق في الاستنتاج. وهذه الطرق الصوفية 
المختلفة الشائعة في بلاد الإسلام ما هي إلا وشل من نبعة 
الباطنية. ويكفي لتفهم روحيتها تتبع الدور الذي قام به الداهية 
الحسن بن الصباح المعروف بشيخ الجبل في بلاد المشرق. وهو 
واحد من جملة الذين تخرّجوا فيها وتوزّعوا في الآفاق. فإنه لما 
أكمل تعليمه في مدرسة الحكمة ونال جائزته أواسط القرن 
الخامس للهجرة» سار إلى المشرق وأخذ وهو في طريقه يبث 
دعايته في كلّ مكان حل بهء في حلب وبغداد وفارس. فكثر 
أتباعه وتوصّل بمعرفته وذكائه إلى تأسيس تلك الدولة المخيفة 
المعروفة في كتب التاريخ بدولة الملاحدة» فقد استولى على 
عقول الناس وأهوائهم بالختل والخدع؛ ختى وضع يده على قلعة 
الْموت في ولاية جيلان من بلاد فارس وهي من أحصن القلاع 
وأمنعهاء فجعلها مركزاً لدعايته المرعبة, وهو يزعم أنه يدعو 
الناس إلى الله وإلى الطريق المستقيم. ولقب نفسه بشيخ الجبل» 
حتى تسلط على عقول أتباعه وامتلك قلوبهم. وأصبح مخيفاً لمن 
جاوره من الدول. فإن السلطان باركيار أرسل إليه رسولاً يدعوه 
إلى الطاعة. فدعا ابن الصباح أمام الرسول رجلا من أتباعه وقال 


2/5 


له: انتحر. ففعل وسقط مكانه يتخبط في دمه. وقال لآخر: ارم 
نفسك من الحصن. فامتثل ووقع مهشماً على الأرض . عند ذلك 
العتفت إلى الرسول وقال له: قل لمولاك عندي سبعون ألفاً بهذه 
الطاعة, فإذا كان يريد أن ألاقيه فعلت. 


ومكث الحسن بن الصبّاح في قلعة ألمُوت 35 سنة يربّي 
الملاحدة على طرائقهم وأنظمتهم حتى عاق فيان :لك يناتو من 
أحد. وقد قسَم أتباعه إلى ثلاثة أقسام : الدعاة والرّفاق والفدائيون 
فالدّعاة كانت وظيفتهم إرشاد الناس إلى مذهبهم وتعاليمهم . 
والرفاق هم الذين اعتنقوا هذه النحلة وخضعوا لسلطانه المطلق 
عليهم. والفدائيُون هم الآلة الصمّاء التي يسيّرها كما يشاء لتنفيذ 
مآربه» دون أن يعصوا له في ذلك آمرا. . وهم يؤخحذون ضغارا 
ويوضعون في المنازل تحت نظارة الدعاةء» وهؤلاء يلقدونهم 
المبادىء ويبثون فيهم أن سعادتهم في فداء أنفسهم لنصرة 
عقائدهم. وجعل عليهم جزاء أقلّ مخالفة أقسى عقوبة» وجزاء 
الطاعة الإقامة مدة معيّنة في جنة الباطنّة . 


جنة الباطئية أو فردوسهم الأرضي: 
جنة الباطنيّة عبارة عن سلسلة من الحدائق المنمقة» جميلة 
التنسيق على هيئة الفردوس الذي وعد الله به المتقين من عباده 
غاية في الظرف وجمال الصناعة والنسق الآأخاذء محاطة بأفخم 
الأسوارء تتخللها القصور البديعة. ذات الزخرف والوشي 
والنقوش من الذهب الوهاج» تجذّلها الأزهارء ولها أنهار تجري 
من تحتها تترقرق فيها المياه وتجري فيها الأسماك على مختلف 

276 


الألوان والأشكال. وفوق أيكها تصدح الأطيار بمختلف النغمات. 
وفي داخحل القصور قاعات منمقة مزيّنة بأفخر الطنافس 
والمفروشات. ومن حولها المقاعد والأرائك» نثرت فيها نفائس 
الآواني من الذهب والفضة. تتخطر فيها الجواري الحسان 
والغلمان المقرطقون, تزينهم الحلى وأكسية الديباج. يطرب فيها 
المسوة والمغنيات بجميع الألحان. ومن وراء ذلك أنواء 
المغريات من مفترش ومأكول ومشروب ومشموم . 


أعدّ ذلك كله لمن أبلى جهده في الطاعة وأظهر استعداده 
لتنفيذ الرغبات. فإن من رضي عنه شيخ الجبل يدعوه إلى مائدته 
لكي يعلمه بأنه سيكافته على صدق الطاعة بإرساله إلى الجئةع 
لينعم هناك ويتمتع بأطايبب الحياة. ثم يأمر سرّاً أن يناولوه مخدّراً 
يذهب حواسه وشعوره. ثم يأمر خاصته بنقله إلى تلك الجنةء 
فإذا استيقظ وجد نفسه في فردوس لا يبلى نعيمه. يرى فيه ما لا 
عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. كل شيء لهء 
وكل شيء طوع يمينه وإشارته. فينال منها كلّ ما اشتهته نفسه. 
ويمكث هناك غارقاً في سكرته يلتدٌ بجميع حواسه حتى إذا 
انتهت الأيام المقررة لاستمتاعه؛ واستكمل جميع حظوظه. 
يسقونه جرعة ثانية من المخدذّر ثم يردونه إلى مكانه الأول من 
مجلس الرئيس . فينشقونه منيهاً وعندما يستيقظ يكون موقنا بأنه 
أمضى أيّاماً في جئة الخلد. فيخرج إلى رفقائه وهو يقصٌ عليهم 
ماراه وما ستمعة وما استمتع به يقظة لا مناماً. فيشوقهم جميعاً 
إلى الفوز بهذا الجزاء الأوفى الذي أعدّ لمجازاتهم في الحياة 
الدنيا» فيزدادون يقيناً وإيماناً يما هم عليه. 


2717 


ولشيخ الجبل طريقة في اختيار قابلية الطلبة للطاعة, وهي 
تكليفهم بما لا يحتملء ؛ فإن امتثلوا نظر في ميولهم ف فيأتيهم من 
الناحية التي تستهود فمن كان ميّالاً منهم للزهد والقناعة زين 
له ذلك وذمٌ له حب الدنيا. ومن كان خليعاً مستهتراً شبّجعه على 
المجون ورغبه في الشهوات وقبح له النسك والفضيلة. وإن وجد 
بينهم إِمّعا"» ليست فيه قابلية للتطور» برم به وأقصامعن حضيرة 
الأسرار. 

ومدار التعاليم التي تلقى على الناجحين» هو صرفهم عن 
الإيمان بالدين وإقناعهم بأن لا شيء من التكاليف صحيحاًء وكل 
محرم حلال: معاكسة للنفس» وأن الروح الأعلى يحل في 
الرئيس ويلهمهء وأن تعاليمه اتية من عند الله. وبعد استئناس 
الطالب بهذه التعاليم ينقل إلى رتبة التشكيك» وذلك بأن تعرض 
عليه متشابهات القرآن ويقنعونه بعرضها بأن فيه متناقضات. فإذا 
تلقى ذلك رفعوه إلى مرتبةالخلو وهي: إسقاط جميع التكاليف». 
وحمل النصوص على غيرما يراد منها وتأويل الأحكام الشرعية بما 
يطابق ضلالتهم» فتستحكم فيهم الإباحية والشهوات. ويزينون لهم 
أن التكليف الصحيح هو العمل بباطن الشريعة لا بظاهرها. وأن 
ظاهرها ما هو إلا تعذيب وحرمان. 


فذلكة في تاريخ الملاحدة السياسي, متممة للموضوع: 
ذكر المؤرخون أن الملاحدة استولوا على قلاع كثيرة في 


(8) الإمّع هو التابع لكل أحد على رأيه والموافق في كل الأحوال. 


8آ2 


بلاد المشرق عدا قلعة أَلَمُوت التي اتخذوها عاصمة لهم؛ منها 
قلعة أصبهان التي بناها ملك شاه وبعض قاهستان وزوزال ولاين 
وتون وقلعة في راسمنكوه الغربية من أبهر وقلعة خالنحان وقلعة 
استوناوند وقلعة أردهن وكركوزة وقلعة الناظر وقلعة الطنبور وقلعة 
أفلادخان. وهذه القلاع موجودة ما بين فارس وخوزستان. وبقي 
أمرهم ظاهراً بالرغم من تألّب سلاطين المسلمين المجاورين لهم 
عليهم, إلى أن هلك الطاغية الحسن بن الصباح سنة 1125[518] 
وعمره يومئذ تسعون سنة. وبقي خلفاؤه إلى أيام التتار. فأمر أبو 
نصر أحمد بن الفضل وزير السلطان سنغر سنة 1127[520] 
بغزوهم في جميع معاقلهم واستئصال شافتهم أينما كانواء ونهب 
أموالهم وسبي نسائهم وإراقة دمائهم» لوقاية البلاد من شرهم 
وفسادهم . فوجه لكل بلد لهم جيشا. وبسبب هذه الحملة 
انكسرت شوكتهم في فارس وبقيت فتنتهم مستفحلة بالشام. وكان 
القائم بأمرهم فيها بهرام ابن أخت الأسد أباديء فكان يتردّد على 
البلاد ويطغى على العبادء إلآ أنه كان يخفي نفسه عن الناس فلا 
يُعرّف. ولما دخل حلبء داخل إيلغازي صاحبهاء وأراد إيلغازي 
أن يتقؤى بجموعه لخوف الناس من شرهم. لأنهم كانوا يقتلون 
كل من خالفهم. وآشار إيلغازي على طغتكين© صاحب دمشق 
أن يجعله عنده لهذا السبب» فقبل رأيه وأخذه إليه. فاظهر نفسه 
وأعلن دعوته وكثر أتباعه وأعانه الوزير أيوطاهر بن سعد 
المرغناني» قصد الاعتضاد به على ما يريده. فعظم شره 
واستفحل بلاؤه حتى كاد يملك المديئة. إلا أنه رأى من أهل 


(9) استولى آل طغتكين على دمشق من سنة 497 إلى سنة 549. 


219 


دمشق انحرافاً عنه وصلابة في دينهم. فطلب من طغتكين حصنا 
يأوي إليه هو وأتباعه. فأشار الوزير بتسلميه بانياس. فلما صار 
إليها واجتمع إليه رهطه من كل مكان» عظم الخطب على 
المسلمين واشتدٌ الأمر على العلماء وأهل الصلاح والدين» 
وبالأخصٌ أهل السنة والجماعة» ومنكري البدع. لكنهم لم 
يقدروا أن يعلنوا استنكارهم خوفاً من شرّهم وفتكهم . 

ثم فارق بهرام دمشق وأقام بها خليفة لنفسه. يدعو الناس 
إلى فتنتهء حتى كثر أتباعه وانتشروا. ولم يتبعه إلا الدعارون 
والعيارون ومن إلى هؤلاء من السقاط. وملك بهم عدة حصون 
من الجبال منها: القدموس اشتروه من صاحبه ابن عمران 
سنة 1133[527]. وأقاموا به وجعلوا يحاربون من جاورهم من 
المسلمين وغيرهم . . وكانت بوادي التيم مذاهب مختلفة» نصرانية 
ومجوسية ودرزية9©. وكان عليهم رجلٌ اسمه الضحاك ومعه 


(1) نسبة إلى رجل أعجمي يعرف بالدرزي وهو محمد بن إسماعيل من دعاة الباطنية 
قدم إلى مصر أيام الحاكم بأمر الله وهو من القائلين بالتناسخ . فاجتمع 
بالحاكم وساعده على ادعاء الربوبية وصنف له كتاباً ذكر فيه أن روح آدم 
انتقلت إلى علي بن أبي طالب وأن روح علي انتقلت إلى العزيز ثم انتقلت 

منه إلى ابنه الحاكم. فبقي عنده وقربه وفوؤض الأمور إليه وبلغ مئه أعلى 
المراتب. بحيث أن الوزراء والقواد والعلماء كانوا يقفون على بابه ولا ينقضي 
لهم شغل إلا على يده. وكان قصد الحاكم أن ينقادوا إلى الدرزي المذكور 
فيطيعونه . فأظهر الدّرزي الكتاب الذي ألفه وقرأه بجامع ر القاهرة. فثار الناس 
عليه وقصدوا قتله فهرب منهم وأنكر الحاكم أمره حوفاً من الرعية» وبعث 
إليه في السّر مالا وقال له: اخرج إلى الشام وانشر الدعوة في الجبال. فإن 
أهلها سريعو الانقياد. فخرج إلى الشام ونزل بوادي تيم الله تعلبة. فقرأ 
الكتاب إلى أهله واستمالهم إلى الحاكم وأعطاهم المال وأقر في نفوسهم مبدأ- 


220 


حامية عدّتها ألف فارس» فسار إليهم بهرام وحصرهم . فخرج إليه 
الضحاك يقاتلهء فقتل عدداأ كثيرا من رجاله ثم قتل بهرام» فانهزم 
بقيّة من كانوا معه إلى بانياس. وكان بهرام قد استخلف عليها 
رجلا منهم اسمه إسماعيل فقام مقامه وجمع شمل الباقين ونشر 
دعوتهم في البلاد وساعده المزدقاني فأقام في دمشق عوض بهرام 
رجلا اسمه أبو الوفاءء فقوي أمره وعلا ذكره وكثر شر أتباعه. 

وكان على دمشق كالمتولّي عليهاء وحكم بها أكثر من حكم 
صاحبها تاج الملوك بوري بن طغتكين . لذلك لم يتهيب 
المزدقاني من مراسلة الصليبيين سرًاة© والاتفاق معهم على أن 
يسلّم لهم دمشق نكاية بالمسلمين» لقاء أن يسلّموا له مدينة 
صور. وتقرر بينهم الميعاد. واتفق المزدقاني مع الباطنية أن 
يحتاطوا على أبواب الجوامغ فلا يمكنون أحداً من الخروجء 
حتى يتم تمليكها للصليبيين. وهي خيانة فظيعة لا يقدم عليها 
أحد غير هؤلاء الملاحدة الذين لا دين لهم ولا وطن. فبلغ 
خبرهم تاج الملوك فاستدعى إليه المزدقاني» ولما خلا به قتله 
وعلق رأسه على باب القلعة. وأمر المنادين في البلدة أن ينادوا 
بقتل كل من يجدونه من الباطنيةء فقطعت رقابهم جميعاً جزاء 
خيانتهم الشنيعة. وبلغ عدد من قتل منهم في ذلك اليوم 
زهاء 6000 نفس . وكانت الواقعة في رمضان 11301523]. فخاف 


التناسخ وأباح لهم شرب الخمر والزناء وأخذ مال من خالفهم في عقائدهم 
وإباحة دمه. وأقام عندهم يبيح لهم المحظورات إلى أن مات (المؤلف). 
)011 انظر. محملك العروسي المطوي, الحروب الصليبية في المشرق والمغرب» 
دار الغرب الإسلامي . بيروت» 02 ص 12. 


281 


إسماعيل عاقبة أمره وهرب إلى بلاد الإفرنج بعد أن سلم لهم 
قلعة بانياس وارتكب بذلك أفظع خيانة للمسلمين الذين أووه في 
بلادهم . 
انتقال الباطنية إلى خراسان والسعي فيها بالفساد والإفساد: 

لما أخفقت الحركة الباطنية بالشام أخذوا يلمون شعثهم 
بقاهستان حتى اجتمع لهم في سنة 1155[549] نحو 7000 0 
صوب خراسان منتهزين فرصة اشتغال جتودها بالغزوء وحطوا 
على صواف فالتقوا بالأمير فرخشاه بن محمود الكاساني وهو في 
جماعة من خدمه وحشمه. فلما علم أنه لا طاقة له بهم سير 
رسولاً إلى محمد أَنْرْ وهو من كبار أمراء خراسان وطلب منه أن 
يقدم عليه بعساكره لقتال الباطنية فسار إليه من ساعته وطالت 

بينهم الحروب حتى هزمهم» وقتل كثيراً من كبرائهم وأخلى 
0 وحصونهم . 

وفى سنئة 1157[551] عاد الباطنية وتجمعوا في طبس من 
أرض خراساة فأحدثوا بها موقعة عظيمة وأسروا جماعة من أعيان 
دولة السلطان وسلبوا أموالهم وسبوا عيالهم . وفي سنة 1158[552] 
جمع شاه مزندران رستم بن علي بن شهريار عسكره. وخرج بهم 
دون أن يعلم أحد الجهة التي يقصدها وسلك طريق المضائق» 
وهو يجدّ في السير إلى أن وصل إلى قلعة الموت فأغار عليها 
وأحرق ما صادفه من قوى الباطنية» وأمعن القتل في رجالهم. 
وسبي نسائهمء واسترقاق أولادهم. وباعهم في الأسواق بيع 
السلع . فانكمشوا وأظهروا الطاعة. لكنهم لم يلبثوا أن جمعوا 
أنفسهم في سنة 1159[553] فاجتمع منهم نحو 7000 ونزلوا على 


282 


نواحي قاهستان فنهبوا أموال التركستانيين» وسبوا نساءهم 
وذراريهم. وأحرقوا ما عجزوا عن حملهء وكان التركستانيون 
إغائبين عن بيوتهم. فلما عادوا ورأوا ما نزل بهم من الملاحدة. 
خرجوا جادين في أثرهم حتى أدركوهم وهم يقتسمون الغنائم 
:فكبروا وحملوا عليهم حملة واحدة. إلى أن أفنوهم عن أخرهم. 
ولم ينج منهم إلا تسعة رجال لاذوا بالفرار. 


وبعد هذه الواقعة خفتت أنفاسهم ولاذوا بالسكون.» حتى 
أنسوا بانقطاع الطلب عنهم. فأخذوا يجتمعون في خراسان. فلما 
أحسٌ منهم بذلك الأمير محمد بن أَنّرْ أغار عليهم وهم غافلون» 
فأحدث فيهم مقتلة عظيمة وأسر وسبى وغنم أموالهم. وانقطع 
بعد هذه الواقعة خبرهم» إلى أن ظهروا في سنة 560 [1165] قرب 
قزوين فبئوا لهم قرية هناك دون أن يتعرض لهم أحد. ولمًا التأم 
شملهم بها تقدموا قزوين وحاصروها فقاتلهم أهلها أشدّ قتال 
عرفوه» فاستسلموا لهم واختفت حركتهم . 


وفي سنة 1204[600] وصل شهاب الدين الغوري سلطان 
بلاد الغور رسول من مقدم الباطنية بخراسان يدعوه إلى الطاعة. 
فأمر عامله على بلاد الغور علاء الدين محمد بن علي بالمسير 
إليهم ومناجزتهم. فسار إليهم في عسكر جم. ولما وصل إلى 
قاهستان انضم إليه أمير زوزون وخرج معه لقتالهم. فنزلوا على 
مدينة قاين وهي من عواصم الملاحدة وحصروها وقتلوا عاملهم 
عليها شهاب الدين. ولما بلغ خبره إلى أهلها صالحوا على 
أنفسهم وقدموا لسلطان الغور 000 60 دينارء بعد أن التزموا 


223 


بالطاعة والتيرّي من نحلتهم الخبيئة وتظاهروا بالرجوع إلى 
الإسلام» فارتحل عنهم . 
وفي سنة 1206[602] سار يدقمش إلى قرى الباطنية 

,المجاورة لقزوين فأحدث فيهم مقتلة عظيمة ونهب وسبى» ثم 
انتقل منها إلى معاقلهم. وفتح منها خمس قلاع كانوا حصنوهاء 
5 عزم على حصار قلعة الموت واستئصالهم فيها. ولكن حدث . 
له ما اضطره إلى العدول عنها وهو يصرٌ على الرجوع إليها. 
فخافوا بأسه وأظهروا التراجع وأعلنوا في سنة 1212[608] التوبة 
وأشهروا إسلامهم وأمسكوا عن إتيان المناكر. وجعلوا يجهرون 
بالأذان ويقيمون الصلاة وتنادوا بذلك في البلدان. وأرسل 
مقدمهم رسولاً إلى الخليفة وغيره من ملوك المسلمين يخبرهم 
بذلك» وسيّر والدته إلى الحسٌّ فأكرمتها بغداد إكراماً عظيماًء دل 
على طيبة نفوس المسلمين وسذاجتهم وسهولة انخداعهم لكل 
من يتظاهر بالرجوع إليهمء ولو كان من ألدّ أعدائهم وأشدّهم 
عليهم . 
إصرار الباطنية على الكفر والإلحاد والخيانة : 

© لم يكن الباطنيّون جادّين فيما أظهروا الإقلاع عنه. فإنهم 
لما أحسوا في سنة 1228[624] بضعف مراقبة المسلمين لهم 
وانصرافهم عن إذايتهم عادوا إلى شرورهم وخبائئهم فقتلوا أمير 
كنجة وهو من أمراء جلال الدين الغوري. فعظم ذلك عليه فتجهز 
إليهم وحاربهم في عقر ديارهم على طولها من كركودة في 
خراسان إلى قلعة الموت في جيلان» وكسرهم شركسرة» وضرب 
عليهم الجزية فأدٌّوها صاغرين وقبعوا في بيوتهم إلى أن ظهرالتتار 

284 


سنة 1232[628]» فرفعوا رؤوسهم واستقدموهم إلى غزو البلاد 
ووعدوهم بالمساعدة. وأقنعوهم بضعف شأن جلال الدين 
الغوري. ثم صاحبوهم ودلّوهم على المسالك والدروب حتى 
فتحوا البلاد بدلالتهم. غير أن التتار لم يلبثوا حتى وقفوا على 
جلية خبرهم فانتقموا منهم شر انتقام. فقد خرج السلطان هلاكو 
من بغداد بعد أن طوى الدولة العباسية في جيش جرار سنة 
38 إلى بلدانهم وخرب قلاعهم. وقتل مقدمهم 
ركن الدين خاكان وأزال فتنتهم من فارس وخراسان والديلم» بعد 
أن استأصلهم. ولما بلغت أخبارهم الملك الظاهر بيبرس وما 
فعلوه بإيرانء زحف إلى قلاعهم بالشامء فخرب كثيراً منها 
وأحدث فيهم مقتلة عظيمة لقطع دابر جرثومتهم الخبيثة من بلاد 
الشام والجزيرة. 

وما زالت ملوك المسلمين منذ وقفوا على خيانتهم العظمى 
التي ارتكبوها لمساعدة الصليبيّين على امتلاك أرض الشامء 
ودعوة التتار ين مواطنهم إلى اكتساح بلاد المسلمين في 
المشرق» يتعقبون هذه الجراثيم الخبيثة المقترفة في أنحاء 
الأرض ويقتلونهم حيثما وجدوهم إلى أن أوهنوهم ودكوا بأسهم ء 
وسقطت ممالكهم التي أقاموها بالمكر والحيلة. وكانت ممتدّة من 
خراسان إلى سواحل البحر المتوسط ودام تملكهم فيها 150 سنة. 


3 حركة القرامطة 


ظهور القرامطة وأوّل من قام بالدعوة إلى مذهبهم: 
ذكرنا طائفة صالحة عن الباطنية والملاحدة وأثرهما في 


255 


تهديم العروية والإسلام, وقد لا يجمل بنا إهمال القرامطة» وهم 
ليسوا أقلّ فتكاً بهما من غيرهم . 

فقد كان ابتداء أمرهم سنة 8921278]» وذلك بقدوم رجل 
مجهول من ناحية خوزستان إلى سواد الكوفة وإقامته بموضع منه 
يقال له النهرين وهو يظهر الزهد والتقشف ورقة الحال ويشتغل 
بسعف الخوص ويأكل من كسبه» ويكثر من الصلاة. فأقام على 
ذلك مدة فكان إذا قعد إليه إنسان ذاكره أمر الدين وزهده في 
الدنيا وأعلمه أن الصلاة المفترضة على الناس 50 صلاة كل يوم 
وليلة» حتى فشا ذلك عنه بموضعه. ثم أعلمه أنه يدعو إلى إمام 
من أهل بيت الرسول. فلم يزل على ذلك يقعد إليه الجماعة تلو 
الجماعة فيخبرهم من ذلك بما يعلق بقلوبهم. وكان في القرية 
بقَال يألفه وبالقرب من البقال نخل اشترى قوم من التجار ثمره 
عند جنيه. واتخذوا حظيرة جمعوا فيها ما صرموا منه". وجاؤوا 
إلى البقال يسالونه أن يحضر لهم رجلا يحفظ عليهم ما جمعوا. 
فأومى لهم إلى هذا الرجل. وقال: إن أجابكم إلى حفظ ثماركم 
فإنه بحيث تحبون. فناظروه على ذلك». فأجابهم إلى حفظه 
بدراهم معلومة. فكان يحفظ لهم ويصلّي أكثر نهاره ويصومء 
وعند إفطاره يأخذ من البقال رطل تمرء فيفطر عليه» ويجمع 
نواه . فلما حمل التجار مالهمء صاروا إلى البقال فحاسبوا 
أجيرهم هذا على أجرته ودفعوها إليه» فحاسب الأجير البقال على 
ما أخذ منه من التمر وحط من ذلك ثمن النوى. فوثبوا عليه 
يضربونه» وقالوا: ألم ترض أن أكلت تمرنا حتى بعت النوى؟ 


فقال لهم البقال: لا تفعلوا فإنه لم يمس تمركم؛ وقصّ عليهم 
قصّتهء فندموا على ضربهم إياهء وسألوه أن يجعلهم في حل مما 
صنعوا بهء ففعل. وازداد بذلك نبلا عند أهل القرية زيادة عما 
وقفوا عليه من زهده وورعه وتقوأه. 


ثم مرض بعد ذلك فمكث مطروحاً على الطريق. وكان في 
القرية رجل أجير يحمل على أثوار له يسممى حمدان. أحمر 
العينين» شديدة حمرتهماء يسميه أهل القرية كرميتة (وهو بلسان 
النبط: أحمر العينين)» فكلمه البقال أن يحمل هذا العليل إلى 
منزله» ويوصي أهله بالإشراف عليه والعناية به» ففعل. وأقام 
عنده حتى برأ ثم كان يأوي إلى منزله. وصار يدعو أهل القرية 
لأمره ويصف لهم مذهبه. فأجابه أهل تلك القرية والنواحي 
المجاورة لها إلى ما دعاهم إليه. وكان يأخذ على كلّ رجل يجيب 
دعوته دينارء ويزعم أنه يأخذ ذلك للإمام . 


ولما انتشرت دعوته بين الناس اختار منهم اثني عشر نقيباً 
أمرهم أن يدعوا الناس إلى طريقته. وقال لهم: أنتم كحواري 
عيسى بن مريم. فاشتغل الفلاحون من أهل تلك الناحية عن 
أعمالهم بما رسم لهم من الخمسين صلاة التي ذكر لهم أنها 
مفروضة عليهم . 

وكانت في تلك الناحية ضياع للهيصم. فوقف على تقصير 
عماله في العمارة والزراعةء فسآل عن ذلك فأخبر أن إنساناً طرأ 
عليهم فأظهر لهم مذهباً من الدين» وأعلمهم أن الله افترض 
عليهم خمسين صلاة في اليوم والليلة. فشغلوا بها عن أعمالهم» 

27 


فحلف أنه يقتله. فوجه في طليه» فأخلٌ وجيء به إليه. فسأله عن 
أمره » فأخبره بقصته. فأمر به فحبس في بيت وأقفل عليه الباب 
ووضع المفتاح تحت وسادته وتشاغل عنه بارج وسمعت 
إحدى جواريه بقصة هذا السجين الصالح فرت له. فلما نام 
الهيصم أخحذت المفتاح من تحث وسادته خلسة وفتحت الباب 
وأخرجته وأقفلت الباب وردّت المفتاح إلى موضعه من الوسادة. 
فلما أصبح الهيصم جاء الناس يستشفونه في سجينه» فدعا 
بالمفتاح . ولما فتح الباب لم يجدوه وشاع الخبر بذلك بين أهل 
الناحية: ففتنوا به وقالوا: رجع إلى السماء. فكان عندهم آية من 
آيات الله دعموا يها أوهامهم وأباطيلهم . 


ثم ظهر في موضع آخر ولقيه جماعة ممن يعرفونه» فسألوه 
عن خبره. فقال لهم : لا يمكن لأحد أن يعرض لي بسوء ولا 
يقدر على ذلك مني . فعظم في أعينهمء » لكنه خاف على نفسه. 
فخرج إلى ناحية الشام ودعا باسم الرجل الذي كان في منزله: 
قرمط 230 . وفشا أمره بسواد الكوفة» ثم كثر أتباعه . مقلد رعاسهم 
أحمد بن محمد الطائي) فوظف على كل رجل ديناراً في كل 
سنة . وجبى من ذلك مالا جليلاً حتى خافهم الناس ورفع قوم من 
الجوقة أمرهم إلى السلطان وقالوا: إن هؤلاء الرهط أحدثوا ديا 
حديدا غير الإسلام» وأنهم يرون استعمال السيف على رقاب أمة 
محمدء إلا من بايعهم على دينهم. فلم يلتفت إليهم أحد ولم 
يلع منهم قو 

(13) أصله «كرميتة؛ ثم حفف في النطق فقيل «كرمت» ثم صقله الاستعمال فأبدالت 

الكاف قافاً والتاء طاءء فقيل «قرمط» (المؤلف). " 


28 


نحلة القرامطة وكتابهم الديني: 

يقول مشرع مذهب القرامطة الفرج بن عثمان من قرية 
نصرانة» وهو يرمز إلى المثل الذي يدعو إليه بالمسيح. هو عيسى 
وهو الكلمة وهو المهدي وهو أحمد بن محمد بن الحنفية» وهو 
جبريل. يريد بذلك إثبات القول بتناسخ الأرواح أو الاتحاد 
والتتعار قن 

وفي ما يذكره من هرائه: أن المسبح تصور له في جسم 
إنسان. وقال له: إنك الداعية وإنك الحججة وإنك الناقة وإنك 
الدابة وإنك روح القدس وإنك يحيى بن زكرياء. ثم ادّعى أنه 
عرفه الصلاة. وهي اديع ركعات: ركعتان قبل طلوع الشمس 
وركعتان قبل غروبها. وأن الأذان هو أن يقول المؤذن: الله أكبر 
(ثلاث مرات). أشهد أن لا إله إلا الله (مرتان)» أشهد أن آدم 
وسول القع أشهك أن "لوحا رسول الله. أشهد أن إبراهيم رسول 
الله أشهد أن موسى رسول الله, وأشهد أن عيسى رسول الله 
وأشهد أن محمد رسول الله» وأشهد أن أحمد بن محمد بن 
الحنفية رسول الله . 

أما الصلاة فهي أن يقرأ المصلّي في كل ركعة سورة 
الاستفتاح من الكتاب المنزل بزعمه على أحمد بن محمد بن 
الحنفية رسول الله وهي : «الحمد لله بكلمتهء وتعالى باسمه» 
المتخذ لأوليائه بأوليائه» قل إن الأهلة مواقيت للناسء. ظاهزها 
ليعلم عدد السنين والحساب والشهور والأيام» وباطنها أوليائي 
الذين عرفوا عبادي سبيلي . اتقوني يا أولي الألباب. أنا الذي لا 
سال عما أفعل , وأنا العليم الحكيم ‏ أنا الذي أبلو عبادي 


209 


وأمتتحن خلقي. فمن صبر على بلائي ومحسنتي واختباري» ألقيته 
في جنتي وألحلدته كي نعمت ومن زال عن أمريء. وكذّب 
رسلي. أخلدته مهاناً في عذابي وأتممت أجلي. وأظهرت أمري 
على ألسنة رسلي . أنا الذي لم يعل علي جبّار إلا وضعته. ولا 
عزيز إلا أذللته» وليس الذي أصرٌ على أمره » ودام على جهالته, 
وقال مع القائلين: لن نبرح عليه عاكفين» وبه مؤمنين» أولئك هم 
الكافرون»). ثم يركع ويقول في ركوعه مرّتين: سبحان ربي رب 
العرّة تعالى غمًا يضف الظالمون. ويقول في السجود: 
أعلى , الله أعلىء الله أعظمء الله أعظم . وأما القبلة 0 
عندهم » فإلى بيت المقدس. ويوم الجمعة عندهم هو يوم الإثنين 
لا يعمل فيه شيء. والصوم يومان في السنة وهما: يوم المهرجان 
ويوم النوروز. والنبيذ حرام والخمر حلال. والغسل من الجنابة 
غير لازم» يكفي عنه الوضوء كوضوء الصلاة . 

ومن شرائعهم وجوب قتل كل من يحاربهم. ومن لم 
يحاربهم وخالفهم تؤخذ منه الجزية . ويحرمون أكل لحوم كل ذي 
ناب وكل ذي مخلب. 

ويذكر المؤرخون أن قرمطاً صار إلى سواد الكوفة قبل قتل 
صاحب ثورة الزنج» ولقيه وقال له: إني على مذهب وورائي مائة 
ألف سيف فناظرني» فإن اتفقنا على المذهب ملت بمن معي 
إليك»: وإن تكن الأخرى انصرفت عنك. وإنما شرط عليه الأمان 
بأمنه . ثم تناظرا إلى الظهرء فتبين له في آخر المناظرة أنهما على 
خلاف في الأمرء ولما قام صاحب الزنج إلى الصلاة تسلّل قرمط 
ومضى إلى سواد الكوفة. وكان من أمره ما تقدم. . واستمرٌ أمر 

290 


القرامطة يجري تحت طيْ الخفاء إلى يوم السبت لثمان بقين من 
شعبان سنة 284 [898]. فوجه كرامة بن حر من الكوفة بقوم 
مقيدين » ذكر أنهم من القرامطةء وعند استجوابهم. أقروا على 
أبي هاشم بن صرفة الكاتب أنه معهم وأنه كان يراسلهم وأنه أحد 
رؤسائهم فقبض عليه وسجن في حبس المطامير. 
أفاعيل القرامطة في المسلمين ونكايتهم بهم : 

وفي سنة 900[286]. ظهر رجل من القرامطة يعرف بأبي 
سعيد الجنابي©2 بالبحرين. وكان كيالا بالبصرة. فاجتمع إليه 
جماعة من القرامطة والأعراب. وكان ظهوره في أول السنة» وكثر 
أصحابه وفي جمادى الآخرة قوي شأنه, فقتل من حوله من أهل 
القرى. ثم صار إلى القطيف ففتك بمن بها من المسلمين. وذكر 
أنه يريد التوجه إلى البصرة. فكتب أحمد بن محمد بن يحبى 
الواثقي معاون والي البصرة بخبره إلى السلطان. فأمره 
المعتضد59) ببناء سور على المديئة لمنع الغارة عليها وكان هذا 
أول العهد بثورة القرامطة وجنوحهم إلى القتال. 

وفي سنة 9011287] خرج العباس بن عمر الغنوي بجند من 
البصرة لمناجزة الجنابي ومن انضوى تحت لوائه من القرامطةء 
فلقيتهم طلائعه. فخلف العباس سواد جنوده وسار نحوهم. فلقي 
أبا سعيد ومن معه مساءء فتناوشواء ثم حجز بينهم الليل» 
فانصرف كل فريق منهم إلى موضعه. ولما أوى العبّاس إلى 
مضاربه تخْلى عنه أعراب بني ضبة» وكانوا زهاء 300 فارس ألووا 
(14) جنابة : قرية بالأهواز ينسب إليها هذا الطاغية الذي أفحش في قتل المسلمين 


وعاث ببلدانهم (المؤلف). 
(15) مدة خلافة المعتضد: 289-279 ه/ 902-892 م. 


2091 


أعنّة خيولهم إلى البصرة. ثم تبعتهم المطوّعة؛ وتركوا العباس في قلة. 

فلما أصبح غزا القرامطة فاقتتلوا قتالاً شديداً. وحمل نجاح 
صاحب ميسرة العباس في ثلة من جنوده كانوا زهاء مائة رجل على 
ميمنة أبي سعيدء فوغلوا فيهم» فقتل هو ومن معه. وتشبجع بذلك 
الجتابي, فحمل هو وأصحابه على جند العباس حتى هزموهم. 
فاستأسر العباس ومن بقي معه. فلما كان من غد يوم الواقعة 
أحضر الجنابي الأسرى بين يديه وكانوا 700: فقتلهم جميعاً 
وأحرق جنثهم» وذلك في آخخر رجب السنة. 

وبعد هذه الواقعة قصد الجئابي مجرء فدخلها عنوة وأمن 
أهلها على أنفسهم. وتخوف أهل البصرة ع 0 
مدينتهم. ثم دعا الجنابي العباس» فقال له: أتحب أن أطلقك 
قال: نعم. . فقال: لطن لصيلك: وعرّف الذي وجه بك | إل ما 
رأيت. وحمله على رواحل وضم ! م إليه. فساروا به حتى بلغوا إلى 
بعض السواحل فصادف به مركبا فحمله إلى الأبلة ومنها وصل 
له بغداد. وقصّ على المعتضد ما كان من أمر القرامطة. وفي 
2 خلت من شوال السنئة ورد الخبر أن القرامطة من أهل جنبلاء 
من أرض السواد وثبوا إليهم وقتلوا جماعة من المسلمين فيهم كثير 
من النسوان والصبيان وأحرقوا المنازل والدكاكين» فاشتد ذلك 
على المعتضد. ش 

وفي سنة 9027289 انتشر القرامطة بسواد الكوفة وكانوا 
بزعامة رجل منهم يقال له ابن أبي الفوارس » فهاجمتهم عساكر 
المعتضد فقتلت منهم وأسرت خلقاً كثيراً. فحمل المأسورون إلى 
كداد وعديو عذاباً شديداً ثم صلبوهم. وأما ابن أبي الفوارس 


202 


زعيمهم المذكور فقد قلعت أضراسه ثم ل في إحدى يديه بكرة 
وفي الأخرى صخرة ورفعت البكرة ولم يزل على حاله إلى وقت 
الظهر. فقطعت يداه ورجلاه وضرب عنقه. وبالرغم من ذلك. 
ففي أواخر هذه السئة خرجيحبى بن زكرويه داعية القرامطة وجمع 
جموعا كثيرة من الأعراب فكانت بينه وبين طغج بن جف نائب 
هارون بن خمارويه على الشام وقائع عديدة كانوا يتعاورون فيها 
الانتصار. 

وفي المحرم من سئة 2]903[290 قصد يحبى بن زكرويه 
القرمطي الرقة في جمع كثير. فخرجت إليه العساكر السلطانية» 
فقتل منهم جماعة وانهزم الباقون. فبعث طغج جيشا مع خادمه 
بشير لمناجزة القرامطة. فتقدموا إليهم ولم يلبثوا أن قتل بشير 
وانهزم الجيش. فجهز المكتفي 29 أبا الأغر وأخرجه في 10000 
مقاتل لقتال القرامطة. فسار هؤلاء إلى دمشق وحاصروها وكان 
عليها يومئذ طغج بن جف فعجز عن مقاومتهم» بعد أن جندل 
منهم خلقاً كثيراًء منهم قائدهم يحيى بن زكرويه. فأقاموا عليهم 
أخاه الحسين. ولما بلغ المكتفي ذلك بعث إلى عساكره 
يستحثهم للقائهم. فتوجه إليهم أبو الأغر فانهزم أمامهم في 
الصدمة الأولى وقتل غالب جنله. وتبعهم القرامطة؛ فقاتله 
الحلبيون قتالا مشهودا. وفي سنة 291 [904] قتل الحسين بن 
زكرويه في موقعة عظيمة مع الجنود السلطانية وكان يعرف 
بصاحب الشامة. وفي سنة 905[292] وصل بدر الحمامي إلى 
بغداد مع عساكره الذين جهزتهم مصر لقتال القرامطة. فتلقاه أكابر 
(16) تولّى المكتفي الخلافة سنة 289 ه. خلفاً للمعتضد وذلك إلى سنة 295 

(908-902 م) . 


2703 


الدولة بالحفل وخلع عله الخلقة خلعاً كه تقديرا لكات 

وفي سنة 906[293] سار القر امطة إلى دمشق وحاربوا أهلها 
فتغلبوا عليها ودخلوها وقتلوا عدداً لا يحصى من الرجال والنساء. 
ثم نهبوها وانصرفوا إلى البادية. 

وفي سنة 907[294] خرج زكرويه القرمطي من بلاد القطيف 
لمنع الطرق عن الحججاج, فوافى قوافلهم وقاتلهم حتى ظفر بهم 
وأوقع في الحجاج وأحذ جميع ما كان معهم وكانت 
قيمتة6000.000 دينار. وبلغ عدد الذين قتلوا من 
الحججاج 20.000. وجاء الخبر بذلك إلى بغداد فعظم الأمر 7 
المكتفي وعلى جميع المسلمين. ووقع النوح والبكاء في كلّ 
مكان. وانتدب الخليفة جيشاً لملاحقة القرامطة. ولما بلغ زكرويه 
خبر خروج الجيش مال إلى زبالة فعسكر بها. وكانت القافلة 
الثالثة من الحجاج قد تأخرت وفيها معظم الحجاج. فسار زكرويه 
للقائها وكان فيها أكابر السلطنة ومعهم الأموال والخزائن وشمسية 
الخلافة. فوصلوا إلى فيد وبلغهم ما كان من أمر القرامطة. 
فأقاموا ينتظرون عساكر الخليفة ولما أعياهم الانتظار» ساروا 
فالتقوا بالأعداء على الهبير فقاتلوهم يوماً كاملاً إلى الليل» ثم 
عاودوهم في اليوم الثاني» وقد أجهدهم العطش فاستسلموا 
للأعداء.» فوضعوا فيهم السيف ولم يفلت منهم إلا اليسير واخنىا 
الحريم والأموال. فسير المكتفي لقتالهم القائد ويفا ومعه 
الجيوش» وكتب إلى شيبان أن يوافيه بجنوده على ارده فوافاه 
في 22000 فارس. ثم شانوا جهعا لوكاحده البعاة حتى التقوا بهم 
يوم السبت رابع شهر ربيع الأوّل. فاقتتلوا اقتتالاً عنيفاً ان / 

204 


حجز بينهم الليل وأصبحوا في اليوم الثاني على القتال. فنصر الله 
وصيفاً وقتل عامة القرامطة ولص من كان معهم من النساء " 
والأموال. وخلص بعض الجند إلى زكروبه وهو ل فضربه 
على قفاه ثم أسره كما أسر ث خليفته وخواصه وابنه وكاتبه وأقاربه . 
فعاش زكرويه خمسة أيام 358 من الضربة» فشقّوا بطنه وأخرجوا 
أمعاءه وحمل الى بغداد وقتل بقية الأسرى وأحرقت جثثهم وبقي 
من نجا منهم تائهاً في البرّية وماتوا عطشاً. 

وفي سنة 914[301] قتل الحسن بن بهرام الصقلي الخادم 
أبا سعيد الجنابي القرمطي» بعد أن استغوى خلقاً من غلف67 
الأعراب». وغلب على القطيف وهجر وشغل بال الخلفاء وقتل 
آلافاً من الحجيج. فقتله الخادم المذكور في الحمّام لما أراده 
على الفاحشة. شنقاً إلى أن مات» فأراح البلاد والعباد من شره 
وفسقه . 

وفي سئة 303 [916] كاتب الوزير علي بن عيسى القرامطة 
يصالحهم؛ وأطلق لهم ما أرادوا من البيع والشراء. قصد بذلك 
أن جانيم بعد مسل كيرف ارد غاتلتهورمن الخطجع» فأمسكوا 

مدّة. وفي سنة 920[307] هجموا على مديئة البصرة وسبوا وقتلوا 

خلقاً كثيراً. 

وفي سنة 926[313] خرج أبو طاهر في ألف فارس وألف 
راجل يتعرض للحجاج . وكان من جملة الحجاج أبو الهيجاء 
عبد الله بن حمدان وأحمد بن بدر عم السيدة أم المقتدر بالله 29 _ 


(17) عُلْفء مفرده أغلف وهو الذي لم يع الرشد كأن على قلبه غلاقاً. 
(18) مدة خلافة المقتدر: 319-295 ه/ 0 


205 


ومعهما جماعة من الأعيان.ء فأسرهم وانتهب جميع أموالهم 
وأموال الحجاج . وسار بهم إلى هجر. وبعد أشهر أطلق أيا 
الهيجاء وطلب من المقتدر أن يتنازل له عن البصرة والأهواز. 
وذكر ابن حمدان في هذه الواقعة أن القرمطي قتل فيها من 
الرجال 2200 ومن النساء 300» وبقي عنده بهجر 2200 رجل 
و500 امرأة. 


وفي سنة 926[313] خرج الحجاج من بغداد إلى مكة 
ومعهم جعفر بن وفاء في 1000 فارسء فلقيهم القرامطة. 
افناشبوهم القتال. ورجع الناس إلى بغداد ونزل القرامطة على 
الكوفة فقاتلوا أهلها إلى أن تغلبوا عليهم ودخلوا المدينة ونهبوا 
منها ما لا يحصى من الأموال والمتاع. 

ولما اشتدٌ خطب القرامطة على البلاد العربية نزح أهل مكة 
عنها سنة 9271314] اتقاء شرهم ولم يخرج الركب العراقي في 
هذين العامين إلى الحجج. وارتدٌ حجاج خراسان خوفا من 
غاثلء- 


وفي سنة 928[315] جاء أبو طاهر القرمطي في 1500 فارس 

و5000 راجل فأوقد المقتدر لحربهم يوسف بن أبي الساج 

المذكور بعد أن جرح ثم قتله القرمطي في جماعة من قواده. 

وبلغ المقتدر خير هذه الكسرة» فانزعج وعزم على النقلة إلى 
226 


شرقي بغداد خوفاً على حياته. وخرج مؤنس الخادم بالعساكر إلى 
الأنبار وكانوا في 240000 بعد أن جهزهم المقتدر بالف ألف 
دينار. وانضم إليه وهو راكب الطريق أبو الهيجاء عبد الله بن 
حمدان وإخوته وأبو الوليد وأبو العلاء وأبو السرايا في جنودهم 
وأعوانهم. وتقدمهم نصر الحاجب. فأشار أبو الهيجاء على مؤنس 
بقطع القنطرةء فتثاقل عن إجابته. فقال له أبو الهيجاء: أ 
الأستاذ عبجّل بقطعها واقطع لحيتي معها قبل أن يداهمك ما لا 
قبل لك به. فقطعها مؤنس. ثم صبحهم القرمطي سلخ اثني عشر 
ذي القعدة. فأقام بإزائهم يومين ثم تحول إلى الأنبار فلم يتجاسر 
أحد أن يتبعه م ويقول المؤرخون لولا قطع القنطرة اعبرها القرمطي 
وهزم عسكر الخليفة وملك بغداد ولقضى نهائاً على الدولة 
العباسية . 


وأوقع القرمطي في هذه السنة بالأقاليم المجاورة لهم في 
بلاد العرب وحكموا فيهم القتل والسبي والنهب وأخذوا منها كل 
ما أرادوا مما لم يستطع الناس أن يدافعوا عنه. ومما زاد في 
مضاعفة هذه الكوارث » شغب الجند على المقتدر. وفي المحرم 
سنة 9297316 دحل أبو طاهر القرمطي رحبة مالك بن طوق (وهي 
على شاطىء الفرات بين الرقة وبغداد)» بعل حروب طاحنة 
ووضع في أهلها السيف. فبعث إليه أهل قرقيسية يطلبون الأمان 
فأمنهم . وبعث سراياه في الأعراب فقتلوا ونهبوا وسبوا ثم دخل 
قرقيسية ونادى مناديه أن لا يظهر أحد من أهلها نهار فاختفوا في 
0 ا إلى ال م 


2327 


ولما رجع أبو طاهر القرمطي من غزواته هذه بنى له مكاناً 
سمّاه دار الهجرة. ثم أظهر الدعوة إلى من سمّاه المهدي إمام 
الباطنية . وعقب ذلك تفاقم أمرهم وكثر أتباعهم . فتحمس 
المقتدر وندب هارون بن غريب وسير 21219 الم واسط 
لمناجزة من كان بها من القرامطةء» وبعث صافياً لنفس 
المهمة فأوقعم هارون بمن لقيه منهمء وبعث أسرى إلى بغداد 
على الجمال ومعهم 170 ع من رؤوس أعيانهم . وبعد هذا 
الانتصار المعدود اختلف هارون ونازوك على غلام تعشقه سواس 
00 فوقعت بينهما معارك مات فيها خلق كثير. فركب الوزير 

بن مقلة برسالة من الخليفة يأمرهما بالكف عن بعضهم. . فكفوا 

ا 

ولما علم ملك الروم بما نزل بالدولة الكانيةا نك خطرت: 
تجهز في جند كثيف بلغ عدده 000 300 مقاتل لإنزال الضربة 
القاضية على الدولة. فقصد ناحية خلاط. فقتل وسبى ونكل بمن 
لقيه من المسلمين» » ثم صالحه أهل خلاط على عشرة الاف 
دينارء وأمرهم بإخراج المنبر من جامعها وجعل مكانه الصليب 
وأتبغلة كنس . 

وبينا كانت هذه الكوارث المحزنة تقطع نياط الدولة إذ 
بقواد الأتراك من الغلمان أمثال. مؤنس الخادم ونازوك» يجتمعوت 
على خلع المقتدر وإحضار أخيه محمد بن الخليفة المعتضد 
ومبايعته باللخلافة وتلقيبه بالقاهر باللهء وذلك في اليوم الخامس 
عشر من المحرم سنة 930[317]. وبعد أن تم لهم ما أرادوا وقع 
النهب في دار الخلافة,» وصودرت أموال أم المقتدر التي في 


208 


الرصافة واختفى عند أمه. وبعد ثلاثة أيام حضر الجنود وأخرجوا 
المقتدر وحملوه على رقابهم وهم يهتفون له هتافاً حاراً: يا مقتدر 
يا منصور. وذهبوا به إلى قصر الخلافة وبايعوه ثانياً بعد وقائع 
مريعة دارت بين القواد والجند مات فيها نازوك . وخلع محمد 
القاهر وأمنه أخوه المقتدر. 

وفي هذه السنة سي رالمقتدر ركب الحجاج مع منصور 
الديلمي » فوصلوا إلى مكة سالمين» وفيى يوم التروية وافتهم 
جموع القرامطة بقيادة زعيمهم أبي طاهر فقتلوا الحجيج قتلاً 
ذريعاً في فجاج مكة وداخل الحرم. وكان بين القتلى ابن محارب 
أمير مكة. وغزوا البيت. ورفعوا باب الكعبة؛ وطرحوا القتلى في 
بئر زمزم. وجلس أبو طاهر على باب الكعبة والرجال تصرع بين 
يديه والدماء تجري كالسيل وهو ينشد فخورا: 

أنا لله وبالله أنا يخلق الخلق وأفنيهم أنا 

ودخل أحد القرامطة إلى المطاف وهو سكران راكباً فرسهء 
فيال الفرس عند البيت» ثم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره 
ثم اقتلعه. وكانت إقامتهم بمكة أحد عشر يوما ثم ارتدوا إلى 
بلادهم ومعهم الحجر الأسود. ودام علدهم إلى خحلافة المطيع . 
ولخوف الناس من القرامطة تعطلت فريضة الحج حوالى عشر 
سنين أي من سنة 931[318] إلى سنة 938[326] بدخول الغاية . 

وفى سئة 937[325] وافى أبو طاهر القرمطي الكوفة فدخلها 
بظاهر بغداد وبعث برسالة إلى أبي طاهر يحذره عاقبة ما أقدم 


209 


عليه. فلم يغن عنه شيئاً وهرب أهل الكوفة إلى بغداد وحضروا 
يوم النحر للتظاهر بالمسجد الجامع ومنعوا الخطيب من الخطبة 
والصلاة ومعهم الفارون من الديلم وهم يستصرخون ويستغيثون 
ويسبّون الخليفة. وغلقت يومتذ الأسواق والدكاكين وتجمهر 
الناس في المساجد خخوفاً من مباغتة القرامطة واستمرٌوا على ذلك 
أياماً إلى أن سكنت الثائرة ورجع الناس إلى معتادهم . 

وفي سنة 9391327] كتب أبو علي عمر بن يحيى العلوي 
إلى أبي طاهر القرمطي وكان يألفه أن يطلق طريق الحجيج 
ويعطيه لقاء ذلك عن كل جمل خمسة دنانير فأذن له بذلك وح 
الناس آمنين. وهي أوّل مرة أَخَدَ فيها المكس على الحججاج. 

وفي دبيعٍ الأول من السنة اشتدّت على الراضي 0 
في يومين أرطالاً من الدم. فارسل الوزير إلى بجكم© وكا 
بواسط يسأله تقليد ابنه الأصغر فضل ولاية العهد. ثم توفي 
الراضي بعلته تلك وهو آخر خليفة عبّاسي انفرد بتدبير شؤون 
الدولة والمجند. 

وبويع بعده بالخلافة أخوه إبراهيم ولقب بالمثقي . وبعدل 
ولايته اجتمعت العامة في شوال في تظاهرات وهم يتظلمون من 
نزول الديلم معهم في دورهم. فلم يقع لذلك إنكار وغضبت 
العامة ومنعت الإمام من الصلاة وكسرت المنبر فخرج الديلم 
لتفريقهم» فحصلت مقتلة بين الفريقين قتل فيها بشر كثير. 


(19) وهو تركي يفهم العربية .ولا يتكلم بها وكان أمير الأمراء (قائد عام للجند) وله 
ولاية المظالم (المؤلف) . 


300 


0_0 :مط 


وفي سنة 942[330] استوزر المتقي أبا عبد الله البريدي» 
بإشارة من ابن رائق حين رأى انضمام الأتراك إليه واحتاج إلى 
مداراته. وكان في بغداد غلاء عظيم حتى بيع كرّ9© القمح 
ب210 دنانير وأكل الناس الجيف. وخرج الحرم المصون من 
قصر الرصافة في ربيع الآخر إلى الطرقات وهنٌ يصرخن: 
الجوع! الجوع! وخرج الأتراك وتوزون إلى البريدي وكان تواسط 
يسعى في تلافي ما حل بالبلاد من خطوب. فكان خطيبا عليها 
وأعلن ثورته على الخليفة. 

وفيى جمادى الأولى من السنة ركب المتّقي ومعه ابنه أبو 
منصور ومحمد بن رائق والوزير القراريطي والجيش وبين أيديهم 
القرآن في المصاحف لقتال البريدي. واجتمعت الخلائق كيوم 
المحشر على الجسرء فشغل بهم وانخسف» فغرق خلق منهم. 
وأمر ابن رائق بلعن البريدي على المنابر. ثم أقبل أبو الحسن 
علي أخو البريدي إلى بغداد لحرب الخليفة ومعه الترك والقرامطة 
والديلم. فهزمه ودخل المتحالفون بغداد وأكثروا فيها النهب 
والسلب وتحصّن منهم ابن رائق في دارهء فزحف إليه أبو الحسن 
البريدي» وبالرغم من جموعه؛ فقد تعذر عليه دخولهاء إلى أن 
خرج منها. ودخل اخخرون قصر الخلافة وعبثوا فيه بحرمات النساء 
وقتلوا حماتهنَ . ونحرج الخليفة المتقي وابنه هاربين إلى الموصل 
ورافقهما ابن رائق» واستتر الوزير القراريطي. ونزل أبو الحسن 
علي دار ابن رائق. وقلد الشرطة في الجانب الشرقي لتوزون وفي 


(20) الكرٌ: مكيال لأهل العراق. 


301 


الجانب الغربي لأبي منصور أنوشتكين. واشتدٌ الغلاء في البلاد 
حتى ارتفع سعر كر الحنطة إلى 316دينار. ثم حصل خلاف بين 
المتفقين ونشبت حرب بينهم وانصرف توزون إلى الموصل 
وانضم إلى ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن حمدان. وخلع 
المتتقى على الأخير وعلى أخيه الملقب يسيف الدولة خلعاً سنيّة. 
وعاد إلى بغداد بعد مقتل علي بن رائق. وحدثت في تلك الأثناء 
حرب شعواء بين الأتراك والقرامطة انهزم فيها القرامطة شر 
هزيمة . 

وبعد أن استراح المسملون من هجومات الروم وانتعشت 
الخلافة» اشتدّت وطأة ناصر الدولة الحسن بن عبد الله بن 
حمدان: فجعل يضيّق على الخليفة المتقي في نفقاته» واغتصب 
ضياعهء وصادر الدواوين وأخذ الأموال. فكرهه الناس وهاج 
الأمراء على سيف الدولة بن حمدان» وكان بواسط» فهرب منهم 
إلى البريّة وقصد بغداد. ثم سار ناصر الدولة إلى الموصل خائفا 
لهروب أخيه فذهبت داره. واستوزر المتقي علي بن مقلة. وقدم 
أحمد بن بويه لقتال البريدي» فاستأمن إليه جماعة من الديلم. 
وخلع الخليفة المتقي على توزون ولقبه بأمير الأمراء. ثم حصلت 
بينهما وحشة» فعاد توزون إلى واسطء فخاف أهل بغداد على 
أنفسهم » فخرج خلق منهم مع. الحجاج وعبروا إلى الشام ومصر 
ابتعادا عن الفتنة. 

وفي تلك الأثناء ولد لأبي طاهر القرمطئ » فأهدى إليه أبو 
عبد الله البريدي هدايا عظيمة فيها مهد من ذهب مجوهر. وبلغ 
من وهن دولة بني العباس وهوانها على المسلمين أن حجٌ بهم في 

302 


سنة 943[331] القرمطي على مال أخذه منهم. ولما مات في 
سنة 944[332] لم يحج أحد. وفي هذه السنة سيّر توزون من 
واسط أبا جعفر شيرزاد إلى بغداد فاستولى عليها. فخرج المتقي 
بأولاده وعائلته إلى تكريت ومعه الوزيرء فقدم عليه سيف الدولة 
ابن حمدان وأشار إليه بأن يصعد إلى الموصل ليتفقوا على رأي 
فى أمر الخلافة. فقال المتقي: ما على هذا عاهدتموني. 
57 سيف الدولة وأشار على أيه ناصر الدولة بن دان 
بالتتروع ‏ لفثال توزون» ثم لحق به فقاتلوه أياماً حتى هزمهم . 
فكتب المتقي إلى الأخشيدي صاحب مصر يستنجده ويستمدّه 
ثم تحوّل إلى الرقة. وبلغ من انحطاط الأخلاق في ذلك العصر 
المظلم أن ضمن شيرزاد في جملة ما ضمنه لصوصية بغداد لما 
تغلب عليها حمدي اللص (وكان فاتكا جريئا) في الشهر 
ب 25.000 دينار. وكان يكبس بيوت الناس بالمشعل والشمع 
ويأخذ الأموال. ولما تقلد سكورج الديلمي شرطة بغداد قبضص 
عليه فقتله (وهو المعروف في كتب الأدب بلص بغداد أحمد 
الدنف). ودخحل أحمد بن بويه مديئة واسط وهرب أصحاب 
البريدي إلى البصرة. 
وبعد موت القرمطي أبيى طاهر سليمان بن أبي سعيد 
الجنابي » تولّى مكانه ابن أخيه سعيد بن الحسن بن سعيد. وكان 
أمر الباطنية يومئذ ظاهراً في كل مكان. وأمرهم في المغرب 
قائه (20) وهو شرٌ من أبيه. ذكر عنه القاضي عبد الجبار أنه أظهر 


(21) هو القائم بأمر الله بن عبيد الله المهدي» تولى الخلافة الفاطمية في إفريقية من 
سنة 322 ه/ 934 م إلى سنة 334 ه/ 946 م . 


303 


سب الأنبياء وكان مناديه ينادي: «العنوا الغار وما حوى». وأمر 
وبيئهما وفاق تام ولا يتهيّبان إحراق المساجد والمصاحف. 


وفي سنة 948[336] تحرّك القرامطة ولم يحج من العراق 
في هذه السئة أحد. وفي سنة 951[339] سعى المطيع العباسي 
الدى مقدم القرامطة في استرجاع الحجر الأسود إلى مكانه من 
الكعبة» فأعاده مع أبي محمد سثير. وكان الأخشيدي صاحب 
مصر قد دفع فيه 50000 ديئار. وما أجيب إلى ذلكء» فأمر المطيع 
بره إلى مكانه بعد أن فارقه 22 سئة. قدم به إلى مكة سنبر 
المذكور فوضعه بيده وشدّه الصانع بالجصّ. فأعطى المطيع مالا 
وافراً للقرامطة لقاء ذلك. وكان الاحتفال بردّه عظيما حضره 
المنصور العبيدي صاحب إفريقية , 

وفي سئة 9521340] قصد صاحب عمان البصرة لمساعدة 
أبي يعقوب القرمطي فداهمهم الوزير أبو محمد الحسن بن محمد 
المهلبي بحشود من الديلم إلى أن هزمهم واستباح عسكرهم وعاد 
إلى بغداد بالأسرى والغنائم. وفي السنةء بعدما ظفر الوزير 
المهلبي بقوم من أنصار التناسخية» فيهم شاب يزعم أن روح 
على بن أبي طالب التقلت فيهء وامرأة تزعم أن روح فاطمة 
التقلت إليهاء وآخر يزعم أنه جبريل. ولما علم بخبرهم 





(22) تولى المنصور بالله الخلافة بعد أبيه القائم بأمر الله من 334 ه/946م إلى 
1ه/953 م. ولم يشر أي مصدر إلى أن المنصور قد حضربمكة حفل 
إرجاع الحجر الأسود, 


304 


معزٌ الدولة بن بويه أمر بإطلاقهم لتشيّع كان فيه وميل شديد 
للرفض . 

وفي سنة 960[349] جرت وقائع هائلة في بنداد بين أهل 
السنة والشيعة تعطلت بسببها الصلوات في الم .اجد ولم يبق 
سوى جامع براثة الذي كان يجتمع فيه الرافضة. وكان مثار هذه 
الفتنة من بني هاشم على الملك. فاعتقلهم معرٌ الدولة بن بويه 
فسكنت الثائرة. ثم عاد الشيعة في سنة 962[351] لإثارة الخواطر 
في بغداد. فكتبوا على أبواب المساجد لعن معاوية» ولعن من 
غصب حقٌ فاطمة ولعن من منع الحسين أن يدفن مع جده. ثم 
محيت هذه الكتابة بالليل» فأراد معرٌ الدولة إعادتها. فأشار عليه 
الوزير المهلبي أن يكتب مكان ما محي: لعن الظالمين لآل 
الرسول. والتصريح بلعن معاوية فقطء ففعلوا. وألزم معز الدولة 
ابن بويه أهل المدن بغلق الأسواق ومنع الطباخين من الطبخ يوم 
عاشوراء» ونصب القم ب في الأسواق وعلق المسوح عليها وأمر 
بإخراج النساء منثورات الشعور يقمن المآتم على الحسينء إثارة 
للفتنة بين المسلمين وتحريكا للحزازات. فوقعت بسبب ذلك وقائع 
عظيمة بين أهل السنة والرافضة سنة 964[353] وجُرح خلق من 
الفريقين. 

وفي سنة 966[355]. وهي السئة التي تقلد فيها كافور إمارة 
مصر بالأصالة. خرج بنو سليم على ركب الحجاج وكان فيه تلق 
من أهل المغرب ومصر والشام يشتمل على نحو 000 20 جمل» 
معهم الأمتعة والذهب. وأخذ من الخواتيمي» قاضي طرسوس» 
وحده 120.000 دينار. ومما زاد في ارتباك أحوال المسلمين أن 


305 


متولي | إنطاكية محمد بن موسى الصليحي أخذ الأموال المودوعة 
فى الخزائن وخرج بها كأنه يقصد التوجه إلى سيف الدولة بن 
حمدان؛ وكان عازماً على تسليم أنطاكية إلى الروم. فلم يمكنه 
ذلك لاجتماع أهل البلد على ضبطها. فخشي أن يرفع -خبره إلى 
سيف الدولة فيقضي عليهء فهرب بالأموال ودخل بلاد الروم 
مرتةاً. 
لا ريب أن هذه الوقائع الأسيفة تدلّ بجملتها على منتهى 
الانحطاط الاجتماعي والسياسي الذي وصل إليه المسلمون في 
ذلك العصر المظلم . ١‏ 


4 آثار الفرق الباطئية في العصر الحديث 
هل انقرضت الفرق الهدامة في غضون الانقلابات التي تلتها؟ 

لم تنقرض تلك الفرق من بلاد المسلمين. وإنما تغيرت 
صورها في جهات دون أخرى. وكيف تنقرض وهي النتي داهمت 
البلاد الإسلامية بكل ما لابسها من نزاع وانشقاق؟ وقد تالفت منها 
حكومات لا عداد لهاء وانبثقت عنها عقائد وأداب لم تنقطع 
رواسبها إلى يومنا الحاضر. وليس من السهل زوالها بغير الترميم 
الاجتماعي ونقض الماضي الكريه بما فيه» وتتجديد البناء القومي 
بالأجهزة العلمية المعدّة للنهوض بالقوميات على الطريقة الفنية 
الحديئة.» وإصلاح نظام التعليم بجميع فروعه ودرجاته من 
الابتدائي إلى العالي» بصورة تكفل تغذية شباب الأجيال القادمة 
بالإسلام الصحيحء » على ضوء التاريخ» وتفد المذاهب الدينية 
والسياسية التي ظهرت على حواشيه. نقدا سليماً نزيهاً من 


306 


الغرض لا مدخل فيه للأهواءء يكشف عن هويتها ويجلي 
غوامضها وأسرارها. يومئذء ويومئذ فقطء يعلم المسلمون يقيناً 
بأن الباطنية في جميع صورها وأشكالها الخادعة. من سبائية 
وشيعة وزنادقة وملاحدة وقرامطة. هي شر ما مني به الإسلام في 
حياته» بل هي اللّقاح لجميع العلل التي داهمت المسلمين في 
المشرق والمغرب وأسرعت بزوال الملك من أيديهم وأقصت عنه 
العرب . 

ولا ريب في أن ما يجده المسلمون اليوم في أنفسهم من 
أدواء الرخاوة والاستساام: والاعراض عن الأخذ بكل جديد نافع 
ليس إلا من ذلك الأثر الفبّاك . وحسبنا أن تكون من عوارضه تلك 
الطرة ق الصوفية”© النابية عن روح الإسلام الناشبة في كل مكان» - 
لبت بدور الفشل والضعف في عزائم المسلمين ومداركهم, 
وحملهم على الكسل والجمود والتواكل والاستسلام؛ والتماس 
المدد من غير مصادره المعلومة؛ والاعتماد على رفات الأموات 
الذين لا يعرفهم التاريخ ولم يحمل لهم ذكراً. 

وكذا القول بالجبر المحضء» والشفاعات, واتتخاذ الوسطاء 
بين الخالق والمخلوق. والالتجاء إليهم» إلى غير ذلك من 
التعاليم الباطلة التي لا تثّفق في قليل ولا كثير وطبيعة الإسلام 
القائمة على النشاط في البناء والتجديد لا الهدم والتخريب 
والاستسلام . 


التحرر في فى القران», دار ل ا بيروت م 


307 


وممًا لا شك فيه أن هذه الطرق عبارة عن منظمات الية 
اخترعها دعاة الباطئية الشعوبية الحاقدون الحاتقون على الإسلام» 
لتكون أداة مسخّرة لكل هادم يريد النكاية بالمسلمين. وقد ألفاها 
المستعمرون كما هي من عهد تأسيسها آلة فالة لتوهين 
المجتمعات التي يريدون الاستيلاء عليها ومطيّة ذلولاً يركبونها 
لأغراضهم . فإن استيلاء إنجلترا على السودان المصري بعد 
سحق المهدويةء إنما كان بإعانة المرغنية. وكذا استيلاء فرنسا 
على السودان الغربي» لم يكن بمضاء أسلحتها بل بكرامات 
التيجانية! وسياق أمثال هذه الشواهد _وهي قليل من كثير 
يكفينا تفسير معنى قيام هذه الطرق بالدعاوة إلى الله وهم إنما 
يدعون لعبادة القوة الغاشمة المعدّة لمحو الإسلام على طيلة 
القفرون. 

وعلاوة على وجود هذه الطرق الباطنية الملتصقة بالدين 
التصاق الطفيليّات بالأجسام الغضة اللطيفةء فإن بقايا تلك الفرق 
والملل التي ذكرنا لمامة منهاء لم تزل ظاهرة في بلاد فارس 
والعراق والهندء وعلى سواحل نهر السند وحْمَان والبحرين وبقاع 
من اليمنء وجبل النصيرية وجبلة من ناحية اللاذقية» وسليمية 
ونصياف وبعلبك وحوران ودمشق في سوريا وعكة وحيفا في 
فلسطين. غير أن هؤلاء لا يتظاهرون بأحوالهم السريّة ولا 
بمعتقداتهم الباطنية» إنما يطلقون على أنفسهم أسماء مختلفة بين 
اثني عشرية وأصولية وشيخية وعلوية ودرزية إلى غيرذلك. وهؤلاء 
جميعا يعتقدون وجود عنصر الألوهية في علي بن أبي طالب. 
ويمكن أن يستثنى منهم الذين في دمشق. كما قال ياقوت عنهم 

308 


في معجمه : فإنهم يتظاهرون بأنهم من أهل السنة والجماعة. 
وإنما يبدون ميلا خفيفا إلى مذهب الشيعة الاثني عشرية في 
تعظيم آل البيت وأيمّتهم. وينقلون كلامهم للتعمية والتضليل 
وينتسبون إلى المذهب الشافعى» وإذا وجدوا بين المسلمين 

وبالجملة فإن فرق الباطنية كلها إذا وجد أتباعها في أي 
مكان تحت حكم المسلمين» فإنهم يتظاهرون بالإسلام ويخفون 
ما في أنفسهم. عكس الذين يوجدون منهم في بلاد تحت حكم 
الأجانب. وواقع الأمر أنهم ليسوا مسلمين» وهم يدينون بالطاعة 
' العمياء لرؤساء روحيّين عديدين. ولكل طائفة منهم رئيس 
معروف. وكثيرون منهم يخضعون لاآغة خان الفارسي المتهند. 
وله عليهم عوائد مقرّرة ونذور يوفون له بها كل سنة» وهو يرسل 
لهم لقاء ذلك مواد تبركية «الخميرة» يدخلونها في ماكلهم 
ومشاربهم كما يفعل ذلك زملاؤهم أصحاب الطرق الصوفية. 
والأصل فيها كما لا يخفى واحدء وهو العشاء الرباني الذي 
استحال في بعض جسد الآلهة «الجعليين» خبزا وبعضه خمرأء 
وبتخذون منه خميرة البركة. 

5 انتشار الدعوة الشيعية فى المغرب 
وسقوط الدولة الأغلبيّة 

دخول دعاة الباطنية إلى إفريقية: 

مررنا مرا حفيفاً بالأدوار السيّئة التي تعاقبت على الإسلام 
في مجرى حياته والتي قامت بها الفرق الهدامة في أقطار إسلامية 
كثيرة» في خراسان وفارس والأهواز والبحرين والعراق والشام 

309 


ومصرء لكي ندع منها ولو صورة مجملة في ذهن القارىءء يدرك 
بها جسامة الخطر الذي سينزل بإفريقية من دححول هؤلاء الدعاة 
فيها وتغلغلهم بين نبّاتها على ما هي عليه من سذاجة وقلّة بصر 
بالعواقب» ولا بمكائد الدساسين التي ينصبونها للأمم لإيقاع 
الهزيمة في صفوفها أثناء المعارك الدينية والسياسية العظيمة» إلى 
غير ذلك مما يدبّرون وراء عين الناس لتقويض الأسس المحكمة 
التي قام عليها ملك العرب وهو لن يقوم بدونها. فلا غرابة إذن 
إذا شاهدنا معاول الهدم والتخريب منتشرة في كل بقعة وجد فيها 
الإسلام وساد فيها حكم العرب من كشغر إلى الأندلس طول ومن 
خوارزم إلى شواطىء ء إفزيقيا عرضاً. ورأينا دعاة جبابرة يندسون 
بين الأقوام هنا وهناك ويعملون جادين بلا فتور ولا وناء لقلب 
أوضاع تلك البلاد وتخليصها من حكم العرب. 
فقد رأينا الفتنة الملعونة تدبٌ من مكان إلى مكان منذ أن 
ظهر عبد الله بن سبأ اليهودي في بلاد الإسلام وهي تنتقل معه أنى 
شاد فى اليمن والعراق والحجاز ومصر. وشاهدنا السبائية تقذف 
كموي في الخوارج والشيعة, وهي تبدو مع كل ثورة تتقد ضدّ 
الحكم العربي في عهدي الأمويّين والعباسيين. ولما لقيت من 
صولة العرب ما يلقاه الباطل المهزوم من الحق القائم استترت عن 
الأنظار ثم بدت تحت طاقية الإخفاء في صور الشياطين تعمل في 
السرائر والقلوب. ولها دعاة جوّابون في الأقطار ينفثون مكائدهم 
حتى وصلوا إلى إفريقية» فجرت فيها تلك المعارك الطاحنة بين 


الحكم العربي وثوار البربر. واصطبغ أديمها بالنجيع0 


(24) النجيع هو ما كان مائلاً إلى السواد من الدم. 





210 


الأحمرالبريء من الأندلس إلى طرابلس . ثم يتلو ذلك الانقلاب 
الذي أرادوهء وتنفصل إفريقية عن حكم الآمويين ثم تظهر أديان 
بريرية جديدة. وهذا كان بيت قصيدهم» والهدف الذي يريشون 
سهامهم إليه . ثم يرتفع الستار عن هذه المأساة. فشرى 
عبد الرحمن بن رستم الفارسي متغمساً في زمرة الأباضيين» وهو 
لا يلبث غير قليل حتى يصير قائد الجنود ثم المتوثبة على العرب 
باسم الدين. ثم لا يطول الأمر حتى نراه يتسلّق عرش الإمارة 
الأباضية في تاهرت ويؤسس نظاماً أرستقراطياً للأباضية في 
عائلته. وأبصرنا في أثره على ضوء الحوادث آخرين من فارس 
ينحشرون في جنود العباسيّين» بحيث ما كادوا يطأون بلاد إفريقية 
حتى .انقلبوا إلى عصاة مغيرين ينزعون إلى الثورة وشقٌّ عصا 
الطاعة في وجوه الأمراء الدين جاؤوا بهم لتأييدهم وإقرارهم في 
مساند الحكم. وهم لا يكلون ولا يملون في تحقيق تلك الأآمنية 
. الفظيعة التي انتدبوا إليها. 
أبو عبد الله الصنعاني: 1 ش 

ولما تمهّدت الأمور لنزول الفاجعة الكبرى رأينا رجلا داهية 
ذا علم وفصاحة يأتي من مكان بعيد لتسيير هذا الانقلاب وهو أبو 
عبد الله الصنعاني 9 رأس دعاة الباطنية» يوفده المركز الأعلى 
للمؤامرات بمال جزيل لابتياع الذمم وشراء الضمائر التي لها بقية 


(25) اسمه الحقيقي الحسين بن أحمد بن محمد بن زكرياء الصئعانى المولد 
الكوفي النشأة والمربى . تلقى مذهبه وطرائقه السياسية عن أستاذه ابن حوشب 
وتخرج. على يديه ثم ألحقه بخدمة الباطنية» فتبغ فيها وبرع بروعاً لا يدانيه 
فيه أحد (المؤلف). 


311 


من طهر وآثار من دين. ولإخفاء مهمته رأى من الحكمة قبل 
قدومه إلى إفريقية أن يذهب إلى بلاد الحجاز ليبدو فيها في 
مسوح الناسك المتبتّل من أهل التقى والدين بين الحجاج 
الأفارقة. ثم يتصل بهم ويطلع على آرائهم ومذاهبهم. فيشهد 
الموسم. وعندما تقع عينه على سراة من أهل إفريقية» يحتال 
على مخالطتهم والتقرّب إليهم. وما أيسر اتصال الغريب بالغريب 
فى بلد المناسك: والعبادة. وكان هناك عشرة رجال من بطن كتامة 
ملتفّين على شيخ كبير منهم. فيتجاهلهم ويأخذ في التساؤل عن 
بلادهم وهم يجيبونه على كل سؤال بسذاجة الرجل البدائي 
السليم . ولما سألهم عن مذهبهم ‏ وهو هدفه ‏ صدقوه. وكانوا 
من الخوارج الأباضية» فدخل عليهم من هذه الناحية. وما زال 
يغريهم ويستدرجهم بما أوتي من فضل اللسان وحلاوة البيان 
والعلم بالجدل؛ إلى أن سحرهم وخلب عقولهم . 


ولما حان رحيلهم سألوه عن شأنه وأين يريد فأوهمهم 
| ضلة أنه من أهل العراق وأنه كان يخدم السلطان. ثم رأى أن 
هذه الخدمة ليست في شيء من البر والتقوى؟! فتركها. وصار 
يطلب عيش الكفاف من طريق الحلال. ولم ير لذلك وجها غير 
الانقطاع لتعليم الصبيان. وأنه راحل إلى مصر يبحث لنفسه على 
عمل. فقالوا له: ونحن ذاهبون إليها ورغبوا إليه أن يكون في 
صحبتهم. فسار معهم في الطريق وهو يحدثهم ويغمز إلبهمٍ 
بالكلام عن العدل والظلم» وفساد أحوال ولاة المسلمين. جريا 
على طريقة الخوارج» إلى أن أشربت قلوبهم محبته. فرغبوا إليه 
المسير إلى بلادهم ليعلم صبيانهم . فاعتذر لهم ببعد الشقة 
312 


ووعدهم أنه إذا لم يظفر بعمل في مصر ربما صاحبهم إلى 
القيروان09 . 

فلما وصلوا إلى مصر غاب عنهم أبو عبد الله الصنعاني كأنه 
يطلب حاجتهء غير أن عينه كانت عليهم ترقبهم. ثم أنه رجع 
إليهم وقال لهم: لم أجد بهذه البلاد بغيتي. فرغبوا إليه أن 
يصحبهمء فأنعم لهم بذلك وصاحبهم إلى القيروان. فراودوه 
على أن يذهب معهم إلى بلادهم وضمنوا له ما أراد من تعليم 
صبيانهم . فقال لهم لا بد لي من الإقامة بالقيروان» لعلّي أظفر 
بحاجتي. فإن اتفقت لي والآ نهضت إليكم. وكان شيخهم 
أحرص الناس عليه. وأكرمهم له. فوصف له منزله وموضعه من 
كتامة. ثم فارقوه وكأنهم فارقوا أرواحهمء وغادروه مقيماً 
بالقيروان. 

أقام هذا الداعية بالقيروان مدّة يتسقط أخبارها ويتعرّف 
أحوال القبائل وقوّات الدولة» وميول الناس. حتى صح عنده أنه 
ليس يومئذ في قبائل إفريقية أكثر عددا وأصلب شوكة؛ وأصعب 
منالاً على الحكومة من كتامة . عند ذلك أسرع إلى صاحبه الشيخ 
الكتامى . 


دخول أبي عبد الله الصنعاني إلى بلاد كتامة”: 
فركب الطريق حتى إذا بلغ إيكجان0) قصد المسجد وفيه 


)26 ابن الأثيرء الكامل. ج7 ص 24-23 وابن عذاري» البيان ج 1 ص 167-166 . 
(27) ابن الأثين نفس المرجع » ج 7 ص 25. 
(28) هي قريبة قريبة من سطيف كان يسميها أبو عبد الله الشيعي دار الهجرة 


(المؤلف). 
313 


معلّم بربري يعلم الصبيان. فتلقاه المعلم بالترحاب» وجعل يطيل 
النظر إليه فاسترابه أبو عبد الله الصنعاني . فسأل المعلم ععما رابه 
من أمره. فذكر له أن بعض كهنة كتامة كان يقول: ترون الحرب 
إذا جاءكم الرجل الشرقي صاحب البغلة الشهباء. فلما رأيتك 
تذكرت قوله. فأثلجت هذه الكلمات صدر أبي عبد الله 
وضاعفت عزمه على أمره. ولما دنا وقت الظهر أذن المعلم. 
فخرج الشيخ إلى المسجد» فرأى أبا عبد الله فعانقه وسلّم عليه . 

ولما هم المعلم بالدخول إلى المحراب» منعه الشيخ وقدّم 
أبا عبد الله . فلما قضيت الصلاة أدخله منزله وبالغ في تكريمه. 
وخلا إلى أن حانت صلاة العصر. فخرج معه إلى المسجد وقلمه 
إلى الصلاةء فاستراب من فعله المعلم وترك المسجد والتعليم 
فصار أبو عبد الله إماماً للقرية ومعلماً للضبيان. وأجهد نفسه في 
تعليمهم حتى أثمرت نتائجه في مدة قصيرة. فجمع له اباؤهم 
أربعين ديناراً. وزاد عليها الشيخ شيئاً من عنده وأتى بها إلى 
الداعية. فَرَدّها إليه وبالغ في الاعتذارء ومدٌ يده إلى كيس كان 
إلى جنبه وصبٌ منه 500 ديئار وقال لصاحبه: الآن حصحص 
الحق . أنا غنيٌ عن الأجرة ولا حاجة لي بمالكم» جثتكم لتأسيس 
دولة» لا لتعليم الصبيان! والأمر ما أظهرك عليه. 

فنحن أنصار البيت جاءتنا الرواية عنكم يا أهل كتامة أنكم 
أنتم أصحاب دعوتنا والمدلّون بحجّتنا والمقيمون لدولتنا. وعلى 
يديكم سيظهر الإمام العادل» ويفتتح بكم الدنيا. فيجمع لكم 
خيرها ونعيم الآخرة. 

ولما سمع الشيخ هذه الكلمات الخلابة من فم داعية 


3214 


الباطئية قال: إني راغب فيما رغبتني فيه وتدعوني إليه وسأبذل 
فيما تأمرني به مهجتي ومالي ومن تبعني» وستجدنا إن شاء الله 
أطوع لك من يدك فمر بما شئت إني لك ممتثل. 

فقال له أبو عبد الله : ادع لي الخاصة من بني عمومتك 
الأقرب فالأقرب . فدعا الشيخ قرابته وخلصاءه من خاضته فأفضى 
إليهم برسالته. وحرضهم على إجابة دعوته. فامتثلوا إليه 
جميعاً 9©, 

ولما دنا رمضان, قال الداعية للشيخ: إن رمضان قد أقبل 
ومذهب آل البيت الذي أخذتموه عنى لا يجيز صلاة التراويح» 
لأنها ليست من سنن الرسول وإنما هي من أثر عمر بن الخطاب. 
وسأتركها وأطيل القراءة في صلاة العشاء الأخيرة وأقرأ بالطوال 
المفضّل» فيكون ذلك عوضاً عن القيام للتراويح. فساعفه الشيخ 
على ذلك وقال له: أنا طيّع لك فافعل ما تريد. فبلغ ذلك مشائخ 
كتامة فحدثوا به فيما بينهم وأنكروه. فأقبل عليه أخوه في طائفة 
منهم » وقال: ما لك يا أخي ولهذا الشرقي الذي أفسد عليك 
دينك. وغيّر عقيدتك وأبدل مذهبك؟ فقال له الشيخ: ما لك 
ولهذا! أنا أدعوك للأمر الذي دخلت فيه فإما أن تقلّدني وإما أن لا 
تلقاني بإنكار وذم لمن بلوته وخبرت فضله ودينه. فانصرف عنه 
أخوه متضدا +رتخلفة لديه الآخرون» فأخذ يصف لهم أبا عبد الله 
بصفات مكنت محيّته من قلوبهم وأوقرها بتعظيمه. ثم أخرجه 
إليهم وقال له: كلّمهم. فجعل يحدثهم ويطيبهم إلى أن سحر 


(29) ابن عذاري» ج1: ص 170. 


315 


عقولهم وخلب نفوسهم. ولم يبرحوا مكانهم حتى دخلوا في 
0 ثم د أخحوه الفيخ وذكر من فضل معلم أولاد (وكان 
خخارجيًا متورعا) وما تحلى به من سمات الدين والتقوى والفضل 
غلب صاحبه تبعه الناس. فتواعد الأخوان على ذلك. ولكن كان 
الشيخ يضمر في نفسه شِرَاً لأخيه. 
ممن واطئوه على تأييد الباطنية وقال لهم: إذا نحن اجتمعنا 
انقسموا إلى فريقين فريق منكم يضرب على خيمة أخي» وفريق 
آخر يعلونه بالسيوف عند خروجه. فأجابوه إلى ذلك. ولما خرج 
خبطوه بأشفار سيوفهم وتركوه عقيرً©©. فأظهر الشيخ جزعا على 
أخيه كأنه لا علم له بتدبير هذه المؤامرة الأثيمة» ثم سكت وقبل 
عزاء الناس في أخيه. وانتهز فرصة إقبال المعزّْين لأخذ العهود 
والمواثيق عليهم بالبيعة» وذبح الذبائح وصنع الطعام. فأكل 
الناس هنيئاً مريئاً وبايعوا. وحسب أمثالهم أن يفعلوا ذلك ويقبلوا 
على طاعة رجل مجهول لقاء أكلة دسمة» يهدر فيها دم بريء. 
فاجتمع للصنعاني بهذه الحيلة خلق كثير. ولكن شيخ كتامة أقام 
في حرب مع قومه وبني عمه مدة سبع سنين إلى أن طوع القبائل 
كلها وحملها على مذهب التشريق9©. 

ولما دنا أجل شيخ كتامة جمع قرابته وبني عمه وقال لهم : 





(30) العقير هو الذي يباغته الخوف فلا يستطيع أن يتقدم أو يتأخر. 
(31) كذا أسماه البربر نظرأ لنسبته لرجل شرقي (المؤلف) . 


316 


أوصيكم بهذا الرجل أن لا تختلفوا عليه واسمعوا له وأطيعوه, فإنه 
سيملككم رقاب الدنيا. وأوصاه بأولاده ثم قضى ندحبة . 

فالتزمت كتامة بهذه الوصية طاعة أبي عبد الله الصنعاني. 
ودخلت منها أفخاذ كثيرة في دعوثه . فاتخل لهم ديواناً نظم به 
أشتاتهم ثم ألزمهم التجنيد. وقال: ما أدعوكم لنفسي ولكنني 
أدعوكم للإمام المعصوم من آل البيت الذي من صفته ونعته كيت 
وكيت» وذكر لهم من خوارقه وكراماته ما أذهلهم واسترق آلبابهم. 
وما أيسر استرقاق ألباب البسطاء والسذّجء حين يتكلم لهم 
الدجالون على شرى الكرامات والخوارق! . 


الرأي القاطع في الداعية الصنعاني: 
يقول ابن عذاري المراكشي إن الداعية أيا عبد الله 
الصنعاني كان. يعتقد بصدق ما يقول في عبيد الله المهدي اعتقاداً 
جازماً لا مرية فيه إذ لم يره قبل ذلك. وإنما كان يتلقى أخباره 
من شيوخ الشيعة» وللخبر مع حسن الاعتقاد تأثير في النفس. ولا 
مانع من ذلك لو كان الداعية من غلاة الشيعة الإمامية» ولم يكن 
باطنياً يدعو لإمام من آل البيت. ويجوز أن يكون غير ذلك لأن 
من المستبعد على رجل داهية خبير بالأمور أن يجهل سر الدعوة 
التي يقوم بها وحال الشخص الذي يدعو إليه. وإنما كان داعيته 
والداعي لأي أمر من الأمور يستبيح لنفسه كل شيء. حتى الكذب 
واختلاق الأسانيد. وهذا معروف من أصول الديانة عند الشيعة» 
وذلك للبرهئة على صدق ما يدعون إليه. ولذلك أشباه ونظائر في 
مذاهبهم . 
327 


وكيفما كان الأمرء فقد أمكن لهذا الرجل القدير أن يقتاد 
البربر من أنوفهم ويستصفيهم لدعوته وهو ليس منهمء وغريب عن 
ديارهم , وعلى غير مذهبهم في الدين والسياسة. ثم ينازل بهم 
أقوى الممالك الإسلامية في عهده ويقتلع ملوكها الشم من 
عروشهم كما يقتلم المزارع تلك النباتات الطفيلية من مزارعه. 
وهي جرأة خارقة تدلٌ على قوة حيوية الرجل» ويقظته وبصره 
بالأمورء وأنه سيسوس عصره بحقٌّ وحقيق . 
إعداد الجيوش الكتامية للحرب: 

لما وثق أبو عبد الله الصنعاني بكتامة أخذ يدعوها إلى 
الاحتشاد. وكان حشده إياها كما حكاه ابن عذاري المراكشي» 
أن يكتب إلى رؤساء القبائل وهم يحشدون من يليهم طاعة له 
ورغبة فيه. وكان لا يزيد في كتابه إليهم عن أن يقول: إن الموعد 
يوم كذا في موضع كذا ويصرخ صارخ بين يديه: حرام على من 
تخلّف, فلا يتخلّف عنه أحد من كتامة. فاجتمع إليه بهذه 
الطريقة ما لا يحصى كثرةء ثم خرج بهم لقتال جيش الأغالبة 
على كبونة62 , وكان على قيادتهم كما قلنا إبراهيم بن حبشي 
التميمي. فوقعت بينهم ملحمة عظيمة» ذكر عنها المؤرخون: 
أنهم تطاعنوا فيها بالرماح حتى تقصفت, وتجالدوا بالسيوف حتى 
تكسّرت»ء ودامت المعركة حامية من أول النهار إلى الليل . ثم انهزم 
إبراهيم واستحر القتال أصحابه. ولولا شدّة الغسق» واشتغال 
كتامة بالغنائم والتقاط الأموال وإحراز العدد من الأسلحة والسروج 


(32) وفي رواية أخخترى «كيونة). ويحتمل أن تكون المعركة قد جرت في رجب 
2/ ماي جوان 905. (انظر محمد الطالبي. المرجع السابق ‏ ص 711). 


318 


واللجم والخيل وأنواع الأمتعة لما نجا من عساكر الأغالبة 
أحد63 , 
سقوط الأغالبة: 

[وبعد هذا الانتصار أخذ أبو عبد الله الصنعاني في فتح 
إفريقية» فاستولى على ملنها الواحدة تلو الأخرى. وعند ذلك 
وه إليه زيادة الله مع عمّه إبراهيم بن الأغلب جيشاً عدّته أربعون 
ألف مقاتل. فهزمهم أبو عبدالله في أحواز الأربس 
سنة 296 ه/ 909 م. ولما بلغ زيادة الله خبر هذه الهزيمة تحقّق 
من زوال دولته» فجمع ماله وآل بيته وخرج من رقادة ليلة 
الإثنين26 جمادى الثانية من السئة (18 مارس 909م) وقصد 
المشرق. 

فأقبل أبو عبد الله الصنعاني على القيروان ودخلها بجنوده. 
وبعد أن وطد الأمور تو.ءه إلى سجلماسة بالمغرب الأقصىء فأنقذ 
عبيد الله المهدي الذي كان معتقلاً هناك وسلّم إليه مقاليد 


الحكم] . 


'33) هنا ينتهي المخطوط . ولكي لا يبقى النص مبتورأ رأيتا من الفائدة أن نضيف 
إليه ملخصاً للأحداث التي أفضت إلى سقوط الدولة الأغلبية 0 الدولة 
العبيدة في سئة 296 ه/909 م. 


232109 


ملحق 


صفحات من تاريخ 
الدولة العبيدية 


وم م 


321 


1 - عبيد الله المهدى 


يقال إِنّه أبو محمد عبيد الله ب بن الحسن بن علي بن محمد 
ابن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب. 
وكان مولده بسلميّة9©. وقيل .ببغداد سنة 260 [874] واستقل, 
بالملك سنة 297 [910ج. وكان جميلا مهيباً عالماً بكلّ فنّ عارفاً 
بالسياسة وتدبير المملكة. 


قدم المهدي إلى القيروان في جيش يبلغ مائتي ألف بين 
فارس وراجل ربيع سنة 297 01 فبايعه أهل القيروان البيعة 
العامة واستلم زمام الدولة ود تلقب بأمير المؤمئين. 

وبظهور الدولة العبيدية © انقرضت إمارة بشي مدرار من 


(1) تذكر المصادر الشيعية أن عبيد الله المهدي قد ولد بمدينة عسكر كرم من 
خوزستان دثم إن والده انتقل به إلى سلمية؛ وفيها كان منشوّه» (انظر الداعي 
إدريس؛ كتاب عيونت الأخبار» القسم 0 تحقيق محمد اليعلاوي» دار 
الغرب الإسلامي 1985 ص 143) . 

(2) فرق المؤرخون بين «العبيديين» ودالفاطميين»» وإن كانت الدولة واحدة فأاطلقوا 3 


3203 


سجلماسة» بعد أن استقامت مائتين وستين سنة. وانقرضت أيضاً 
إمارة بني رستم من تاهرت بعد أن دامت 130 سنة وسقطت دولة 
بنى الأغلب بعد أن حكمت 112 سنة ودولة الأدارسة بالمغرب 
سنة 305 [918]. 


2- ترجمة أبي يزيد مَخُلّد بن كيداد 
أصله من قبيلة زناتة وكان مقام أبيه بمديئة توزرء ثم انتقل 
إلى السودان فولد له هناك أبو يزيد ولما شبٌ قدم به إلى المغرب 
فتعلم به القرآن العظيم وخالط جماعة من طائفة النكارية وأخذ 
عنهم مذهبهم المتمثل في تكفير أهل السنة واستباحة أموالهم 
ودمائهم . وأوّل ظهوره كان يعلّم أولاد المسلمين بمدينة تقيوس 
[توزر] وكان يلبس جبّة صوف وعلى رأسه قلنسوة” غوف وفي 


0 


عنقه سبحة وكان يدعو الناس إلى الخروج على الطاعة سرأ في 
أيام المهدي إلى أن صارت له جماعة يعظمونه ويجلونه ويعملون 
برأيه . ولم يزل على ذلك إلى أن اشتدت شكيمته وقويت شوكته 
فنشر غاراته في بلاد البربر. وفي أيام القائم © عظم أمره وأفسد 
البلاد وحاصر باغاية وقسطيلية وفتح مرماجنة وأهدى له أهلها 
حماراً أشهب© كان يركبه وبه دخل إفريقية ونهب مديئة 
الأريس©, ففرٌ الناس إلى جامعها فقتلهم فيه صبراً وافتض فيه 


-- الاسم الأول على أمراء هذه الأسرة المتولّين بإفريقية وخصصوا التعريف الثاني 
بمن تولى منهم الخلافة بمصر. (ح.ح. عبد الوهاب). 

(3) مدة خلافة القائم: من سنة 322ه/934م إلى سنة 334ه/946م. 

(4) ولذلك عرف أبو يزيد ياسم «وصاحب الحمان. 

(5) وذلك في سنة 2ه /944م : 


324 


أصحابه الأبكار وفعل بهم ما لم يفعله إنسان له ذمّة ووجدان. 
فأرسل القائم جيشاً مع مولاه بشر الفتى9) لحراسة بلاد باج 
فبلغ ذلك إلى أبي يزيدء فرحل إليه وجعل كلما مرّ على مكان 
أفسده وسبى حريمه والتقى مع بشر فهزمه بشر أوَلاْ ثم عاوده أبو 
يزيد القتال ثانياً» فانهزم بشر وفرٌ إلى مدينة تونس . ودخل أبويزيد 
باجه بالسيف وأباحها لجموعه ثلاثاً وحرق ديارها وسبى حريمها 
وعبث بالأطفال الرضع وفعل بأهلها الأفاعيل. فخافته جميع 
القبائل وأتوه طوعاً وكرهاً. وساق جيشاً على بشر وهو بتونس 
فخرج إليه بشر بالتونسيين وهزمه. ووقعت فتنة بتونس فكاتب 
أهلها أبا يزيدء فأقدم وولّى عليهم رجلا منهم ونزل أبو يزيد 
بالفحص واقتتل مع الفتى بشر على هرقلة فانهزم عسكر أبي يزيد 
وقتل منهم أربعة آلاف وأسر خمسمائة. فأنفذهم إلى المهدية. 
ورجع أبو يزيد فجمع جموعاً أخرى وانصرف إلى القيروان 
وعسكر بالموضع المعروف منهابالحريوية. فاقتتل مع طلاشع 
الكتاميين فهزمهم إلى رقادة ونزل أبو يزيد على أربعة أميال من 
القيروان7 . 

ومن الغد تحول إلى شرقي رقادة في مائة ألف بين فارس 
وراجل وزحف إلى القيروان فاقتتل مع أهلها فهزمهم. ودخل 
البربر إلى المديئة فنهبوا وأفسدوا. ونزل بعد ذلك في رقادة وخرج 
شيوخ القيروان وطلبوا منه الأمان فقال: هلا طلبتم قبل اليوم» 
فاعتذروا له بمطلهم. وعسكره مع ذلك يشتغلون بالنهب والسلب 


(6) يسميه الداعي إدريس «بشرى الخادم»» المرجع السابق ص 276. 
7) نفس المرجع ص 283. 


3225 


والقتل . فسألوه ثانياً وقالوا له: قد خربت القيروان وأنت تدّعي 
القيام بالإإصلاح . فقال لهم وما عسى أن يكون من شأن مدينتكم 
وقد خرّبت مكة وبيت المقدس مرتين؟ ثم أمنهم . 

وبعد ذلك أتاه الخبر أن عسكراً قادم عليه من نحو القائم» 
فنادى في القيروان من دل عن الجهاد معي حل دمه وماله. 
فنفر معه خلق كثير والتقى مع عسكر القائمء فكادت الهزيمة أن 
تقع على أبي يزيدء ثم انتصر وهزم عسكر القائم حتى بلغ 
المهدية©© فوجلت قلوب الناس وانتقلوا من الربض إلى المدينة. 
وأقام أبو يزيد في خيمته ثمانية وستين يوماً وهو يبعث سراياه إلى 
جميع بلاد إفريقية والحصون التي بها على البحر. فاخذ جميع ما 
فيها من أقوات وسلاح. 

وبعث جيشاً إلى بلد سوسة فدخله بالسيف وحرق المنازل 

وسبى النساء ومثل بالناس بقطع الأعضاء وشق الفروحح وبقر 
البطون. وفعل بأهل سوسة ما لا تفعله الأعداء ولم يبق بإفريقية 
منزل عامرء وفرٌ الناس إلى القيروان حفاة عراة ومات تحلق لا 
يحصى جوعاً وعطشاً. 

ونهب أرزاقاً وأموالاً لا تحصى . فقد سلب من مديئة تونس 
ثني عشر ألف خابية زيتاً غير الأموال والعبيد ونهب من غيرها من 
بقيّة المدن ما لا يحصى وحمل ذلك البربر إلى بلادهم . 

وكتب بعد هذه الوقائع المخزية إلى قبائل البربر يمحثهم 
على جهاد المهدية. فأمر القائم سنة 333 [944] بحفر خندق على 
(8) نفس المرجع. ص 298. 


326 


أرباض المهدية وأنفذ الكتب إلى صنهاجة وكتامة يستفزهم إلى 
الدفاع عن المهدية ويحرضهم على قتال أبي يزيد. ورحل أبو 
يزيد ونزل قريباً من المهدية ونهب ما حولها وخرج إليه جيش 
القائم واقتتلوا معه فهزمهم وسار أبو يزيد إلى الخندق المحدق 
بخاضته واقتتل مع الحراس الذين حوله» فهزمهم واقتحم أبو يزيد 
ومن معه البحر إلى أن وصل الماء صدور الدواب وجاوز السور 
وبلغ إلى المصلّى ولم يبق بينه وبين المهدية غير رمية سهمء 
وأصحابه في زويلة© ينهبون ويفتلود؛ ثم قويت نفوس أهل 
المهدية وتحاموا واقتتلوا قتالا شديدا فأزالوا أبا يزيد وأصحابه عن 
البلد ورجع أبو يزيد إلى خيمته وأمر بحفر خندق على عسكره 
وأنته جميع القبائل من طرابلس وقابس ونفوسة والزاب وأقاصي 
المغرب . وحاصر المهدية أشدٌّ حصار ومنع عنها الداخل والخارج 
وزحف إليها مرة أخرى وكان بينهما حرب شديد مات فيه وجوه 
عسكر القائم وانهزم أبو يزيد وقتل من أصحابه خلق كثير. ثم 
زحف مرة ثالثة فكان بينهما الفناء الأعظم وانتصر فيه عسكر القائم 
وانهزم أبو يزيد مغلولاً. ثم زحف إليها في المرة الرابعة9© فكان 
بين الفريقين أشد ما يعلم من. القتال» واشتدٌ الغلاء في المهدية؛ 
ففتح القائم خزائن الطعام المدّخرة من عهد أبيه» ففرقها في 
الجند والعبيد. وعظم البلاء على الرعيّة حتى أكلوا الميتة 
والدواب والكلاب. وفر غالب أهل البلد ولم يبق بها مع القائم 
سوى الجند. 


(9) من ضواحي المهدية. 
(10) حصل الهجوم الرابع في شوال 3ه/ جوأن م . 


327 


وكان البربر إذا كبسوا أحداً في الطريق مسكوه وشقوا بطنه 
لئلا يكون فيها ذهب وفعلوا بهم من المناكر ما لا يفعل. 

وكتب القائم إلى كتامة يستنفرهم وفي أثناء ذلك تفرّقت 
جموع أبي يزيدواشتغلوا بالنهب والسلب ولم يبق معه إلا اليسير 
منهم. فعلم القائم بذلك فتأهب للخروج إلى أبي يزيد فخرج 
في عسكره والتقى مع أبي يزيد فتصاولوا ساعة من نهار ورجع كل 
منهما إلى موضعه واتصلت بينهما عدة وقائع» كانوا يتعاورون فيها 
النصر إلى سنة 334 [949]. فوقع فيها اختلاف بين عساكر أبي 
يزيد. فتفرقت جموعه ولم يبق معه إلا ثلاثون رجلا . . فرجع إلى 
القيروان وأسلم ما كان معه. فخرج الناس من المهدية ونهبوا 
معسكر أبي يزيد» فصلحت حالهم بعد الجهد وأخذوا ما خلف 
من طعام وأمتعة وأدوات» فرخيصت أسعارهم وارتفعت الضائقة 
عنهم . 

ولما وصل أبو يزيد القيروان نزل بالقصر ولم يخرج للقائه 
أحد من أهل البلد. وكان الصبيان يتعرضون له ويضحكون منه. 
وبلغ القائم خبره» فبعث عمّاله إلى البلاد وأخرجوا عمال أبي 
يزيد. وتسامع الناس بانهزامه» فعمت الأفراح 1 ولم يلبث أن 
تقوى عزمه مرة أخرى وأتته البربر من كل في فبعث عسكراً إلى 
تونس»ءفدخلها بالسيف يوم السبت لعشر خلون من صفر 
سنة 334[سبتمبر 2945© وانتهبوها وسبوا النساء والأطفال وقتلوا 
الرجال وهدموا المساجد. ولجاأ كثير من الناس إلى البحرء فماتوا 


(11) الداعي إدريس»؛ ص 326. 


328 


غرقاً ودخل غيرهم قناة قرطاجنة فماتوا جوعاً. 

ولما اتصل ذلك بالقائم بعث عسكراً إلى تونسء» فالتقى 
بجموع أبي يزيد عند وادي مليان. فاقتتلوا عليه فانهزم عسكر 
القائم ولجأ إلى جبل الرصاص . ثم عادوا للقتال ثانياء فانهزمت 
جموع أبي يزيد ورجع عسكر القائم إلى تونس فقتل من ظفر بها 
من النكارة وأخذ لهم ثلاثة آلاف جمل من الأقوات» وذلك يوم 
الإثنين لخمس خلون من ربيع الأول سنة 334 [اكتوبر 12]945) 
ورجع إلى المهدية. 

ولما سمع أبو يزيد برجوعه جمع جموعاً عظيمة وزحف بها 
إلى تونس» فقتل من عاد إليها من أهلها وأحرق ما بقى منها 
وتوجّه إلى باجة ففعل بها كذلك وأحدث في سائر أنحاء البلاد من 
السبي والهرج ما لا يوصف. 

ولما وصل سبي تونس إلى القيروان وثب الناس فانتزعوا 
السبي من أيدي البربر وأعادوه إلى أهله بتونس . 

ثم عاد أبو يزيد واستألف جموعاً أخرى فاجتمع له عدّة 
أقوام ورحل إلى سوسة وحاصرها في جمادى الآخرة 
سئة 334 [جانفي 946]. 


خلافة المنصور3": 
وفي شوال من السنة المذكورة [ماي 946] توفي القائم وتولى 
بعده ابنه أبو الطاهر إسماعيل الملقب بالمنصور باللّه. فكتم وفاة 


(12) نفس المرجع ‏ ص 327. 
(13) خحلافة المنصور: هن سنة 4 ه/ 946 م إلى سئة 341 ه/953م. 


309 


أبيه وكان شجاعاً فصيحاً كثير ركوب المنابر والخيل. ولما استوفى 
له الأمر جدّ في قتال أبي يزيد وخرج في طلبه فأجلاه عن مدينة 
سوسة. وانهزم أبو يزيد إلى القيروان» فمنعه أهلها من الدخول 
وقتلوا من دخل إليهم من أصحابه والتحق به المنصور إلى 
القيروان وكانت بينهما عدة وقائع يتساجلان فيها الفوزء ختمت 
بانتصار المنصور باللّه وانهزم أبو يزيد إلى المغرب». فتبعه 
المنصور وجرت بينهما وقائع كثيرة. 

ولم يظهر المنصور وفاة أبيه إلا بعد ظفره بأبي بريد(ةة , 


ولما عاد من حربه تسمّى بأمير المؤمنين. 


3- أبو تميم معد المعرّ لدين الله العبيدي 

بويع بعد وفاة أبيه المنتصور بالله بداء الأرق 
سئة 953[341م049©. وكان فتى عالماً فاضلا نبيلاً واسع الرأي 
ذي الحجة من تلك السنة [25 افريل 953] وله من العمر إثنان 
وعشرون سئة. فديّر الأمور وساس الجمهور وأحكم النظام ومهد 
السياسة وذلّل الصعاب وركب الذلول وأحسن السيرة وأنصف 
الرعية . 

وفي سنة 954[342] رحل المعرٌ إلى المغرب وصعد إلى 
جبل أوراس وأجال فيه خيله وقاتل من بقي به من العصاةء حتى 





(13) خلافة المنصور: من متة 334 ه / 946 م إلى سنة 341 ه / 953 م . 
(14) خلافة المعرّ: من سنة 341 ه/953م إلى سنة 365 ه/975 م . 


330 


أطاعوه وعقد لمولاه قيصر الرومي ولاية المغرب كله. وعقد 
لزيري بن مناد الصنهاجي على ولاية أشير. ولجعفر بن علي بن 
حمدون المعروقف يابن الأندلسي على ولاية المسيلة. ولمولاه 
ولمحمد بن واسول على ولاية سجلماسة. ولعطاء الله الكتامي 
على ولاية قابس . ولمولاه باسيلي الصقلي على ولاية سرت ,. 
ولأفلح الناشب على ولاية برقة. وقلد صولة الكتامي ولاية خراج 
[فرينية: 


وفي سنة 957[345] رفع مولاه جوهر الكاتب إلى رتبة 
الوزارة وحصل مولاه مظفر الصقلي على أعنة الخيل وأوكل إليه 
تدبير شؤون الولايات من رقادة إلى نهاية أعمال مصر. 


وفي سنة 959[347] بعث عسكراً ضخماً أمر عليه الوزير 
جوهر وأمره أن يأخذ من كل بلدة عدداً معيئاً يضمهم إلى جنده. 
فخرج جوهر بأمم لا تحصى» فدخل مدينة إفكان ظاهراً وسار إلى 
فاس وحاصرهاء فلم يفتحها وتحول عنها إلى سجلماسة وأسر 
صاحبها محمد بن واسول وكان قد أعلن استقلاله وتلقب 
بالشاكر للّه. ثم مضى لا يدافعه أحد إلى أن بلغ إلى المحيط 
وأمر بصيد السمك وجعله في قمائم بالماء وأرسله إلى مولاه 


المعرّ. وكتب إليه ورجع إلى فاس فنزل عليها وحاصرها وفتحها: 


عنوة وأخذ صاحبها وقرنه بابن واسول وقفل بهما إلى إفريقية بعدما 
دوخ المغرب وطوّعه لمولاه. ما عدا مدينة سبتة فإنها بقيت تابعة 
للأمويّين وكانت غيبته ثلاثين شهراً. 


331 


».0 اط ز010طل3//:مغااطا 


وفي سنة 9651354] نخرج المع مستشرفاً على البلاد فبلغ 
إلى تونس وقرطاجنة ثم ارتحل إلى غيرهما من المدن وقضى في 
هذه الرحلة ثمانين يوما ثم عاد إلى مديئة المنصورية. وأمر في 
السئة التالية بحفر الآبار على طريق مصر وأن يبنى له على رأس 
كل مرحلة قصرء إحكاماً للعمارة وحفظاً للأمن. ثم وجه الوزير 
جوهر إلى المغرب للإشراف على الولاة وتمهيد البلاد وتحشيد 
الجنود. فمهّد الأمور وحشد الأجناد وجند قبائل كتامة وجبى ما 
على البربر من الأموال ورجع إلى مولاه سنة 969[358]. فسار 
المعرّ بنفسه إلى المهدية وأخرج من خزائن أسلافه خمسماثة 
حمل من الدنانير وعاد بها إلى قصره. وفي يوم السبت لأربع 
عشرة خلون من ربيع الأول من السنة [6مارس9]969© سير الوزير 
جوهر في جيش عظيم من الجند والبربر وكتامة والزوليين إلى 
مصر وأعطى القواد والأجناد أموالا عظيمة من ألف دينار إلى 
عشرين ديناراً. وأمر الوزير بألف حمل من المال. وأما أحمال 
الأسلحة والذخائر والمهمات». فإنها لا تحصى لكثرتها. وسار 
الوزير في جيش لا يبلغ مداه. ودخل مصر يوم الثلاثاء لاثنتي 
عشرة ليلة بقين من شعبان السنة [6جويلية9]969©. وفي ليلة 
النصف من رمضان وصلت النجب إلى المعزّ تحمل شارة الفتح» 
فعمٌ السرور وانتشرت الأفراح في كل مكان. 

وتوالت بعد ذلك كتب جوهر بحت المعزّ على الانتقال إلى 
مصرء وبدخول الشام والحجاز في طاعة الدولة العبيدية. 





)15 الداعي إدريس» ص 638 
(16) نفس المرجع 5 


332 


وأوفد جوهر ابنه جعفر إلى المعز سنة 971[360] بهدية فيها 
ذخائر من سلف من الملوك على مصرء فيها أواني الذهب 
والفضة والعماريات والسروج المحلاة وأحمال الأمتعة وصنوف 
الثياب وظرائف المشرق ما لا يوصف . ومعه القواد والأمراء الذين 
استولى عليهم جوهر وأدال منهم . فأقبل عليهم المعز ومنْ عليهم 
بالعفو وجلس لهم في حفل عظيم وزيّ عجيب. وقد وضع تاج 
سردانية على رأسه وأقام الوزراء والقواد من حوله وصف الأجناد 
ورفعت الأعلام ودخلوا عليه في هيبة وجلالوسلّم عليهم ولاطفهم 
وبالغ في إكرامهم 'والعناية بهم . 


رحيل المعز إلى مصر : 

وفي شوال السنة”© وطد العزم على الرحيل إلى مصر 
فانتقل من المنصورية إلى قصور سردانية ولحقه قواده وبطانته 
وجمع بها نفائس ما كان في قصور الملك ومكث بقصور سردانية 
أربعة أشهر. وفي أوائل صفر رحل منها في يوم مشهود. ولما 
جاذى المنصورية التفت إليها وسلم عليها سلام الوداع الأخير 
فقال: «سلام عليكم من مودع لا يعود أبدا». ثم سار تخفق عليه 
القلوب وتحفٌ به المهج والأبصار إلى أن بلغ الإسكندرية8©. 
ثم رحل منها إلى القاهرة التي بناها له قائده ووزيره جوهر يوم 


17) كان خروج المعرٌ من المنصورية «يوم الإثنين لثمان بقين من شوال من سنة 
إحدى وستين وثلائمائة) (المقريزي» اتعاظ الحنفاء. القاهرة 21948 
ص 186) . 

(18) دخصل الإسكئدرية «لست بقين من شعبان سنة اثنتين وستين وثلائماثة) 
[26ماي973] , الداعي إدريس» ص 725. 


333 


السبت ثاني شهر رمضان وأقام حول الفسطاط ‏ مصر العتيقة - ثلاثة 
أيام . 

ويوم الثلاثاء لخمس خلون من رمضان سنة362 
[9 جوان 973] عبر المعز النيل ودخل القاهرة المعزية وتلقاه الوزير 
جوهر عند الجسر الثاني في عامة قواده وجنده وولاته وذوات 
المصريين. فترجلوا عبن لفك وقبلوا الأرض بين يديه. وسار إلى 
القصر الذي كان معدودا إليه. وبمجرد وصوله خر ساجدا ثم 
صلَّى ركعتين شكراً لله على ما أنعم به عليه. 

ومن الدلائل القاطعة على مطامع المعرّ ومطامحه وأنه يريد 
أن يحل محلّ الخلافة العباسية» ما حكاه عنه سفير الروم وكان 
ورد عليه مراراً وكاشفه بأسراره ونواياه. 


قال السفير نيكولا أوفدني إليه مولاي بعد وصوله إلى 
القاهرة مهنثاًء فخلوت به في بعض الأيامء فقال لي المعز: أتذكر 
إذ أتيتني وأنا بالمهدية؟ فقلت لتدخلنَ علي بمصر وأنا ملك 
عليها؟ قلت نعم. فقال لي: وأنا أقول لك الآن لتدخلنٌ علي 
ببغداد وأنا خليفة. . 


ويحكى أن السفير قال له إن أمنتني على نفسي ولم تغضب 
أقول لك ما عندي . فقال له قل ما عندك وأنت أمن. قال بعثني 
إليك الملك ذلك العام فوصلت إلى صقلية فلقيني غلامك 
بجيشه فرأيت منه العجب. ثم جئت إلى سوسة فرأيت بها من 
جندك وضخامته ما أذهل عقلي. ثم سرت إلى المهدية» فما 
كدت أصل إليك من كثرة أجنادك وخدمك ووزرائك وأمرائك» 


334 


فكدت أموت. ووصلت إلى قصرك فاعترتني هيبة وجلال غطيا 
بصري. ثم دخلت عليك وأنت على سرير ملكك,. ورأيت 
عظمتك فظننتك خالقاً لا مخلوقاً. فلو قلت لي يومئذ أنك تعرج 
إلى السماء لتحققت ذلك. ثم جثت إليك الآن فما رأيت من 
ذلك شيئا. ولما أشرفت على مدينتك هذه كانت في عيني سوداء 
مظلمة. ثم دخلت عليك في قصرك؛ فما وجدت عليه مهابة مثل 
ذلك العام. فقلت إن ذلك كان مقبلاً وإنه الآن بضدّ ما كان. 
فسكت المعز وخرج السفير. ولم تطل أيام المعز بمصرء بل 
مكث بها سنتين وتسعة أشهر وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنةء 
قضى منها بإفريقية عشرين سنة وأشهراً وكانت وفاته بالقاهرة في 
سابع عشر ربيع الأول سئة 365 [ديسمبر975] وعمره خمس 
وأربعون سئة. : 


4 سياسة الدولة العبيدية 
تجاه الولايات الأروبية 


استمرٌ نجم الإسلام صاعداً في أروبا في عهد الدولة 
الغباسية» وأمراء الأغالبة لا ينفكون عن تعزيز المسلمين في 
ولاياتهم الأروبية ومراقبة حركات الصلييّين مراقبة عنيفة تحبط كل 
سعي في الانتكاث. حتى دان من كان في حوزتهم من النصارى 
بالإسلام وتذوقوا حلاوة تحريره إيَاهم من ظلم الأمراء 
الإقطاعيّين» وطغيان الكنيسة الكاثوليكية واستمرٌ ذلك إلى أن 
ظهرت النبعة الآثمة نبعة الدعوة العبيدية في قبيلة كتامة البربرية 
من المغرب الأوسط» وقدّر لها أن تجتاح الدولة الأغلبية» فتعطل 


335 


الفح في أروبا وانقلبت جيوش إفريقية مغيرة على العالم 
الإسلامي لتقويض دولة بعد أخرى وهدم الخلافة العباسية القائمة 
في المشرق. وبسبب ذلك تحولت السياسة الإسلامية تجاه أروبا 
من الهجوم والتوئّب إلى الدفاع والتسليم . 
ولم يجن أحد على الإسلام ما جناه عليه هؤلاء العبيديون 
أو الفاطميّرن. وإليك البيان: 


لما تغلب عبيد الله المهدي على إفريقية وزال عنها حكم 
بني الأغلب» كرهت الولايات الإسلامية في أروبا أن تقدم طاعتها 
للمتغلّبين» فأجمع أصحاب الشأن فيها على إعلان الاستقلال 
حتى يمتنع نقل الجيش من أروبا إلى إفريقية» فبايعوا بالإمارة 
القائد أحمد بن زيادة الله بن قرهب» وبمجرد انعقاد هذه البيعة 
كتب الآمير إلى المقتدر بالله الخليفة العباسي بالطاعة» فأنفذ إليه 
المقتدر بالتقليد والخلع والألوية وطوق من الذهب. ولما بلغ ذلك 
عبيد الله المهدي أخذ يسعى في بث. الدسائس والفتن بين 
المسلمين في أروباء وما زال بهم حتى اختلّت الأمور على ابن 
قرهب [916] وقتل بعد أن وصل إلى المهدية. وعقب ذلك 
اجتمع أولو الحلّ والعقد من المسلمين في دار الإمارة ببليرم» 
فكتبوا إلى المهدي. وذلك بعد أن بلغهم أنه جهّز جيشاً لغزو 
المشرق بقيادة الطاغية البربري القائد حباسة بن يوسفء. يلتمسون 
منه تعيين الولاة والقضاةء وأنّ يبقي لهم الجيش يدرأون به 
الأاخطار أمام الأعداءء إلى غير ذلك من الشروط التي تضمن لهم 
الاستقلال الداخلي ولا تجعل بلادهم عرضة للغارة والفتوق. 
فأبى أن يجيبهم إلى هذه الطلبات العادلة, وأخرج إليهم الجيوش 


336 


والأساطيل وعين عليهم سعيد بن المضيف. فحاصرهم شهوراء 
وكانت البلاد ممتنعة عنهء فتنحّى عنها وأرجل جنود كتامة في 
أرباض الشواطىء المفتوحة للنهب والسلب» ففعلوا الأفاعيل التي 
أفزعت النساء والذرية.» حتى إذا رأى المسلمون أنه لا طاقة لهم 
بهذا الفزع نزعوا إلى طلب الأمان فأمنهم بلا قيد ولا شرط. 


وعلى إثر ذلك احتلّ البلاد وهدم أسوار المدن وجرّد 
حاميتها من السلاح والخيل وفرضص المغارم الكثيرة» ونصب سالم 
ابن أبي راشد أميرا عليها وعرّزه بجيش من كتامة» فكان دأبهم 
الإفحاش في الظلم وسلب الأموال» فانقبضت النفوس وخارت 
والفرنسيون. ْ 


وفي عهد أبي القاسم بن عبيد الله المهدي. عيّن لولاية 
أروبا خليل بن إسحاق الطاغية» فقضى في الحكم أربعة أعوام 
ارتكب فيها من الجور ما لم يسمع بمثلهء وجعل المسلمين 
يفرّون أفواجاً أفواجاً إلى البلاد النصرانية ويتنصّرون. ويحدثنا عنه 
المؤرخون أنه لما عاد سئة 941[329] إلى شمال إفريقيا كان يفتخر 
بمظالمه» فقد حضر مجلساً من وجوه الدولة العبيدية في قصر ‏ 
الإمارة وكانوا يتباحئون في شؤون الدولة» فقال: إني قتلت في 
إمارتى ألف ألف نسمة. فردٌ عليه أبو عبد الله المؤدب» وكان من 
عقلاء الرجال فى الدولة الشيعية: «لك يا أبا العباس في قتل 
9 واحدة ما 0 


وفى أيام تميم الملقب بالمعرٌ لدين الله وجه القائد جوهراً 


337 


فى الغزوة الثانية على مصر سنة 79691358 بعد وفاة صاحبها 
كافور الأخشيدي» فاستولى عليها وبنى له مدينة القاهرة. . ' 

وفى سنة 972[361] رحل المعزٌ إلى المشرق واتخذ القاهر 0 
عاصمة لملكه واستخلف على إفريقية أبا الفتوح يوسف بلكين بن 
زيري بن مناد الصنهاجي مؤسس الدولة الصنهاجية. فكان همه 
ضبط البلاد وتكوين الشعور بالوحدة البربريّة. فشعرت الأمم 
النصرانية المتاخمة للمسلمين في أرويا بسريان هذا الضعف 
والانحلال فى قوة التمسك بالوحدة الإسلامية» فأخذوا يواثبون 
المسلمين في كلّ مكان. وما زالوا يجمعون ويؤلّبون عليهم إلى 
أن وافتهم سنة 983[372], فحشدوا قواهم لمناجزة المسلمين في 
فرنسا. ولما بلغ ذلك أبا الفتوح أمر عامله في جنوب أرويا أن 
ينهض لتقتالهمء فتحرك إليهم في جيوش كثيفة ودارت بينهم 
معارك» ارتدّت فيها النصرانية على الأعقاب وفاز فيها المسلمون 
فوزاً عظيماً. فما كان من الملك روجار النرماندي قائد هذه الحملات 
الصليبيّة الأولى إلآ أن استنفر الأمم النصرانية لمحاربة الإسلام 
في أروبا وإفريقية. 

وكان النرمنديُون نزلوا من شمال فرنسا إلى جنوبها ثم 
شرعوا يتعقبونهم ويناجزونهم في إيطاليا ويفتكون منهم المدن؛ 
مدينة إثر مدينة» حتى ملكوا جميع البلاد الإسلامية في جنوب 
أروبا. ومما ساعدهم على ذلك تراجع أمر الدولة الصنهاجية 
أواخر حكم المعرّ بن باديس» إثر الزحفة الهلالية التي سيرها 
إليهم العبيديّون سنة 1049[441] من مصر لتقويض معالم شمال 
إفريقيا . ش 


3238 


60500 6010ل //:مااط 


».0 اط ز010طل3//:مغااطا 


توطئة 00 
كلمة الناشر 000000 
تقديم ي0:09:069696ي: مر 1 
الباب الأوّل: الفتح العربي لشمال إفريقيا 0 
1 الفتوحات الإسلامية الأولى ممص ا 29 


خروج عمرو بن العاص لفتح إفريقية ‏ خروج عبد الله 
بن أبي سرح لفتح إفريقية - انتكاث أهل إفريقية 
وخروج المسلمين منها ‏ استغناف الحملة الثانية لفتح 
إفريقية - قدوم معاوية بن حديج مع الحملة الرابعة إلى 
فتح إفريقية ‏ فتتح جلولاء ‏ التنبؤ بخلافة عبد الملك - 
فتح جزيرة جربة . 

2 فتوحات عقبة بن نافع وأبي المهاجر 23202000000006 
انتداب عقبة بن نافع للفتح الخامس في إفريقية ‏ هفوة 
عزل عقبة عن ولاية إفريقية وتولية أبي المهاجر- أمر 
أمير المؤمنين بسراح عقبة ودعوته إلى دمشق - رجوع 
عقبة إلى ولايته على إفريقية ‏ خيانة كسيلة زعيم 
قبيلتى الأوربة والبرانس - اغتيال عقبة وأبي المهاجر 
ومن معهما من الأتباع. ‏ 

339 


دوو البرفر ا ا ا 
وقوع الخلاف بين أكابر المسلمين في الثأر لعقبة 
كسيلة يغتصب لنفسه الولاية على إفريقية - تعيين زهير 
بن قبس لإعادة فتح إفريقية - مقتل زهير بن قيس 
بأيدي الروم في برقة - وقوع القلاقل في إفريقية وظهور 


الكاهنة . 
4 المشاكل السياسية والاجتماعية في المشرق 62 
5 ولاية حسّان بن النعمان افق مح له ااا اا انيه 087 


انتداب حسّان بن النعمان الغسّاني لإفريقية - فتح 
مديئة تونس - لقاء حسّان للكاهنة وانهزامه منها 
تخريب الكاهنة لإفريقية ‏ وصول المدد إلى حسان بن 
النعمان وزحفه الثاني على إفريقية ‏ إصلاحات حسّان 
السياسية في إفريقية - عزل حسان عن ولاية إفريقية. 
الباب الثاني : عصر الولاة 1 

1 ولاية موسى بن نصير ا 00 
سياسة موسى في إفريقية - بطش موسى بالثوار - الكيد 
فى الحرب ‏ إخلاد البربر إلى الطاعة وإنصاف موسى 
لهم لقاء ذلك توحيد العمل بالسياسة الإسلامية 
وربطها بمركز الخلافة. ٠‏ 

2 فتح الأندلس 00001 ار 
اهتمام موسى بردٌ ممتلكات إفريقية التي كانت لها 
على عهد الفينيقيّين - غزو الأندلس ومخالفة طارق 
لرأي أمير المؤمنين فيما أشار به على موسى - فتوحات 


340 


موسى بن نصير في الأندلس - اتهام موسى بالخلع 
وادّعاء الاستقلال- سبب رجوع موسى عن متابعة 
الفتح - قفول موسى من الأندلس وقدومه على الوليد - 
سعي ولي العهد سليمان بن عبد الملك في تأخير 
قدوم موسى على الوليد وصف مقابلة الوليد لموسى 
بن نصير .ومن جاء .معه- عزل موسى بن نصير عن 
الولاية. 

3 ارتباك أحوال الدولة المروانية ا بل 
الدولة الأموية .في عهد سليمان بن عبد الملك ‏ تأمر 
سليمان بن عبد الملك مع قواد إفريقية على قتل 
عبد العزيز بالأندلس - تنفيذ هذه المؤامرة الفظيعة. 

4 ولاة إفريقية بعد عزل عبدالله بن موسى 5-00 
ولاية عبد الله بن كريز ‏ ولاية إسماعيل بن عبد الله بن 
أبى المهاجر ‏ ولاية يزيد بن أبي مسلم مولى 
الحشام د ولاية بشر بن صفوان - ولاية عبيدة بن 
عبد الرحماة: السلمي. 

5 فتوح المسلمين في بلاد الإفرنج ا 
ولاية عبد الرحمان الغافقي على الأندلس - خروج 
عبد الرحمان للجهاد ‏ معركة بلاط الشهداء ‏ مواصلة 
الغزو بعد معركة البلاط. 

6 صراع العرب والبربر 000 
ولاية عبيد الله بن الحبحاب ‏ شكوى البربر إلى هشام 
من عسف الولاة- حرب العرب والبربر- ولاية كلثوم 


341 


بن عياض القشيري - ولاية حنظلة بن صفوان على 
إفريقية - نتائج سياسة التفوّق ‏ سوء مناوي البربر مع 
العرب - انفصال إفريقية عن الدولة الأمويّة- كلمة 
جامعة عن الدولة الأموية . 


7 ظهور أديان بربرية و ا 110 
طريف البرغواطي وأتباعه - النحلة -البرغواطية ‏ ديانة 
المتنبي عاصم بن جميل - ديانة المتنبي 0 

8 ارتباك الأحوال في الأندلس 10113 


ولاية عبد الملك بن قطن قدوم أبي الخطار أميراً 
على الأندلس - ظهور الخلاف بين المضرية واليمنية. 

9 ولاية عبد الرحمان بن حبيب وثورة البربر 160 
قيام عبد الرحمان بن حبيب بالأمر في إفريقية - ثورة 
العرب والبرير على عبد الرحمان بن حبيب- سقوط 
الدولة الأموية وقيام الدولة العباسية ‏ الصراع بين 
إلياس بن حبيب وابن أخيه - ظهور ورفجومة وثورة 
البربر- الاستنجاد بالأباضية . 

0 المغرب الإسلامي بعد قيام الدولة العباسية 170 
استنجاد القيروائيّين بالمنصور- ظهور عبد الرحمان 
الداخل بالأندلس وانسلاخ هذه الولاية عن إفريقية ‏ 
ولاية الأغلب بن سالم بن عقال على إفريقية - ولاية 
عمر بن حفص بن أبي قبيصة المهلبي - ثورة البربر 
على العرب - ثأر أبي جعفر المنصور للعرب - ولاية 
داوود بن يزيد بن المهلب - انفصال المغرب الأقصى 


3242 


عن إفريقية - تعيبن روح بن حاتم على إفريقية - ولاية 
الفضل بن روح بن حاتم ثورة جند تونس على 
الفضل - وصول مندوب عال من قبل أمير المؤمئين ‏ 
بلاء العلاء بن سعيد فى مقاومة فتنة عبد الله بن 
الجارود ‏ اعتقال ابن الجتازوفب ولاية هرئثمة بن 
أعين - ولاية محمد بن مقاتل العكّي . 


الباب الثالث : الدولة الأغلبية . ل 199207 
1 نشأة الدولة الأغلبية ... 201 


ظهور النظام اللامركزي في دولة بني العباس - الدولة 
الأغلبية ‏ ولاية إبراهيم بن الأغلب على إفريقية - ولاية 
أبي العباس عبد الله بن إبراهيم بن الأغلب 

2 إفريقية في عهد زيادة الله الأول 212 
ولاية زيادة الله بن إبراهيم بن الأغلب ‏ خخطة زيادة الله 
السياسيّة ‏ أسباب فتح البلاد الإيطالية - انتداب الإمام 
أسد بن الفرات لغزو صقلية - نتائج سياسة زيادة الله. 

3 من أبي عقال إلى أبي الغرانيق وممممو مر عق ممم مو ةم ةم ميمه 26 
جلوس أبي عقال على عرش الأغالبة- جلوس أي 
العباس محمد بن الأغلب على عرش الأغالبة جلوس 
أبي إبراهيم أحمد بن محمد بن الأغلب على عرش 
الأغالبة ‏ جلوس أن محمد زيادة الله على عرش 
الأغالبة - جلوس أبي الغرانيق على عرش الأغالبة. 

4 إفريقية في عهد إبراهيم الثاني اموي مت كن 240 
دهان القيروانيين وسعيهم لإفساد نظام الحكم ‏ خروج 


5343 


العباس بن أحمد بن طولون من مصر لغزو إفريقية ‏ 
الوضع في صقلية وجنوب إيطاليا- ظهور أزمة النقد 
بالقيروان ‏ تغيير أنظمة الدولة الإسلامية ‏ ثورة الملك 
إبراهيم على الدستور. 

5 آخر ملوك بني الأغلب الو و ا 
جلوس أبي العباس بن إبراهيم بن أحمد على عرش 
الأغالبة - أثر الوشايات في قصور الملوك ومقتل أبي 
العبّاس ‏ جلوس زيادة الله الثالث على عرش الأغالبة - 
مؤتمر ملي لنقض الدعوة الباطنية . 

الباب الرابع : الدعوة الشيعية في المشرق والمغرب ٠‏ 261 

1 الدعوة الشيعية في إفريقية 0 100000 
الدعوة الباطنية الإسماعيلية ‏ بنو عبيد. 

2 الدعوة الشيعية فى المشرق مسر ا ا ا 2007 
التعريف بالفرق الباطنية ‏ العقيدة الباطنية ‏ دعاة 
الباطنية - أثر هذه الفرق فى ارتباك أحوال الشرق 
الإسلامي ‏ جنّة الباطنية أو فردوسهم الأرضي - فذلكة 
تاريسخية متممة للموضوع- انتقال الباطنية إلى خراسان . 

3 حركة القرامطة م ا 2 
ظهور القرامطة وأول من قام بالدعوة إلى مذهبهم ‏ 
نحلة القرامطة وكتابهم الديني ‏ أفاعيل القرامطة 

4 - آثار الفرق الباطئية في العصر الحديث سا ستيه :306 


344 


5- انتشار الدعوة الشيعية فى المغرب وسقوط الدولة 


الصنعاني - دخول أبي عبد الله الصنعاني إلى بلاد 
كتامة - الرأي القاطع في الداعية الصنعاني ‏ إعداد 
الجيوش الكتامية للحرب ‏ سقوط الأغالبة. 


ملحق : صفحات من تاريخ الدولة العبيدية 00000 
1- عبيد الله المهدي و ا ف ل 0 
2- ترجمة أبي يزيد مخلد بن كيداد 00000 

خلافة المنصور 0000 
3- المعز لدين الله العبيدي ا 
رحيل المعز إلى مصر 0 
4 سياسة الدولة العبيدية تجاه الولايات الأروبية 50 


315 


309 


001.0 005اط. 215010 //:مخاط 


12//:01 00م :0 05:100560ننا 


٠ 


عاو 


27 


3 


- 


الانتلدى