Skip to main content

Full text of "يحيى يخلف راكب الريح"

See other formats




ملعبية | 510 


راكب الريح 
روالية 


رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية 
(2015/11/5417) 


839 
راكب الريع/ يحيى حسن يخلف.- عمان دار الشروق للنشر والتوزيع. 2015 


()اص 
ر.!. 2015/11/5417 


المواصفات: القصصى العربية//العصر الحديث/ 
يتحمل المؤلف كامل المسؤولية القانونية عن محتوى مصنفة ولا يعبر هذا اللصنف عن رأى دائرة المكتبة الوطنية أو أى جهة 
حكومية اخرى. 





]5 810 978-9957 - 00- 616-7 


© راكب الريح - رواية ل م 
© يحبى حمسن يخلف . 9 0 0 
اسح ا ا و لماعم 

© الغلاف : الفنائة التشكيلية ضحى الخطبب 

© مراجعة وتدقيق : خالد سليم 

© الاخراج الداخلي : دائرة الانتاج / دار الشروق للنشر >1 ٠١‏ 19م 


© جميع الحقوق محفوظة © 


دارالشروق للنشر والتوزيع 
هاتف 461819174618190 /624321ك4 فاكس 46100065 
صرب 926463 الرمز البريدى 11118 عمان - الاردن 

0 عم 000 0060 علمرمطاة :اتشتمع 


دارالشروق للنشر والتوزيع 

رام الله - المصيون نهاية شار ع مسستشفى رام الله 

هاتف 2975632 - 2991614 - 2975633 فاكس 2/2965319) 
لمع أعوادم مم امرمطة : اتفصموع 


ملعبة | 510 


راكب المريح 


رواية 


2 


الفصل الأول 
يسافسا 1795 


ولد يوسف لأب يعمل بالتجارة. ويسكن بِيئًا مبنيًّا على النمط 
لمملوكي على سفح التلة التي تعلوها السراي. حيث يقيم الوالي 
العثماي عبد الله بك. 


والده امتهن صناعة الصابون. له مصنع ومتجر في السوق 
القريبة من الجامع الكبير الذي بناه الإمام الشيخ محمد بيبي بمعمار 
عثماني فريد. 

شد والده أحمد آغا باختيار العجارة؛ فالعائلة با عن جد 
كانت تعمل في صيد السمك» وصناعة السفن. والإبحار في المراكب 

يوسف هو الابن الوحيد لوالديه. ولد عدما غزا القائند 
المصري محمد بك أبو الذهب المدينة لافتكاكها من الزعيم ظاهر 
العمر. في تلك الأيام القاسية التي شهدت حربًا دموية وتخرييبًا 
وخرايًا. 

ربته أمه بمنانة وأحسنت تربيته, ونبغ مبكراء إذ أرسله والده 
إلى حلقات الدراسة في الجامع الكبير الذي كان يشهد حلقات 
تدريس من كبار العلماء والفقهاء ورواة الحديث, فتعلّم الفقه واللغة 


5 


والعلوم. كما أرسله إلى مدرسة الراهبات, ليتعلم اللغة الفرنسية. 


وفي حلقات التدريس, عشق الخط العربي. وسحرته تكويناته 
وجمالياته. درس فنونه على يد الشبخ خليل الداري, فتعلم؛ وهو فتى. 
خط الثلث؛ لأن معلّمه الشيخ خليل قال له إن من يتقن خط الغلنث 
يستطيع أن يتقن بقية الخطوط, ومن لا يتقنه لن يبدع في الخط. ولن 
يكون من مشاهيرة. 

أتقن خط الثلث في زمن قصير واظب فيه على التمرين 
والتأمّل» وزيارة مكتبات المساجد يبحث عن النثلث في عناوين 
وخطوط المخطوطات. وكم كان يبهره الزخرف. والتزيين الذي 
تسوع وتتعدد به أشكال الحروف. كما كان يختلف إلى المساجد 
ويدرس انسياب حركة الآيات وتشكيلها. وروعتها وأناققها في 
رقشها ونقشها وهي تزيّن المحاريب والقباب والأروقة. وتضفي على 
المساجد حسنًا ورونقا وقاء. 

ومن خط الثلث تعلّم خط النسخ. رم إللاما بسيطًا ببققة 
الخطوط: المحكّي, والشامي, والقيروابي. والكوفي. والفارسي, والمغربي, 
والأندلسي, والعثمابي ومنه الديوابي. والرقعي. وغيرها من الخطوط. 

ومن الخط العربي انتقل إلى الرسم. رسم الوجره والخيول 
والزهور. تعلمه من رسام أحد البازارات في حيفا. أتقن الرسم بقفلم 
الفحم, وبألوان الشمعء وألوان الزيت. 

كان فتى حيويًا وذكيًا وطموحًا. أحب الخط العربي. وأحب 
الرسمء وأحب البحرء وأحب القفز من الأعالي إلى أحضان الأمواج 
الصاخبة. وأحب طبيعة يافا: تلالهاء وأسوارهاء ومنارقاء وأسواقهاء 


ومساجدهاء و-قاماهاء وخاناقاء وشاطئهاء وقوارب الصيادين في 


كان يوسف أيضًا وسيماء جميل الطلعة, بمتلك عيني صقرء 
وحاجبين مرسومين كأهما خُطا بقلم. وجبينا كالفضة. وشعرًا 
كمايا وأنفا مستقيماء وفمًا دقيق الثفتين. ويبدو بقفطانه الأبيض 
والطاقية الحمراء المشغولة بصِتارة ينانة» والشال الأخضر الذي يزئر 
وسطه؛ مثل أمير من أمراء الأستانة» بل إن النساء من أحباب يمنانة 
كن يشبهن جمال خلقته بجمال النبي يوسف, الذي عشقته النساء حتى 
الذهول. 


كبر وبيده قصبة يرسم فيها خط النلث من جهة, وعيناه علسى 
البحر من جهة أخرى. صار منذ أن اشتد عوده يترل مع رفاقه 
النحدر باتجاه البحر بعد العودة من حلقات الدرس, ويقضي من 
العصر حتى الغروب في اللعب والسباحة, كما يلذ له أحيانا أن 
ينقطع عن البحر ويذهب إلى السوق التي تكتظ بالباعة والمتمسوقينء 
ويستمتع بمشاهدة السلع المعروضة: أقمشة فاخرة؛ وملابس مزركشة 
ومطعمة باللؤلؤ. ومحلات مار تعرض التوابل المستوردة من بلاد 
الصين والمند, ومحلات تعرض البسط امجدلاوية المنسوجة على النول, 
والسجاجيد العجمية المنسوجة في أصفهان, ومحلات صابون صناعة 
يافا وأخرى صناعة نابلس. وأسواق جانبية لبيع الجوب والزيت 
والغزل والدسيج وزيت الزيتون. وسوق الحريم التي تبيع الأقمشة 
وكلف العرائس. وتتخصص في بيع الحلي: أساور وخلاخيل وخواتم 
وقلائد وسلاسل. صناعة متقنة, وتحف فنية مشغولة بمهارة, كان يحب 


أن يرى المتسوقين الذين يلبسون أزياء المدينة أو الريف» وأزياء عربية 
وتركية ويونانية وفرنسية, من بخارة وحجاج وشيوخ ورهبان وأعيان 
وأغوات. كانت السوق تمثل تنوع المدينة: وتوع قاصديها مسن 
حوض المتوسط للعجارة أو الحج أو الصيد. أو بناء السفن والقصور. 
كان يحب هذه الأجواء, بما فيها من ازدحام وروائح ورجال. لكنه 
كان يحب, بعد عودته للمنزل. أن يختلي بالريشة ودواة الحبر والورق 
ليخط الآيات والحكم والأمثال بخط الثلث. وكان يحلو له أيضا 
الجلوس أعلى التلة يستغرق في التأمل ويصغي لنداء البحر. 

وما إن وصل إلى مرحلة الشباب المبكر. حتى اكتسب لياقفة 
وجسمًا مفتول العضلات, وبنية متيئة,» وجرأة تفوّق فيها على أقرانه, 
وخصوصً في رياضة القفز من أعلى أسوار يافا إلى المياه العميقة, التي 
كان الأولاد يمارسوفا في الأعياد. 


كان الصيادون يراقبونه وهو يتسلق السور وينتظرون قفزته. 
كما كان الصبيان الذين يعودون من عملهم ني مصانع الفخار 
والمدابغ» يتوقفون وهم في طريقهم إلى بيوقهم التي تحاذي الشاطئ في 
منطقة تلال الرملء حيث تتجاور بيوت الفقراء مع ثكنات الجنود من 
حامية يافا. 


تتوقف حركة الصيادين الذين يصلحون شباكهم قبل الغروب, 
يرفعون رؤوسهم إلى الأعلى, إلى السور الشاهق, يراقبون صعوده إلى 
أعلى برج يُحجم بقية الأطفال عن الصعود إليه. وتتعلق أبصار عمال 
الدباغة والفخار بخطواته السريعة والوائقة وهو يصعد صعود النمورء 
ويتوقف اللمارة. وتطل نساء الحرملك من شرفات قصر القلعة, 


ويسترعي ذلك انتباه بعض جنود الحراسة الذين يحوسون القصر. 
كما أن أصحاب الحوانيت, الخواجات المهاجرين من بحر إيجة: الذين 
يبيعول النبيذ وأنواعًا أخرى من الخمور. ييخرجون وهم بمسحود 
بالمناشف أياديهم التي تفوح منها رائحة بمار السجقء. ويجلسون على 
كراسي القش وعيوفم مشدودة. ويدأ القلق يطل من حدقات 
العيون؛ على الرغم من أنها ليست المرة الأولى. 


لا يفكر سواه بالصعود إلى قمة البرج؛ ويواصل الصعود خفيفا 
رشيقاء وتخشى العيون عليه من التعثر والسقوط؛ فالرمال تغطي 
مصاطب الحجارة الضخمة, ويمكن أن تخونه قدماه, فيتزلق إلى خطر 
غير محسوب. لكنه يتحلى بالثقة والحذر. ويصعد بلا كلل. 


يصل أخيرًا. يصل وهو يلهث. ولا ينتظر كثيرًا. يفرد ذراعيه 
على مسعتهماء مثلما تفعل النسور. يتمتم بشفتيه قراءة صامتة, ثم - 
وهنا تنشد القلوب وتدق نبضاقا بعنف- يتهيأ للقفز؛ يشدّ صدره 
إلى أعلى. ويحرر باطن قدميه من الجاذبية؛ ويندفع اندفاعة جسورةء 
يغب وثبة نمرء يطير في الفراغ. ويبدو في الفضاء الهائل كقشة. وفي 
الفضاء. ومع الريح الخفيفة, يلعب بالهواء. أو يلعب به الهواء. يدور 
حول نفسه. وتدور معه العيون. وتخفق القلوب. وتصبح اللحظفة 
ساعة. يدور ويدور ويشده صخب البحر وهياجه إلى الأسفل. 
وعندما يشتد شبق الموج, يغلق جناحيه؛ ويسدد ساعديه إلى أسفل. 
وبجسارة قلبه وروحه. يشق الموج ويغطس وسط تصفيق وصفير 
وهرج ومرج. وتقترب الجموع من الشاطئ بانتظار إطلالة رأسه من 
المياه التي يعكرها الزبد والرغوة. وحين يصعد من العمق, ويطل رأسه 


ثم جذعه ويلوح هم.ء يرتفع الشناء. وبعد هذه القفزة. يحلو له أن 
يكمل رياضته بالسباحة واختراق الموج والذهاب إلى العمق. إلى 
عرض البحر. وتظل الجموع تنتظره إلى أن يعود. 

ذات مرة. وجد نفسه بعد أن أتم قفزته وغطس. ثم سبح نحو 
عمق البحرء وجد نفسه وجهًا لوجه أمام حوت انشقت الأمواج عنه 
وصعد إلى السطح وهو يطلق عمودًا من الماء والرذاذ من فتحة نفائته 
التي تعلو رأسه الضخم. ظهر رأسه الرمادي وزعانف ظهره المنقطة, 
وكان يفتح فكيه. 

داهم يوسف خوفٌ ورعب. فارتبك ولم يدر ماذا يتعين عليه أن 
يفعل. وانتقل الرعب إلى يديه اللتين لم تعودا تقويان على التجديف. 
ثم إِنْ الحوت أغلق فكيه وتوقف. بل إنه توقف عن نفثش الماء. 
وسكنت حركته. وبقيت المسافة بينهما على حاماء وبدا كما لو أهما 
يتبادلان النظرات. لم يبد الحوت أية حركة توحي بالعداء. بدأت 
الطمأنينة تتسلل إلى قلبه. رفع الحوت ذيله وغاص تحت الماء. اختفى 
تحت الأمواج التى اصطدمت بعضها ببعض, وعلا زبدها. وبدورة. 
غاص يوسف تحت الاء. وبدأ يسبح عائدًا بأقصى ما يستطيع. سبح 
وواصل السباحة تحت الماء, ثم صعد إلى السطح ليتنفس. 

لم يعد يشاهد الحوت. لعله عاد من حيث أتى عندما اقترب من 
المياهة الضحلة. 


في تلك الليلة» كانت حكاية يوسف والحوت حديث المدينة, 
حديث القصر ومجالس الوالي والأغاوات ونقباء الأشراف. و مجلس 


10 


الجواري؛ الجواري اللواي يرتدين فوق قمصافن شالات الكشميرء 
يغطين بما أذرعهن البضّة وصدورهن العامرة. 

مجالس الوالي والأغاوات والأشراف تتحدث عن نبوغ 
وشجاعة وجسارة صبي. ومعجزة ظهور حوت في شواطئ يافاء ففي 
هذا البحر, لم يسبق للبحّارة والصيادين الذين يجوبون البحر المتوسط 
أن شاهدوا حوناء ويعرفون أن مواطن الحيتان تقتصر على المخيطات. 


في مجلس الوالي؛ قال شيخ المسجد الكبير إن يافا لى يأت إلى 
شواطتها حوت إلا في العهود القديمة, أيام النبي يونس عليه السلام 
عندما أوحى الله للحوت بحفظه في بطنه ونقله إلى شواطئ يافاء حيث 
نجاه الله من الغرق. وقال شيخ المسجد أيضًا إن العلماء والفقهاء 
يقولون إن حوت النبي يونس كتب له أن يبقى حيًّا مدى الدهر ببركة 
الأنبياء ومعجزاتهم. ولعله الحوت ذاته الذي يطوف من زمن إلى آخر 
في الأمكنة التي مر هما الرسل. 

أولى الوالمي اهتمامًا كبيرًا لهذا الحدث؛. وطلب أن يأتوا إليه يمذا 
الشاب ليسمع منه الحكاية؛ وأثنى بعض الحاضرين على الفتى. وقالوا 
إنه سيكون له شأن كبير. وفي مجالس الجواري, كان الحديث عن 
الحوت مناسبة للإطراء والثناء على الفتى يوسف. والتحدث عن 
وسامته. وجمال خلقته. ورشاقة جمده. وما يثيرهن في صدره 
وعضلاته وبطنه. وعلى الرغم من أفن شاهدنه عن بعد. فقد ذهبن 
لوصف ما لم يشاهدنه, كجهازه الذكوري وشعر عانته. 


القلق من تعلق الولد بالبحر ورسم الخطوط. ونزوعه إلى المغامرة 


11 


الجسورة. فقد كان يهئ ولده ليخلفه في تجارة الصابون, ويضمر له 
حياة هادئة لا يتعرض فيها للشقاء أو الخطرن حياة يتخذ فيها موقها 
بين الأعيان والأشراف, فلا يبرح يافا إلا إلى بيت المقدس ومكة 
المكرمة والحرمين والأستانة وديار شام شريف. حياة يجد فيها مجلسه 
في الأعياد والمناسبات في قصر الوالي. ويتخيّله وهو يلسبس كسوة 
فاخرة عليها شال مطرز بخيوط الذهب. وعمامة كسبيرة» وتكسو 
وجهه لحية وشاربان مشذبان, ويكون له رأي في العقد والعزم, 
ويتقدم في المكانة الاجتماعية: فينال لقب الباكوية. 


غير أن الولد الذي شب وبدأ شعر شاربه وذقنه يبرغ ويسمو 
ويعطي لوجهه مهابة وفتوة. ما زال متعلقا بالبحر والرسم. ويبدو أن 
طموحه يتجاوز كل الحدود. 

بدأت تظهر عليه علامات تمرد مبكر؛ فقد بدأ يتأنق في ثيابه, 
ويختار قمصانًا من البضائع القادمة من الهند, قمصانًا ملونة ومرركشة 
ومشجرة وتتفتح على نسيجها ورود وزهور. يلبسها فوق مروال 
شامي, وعلى رأسه طاقية لا تغطي كامل شعره الطويل. 

ويوسف الجميل. الذي له جمال النبي يوسف. كماقالت 
حبيبات ينانة, مر بالتحولات التي يمر يما الفتيان, ودخل في مرحلة 
مراهقة عنيفة؛ إذ كان محط أنظار صبايا المدينة وجواري القصسر. 
وكان يواعد البنات في ضواحي يافا الشمالية. عند بساتين 
الحمضيات والتفاح, التي تحاذي ضفاف فهر العوجاء أو جريشة, كما 
يسميه أهالي يافا. هناك متنره طبيعيء بين المياه والينابيع وحدائق 
الورد. هناك كان يلهو معهن وبمك بأياديهن. ومسد شبورهنء 


جاه 


12 


ويداعب خدودهن. ومر أثناء ذلك بتجربة جسدية صاعقة. إذ أغوته 
جارية حسناء مجرّبة» لها عينان واسعتان ونظرات تشمه المخالسب» 
أغوته بالدخول إلى الغابة فتجاوب معهاء وطلبت منه -إمعانًا منها في 
الغواية- أن يلعبا لعبة بمارسها الأطفال ببراءة, لعبة "عريس 
وعروس". وتقضي اللعبة بأن يلاحقها فتهرب منه بين الأشجارء 
تعصب عينيه فيلحقها وهي تصفق بكفيها ليقتفي أثر خطواهًا ورائحة 
عطرها. الرائحة فعلت فعلها وأوصلته إلى حالة حارقة من الشبق. 
أحس بالنيران تشتعل داخله. ظلت تستدرجه في بساتين البرتقال؛ ثم 
توقفت وخلعت ثيابما وفكت العصبة عن عينيه. وفوجئ يما عارية, 
شعرها بتطايرء وصدرها نافرء فهداها بارزان بحلمتين ورديتين» وبطنها 
أملس. ازداد اشتعالاً فخلع قميصه واندفع يعائقها. وعند ذلك 
تحولت شفتاه إلى جمرتين, وما إن لامست شفتاه نحرها, حتى صرحت 
صرخة مرعبة؛ احترق أسفل رقبتها عند نحرها بجمر شفتيه. 

كانت تلك هي تجربته الأولى. لم يدر ما الذي حصا. أي 
بركان هذا الذي يسكنه. وكيف تحوّل سدة إل سوه نار؟! 

وسط ذهول حارق. شاهدها تعدو عارية؛ تحمل ثويها وقرب 
وتتعثر ثم تغيب وراء الأشجار. كانت حمى تغلي في جسده. انبطح 
على الأرضء وحاول أن يفكر أو يرتب أفكاره. مرت لحظقات 
ولحظات. م أغمض عينيه وأخذته سِنة من النوم. 

عندما استيقظ, وجد نفسه محاطًا بك وكبة من جواري القصرء 
ينظرن إليه بشغف وانبهار, وقد أماطت كل منهن الخمارء فظهرت له 
وجوه تركية وشركسية وقوقازية وألبانية. 


00 


13 


ألقت إحداهن عليه غصنًا من شجرة ليمون تفتحت عليه زهور 
بيضاء. وألقت أخرى بعرق من الريحان, وثالثة بباقة من السرجس 
البري. ومن خلفهن, تقدمت جاريته التي تغطي رقبتها بشال أخمر. 
نظرت إليه بعنجهية ونزق. كان شاها يغطي شعرها ويغطي أثر قبلته 
على نحرها. وكانت., كما يبدو. قد كسبت رهانًا ما. غفمة تواطلؤ 
ونظرات انتصار. يا لدهاء هؤلاء امحظيات اللاني مللن البلاط 
والبخور والشهوات والإمماع والتسري والانتظار وراء باب 
الحرملك! يا لخيافن الملتهب! كم يقن إلى أن ينطحهن كبش 
المغامرة. 


014 


الفصل الثاني 

تعلق يوسف بالبحر. يسبح للعمق بحدًا عن الحوت. بحث طويلاً 
دون أن يعثر عليه. سأل مرارًا البحّارة الذين يختلفون إلى حانات 
الشاطئ ما بين الرسوّ والإقلاع؛ يبحئون عن روح وراح. يندس 
بينهم ويسأل عمًا إذا كانوا قد شاهدوا في عمق المتوسط حيتاناء 
فكانوا يسخرون منه. ويقولون إن موطن الحيتان الخيطات وليس 
البحار. يسرد لهم حكايته مع الحوت في عمق الشاطئ. فيضيقون به 
ذرعًاء ويقول أحدهم إن ما يسرده مجرّد خيال. وينصحه بأن يوظطف 
سعة خياله في كتابة الشعر. 

ويضيف آخر: إذا كان يرغب في اتخاذ صيد الحيتان مهنة له. 
فليذهب إلى عدن. وهناك يمكنه الاختلاط بأمهر الصيادين» ويستعلّم 
منهم ويبحر معهم في الخيط الهندي. 

لكنه لم يكن يرغب في امتهان صيد الحيتان» وإنما يبحث عن 
حوت بعينه أحبّه وشعر بألفة نحوه. 

أقنع نفسه بأن ما حدث له مع الحوت ربما يكون صدفة. وربما 
يكون, كما قال أحد الفقهاء. حوت النبي يونس. وأنه محظوظ لو 
كان الأمر كذلك. ولعل الحوت زار شاطئ يافاء ثم مضى بعيدًا في 
رحلته الأبدية. 


لديادياننا 


م يعد يقفز إلى البحر من أعلى السور. أو من محيط المنارة؛ فقد 
كبر على اللعب مع الصبية, وكبر على استعراض مهارته لجلب 
الإعجاب. لكنه ظل شابًا محيبًا لأصحاب الحوانيت الصغيرة من 
المهاجرين الذين يبيعون السجق والخمور. وكثيرًا ما كان يختلط 
بالشباب والصبايا والأطفال الذين يمرحون على الشاطىئ. بل إنه تعلق 
بفتاة شقراء كانت تمرح مع رفيقاتًا على بقعة جانبية من الشاطئ 
بعيدًا عن الاكتظاظ والازدحام, فتاة غريبة لم يرها من قبل, اعتادت 
الجيء إلى الشاطئ مع رفيقاقا ليسبحن بعيدذًا عن الأعين ثم يلعين 
على الشاطئ. ويبنين من الرمال تلالاً وأشكالاً غريبة. وامتلك 
يوسف الجرأة التي مكنته من اللعب معهن, إذ علّمهن بناء البيوت من 
رمل الشاطىئ, وأثار اللعب معهنَ خياله. فكان يأ باكرًا قبل 
وصوفن, فينتحي ذلك الجانب البعيد من الشاطئ, ويطلق الخيال 
ويصنع قصرًا يحاكي قصر الحاكم. أو قصرًا يحاكي السراي. ومن بعد 
ذلك قصورًا يتخيّلها ويصنع ها جندًا وأبراجًا. 

كانت الرياح قدم قسمًا ثما بناه في كل مرة. ولكنّ الفتيات 
يتوقفن أمام أطلال قصوره ويبدين إعجايمن بما بقي من جماها وروعة 
معمارهاء وحتى بنات قصر الوالي من حرائر وجوار كن يلقين نظرات 
من وراء الأسوار.ء ومن خلال المناظير التي تمكنهن من رؤية ما وراء 
جدران الحرملك. 


سحرته الفعاة الشقراء واسمها ماري. سحرته هذه الفتاء 
الشقراء بيضاء البشرة ذات العينين الزرقاوين: فظل يدعبس ويسألء» 


216 


حتى عرف أنها ابئنة قنصل الدولة العلية العثمانية في مدينة باردو 
بفرنساء وأمها طبيبة فرنسية: وعائلتها تقضي عطلتها الصيفية في 
ميرها الفاخر في البيوت المتدرجة على التلة. 

عندما رآها لأول مرة. كانت تميّر نفسها عن. الأخريات 
بلباسها؛ فنوب السباحة الأسود الذي تلبسه من قطعة واحدة تغطي 
قامتها حتى الركبتين, وفي الوقت نفسه. تبرز صدرها وخصرها. بينما 
الأخريات من بنات طبقة يافا اليونانية الغنيّة يلبسن القمصان 
الفضفاضة والسراويل الطويلة البيضاء. 


كانت ماري. أو على الأصح ميراي, كما يلفظها الفرنسيون؛ 
لطيفة وها رقة البسكويت, وكانت تتكلم الفرنسية بطلاقة» وتتكلم 
التركية بطلاقة أيضًا. أما العربية, فتتحدثها بصعوبة؛ وبلهجة مغرقة 
في محليتها. 

كان يلذ ليوسف أن يحدثها باللغة الفرنسية التي تعلّمها بمدارس 
الراهبات. وكانت تتجاوب معه في الحديث. حدّثها عن الحوت وأثار 
خيالها. وحدّثها عن هوايته في كتابة الخط العربي في تشكيلات 
ساحرة. ورسم الوجوه والبحر والخيول والقوارب» فلفت ذلك 
اهتمامها. وحدّثها عن اهتمامه بالمعمار المملوكي والعثمابي» ورغبته في 
إكمال دراسته في الحندسة المعمارية, فأبدت إعجاهًا. وبدورهاء حدثته 
عن مجتمع باردوء وكيف تسهر وتستقبل الغرباء بكل الودء وعن 
حريّة النساء ومشاركتهن في الحياة العامة, وإباحة الاختلاط بين 
الذكور والإناث في المدارس وفي المسارح وحفلات الرقص. وحدثته 
عن الإتيكيت والبروتوكول وعالم القناصل وزوجاقهم وعائلاهم 


17 


ومآديهم وحفلاقم وأناقة ثيابهم وعطورهمء وتعلقهم بالروايات 
الرومانسية. وحدثته أيضًا عن باريس. وطبقتها العالية من البلاء 
والإقطاعيين ورجال الكنيسة, والصراع الذي تشهده الآن بين هؤلاء 
والفلاحين والجياع في الشوارع. وحدثته عما معت من فوضى في 
أحيائها وميادينها ينشرها الدثماء والرعاع؛ الذين يثورون على النظام 
الملكي. 

أثار حديثها عن فرنسا اهتمامه؛ فلأول مرة يسمع شيئًا من 
شاهد عيان عن نمط الحياة هناك. رسمت في ذهنه صورتين لذلك 
الغرب الذي يسمع عنه: صورة عن أناقة الحياة. وصورة عن بؤسها. 


# د 


التقى بما مرات عديدة2. وكانت سعيدة به. وعبّرت عن 
سعادتها بدعوته لزيارقا في مزل عائلتها. قالت له إِنْ العائلة تنظّم 
حفلة موسيقى في البيت لعدد من أسر يافا. وبعض القناصل 
الأوروبيين المقيمين في القدس. وشخصيات رمية من السراي. وإن 
والدها استقدم فرقة أوركسترا من باردوء وإنه سمح الها بدعوة 
أصدقائها من الجنسين. 

لكنه لم يذهب؛ لأنه. من جهة, لا يملك بدلة سوداء رسمية يحيط 
بياقة قميصها شريط ملوّن يربط على شكل فراشة؛ ومن جهة أخرى. 
لأنه لا يتقن الرقص. 


18 


عندما حل فصل الشتاء. وتساقطت الأمطار وفبّت الرياح 
وتلاطمت الأمواج: توقف عن بناء قصوره من الرمال» ونقل بناءهما 
بالرسم على الورقء الورق الدمشقي السميك بلونه العاجي. 


عندما يرسم قصوره على الورقء يستطيع أن يلوفاء ويستطيع 
ان يزوّقها ويزركشهاء وتتحول إلى لوحة. أبدع في رسم الصور على 
الورق؛ حتى إن لم يعد يفكر ني بنائها من الرمل على الشاطئ؛ بل إنه 
انتقل من رسم القصور إلى رسم الأسواق والحوانيت والبضائع 
والمتسوقين من الرجال والنساء. ومن الفلاحين الذين يعرضون على 
جوانب الطريق بضائعهم من الخضار والفواكه. ورسم الصيادين 
وقواريهم وهم يصيدون الأسماك بشباكهم. 

عرض رسومه المزدانة بالضياء والظلال واللمسات والخيالء؛ 
وبما هو بيزنطي أو تملوكي من قصور يافا ومآذفها وقبايما وما يحيط بها 
من أشجار مثمرة وزهور وورود. عرضها على ماري فأبدت دهشة 
وفرحًا. وبالغت في الثناء والإعجاب. وقالت بلكنتها الفرنسية التي 
تشبه زقزقة العصافير: إها صور مشرقة لسحر الشرق. 

انتقى منها واحدة قدمها لها هديّة. لوحة عن الطراز المعماري 
لاسواق يافاء وما تحويه حوانيتها من توابل وسجّاد وصناعات 
تقليدية» لوَّهُا واعتنى بتلوينها وتظليلها. وزركشتهاء وصنع فا إطاراء 
فأسعده أن يتلقى الثناء والإعجاب. حملتها إلى البيت وقد غمرتها 
المسرة. 


كثرت الرسوم التي تحولت إلى لوحات وملأت البيت. وبدات 
أْمّهُ كنانة تتذمّر من الفوضى التي دبّت في المكان. وتفهّم والده أحد 
آغا قلقهاء فاكترى بيئّا قريبًا من كنيسة الأرمن ليكون بازارًا للرسم 
وتذرين الرسوم واللوحات وبيعها. 

سهر يوسف على تنظيف البازار ذي المعمار العثمابي؛ ودهانه, 
وطلاء جدرانه. وزخرفتها. خصص صالة للعرض. وصالة للرسمم.ء 
وصالة للجلوس. وغرفة للنوم. 


سهر على إثراء معرفته بفنون الرسم والألوانء. ورغب في 
الانتقال للرقش بالفسيفساء, فسافر إلى الأستانة. واطلع على لوحات 
الفسيفساء في الكنائس البيزنطية» واختلط عامل وورش صنع 
الفسيفساء. 

طاف في مدن بلاد الشام والعراق. واطلع على رسومات 
لرسامي البازار الذين يرمون لوحات شعبية عن البيئة امحيطة متأثرين 
بالفن السلجوقي والغولي والفارسي التبريزي؛ ويبيعون لوحاقم 
لسيّاح ورحَالة وبعثات أجنبية. وأمضى فترة طويلة في مدبينة عكا 
مترددًا على بازارات الرسم في خان العمدان وخان الفرنج والسوق 
الأبيض وحمّام الباشاء وكان للسور والقلعة والخانات والجوامع 
والأبراج والساحات والبحر والسفن وقوارب الصيد نصيب كبير؛ 
فمعظم الرسامين لا يرسمون الأشخاص ولا كل ما له روح من حيوان 
أو طيرء امتثالاً لما ينهى عنه رجال الدين المتشددون. لكن بعضهم 


0م20 


رسم وجوه شخصيات وعمال ونساى وأسهاكا وطيورًاء بل إن ثمة 
من رسم حوريات البحر بلا حرج. 


التقى (بازركانات) السوق. واطلع على أساليبهم في العسرضء 
ومهارتهم في البيع والتسويق, وبراعتهم في التعامل مع السائحين 
والروار والمتترهين. ودقق في الرسوم واللوحات ذات الإطار. امحلاية 
أو المجلوبة من الخارج. وكانت ثمة لوحات مخبأة لا تعرض إلا 
للخاصة. وهي اللوحات المحظور عرضهاء لعشيقات وعشاق. ولنساء 


شبه عاريات يخلين الألباب. 


سحرته وفتنته تلك اللوحات المحظورة, لكنه لم يتمكن من اقتناء 
أي منها؛ لأن ثمنها باهظ. ولأن البازركان لا يبيعها إلا للأجانب. 


وظلت تلح عليه رغبته في الانتقال إلى الرسم والرقش 
بالفسيفساء. فاشترى الأدوات اللازمة من ملاقط وأدوات تكمسير 
المواد, إلى قطع صغيرة: لكي يهبئ نفسه ذات يوم للتفرغ هذا الفن 
العريق الذي يحتاج إلى أناة وصبر وذوق. 


#8 


اشتهر بازار يوسف. وكثر المترددون عليه. نشط في الرسم 
والبيع؛ تردد عليه سياح وحجاج وقباطنة سفن وكبار الموظفين في 
السراي وعائلات من علية القوم. وامتلأت جيوبه بمسكوكات ذهبية 
من فئة سكوين. وفضيّة من فئة البشلك والبارة. ومسكوكات نحاسية 
هن فئة الزلطة والأكتشة. 


21 


خبّأ نقوده مع أمَه بمنانة. وكانت هنانة لا تتوقف عن حضّه 
على الزواج؛ وتعرض عليه أسماء صبايا من كبار عائلات يافاء وتزن. 
كما النحلة, على مسمع والده أحمد آغا بمناسبة وبلا مناسسبة: مسن 
أجل تزويجه؛ فهو ولدهما الوحيد. وحان الوقت لبريا أولاده ققِل 
فوات الأوان. 


وكان يلذ له أن يسمع ذلك؛ إذ كانت صورة ماري تملا 
خياله. لكنه لم يكن في عجلة من أمره. 


غير أن والده كان له رأي آخر؛ فما دام اختار طريقا غير 
طريق التجارة» ولمس ذلك من ابتعاده العنيد عن هذا الخيار؛ فيتعين 
أن يكمل علومه في هندسة المعمار في الأستانة. وقد أعلن رأيه أمام 
منانة ذات ليلة مخاطبًا ولده. ومتجاهلاً زنين يمنانة: يا بني. بنيت 
قصورًا على الرمال وعلى الورق. وحان الوقت لتتعلّم بناء القمور 
على الأرضء قصور حقيقية تجمع ما بين المعمار والخيالء وتكون 
فريد عصرك في هذا المضمار. 

وكان يوسف يغب حقا ف دراسة علم اليدّسة ف الأستعانة 
ويعيش هناك في مناطق سحر البسفور وجزر الأميرات ويطلع على ما 
خلفته الحضارة البيزنطية من معمار ولوحات فنية وأيقونات وأعمال 
رقش بالفسيفساءء, وما أضاف عليها العثمانيون من لمسات وتزويق 
وتشجير وخطوط ومآذن وقباب وأروقة وغيرها من بذخ الفنون. 

لكته في الوقت نفسه. لا يرغب في هجر فن الرسم. ولا يرغب 
في الاغتراب عن يافا. لا يرغب في الابتعاد عن البحر والمخارة واليناء 
والأسوار والأبراج والتلة وصخرة الأميرة والسراي وقصر الوالي 


22 


والبيوت الحجرية المتدرجة, ولا يرغب في الابتعاد عن كنانة وأحد 
أغاء ولا عن غوايات الجواري على ضفاف قر الجريشة, ولا عن 
الصبايا اللواي يسبحن على بقعة آمنة على امتداد الشاطئ» ولا عن 
ماري ذات الإطلالة البهجة؛ ولا عن ضجيج الحياة في الأسواق 
وتنوّع احياة وألقها وكثرة العابرين والزوّار والسياح؛ وبعد ذلك أو 
قله لا يريد الابتعاد عن البازار بألوانه وكائناته وعمائره وأسواقه 

لكن أحمد آغا كان يرتب لولده أمور حياته المستقبلية, وبمهد له 


الطريق على مهل. 


زارته ماري في البازار مرات ثلانًا. 

المرة الأولى زارته مع والدقّاء. تلك السيدة الفرنسية 
الأرستقراطية التي تتحدث بأناقة» وتبتسم بأناقة» وتلبس القوب 
العصري بأناقة, وتضع على رأسها القبّعة بمنتهى الأناقة. 

المرة الثانية زارته برفقة والدهًا وصديقة للعائلة ذات حضور 
طاغ. 

يومهاء جلست السيدة الفرنسية أمامه لكي يرمم ها بورتريه 
بقلم الفحم الأسود, فرسم وهو يلقي نظرة على السيدة الفرنسنيةء 
ونظرتين على وجه السيدة المرافقة ذات الشأن وذات الحضور 


23 


ومطررًا بلمسات رشيقة لزهور برية عند الصدر. وتلف خصرها 
برام عريض, وتغطي كتفها بشال بمنحها ترفا ومهابة. 

كانت تشيح بنظراتًا عنه كلما التفت إليها. 

أنهى البورتريه للسيدة الفرنسية بمشقة. وأمل بأن تتاح له فرصة 
تقديم مشروب القهوة هن في غرفة الجلوس. إل أن السيدة ذات 
الشأن كانت على عجلة من أمرهاء فاعتذرت الأم الفرنسية بلباقة 
وأناقة. غير أن السيدة ذات الشأن توقفت قبل أن تغادر. ودققت في 
لوحة على الخائط؛ لوحة من رسومه الأخيرة تمثل أسطورة يافا ممسذ 
العهد الإغريقي (أندروميدا). دققت بما ونظرت إليه وابتسمت. 
لعلها ابعسامة استحسان. 

في الزيارة الثالئة. جاءت ماري وحدها. طرقت الباب ودخلت 
بوجهها الطفولي, وعينيها الزرقاوين. وشعرها الأصفر. وأنفها 
الدقيق, وفمها رقيق الشفتين» وثوها الفضفاض. 

استقبلها في غرفة الجلوس. جلست وقدمت له طبقامن 
الحلوى, وقالت له إلها حلوى فرنسية صنعتها أمَها بيديها. 

وقالت له إفها جاءت لتودعه. لأنها عائدة مع العائلة إلى فرنساء 
وإن الباخرة ستغادر في وقت مبكر من صباح الغد. 

كانت حركة عفوية. وكانت تعبر بصدق عن مشاعرها. ربت 
على كتفها. ومسح دمعهاء واعتبر ذلك تعبيرًا صادقًا لا تشوبه 
غواية. 


24 


بعد أن هدأت, تمنى لها رحلة سعيدة ووصولاً بالسلامة. 
وحكت هي بدورها كلامًا لا يقل أناقة عن كلام أمها. وتحيّن الفرص 
ليسألها عن تلك السيدة ذات الشأن التي سحرته حتى الذهول. لكنها 
كانت تواصل الحديث بلغتها الفرنسية التي تحاكي الزقزقة دون 
توقف, ولم تحن الفرصة إلا وهي تتهيأ للانصراف. فقبل أن تغادرء 
تمكن من طرح سؤاله. فابتسمت وغمزته بعينها اليسرى قائلة: إفها 
العيطموس. السيدة ذات العزة, الأميرة القادمة من الأناضول. 


عد 


60 0. ) 


1 : أ 


25 


الفصل الثالث 

شاءت الأقدار أن تدخل العيطموس حياته. 

العيطموس هي المرأة كاملة الأنوثة, كاملة الأوصاف. اقتحمت 
حياته أو اقتحم حياهًا ذات صباح بمذاق الزبيب المخمّر. دخلت 
بنصيفها البرتقالي الشفاف الذي يغطي رأمها ويلتف حول كتفيها. 
استقبلته بقصرها الصغير ذات صباح له صفاء اللبن الرائب. دخلت 
تسبقها رائحة مسك تذري فتيته تحت ثيايما. دخلت متوردة الخدين» 
ففوجئ وتاهت نظراته. دخلت رافعة الرأس. أنف أقنى تموخ, 
وذراع مزين بالحلي والخواتم, ويد مخضبة بالحناء ما بين الرسغ 
والأصابع؛ والحلق يتأرجح تحت أذنيها ويشي بسحر هامتها وعلوها. 

كان قد ذاع صيتها في يافا عندما حلّت في قصر يجاور منطقة 
قصور الوالي وكبار ضباط الحامية العسكرية. كان هذا القصر الصغير 
قد شيّده جركس باشاء أمير البحار لجزر بحر إيجة. وتناقلت الألسن 
أن العيطموس محظيته وعشيقته. وقد لبَى رغبتها في الانتقال من 
الأستانة إلى مدينة يافا ووهبها هذا القصر. كان يحيط بما الغموض. 
تناقلت الألسن نا من المعلومات التي تتفوّه يما الجواري وبعض 
التجّار الأرمن الذين يتاجرون بالتحف والمشغولات اليدوية. 

قالوا إغها يهودية, لكنها شوهدت تمارس العبادة في مصلى 
النساء الملحق بالمسجد الكبير في حي العجمي. وقالوا ها مسيحية, 
لكنَ الجواري أكدن أنها تضع إلى جانب سريرها نسخة من كتاب 
التوراة. وقالوا إنها تعتنق البوذية عندما لاحظوا ترددها على صخرة 


27 


الأمبرة على الشاطئ وممارسة رياضة التأمل. لكنهم كفوا عن ذلك 
عندما أسست تكية بجانب مسجد حسن بيك في المنشيّة. عرفت 
بتكية جر كس باشا الخيرية؛ التي كانت تقدم وجبات الطعام للفقراء 
والدراويش والمسافرين. 

قالوا إنّها ثريّة تملك عقارات وأموالاً وأسطولاً من السفن 
التجارية تحظى بحماية أمير البحر جركس باشا. 

أحاطها الغموض؛ فلم يعرف أحد إن كانت تركية أم شركسية 
أم من أصول إغريقية. لكن مع مرور الأيام, أصبح لها حون من 
الناس الفقراء والبسطاء لتواضعهاء فرغم مكانتها كسيدة في مججمع 
الأثرياء والأعيان وكار التجار. فقد كانت تتصدق على المحتاجين, 
وتزور المرضى في البيمارستان. وتوزع لحم الأضاحي في الأعياد. 

دعته لزيارة قصرها بعد أن زارت بازاره ومرسمه ومتحفه برفقة 
زوجة القنصل وابنتها. أرسلت له مع أحد خدمها أو جواريها رقعة 
مكتوبة بخط اليد خطتها هي أو خطها سواهاء لا يهم. المهم أنها 
دعته. وحددت الرقعة أنها اجتماع من أجل التكليف بعمل. 

كان لا بد من أن يسأل عنها قبل تلبية الدعوة. ماأكثر 
الكلام! فهناك من يالغ وهناك من يقلل الشأن. هناك من يمدح, 
وهناك من يقدح. لكن تاجر الجواهر في سوق الذهب. اليهودي 
(إريك مولخخو), الذي هاجر إلى يافا قادمًا من إزمير. كان يعرفها؛ 
يعرف أصلها وفصلهاء فهي مسيحية من إزمير. لكنه لا يعرف إن 


28 


كانت غيّرت ديانتها أم لا. وهي من عائلة عريقة تعمل في تجارة 
السجاد. 


تاجر السجّاد يزيد أفندي. وهو من أشهر تجار السوق في هذا 
المجال» حكى معلومات سمعها من صاحب المصنع الذي يورّد له 
البضاعة من أعالي الأناضول, فقال إن قراصنة في الماضي هاجموا 
أطراف إزمير واختطفوا أطفالاً من إحدى المدارس المسسيحية, 
ونقلوهم إلى جزيرة رودس في بحر إيجة. وباعوهم في سوق الرقيقء 
فاشتراهم تجار من الأستانة وباعوهم إلى باشاوات وأعيان, فأخحذ 
الذكور ليخدموا ني القصور,. وأخذت الإناث لض مهن الى سلك 
الجواري ني حرملك الولاة والباشاواتء,. ومن بينهن كانت 
العيطموس. لم يكن هذا هو اسمهاء فقد كان اسمها هيلين» لكن هذا 
هو الاسم الذي أطلقوه عليها في حرملك قصر السلطان عندما 
أهداها سيدها جنكيز باشا إلى القصر. فالعيطموس هي السيدة كاملة 
الجمال. كانت ل الامة جين لخر خين اتيت إلى حرملك هذا 
الباشاء وني هذا الحرملك, تمت أسلمتهاء فتعلمت الكتابة والقراءة, 
وحفظ القرآن, وأداء الصلاة والصيام, وقواعد السلوك والتصرف. 
والعزف على آلات الموسيقى والغناء والرقص, وتعلّم اللغتين التركية 
والعربية؛ لغة القرآن. واللغات الأوروبية. وعندما انتقلت من قصر 
جنكيز باشا إلى قصر السلطان. كانت قد أصبحت فتلة بالغة, 
وكانت إلى جانب جمانها قد امتلكت الثقافة التي تؤهّلها لدخول 
الحرملك. 


وللقصة بقية تعزى تفاصيلها لأمير بحر إيجة جركس باشا. 


29 


كان قصرها قريبًا من قصر الوالي والمرايء. لذاء ربطتها 
صلات حميمة مع نساء الوالي ومحظياته من الجواري. 


لمانا 


ذهب في صباح اليوم التالي» وفوجئ بأنه لا توجد عند بباب 
قصرها حراسة. طرق الباب ففتح له أحد الخدم. وكانت تنتظره 
خادمة أو جارية سوداء نم لباسها عن أن ها شأنا عند سيدقا. رحبت 
به ورافقته إلى الليوان الذي يستقبل به الضيوف. انتظر قليلاً قبل أن 


5 


تطل العيطموس. 


أذهلته إطلالتها. لكته سيطر على إحساسه الأرعن, وقابلها 
بتهذيب ورقة. وبيدها المخضبة, أشارت له بالجلوس على المتكأً 
يجانب النافذة المطلة. عن بعد. على بساتين البرتقال القريبة. 


جلست ول تأبه برعشة محتها. سرت في أطراف أصابعه؛ فلعلها 
اعتادت ذهول الرجال الذين يقابلوفا لأول مرة. 

جلست وظلت الجارية الحبشية التي تصاحبها تقف في زاوية من 
زوايا المكان. 

تعاملت معه برقة أيضًا. قالت له إنها سمعت عنه من نساء الوالي 
وجواريه. #معت عنه من تجار الذهب والجواهر. سمعت عنه من قنصل 
فرنسا في القدس. فلم تتردد عندما عرضت عليها صديقتها زوجة 
التي يستعملها. كما أثست على لوحة (البورتريه) التي رسمها للسيدة. 


30 


كما أبدت إعجابما بالبيت العثمابي الذي اخعاره ليكون بازارًا 
ومرسها. 

ثم صمتت, وأشارت إلى الجارية لإحضار العصير أو الشراب. 

نشطت الريح فجأة, ذ فهبّت نسمة تحمل رائحة أوراق الليمون. 
وكان يداري ارتباكه ويحاول أن يتماسك ويجد كلامًا يقوله. 

قال مداريًا ارتباكه: الطقس اليوم ربيعي جميل. 

أجابت بابتسامة ماكرة: صحيح, فار رائق. 

إذ ذاكء انتبه إلى أنها اختارت لباسها بلون ثمار الحمضيات 
وأوراقها؛ فنوبًا الأخضر الفستقي ينسجم مع نصيفها البرتقالي 
الشفاف الذي يغطي رأسهاء وعند الحاجة يمكن أن يصبح خمارًا. 

هرّ رأمه بالموافقة, وردد قوها: صحيح. فار رائق. 

قررت انتشاله من الارتباك. فعادت تتحدث عن لوحة الأميرة 
الأسطورة أندروميدا التي لفتت نظرها في مرسمه. 

- إها تحفة.. تحفة رائعة. 

ابتسم. وحاول أن يعقب. لكنها أكملت: ثم إنك استعملت 
في عملك مواد من بيئة يافا؛ الألوان المضيئة والهادئة كشمس يافا 


وبحرها وبرتقالها وزهورهاء. ولون رماها. 


انتشلته من حيرته. التقط عمق ثقافتها. قال لنفسه إل هأمام 
سيدة مختلفة؛ جمالها الخارجي لا يحجب جمالها الداخلي. 

جاءت الجارية بالشراب؛ آنية من فضة وكؤوس من بلّور نقي. 

شرب من عصير الليمون الممزوج بالنعنع والعسل. شربت من 
كأس آخر رقيق الزجاج ممتلئ بشراب لونه أحمر. لعله نيذ. شربت 
دون أن تشعر بالحرج. 

كم تمتلك من الجرأة. وكم هي بارعة في مد الجسور بينها وبين 
من يجالسها! 

نظر إليها كسيدة آتية من الأناضول وبحر إيجة بثقافة منفتحة 
تختلف عن ثقافة يافا ا محافظة. 

خطر له أن يسأها عن العمل الذي من أجله جاءت هذه 
الزيارة. لكن بدا له أن ذلك ليس من دواعي اللياقة, وأنه يتعين 
عليها هي أن تبادر. 

وحان الوقت عند ذلك. هل قرأت أفكاره؟ 

قالت: لعلك تتساءل عن سبب دعويّ لك؟ 

هرّ رأسه بالإيجاب. فأكملت: بعد أن شاهدت لوحاتك 
وبراعتك في رسم الوجوه. رغبت في أن أكلفك برسم لوحة بحجم 
كبير. 


3 
2 


دقق في ملامحها كما لو أنه يرسم في خياله جبينها وحاجبيها 
وعينيهاء فقالت, وقد توقعت ما يخطر بباله: لن تكون صوري. 

وأضافت: سنتحدث بالتفاصيل فيما بعد. 

وأكملت: مأدفع لك أضعاف ما يدفعه الآخرون. 
- لم نتفق بعد على رسم اللوحة. يتعيّن أن أعرف أولاً ماالذي 

مأرسمه. 
- ما دام الأمر كذلك, فيجب أن أقول لك ما يتعيّن أن أقوله من 

دون إبطاء. 

صمتت قليلاً وهي تحدق بوجهه الوسيم. وعيناها ترعيان في 
قسمات وجهه. وكأنما جماله لفت نظرها في تلك اللحظة؛ ثم قالت: 
مهابة السلاطين. 

قالت ذلك, ثم فضت دون أن تبعد نظرها عن وجهه. فلعلّها 
تلتقط شيئًا من رد فعله. نهفضت دون أن تقول شيئا. ذهبت إلى حيث 
تقف جاريتها الحبشيّة. *مست ها برقة, ثم عادت؛ بينما توجهت 
الجارية إلى الداخل. 

قالت له: مترى صورة صغيرة له مرسومة بالألوان. 

م يقل شيئًاء كما لم يبد منه أي رد فعل, فصمتت على مضض. 

دخلت الجارية تحمل لوحة صغيرة بإطار ذهبي. 


33 


تناولت اللوحة, تأملتها قليلاً ثم أدارقَا نحوه. رسم لرجل في 
الركالافي) مزينة بشريط ذهبي وهو يدير الدفة ومن خلفه شراع 
وعلم البحريّة الأحمر الذي يتوسطه هلال ونجمة, وتغيّب وجهه لحية 
كثيفة الشعر, لكن عينيه تبدوان كعيني صقر وتنم ملامحه عن قسوة 
وصرامة. لم يكن بحاجة لأن تقول له إنها صورة جركس باشا. 

ظل يدقق في الرسم. ويبحث عن العيوب. وكاد يبدي رأيه. 
لكنه لم يفعل. 

حوّل نظراته إليها. انتظرت منه أن يقول شيئًا. ظل صاممًا دون 

وضعت اللوحة جانباء ثم سألته: ماذا تقول؟ 

فكّر قليلاً. ثمْ أجاب: لو كان العرض رسم صورة لك. لما 
ترددت. 

تغيّرت ملامح وجهها. عبست. لم تتوقع أن يرفض عرضها. 

وقفت. كما لو أنها تشعره بأن اللقاء انتهى. 

فوجئ يمذا الغضب الناري الذي اشتعل في وجهها فجاأة, 


أشارت للجارية بمرافقته, وغادرت الصالة. 


034 


مشى أمام الجارية» وخرج من الباب, واندفع سريعًا في الممر 
الذي يخترق الحديقة. وني الخارجء, كان نسيم البر القادم من البحر 
رقيقًا وعليلاً وحنوئاء لكن ذلك لم ينعشه. كان يشعر في أعماقه 
بمزعة.. هزعة ما. 


كبرت المزبمة في داخله. وأيقن أن جركس باشا له عندها شأن 
كيف تحولت من نممة إلى زوبعة» ومن سيدة مختلفة تسككتها 
راجع نفسه. استعاد كل اللحظات وكل الكلام الذي قيل حين 
لقد حاول أن يرفض عرضها بنعومة؛ فهل جانبه الصواب؟ 
هل هو قليل الخبرة لا يتقن مخاطبة سيدات القصور؟ 
حوها بلحظة من غزالة إلى لبؤة؟ 
وهل لجركس باشا كل هذه الحظوة عندها لتعتبر رفض رسمه 
إهانة هاء ويتعيّن ألا يرد ها طلب؟ 
أيقن أنه لكي يعرفها أكثر, يتعيّن عليه أن يعرف شيئًا عن 


جركس باشا. 


عم ره لصوت 


حاول أن يسأل عنه أولتنك القادمين من إزميير وكريت 
ورودس». لكن المعلومات عنه كانت شحيحة. 

حاول أن ينسى الإهانة التي لحقت به لككه لم يفلح. وبالرغم 
من أله حاول أن يبدو طبيعيًا أمام أمّهِ يمنانة ووالده أحمد آغاء إلا أنهما 


لاحظا قلقه من شروده وعزوفه عن الرسم وكتابة الخط. 


في النهارء يقضي الوقت مع الناس لينسى؛ يخالط الصسيادين 
والباعة الجائلين على الشاطى, أو يذهب للأسواق ويعرّج على واحد 
من بيوت القهوة. حيث يجتمع هناك المغتون والعاطلون عن العمل» 
فيستقبله (الأسطى) بترحاب, ويقدم له القهوة المطبوخة؛ ويشير 
لعازف الربابة أن يرحب به. كما هي العادة عندما يدخل بيت قهوته 
واحد من علية القوم. 


في الليل يهاجمه الأرق والقلق والتفكير المضني. يفكر وتراوده 
المواجس: هل يكرهها أم أنه يقرع السن ندمًا لأنه ارتكب حماقة 
بتعاليه وتسرعه. يفكر باء بتلك المرأة المفعمة بالأنوثة. يستحضر 
ملاحها؛ وجهها الذي له نعومة أوراق الورد. عينيها السوداوين مثل 
عيني غزالة لا يفزعها صياد ولا تخيفها قسورة. يا لنصيفها البرتفالي 
الذي لا يحجب غوايتها ولا يخفي نارها! أهو أرق إهانة هذا الذي 
لماذا تصرف معها برعونة كما لو أنها جارية؟ 


#١ عو‎ 


36 


تتكرر الأسئلة وتنداح دوائرها وتتسع. ولا ينام إلا بعد عذاب 
وسقهم. 


إلى البساتين الشمالية ذهب يتتزه ويفرّج عن نفسه بالرسم. 
ركب جواد والده. وحمل على كتفه مخلاة فيهاأوراقه وأقلامه 
وأدوات الرسم. 

كان بحاجة لأن يرسم, بحاجة لأن يتنفسء بحاجة لأن يعبر 
بالرسم عما يعجز عن التعبير عنه بالكلام. 

هناك كان متترهون. يا للصدفة! إلهم يحتفلون موسمالبي 
أيُوب. 

المتتزهون عائلات؛ وتجمعات شبابية قادمة من مدن وأرياف. 
للإفلات وإطلاق أقصى طاقات المرح. 

أودع جواده في الخان القريب, ثم مشى مصطحبًا المخلاة بحنا 
عن دغل من أشجار البرتقال. 

دخل المكان ذاته الذي التقى فيه بتلك الجارية التي صعقها بناره 
وترك ندوبًا على نحرها. 


37 


جلس على بساط العشب الذي تطرزة زهصور برئة هراء 
وبنفسجية وصفراء. 

فتح المخلاة, وأخرج الأوراق وأدوات الرسم. ووضعها جانبًا. 

كان بحاجة إلى قليل من التأمل. 

عاد وأخرج من المخلاة تفاحة؛ فقد حرص على أن يحمل معه 
شيا من الفاكهة. ظل يتأمل وهو يقضم التفاحة. 

بعد حين, صار مهيا للرسم. قضم من التفاحة قضمة أخسيرة. 
وألقى بقاياها. 

مهّد الأرض وجعلها مستوية على قدر طبق الورق العساجي 
السميك. وأخرج أقلام الفحم: الأسود منها والرمادي: القاسي منها 
واللين, وأخرج أيضًا الممحاة اللينة كالعجين. ومنديلاً صغيرًا من 
الحرير ليمسح به فتات الفحم الذي يساقط على صفحه العاحية. 
وكذلك السائل الصمغي المثبت للرسوم. 

فرد طبق الورق على سعته وثبّته. ثم تمدد على الأرض وأخحذ 
ينظر إلى الورق ويفكر. كان بحاجة إلى فحص زوايا الورقة وامتدادها 
ليقرر من أين يبدأ. 

كان يستند إلى كوعه الأيسر. أمسك كتلة الفحم بإقامه 
وسبابته, وبدأ يبرسم الإطار العام للوجه. والينين. والحاجبين. 


38 


ثم شرع في الرسم بعمق وتأمّل؛ يرسم وبمحو. يرسم ويظللء 
يرسم بالأسود., ثم يستعمل الرمادي. رسم المرأة, رسم الأميرة. رسهها 
تمتند إلى الصخرة. صخرة الأميرة المحاذية للشاطئ. ظل يرسم حتى 
أدركه التعب. 

أغجر في ساعات ما يحتاج إلى أيام. أفرغ شحنة كانت كامنة في 
أعماقه مثل النار الكامنة في قلب صخرة. 

استلقى على ظهره. كانت أشعة الشمس تتسلل من بين 

انتبه إلى أصوات تقترب, أصوات نسائية يخالطها ضحك 
وتعابير مرح. 
الصخب. من المؤكد أن يخترن دائمًا هذه البقعة من الميزه الكبير 
للمواعدة أو البحث عن نزوة. كن حمسا بثياب زاهية. 

عندما رأينه. غطيّن شعورهن, وأقبلن نحوه بلا وجل. ولم 
الوجل وهن اللوانٍ يعرفنه منذ أن كان فتى يقفز من أعالي الأموار؟ 
بل ولِم الوجل وكل واحدة منهن تتمنى لو ترك آثار شفتيه وثما على 
صدرها أو خدها مثلما فعل على نحر واحدة منهن؟ 


36 


أحطنه وسط دهشته قانفن وضحكن وتغامزن وهن ينظرن إلى 
الصورة التي رسمها؛ فقد عرفن أن صاحبة ذلك الوجه هي 
العيطموس. السيدة ذات العزرّة. 

عند ذلك سارع إل قلب الصورة. وجمع أدواته وأقلامه 
وأعادها إلى المخلاة. 


40 


الفصل الراببع 

في مرسمه. وضع الرسمة جانبًا. لم يتأملها. ألقاها كما لوأئه 
يتمنى أن ينساها ولو إلى حين. 

عندما قي للرسم. خطر له أن يرسم أميرة يافاء الأسطورة 
أندروميدا التي تعود للعهد الإغريقي. والتي ميت الصخرة التي تقابل 
الشاطئ باسمها. 

قليل من الأهالي يعرف حكايتها. لكن الجالية اليونانية تقدّسها 
وتقيم لها عيدًا. يجتمع أفرادها -رجالاً ونساء. أطفالاً وفتيائا- عند 
الشاطئ في فصل الربيع ويحتفلون. يحملون معهم باقات الورد 
وزجاجات النبيذ ويمرحون ويرقصون. وفي فاية الحفل. يكسرون 
أواي الخزف. ثم يصمتون ويتطلعون إلى السماء. بعضهم يرسم إشارة 
الصليب وينصرف. وبعضهم الآخر تظل عيوفهم معلقة في السماء إلى 
حيث تسكن الأميرة الأسطورة في مجرّة تجاور مجرة درب التبّانة تعرف 
بمجرة المرأة المسلسلة. 

عندما رسم وجه أندروميداء بحث في خياله عن ملامح امسرأة 
يونانية» لكنه. من حيث يشعر أو لا يشعر. رسمت يده امرأة. أو 
رسمها قلبه الأرعن. رسم العيطموس بإطلالتها المبهجة, بكامل 
أنوثتهاء برأسها المرفوع وأنفها الأشم. 


41 


وجد نفسه يرسمها بجانب الصخرة. لم يقيّد يديها بالسلاسل 
كما تقول الأسطورةء بل زيّن ذراعيها بالأساور والحلي. 


اليانياننا 


استحم وتناول طعامًا خفيفاء ولبس منامته وذهب إلى سريره. 

أفاق من نومه باكراء اغتسل وتناول فطورًا خفيفاء ولبس 
ملابس العمل» ولف ورقة الرسم العاجية وأدخلها برفق في المخحلاة 
الواسعة, ووضع حامل الرسم تحت إبطه, وخرج ميمّمًّا شطر 
الشاطئ. 

مشى باتجاه المنحدر. هرول أو تدحرج فوق الرمال الناعمة 
الذهبية. غذ السير عندما أصبح أمام الأمواج التي تكر وتفر بمكدوء 
حيئا. وبصخب أحيانًا أخرى. 

كان الوقت باكراء والصبح بدأ ينفس. ويبدو الشاطئ خاليًّاء 
وثمة سفينة تجارية في العمق. ومراكب الصيادين تبدو من بعيد 
كرؤوس الدبابيس. ومحلات اليونانيين الذين يبيعون البسعطرمة 
والسجق والخمور ما زالت مغلقة. 

عند صخرة الأميرة. حط رحاله. نصب الحامل أمامها وت 
عليه الورقة العاجية. وتراجع خطوات إلى الخلف واستغرق في تأمل 
وجه أميرته, وجه العيطموس. شعر إذ ذاك بعذوبة الندى. 


42 


ها هي العيطموس, ومن خلفها الصخرة الحقيقية. ها هي تتطلع 
إليه بعينين لا يسكنهما خوف ولا فرع. سبق أن شاهد رسا للأميرة 
أندروميدا في كنيسة بيزنطية رسمها الرسام مقيدة بالسلاسل بعد أن 
قدّمها والدها الملك كوبيوس قربانًا للتنين الذي هدّد ياغراق يافا ف 
البحر. 

كان البيزنطي قد رسمها مقيدة بالسلاسل, والرعب بملذ وجهها 
بتجاعيدهة, ويشوه اها المذهل. 

لماذا أعاد برسمته الألق والنور إلى وجهها؟ لماذا أقمى عنها 
العتمة» وأدخل إليها حزمة شمس؟ 

كان قد صممء وهو يتمدد على فراشه ويستجدي النعاس» أن 
يستكمل اللوحة, ويزيدها إضاءة. قرر أن يلوتها بالألوان الزيتية. 
يرسمها لنفسه ولا يعرضها أمام أحد, يرسم أشواقا من حريرء 

اقترب من اللوحة. أخرج من المخلاة علب الألوان والفرشاة. 

ثبتها على الحامل ثم امك في العمل. أضاء الوجه بلون النبيذ 
الفاتح, والعينين بلون عسل النحلء. والشفتين بلون الياقوتء, 
والنصيف بلون حجر الكهرمان. ولوّن أساورها بألوان السذهب 
والفيروز واللازورد. 
خلفه. مثل حفيف شال حرير يلامس ظاهر الرمال. 


043 


التفت خلفه. فوجى بخادمة تلف جسدها النحيل بعباءة سوداء 
طويلة؛ وتغطي وجهها بخمار أسود. 

بادرته قائلة: أتعبتني. 

وأردفت: ذهبت أبحث عنك في البازار ولم أجدك. 

سأها بارتباك: من أنت؟ 

كانت تنظر إلى اللوحة. وكانت نظراقًا تائهة. 


لم تجب. كانت مأخوذة. ربما بالألوان. وربما بالذراع المليئة 


بأساور بلون الأحجار الكريمة, وربما بالوجه الذي ازداد ألقَا وجمالاً. 

- من أنت, وما الذي جاء بك في هذا الوقت؟ 

ابتسمتء وقالت,. بما يشبه رفيف جناحي حمامة زاجلة: مات 
لوحتك واتبعني. 

فوجى. ارتبك. ترئح تفكيره. أرتج عليه. 

أدركت الخادمة حيرته, فغيّرت نبرقا وأوصلت الرسالة 
الشفوية بنبرة جاقة كأفها تطلق الكلام من براثنها: السيدة البيلة 


صاحبة العرّة تنتظرك. 
نزع اللوحة عن الحامل ولقهاء وحمل المخلاة. لم استجاب بمذه 
السرعة؟ أكان صلحها أمنية؟ 


في طريقه إلى قصرها بصحبة الخادمة, كانت التسداعيات 
تضطرب في أعماقه. وأدرك أن جواري أو خادمات نزهة البساتين 
أذعن سرّه. وأن السيدة عرفت أنه رسمهاء وكان يحاول أن يمن هل 
استحسنت ذلك أم استهجنته. 


كان يرجّح أن ذلك أغضبهاء وما كان ها أن تطلبه في هذا 
الوقت المبكر لولا أن النار تشتعل في صدرها. أكانت السيدة مادة 
للنمائم على ألسنة جواري قصر الوالي وأميراته؟ 

خطر له أن يحتك بالخادمة ويحادثهاء فلعلها تخبره شيئًا. 

سأها: هل السيدة مستيقظة في هذا الوقت المبكر؟ 

أجابت بصوت خفيض: السيدة مصابة بالأرق هذه الأيام. 


رافقته الجارية السوداء إلى صالة الاستقبال وأشارت له 
بالجلوس. 


جلس ووضع المخئلاة جانبًا. بسط اللوحة وقلها. م وضعها 
على المنضدة ذات المفرش الموشى بمخيوط الذدهب. 


انتظر طويلاً قبل أن تدخل العيطموس بوجه عبوس. 


لج عي لوث 


45 


دخلت متكدرة, بعيون مرشوشة بنعاس صعب. دخلت دون 
أن تنظر إليه. جلست دون أن تطرح السلام. جلست وأشاحت 
بوجهها جانبًا. 

ظلل المكان صمت ثقيل, كان خلاها يقلب أمره. ويبحث عن 
مدخل للكلام. 
قال ما بين مساحة الجد والحهزل: أني وحقود؟ 

التفتت إليه. وبدا أنه نجح في فتح باب الحديث. وقرر أن يقدم 
نفسه كشخص دمث يمتلك قامة عالية وكفتّان يشار إليه بالبنان. 

تفحّصته. كأها تراه لأول مرة. كان قلقه قد اختفى, وشعر أها 
تقلب أمرها. 

امتدت يده وقلب اللوحة. 

ترددت نظراتًا قبل أن تلقي نظرة على اللوحة. ألقت نظرة 
خاطفة, ثم أشاحت بوجههاء وتناولت من على منضدة أخرى مروحة 
وفردهًا بحركة عصبية وحركتها أمام وجهها طلبًا هواء بارد. 

راقبها وقد ذهب القلق وغمرت قلبه طمأنينة وبرد وسلامء 
وراقب مروحتها ذات المقبض العاجي وريش النعام, وتلذذ بنعورمة 
بشرقاء حتى إله ود لو يقبل خدها. 


46 


التفتت إليه بعد طول صمت. كانت ممتلئة بيجمر الكلام» وقالت 
موجهة عينيها إلى عينيه: اصغ إلي. 
العيطموس؟ 

وصمتت قليلاً. وكان مأخودًا. 

أكملت بالجرأة ذاهها: قالوا لي إنك رسمتني. وإنك استبطنت 
أمطورة أندروميدا. وهذا لم يغضبني, لكنّه وجد قبولاً مني. وطوال 
الليلة لم أنم. هل تدري لاذا؟ لأن مشاعرك وصلتني. 

وعادت لتنظر الى اللوحة, وتتمتم: كيف حفظت ملامح 
وجهي؟ وكيف رسمتني بنجاح وقد التقيتني لبرهة قصيرة؟ 

وصمعت. ولعلها تبهت إلى أفها تسدفع بالكلام اندقاعاء 
فصمتتء ثم أكملت بمدوء واعتداد: تعرضت لمواقف كثيرة مشاهة 
لكن عليك أن تعلم أنك. رغم أناقتك وجمالك, لم يخطر ولن يخطر 
ببالي أن أذهب معك بعيدًا. لماذا؟ لأنني أعشق رجلاً آخر, ولا أعشق 
رجلين بوقت واحد. 

كان مأخوذاء وكانت مذهلة. لم يقل شيئًاء وتركها تواصل أخذ 

لكتها توقفت قليلاً عن الكلام وأغلقت المروحة, ونحتها جانباء 


- 


وعادت تدقق في اللوحة, ثم أضافت: لمت نفسي مرتين: مرةحين 


بعد أن أفرغت ما في جعبتها. ونظرت مليّا إلى وجهها في 
اللوحة وما فعلت ألوان النبيذ والعسل والكهرمان وسائر ألوان 
الأحجار الكريمة من سحر, بدأت نظراها ترق. ووجهها يضيء. 

قالت, بعد أن اكتمل هدوؤها وفتحت مروحتها لتجلب المهواء 
البارد: الآن وقد أيقىت أنك استبطنت صورة أندروميدا ورسمستني 
هذه الروعة, أعرض عليك مرة أخرى ما عرضته عليك أمس الأول. 

ظل صامئًّ. تفخّصت ملامحه. واستدركت قائلة: لوحة حائط 
كبيرة؛ ترسمني كأندروميداء وترسم جركس باشا في اللوحة كرمز 
للبطل (بيرسيوس) الذي نزل من السماء على حصانه امجح وأنقذها 
من الموت. 

وابتسمت ابتسامة فتلقفها بوجدانه, كأفا وردة تفتحت في 

لم يخطر بباله أن يرفض, لكنه لم يتسرٌ ع بالموافقة. 

- أدفع لك أضعاف ما تطلبه. 

كان يحدّث نفسه: فلتعشق من تشاءء يكفيني أن أراها طوال 
فترة الرسم. على الأقل, منها الحسن. ومن عيني النظر. 


عع جم 


48 


قالت له: هل الصمت علامة الرضى؟ 

ابتسم. فانفرجت أساريرهاء وعادت نسمة, وغزالة. 

تناول اللوحة وأخذ يلفها وهو يتهياً للمغادرة, فأوقفهه 
وانترعت اللوحة من يده وقالت: هذه اللوحة لي. هذه اللوحة تبقى 
معي . 

أجاب: لم أفها. ما زالت تحتاج إلى شغل. 

قالت: أكملها وأعدها لي وأدفع لك ثمنها. 

سأها مازحًا: كم تدفعين؟ 

- أدفع ما تطلبه. 


صمب . 


- كم تريد؟ 
صمت ول يجرؤ على الكلام. لو كان شجاعًا في تلك اللحظة, 
لقال ها وهو يغرز عينيه بعينيها: قُبْلة, فقط قُبْلة! 


يدانا 


الفصل الخامس 

سماء صافية, وفار نظيف. ويافا مكللة بألق؛ والبحر يزداد 
زرقة. 

لقد بدأ فصل الربيع بطقس معتدل ودافئ. قلت النساس في 
الشوارع والأسواق. وكثرت على طول الشاطئ وفي محيط المنارة, 
بينما رائحة الشواء ودخانه تنطلق من البيوت التي تتدرج نزولاً على 
التلة تحت قصر الوالي» وتنبى عن سعادة العائلات يبهذا اليوم البهيج. 

انشغل يوسف خلال الأسبوع الماضي في تجميع الخحصى 
والقواقع والأصداف من على الشاطئ؛ واختار قطعًا مكعّبة من 
الزجاج الملوّن والزجاج المعشق. وقطعًا من البلور النقي من مصنع 
زجاج في عكًا. وزار مصنع القرميد في سهل البطوف واختار ما شاء 
له أن يختار من القطع الصغيرة المشويّة في أفران ذات درجات حرارة 
عالية. ومن حيفا أحضر الملاقط والمكابس وكسارات تحول كل شيء 
إلى مكعبات متساوية الحجم. ووضع ذلك كله في صندوق فائق 
الزخرفة. لقد قرّر أن يحول اللوحة إلى جدارية من الفسيفساء. 


اليوم, تحتفل يافا وأهلها. وتحتفل نانة وأحمد آغا بعيد الربيع, 
أو الذي يسميه بعض المهاجرين من بلاد فارس عيد التيروز. يفل 
أبواه في فضاء الحديقة التي تحيطها أشجار مثمرة, وتنمو فوق عشبها 
نباتات برية: أقحوان. ونرجس, وشقائق النعمان. حت إن رقعة 
الحشيش المشذب التي تمتد حتى آخر السورء تبدو كما لو أفها سجّادة 


من لوْلْ وأحجار كرعة. 


في وقت مبكر فرشت يمنانة بساطًا فوق العشبء, وفوق 
البساط. مدّت الأرائك والوسائد, فالضيوف والمهنئون من المعارف 
والجيران يتراورون في مثل هذا اليوم؛ لذاء وضعت يمنانة على صوان 
الفضة اللامعة ما لذ وطاب من الحلوى: لقمة القاضي. وزنود 
الست والمعمول بالفستق الحلبيء والكعك بالتمرء والمطضلق. 
والمشبك, والزلابية. 
سيسافر إلى قرية الشيخ موئس لشؤون تعلق بعمله. 

اغتسل في الصباح الباكر. وحلق ذقنه. وتعطر. وهو يفكر 
برحلة البراري برفقة السيدة وحاشيتها. 

دعته منذ أمس الأول إلى مرافقتها بنرهة في التلال. كما تفعل 
في مثل هذا اليوم من كل عام. دعته وألخّت في دعوته, وما كان لها 
أن تلح؛ فهذه الفرصة أتته من حيث لا يحتسب. 


عد عاد عد 


فر العوجا أو جريشة؛ فركة كعب من يافا شمال المنشسية 
والنرهة. تتدفق المياه العذبة من قانا ورأس العين والمصرارة من جبال 
نابلس والقدس, وتندفع في الأودية العميقة وتتعرّج ثم تلتقي وتكوّن 
محر واحذاء يتجاوز الصخور ويصنع شلالات صغيرة ويغصسل 
الحجارة الكبيرة في مجراه. ويترك الطحالب تنمو على بعض ضفافه, 
ويسير باندفاع طاويًا الممافات, ثم عندما يقترب من بحر يافاء يسير 


02 0 


52 


الهويناء وتصفو مياهه. وعلى ضفتيه. تدنمو أدغال من أشجار 
الحمضيات والزيتون والكرمة والتين» ومهول مزروعة بالقمح 
والشعير. وفوق سطحه الرقراق. تحوم طيور القطا واللقلق 
والكركزان والبجع الأبيض والصقر الحوام. وعلى سطحه الرقراق. 
تجري قوارب الصيادين والمتتزهين. وتحوم حوها طيور الإوزء تلتقط 
ما يلقيه لها الأطفال من فتات. 


بدأت الرحلة بجولة هرية بقارب شراعي. 


م يكن غيره في الرحلة سوى السيدة وجاريتها السوداى 


كانت السيدة تلبس ثوبًا يافاويًا مطرزًا برسومات النجوم 
وعرق الريحان وساعة الحياة, وتنتعل حذاء خفيفًا من الجلد الطري. 
وكانت تغطي شعرها بغطاء من الحرير بلون البحر. وتبدو حيويّة, 
ووجهها مضيء, كأنغا المهواء المشبع برائحة البرتقال يرسل بين الفينة 
والأخرى نسمة طريّة إلى محيّاها. وكانت تعبّر عن ابتهاجها بالغناء. 
غناء إزمير أو الأستانة, غناء فيه عشق وتغاريد بلابل. 


كان يسند ظهره إلى حافة القارب: ويمسك بيده أوراق رسم 
مقرّاة, ويخط بقلم الفحم خطوطًا. يداري ارتباكه. ويتظاهر بدور 
الرسام. بينما هي تنطلق في الغناء والمرح بلا حرجء دون أن تعبا 
بوجود جاريتها السوداء. أو الرجل الذي يدير دفة القارب؛ فالجارية, 
كما يبدو. كاتمة أسرارهاء بينما صاحب القارب اعتاد على مرح 
ركابه وصخبهم. فلا وقار اصطااعيًا في مياه هذا النهر وبطحائه. 


53 


كانت تغني وتنظر إليه. وكان يرفع رأسه عن الورق, ويرسل 
إليها بعينيه نظرات الاستحسان والرضى. 

بعد أن اكتملت الترهة النهرية. عادوا إلى ضفاف النهر.ء حيث 
تنتظر العربة التي أقلتهم. والحوذي العجوز الذي يبقى في حالة 
الاستعداد. 

وكان ينتظرهم أيضًا بعض الخدم المكلفين بالخراسة أو إعداد 
المائدة. 

كان البساط قد فرش على حافة النهر. بعيدًا عن العربة 
والخدم. وفوق البساط. أريكة وبعض المساند ومظلة زاهية كي 
تحجب الشمس الساطعة, أو تمنح شيئًا من اخصوصية. 

جلست السيدة. وجلس يوسف. وابتعدت الجارية السوداء 
التي تبقى صامتة ابتعدت قليلاً. وظلت واقفة متأهبة تنتظر إشارة من 
السيدة لو احتاجت منها خدمة. 

كان الوقت لا يزال مبكرًا على موعد الغداء. لذاء اتكأت 
إوزَّة تعوم بعؤدة دون أن تعبأ بالقوارب التي تحجوب اللهر جيئة 
وذهابًا. 

عبرت عن سعادقا بالقول: ما أجمل الطبيعة! 

وأضافت: إها طبيعة هذه الأرض المقدسة. 


ل 0 


254 


ثم نظرت إلى أوراقه, ومألته: هل رسمتني في القارب؟ 
أجاب بابتسامة: رسمت همسات صوتك,. وموسيقى روحك. 
ضحكت وقالت: أحسنت أيها الخجول. 
وأضافت: يتعيّن أن يتحلى الرمام بجنون فني. 
ثم أكملت: أردت أن أتعرّف عليك عن قرب. وأن تتعرف 
علي. أنا صريحة وواضحة لا أضع على وجهي قناعًاء أحبيت أن 
تعرفني كما أناء لترسم روحي فعلا. 

انتبه إلى جرأهاء وانتبه أيضًا إلى أها تتجاهل ذكر جر كس باشا 
في حديثها. 

أجابما: روحك جميلة, روحك مطعمة بحضارات المتوسط. 

ضحكت ضحكة مجلجلة وقالت: أيها الخجول. كمأنت 
خبيث وجميل! 
رأيك في أن نتمشى قليلاً ونلقي نظرة على زهور التلال؟ 

هزت رأسها بالإيجاب. جمعت نفمها ووقفت. وخطر له أن 
بمسك يدها ويساعدها على الوقوف. إلا أنه لم يفعل. 


وقفت,. ومشت إلى جانبه. وكانت تتثنى وهي تمشي برشاقة. 
كانت ممتلئة بطاقة وحيوية. وكان هو كذلك. 


حاولت الجارية السوداء أن تمشي خلفهما. إلا أن السسيدة 

أطل السهل من وراء دغل الأشجار. سهل تكسوه الخنضرة 
والعشب وزهور تطرز المشهد كله. وصخور وأحجار كبيرة نحتهها 
الرياح وشذبتهاء فامتلاً السهل بمزيد من السحر. 


توقفت كأنما تحاول أن تستوعب كل هذا الجمال. 


توقف إلى جانبهاء وخطر له أن يلف ذراعه حول كتفهاء إلا أنه 
يبجرؤ. 

قالت: يا لروعة زهور يافاء الأحمر والأصفر, الناري والنبيذي 
والليلكي, القاي والفاقع! إفها زهور البحر المتوسط. تذكربي برهور 
تلال إزمير. 

تقدّم ومشى نحو حديقة الرب. نحو عمق هذه الحياة البريسة, 
ولحقت به. كان دغل من زهور بيضاء منقطة في الوسط بنقطة 
صفراء. انحنى وقطف منها زهرة, وقال: إما زهرة النرجس البري. 

تناولتها من يده ونظرت إليها ياعجاب وفرح. انحنى مرة انِة 
ليقطف باقة منهاء إلا أفها استوقفته: لا تقطفها. دعها تزهو بنفسها في 
موطنها. 

ثم أشارت بيدها: انظر هناك: كم هي جميلة تلك الزهور 
الحمراء فاقعة اللون! 


56 


مشى نحو الزهرة التي ترهو بأوراقها الحمراءء, التي تتوسطها 
نقطة سوداء وقال: إهها زهور شقائق النعمان. 

انحنت وتفخّصت الزهرة وشت رائحتها مع هوب نسيم 
شديد الرقة. رفعت رأسها وملأت رئتيها باهواء. 


مشت ومشى إلى جانبها. وكلما تقدماء ينفتح الملشهد على 
مزيد من بساتين الألوان: هذا أقحوان, وهذا الزعمطوط أو عصاة 
الراعي, وهذه خزامى؛ وتلك سوسنة. ومن بين الأشواك, تتفتح 
زهرة الخرفيش بلون زهري ساحرء وإلى جانبها زهرة الترمس تشكل 
زهورها تدرّجًاء وتبدو مثل منارة البحر. وواصلا السير. وراء 
الحجارة زهرة زعفران,. وخلف نبات الخرفيش زنبقة بريّة» وزهور 
الحمّيض والخبيزة والمصيص والمرّار والستاريّة وأوراق السرخس. 

زهور وألوان وشموخ, فلسيقان بعض الأزهار عنق زرافة, 
وعرف ديك. وعين غزالة, تشرئب تيجافها وميسمها وأوراقهاء كأنا 
تطل من شرفة. وتزهو بجمانها مثل صبيّة تسستغرق في أحلامها. 
وتضرب جذورها الطريّة في التربة. وتحيط بما الأعشاب النديّة. 

بدت السيدة مستغرقة بالفرح يبهذا الجمال من أشكال وألوان 
وروائح؛ ومن عطر ما حبسته قارورة يطلق سحره حتى الذهول في 
فضاء يتسع حتى آخر المدى. 


57 


وجه السيدة تورّد. وارتسمت على محياها المسرّة. وعبرّت له 
عن ابتهاجها بتعبيرات وحركات ورشاقة وقفزات فرح. وكلام مثل 
زقزقة العصافير. 

شعر أنها طفلة قرية من القلب. وأفها. رغم هالة المكانة 
الاجتماعية, تتحوّل إلى راعية وابئة بلد. وأها تتماهى مع الطبيعة 
وتصبح قرنفلة. 

كاد في لحظات فرحها يعانقها. أحسّ أن عصافير رعناء ترفرف 
في شغاف القلب. لكنه شكم جنونه. ومنع نفسه من التهور. 

كانت فرحة فقطء وأناملها تمسك بزهرة النرجس. لم ترسل له 
أية إشارة تشجّعه على أن يلتصق جاء وأن يلف ذراعه حول خصرهاء 
وأن يهمس ف أذفا كلمة. 

كانت مثل طفلة تفرح ببراءة. وتنطنط بين الأشواك ببساطة 
وعفوية وسذاجة. لم يكن في عينيها سهم. ولا كانت في قلبها غواية. 
لكن كانت أشياء كثيرة لم تقلها بدت جليًا في بريق عينيها تنم عن 
أشواق عذبة, أشواق كقصيدة تغفو على موسيقاها الداخلية. 


سينا 


عادا بإاطلالة فرح وزهو وتيه. وكان الخدم قد ركبوا المكان. 
ووضعوا صواب الفاكهة والجلوى والعصير. 


جلست هي أولاً واتكأت على الأريكة, وزهرة الترجس بين 
أناملها. جاء الخادم ترافقه الجارية السوداء. فحمل إبريق الشراب 
وصب الا كأاسًا. 

جلس هو قريبًا على البساط وجذب المسند واتكاًء وتناول 
بدوره كأسًا من رحيق الماورد. 

كانت أعشاب نضرة تحيط هذه الخلوة. وكانت تتكىئ وتمد 
جسدها على راحته مثل حورية بحر. وكان بعض ساقيها مكشوفاء 
ويظهر فوق القدم خلخال من فضة. ها هي تنشر أمامه سحرهاء أهي 
حركة عفوية أم مقصودة؟ 

كانت رائحة شواء تأي من بعيد, من وراء العربة. وكان الخدم 
ينهمكون في إعداد وجبة الغداء. 

جالت عيناها ني الضفة الأخرى للنهر. هناك عائلات؛. ودخان 
شواءء. وهو أطفال. وقارب يحمّل المتزهين, ويهجة حياة. واستغرقت 
في لحظات تأمل. 

خطر له أن بمسك الزهرة البيضاء ويزرعهاني خصلات 
شعرها. خطر له أن اللحظة مناسبة لقليل من الجرأة. 

فجأة. قطعت تأملها وقالت له: أتدري؟ 

وأخذت نفسًا عميقًا م أكملت: كنت أتساءل: ماذا لو كنت 
امرأة عادية بلا خدم. مثل أولئك النساء العاديات اللوايّ يستمتعن 
باللهو والفرح والعوم؟ ماذا لو واتعني الجرأة وأحضرت معي زجاجة 

59 


نبيذ؟ ماذا لو خلعت النديل الذي يترك جزءا من شعرها حرا 
وتركت الحواء يداعب وجهي ويتلاعب بشعري؟ ماذا لو خلعت 
حذائي وشمرت ثيابي وجلست على حافة النهر ومددت ساقي إلى 
الماء وتركت التيار يدغدغ قدمي بلا حرج؟ ماذا لو انتابني جنون 
الحياة وخلعت ثيابي وألقيت بنفسي في أحضان النهر وسبحت إلى 
الضفة الأخرى؟ 

كانت تتساءل وترتسم على وجهها ملامح امرأة أخرى» امرأة 
ترفل بثوب من حرير شفاف وتركض فوق العشب حافية وشعرها 
يتطاير. تركض وتصعد فوق ضباب ورياح ومطرء امرأة مبللة 
بالددى. 

لحظتهاء امتدت يده وتناول زهرة النرجس البري من بين 
أناملها. ورفع يده المرتعشة ليزرعها في خصلة شعرها. لحظتها. رفعت 
يدها بسرعة واعترضت يده وأمسكت بالزهرة. وأعادقا إلى أناممها 
وهي تنظر حوها. جفلء يا لقلبه الأرعن! يا للخيال الماكر! 

حاولت أن شّدئ روعه. وأن تعيد له الحهدوى. فغيّرت الحديث 
قائلة: متى تبدأ العمل؟ 

ورسمت ابعسامة رقيقة, وأضافت: متى سترسم روحي؟ 

ظلّ صاماء ورغب أن يدعها تتحدثء؛ فوااصلت الكلام: 
روحي تتوق دائمًا إلى الانتقال إلى ضفة أخرى. هل تعلم أن أهل 


60 


الهند من أتباع الديانة الهندوسية يؤمنون بأنَ الجسد يفنى والروح لا 
تفنى, فإذا مات إنسان, تنتقل روحه إلى جسد إنسان آخر. 

تنهّدت وصمتت قليلاً ثم واصلت: إذا صحّ ذلك. فروحي 
نساء جميلات وجريئات ويعشقن الحياة. 

كانت في تلك ١‏ للحظة منتشية. د تسكنها روح عاشقة. ويحلق 
خيالها في العصور الزاهية, وتزداد أمامه تألقًا. 

ثم نظرت إليه نظرة جذلى: نظرة طالت حت أربكته. لكتها 
أعطته انطباعًا بأفها تبسط له الحبل. فكان يتعيّن عليه أن يبقي الحبل 
موصولا. 

كان بوذه إذ ذاك, أن يسط ها كفيه ويتلقف كفيها. كان 
بحاجة للتواصل مع روحها الجميلة. لم يكن بحاجة إلا للمسة يد منهاء 
حتى ينبت له جناحان ويطير. 

كانت الزهرة لا تزال بين أناملها. لذا. هرب من نظراقها إلى 
الأعشاب والطحالب المحاذية لياه النهر المندفعة, ومنها إلى الضفة 
الأخرى التي أهاجت ذاكرقًا وذكرياقا. 

جاءت جاريتها السوداء المقرّبة. اقتربت ورمقته بنظرة ماكرة 
أدخلت على قلبه الحيرة. ثم انحنت وه#مست في أذن السيدة. ثم 
اعتدلت وظلت واقفة. 


61 


الذي يتخذ له مكائا على أطراف الرابية المطلة على البحر: متى تبدأ 
العمل؟ 

استعاد بدوره شخصية الرمام المواظب على عمله: نبدأ مسن 
الغد. ولك مفاجأة: سأحول اللوحة إلى جدارية من الفسيفساء. 

قال ذلك ونظر إلى وجهها ليرصد أثر المفاجأة على ملامحها. 
فوجئت. زقزق ورفرف فرح في عينيها. كادت تعبر عسن سرورها 
بكلام. لكنها لم تقل, وإنها بدا لو أن هالة من بمجة ونور تكلل 
رأسها. اغتنم لحظة سرورء وقرر أن ينسحب؛ إذ شعر أن الجارية ربما 
تكون قد لفتعت نظر سيدقا إلى أها تذهب بعيدًا في رفع الكلفة مع 
شاب أعزب ذاع صيته بين جواري الحاكم. 

عندما ابتعدت الجارية» ذهب التكلف. وعادت ترسم على 
شفتيها ابتسامة. 

تجرأ وسأنها: هل سببت لك إزعاجًا؟ 

اتسعت الابتسامة وأجابته: لا تقلق. 

وأردفت: المهم أنني أوصلت للجميع رسالة أنك من أهل 
النيية. 

ثم إنها أمسكت زهرة النرجس ورفعتها برفق وزرعتها في 
شعرها. 


62 


- أهذا ما كنت تود أن تراه؟ 
هرّ رأسه هرّة خفيفة لا تنم عن فرح؛ وكان يقلّب أمره ويفكر 
في الانصراف. 


قال بكل ما بوسعه من رقة وقذيب: يتعيّن علي الآن أن 
أغادر. بمنانة وأحمد آغا يحتفلان وحدهما في عيد الربيع. 


نظرت إليه مليّ. وعرفت أن ما عكر صفاء عينيه الجميلتين هو 
حركة الجارية التي وجهت ها لفت نظر. 
قالت كدوء: لا تقلق. 


أجاب بصوت خفيض: سعدت بقضاء نصف فار معك. 
وأعدك أن أبدأ بالعمل منذ الغد. 


- ابق قليلاً وتناول معي الغداء. 


- لحظة السرور ومضة. وقد عشتها. 


اع 


الفصل السادس 

مانحة ومانعة هي. مقبلة ومدبرة معًا. محافظة ومتحررة معًا. 
ذات عرّة وذات بساطة معًا. عينان يرفرف فيهما طائر عناق وطائر 
فراق. 

ملامح مظللة بالقداسة ومظللة بالغواية. أي امرأة هذه التي 
بمكن أن تنقسم إلى امرأتين؟! 

أي تجربة أنت مقبل عليها. ارسم ورقش, واصنع لوحتك التي 
تنبع من أحاسيسك الحمقاء. ومن دقات قلبك الأهوج, ومن حلم 
طائش يراودك. 

ها أنت في ليوان القصر تنتظر. تقف مثل عاطل عن العمل. 

لا أحد سوى الجارية الحبشية. 

ما عادت السيدة تطيل المكوث معك. ما عادت تبسط لك 
الحبل. ما عاد هناك فرح الشقائق والأقحوان والخزامى, ويمجة غناء 
وحركات ورشاقة وكلام مثل زقزقة عصافير. ما عادت ترتسم على 
محيّاها المسرّة. ما عادت تتماهى مع الطبيعة وتتحول إلى قرنفلة. 

ما زلت تنتظرها للاتفاق على مواعيد الرسم. 

الجارية الحبشية تراقبك كغراب يحط على شجرة ولا يبرحها. 


هيّأت نفسك لرمم اللوحة. وظللت تنتظر الفرصة. يتعيّن أن تكون 
أمامك لتكون اللوحة ناطقة. 


66 


يتعيّن أن تجلس على أريكة قبالتك وهي تعكئ وتتمدد بانسياب 
جسدها الذي يفصح عن تفاصيل مناخها وتضاريسها وطقسها 
الرائع. عليك أن تتابع ألقها بقلبك المضنى من قمة النصيف إلى 
استدارة الخلخال, ومن شحمة الأذن إلى باطن القدم. 

تغمرك بالفاكهة والطعام والشراب. وتطلب منك الانتظار 
تحت سمع تلك الجارية التي تشبه العسس وبصرها. 

مرت أيام وأنت تنتظر, تنتظر حتى أذان العصر في هذا الليوان, 
فتعود إليك وتعتذر. تعتذر وتسقيك من عينيها كأسا من عسل 
غوايتها. 

نظرهًا تجعل الدماء تسري في عروقك حارّة وماخنة. تعود 
أدراجها ويتعلق بصرك بجسدها متأودة ومتشتيّة بغنج ودلال. 

لكنها فجأة توقفت عن الظهور. 

مضت أيّامِ وأنت وحدك في الليوان. الخدم رهن إشارتك 
يقدمون كل ما تريد. لكنك تعاف حلو الشراب ولذيذ الطعام؛ 
فغيابما يملأك بالمرارة. 


كان قد رتب ف خياله خطوات العمل. رسم المورة بعلو 
الخيال. اختار الألوان من الطبيعة وما عليها من ورود ونباتات 
وقشور الفاكهة. أصبح كل شيء على ما يرام. 


جد اه اس 


66 


جهز في خياله كل شيء, بكثير من الجرأة وقليل من التهيب. 
ها هو غروب المساء الثالث يقترب, فاحمل أدواتك وغادر هذا 


المكان متسللا على رؤوس أوجاعك. 


لم يكن ثةَ ما يمكن أن يدفعك للعمل سوى بسمة من ثغرهاء 
وتلويحة من يدهاء ورئة من خلخالحاء وهفهفة من ردائهاء وتأود وتثن 
غابت عنك. غاب عطر. وغابت هالة غواية. وغاب سواد 


كحل, وكرز شفة, وعقيق قرطء ولؤلؤ يحيط بجيدها النبيل. 

فامض في طريقك, واخرج من هذا الليوان دود كأس عسل» 
وجمرة شوق. امض إلى ليلة أرق. وعطش ليل. 

سانيا 

عادت بعد أربعة أيام من الانتظار. 

عادت خفيفة رشيقة, فملاً وهجها الليوان. 

عادت بثوب قرمزي مزخرف من حرير الدمقس: مليحة مغل 
تايل غصن, مهفهفة الخصر. مصقولة الترائب. وضحكتها مجلجلة. 

عادت بإطلالة مفعمة بنسيم الصبا. 

عادت, واندفعت المشاعر كصدمة واعتصرت قلبه. مشاعر 


سرور ووحشة دخلت قلبه كصهيل خيول ورشقات مطر ولعة برق. 


أطلت عليه في الليوان. فاصطدمت اللحظات بعضها ببعض. 
أطلت عليه فجأة, ومرت هرّة أو قشعريرة أو حرقة أو مرارة دمعة 
قبل أن يصدق ما تراه عيناه. 

لحظات وققضة من حديد اعتصرت روحه ووجدانه وقلبه 
الغريق. 

كاد يفتح لها ذراعيه ويحتضنها. كاد يهم يما ويطبع على جيدها 

طرحت عليه تحية صباح. واستدارت وهي تلف شعرها بغطاء 


شفاف, وأشارت له بيدها أن اتبعني. 


دخل حرم القصر: ليوان وراء ليوان. قاعة كبيرة. زينة 
وترويق. أصص وورود ونباتات تتسلق من وراء النوافذ, أقواس 
ورواقء منمنمات هندسية, غرف عديدة, مكتبة مفتوحة مزدانة 
بالكتب والمخطوطات, حقامات وغرف للطبخ. خادمات بلياس 
موحّد, تماذح لأملحة ودروع تزين الجدران. 


مشت أمامه خطوة خطوة, كمشي قطة إلى غدير. 


عبرت أمام غرفة واسعة بايما مفتوح. ووشى سرير كبير وفخم 
بداخلها, تحيط به من كل الجوانب ناموسية من قماش الشيفون 
الشفاف؛ بأن الغرفة هي مخدعها. 


توقفت وبدا أئها تشاور نفسها. ثم استدارت وتوجهت إلى 
غرفة واسعة تجاور المكتبة. وأشارت له بالدخول. 


د © 


68 


كان متهيّبّا بل قلقاء تبحث عيناه عن الجارية الحبشية. 


دخل غرفة واسعة تحوي خزانة ملابس وشراشف وصناديق. 
وعلى جانب آخرء مقاعد جلوس. 


- اجلس. قالت برقة. 

جلس وجلست على مقعد قبالته. كان ثوبما القرمزي يعطلي 
لخديها لون التفاح. وكان يحس بالانكماش وسط هذا البذخ. نظرًا 
لملابس العمل التي يرتديها. 

قالت له: غبت عنك وسببت لك قلقًا. أليس كذلك؟ 

هرّرأسه. قالت: ذهبت إلى عكا. 

وأضافت: أحضرت معي القماش ومعجونًا من نادر الألوان 
وفرشاة من شعر السمور. 

ثم وقفت وعمدت إلى صندوق في الزاوية, وفتحته. وأخرجت 
كيسًا من قماش. وقالت: وأحضرت لك شيئًا. 

وأخرجت من الكيس قفطانًا وقميصا وسترة صديري وعمامة 
فاخرة. 


- هي هديّة لك. وأرغب في أن أراك ترتديها وتبدو با شيخ 
شباب. 


69 


كان لا يزال مأخوذا ونظراته تائهة. فقال بكل دمائة: ما 
أحلاك! 

لاحظت ارتباكه وقلقه. فحاولت أن تخرجه من إحساسه 
بالغربة؛ فلأول مرة يدخل هذا الحرملك دون أية مقدّمات. 

بسطت كسيدة الحبل له. وبدأت تمازحه: ثم اقترحت عليه أن 
ينتقلا إلى المكتبة ليشربا القهوة. 

وف المكتبة التي تحوي خزائن أنيقة تضم كتبْسا ومخطوطسات» 
بدأت تتحدث عن محتوياقا من كتب السراث العربي. والكتب 
الفرنسية التي تصلها من سعادة قنصل الدولة العليّة وحرمه في باردو. 

أحضرت خادمة بيضاء جميلة القهوة على صينية فصّة. ولم تظهر 
خلفها الجارية الحبشية. 

شرب القهوة وشعر أن عينيها لم تبتعدا عن وجهه, وأن عليه أن 
يخرج عن صمته. فبعد أن أعاد فنجانه إلى المنضدة: قال: نبدأ العمل 
منذ صباح الغد. 

أطلقت ابتسامة واسعة, وأجابت: أنتظرك. نم جيدًا الليلة» لكي 


ترسم روحي كما وعدت. 


70 


الفصل السابع 
خرج من القصر منتشيًا. ترك أدواته وأوراقه وألوانه. ونسي 
الهدية, نسيها أو تناساها. ونسيت أو تنامست أن تحمله إيَاها. تركها 
مكافها عن غير عمد, كما لو أن عقله الباطن قرر أن يترك شيئًا مسن 
أثره قريبًا من خزائن ملابسها. 
خرج خفيفا نشطا مثل طائر يفرد جناحيه ويطير لأول مرة. 


مشى على قدميه ولم يكتر واحدة من عربات النقل التي تجرّها 
البغال. رغب في أن يعود إلى البازار عبر الشوارع والأزقة وحركة 
الأسواق والحارات. 


في طريقه. مر على الأمواق التي بناها أبو تبّوت. وكان 
الفلاحون من المناطق السهلية في الأرياف يعرضون على مداخلها 
الخضار والفاكهة والطيور. بيئما الشوارع الضيقة الجانبية تغسص 
بالعتالين والعربجيّة والحلاقين والقهوجيّة. منذ زمن لم يتجوّل في هذه 
الأماكن. منذ زمن لم يلتق يمذه الوجوه القريبة من قلبه. التي يأنس 
ها. 


انتقل إلى الماحة المطلة على الجامع الكبير؛ فتغيّرت صورة 
المشهد؛ كانت هناك العربات الكبيرة المغلقة ذات نوافذ لما مستائر. 
المهيأة لنقل الركاب إلى حيفا وعكا والقدس. التي تجرها أربعة مسن 
الخيول. وكانت هناك جمعيّة خيريّة وبعض البيوت تعلق الأعلام 
والزينة لمناسبة اقتراب موسم النبي روبين, الذي تحتفل بهالمديية 


لد نا 


71 


وضواحيها. وفي الطابية, كان المصلون من النساء والرجال الذين 
يصطحون أطفالهم يخرجون من كنيسة القلعة لطائفة الكاثوليك 
ععملابسهم الزاهية. بينما فلاحون يتجمعون أماه المعصرة القرية 
ينتظرون تسلم غلاههم من زيت الزيتون. 

كانت الأشياء في المدينة تبدو له في تلك اللحظات أكثر جالاً 
وروعة, وحركة الناس تبدو مؤنسة وحمقيمة؛ فالناس هنا يحبونه كابن 
بلد محبوب. ويبادرونه بالسلام؛ ويترددون على البازار ويرافققون 
السائحين ويدلون الغرباء على المكان, وأصبح له فيهم عزوة وأهل. 

اقترب من جامع البحر القريب من حارة المدفع. ودلف إلى 
زقاق يفضي إلى البازار. 

الخادم عصام قام بواجبه في تنظيف المكان. وتلميع زجاج 
النوافذ. وترتيب المعروضات من لوحات ورسوم. وأشعل الفحم تحت 
المماورء فأعدَ له القهوة وجلب له من حانوت الحلواني القريسب 
حلاوة التمرية المحشوة بالبالوظة. 

جلس يوسف في الليوان المطل على الساحة المماوية في مدخحل 
البازار الذي يحلو له أن يجلس به. حيث الأثاث التقليدي المجلوب من 
الشام. فتح الخزانة الصغيرة التي يحتفظ فيها بأشيائه الخاصّة» وأخرج 
رسمة الأندروميدا الملوّنة. نشرها أمامه. فأطل عليه وجه العيطموس 


د 3 هِ 


72 


دقق في ملامحها بنظره نقديّة فبدت له ما اعتبرها نرعا من 
العيوب. لم تكن عيوبًا في الواقع؛ لكتّه لم يستسغ وقوفها إلى جانب 
الصخيرة. لم يكن يرغب في تكبيل السيدة بالوقوف. رغب في تغسيير 
المكان وتغيير هيئتها من وقوف إلى جلوس, ومن سكون إلى حركة, 
ومن توثر إلى استرخاء. 

ألقى نظرة عليها وأبقاها على المنضدة ليدقق بما مرة أخرى في 
وقت لاحق. 

شرب قهوته. وتناول قطعة واحدة من الحلوى, ثم أخذ يتخيّل 
ما يمكن أن يعمله من أجل أن تكون لوحة السيدة متقنة. 

لوديا 

فجأة. دخل الخادم عصام وقال بارتباك: سيديء. جاء 
الجندرمة. 

كانوا يقفون وراء الباب. فقال يوسف: دعهم يدخلون. 

دخل ضابط من الجندرمة. يرافقه عدد من جنود المواري. 

وقف يوسف والشك يساورةه؛ فقد اعتاد ضباط من الخيالة 


ومن حراسات السراي زيارة البازار للفرجة أو شراء رسوم. لكن 
دخول هؤلاء بوجوه عابمة يدعو إلى الريبة. 


بجولة في المكان. 


73 


مشى معهم. تفقدوا الغرف. والمطبخ. والصالة التي تعرض على 
جدرانها لوحات ورسوم. 

ظل الضابط يتفخحّص اللوحات. توقف عند لوحة للسلطان 
محمد الفاتح. وأخرى للحوت وهو يلفظ النبي يونس على الشاطئ» 
وثالثة للسوق الشعبية. ظل يستعرض اللوحات إلى أن أنمى الآخرون 
تفتيشهم. وأثناء ذلك» لمح من وراء النافذة حشدا من الناس يتجمع 
أمام باب البازار. 

قال الضابط: نريد فحص رسومك المحفوظة في الصناديق. 

أحس بالصدمة, فكر قليلاً. امتلك الجرأة: فنظر إلى الضابط 
نظرة تحد. 

- ماذا تريدون؟ ولاذا تفتشون البازار؟ إذا كانت هناك وشاية؛ 
أخبربي من فضلك. 

علت أصوات الناس في الخارج. هكذا يحدث في الحارة القديمة 
كلما جاء الجندرمة إليهاء ولعل قبضاياقها الذين يحون يوسف 
يتدخلون ويثيرون الشغب, فلا حارة تقوى على مواجهة الجددرمة 
مثل هذه الحارة. 

رمقه الضابط بنظرة فاحصة, ولعله كان يتريث قبل أن ييسدي 
غضبه. ثم أشار بيده نحو الليوان: دعنا ندخل إلى هذا الليوان حيث 


كنت تجلس, ونتحدث بعيدًا عن هذه الضوضاء. 


24 


دخل الضابط وتبعه جندي مرافق له. دخل وجلس. جلس 
يومف قبالته, بيسما ظل الجندي واقفًا. 

خلع الضابط قبعته الأقرب إلى العمامة, وتفحّص الأثاث؛, فوقع 
بصره على رسمة الأندروميدا فأمسك با وقرَمًا إليه وتفحصهاء ثم 
قال: هل ترسم مثل هذه الصور العارية؟ 

صدمه السؤال. وأيقن أله يتعرض لاستفزاز هدفه إثارة خوفه 
للسيطرة عليه. 

قرر أن يتمامسك. وأن يرد للضابط الإساءة بمثلها إذا اقتضى 

قال الضابط: نحن نخحرص على الأمن وعلى حماية الأخلاق 
الحميدة. 

قال ذلك وأعاد الرسمة إلى مكافاء وواصل الكلام: كيف لمن 
يرسم صورة السلطان الأعظم وحوت اللبي يونس بمذه الحرفية 
والروعة, كيف له أن يرسم مثل هذا الوجه الذي يشير الفتسة 
والغرائز؟ 

أدرك يومف أن هناك وشاية وأئه يتعرض لمكيدة, وأنّ عليه 
أن يواجه. 

- اسمع يا سعادة الضابط؛ علي أن أقول لك إنلك تتحدث مع 
واحد من أبناء يافاء عن يافاوي معجون برملها ومغسول ببحرها 


04 


75 


ومترعرع تحت شمسها. فتح عينيه على نورها. رضع قيمها وشرب 
سجاياها. ومن الواضح أنك قادم من ولايات بعيدة ولا تعرف ناسها 
وتقاليد عائلاتها. لذاء يتعيّن أن تعرف ألني لا أقبل ألفاظك النابية. 

بدا الغضب على الضابط وانفعل واهر وجهه وضرب 
المنضدة بقبضته وقال بصوت عال: عليك أن تسمع كلامي ولا 
تعتر ض. أنا أتكلم وأنت تسمع فقط. 

بدا له الضابط هضًا وضعيفاء فأصر بينه وبين نفسه على 
المواجهة؛ فأجاب: لا ترفع صوتك علي. أنت طرقت الباب. ومن 
حقي أن أسمعك الجواب. 

على حين غرة. اقترب الجددي ورفع يده عاليًا ليوجّه صفعة, 
فابتعد يوسف عن مرمى يده: وهب واقفا. وأمسك يد الجندي بيد 
وأمسك بتلابيبه باليد الأخرى. 

عند ذلك, تدخل الضابط, وأمر الجندي بالخروج. 

لعل الضابط قلب أمره. وخيّل إذ ذاك ليوسف أن الضابط يعيد 
حساباته. لعلّه خشي من الحشود التي تت تعجمّع. أو قد خيّل إليه أن هذا 
الكاب التروم سي اق رد اللاي 

خرج الجندي» فرسم الضابط على شفتيه ابتسامة صفراء. 


وقال: نحن جئناك بزيارة ودية. 


- لكن رجالك لم يكونوا ودودين. 


26 


وقف الضابط وقال مداريًا ضعفه: سترورك مرة أخرى على 
كل حال. 

قال ذلك, ووقف. أدار ظهره ومشى متصتعًا العجرفة. ثم 
خرج وخرج رجاله خلفه. وفي الخارج, كان ثلّة من جنود الخيّالة 
ينتظرون وتنتظر معهم خيولهم وسط جمع من الرجال والنساء 
والأطفال والقبضايات. 

لم تكن مغادرة الضابط وخيّالته سهلة؛ فقد سدّ محبو يوسف 
الزقاق الذي يفضي إلى الساحة ودلقوا الماء والزيت على بلاطه. 
وحاول الخيّالة شق الطريق بقوّة عصيّهم ورماحهم. لكن منابك 
الخيول ظلت تتزلق والخيّالة يترنحون. والضابط يعوتر ويرتبك» 
والخيول تجفل وتحمحم. وسط صفير الحشود وضجيجهم وجلبتهم. 
وجلب ذلك انتباه السكان الذين أطلوا من على الأسطح 
والشرفات. 

تابع يوسف المشهد بانبهار. 


ها هم الناس يجدون الفرصة للتعبير عن سخطهم على مؤلاء 
الذين يحصلون منهم الضرائب بالكرابيج والعصي. دافع شفقة وخلق 
كريم دفعاه للتدخل ومحاولة فتح الطريق. اندفع وشق دربه بينهمء 
وفتح ذراعيه طالبًا من الناس تمكين الجندرمة واخيّالة من الخروج. 
وبدأت الحشود تستجيب وتفتح الطريق, لكن دون أن تكف عن 
ترديد عبارات السخرية وتلطيش الكلام باللهجة البلدية. وتحريك 


الأيدي بأشد الإشارات بذاءة. 


77 


انصرف الجندرمة والخيّالة ترافقهم الخيبة. وانصرف الرجال 
والنساء. إلا أن بعض الشبان. وبعضهم يحمل عصيًا غليظة مدببة 
الرأس ومزروعة بالمسامير, ظلوا واقفين أمام البازار. 

عرف يوسف أفهم يحرسون المكان تحسبًا لعودة قوة جديدة من 
الجندرمة فوقف معهم., وتبادل معهم الحديث. وحاول قدتهم. 
وأدخلهم إلى البازار وقدّم لهم القهوة والعصير. وصار الجو مؤنسّا 
وحميمّا. حتى إن أحدهم رفع صوته بالغناءء وردد الآخرون وراءه. 


راق الجوء فاقترح عليهم يوسف الترول إلى البحر وقضاء 
الوقت بالسباحة. 


الفصل الثامن 

فار جديد, فار نظيف عسعست فيه غيوم خفيفة فوق المدينة, 
وغلفت الأفق بالضباب عندما تنفس الفجر. 

فار جديد, وأجواء لطيفة, ونسمات تنشط من اتجاه البحر. 
وبعد صلاة الصبح, امتلأت الأزقة بالعمال والفلاحين وطالبي الرزق. 
وفتحت العائلات نوافذ بيوقًا. وأفاق يوسف على صوت والده. 
وهو يفتح باب البنثت ويردد أذكار الصباح: اللهم خالق الخلق 
وباسط الرزق فالق الإصباح. رب أسألك خير ما في هذا اليوم وخير 
ما بعده. يا حي يا قيوم. 

هيأ نفسه سريعًا؛ اغتسلء وشذب لحيته الخفيفة؛ ولبسء 
وتناول فطوره مع والديه, ثم عاد إلى غرفته. 
أمس على إغلاق مسامه بمعجون (الجيسو), حتى لا تتسرب الألوان 
الزيتية» وشدّه بقوة لكي تكون أبعاده متساوية. 

ثم وضع في المخلاة الألوان الطبيعية التي جمعها من الورود 
والثمار المجففة وعجن مسحوقها بزيت الكتّان ووضعها في زجاجات 
وأحكم إغلاقها. كما وضع زجاجة تشيت اللون بمزج الممغ 
بالكحول. ووضع أيضا الفرشاة التي كان قد صنعها بنفسه من شعر 
السنجاب, واللوازم الأخرى التي يحتاجها. 

حمل المخلاة واللوحة بقماشها وخرج. 


فم لنفا 


79 


خرج ويمنانة تدعو له دعاءه المحبب: الله يحميك. ويجعلك على 

حمل منلاته وإطار اللوحة وقصد. 

ركب عربة الحنطور وبمم شطر قصرها الصغير. 

وصل والندى لم يجفْ بعد. وصل وعبّر الحديقة المثقلة 
الشجيرات بالورود التي تطلق شذاهاء وألوافاء وأنوارها. 

دخل الليوان وهو يحمل الإطار. وكانت باستقباله الجارية 
(أسرار). 

أحسّ بالانقباض. لكن عندما أطّلت العيطموس بكامل قائها, 
شعر كأن نسمة من نسيم الصباح هبّت فجأة على محيّاه. فوقف محبة 
وإجلالاً. 

سلّمت عليه. وطلبت منه أن يدخل إلى صالة داخلية ل يسبق 
له أن دخلها أو انتبه إلى وجودها. مدخلها من باب جانبي في الليوان. 

دخل. ودخلت وراءه الجارية أسرار. 

صالة واسعة, مزيّئة ومزوّقة, وتحتوي على أثاث خفيف؛ وعلى 
أريكة وثيرة, ومرأة ذهبية تشغل نصف حائط. 

وكان قبالة الأريكة ما وعدت بإحضاره: حامل اللوحة, ومقعد 
أنيق» ومنضدة تحتوي على حامل صغير لفرد الألوان ومزجهاء 


ع 


50 


خرجت الجارية. وبقي معها على انفراد. 

شعر بشي ء من القلق. كان دخول الجارية وخروجها يقلقه. 
ودارى قلقه بتعليق الإطار على الحامل. وإخراج زجاجات الألوان 
الزيتية من المخلاة, 

لاحظت ما يرتسم على محيّاه من قلق, فقالت: ألم يعجبك ثوبي؟ 

ابتسم وأجاب: يتعيّن أن أدقق بجمالك وجمال ملببسك على 
مهل. وعلى راحتي؛ فالرّاح يشرب على مهل ولا يشرب دفعة 
واحدة. 
الفاخر. ثوبًا طويلاً موشى بخيوط الذهب ومرصعًا باللؤلز. له أكمام 
واسعة. ولوسطه عند الخصر زئارء وذيله يالامسس الأرض الملساء 
المبلطة بالرخام. 

على الصدر قبَة مستديرة. ومن الرقبة يتدلى عقد جواهر كرعة 
متعددة الألوان. 

قالت, وهي تتناول قبعة وتضعها على رأسها على شكل 
مخروط. منسوجة بعناية ومرصعة بحجارة كريمة. ويتدلى من طرفيها 
قماش مجدول ينتهي بشراشيب, وضعتها على رأسها. قالت: هذا 
الثوب جاءني هدية من السلطانة (نخشديل). محظية السلطان عبد 


الحميد الأول وحبيبته وزوجته. 


01 


بدت إذ ذاك كملكة, تألق وجهها تحت القبعة» وأعطت القبعة 
لها مهابة سكان القصور العريقة. 

ظل مبهورًا. ويبدو أنها قررت أن تلوّعه؛ فاستلقت وتهددت 

قال لها ما خطر له. 

فقالت: يا للدهشة, هل قرأت ذلك الكتاب؟ 

هر رأسه بالإيجاب. وأضاف: قرأت بعض أجزائه. 

اتكأت وسوّت أطراف ثوبمًا لتغطي كامل جسدهاء وتركت 


مساحة ما ليظهر حذاؤها الجلدي الفاخر المحكم الربط بخيوط بلون 
البن الأشقر. 


قالت وعيناها تلمعان ببريق: كانت السلطانة تححب حكايا 
الكتاب, وكنا نقرأ معًا بعض فصوله في التزهات. 

صارت وهي جالسة على أريكتها قمرًا ووردة. صارت متألقة 
وباذخة الجمال, ومشعّة كلؤلؤة المرزبان, فلا عري في اللوحة, لكسن 


العينين أشد إثارة من العري. 
وتذكر مداهمة الجندرمة للبازار يوم أمسء؛ لكنه لم يشأأن 
يخبرها لكي لا يعكر صفو هذا الجو شديد الألق. 


كان عليه أن يبدأ الرسم. فقد أعطته إشارة البدء حلما اتكات 
على الأريكة. وكان خياله يرسم صورًا فاخرة لدساء الحكايات 
وعوالم السلطانة نخشديل. التي يسمع عنها روايات تشبه الأساطير. 

كان عليه أن يرسمها مستبطنًا يمجة ونضارة ومسرة ولذة وفرحًا 
ومرحًا أعلى حدود الخيال؛ أن يرسم ثويما ووجهها وعينيها 
وحاجبيها ورموشها ونارها على هذا القماش الدمشقي. 

عليه أن ينتبه, وي ركز ويرسم بمشاعره وأحاميسه. وحواسه 
التمبين: 

بقلم الفحم. بدأ برسم الإطار العام على القماش, آخدًا بعين 
الاعتبار الكتل والمقاسات. والمساحات المناسبة. وكان يرسم ويصحح 
بالممحاة. بينما هي صامتة تطلق عليه بريقها وهيبتها وطهرها ومكرها 
ومجوها. 


الييزايياننا 


أنفى المرحلة الأولى بعد وقت لم يدر أطال أم قصر. 


تنفس بعمق وهو يعيد قلم الفحم إلى مكانه. وقال ها: تكتفسي 
بهذا القدر اليوم. 


53 


حركت جسدها. اعتدلت وهي تنظر إليه بول وقالت: ما 
أجملك! لأول مرة تتاح لي الفرصة لكي أتأملك وأكتشف شخصية 
الإنسان النبيل فيك. كنت ترسم بروحك وتنظر إلي وتتأمل دون 
ارتباك أو وجل. 

ضحك دون أن يقول شيئاء ومسح يديه بقطعة القماش ليزيل 
آثار الفحم. بينما اقتربت من اللوحة وتأملتها. 

قال لها وهي تتفحص اللوحة: لا تحكمي عليها من هذه 
الخطوط. احكمي عليها وهي تنير بالألوان. 

تركها تتأمل, وأخذ يلملم أشياءه., ويتهياً للمغادرة, فبعد هذا 
الاستغراق الطويل: عليه أن يأخذ قسطًا من الراحة. 

نظرت إليه نظرة حنونة عكست انبهارها وإعجاماء فاقتربت 
منه ومست وهي تكاد تلامس وجهه: اليوم أنت ضيفي على الغداء, 
فحذار أن تعصي أوامري. 

حمست ووصلته أنفاسهاء رائحة سواك وأراك ومسك. 
لأنفاسها رائحة حديقة. 

ود لو تواتيه الجرأة فيضمها إلى صدره ويقبّلها. 

ابتعدت قليلاً. عليه أن ينتظر, وأن يتصرف بدماثة وعقلانية, 


وأن يكون صبورًا. 


أمسكت يده بعفوية. وسحبته معها إلى غرفة الطعام عبر باب 
داخلي. 

غرفة على النمط التركي؛ ستائر من الجلد مصبوغة باللون 
جلوس ومساند, وطقم صحون من البورسلان. 
فوجى. فاكتفى يز رأسه. وفي الوقت نفسه. جلست السيدة على 
مقعد يقابله. أشارت السيدة بيدها فتحركت أسرار على الفور. 
نظرت إليه وقالت ممازحة: بينك وبين أسرار خصومة؟ 

أجاب: أشعر أنها تنظر إلي نظرة غراب. 

ضحكت.» وقالت مدوء: لا تغلط. هي واحدة من أنبل 
الوصيفات. وهي قريبة من قلبي. دقق في ملامحها عن قرب. سترى 
كم هي جقيلة هذه الخلاسية. 

وأضافت: اسمها أسرار. اسم على مسمىء فهي حافظقة 
أسراري. هي وصيفة لي وليست جارية؛. منحتني إياما السلطانة 

في تلك اللحظة, عادت الجارية أسرار» (عليه أن يتعردمن 
الآن فصاعدًا على لقب الوصيفة لا الجارية). 

عادت ووراءها خادمات يحملن أطباق الطعام؛ حساءع وورق 
عنب وبابا غتوج, وطاجن دجاج بالخضارء وطبقّا من الكباب 


85 


المشوي على طريقة أضنة,» وخبيرًا مسدهونًا بالزبدة ومرشوثا 
بالسمسم. وأشياء أخرى مغطاة. 

وضعت الخادمات الصحون والملاعتى والشوك والسكاكين وفق 
نظام الإتيكيت» وخرجن. تقدمت أسرار وقاللت هما حسب 
الأصول: شهيّة طيبة. 


5 
0 


ثم استدارت وخرجت على مهل. 

تيسّر له خلال ذلك أن ينظر إليهاء وأن ينتبه إلى لونما الأسمر 
الخلاسي. وأدهشه أن وجهها جميل بالف ا. وأن تقاطيعه دقيقة 
وليست غليظة كما كان يتخيل. 

قالت السيدة: تفضل. 

نظر إلى الطعام الشهي الذي تنبعث منه رائحة البهارات» 
وأبدى إعجابه, فأضافت: تستطيع أن تأكل على راحتك دون أن 
تتقيد بالإتيكيت. تستطيع أن تأخذ الحساء قبل الوجبة الرئيسة أر 
بعدها. تستطيع أن تأكل بيدك إذا شئت دون ا«ستخدام الملعقة أو 

كان قد سمع شرحًا عن إتيكيت الطعام في مدرسة الراهبات من 
خلال استعمال الشوكة والسكين فقط. وأن الملعقة هي لشرب 
الحساءء وأن فوطة أنيقة الشكل تثبّت حول الرقبة» وفي المآدب؛. على 
المرء أن يعرف أن قطعة الخبز تكون على يساره؛ فلا يأكل من خبز 


ااانه 


جاره الجالس على بمينه. وأن كأس الشراب, سواء كان ماء أو نبيذًاء 
يكون على يمينه. فلا يشرب من كأس جاره الجالس على يساره. 

ذكر ها ذلك. فأكدت,. وأضافت بعض التعليمات الأخرىء 
كشرب الحساء بمدوء دون أن يصدر لاحتساله صوت,ء وآداب 
الأكل والمضغ برقة ودون عجلة, وأن ينهي وجبنه في المحن في 
الوقت المناسب, والحديث مع الجار ومجاملته. والتحلي بالظرف إذا 
ما كان الحديث عامًا. ولكل مرحلة من مراحل الطعام أسلويا؛ 
فالحديث أثناء الحساء أو المقبّلات يكون مقتضبًاء واللحديث أثناء 
الوجبة الرئيسة يكون متسعاء والحديث أثناء تناول الحلوى مرحًا. 

وقالت: إِنْ السلطانة نخشديل هي التي أدخلت نظام الإتيكيت 
في القصر, وفي المآدب الرسمية على النظام الفرنسي؛ لأنما من أصول 
فرنسية؛ فقد خطفها القراصنة وهي صبيّة وباعوها كجارية إلى داي 
الجزائرء وكانت شقراء بعينين زرقاوين» وعلى جانب مذهل من 
الجمال والأناقة والثقافة. ولكي يتقرّب الداي من السلطان عبد 
الحميد الأول. أرسلها هدية إلى قصره. وكان العرف أنه ما إن تدخحل 
الجارية القصر. حتى تعتنق الدين الإسلامي, ويتم تغيير امها باسم 
جديد. وكان اسمها (إيمي). وطمع فيها كل الذكور المتنفذين في 
القصر, لكتها لم تستجب لأي منهم. ووصل خبر جماهها وأناققها 
وثقافتها إلى السلطان فطلبها وسحر بما وقرَبما إليه. وألحقها بالحرملك 
خاصته. وهي كانت تسعى لذلك؛ كانت تريد أن تتحقق نبوءة 
العرّاف. السلطان نفسه سمَاها نخشديل, أي السيدة مطرزة القلب. 


عه اس#» الله 


57 


دخلت فراشه عن طيب خاطر, وحملت منه وولدت له طفلاً 
فتحولت مكانتها من جارية إلى سلطانة» ولم تدس أصوها وثقاففها 
الفرنسية, فأدخلت كثيرًا من النظم الفرنسية على القصر ومآدبه 
وأثائه ومطبخه. بل إنها أقنعت السلطان بإقامة علاقات دبلوماسية 
وقنصلية مع فرنسا. 

في تلك المرحلة, عملت معهاء. وساندهًا عندما كانت الدسائس 
والمؤامرات مشتعلة قي القصر بين الحريم. مؤامرات ودسائس. بل 
وجرائم. من أجل أن تصل كل منهن إلى لقب (السلطانة الأم). 

وقفت إلى جانبها وكنت قد ترقيت في الحرملك من رتبة 
(الكلفة), التي تدير شؤون الحياة اليومية في جناحها. إلى رتبة 
(اللجوزدة), التي ترافقها وتنقل أوامرها وتؤانسها ني السراء والضراء. 

وعنما تعرّضت إلى الخطف من أحد قادة الإنكشارية بمؤامرة 
من زوجة السلطان الأولى ضمن تلك الدسائس. عملت ونجحت في 
إنقاذي. وبعد ذلك. وللحفاظ على حيان: منحتني حريتي. وأعادتني 
إلى مسقط رأسي في إزميرء ووضعتني تحت حماية جركس باشا أمير 
البحر في جزر إيجة. 

كل ذلك الحديث جرى على المائدة. تحدثت دون أن تمتد يدها 
إلى الطعام, وبدوره. أخذ رشفة من الحساء. وأخذ ينصت إليهاء 
ويراقب تعابير وجهها وانفعالات ملامحها. وتقلب الأسى أو الحنين في 


58 


لم يلفت انتباهه الحديث عن السلطانة: بقدر ما لفت انتبامه 
قصر السلطان عبد الحميد الأوّل» وأفا خضعت لما تخضع له 
الجاريات من اعتناق الدين, وما يتعيّن أن تتعلمه الجواري من ثقافة 
القصر وتقاليده. 

صمتت فجأة. صمتت واغرورقت عيناها بالدمع. لعل الحديث 
فتح في قلبها جروحًا غافية لم تفصح عنها بعد. 

ثم وقفت وسارعت إلى الخروج من الغرفة» وكان يسمع عن 

وعندما عادت, كانت قد غسلت وجههاء وغاب ما كان من 
كحل وتطرية في عينيها وخذيها. فاعتذرت له. ورسمت على شفتيها 
ابتسامة. وقالت: أرجو ألا تؤاخذي؛ ما كان علي أن أسبب لك 
الإزعاج: وأن أقطع شهيتك. 

فتجرأ وأمسك يدها بيد. وربت على كتفها باليد الأخرىء 
وعندهاء رفعت يده التي تمسك يدها لتلثمهاء إلا أنه سحب يده 
وقبل رأسها. 

انفرج الجوء وحكى فا طرفة لينترع ض حكتها فضحكت. 
وبعد ذلك. عادت إلى طبيعتها. بل إلى جنوفاء فصرخت وهي جذلى: 
هيا ناكل» نأكل بأصابعنا وبأكفنا وبأيدينا وبرموشناء إلى الجحيم ذلك 
الإتيكيت. لا نريد وساطة بين الزاد وأفواهنا. 

قالت ذلك وغاصت يدها في طاجن الدجاج. 


ما نا 


5859 


وجاء وقت المرح؛ أطعمته من يدهاء وأطعمها من يده. برضاها 
مرة وبشكل قسري محبب مرة أخرىء أثارا المرح والفرح 
والصخب. 


لعل هذا الصخب اللذيذ وهما يأكلان كغجريين أثار انتباه 
أسرار, فأطلت من وراء الباب. اختلست نظرة أثناء انشغالهما يكمذا 
الهرل وألقت نظرة سريعة, واختفت. 

كان ذلك المرح يشبه مرح أطفال عراة في حوض سباحة» 
بمرحون ويثيرون الصخب ويتراشقون بالماء. 

انتهى المرح والصخب وتناول الخلوى. وكان لا بدمن 
مواصلة العمل, فقد تجدّد نشاط كل منهما. 

عادا إلى غرفة الرسم. 

عادت إلى أريكتها بعد أن أصلحت من زيتهاء واتتفذت 
جلستها كما كانت» وكان وجهها متورداء وعيناها تطلقان البريق. 

اهمك في نشر ألوانه على حاملة الألوان, والتأاكد من أن 
الفرشاة جاهزة للرسم. 

قال ها: سنبدأ الرسم بألوان الزيت, وعليك ألا تعحركي. 

ضحكت وقالت له: أعطني استراحة قصيرة بين وقت وآخر. 


قينا 


20 


بدأ يرسم الوجه بالألوان, رسم بمدوء وبمشاعره المرهفة. 

تابعته بنظراتها وهو يرسم ويحرك الفرشاة ويحوّل الرسم إلى 
موسيقى. كان قد شمر قميصه الفارسي المشجّر. وخلع الطاقية 
اليافاوية عن رأسه. فتدلت خصلات الشعر على ناصيته. 

يتوقف ليمزج الألوان ويخترع إضافة ولطشة فرشاة؛ مثئل شاعر 
هبط عليه وحي., أو عازف بيانو يعمل بلا هوادة. 

يعرق فيمسح عرقه بطرف قميصه. تتلطخ يداه بالألوان 
المتوالدة. فيمسحها بالفوطة البيضاء فتتورّد ولا تتسخ. 

طلبت استراحة, فتجاهل طلبها. عرفت أنه لا يريد التوقف ما 
دام مشحونًا بطاقة وحيوية. 

مر وقت طويل قبل أن يتوقف. لم تكن متعبة. كانت تتأمله 
وتتابع حر كاته بلذة. 

كانت ملتذة ومفعمة بالمشاعر. طلبت استراحة لتتقدم وتمسح 
بعنديلها عرقه, وليأخذ فرصته في استراحة بعد جهد مضن بذله. 

وعندما توقف, صفقت له بكفيهاء فانحنى لها وابتسم ثم 
استأذفها ليغسل وجهه ويقضي حاجته في بيت الراحة. 

تأملت ما فعله. لم تكن الألوان تغطي كامل المساحة» كانت 


هناك بقع لا تزال فارغة. ومساحات متفرقة مضاءة, بعضها مضساء 


ع جد اه 


وخربشات. وآثار ما للمسة الفرشاة. 

عندما عاد, سارع إلى القول: لا تنظري إلى اللوحة الآن. ما 
زالت قيد النفيذ, سترينها في وقت لاحق. 

وأضاف: سأكملها في المرسم. وضعت الخطوط والسمات 
العامة وحفظت كل دقة قلب تنبض داخل صاحبة الصورة. 

هزّت له رأسهاء وكانت لا تزال في ثوب الملكة. ثوب 
السلطانة. فهمست با يشبه الوجد: أثق بك. أثق عوهتك أيها 


32 


الفصل التاسع 
مر أسبوع. ما غادر به مرسمه في البازار. انكبّ على العمل 
اللذيذ. رسم بالألوان الزيتية» وكذا مزج بعضها ببعض وصنع ألوانا 
جديدة كالبرتقالي» والليلكيء والقمحي. والسزيتي, والأخضر 
الفستقي, والأصفر العميق ولمْحمّر, والعسلي. وغيرها من الألوان 
التي تثير الخيال» وتزخر يما الطبيعة كألوان الفاكهة. والظباءء 


والأيائل, وومضات البرق. 


كانت الفرشاة تمس القماش بحنو ورشاقة, وكان يشعر بقوة 
خارقة ملهمة, كأنه وسط عاصفة من الأساطير. تظلل فؤاده إشراقة 
تفوق الوصف. رسم وزيّن تفاصيل غموض آسر. ووضوح نقي. 
رسم بالفرشاة ودوزن أوتار فكرته بعناية» واستعمل يده وأصابعه 
بقدر وقبراط. وأخيرًاء اكتمل استواء السيدة على أريكتها. وبدت 
كأئها خارجة من وراء المجرّات ونجومها وأقمارهاء من وراء الرياح 
والبرق والرعد والمطر. 

عندما أفهاهاء تأمّلها طويلاً. وشعر أنه يتفوق على نفسه. 
فحدّث نفسه بصوت عال: الآن.. الآن فقط أصبحت رساما. 


تركها تجف وبانتظار ذلك» صنع لما بيديه إطارًا جديدا مذهبًا. 
ها هو يحملهاء بل يحضنهاء وإن كانت تحت إبطه. يمشي يما في 


الدروب والأزقة كأنه يريد أن يعطرها برائحة الخبز التي تفوح من 
البيوت والتي تبدو أشهى من رائحة البخور, ويرد الحسد عنها بالرقى 


د ل كا 


2523 


والتمائم والخرز المثبتة على بوابات البيوت, والمعوذات المنقوشة على 
الرخام فوقها. 

خرج مبكرًا قبل صياح الديكة. ترك المخلاة في البازار. وحمل 
اللوحة المغطاة بغلاف من الورق الزهري الشفاف. 

غلّفها كزجاجة عطر تغفو في قارورقاء وخرج قبل انبلاج 
الفجر. سار في أزقة المدينة النائمة» ومشى في دروياء حيث البيوت 
التي تطل من شرفاهًا أصص الزهور ونباتات الزينة. 

المنارة فوق أعلى التلة ما زالت مضاءة. ورائحة البيوت العتيقة 
ها عبق. والندى يحخط على حجارقًا وشبابيكها وأغصان أشجارها 


ويبعث في البدن رعشة. 


كائه, وهو يحملهاء يرى الأشياء مختلفة» يسير ويستبطن صورة 
السيدة وحنينها وأنينهاء وفرحها وأوجاعها. لم تبرح تعابير وجهها 
خياله المضنى طوال الأيام الفائتة. ها هو يتعلق ما تعلق النجوم 
بالسماءء وتعلّق الخُشْف بأمّه الغزالة. 


يحول في الشوارع؛ والصبح إذ ينفس. 
يشعر بالراحة والسكينة, وينتظر صوت المؤذن وانبلاج فجر 
هذا اليوم الجديد, وقدوم لحظة الشروق والضياء. حيث تولد البسمة 


والانشراح والسرور والضياء على وجه هذه المدينة الرابضة على 
هذه العلة منذ الأزل. 


جمال يافا أبلج. وقبح أعدائها لجلج. هكذا كان يقول أستاذه 
الشيخ عندما كان يتعلم النحو والصرف في الجامع الكبير. فصار 
الأولاد يتبارون في اللعب بالكلمة ونسج كلمات على قياسها. 

لماذا يشعر بجمال المدينة ومحرها في هذا الفجر؟ لاذا تبدو له 
الأشياء يمذا الجمال؟ 

الصمت والسكينة, رائحة الحجارة, الأقواس والأروقة. رائحة 
البحر. ضوء المنارة, صمت السفن ف الميناع. الماذن والقباب. كل 


شيء له طعم حسي خاص. 


مشى إليها ومشت معه اللوحة. ومشت أشعة تمس وليدة, 
ومشى معه حنين يعتصر قلبه. ومشت معه حكايا الحرملك والسلطانة 
والخيال. 

طرق الباب, ففتح الجنايني الذي يعتني بالحديقة, وأقبلت 
أسرار, الوصيفة لا الجارية. أقبلت تسبقها ابتسامة تكشف بياض 
أسنافاء وتكشف عن غمّازة في خدها. لم تكن سوداء كما كان 
يراها. كانت بلون خليط القهوة بالحليب. وأيقن لحظتها أله يراهما 
بعين الرضى. 

حاولت أن تخفف عنه العناء, وتناول اللوحة. لكنه تمسّك بما 


باصرار, واعتذر ها. 


قادته إلى الليوان, وأشارت له بالجلوس. وقالت بكل رقة 
ودماثة إن السيدة ما زالت نائمة, وإها ستوقظها بعد ساعة. وجلست 
على مقعد قريب بلطف وكياسة لكي لا تتركه وحيدًا. قال لها: إئه 
ليس في عجلة من أمره, وسينتظر السيدة حتى تنهض. 

أجابته: تشرب القهوة وتتناول الإفطار, ثم تدخل إلى القاعة 
التي خصصتها السيدة للعمل. 

فوجئ بمذا التحوّل. ما الذي غيرها وجعلها ترسل له إشارات 
ود؟ لعل هذا الود مجلوب من رغبات السيدة. 

أجابما: أشرب القهوة, لا حاجة للفطور. ما زلت متخمًا مسن 
غداء الأسبوع الماضي. 

كانت تعرف أله والسيدة أكلا في تلك الظهيرة بالأيدي. وكان 
وراء الباب بعد أن وصل إلى مسامعها ضجيج المرح وكل منهما 
يطعم الآخر بالرضى أو بشكل قسري محبب. 

ضحكت ضحكة تنم عن خبث لذيذ, وقالت: إِذَاء تشرب 
القهوة في شرفة المرسم. هيا. 


شرب القهوة في شرفة الغرفة المطلّة على جانب من البحرء 
وذهبت أسرار إلى شأقا. 


بحث عن مكان مناسب في الغرفة. وجد طاولة زينة أنيقة عليها 
مزهرية في ركن مقابل للنافذة والضوء. أزاح المزهرية ووضع اللوحة 
عليها كما هي في غلافها. ثم عاد إلى الشرفة يتأمّل وينتظر إطلالة 
السيدة. 

مر وقت طويل. أو خيّل له ذلك, قبل أن تستيقظ السيدة. 

عندما علمت بوجوده في المرسم, أطلت عليه من وراء الاب 
بحذر؛ فقد كانت في ثوب نومها الرقيق. أطلت عليه بعيون لا تزال 
تحت تأثير الكرى. ومحته في الشرفة يدير ظهره وينظر باتجاه البحر. 

عادت بعد ساعة بكامل زينتهاء ووجهها متورد من مخونة 
بروز صدرهاء ودقة خصرهاء وامتلاء جسدها. 

دخلت يسبقها عطر ورائحة بخورء أحس بخطوافا. فاستدار 
وأقبل عليها. 

بينهماء كان بمتد حبل شوق ورذاذ أحاسيس ومشاعر. 

قالت: هجرتني أسبوعًا ول تأت لتقول كلمة مرحبًا. 

أجابما وهو يتّجه نحو اللوحة المتكئة على طاولة من خشب 
الأرز: كنت أقول لك وطيفك أمامي في اللوحة ألف مرحبًا في كل 


رمشة من عيوي. وكل رميشة. 


كان في عجلة من أمره ليقدم للسيدة الأميرة أوراق اعتماذة. 
فعمد إلى الركن: وبكل خفة وأناة ورشاقة؛ نزع الغلاف عن اللوحة 
فأطلقت صرخة فرح: يا إلهي! 

دققت في اللوحة. يا لبذخ الألوان! يالانسياب الجسدء 
وانسياب الغوب السلطانن, والقبّعة السلطانية! يا للعينين والأنف 
والشفتين والرقبة والأقراط والحذاء! 

كأفها ترى نفسها لأول مرة. تدور وتدور حول اللوحة المنبعسة 
على الطاولة, تدور وتدور معها عياه. تدور لهفعه. تتوقف فجأة. 
تتوقف عيناه على انفعالات وجهها؛ طائر الشباب يرفرف في عينيها. 
هالة سرور تكلل قامتها. فجأة, تطلق هتاف فرح وتكاد تقفز وتطير» 
قتف مثل صهيل فرس, مثل حنين ناقة, مثل سليل غزالة: مثل تغريد 
بلبلة. قشي وتنادي أسرارء ويلذ له سماع حفيف عباءقا وهي تنادي 
بصوت مثل دندنة وتر. 
يشاطرها الفرح؛ من يشد أزر جنوها. 

ظل مشدودًا لهذا الفرح الذي يقفز من حواسها. اندفعت 
نشوة الفوز وسرت مع الدماء الخحارة التي تسري في عروقه. 

غرغرت دموع في عينيه. وظلت السيدة والوصيفة تديمان 
النظر إلى اللوحة؛ وتعبّران عن الابتهاج على طريقعهما. ضاقت 


0 


المسافة بين السيدة والوصيفة؛ تحولتا إلى حمامتين زاجلتين. جاشت 
مشاعرهما بفرح غامر. وبعاطفة متدفقة. 


شعر بالثقة والقوة والتجدد. فرح مثلها. فرح كما لم يفرح من 
قبل, فاخرج منديله ومسح دموعه. عندها توقفت السيدة عما 
كانت فيه من حركة وحيوية, وكذا فعلت الوصيفة. 

أقبلت عليه. أمسكت يده وانحست عليها ولثمتهاء ثم أطلت في 
عينيه, وللعيون لغة. 

استدارت نحو أسرارء وقالت: أريد منك أن تعدّي نا جلسة 
مؤنسة نحتفل بماء فنأكل ونشرب ونرقص ونقص الحكايا. 


قالت ذلك وعادت تتأمل نفسها في اللوحة. قالت أسرار: 


منحتفلء ولكن أين نعلق اللوحة؟ 
- تبقى هنا (وأشارت بيدها) على هذا الجدارء وأمام هذه 
الأريكة. 


ودارت حول نفسها دورة واحدة. ورفعت يديها عايًا وقالت: 


هيا لنجلس في الحديقة. 


في الحديقة طاولة, ومقاعد من الخيزران, وسلّة فواكه, وباقة 
من الورد الجوريء ومظلة من قماش أبيض على شكل قبّة تظلل 


المكان. وعلى مقعدين متقاربين, جلسا في أجواء “ميمة. 


99 


- ماذا عنيت باحتفال نأكل به ونرقص ونحكي الحكايا. 

سأها من باب حب الاستطلاع, فأجابت: إنه أحد أسراري» 
لكك ستعرفه وتتعرّف على الكثير من تجليّات مزاجي وحبّي للحياة. 

ثم أردفت: أمتاكد أنك ترغب في معرفة ما قصددته؟ لماذا لا 
تحب المفاجات؟ 

- سأتعرف عليك وعلى ما تريدين أن أعرفه دون أن أسأل» 
وإذا رغبت في أن تتركي الأمر مفاجأة. فسأمشل لرغبتك. 

أسندت ظهرها إلى ظهر المقعد, وقالت: ليس الأمر يتعلق بسر 
خطير, لا بد أن أشرح لك. 

كان يمسك بيده حبة برتقال. كان ينظر إليها. كان يستمع. 

قالت: حدثتك عن السلطانة نخشديل وثقاففها الفرنسية 
الواسعة. قرأنا معًا كتابًا لكاتب إيطالي مترجم إلى الفرنسية عنوانه 
(الديكاميرون), وهو كتاب ساهم في التحولات التي مهدت الطريق 
لعصر النهضة في أوروبا. 

تدور أحدائه في القرن النالث عشر. عندما اجتاح إيطاليا وبقية 
المدن الأوروبية وباء الطاعون. حيث الموت يحصد الأرواح بالجملة, 
ويثير الرعب. ويحطم العلاقات الإنسانية؛ ويجعل الزوجة تتخلى عن 
زوجهال والأب عن ابنه, والجار عن جاره. كل يريد النحاة بنفسسه. 
المقابر تمتلى, والموتى يدفنون دون مشيعين. 


8 عله هد 


في هذه الأجواء المرعبة, تلتقي سبع نساء وثلاثئة رجال في 
إحدى كنائس فلورنساء ويتفقون على الهرب من وباء الطاعون, 
ويذهبون إلى أحد القصور المهجورة في إحدى الضواحي للعسيش 
هناك. ومن أجل نسيان الموت والخوف والانتظار. يضعون خطة 
بموجبها يخرجون إلى المروج والحدائق في تلك البراري بعد القيلولة, 
ويروي كل منهم قصة أو حكاية في موضوع تقرره امرأة ينتخبوفا 
كل مرّة لتقوم بدور الملكة. ثم تقرر الملكة أن يروي كل واحد منهم 
قصة في موضوع تختاره أو تسمح للراوي أن يختاره. هكذا يسسون 
من خلال سرد القصص الكآبة وانتظار الموت. يرفهون أنفسهم 
بالخيال ويتجاهلون أخبار الوباء. 

استمع إليها بشغف. وانتظر المزيد. فأكملت: السلطانة أحبت 
الفكرة؛ فكلفتني أن أختار لها عددًا من الصديقات والجواريء 
مجموعة متجانسة تلتقي في حديقة القصر بعيدًا عن الون مرة في 
الشهر. تروي كل واحدة منا الحكاية التي ترغب في قصها. جحت 
الفكرة واستمتعنا ونسينا الدسائس والمؤامرات. ولو إلى حين. 

قالت ذلك م صمتت. 

كان يقلّب الفكرة في عقله. كان يشعر بما يدعو إلى الإعجاب, 


ويغري بالتأمّل. 


عه ## اب 


101 


الفصل العاسر 
في حديقة القصر الصغير, ومنذ الظهيرة: تم تجهيز المكان؛ 
تنظيف بساط العشب من الأوراق وثما تذروه الرياح» وفرش بساط 
من الصوف مشغول على النول. وتوزيع مفارش ومخدات ومساند 
مطرزة ومزركشة على شكل دائرة؛ وسلّة فواكه كبيرة؛ وصينية فضة 
مليئة بالحلوى؛ ودوارق شراب وكؤوس.ء وباقات ورود, وآلة عود 
شرقي, ومظلة بيضاء على شكل قبّة تظلل المكان. 
جلست السيدة؛ وغير بعيد جلس يوسف, وبينهما جلست 
أسرارء وهنا وهناك جلست أربع خادمات بملابس زاهية. لا مسافات 
بين السيدة والوصيفة والخادمات. في مثل هذه الجلسة مساواة ومحبة 
ولا إتيكيت, جلسة تضم السبعة: مت نساء ورجلاً واحدًا. 


قالت السيدة: واليوم نواصل جمعتنا الحميمة» نفرح ونحكي 
ونعزف على العود ونغني لكي تدخل السعادة قلوبنا ونطرد الملل 
والزهق والسأم. يقصّ بعضنا على بعضنا أحلى الحكاياء ولأول مرة, 
يخضر جلستنا رجلء رجل فنان يتقن التصوير ويتسم باللباقة وصديق 
هذه العائلة» تعرفونه جيدًا من خلال تردده عليناء ولأنها المرة الأوللى 
التي يشارك بما رجلء فإنني أراكن وقد لبستن أفخر ما عندكن من 
ثياب, وكل واحدة منكن بدت بكامل حسنها ووضعت على عينيها 
الكحل وعلى وجهها ما هو متوفر من وسائل التطرية» لتظهر بكامل 
جمالها وأنوثتهاء. وهذا شيء حسن ويستحق الثناء. وإن شاء الله يدوم 
في قلوبكن الفرح والانشراح والمسرّة. 


اح هد اه 


103 


أول ما يتعيّن أن نفعله هو اختيار ملكة من بيننا تمدر لنا 
التعليمات, فماذا تقلن؟ 

كان يوسف ينظر إلى هؤلاء الدنسوة اللوابي لا يبرحن هذا 
القصر إلا لمامّاء ولا يتواصلن مع الرجال إلا بأحلامهن. ينظر ولسان 
حاله يقول: ما أحلى تلكن اليمامات! 

قالت السيدة: والآن, علينا أن نختار ملكة هذه الأمسية. 

قالت أسرار: نبدأ بأحرف الألف باء. 

قلن بصوت واحد: أحلام.. أحلام. 

قالت السيدة: إِذَاء أحلام في هذه الأمسية هي الملكة. 

وقامت السيدة من مكافاء وتبادلت المكان مع أحلام. 

يا هذه الأحلام الجميلة, الممتلئة والمكتزة ذات البشرة البيضاء 
والعيون العسلية, والوجه الحسن! 

كانت قوية الشخصية. اتخذت جلستها ونظرت إليهن بعيني 
غزالة, وبدات الكلام: أشك ركن على اختياري ملكة وأرحب 
بضيفنا العزيز الرمّام السيد يوسف الذي أبدع في تصوير لوحة رائعة 
لسيدة هذا البيت. نقيم أمسيتنا هذه على شرفه, وأرجو ألا يأخذكن 


الاصطناعي. فأنا أعرف الأحاديث التي تتبادلها بالسرء وهي 
أحاديث غوايات ومغامرات ومراودات, فقلن قولاً جمسيلاً وجريئنا 


104 


ومبهجًا. اليوم. أطلب في البداية أن تعزف لنا السيدة على العود 
لكي تفكرن بموضوع الحكاية التي أطلبها, وما أطلبه حكاية رجل 
عشق امرأة» وكاد يفقد حياته بسبب هذا العشق. فلنبداً إِذًا. 

كان يشعر بالدهشة. وكان خجلاً أمام جرأة البنات الجميللات 
الأخريات اللواي لم يتكلمن؛ وإنما تكلمت عيوفن. وراقب السسيدة 
التي امثلت لأوامر الملكة, وأمسكت بالة العود واحتضنته. وأخذت 
تدوزن أوتاره, ثم بدأت تعزف بالريشة بيد. بينما أصابع اليد الأخرى 
تتناوب على الأوتار حسب النغمة. عزفت مقطوعة مألوفة من 
المقامات الموصلية لأغنية شامية مشهورة عن هودج العروس. عرفت 
وأجادت وأطربتء. وجعلت الرؤوس تتمايل؛: والأكف تصفق. 

أفت العزف في جو من الاستحسان والرضىء فاحمرٌ وجهها 
لكثرة الثناء, وبعد أن هدأ الجو قالت الملكة أحلام: من منكن لديها 
حكاية عن عاشق أحب, ولشدة عشقه كاد يفقد حياته؟ 
خجل ولا غموض. وإنما بكل وضوح وصراحة. 

كانت السيدة تجلس الآن قبالته. وكانت تنظر إليِه تارق 
وللنساء تارة أخرى. ومثله كانت تنتظر من تتقدم لتسرد حكاية 
رجل كاد العشق ومعاشرة النساء يقتلانه. 

لم تتقدم أي منهنَ حتى تلك اللحظة قَيَبَا أو خجلاً. ولمل 
السيدة كانت تنتظر حتى إذا لم تتقدم إحداهن, تقدمت هي. 


يه اخ احم 


105 


فجأة, قالت أسرار: أنا أحكي حكاية. 


صفقن لحاء وقالت الملكة: إذا لم ترق لنا الحكاية. فذنبك على 
جنبك! 


ابعسمت أسرارء وكانت اليوم بكامل قائها وأناقهها؛ تزهور 
بثوب من الدمقس الفاتح عليه وردة حمراء تنبت عند الخنصر وتتفتح 
على صدرها. كانت تبدو أصغر سنا ووجهها الخلاسي دقيق 
التقاطيع والشفتين يمنحها عذوبة وطلاوة ورونقا. 

تنحنحت لتجلو صوقاء وتعلقت با عيوفن وعيناه. ترئعت في 
جلستهاء ونظرت إليهن وقد صمتن, كما نظرت إليه وقد صمتء» 
أطرقت قليلاء ثم بدأت تقص: 

كان يا ما كان, في زمن من الأزمان؛ قائد مغولي امه تيممور, 
بيته سرج حصان. وصديقه ميفه. هو ملك الغزاة, وفاتح البلدانء 
ومهلك الممالك. وكان يعيش في مدينة اسمها سمرققند في آسيا 
الصغرى. 

كان تيمور أعرج عابس الوجه يمكث في سمرقند عامّاء ويغيب 
عنها عامًا آخر بمضيه في الحروب وجلب الغنائم وسبي النساى فهو. 
رغم قسوته. يعشق النساءء ويمتلك من السبايا ألف جارية. 

من بين أولئك الألف. كانت بطلة قصعنا واسمها (فهاوند). هي 
الأحب إلى قلبه, والأقرب إلى مزاجه. وقد جلبها معه سبيّة من بلاد 


هرم ا حط- هي 


القوقازء تم تزوجهاء ومكث إلى جانبها عامّء وفي العام الذي يليه. 
جهّر جيشه. وذهب إلى الحرب في رحلة طويلة تستغرق عامين. 

قررت فاوند أثناء غيابه أن تبني له قصرًا ليس له ميل في 
الكون, وأن تفاجئه وتقدمه له هدية لناسبة عودته ظافراء ويمذاء فإئها 
ستبقى الأقرب إلى قلبه وتحتفظ بمكانتها عنده. 


سألت الوزراء والأعيان وكبار المستشارين عن مهندس عبقري 
واسع الخيال يتقن رسم تصميم لقصر خراني ما مر بذاكرة مهندس»2 
فجلبوا لها حرفيين وبتائين ومعماريين من بلد التتار والقوقاز وبلاد 


ال هند والعجم. 


امتحنتهم واختبرهم واحدًا واحدّاء وطلبت منهم تقديم 
التصميم الخرافي الذي لم يسبق أن تمخيّله أحد., لكتها ل تتجد ذلك 
التصميم الجدير بقصر لحبيبها تيمور ملك الملوك. 


وعندما يئست وكادت تطرد فكرة القصر من خاطرهاء جاء 
إلى قصرها رجل طويل ووسيم ويلبس ثيابًا غير لباس تلك البلاد» 
يضع على رأسه طاقية مشغولة بالصنارة؛ ويضع على كتفه مخلاة, 
جاء إلى القصر وقال للحرس إنه سمع أن الأميرة تبحث عن مهندس 
يشيد ها قصرًاء وإنّه الشخص الذي تبحث عنه. 

عندما أبلغوهاء لم تتحمس في البداية» وكادت تطلب منهم 
طرده. إلا أن وصيفتها وكاتمة أسرارهاء وعينها في المراقبة وجمع أخبار 
نساء تيمور وجواريه. التي نظرت إليه عن قرب؛ جاءت مسحورة 


#م جاه 


2107 


ووصفت ا جمال خلقته. ووساهته؛: ومتانة جسده. وهيبته. وجرأته 
في اقتحام القصر دون وسيط. ما جعل الأميرة توافق على استقباله. 

(عطشت أسرار, وبدا كما لو أن ريقها جف. فسارعت 
إحداهنَ وصبت في كأسها الشراب, فتناولت الكأس وشربت رشفة, 
وظلت عيوفنَ مشدودة إليها. شربت وأحست أن العيون تشرئب 
نحوهاء فأطالت, عن خبث ودلال. صمتهاء ولم تكلم إلا عندما قلن 
بصوت واحد: أكملي.. أكملي). 

قابلت المهندس الغريب الذي يلبس لباسا غير لباس بلادها. 
قابلته في الرواق المفروش بالطنافس والأثاث الفاخر الذي يقف على 
بابه الخدم والحشمء قابلته وهي تغطي رأسها بالخمارء فلا يبدو سوى 
عينيها وحاجبيها. 


استمعت إليه واختبرته وعجمت عوده كما يقولون, فأذهلها 
جماله وحديئه. قدّم نفسه باسم عمر الشاميء, وأنه من حلب في بلاد 
الشام. وأئه خبير بالمعمار والقصور ويتقن البناء العربي والتركي 
والإفرنجي. بل ويتقن بناء المعمار الفرعوبي والفارسي والهنديء وقال 
ها إلّه سيصمم ها قصرًا ما مر بناؤه في أساطير الإغريق, ولا في 
أساطير المنود القدامى الذين بنوا في ملاحم الرمايانا والمهابمارتا 
قصورًا تعجز الشياطين والجن والأبالسة عن تميّلها. 


سحرها كلامه. وسحرقًا إطلالته. وحرّك شهوة في أعماقهاء 
وأذهلتها جرأة عينيه اللتين تطل منهما مخالب. 


د 006 


المهم. لا أريد أن أطيل عليكنّ ولا عليك أيها السيد. فقد 
كلفته ببناء ذلك القصر الفريد. ووضعت تحت تصرفه الأموال» 
وأوعزت إلى خازن بيت المال؛ وساري عساكر الحرس. وأمسرت 
المحاجر أن تكون تحت طلبه. والنقاشين من مختلف أنمحماء البلاد أن 
يكونوا طوع بنانه. وأن تحمل الجمال من بلاد فارس ما يحتاجه القصر 
من مواد الزخرفة والتزويق والتعشيق والترصيع؛ وجلب الرخام 
والسيراميك والجص والخشب والآجر والخزف والقاشاني والمرمر من 
طشقند وبخارى وفرغانة. 


كان ذلك الرجل ذو الهيبة والوسامة يلتقي الأميرة فاوند ككل 
أسبوع. كانت تستدعيه وتستعجله في إتهام بناء القصر قبل أن يحين 
موعد عودة زوجها الفاتح والغازي وملك الملوك تيمور. 

وكانت في غاية السرور؛ لأنْ القصر يبنى كما تشتهي, وني كل 
مرة تسأله عن مقدار ما يريده من العملة الذهبية أجرًا له. كان يؤجل 
الحديث في موضوع الأجر إلى وقت لاحق. 

ولكي تحفزه على سرعة الإنجازء أرسلت له مع وصيفتها صرّة 
محشوة بالدنانير الذهبية, فأعادها وحمّلها رسالة تقول إن أجره لن 
يكون مالأ وإغا شيء آخر. من باب حب الاستطلاع, دعت ه إلى 
القصر, واستقبلته في الرواق نفسه ومعها وصيفتهاء وكانت تلبس 
الخمار وتغطي نصف وجهها به. استقبلته هذه المرة باهتمام. ولكي 
توصل إليه رسالة ود. أزاحت الخمارء فانكشف كامل وجهها 
المستديرء وسبحان الخالق! كان يشبه القمر ليلة اكتماله. وظهرت 


> اكه ابه 


2109 


شفتاها اللتان تفتران عن أسنان كاللؤلؤ, وأنفها المدهون بالزعفران, 
وخداها اللذان يكتتران بالشهوة والإغراء. وذقنها الذي يؤدي إلى 
حرير رقبتها. أذهله جماها ونظر إليها بدهول. 
قالت له: يتعين عليك في هذا اليوم أن تحدد أجرك لقاء عملك 
وتعبك. 
هرّ رأسه. وقال إن أجره شيء أهم من الذهب وامال. 
سألته: وما هذا الذي هو أهم من الذهب والمال؟ 
عبست ونظرت إلى وصيفتهاء فقالت له الوصيفة: قَبك سيدي 
جارية آية في الجمال؛ هي لك؛ تقبلها وتنام في فراشك. بل يمكن أن 
قبك جواري ثلانًا: بيضاء وسوداء وصفراء. 
قال بجرأة, لأنه كان يعرف أن الأميرة لن تذهب بعيدا في 
الغضب: لن تكون قبلة أي منهن بمذاق قبلة الأميرة. 
أعماقها كانت تشتهي قبلته؛ فهو وسيم وجميلء ولولا أبهازوجة 
الملك. لذهبت بعيدًا ونامت في فراشه. 
كانت الوصيفة امرأة داهية. نادت على خادمة من خادمات 
القصر. وطلبت منها أن تحضر شيئا. وما هي إلا برهة قصيرة. حتى 
عادت الخادمة وهي تحمل صينئية فضّة عليها ثلاث يضات: واحدة 


110 


بقشرها الأبيض, واثنتان مصبوغتان بالأسود والأصفر. وضعت 
الصينية وانصرفت. 

أشارت الوصيفة إلى البيض وقالت: النساء مثل هذا البيض؛ 
هذه بيضاء يشبه لوها امرأة من بلد الفرنج, وهذه «مراء تشبه في 
اللون امرأة من بلاد السودان, والثالثة صفراء تشبه امرأة من بلاد 
الصين. إذا قشرت هذه البيضات, أي إذا نزعت عن النساء ثيايبمن, 
فإِنَ مذاقهن واحد. 

ابتسم المهندس الخبيث عمرء. وقال: قبل أن نواصل الحديث» 
هل يمكن لي لكي أبل ريقي, أن أحصل على ثلائة كؤوس من النبيذ 
الأحمر والأبيض والزهري. 

أمرت الوصيفة الخادمة بإحضار ما طلب. وكانت الأميرة 
تستمع وترىء ولا يبدو عليها الغضب. 

أحضرت الخادمة كؤوس النبيذ ووضعتها على المنضدة شرب 
رشفة من النبيذ الأحمرء ورشفة من النبيذ الأبيض, وثالثة من النبيذ 
الزهري. 

نظر إلى الأميرة نظرة وغل شبق أمامه غزالة, ونظر إلى الوصيفة 
نظرة استخفاف, وقال: الكؤوس متشاقة. لكن لكل نوع من النبيذ 
مذاقه المختلف. 

كان هذا جوابه, فما كان من الأميرة إلا الضحك. وما كان 
من الوصيفة إلا الخري. 


111 


(المهم أيتها الجميلاات» لا أطيل عليكن, وعلى ضيفنا العريز, 
سأختصر الحكاية لأنكن تتشوقن, ويتشوق السيد لمعرفة ماذا حصل 
بعد ذلك. وشربت من الكأس رشفة من العصير وأكملت). 


قالت الأميرة عندها: أكمل القصر, وبعد أن تتهي منه. 

فرح المهندس الشامي عمرء الذي كان يشبّه خد الأميرة بثمرة 
التفاح. كان يحنَ إلى بنات الشام اللوايَ تشبه خدودهن لون التفاح. 
كانت القبلة بالنسبة له بمثابة قضمة من تفاحة لها خد أمر. 


وهكذاء أفى المهندس عمر بناء القصر الذي يعد تحفة زمانه. 
وجاء إلى القصر ليأخذ أجره. كان يشتهي تلك القبلة. وكانست 
الأميرة نهاوند أيضا تشتهيها. لذلكء, استقبلته هذه اللمرة في غرفة 
استقبال ملحقة بغرفة نومها. وحرصت على أن تمنحه القبلة مرّاء 
فلم تبلغ وضيفتها. 

جاءها المهندس في كامل أناقته؛ جاءها بملابس عريسء وهيبة 
عريس وألقه. ذهب إلى المزيّن وقص شعره. ذهب إلى الحمّام واستحم 
واستمتع ببخاره؛ لبس قميصًا من الحرير وسروالاً من الجوخ, ولف 
حول رقبته شالاً رجاليًا فارسي المنشأء وتعطر بعطر الياسمين» وغطى 


راسه بقبعة. 


عه #©# هرد 


112 


عيناها ممتلئتان بالشهوة, وكانت تلبس ثونا من القماش 
الهفهاف. 

نزعت الخمار وجلست على الأريكة. اقترب منها اققراب 
العريس من عروسه. تصنعت الخجلء لكنه كان متلهّفا وجريئا. 

كان في حالة ذهول. لأنها بكل ذلك الجمال كانت مذهلة. 

عندما اقترب من خدهاء أعني تفاح خدهاء انتابه جنون؛ اقترب 
من صحر خدّها كما لو أنه 3 ميقضم تفاحة. قضمة واحدة غرز فيها 
أمنانه ول ينترع لحمها. صرخت صرخة خوف مكتومة: وأبعدته 
عنهاء وفتحت الباب وخيط من الدم يسيل على صحن خدها. 

كأنه شعر بجنونه لحظتهاء وخشي من العواقب؛ فاندفع مسن 
الباب وأطلق لساقيه العنان. 


(توقفت أسرار قليلاء ورشفت رشفة من العصير لتبل ريقها. 
وكانت النساء لحظتها في حالة انبهار. كن في حالة انتظار, وني أقصى 
درجات التشويق. أما الضيف. فقد تذكر قبلته على نحر تلك الجارية 
في بستان البرتقال, وشعر كما لو أن أسرار تسقط بعض كلامها 
عليه. هتفت الملكة أحلام: أكملي الحكاية. أكمليها. تنهدت أسرار 
وأكملت). 


بعد عشرة أيَامِ. عاد الغازي والفاتح تيمور إلى سمرقند,» وعادت 
معه جيوشه وغنائمه وسباياه؛ وما جلب من الأسرى, وعاد معه 
عدد كبير من الفيلة امحملة بالجواهر والذهب والأحجار الكريمة. 


113 


استقبله الناس استقبالاً حافلاً استقبلوه بالورود والغناء وقرع 
الطبول. وعندما وصل قصره. ظلت الجماهير تحتفل في الشوارع. 
وفي آخر الليل. انصرف المهنئون من كبار رجال الدولة., فذهب 
ليختلي بروجته وحبيبته فهاوند. دخل إلى خدرهاء وكانت تلف 
وجهها بالخمار. اقترب منها ونزع حمارهاء ويا لهول ما رأى! شاهد 
على خدها آثار قبلة وعضة أسنان من رجل قبّلها واستمتع بعضهاء 
فأشهر سيفه ليطيح برأسهاء فارقت عند قدميه وحكت له الحكاية 
وطلبت عفوه وغفرانه. 

صرخ وزمجر مثل أسد جريح, أغمد سيفه وطردها من القصر 
وأرسلها إلى بيت الجواري ذليلة مهانة» ونادى على قائد حرسه 
وطلب منه إحضار المهندس حيًّا أو مينًا. 

(وتوقفت أسرار عن السرد قليلاًء فهبّت النساء هبّة واحدة» 
وسألن: هل قبضوا عليه؟ هل فصل تيمور رأسه عن جسده؟ أشارت 
هن بيدها كي يتمهّلن؛ وأكملت). 

فتش عنه الحرسء؛ وفتش عنه الجيش بأكمله. وأرسلوا من 
يفتش عنه في طول البلاد وعرضهاء لكتهم لم يجدوه. 

ضاق صدر الغازي والفاتح تيمور وازداد قهره وغضبه. ولي 
لحظة يأسء نادى قائد الحرس وسأله: كيف لم تعثروا عليه؟ 


وقف قائد الحرس وقفة استعداد وأجاب: سيديء لم نجده. 


قال الغازي تيمور: كيف اختفى من ملكتي وقد أغلقتم الحدود 
وفتشتم كل الطرق والجسور ورؤوس الجبال؟ 

ظل قائد الحرس في حالة الاستعداد. وقال: سيديء لقد نبت له 
جناحان وطار. 

أنفت أسرار حكايتها وقالت: وهكذا تنتهي حكايتنا عن عاشق 
كاد يفقد حياته بسبب عشقه. 

صفقن لاء وبدأت التعليقات على الحكاية؛ منهن من تعاطفت 
مع الأميرة فاوند. ومنهن من تمت أن يعود المهندس خفية إلى بيت 
الجواري وينقذها ثم يحملها على حصانه ويهرب معها إلى أرض الله 
الواسعة. وتضاربت الأمنيات. لكن الملكة أحلام أفت الجلسة بالثناء 
على الوصيفة أسرار, وقالت إن مهمتها كملكة انتتهت؛ وسلّمت 
زمام الجلسة إلى سيّدقًا العيطموس. 


طلبت السيدة من الجميع تناول الفاكهة والجلوىء وإنهاء 
الأمسية بمريد من الغناء والرقص. وشكرت أسرار على حكايتها 
المسلية التي طردت الملل وجلبت السرورء وتمنّت أن يكون الرجل 
الوحيد في الجلسة قد استمتع وأحبّ هذه الأجواء المؤنسة» ووعدت 


أن تقام أمسية أخرى في وقت قريب. 


115 


الفصل الحادي عشر 

انتهى الحفل, فانشغلت الخادمات الجميلات في تنظيف المكان 
وترتيبه. ورافق يوسف السيدة إلى الشرفة. كانت اللوحة معلقة هناك 
على حائط الغرفة, ولا تزال طريّة ويانعة مثل عروق النعنع والريحان. 

كان وقت الغروب قد حل. وكانت السيدة لا تزال تحت تأثير 
البهجة. وكانت الشمس قبط وراء الشفق وتشعل الأفق بلون 
اللازورد. 

ابتسم وقال: جميل. والفكرة عبقريّة., والآنسات اتسسمن 

قالت: كانت أسرار مدهشة, فاجأتنا يذه الحكاية» وقدمت لنا 
شخصية المهندس الشامي, هذا التعلب الماكر والجميل الذي يسكنه 
جني 

احتار بم يجيب فأطلق الكلام على سجيته: هل برأيك أخطأ أم 
أصاب؟ 
وقالت: نوجّه السؤال إلى العزيزة أسرار. 

وأعادت السؤال على مسمع وصيفتها: هل برأيك أخطاً 
المهندس الذي تسكنه النار أم أصاب في هذا العشق الجنوي؟ 


امه نت هه 


117 


جلست على أقرب مقعد إليها. لم تعد هناك ضرورة لتتصرف 
كوصيفة, ففكرت قليلاً. وقلّبت أمرهاء ثم أجابت: الحكاية ظاهرها 
حدوتة وقصة ومتعة, لكن باطنها عظة: وربما عبرة. تتعدد 
الانطباعات, كل من يسمعها يعطيها المعنى الذي يروق له. لكني 
اليرم قصدت أن أروي حكاية رشيقة للمتعة. وللمتعة فقط. 

تدخلت السيدة. وقالت: الرجال ملاعين» وعشرة النساء 


صعبة. 

كان إذ ذاك يفكّر فيما إذا كانت السيدة وأسرارء إحداهما أو 
كلتاهما. تعلمان بما حدث للجارية في بستان البرتقال والوشم الذي 
تركته شفتاه على نحرها. 

انتبه إلى قول السيّدة إن الرجال ملاعين وعشرة النساء صعبة. 

كان في حالة تململ, كأئه يفقد التركيز ويحمّل نفسه فوق ما 
تحمل الأشياء. 

لم يعد ثم ما يمكن قوله. كان يخاطب نفسه فقط: جاءت 

استأذن للمغادرة؛ غير أنها طلبت منه البقاء. 

- ما زال الوقت مبكرًا. دعنا نتتحدث. 

- لا أريد أن أكون ضيفاً ثقيلاً. وقد انتهى الاحتفال. 

- الحديث معك يريحني. 


© © «ه” 


118 


- لكن نساءك يُجِدْنَ الغمز واللمز. 
- ليس عندي ما أخشاه. 
- لكن أسرار تخشى عليك. 
- أسرار تخشى عليك أنت. 
- كيف؟ 
- أتتذكر عندما كنا ف 
لو ا اميا 
- أتذكر. 
- ويومهاء اعتقدت أن 
عتقدت أن الأمر يتعلق بوجودك معي. 


1201 5000 0 
2 حمست ونبهتني إلى أن بتعض جد 
9 0 " بعض جنود الإنكشارية 


- ألم أقل لك إنني تعرط 
ْ كو د دك 1 
عندما كنت في الأستانة؟ ا 


- بلى. 


# © له 


- وأسرار تعتقد أنهم ما زالوا يلاحقونني. وإلهم شاهدوك 
معي وقد تتعرض أنت أيضًا للملاحقة. 


صمتت, وقالت: ألم يأتوا إلى البازار ويفتشوه؟ 


فوجئ. وتامت تراه وهو يستعيد أحداث ذلك اليوم. لقد 
أخفى عنها الخبرء فكيف وصلها النبا؟ 


- ديوان الوالي علم بالأمر. 
وأضافت: حت الوالي لا سلطة له عليهم. 
صمتت, وتركته إلى تداعياته. وبعد حين قالت: هيا نتمشى في 
الحديقة, فلدي الكثير ثما أودَ أن أقوله. 
عه 
الحديقة واسعة, والفوانيس المضاءة تحيط بما من كل جانب»ء 


ومن بعيد, يأب صرير صراصير الليل. وأسرار تحرس المكان بعينيها 
عن بعد. 


قالت وهما يسيران بالممر: أشمّ فيك رائحة الإنسان. 


وقالت: كل شيء موحشء حيانٍ كلها في العتمة. وأنت من 
أضاءها. 


© 6# هت 


1120 


وقالت: الأقدار فرضت علي حياة بائسة في زنزانة اسمها قصر 
السلطانة نخشديلء زنزانة يتوفر فيها الطعام والملبس والرفاهية:, ولا 
تتوفر فيها الحريّة: زنزانة فيها من الذكور خصيان بؤساءء وفحول 
يصطادون الجواري. وغيرهم لا أحد. 

وقالت: زنزانة تتعارك فيها المسجونات من السبايا من أجل 

وقالت: لا مفرٌ للسبايا من الطاعة, والاستجابة للتروات 
والرغبات والذهاب إلى الفراش», ومن تخطئ أو تعترض أو تكون 
ضحية غميمة. فمصيرها الموت وإلقاء جنتها في مياه البسفور. 

وقالت: عشت مع الجواري المجلوبات من أسواق الرقيق, 
أولئك اللواني انتزعن مثلي من أحضان أمهاقن وهن صغيرات, 
وصرن منذورات للخدمة والمضاجعة وقضاء الشهوة. عشت معهن 
في القصور تحت وطأة الخوف والرعب. وظلت الأقدار وحدها تقرر 
مصيري ومصترص. 

وقالت: كل منهن تحلم بالحبل من سلطان شبق يحكم دولة 
مترامية الأطرافء يغرق بالملذات ولا يعير انتباهًا لرعيته. 

وقالت: ومن تصبح سلطانة تتلذذ بنفوذ يمكنها من إدارة دفة 
الحكم من وراء الستار. 

وقالت: ومع ذلك,. فالظالمة والمظلومة ما ضحيا توحّش 
الأقدار. 


> له سه 


121 


وقالت: السلطانة نخشديل معلا سبيّة؛ كانست تعسيش في 
مستعمرة فرنسية تقع في البحر الكاريي؛ خطفها القراصنة وباعوها 
لداي الجزائرء داي الجزائر أهداها لقصر السلطان. كانت عيناما 
الزرقاوانت مصدر محرها. كانت ذكية وشديدة الجمال. صرت قريبة 
منها عندما حبلت وأنجبت من السلطان ولدًا وأصبحت سلطانة. 
كانت امرأة بالغة عندما اختطفها القراصنة. وكانت تتقن عدة لغات, 
وتحب فرنساء وتحب الحضارة الأوروبية. 


عندما صارت سلطانة قصر (دوله باهتشه)؛, أدخلت النظم 
الفرنسية إلى القصر, ودفعت نحو بناء جيش قوي يكون بديلاً للجيش 
الإنكشاري. وكانت دائما تحدثني عن نبوءة العراف؛ فعندما كانست 
صبية في المارتنيك, وكان اسمها (إيمي دي ريفيري)؛ وهي من عائلة 
نبيلة» كانت تتردد هي وابنة عمها (روز) إلى أحد العرافين الذي يقرأ 
الكف, فتنبأ لها وقال إفها ستصبح ملكة تحكم الشرق. وتباً لابنة 
عمها بأنها ستصبح أيضًا ملكة تحكم الغرب. 

تحققت النبوءة وصارت سلطانة الشرق, واستطاعت أن تدخل 
السلوك الفرنسي على حياة القصور. ووطدت حكمها وواجهت 
سلطة الإنكشاريين الذين لم يرق هم نقل نظم الغرب إلى الشرق. 
المعركة محتدمة بين السلطان وبينهم هذه الأيام, وهم يستعيئون الآن 
بالمتشددين من رجال الدين لرفض النظم الجديدة. يقولون على سبيل 
المثال إن الزي المقترح للجيش الجديد هو زي أجنبي, وهو لباس 
النصارى, ويدفعون مفتي الدولة العليّة إلى إصدار الففاوى بتكفير 


«9 2 


السلطان عبد الحميد. ويصبون جام غضبهم على السلطانة, ويحيكون 
المؤمرات ضدها. وعليَ أن أكون حذرة من دسالسهم لأفم 
يعتبرونني من صف السلطانة؛ وعليك أن تاخذ حذرك, لأئهم 


لم تكمل جملتهاء ونظرت إليه بعينين دامعتين, وقالت: أشمّ فيك 


رائحة الإنسان. 0 1 
 *«*‏ لص _اإعص] 

تعبت من المشي. فجلست على العشبء. وأشارت لهأن 
يجلس. كان يستمع إليها يمدوء وتأثر. فهذه المرأة التي أحسّت به 
وشت فيه رائحة الإنسان مكلومة؛ وتبسط أوجاعها أمامه. لم يعد 
يفكر إلا بقلقها الذي يلازمها كمرض مزمن. 

قالت: أحببت روحك ول أطمع بأكثر من ذلك. هذا القصر 
ليس لي. هذه الحياة لا أحبّها. هذا البذخ في اللبس والطعام واللباس 
والجواهر لا يروقني. أحسد النماء العاديّات اللواي هن عائلة. أحسد 
النساء الوا ترف قلويمن لحبيب يحنو عليهن ويعكف على رعايتهن. 
أحسد العائلات التي تسكن بيوًا بسيطة ويطلبن الرضى. أحسد 
فلاحات القرى في الضواحي اللواي يحصدن القمح والشعير ويجمعن 
الخضار والفاكهة, ويبعن الغلال في الأسواق. ويمتلكن حريتهنء 
ويحددن مصائرهن. 


» ه» هه 


123 


أكره بلاط القصورء. ودهاليز الحرملك. وطموحات السلطانة 
التي يمكن أن تخسر كل شيء في طريقها إلى الحكم: في طريقها 
لتحقيق النبوءة والوصول إلى أن تكون ملكة للشرق. ولعلّها بعد 
اندلا ع الثورة الفرنسية التي أنهت الملكية, وأهفت سلطة الكنيسة, 
ونشرت فكر التنوير وحقوق الإنسان وأنشأت النظام الجمهوري؛ 
لعلّها تحلم باصلاحات ممائلة في الدولة العليّة. بل ولعلها تحلم باندماج 
الشرق بالغرب. 

الثورة الفرنسية تقود حربًا للدفاع عن مبادئهاء هكذا تقول 
السلطانة نخشديل, وقد اندلع الصدام العسكري بينها وبين الدول 
الأخرى عندما حاولت تصدير مبادئ الثورة إلى جيرافهاء والفورة 
أحدثت فوضى وأطاحت المقاصل بالرؤوس وسالت الدماء. وفي 
الوقت نفسه. خاضت, وما زالت تخوض, حروبًا مع الدول الأوروبية 
الداعمة للنظام الملكي. وتحقق انتصارات باهرة بحكم نظامها 
وتسليحها ووجود قائد عسكري عبقري امه (نابليون بونابرت). 

وهناء فإنَ السلطانة نخشديل ماضية في حرما مع الدولة 
العثمانية القديمة. وتطمح أن تخلق نظام دولة جديدًا يستوحي أساليب 
الغرب وثقافته. وهذا الطموح قد يكون له ثمن» وأقول لك: إذا 
قتلت السلطانة» سيكون مستقبلي في مهب الريح. 


طال الحديث وكانت هي المتحدثة. حديث فاجأه؛ وأدهشه. 


يستمع إليهاء واندفاعتها في الفضفضة يمكن أن تكون قد أراحتها. 
وبدا لها أئه حان الوقت لتستمع إليه. 

- لم أكن أظن أن الحياة غبر عادلة إلى هذا الحد. 

وقال: حديئك هرّ مشاعري. 


ونال ال اك أعنقة أن عل هن عمال مره مل تاذ 
الشقاء. 

وقال: لكني أراهن على قرة الحياة في روحك. 

وقال: لن أخذلك. 


وقال: أنا لا أشعر بالانتماء لهذه الدولة التي تسمي نفسها 
الدولة العلية التي حكمت العرب والعجم والصرب والبلغار والمللل 
والنحل, وحكامها يستعبدون الجواري والسبايا ويخصون الرجال؛ 
يقتلون في الرجل رجولته, وفي الأنثى أنوثهاء ويفرضون علينا 
الضرائب والحكام والبشاوات. ولا يستطيعون “مايتنا وحماية أرواحنا 
وبيوتنا وأسوار مدينتنا إذا ما غزانا غاز. 

وصمت. وقال إِنْه لا يريد أن يتحدث عن ضعف الدولة 
وهزائمها في القرم والصرب والأفلاق. وهزائم جيوشها الإنكشارية, 
وهزائم أساطيلها في البحار, لكنّه. وقد ذكر الأساطيل. بوده أن 


م © هد 


125 


يسأنها عن شخصية ج ركس باشا قائد الأسطول في بجر إيجة. 
والصلات التي تربطها به. 

كانت تبدو الحظتها بشكل أفضل. كانت قد ارتاحت مجرد أله 
استمع إليهاء ورأت على ملامح وجهه ردود فعله وتعاطفه. 

قالت: كنت أتوقع منك هذا السؤال. أعرف أن التاس في 
المدينة يعتقدون أنني محظيته. وأله عشيقي. ولم أعترض؛ فقد شكل 
ذلك حماية لي. وأقول لك الحقيقة, إن السلطانة نخشديل هي التي 
أطلقت هذه الشائعة, لأن ركس باشا هيية يحسب حسايا 
الإنكشاريون, هي التي اشترت لي هذا القصر الصغير. وهي التي 
أوصت الوالي أن يشملني بحمايته. وهي التي طلبت من جركس باشا 
أن ينقلني بواحدة من سفنه إلى يافا. جركس باشا فكرة. طيف. رمز 
للقوة والشكيمة, وقد التقيته وعاملني بلطف واحترام, وأنا أحببته 
وأعتبره أبي الروحي. يسأل عني ويرسل لي الحداياء وأنا من. طلب منه 
أن يهديني اللوحة التي تمثل صورته. هذه الحقيقة لا يعرفها أحد سوى 
أسرار. وارتباط اسمي باسمه شكل لي؛ كما قلت» حماية. 

كانت تتكلم ببساطة وهدوء. واسترسلت في حديثها. وعندما 
بدأ البحر يرسل نسائم باردة. اقترح عليها أن تذهب إلى الداخل»؛ 
وقال إنه سيعود إلى البيت بعد ليلة ذات مغزى. 


# ا 


الفصل الشافي عشر 

أفاق عند الفجر على جلبة وضوضاء. طرق شديد على الباب 
الخارجي؛ ففتح والده البوابة» وكانت ثمة أصوات هوجاء تتشابك 
وتعلو. قفز وتدثر بالعباءة» وسارع بالخروج. 

كان مجموعة من الشبّان يقفون ويتحدثون ويشيرون بأياديهم 
كما لو أنهم في حالة فزع. عرف وجوه بعضهم., ما يعني ألهم من 
الخحارة التحتا حيث البازار. 

كانوا يقفون ويتحدثون ويتشابك الكلام فلا يفهم والده 
قصدهم, عندما رأوه تحوّلوا إليه. كان بعضهم يحمل العصي, والدم 
يحتقن في وجوههم. أشار لهم ليهدأواء فلم يهداوا. واستطاع أن 
يلتقط شيئًا ما يريدون أن يخبروه به: (الجندرمة يهاجمونالحارة 
ويضربون الئاس ويحرقون البيوت). 

والتقط أيضًا ما يشي بآلهم أشعلوا النار في البازار, وأن الأهالي 
يحاولون إطفاء النارء والشبان يرجمون الجسندرمة بالحجارة. 


في لمح البصر, لبس ثيابه؛ القميص والسروال والطاقية المشغولة 
بالصتارة. وحمل عصاه المدببة الرأس وخرج وسط دهشة أبيهه 
وصوت أمّه التي كانت ترجوه البقاء. 

مشى ومشى معه الشبّان من بين الأزقة والحارات. كان الناس 
يتجمّعون أمام الأبواب, والبعض يعتلي السطوح ويلقي نظرة نحو حي 
الطابية. 


كان الحواء القادم من جهة البحر يحمل معه رائحة دخان, 
والأفق يمتلئ بكتل سوداء. 

يغذَ السبر ويتوقف عند كل ناصية يتجمع عندها الناس. 

يتوقف ويلتقط أخبارًا وتعليقات واستكارًا واستهجائلك ثم 
يواصل طريقه. يغذ السير أو يهرول؛ ومعه يهرول الشبّان من الحارة 
التحتاء وأصحاب المحلات يغلقون أبواب حوانيتهم نمف إغلاقة 
تحسبًا لتفاقم الوضع. 

صباح يافا اتسخ هذا اليوم. لوّئت الحرائق صفاء المدينة؛ فعلى 
امتداد الشاطئ, حرقت حوانيت ومحلات, والجندرمة من الإنكشارية 
يماذون المناطق, حملة دهم لحوانيت اليونانيين» والبازارات» والخانات» 
ومحلات بيع الملابس؛ وبعض البيوت من الجاليات الأجنبية. 

هذا ما التقطه يوسف من أحاديث الناس وهو يتوقف قليلاً ثم 
يندفع نحو البازار. 

على مدخل الحارة, كان اثنان من رجال الجندرمة قد سيطرا 
على الوضع وأغلقا الطريق. لا أحد يدخحل ولا أحد يخرج. كان 
أحدثما يتسلح بطبنجة, والآخر بسلاح أبيض» وكانا يلبسانت ملابس 
عسكرية غير تلك التي يلبسها رجال الحامية في القلعة. 

كان الدخان يملا الأفق, وبدا له أن كل شيء قد احترق في 
البازار» ول يبق غير بقايا دخان. تفرّق الشبان واعتلوا الأسطح بمنا 
عن منفذ إلى بيوكهم. 


اقترب يوسف من الجنديين. أشارا له بالتوقف. 
قال هما: أريد أن أصل إلى حانوي, حانونٍ يحترق. 
أجابه أحدهم: هل تبيع الخمور؟ 

قال: لا. 

- هل تبيع لحم الختزير؟ 

ا 

- ماذا تبيع إذَا؟ 

- عندي بازار ومرسم للصور. 

- هل تبيع صور نساء لا يلبسن الحجاب؟ 

ا 

- إذا أنت ترسم كل ما له روح من بشر وحيوانات! 
- اذهب من هنا قبل أن نطلق عليك النار. 


غلى الدم في عروقه؛ توئر» سخن. تحولت العصا بيده إلى 
سفود, إلى مارج من زيت ونار. شرارة أشعلت غضبه؛ وجعلت 
الدماء تسري حارّة في عروقه. شرارة أشعلت الجسد كله. هجم على 
أحدهما وأطاح به وضربه بالعصا وأفقده صوابه. 


17029 


والتفت إلى الجندي الآخر الذي صعقه الرعب قبل أن تصعقه 
يدا يوسفء وقبل أن يحمله ويلقي به بعيدًا فيرتفع ويحط في مكان ما 
من الساحة. نظر الشبان لا جرى بذهول. واتخفذوا مكانا على 
السطح يرون فيه كل شيء ولا يراهم أحد. 

واصل طريقه نحو الساحة. كان ثلة من الجند يقفون مذهولين 
بعد أن شاهدوا الجندي الذي سقط من عل أمام أعينهم. 

أشهروا عليه سيوفهم. اقترب فتوهّج جمر ولفح وجوههمء 
وامتد إلى مقابض سيوفهم. فألقوا السيوف, وأحذوا يتراجعون 
ويتراجعون ثم ابتعدوا. 

هبط الشبان من أسطح المنازل. وكان الجندي الذي سقط من 
وراء البيوت يتوجّع ويحاول الوقوف, فأجهزوا عليه. 

دخل يوسف إلى البازار الذي احترق من الداخل واحترق بابه 
ونوافذه, وخرج منها الدخان الأسود. 


مكث قليلاء ثم خرج وقد تلطخت ملابسه ووجهه بالسواد. 


كان الجنود قد أعادوا ترتيب صفوفهم. وشكلوا مجموعة كبيرة 
منهم مسلّحة بالنادق والسلاح الأبيض. وهجمت لعلقفي القبض 
عليه أو ترديه قتيلا. 


أقبلوا عليه يتقدمون بخنطى عسكرية رويدًا رويدًا. 


2130 


جمع نفسه وانتتر. طار في الهواء وسقط فوق رؤوسهم. وتحولت 
أذرعه إلى سيوف. وأرجله إلى خناجر. وأعمل فيهم؛ أوسعهم ضربًا 
حتى طحنهم كما يطحن حجر الرحى حبات القمح: ومن ابتعد ولَى 

هلل الشبّان وكبّروا. وانضم إليهم كل أولكئك الرجال الذين 
كانوا يختبئون في بيوههم. وني برهة من الزمن, أصبح هناك حشد من 
حملة العصي والسكاكين وحجارة الطوب يمشون خلفه. 

مشى بخطى ثابتة, توجّه نحو جامع البحر. كانت الحرائق التي 
اندلعت ثم مدت ترسل دخانًا يعلو ويسد الأفق. 

مشى وراءة الشبّان ورجال ونساء. وبغمضة عين. أصبح المشاة 
طابورًا يحمل العصي والسكاكين وشوابك رق العجين والفسؤوس. 
بطرفة عين» خلت الحارة وخلا الشاطئ من الجنود. 

ظل مشي في المقدمة بثيابه المتسخة والملوّثة بسناج الحيطانء 
ووجهه الملطخ بسواد الدخان. هكذاء بغمضة عين؛ انسحب الجنود 
من المكان, فالمدينة كلها تنهض والمآذن تكبر. حشود تتجمع على 
الشاطى, وحشود تتجمع ف ساحة الطابية, والقلعة, والجبلية. 
وحشود تلتقي بحشود. ويوت الشاطئ ملطخة بسناج الحرائق» 
ويوسف يسير وقد بدأت الجمرات في داخله تخبو. 

يتجمّع حوله الشبان ويحملونه على أكتافهم وهو لا يدرك ولا 
يفهم ما يدور حوله. كل الناس الذين يتعجمعون يسبون الغرباء 


131 


ويهتفون ضدهم. وضد مفتي الإنكشارية. وبعضهم يسب ويلعن 
الوالي والذي ولاه. 

يتنادى الشبان في ثورة الغضب للرزحف نحو قصر الواللي عبد 
الله بيك. 


نزل من على الأكتاف, وكان يشعر بالدّوار. نزل ومشى نحو 
البحر. ابتعد عن الحشد الذي أخذ يندفع باتجاه قصر الوالي» ومشى 
إلى الشاطئ البعيد, واقترب من الياه. 


قرفص وملاً حفنتيه بالماءء وصفع وجهه. لعل هذا الدوار اللعين 
يتوقف. ثم استلقى على الرمل. خارت قواه فنام. 
لضا 
عندما فتحهماء أبصر وجهها. كانت تنتظر صحوته. 
أبصر وجهها الخلاسي, وجهها الأسمر الحنون. فمدت له يدها 
لعشله من أرق. أو وجع, أو غيبوبة. 


أمسك يدها واعتدل وظل جالسًا. 


قالت أسرار: طاب يومك أيها البطل. 


132 


كان ضوء النهار الساطع يفاجئه. يغمض عينيه نصف إغماضة. 
ويسأها عن الوقت. تقول له إن النهار قد انتصفء وإن أخجار 
انتصاراته على الإنكشارية يتناقلها الناس في الشوارع والبيوت. 

وقالت: أخبارك وصلتنا والسيدة قلقة عليك. 

وغير بعيد, كانت العربة تنتظر. 
بحرم: هيا. 

وقف. أسندته. مشى معها. كان متعبًا ومطيعًا. وكانت العربة 
تنتظر والحوذي متأهبًا. 

ساعدته في الصعود,. وركبت إلى جانبه. 
وأخذ حصافا يعدو. توقفت العربة أمام قصر السيدة. 

م يعترضء ولم يكن يقوى على الاعتراض. 


هبط ومشى معها. كانت تقوده وتسنده. وبدا ها أنه يعرئح, 
وأئه بذل من الجهد ما أفقده كل طاقته. 


المينيينيا 


أدخلته إلى غرفتها وتركته يستلقي على السرير ويغمض عينيه. 


2133 


سأل عن السيدة فقالت له إفما ذهبت إلى قصر الوالي لتستطلع 
الأخبار. 

نام بملابمه الملطخة بالسناج والشحبارء واستغرق في اللنوم. 
غطته أسرار باللحاف, وخرجت وأغلقت الباب. 

أفاق بعد ساعة من الزمن. أفاق عفيًا نشطًا. ذهب المداع. 
وطلب الماء. كانت أسرار الخلاسية الجميلة ترسه. شرب وابعل بعلت 
العروق. 

نظر إلى يديه وذراعيه وملابسه. ورجد أنه متسخ من رأسه إلى 
قدميه. ورأى أن ملاءة السرير البيضاء قد اتسخت أيضًاء فقالت 
أسرار: لا بأس عليك. الحمّام جاهز. 

أجابما: لا. سأعود للبيت. 

قالت له: حامية القلعة تسد الشوارع والطرقات. 

طرقت السيدة الباب ودخلت. كانت قد عادت لتوها. دخلت 
بوجه محتقن, وقالت: حمدًا لله على السلامة. 


انكمش, ونظر من جديد إلى ما تركه السناج على ملاءة 
السريرء وحاول أن يقول شيئًا. لكنها أدركت ما ييحجول بخاطره. 

أضافت أسرار: يقولون إنك واجهت جنوه الإنكشارية 
وهرمتهم. 


© >©» هس 


134 


صمتء وكان يحاول أن يستذكر ما جرى. لكنه لم يتذكر تلك 
التفاصيل. لم يكن هو الذي فعل ذلك, كان قرين آخر يتلبّسه له 
ذراع من حديد, وشواظ من نارء خرج من زرد أضلاعه؛ وفعل ما 
فعل. 

قالت الميدة: قم واغتسل. 

كان بحاجة إلى أن يستعيد شخصيته الآدمية, بحاجة إلى أن يلفظ 
القرين من أعماقه. وأن يعود إلى الهدوء والسكينة. 

قادته أسرار إلى الحمام وأغلقت عليه الباب؛ ماء ساخنء 
وصابون معطّر, وليفة من الإسفنج. وبرنس حمّام, ومناشف بيضاء. 

خلع ملابسه المتسخة, ونزل إلى حوض الماء الساخن. شعر 
بالراحة. استحم على مهل؛ دعك رأسه بالصابون. ودعك جلده. 
وأزال آثار السناج والشحبار وسواد بقايا الدخان. 

خرج من الحوض نظيفاء وديّت في بدنه الحيوية والنشاط. 

نشّف جممه بالمناشف ذات الرائحة العطرة, وتذكر في تلك 
اللحظة أن ملابسه التي خلعها متسخة. أسقط في يده, وفكر فيما 
يتعيّن عليه أن يفعل. 

لبس البرنس ليستر جسده. ومشى خخطوات بقدميه العاريتين. 

فجأة. طرق الباب وفتح مواربة» وامهقدت يدها السمراء 


وناولته ملابس داخلية, وعباءة من قماش الكشمير. 


135 


خرج متوهج الوجه. وأضفت عليه العباءة مهابة. 

وجد أمامه مائدة, فأكل. كان جائعًا فأكل بلا حرج. وكان في 
تلك اللحظة يفكر أيضًا فيما يحدث في المدينة. 

كانت تصله رائحة بخور فاخرء لكن رائحة الدخان لا تزال تملا 
رئتيه. وكانت أسرار تعتني به وتقوم بخدمته. 

بعد ذلك, استقبلته السيدة في الغرفة المطلة على الشرفة. 
وكانت اللوحة معلقة على الحائط. 

استقبلته بترحاب, لكنها كانت تبدو كما لو ألها تقف في 
مساحة من الياس. 

قالت له: من أين جاءتك هذه القرّة وتلك الشجاعة؟ 

وقالت إن الدساء في قصر الوالي يطلقن عليك اسم (هرقل). 

سأها: ما الذي يجري في المدينة؟ 

عادت تسأله بالحاح: كيف استطعت دحرهم وتأليب الأهالي 
عليهم؟ 

أجلبما: لم أقاتلهم أناء وإنما قاتلهم جني يتزمل في ثيابي» يعيش 
معي ينام ويستيقظ عندما تثيري الشهوة. أو يزلزلني الغضب. 

- لكن الناس شاهدوك وأنت تصرعهم الواحد تلو الآخر. لا 


تتخيّل كم أنا قلقة عليك. 


© © ا ىس 


21356 


القرين الذي يلازمني. لم يستيقظ, وإنما انفجر. 

صمت وصمتت. وعاد يسأها: ما الذي يجري في المدينة؟ 

قالت له إفها عادت لتوّها من قصر الوالي؛ وإفها علمت أن هذه 
الفتنة من صنع الإنكشاريين» وهذا العمل يهدف إلى منع الإصلاحات 
التي يجريها السلطان سليم الثالث؛ وإن الوالي يتشاور مع الوجهاء 
وتمثلي الأئمة والمشايخ والكنائس من أجل وأد الفتنة, ووضع حد 
لعسكر الإنكشارية الغرباء الذين جاءوا من خارج المدينة. إلهم 
يفورون على السلطان سليم الذي سئم كما يفعلونه من فتن وعلى 
قائد الجيش القبودان كوشك حسين باشا الذي وضع نظامًا عصريًا 
للجيش على النظم الأوروبية. ويتحالفونذ مع فقهاء متشددين 
يصدرون فتاوى تحرم الزي العسكري الجديد كونه مستوردًا مسن 
الغرب, ويحرمون كل شيء, ويكفرون كل ما يخالف الشريعة كما 
يروها. 

وقالت له إن الوالي لا سلطة له عليهم. وأثنى على هزيمتك هم 
وأنه لولا عملك البطوليء لما انسحبوا من المدينة» ووصفك بالبطلء 
ولعله يحث عنك لكافاتك. 

قال ها: لست بطلاً. البطل هو القرين الذي يتلبّسني. 

ضحكت رغم الأسى الذي يسكن ملامحهاء وقالت: لا 
تتواضع. المهم أن قبضتك هي التي سحقتهم. 


اك 3 حم 


137 


وأضافت: حذار أن تعيد هذا الكلام أمام غيري. 

ثم اقتربت منه وقبّلت خده, وهمست بأذنه: فخورة بك. 

دخلت أسرار إذ ذاك تحمل بين يديها ملابس فاخرة. 

قالت السيدة: والآن. حان الوقت الذي يتعيّن فيه أن ترتدي 
الثياب التي جلبتها لك من عكاء والتي بقيت وديعة عندي. 


وأضافت: وحان الوقت الذي يجب أن تعود فيه إلى بييك 


لعطمئن نانة وأحمد اغا. 


> همه 


138 


الفصل الثالث عشر 

ليلة أشد حلكة من الليالي التي سبقت. جدّل يافا السواد؛ فلا 
أضواء في الشوارع ولا في البيوت. لا هبوب ريح, ولا دبيب بشرء 
ولا طمأنينة. سكون مريب. ولا شيء سوى الانتظار؛ وتوقع ماهو 
أموا. 

عاد يوسف متسللاً إلى البيت. لم يلبس الحلّة الأميرية. هديّة 
السيدة, وإنها لبس ملابسه التي كانت متسخة وقامت أسرار 

كانت الأزقة التي تسلل منها خالية» لا صوت إلا حفيف 
السير يمّة كما لو أن لقدميه عيوئاء فهو يحفظ الطرق عن ظهر قلب» 
ويعرف كيف يسلك الَدَد ليأمن العفار. 

كان الناس يتحسبون. يخشود المجهول وصخرة الأقدار؛ فالليل 
هو وقت الحرق والملب والنهب واقتحام البيوت واغتصاب النساء. 
الظلام تقية, والعتمة ممخبأ. 

طرق الاب طرقات خفيفة, الليل له آذان مرهفة السمع. سمع 
وقع خطوات أبيه, وظهر بصيص الضوء من الفانوس الذي يحمله. 


من وراء اباب جاء صوته المتحشرج: من أنت؟ 


8 هه هه 


139 


أجابه, فانزلق المزلاج وانفتح الباب. وما إن رآة حتى احتضنه 
وبكى, وأدخله وأعاد إحكام المزلاج الذي يغلق الباب. 

كانت كنانة تنتظره في العتمة. شاهد شبحها عن بعد, فأسرع 
إليها وحضنها فانخرطت في البكاء. 

دخل إلى الليوان حيث يجلسان, ولم يكن ثمة ما يؤنس وحدقما 
سوى هذا الفانئرس شحيح الضوء. 

جلس إلى جانبها على فروة صوف الخاروف, وظلت تضمه 
وتشمه مثلما تشم الورد. وكانت الدموع تنئال من عيني أبيه 


بصعصممس. 

قامت ينانة لتشعل الفانوس الكبير ذا الضوء الساطع؛ فانتهرها 
أحمد آغاء وقال ها إن الضوء يلفت النظر. 

كان كغيرة, يلوذ بالعتمة, يختبئ في طيّات الظلمة:؛ يعدثر 
بسوادها. وينعظر وتملأه الهواجس والتوقعات. 

قال لأمه إن نورها يكفي فسألته إن كان جائعًا. وسأله أبوه إن 
كان قد شاهده أحد في الطريق. 

قال إنه ليس جائعًاء وقال لأبيه إن المدينة الآن عمياء لا ترىء 
وإفها مكدودة ويملأأ الخوف شوارعها وبيوقا وشقوق نوافذهاء وحتى 
المنارة التي ترشد السفن مطفأة. 


قال أبوه: أنت -يا بني- رجل الساعة, كل الناس تحكي عن 
شجاعتك؛ كنت أشعر بالفخر, لكنني أخاف عليك. الله يمعل 
العواقب سليمة. 

وقالت يمنانة: طوال النهار وقلبي يغلي, وما زلت خائفة عليك. 
احك لنا عمًا حدث. 

قال ها: أنا تعبان يا أمي. سأقول لكما كل شيء في وقت 
لاحق. 

قال أبوه: في العام الذي ولدت فيه يا بني» حاصرتنا الحملة 
المصرية بقيادة محمد أبو الدهب لمدة شهرين, ثم تمكن عساكرها مسن 
الدخول وارتكبوا مذابح ونشروا الرعب وقبوا الممتلكات. الناس 
يتذكرون ذلك الآن ولا ينسون. يا بني, هذه المدينة ل تعد تححتملء» 
تعرضت لنكبات كثيرة ول تعد تحتمل المزيد. 

قالت هنانة فجأة: هناك من يطرق باب البيت. 

انخلع قلب أحمد آغا. هاجمه الرعب وهاجم قلب بمنانة. 
الريح. 

صار الجو ثقيلاً. وقف يوسف متأهبًا. قال والده: لا تخرج. 


وقالت ينانة: لن تفتح الباب لأحد. 


141 


لكنّه خرج دون الفانوس. قطع المسافة على عجل وأزاح 
وحده الريح يصفر ويزيد الجو وحشة. 

أغلق الباب وعاد, كانت عيوفما متعلقة به. قال: لا أحد, رما 
يا أمّي خيّل إليك. فلا تقلقي. 

قامت ينانة إلى المطبخ. حملت المصباح معهل. وعادت بعد قليل 

وضعت صينية الزاد أمامهماء وقالت: لم نأكل شيئًا هذا اليوم. 
كنا مهمومين لغيابك. 

أكل معهما. كان طعم الزاد شهيّا. وكان كل شيء من شغل 
يديها. 

قال والده, بعد أن رفعت بمنانة الزاد: يا بني» المدينة مقبلة على 
كارثة. وأنت ستكون في خطر. ستكون مطلوبًا للإنكشارية. مينالون 
منك, وأنت ولدي الوحيد. ومنذ الغد. أريد ممك أن تسافر إلى 
الأستانة لتلتحق بمدرمة الهندسة والمعمار, فلا تعص رغبتي. 

فكّر يومف قليلاً. ولم يجب. وقالت بمنانة: إِنَ مع العسر يسرًا. 


سانيا 
عندما خلا بنفسه, عندما أوى إلى فراشه لينام, داهمته 
الهواجس؛ ها هو ينتظرء فما الذي سيان به الغد؟ هل يواجه العواقب 


2 © اه 


12 


أم يهرب ويختفي ويصبح طريدًا؟ هل يختفي من حياةة العيطموسء 
والوصيفة الخفلاسية الحنونة؟ 


هل يختفي من حياة يمنانة وأحمد آغا؟ 
هل يبتعد عن بحر يافا ومآذها ومنارة فنارها ومبانيها القدبمعة 
وناسها وأسواقها؟ 


وماذا لو قبضوا عليه؟ أيكون مصيره في زنزانة, أم يعلقون 


برقبته مشنقة؟ 


ربما يستطيع أن يواجههم ويتغلب عليهم إذا استيقظ القرين 
وأرسل عليهم من جوفه شواظ من نار ونحاس. ولكن, ماذا لولم 
يستيقظ القرين؟ 


أصابه الأرق, فخرج إلى الحديقة, وأطل على المدينة التي 
يغمرها الظلام. وعلى الرغم من ذلك. كان يتخيل الطرق 
والمنعرجات والبواكي والقناطر والأقواس, والرقش في محاريب 
الجوامع؛ والخطوط الكوفية على قبابهاء والأسواق ورائحة الصابون 

كان يستبدل يافا المكبّلة بالسواد والخوف والرعب الخفيء 
بيافا اللؤلؤة المكنونة المفعمة بعطر الحياة وألقها وضجيجها. 

ظل يتأمل حتى بزغ الفجر وانتشر الضياءء وبدت المدينة 
مبللة بالندى, يسككها صمت وحذر وتظللها سكينة وصدى صوت 


13 


الأذان. وصخب أمواج البحرء وخجخجة تكسّر الأمواج على 
الصخور. 

صلَّى مع والده صلاة الفجر, وأوى إلى فرشه. أسند رأسه على 
المخدّة, وتذكر ما قالته السيدة عن أن الوالي وحاميته العسكرية لا 
سلطة هم على الإنكشارية؛ وطلما سمع عن أن السلطان سليم لم 
يستطع تنفيذ إصلاحاته عندما ثاروا عليه فهادفم. 


هم مركز القوة في الدولة, ويمكنهم إثارة الفتن والقلاقلء 
وفرض الأتاوات» والسلب», والنهب., ونشر الرعب دون أن يحاسبهم 
أحد. 


ظلت الخواطر تدور في خلده إلى أن هذه النعاس, فنام. 


لميقيتنا 


أفاق في وقت الضحى. فتح النافذة وأطل منها إلى الشارع 
القريب. كان هناك تجمع شبابي» ومن بعيد أصوات حشود. 
استيقظت المدينة على ضجيج وغضب. ما زال الناس ينزلون إلى 
الساحات والشوارع: ويبدون غضبهم على ما فعله الإنكشارية مسن 
عبث وحرق وترويع؛ء وعن صمت الوالي وعساكره ووقوفهم على 
الحيادة. 


لبس ملابسه على عجل. دخلت ينانة تحمل له كوبامن 
الحليب. قالت له إن في الليوان ضيوفًا. قالت إفهم مشايخ ووجهاء 
وأئمة مساجد وقساوسة. 


144 


وقالت إن الوالي طلب منهم العمل على قدئة المخواطر. 
ووعدهم يبر الأضرارء وأنَ الإنكشارية عادوا إلى تكنتهم ف 
البازور. 


دس قدميه في الحذاء. وقال لهها: أنا ذاهب إلى الساحة. 


تشبثت به ورجته أن يبقى, وقاالت إن الفيوف يريدون 


- ليس لدي ما أقوله هم. 
أفلت منهاء وغطى رأسه بالطاقية» ولف وجهه بالشال. 
خرج دون أن بمشط شعره؛ أو يشذّب لحيته الخفيفة. 


سسا 


مشى في الطرق والأزقة متخفيًا وميممًا شطر البازار. كان 
هناك في فاية الحارة حشد يتجمّع أمام جامع البحر. حشد يتجمّع, 
يتجمّع فقط. لا هتاف ولا صخب. يتجمّعون كما لو أفهم ينتظرون 
إقامة صلاة جنازة. يتجمّعرن كأنها يتفقد بعضهم بعضًا. 

عندما وصل الازارء فوجئ بورشة يقوم بما شباب الحارة. 
ينهمكون في إصلاح ما أفسده الحريق؛ صيانة» وطراشة ودهانء 
سقالة ومسطرين وجبلة جبس, تنظيف وتكحيل؛ فرشاة ومكنسة 
وأدوات تنظيف. 


145 


هاله ما رأى؛ وأقبل عليه الفتى زياد زياد الأشقر الجميلء 
الحيوي وابن البلد, الشهم والشجاع الذي أغلق الطريق وغمره 
بالزيت يوم اقتحام عسكر الخيّالة. 


أقبل عليه زياد وقال: سيعود اللبازار كما كان. 


فرح, ولكن ليس لعودة البازار كما كان, بل فرح للفكرة 
والمبادرة, فرح للتضامن والتوادٌ وللسلوك النبيل. 

كانوا قد أزالوا قسمًا كبيرًا من السناج والسواد. وطرشوا 
الجدران. ودهنوا النوافذ. ونظفوا الحجارة من الخارج. 

شد على يدي الفق زياد وخلع الطافية والشال» واقترب من 
الشبان الذين لُطّخخت ثيايهم وأياديهم ووجوههم بآثار الدهان واجير. 
كانوا ستة وسابعهم زياد؛ كانوا صناعًا محترفين» وحالما رأوه تركوا 
ما بأيديهم وجاءوا يعانقونه. 

قال زياد: قمنا بحملة تنظيف وتصليح., وتوزعنا على الأماكن 
التي تعرضت للحريق والتلف. 

وأضاف: فاعل خير تبرع لما بتكاليف المواد الخام, والباقي 
جهود شباب من مختلف الحارات في المدينة. 

سلّم على الشبان» وأثنى على عملهم. ودون أن يبطئ. أخحذ 


دوره في العمل, واختار أن يدهن ما تبقى من نوافذ, فلعلّه اشتاق إلى 
رؤية الألوان. 


146 


عمل معهم ساعة من الزمن, م اصطحب زياد وذهبا ليشاركا 
في ورشة إصلاح دكاكين اليونانيين الذين يبيعودن السجق 
والمشروبات الروحية. 


عند الظهيرة, جاءت عربة تحمل الطعام. قال زياد إن فاعل 
الخبر غمرنا بلطفه وكرمه. وقال إن الناس يظهر معدفم الحقيقي عند 
الملمات. 

أكل مع الشغيلة. تحلقوا حوله. وتزا“موا ليجلسوا قربه. وأثناء 
تناوهم الطعام, جرى بينه وبينهم حوار حول تشكيل لجان حماية مسن 
الشباب في كل حارة. كانت لديهم أفكار خيالية» كانوا يكبرون 
حجرهم. ويتحدثون كما لو كانوا سيشكلون جيشًا. قال زياد: ما 
دامت السراي لا تقوى على حمايتناء فلماذا لا نحمي أنفسنا بأذرعناء 
وأنت تقودنا؟ 

كان ينظر إليهم بفخر واعتزاز. لكنه لم يشأ أن يشجّعهم على 
المغامرة. لم يشأ أن يرى هذه الزهور تقصف بالمدافع. كما أله خشى 
من المراهنة على قرّة القرين الذي يتزمّل في ثيابه. 

قال لهم: يجب أن نتحرك من أجل أن تقوم الدولة بواجبها من 
أجل حمايتنا من القتلة واللصوص. على قوات الحماية في السراي أن 
تواجههم. 


117 


استمعوا إليه. اقشع البعض؛ ول يقنع البعض الآخر. لكتهم م 
يبدوا التذمر. 

ما إن حل المساء. حتى كان كل شيء قد تم إصلاحه ولو بالحد 
المعقول, كان الشغيلة قد أفكوا. وكانوا يتوقون للعودة إلى يوقم 
قبل أن تصبح العتمة حالكة. 


1148 


الفصل الرابج عشر 
ها هو البازار تحت التجديد؛ دهنت الشبابيك, وصسبغت 
جدران بعض الغرف بألوان زاهية, وأعيد جلي بلاط الليوان» ولكن 
ما زال هناك عمل كثير. 


الرسوم واللوحات احترقت, والأثاث احترق. وقلبه احترق. 
أسف لاحتراق لوحات تعني له شيئًا. أسف لاحتراق لوحة السيدة 
أمام الصخرة. أسف لضياع الألوان الزيتية» وأقلام الفحم, والحامل» 
وفراشي الرسم الثمينة» ولفائف قماش الرسم. لكن ما كان يشغله 
ليس هموم البازار وطلاءه وترميمه, بقدر ما كان يشغله موضوع نفيه 
وإبعاده: فلقد استدعى ديوان الوالي والده أحمد آغا وطلب منه أن 
يقنع ولده بالخروج من يافا لمدة عامين, وأسرّ له بأنالوالي أمر 
بإبعاده إلى الشام لتأمين سلامته بعد أن عرف أله مطلوب 
للإنكشارية. ولكي لا يبدو الأمر إبعادّاء فإنه يقدم له مبحة دراسية 
في (مدرستي ملكي سلطاي) في دمشق لدراسة الهندسة المعمارية. 


والده أحمد اغا كان يرغب في إبعاد ولده عن الأذى. ومن 


جهة أخرى, كان يرغب في أن يتخصص ولده بكندسة العمارة., 


ظل طوال الليل يفكر. قلّب أمره طويلاً: هل يتحدى ويرفض؟ 
الوالي سيبعده بالقوّة إذا رفض, والإنكشارية سيخطفونه ويقتلونه 
ذبحًا كالشاة إذا تحدى. ربما النفي صفقة عقدها الوالي مع قائد 
الإنكشارية. 


ديوان الوالي ضمن سلامته لفترة محدودة يرتب فيهائؤون 
السفر. كان يقف. ويقف إلى جانبه الفتى زياد وبعض رفاقه. وككان 
عليه أن يفكّر بإعادة ترتيب الأشياء, وأن يحدد ما الذي يتعيّن عليه 
أن يفعل في قادم الأيام. 

لا أحد يشعر بما يدور في خلده. وعلى الرغم مسن ذلك,. لم 
يغضب من فكرة دراسة الهندسة. ولم يفرح للعيش ني دمشق الشام 
الشريف. هذه يافا التي يحبّها قدأ على مضض. يعود الناس إلى حياتهم 
الطبيعية بحذر. لكن الخوف يظل دفيئًا؛ فالكل يتحسب ويقلق مسن 
عودة الإنكشارية في وقت ما لا يتوقعه أحد. 

الحياة الآن نصف ابتسامة» نصف تفاؤل, نصف فرح. لكن 
الحياة, على الرغم من ذلك, تمضيء والشمس تشرق وتغيب. 

كان الفتى زياد يعبر عن سروره بطريقة لافتة؛ فقد اقنص 
الفرصة وقال ليوسف لحظة المغادرة: أريد أن أتعلم الرسم؛ هل تقبلني 
تلميذًا؟ 

ابتسم يوسف. وداعب شعره الأشقرء وقال: يسعدي ذلك. 


دع 


غادر المرسم. ومشى على رمال الشاطئ في طريقه إلى قصر 
السيدة. كان البحر هادئاء والموج يلهو مع الرمل في مد وجزررةء 
والوقت عصرًا. 


© <« هد 


كان جنود الحماية يعتلون الأبراج التي تنتصب على أسوارها 
المدافع» وأصحاب الحوانيت يحاولون إصلاح حوانيتهم التي أفسدها 
الحريق؛ والصبيان الذين يعملون في المدابغ يذهبون إلى وردياتهم في 
المعامل وهم يحملون زواداتهم ويلوّحون له بأذرعهم. كما كان باعة 
الفخار ينشرون بضاعتهم غير بعيد عن الشاطئ ويبدون له البشاشة. 
بينما الصيّادون الذين يصلحون شباكهم يرفعون أصواهم بالنعاء 
عليه. حتى أولئك الذين أقلعت مراكبهم للتو, كانوا يرفعون أياديهم 
بتلويحات محبة, بينما تدور حوهم وتشيزّه طيور النورس. ومن بعيدء 
يقل الحمّالون من بيوت التنك التي تجاور ثكنات الجنود من حامية 
يافاء ويسلّمون عليه بحرارة. 

إنها المشاعر ذاهَا التي كانوا يغمرونه يما منذ أن كان فتى نشيطًا 
ومبادرًا يشاطرهم حب البحر أيام كان يقفز من أعلى برج على 
السورء ويفتح ذراعيه ثم يلقي بنفسه من عل إلى الأمواج الصاخبة, 
وكانوا ينبهرون يكتجامة عالت ابافنا جيله لافستى دان 
الصيادون وشباكهم. والعمال الساعون إلى الرزق, والخواجات 
أصحاب المحلات التي تبيع السجق والخمور. وجنود الحامية فوق 
الأسوار؛ جميعهم كانوا جمهوره الذي يحبّه ويبادله الحب. وفضلاً عن 
ذلك. كانت نساء الحرملك ينتظرن مروره قادما إلى البحر أو عائدًا 
منه. يلقين عليه نظرة بل نظرات من الشرفات وهو عائد بقميصه 
الملون والمزركش ذي الصناعة الهندية» والسروال الفضفاض من 
الصناعة الدمشقية. أُيَام يتذكرهاء فقد كان فى المدينة التي تستحق 
العشق. 


ها عه ©» 


151 


ها هي الحياة تدب في أطرافها بحذر. وها هو ينظر قليلاً إلى 
الخلف كأئه يودعها. 

كان عليه أن يصل إلى قصر السيدة في الموعد المحدد. فقد صار 
واحدًا من عائلة يحبَهاء تؤنسه ويؤنسهاء فهذه الأمسية تشهد جلسة 
حكايا يستبطنها الحب. حكايا قرب البنات فيها من ذكريات وباء 
الخطف. ورق الحرملك. 


في الحديقة ذاهاء بين الأشجار والورود والعشغب الأخضر 
يجلسن, تحت مظلة تمنح للمكان جمالاً؛ البسط, والوسائد. والحلوى, 
وأواي الشراب. 

البنات يجلسن حول السيدة: انتخبنها لتكون الملكة والمتحدئة 
هذا المساء. كل شيء جاهز بانتظار وصوله. 

طرح السلام ووجد متسعًا بجانب السيدة فجلس. 


رحبت به السيدة باسمها وباسمهن. كانت كلماقا رقيقة وخفيفة 
ظل؛ وكرّرت ما سبق أن قالته في الجلسة السابقة وهي تخاطبه: مذ 
أن انضممت مجلسنا هذاء صارت نساء هذا اليت (لم تقل هذا 
القصر) يتأئقن في ملابسهن ومظهرهن وما يضعنه على خدودهن من 
مساحيق. وفي عيوفنمن من كحل. ليبرزن أعلى تجليات الأنوثة» وهذا 
شيء يسعد القلب. 


© #* © 


152 


كان الطقس لطيفاء وكان للجلسة حُسن ويماء. وللصبايا رونق 
الشباب وطراوته؛ وجو الجلسة بريق وإشراق. 

دارت إحداهن بكؤوس الشراب, وقامت السيدة بتعريفه 
عليهن. كان يعرف من بينهم بالاسم والشكل أسرار. وأحلام ملكة 
الجلسة السابقة» وعرف أسماء البقية: أنوارء وعائشة. وجلّنارء 
وسعيدة, وثريا. 

في الجلسة يتساوى الجميع. لا سيّد ومسود, لا صاحبة عرّة 
وخادمة, لا أميرة ووصيفة. هن نساء يحملن الهموم نفسهاء ويعشن 
العزلة نفسها. يلقين الهموم خلف ظهورهن, ويجدن في هذه الأمسسية 
لحظة سمر ومرح ومتعة. 

كانت السيدة هي الملكة والمتحدّثة. وقبل أن تتحدث. أخحذ 
يوسف الكلام. وعبّر عن سعادته لوجوده بينهن؛ ووعد. وني القلب 
غصة, أن يقصّ عليهنَ قصة ذات يوم. 

عندما راق اجو تاماك وحان وقت الإصغاء باهتمام وانباهة. 
تكلمت السيدة فقالت: كان يا ما كان, في زمن من الأزمان. ليس 
بعيدًا على كل حالء فتاتان صديقتان وبنتا عمومة. تعيشان في جزيرة 
من جزر الأحلام. واحدة اسمها (إيمي). والأخرى اسمها (ماري روز). 
كانتا من عائلتين ثريتين» وتدرسان في مدارس لإرساليات مسيحية 
فرنسية. وكانت لكل منهما أحلام بعضها يتجاوز حدود الخيال. 


153 


الأولي إيعي بنت عزء والدها من كبار ملاك الأراضي, وقارئ 
يحب قراءة كتب التاريخ والروايات الرومانسية» وكان لهاإلمام 
بالسياسة, وقد حببها بعادة القراءة. كما كان يشجّعها لقراءة كتب 
التاريخ: ويقول ها: حتى نفهم الحاضر, علينا أن نلقي نظرة علسى 
الماضي. وبالإضافة لثقافتهاء كانت جميلة» بل فائقة الجمال. تملك 
عينين زرقاوين وبشرة صافية وشعرًا أشقر طويلاً ينسدل حتى أسفل 
ظهرها. كانت جميلة جميلات تلك الجزيرة» واسمها جزيرة (المارتنيك)» 
وهي مستعمرة فرنسية قليلة السكان. 

الثانية هي ابنة عمّها ماري روزء بنت عز أيضاء والدها يحتكر 
زراعة قصب السكرء وهي وحيدة أبويها. لكتّها تحب جمع التحف 
والأساور والأقراط أكثر ما تحب الكتب. وعلى الرغم من تواضع 
جتمالهاء فهي شديدة الذكاء, وشخصية اجتماعية, تستطيع أن تسحر 
من يراها لأول مرة. 

إيمي وماري روز صبيّتان تحبان بعضهماء وتذههبان معٌقا 
للمدرسة, وإلى حفلات الموسيقى. وتقضيان معًا عطلات الربيع 
والصيف في مزارع أبويهما بالتناوب. وتشترهان في حقول قمب 
السكر. 

إيمي تحب العمّال القادمين من البحر الكاريي. ولا صلات 
طيّبة مع الخادمات من أصول أفريقية. أمَا ماري روزء فتعقد صلات 
مع الصبايا الفرنسيات اللوايَ يجتمعن معها في الكنيسة أيام الآحاد. 


14 


أحلام إعي أن تسافر كل عام إلى باريس لتستمتع بمتاحفهاء 
وكنائسهاء ومقاهيهاء ومطاعمها التي تحاذي فر السين؛ وملاهيهاء 
ومسارحها التي تقدم مسرحيات. وفرق الأوبراء والسيمفونيات 


الموسيقية. 


لكن أحلام ماري روز تتجاوز حلم الزيارة إلى حلم العيش في 
باريسء والانغماس في ملذاقاء والانضمام إلى طبقتها العالية» طبقة 
النيلاء. 


ذات يوم, زار الجزيرة قارئ كف من أصول هنديّة. وسبقته 
شهرته من خلال القادمين من جزر الكاريبي. وتقاطر الناس عليه في 
التزل الكبير الذي مكث به. واصطفوا طوابير من أجل أن يقرأ لهم 
الطالع. ورغبت ماري روز في زيارته بصحبة إيمي لتعرف حظها 
ومستقبل أيّامها. وبحكم نفوذ عائلتيهماء فقد استطاعتا مقابلته. 
وحظيتا منه بمعاملة حسنة, واستقبال يليق بالأميرات. وقرألحهما 
الطالع والحظ والبخت؛ من خلال خطوط الحياة والصحّة وخطوط 
القلب والتفكير على أكفهن. 


قرأ لماري روزء وقال إِنها متعيش حياة عاطفية شديدة الثرا. 
وإِنْ خط الصحة يقول إفها ستعيش عمرًا مديدًا وسعيدًاء وإن رغبتها 
بالترحال والسفر ستضفي على حياقا يمجة. وتمر بخبرات وتجارب 
تجعل منها سيدة مرغوبة من المشاهير. وتنبأ نها أن تتزروج من رجل 
عظيم يجعل منها سيدة الغرب بلا منازع. 


155 


وقرأ لإيمي طالعهاء وقال إن جماهها سيكون سببًا في فرحها 
أحياناء وسيبًا في شقائها أحيانًا أخرى. وإن خطوط الصحة والعاطفة 
تقول إفها ستبقى حيوية ومبادرة. وإن شخصيتها القوية تتسم بالعناد 
والإصرار على تحقيق مبتغاهاء وإِنَ ثقافتها العالية مستفتح أمامها 
الطرق المغلقة» وستعزوج من سلطان أو ملك من بلاد الشرق» 
وسيجعلها ذلك سيدة الشرق كله, رغم ما يكتنف الطريق مسن 


عقبات. 


قراءة الطالع حفزت ماري روز للبحث عن طريقة تقاجر يما إلى 
مدينة باريس. وقد سنحت الفرصة عندما تقدّم ها شاب يكبرهاء 
لعائلته صلات طيبة مع خالتهاء وأتاح لها هذا الزواج الانتقال إلى 
باريس. لم تكن تَحبّه لكنها قبلت به لأنه مقيم في مدينة الجمال 
والفنون والشهرة. 

لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً؛ فعندما اندلعت ثورة الجياع في 
فرنساء وحدثت الفوضى., أعدم زوجها بالمقصلة بتهمة خيانة الثورة. 
وبعد رحيله. تفرّغت لتحقيق حلمها والبحث عن طريق يوصلها إلى 
عالم الشهرة. وتلقت نصائح عن كيفية التصرف وفق البروتوكولء 
وكيفية إتقان اللهجة الباريسية الرقيقة, بدلا من لهجة المارتنيك 
الجافة» وعن نوع الأطعمة التي تحافظ على رشاقتهاء ونوع الألبسة 
التي تجعل الرجال يخطبون ودهاء وكيف توظف جاذبيها في إثارة 
الرجال من علية القوم. فصارت سيدة من سيدات صالونات باريس» 


156 


وصار لها في الأوساط ذات النفوذ شأن عظيم, لكن ما زال مشوارها 
طويلاً لتحقق نبوءة العرّاف وتكون سيدة أولى. 
(توقفت السيدة هناء ورشفت رشفة من شرابء وكانت 
والآن. يرجع مرجوعنا لإيمي التي لم يكن طموحها سوى السفر 
مرة كل عام أو عامين لزيارة باريسء والتزوّد منها بما يبهج القلبء 
ويغذي العفل؛ ويسرّ النظر. 


في إحدى زياراقا إلى باريس عن طريق البحر. وكانت قد 
نضجت وازداد جمانها ويجاؤهاء اعترض القراصنة السفينة في الببحرء 
وأخذوا الركاب الأوروبيين عبيدًا لبيعهم في أسواق الرقيق في 
الجزائر. وتعلمن يا بئات أن القرصنة كانت مهنة وتجارة عند قراصية 
ينتمون إلى دول أوروبية وقراصنة ينتمون إلى الدولة العثمانية» وكلا 
الطرفين يغير على السفن, ويحصل على الغنائم. ويبيعالأسرى في 
أسواق الرقيق, أو يحصل على الفدية من أجل تحريرهم. 

لكن الأسيرة إعي كانت صيدًا مختلقاء فجمالها الماحر دفع 
القراصنة إلى بيعها لوالي الجزائر الذي اشتراهاء وأرسلها هدية 
للسلطان في الأستانة لتكون جارية من جواريه. أو محظيّة من محظيّات 
وكانت مثل هذه الهدايا مألوفة للتقرب من السلطان. 


شد لا 


7ظ1 


(توقفت السيدة وتنهقدت: وأخذت رشفة أخرى من الشراب, 
وتعلقت با العيون؛ فقد كان التأثر بادِيا على محيّاها. توقفت 
للحظات, ثم أكملت). 


قليل من الناس يعرف عالم الحرملك والجواري والسلطانات. 
تاريخ الحرملك هو التاريخ السري للدولة العلية العثمانية؛ ففي 
القصور مئات الجواري اللواي يُجلبن من أسواق الرقيق والنخاسة. 
الجميلات يعرضن على السلطان لينتقي منهن من يطارحهن الفراش؛ 
والأخريات يتم تدريبهن على نظام الحرملك؛ ثم يعملن في مختلف 
المهن في القصرء من طبخ وتنظيف وتربية الأمراءء وعزف الموسيقى 
والرقص. 

وجدت إيمي نفسها جارية تتلقى التعليم على آداب القصر 
ونظامه, وتتلقى دروسًا عن الدين والصلاة. وتقوم بالخدمات العامة. 
لكتها كانت عنيدة. وكانت تقاوم كبار الأمراء الذين يراودوفها عن 
نفسها. وكانت زوجات السلطان يحسدقا على جمانها ويعملن على 
إبعادها عن نظر السلطان, خوفًا من أن يتخذها محظيّة. وكان كل من 
في الحرملك على دراية بقوّة شخصيتتهاء وبمعرفتها باللغة الفرنسسية 
وآداما وعلومها. ووصلت أخبارها إلى السلطان. فطلب رؤيتها. 
وعندما دخلت إلى مكان جلوسه قامت بتبجيله من خلال إتيكيت 
القصور الفرنسي الذي تعلمته في بلادهاء فسُحر بما وبجمانها وحمن 
تصرفها ورقتهاء ومنذ اللقاء الأول» أصبحت محظيته والمفضّلة عنده. 


158 


وتشاء الظروف أن تحمل منه وتلد له ولذدًا ذكرًا. وبعدالولادة 
صارت ا مكانة خاصة, ووصلت إلى ربة ملطانة. 

وكما قلت لكنّ ولك يا سيدي, فإن دسائس الحرملك في 
القصور قاسية ولا مكان فيها للرحمة. و من تقع ضحية بسبب عنادها 
أو تكون ضحية وشاية: فإِنَ مصيرها أن توضع في كيس ويلقى يما إلى 
النهر في خليج البسفور. لكن الدسائس لم تطلها فقطء وإنما طالت 
طفلها؛ إذ جاء اليوم الذي وجدوا فيه ابنها الرضيع مخنوفاء وقعل 
الذكور عادة ملازمة لدسائس القصور؛ فكل زوجة من زوجات 
السلطان تريد أن يكون ابنها وريثًا للحكم. 

السلطان تعاطف معهاء وعهد إليها بتربية أحد أولاده من 
سلطانة توفيت عند الولادة. فعوضها الولد عن ابنهاء وقامت بتربيته 
كما لو كان ابنها. 

عندما أصبحت إيمي سلطانة؛ أطلق عليها السلطان اهما جديدًا 
عثمانيًا يليق يهيبتها ومكانتها. 

السلطانة أدخلت على القصر نظمًا عصرية, وجلبت الأناث 
من فرنساء والأواي المتعلقة بالمطبخ كذلك, وأدخلت الإتيكيت 
الفرنسي على نظام الولائم» وجلبت من باريس صحون البورسلان 
والملاعق الفاخرة والشوك والسكاكين. 

بصمودها وعنادها وقوّة شخصيتهاء صار لها نفوذ أكير 
وأقنعت السلطان. بعد خسائر كبيرة لحقت بسلاح البحرية والمشاة. 


159 


باجراء إصلاحات على الجيش وإدخال النظم العسكريّة الأوروبية 
الجديدة» وتشكيل جيش جديد ليكون بديلاً عن نظام الإنكشارية, ما 
جعل الإنكشاريين يعارضون هذه الإصلاحات, ويناصبوفا العداء. 
ويتامرون عليها. 

لكن إيمي الشجاعة وقوية الشخصية لم تستسلم. رضخ 


السلطان وهادفم, لكتها لم قَادهم, وظلت تدير الأمور في الدولة من 
وراء الستار. 


(توقفت عن الكلام؛ ونظرت إليهن كما لو أها تستطلع تأثير 
الحكاية عليهن, فيما كن يتابعن بدورهن تأثير الحكاية عليهاهي. 
توقفت قليلاً. ثم أكملت). 

حكايتنا تنتهي هنا. ولعل الأقدار تضع لهذه الحكاية فهاية. 


لقد صدقت نبوءة قارئ الكف. وأصبحت إبمي السلطانة الأم 
سيّدة الشرق في دولة تمتد حدودها حتى آخر المدى. فماذا سيكون 
مصير ابنة عمّها ماري روزء التي سلكت الطريق الآخر لتكون سيدة 
مجتمع كخطوة أولى في طريق طويل قد يوصلها إلى أن تصبح سسيدة 
الغرب بلا منازع؛ كما تنبأ لها قارئ الكف نفسه؟ من منكن أيتها 
البنات يمكن أن تتخيل فاية لهذه الحكاية؟! 


مه و ابن 


100 


الفصل الخامس عشر 

هكذا انتهت حكاية ليست ها فهاية» لكتها دفعهت الفتيات 
للتفكير. ولإخراج ما ني أخلادهن من خواطرء والمشاركة في إبداء 
الرأي. واللبحث في مصير السيدة ماري روز؛ فمنهنَ من تنبّأت لها 
بمصير باهر. ومنهن من رأت أنها ستعحوّل إلى سيدة مبتذلة ببسبب 
سلوكها ف الغواية ومنح الجسد. وواحدة منهن. وهي الوصيفة 
أسرار, رأت أن مصيرها ينتهي عند المقصلة. 

واعتدل اجو وتحوّل إلى مزاح لأنْ البنات رفضن الانجرار إلى 
حسن المنقلب أو سوئه لتلك الفرنسية اللعينة» وتحمولن إلى العزف 
والغناء والرقص. 

انتهت الحفلة. وعادت السيدة مصطحبة يوسف وأمسرر إلى 
الشرفة, وبدا ليوسف أن المريد من نباتات الزينة قد اصطفت على 
جوانب الشرفة. وأعطت للمكان المريد من البهاء. 

كانت السيدة تلبس ثوبًا يشبه العباءة» مقصبًا عند صدره 
وأردانه. وأكمامه واسعة, وتلف رأسها بشال خفيف وشقافء 
ووجهها متورّد. وتحوّل مزاجها بعد تعكير إلى مزاج رائق, وخطر لها 
أن تعناول القهوة معه. وتبسط حبل الود. وكان هو يرغب بتناسي 
انشغالاته وتشوشه. 

مكثت أسرار معهما قليلاً ثم ذهبت لإعداد القهوة وإحضار 
الحلوى. 


© اث » 


161 


حين خرجت أسرارء بادرته قائلة: لم تكن قصتي موفقة؛» أليس 
كذلك؟ 

ابتسم وأجاب: كانت مكبوتة في أعماقك, وسردها أراحك. 
لكتها لا تخلو من طرافة. 

ثم أضاف: إنها حكاية السلطانة نخشديل وابئة عمّها على كل 
حال. 
أتدري؟ يقال إنْها ارتبطت بعلاقة مع ضابط كبير في الجيش الفرنسي 
الذي يقاتل على جبهة إيطاليا. 

- هل تعنين أن ذلك حقق أحلامها؟ 

- لا أدري» لكن صديقنا القتصل في بوردو يقول إله جنرال 
قميء. قصير ودميم, ضابط يتقن الحرب ولا يعرف الجحبء يقفي 
معها شهوته فقط. أنا أكره ذلك. 

وقررت بعد ذلك تغيير الحديث, فانتظرت عودة أسرار بالقهوة 
والحلوى, وقالت بعد انصرافها: دعنا نتكلم بأشياء مفيدة. 

سأل: مغل ماذا؟ 

قالت: حان الوقت لنتكلم في موضوع مكافاتك على رسم 
اللوحة. 

أجاب: لست تاجرًا لآخذ منك مكافأة. أنا صديق. هل نسيت 
ذلك؟ 


ا# اهن جه 


162 


عادت تنظر إليه. ولكن هذه المرة بعينين ماكرتين» وضحكة 
خادعة: لعلك تطلب المكافأة نفسها التي طلبها المهندس في حكاية 
أسرار؟! 

ضحك وقال: تقصدين قبلة؟ 

فواصلت مكرها: أليس ذلك هنا باهظًا؟ 

حدّق في عينيهاء وقال: كنت أودَ ذلك؛ لكنني تراجعت؛ لأن 
قبلتي حارقة. لا أريد أن أؤذيك. 

بنفس المكر اللذيذ. واصلت هجومها بقصد التسلية: أو مجرد 
المراح: قبلتك حرقت نحر تلك الجارية في حرملك قصر الحاكم. 
صارت مثل الوشم. وكل الجواري يحسدفا. 

كان يتوقع أن تسأله ذات يوم عن تلك القبلة, وهاهي 
تستدرجه لتعرف أكثر. 

لم يزعجه ذلكء, فأجاب: لست أنا من قبلها في تلك اللحظة. 
وإنما الجتي الذي يسكن بدي. 

سألت: كيف؟ 

قال: هناك قرين يسكنني. سألت شيخ المسجد الكبير, فقال إن 


لكل مسلم عفريًا من الجن يصاحبه. ويحل في بدنه. ويغويه. والجسن 
الذي يسكن جسدي لا يستيقظ إلا في وقت الحب ووقت الحرب. 


وت هد هه 


- الشيخ يقول إن ذلك ذكر في القرآن والسئّة, وإِنْ القرين 
يمكن أن يكون من الملائكة فيدفع صاحبه لفعل الخير فيتجتب أفمال 
الشرء ويمكن أن يكون من الشياطين فيدفعه لعمل الشر. 

تحوّلت نظراقًا إلى استغراب وتساؤل: أنت إنسان طبيعي, فلقد 
عاشرناك ول نجد فيك عيوبًا. لم نجد فيك إلا كل خير. 


أجاب وقد أثاره الحديث, ووجد فرصة ليخرج ما هو مكبوت 
في قلبه: نصحبي الشيخ أن أقاومه وأنتصر عليه. يمكن الانتصار عليه 
يارادي» وسوف أنتصر عليه؛ فإذا ما انتصرت؛ سأطلب منلك... 

ضحكت فجأة: لا أصدّق ما تقول. كل مافي الأمر أن في 
أعماقك طاقة كبيرة, طاقة أكبر من طاقات الناس. ولا شك في أن 
هذه الطاقة ستعود إلى طبيعتها كلما ازدادت التجارب والخبرات. 
وتكون خيرًا لك. 

ثم أضافت: في الديانات الهندية, هناك فلسفة السيطرة على 
النفس. وهي فلسفة ها نظير في الدين الإسلامي. هي فلسفة 
المتصوّفة: فابحث عن الحكمة تجد الحل. 


أدهشه اتساع معرفتهاء وتمنى لو تسترسل في حديثها. وعندما 
ظل مصفيًّء واصلت حديثها: للقبلة تاريخ طويل منذ بدء الخليقة عند 
الشعوب والحضارات والأديان. سيدنا آدم تعلّم القبلة من نحلة. 
النحلة حطّت على شفتي سيدتنا حواء لتمتص الرحيق من ريقهاء 
فقال لنفسه لا بد أن ريق حواء لذيذ. فأقبل عليها وامتص شفتيها 
وشرب من ريقهاء الريق الذي يسميه الشعراء الرضاب؛ فكانت أول 


2ه « ا 


قبلة في التاريخ. القبلة عند بعض المعتقدات تتعلق بالقداسة والشم 
واللمس والرغبة والتكاثر وديمومة الحياة. 

وف كتب الحب عند اللفدوس, تتجلى حكمة الشرقء» 
فالتواصل بين رجل وامرأة له طقوس كالصلاة. القبلة عندهم مدخل 
إلى اللقاء الحميم الذي يمثل نقاء للروح وصفقاء للدذهن. 


وواصلت القول: القبلة في فلسفتهم تعني السمو الروحي. ولا 
أنواع مثل: القبلة الاسمية» أي تقبيل الفم بشكل سريع وخاطف 
وعلى عجلء, والقبلة التي تحرك الفتاة فيها شفتها السفلى تسمى 
القبلة بالنببض. والقبلة التي تلمس الفتاة فيها شفة حبيها بلسافا 
تسمى قبلة اللمس. وهناك أنواع أخرى مثل القبلة المعتدلة» والقبلة 
الناعمة, والقبلة المضغوطة. 

ابعسم وقال: تعددت الأسماء والقبلة هي القبلة, ويتعيّن ألا 
نشرحها لكي لا تفقد شيئاء ويكون لها حدود. القبلة مثل القصيدة؛ 
نها وزن وقافية وموسيقى داخلية, وها مطلع وها خعام. وختامها 
ممسك. 

ضحكت وقهقهت,. ونظرت إليه نظرة مشاكسة وقالت: 
وهناك قبلة قد تروق لك. وها عندهم قيمة علياء وهي تقبيل صورة 
الحبيب. فإذا شاهد المحب لوحة لصورة حبيبته معلقة على الجدارء 
فإله يستطيع أن يقترب ويقبّل فمها أو وجنتيهاء وتسمى هذه القبلة: 
قبلة النوايا الحسنة. 

فهم رسالتهاء فعلّق ضاحكًا بسخرية: بئست هذه النوايا. 


ل مد كنا 


165 


ضحكت بدورهالء فقال: دعينا نتضحك وفسرب من بؤس 
الحياة. 


ثم عبس, وهم بالكلام, لكنّه تراجع. 

سألته: لديك ما تقول. أليس كذلك؟ 

أجابما: ما كنت أرغب في أن أعكر مزاجك. هناك أوامر مسن 
الوالي بإبعادي. 

م تفاجاً. لعل ها من يبلغها بالأخبار. فرذت: كلت أتوقع 
ذلك. علمت أن مفاوضات تجري مع الإتكشارية من أجل التهدئة, 
وعدم مهاجمة يافاء وأنهم وضعوا شروطًا. 

هر رأسه, وصمت» فأضافت: الإنكشاريون يضغطون على 
السلطان سليم لأنه استقدم خبراء من فرنسا لتحديث الجيش على 
النسق الأوروبيء ويعتقدون أن ذلك سيكون على حساكم. يثيرود 
الشغب في الولايات؛ ويبدو أن السلطان بدأ بميل لمهادنتهم. والوالي 
هنا ينفذ أوامر السلطان. 


هزّت رأسها مؤكدة قوله. وأضافت: وسيدفع هم أتاوة تقدر 
بمئات الليرات الذهبية. 

صمت كلاهماء وبعد برهة, سألته عم سيفعل. فكر ميّاثم 
أجاب: الوالد يريدبى أن أغادر وأك قى بمدرسة هندسة معمارية في 


لم00 


دمشق. 


© ا«# اله 


قالت: لا تتردد. 

- هذا يعني أن أغيب سنتين عن يافا و.. عنك. 

لمعت عيناها ببريق ناجم عن دمعة حبيسة أو إحساس بألمى 
وأجابت: لا تقلق. سنبقى على تواصل» وآتيك إلى هناك كلما 
سمحت الظروف. 

- لقد أصبحوا قوّة شدد الدولة. 

- للإنكشارية تكناتقم الخاصة وتنظيمهم الخاص؛ وهم أقوى 
فرقة في الجيش, يتلقون تربية عسكرية عمياء. وصاروا مركز قوة 
ويتدخلون في تعيين السلاطين وعزهم, بل وقتلهم إذا لزم الأمر. كما 
أنهم يفعلون كل شيء من سطو واغتصاب وفرض أتاوات. ولا 

- سمعت أنهم عاثوا ني يافا فسادًا في الماضي. 

- هم الآن في مواجهة مع السلطان لثنيه عن تحديث الجيش 
وإعادة تشكيله وفق النظام العسكري الفرنسي. ويعتقدون أن 
السلطانة نخشديل وراء ذلك. باعتبار أصوها الفرنسية. 

- أنا لا أفهم في السياسة, لكن يبدو لي أن السلطانة على حق» 
فالدولة تتعرض غزائم وتفقد نفوذها في الولايات البعيدة ورماح 
الدول الكبرى. مثل روسيا وإنجلتراء تتناوشها وتسعى إلى التدخل في 
شؤوفها. 


هه اعنه ل( 


- دعنا من هذا الحديث. الحديث في مثل هذه الشؤون يفسد 
جلستنا. متى تذهب إلى دمشق؟ 

أجاب: يتعين أن أغادر في غضرد أيَام. 

فكرت قليلاًء ثم قالت: ويتعيّن علي أن أذهب إلى إزمير لزيارة 
من تبقى من عائلتي, وربما أمكث هناك حولاً كاملاً. 

صمت ولعله كان يفكر بالرحيل والغربة. وبعد أن ظلل 
الجلسة صمت ثقيل, قالت: مسأرمل لك الرسسائل على عتوان 
مدرستك. حدث تطور في البريد؛ لم يعد الحمام الزاجل هوالذي 
يحمل الرسائل. صارت هناك محطات للبريد في المدن الكبرى. وصار 
البريد ينقل عن طريق البحرء وعن طريق البر. 

وأضافت: ويمكن أن أرسل لك الرسائل وافدايا بين حين وآخر 
مع أسرار التي تحب السفرء وبالتأكيد, تحب بلاد الشام. 

ثم دفعته وهزته من كتفه, وقالت بدلع: ثم إهما عامان وتعود 
لنا مهندسا كبرًا يشار له بالبنان, وعندهاء سأهبك قبلة. 

ثم أضافت: قبلة ما مرت بذاكرة عاشق. لكن عليك أن تنتصر 
على ذلك الجني الذي يرافقك. 

ووقفت. وأمسكت بيده وقالت: هيّا نتمشى في الحديقة. 


مدنا 


© ادم 


الفصل السادس عشسر 


وصل دمشق بعد رحلة شاقة. امهل لرغبة أبيه وانتقل إلى 
مديئة لا يعرفها. 


ودّع يافا وودّع السيدة العيطموس فائقة جمال الجسد والروح. 
كان الوداع مثقلاً بعواطف ونظرات ولمسات ودموع, ولازمته طوال 
الرحلة رعشات أحزان, وانثالت ذكريات ممزوجة بحنين»؛ ومشاعر 
فراق. وحكايا مدينة» وهدوء بحرها وزمجرته. وذهب رمافاء و:ججال 
مآذنها وقباهاء وزهور تلانها وورودهاء ودعاء يمنانة» ودموع أحضد 
آغاء وتلويحات صياديهاء وعمّال الدباغة؛ وأبناء الللد في أزقهاء 
ومبنى البازار المغلق, وصدى أصوات مؤذنيها وأصوات أجراس 
كنائسهاء وجريان فر الجريشة. ومركب يشق عباب النهرء وصوت 
غناء السيدة, ونظرة رضى في عيني الوصيفة. وكوكبة من زهور 
النرجس واللوز وقرن الغزال. 

امتثل لرغبة والده في إبعاده عن المخاطر. وإرساله ليتعلم 


هندسة العمارة وتزيين القصور. ومع مرور الأيام. انغمس فيٍ 
الدراسة, واندمج ف نسيج المدينة, وصارت الذكريات بعيدة. 


أحب علوم العمارة وفوقاء فتعلم هناك في "مدرستي نملوكي 
سلطانن" على يد كبار المهندسين والمعماريين فنون العمارة الأموية 
والعباسية والأيوبية والمملوكية والبيزنطية. وهندسة بناء البييوت 
والقصور. والتكاياء والمساجد. وما يتبعها من ماذن وقباب ومحاريب 
وأروقة: والعقود. وزوايا الخلوة. والفناءء والنوافيرء والايوائنات» 


169 


والمشربيات. وسبل الما والأسوار, والأبراج؛ والخانات, واليوت 
وما يتعلق بما من قناطر.ء وكذلك ناء المسواقي. والطواحين, 
والتواعير, والمنارات, وأضرحة الأولياى والأسواق, وتعلم فقون 
الزخرف. والتزيين بالآيات القرآنية؛ والتزيين بالرخام وحجر المرجان 
والقاشابئ. وهندسة رسم لمئلغات,. والمربعات,. والمكنات» 
والمضلعات, والدوائر, والنجوم. والتشجير. والنقش. والنمدمة. 
والفسيفساء. وتعشيق الرجاج وتلوينه. والخفر على الخشبء 
وصناعة الأبواب. 


كان يسكن في بيت لا يبعد عن القلعة في حي (العمارة) في 
البلدة العتيقة, بيت له حوش يدخل إليه من مدخل ضيق. ويتكون 
البيت من فناء مبلط. تتوسطه (فسقية) تنمو حولها شجرتا ليمون؛ 
وطابق من غرفتين: واحدة للنوم. والأخرى للطبخ وحفظ المؤونة. 
ومن شرفة الطابق المطلة على الفناء. تتدلى أغصان الياسمين. 

كان بيئًا مريحًا لا يأوي إليه إلا وقت النوم. عمحضي أيامه في 
التعلم في المدرسة أغلب الوقت, وفي زيارةالحارات والأحياء 
والأسواق أوقانًا أخرى, وما تبقى من الوقت. يقضيه في زيارة القلعة 
والجامع الأموي. ومساجد دمشق الأخرى: جامع درويش باشاء 
وجامع الطاووسية, وجامع السفرجلاني. وجامع القلعيء. وجامع 
سيدي صهيب. وجامع ابن هشام. يدرس ويتأمل» يدقق في طراز 
البناء المملوكي باللمسة الشامية, والمملوكي بيصممة سلجوقية, 
والطراز العئمابي باضافات دمشقية. كان مأخوذا بالتفاصيل الهددسية 
للواجهات المزدانة بالنقوش والزخارف والنمنمات. وكان مأخوذًا 


100 


بدهان الألوان واستخلاصها من المواد الطبيعية والأصباغ, والدقة في 
المسطرة والحفر والنقش. وكان مأخوذًا بجماليات المآذن, والإبداع 
في بنائهاء والتنوع في عدد أضلاعها. وطونما أو قصرهاء وكان 
مأخوذًا بتلك الأقواس التي تجمّل الإيوانات: وتلك التيجان المكسوة 
بالقيشابي التي تتوج الشبابيك والشرفات؛ وذلك الخشب الذي 
يحضرونه من غابات الفرلّق ويصنعون منه امحاريب والأبواب وخزائن 
المكتبات والمخطوطات. كان مستغرقًا في تأمل هذا الإرث الفريدء 
ويكرس الوقت لدراسته. يتأمل ويدوّن في دفاتره. ويحلم بأن يعمسر 
ويبني, أن يزخرف. أن يعمل ما لم يعمله الأولون. أن يسجل اسمه في 
سجلات الفريد من معمار المعمورة. 


لم يكن يلهو. لم يكن يختلف إلى أماكن الطرب والرقص وشرب 
الراح في باب توما. ولم تكن تخطر بباله النساء. وما أكثشر اللوانَ 
يتسوقن في أسواق الحميدية والبزورية ومدحت باشا والنحامين 
والسكرية وباب الجابية والعصرونية. حيث القماش. والذهبء 
والعطور, والثياب. والتوابل» ولوازم العرائسء. ولوازم الخياطة 
والحياكة؛ ولوازم البيت, وأسرجة الخيول ولوازمها. 

أمضى عامًا كاملاً دون أن يزور يافا ودون أن يتلقى رسالة 
من السيّدة, ودون أن تأي أسرار بالرسائل واهدايا. 

زارة أبوه أحمد آغا وأمه بمنانة مرة واحدة, وبعدها. ظل يتلقى 
الرسائل والنقود منهما وينفق بلا إسراف. عقد صداقات مع الطليبة 
والمدرسين» لكنها صداقات لا ترفع فيها كلفة. ولا يتسلل إليها 
الجفاء. كان يحب الدرس والتأمل والتدوين. يأكل إذا جاع في مطاعم 


171 


الأسواق. ويشرب إذا عطش من السبيل؛ ففي كل شارع أو زقاق 
أو مدرسة أو مسجد سبيل ماءء؛ وفي سعيه للدرس أو شؤون أخرى. 
كان يشاهد النساء اللوايَ يتلفعن بالملاءة الشامية» ويضعن على 
وجوههن الخمارء فلا تبدو سوى أعينهن. لم يكن يدقق بلغة العيون. 
كان يكتفي بالنظرة الأولى العابرة» مستبطئا فكرة غض البصرء 
ومتذكرًا تلك التجربة القاسية عندما تحول جسده إلى سفود نار 
ملتهب., لذاء كان تجنب النساء خياره. وتجسب الشهرة والغواية 


كان يأوي إلى بيته بعد الغروب. يشعل المصباح ويساول 
وملاحظات ورسومات حول ما قرأ أو شاهد أو مايرغب في أن 
يحققه بنفسه, ويبقى كذلك إل أن يغلبه النعاس فينام. وأيام الجمعة 
يستيقظ فجرًاء يستحم ويتوضأ ويصلي ثم يغسل مااتسخ من 
ملابسه, وبعد ذلك» يذهب إلى المسحد لصلاة الجمعة. 


يدانا 


عاد ذات يوم إلى البيت باكرًا. كان الوقت عصرء وريماء 
لأول مرة يروق له أن يلقي نظرة على الفسقية ونافورقا وليمونتيها؛ 
فجلس على الدكة التي تحاذيهاء وعند ذلك, كانت المفاجأة! 

انتبه إلى أن الدكة نظيفة لا يعلوها الغبار؛ وأن الفسقية نظيفة 
ورخامها ناصع البياضء وأن بلاط الحوش مشطوف ولامع. وانتبه 
كذلك إلى أن قمصانه وسراويله التي اتسخت معلقة على الحبل 
مغسولة ونظيفة. 


دهش. ولم يصدق عينيه. تساءل: هل جاءت هنانة؟ إذا كانت 


قد جاءت؛ فمن فتح ا الباب؟ 


نمض على الفورء وصعد الدرج قفرًا. الشرفة نظيفة., غرفة 
النوم مرئّبة ومنضدة. ملاءة السرير مستبدلة. وكذلك الومادة, 
والخزانة ملمّعة» والملابس بداخلها معلقة, الكتب والدفاتر مصفوفة 
بعناية» لا أثر للفوضى. لا أثر للنفايات. 

لا أثر لوجود هنانة؛ لا حقيبة, لا صرّة. لا رائحة برتقالء لا 
رائحة مسك. 


انتقل إلى المطبخ, الأوا نظيفة, الموقد نظيف, الحيطان نظيفة 
رائحة صابون ورغوة باقية في لجن الغسيل. من الذي فعل هذا؟ 

شعر بالحيرة. ماذا يتعين عليه أن يفعل؟ مقط نظره فجأة على 
فردة قرط نسائية؛ تكاد تتماهى مع لون البلاط. فردة قرط من ذهب 
تنتهي بحجر من الزبرجد. قرط يبدو لوهلة أنه مقط من أذن أميرة. 
انحنى والتقطه ثم اعتدل وبدأ يتأمله ويفحصه. يدو قطعة فنية مشغولة 
بيد جواهرجي دمشقي يمتهن مهنة الصياغة أبا عن جد. انحنى انية 
وأخذ يبحث على البلاط. لعله يجد الفردة الثانية. لكنه. بعد طول 
بحث. لم يجدها. 


دس القرط في جيبه, وخرج إلى الشرفة يبحث عن شيء آخرء 
يبحث عن صاحبة القرط؛ فقد أيقن أن ما حدث في بيته كان بفعل 
فاعل, والفاعل امرأة, لكن من أين دخحلت. وكيف ولماذا؟ لم تدخل 


مه ع هسم 


2113 


من الباب, وبالتأكيد, لم قبط من السماء. دخلت وتركت أثرًا مسن 
آثارهاء وتركت نظافة روحها. 

أطل من الشرفة على البيت المجاور الذي يفصله عن بيته سور 
حجري متوسط العلو. كانت العتمة تتسلل رويدًا رويدًا بعد المغيب. 
وفي تلك اللحظة. ظهر من وراء نافذة الطابق الثاي للبيت المجاور 
ضوء من وراء الستائر. 

لم يكن بين صغيراء كان يبدو, من مظهره وفخامته. أنه بيت 
أناس ميسورين. 

تعلقت عيناه بالنافذة. ثمة ظلال وشبح يعبر من وراء الستارة. 

خيل إليه أنها المرأة صاحبة القرط. ودار بخلده أنه أمام مغامرة 
لا يريدهاء وليس بوسعه أن يسعى إليها, لكنه كان مدفوعًا بحسب 
الاستطلاع. ولم يطل انتظاره؛ فقد انطفأ المصباح. وحلت العتمة. 
وظللت المكان وحشة. 


إفها المرة الأولى التي ينطحه فيها كبش الغامرة, ويحوّل حب 
الاستطلاع إلى إحساس بالجوع؛ وإلى هواجس وخيال. ها هو الجنتي 
الذي يتزمل في ثيابه يستيقظ. 

ران الصمت بعد ذلك: فهبط السلالم وجلس على الدكة 
قريبًا من الفسقية ورائحة الليمون. لم يشعل المصباح. ظل جالسًا في 
العتمة ينتظر.. ماذا ينتظر؟ هل ينتظر أن تظهر صاحبة القرط فجسأة, 
تفتح النافذة وتطل عليه سافرة بينما المواء يعبث بشعرهاء أو هي 


جم انم صم 


تعابث الهواء بخصلاتًا؟ هل تطل عليه وتنظر إليه بعينين تشبهان عيني 
غزالة؟ 

ذهب بعيدًا في الخيال» ولم يستطع أن يني نفسه عن التفكير. 
أسقط عليها في خياله. أو أسقط ذلك الجني, الصفات النبيلة. أسقط 
مقاييسه في الجمال على شعرها وعينيها وشفتيها ورقبتها وصدرها 
وفهديها وبطنها وسرقا وردفيها وفخذيها وأصابع يديها وقدميها. 


كان قد أخرج القرط من جيبه ووضعه على راحته وأخذ يدقق 
به من جديد. القرط طويل, فلعلها بعيدة مهوى القرط. وهذا يعبي 
ألها طويلة. القرط ينتهي بحجر كريم من الزبرجد الأخضر. وهذا 
يعني أنها تلبس ثوبًا أخضر يناسب لون زبرجدها. ألبسها في خياله 
ثوبًا طويلاً ورداء من المخمل يكشف عنقا نافرًا كأعناق الغزلان. 
اذا صنعت له في هذه الليلة لغزها؟ لماذا صادت هذه الليلة أشواقه 
وناره وشبقه؟ ماذا ينتظره. وماذا تخبئ له الأقدار؟ 

أحس بخلاياه تتسع. أحس بجسدهة يسخن. أحس بأصابع يديه 
تشتعل. شعر بخوف. بل برعب. فقرر الخروج من البيت. 

خرج وأغلق الباب. مشى في الزقاق المظلم الذي كان يضيئه 
مشعل معلق عند الناصية. 

توجه نحو المدينة التي أغلقت حوانيتهاء وتناثرت أكوام الزبالة 
بانتظار من ينقلها إلى المزبلة. بينما الكلاب الضالة تجوس هنا وهنساك 
فرادى وجماعات. 


ل لا فا 


175 


مشى في طرق موحشة. وصادف في طريقة شرطة الجندرمة 
عند السبع بحرات؛ فطرح عليهم السلام ومضى متوجهًا نحو 
مرتفعات الصالحية؛ فقد قرر الذهاب إلى حانوت للهو يقيم فيه ساعة 
من الزمن. 

وصل ودخل البهو الواسع الذي يغص بالساهرين؛ رجال 
ونساء وبخور ورائحة ياسمين. مقاعد وأرائك ودخان, عازف قانون 
يطلق تقاسيم تركية ومغنية تصعد إلى الدكة وتغني, الزبائن بشوات 
وأغاوات أتراك, ووجهاء وتجار شوام, مسيحيون ويهود, وقناصل 
فرنسيون وألمان. كانت القاعة مليئة» وبالكاد وجد مكانا. اللدل 
يتح ركون في كل الاتجاهات. ورائحة الشواء تختلط بروائح تبغ 
ويانسون العرق. جلس وحيدًا. كانت طاقته النارية قد هدأتء وكان 
يود إخمادها بكأس من منقوع الزنجبيل. لكن النادل قال إفم لا 
يقدمون الزنجبيل, بل يقدمون منقوع اليانسون ومنقوع الشييرء 
فطلب قرعة من ماء الشعير. ووسط الضجيج. حاول أن يلتقط 
صوت الموسيقى وصوت الغنية» ولم يفكر في النظر إلى النسساء 
السافرات اللواتَ يملأن المكان. وحاول أن يتناسى القرط وصاحبته. 
وبعد ساعة, أدركه السأم. وماء الشعير جعل النعاس يغزو عينيه., 
فدفع للنادل التقود وخرج. استأجر الحنطور الذي يتوقف أمام الملهى 
وعاد إلى البيت. 

نام دون أن يستبدل ثيابه. نام عميقًا دون أن يرى ما يراه 
النائم من أحلام. 


الفصل الساببح عشير 

أفاق على صداع. هبط السلم إلى الفسقية وملا كفيه ورشق 
الماء على وجهه. كان الليمون يطلق رائحة مؤنسة, وكذلك الياسمين. 
ترك الماء يسح عن وجهه ويبلل ثيابه. 

صباح بنسمة طرية. جلس على الدكة. وجد نظراته تعجه إلى 
النافذة, النافذة مغلقة. 

بالقرب منه حمامة تحط على صيية الفسقية وتمد منقارها إلى 
منقوع (البردقوش) ليوقف هذا الصداع. صعد إلى غرفة الطبخ, 
فأشعل موقد الخطب. وعبأ الدورق بالماء ووضعه فوق الموقد., 

شرب مشروبه الساخن والنافذة لا تزال مغلقة. اغتسل ولباس 
لباسًا جديدًا والنافذة لا تزال مغلقة. جمع أوراقه في حقيبته والنافذة 
لا تزال مغلقة. هبط السلم وسمع وهو يهبط حركة ما فوقه. توؤقف 
م تظهر المرأة. انتظر قليلاً.. لم ُفتح النافذة وظلت مواربة. 

قرر أن يخرج. كان على يقين أنها تراقبه» فاستجمع قواه وأشار 
لمن تراقبه من وراء شقوق النافذة إلى أنه سيغادر, لعلها إشارة تحد. 


وعند ذلك, جاءت الاستجابة؛ انفتحت النافذة على مصراعيهاء 


« © #2 


فرفرفت الحمامة الحذرة, رفرفت بجناحيها وطارت؛, وأحس كما لو 
أن جناحيها يخفقان في قلبه. 

أطلت عليه بخمارها وهي تكسو كتفيها بوشاح أحمر, لم يكن 
يظهر موى عينيها. يا لهاتين العينين السوداوين الكحيلتين اللتين 
تنظران بشبق! أشار لها أن تميط حمارهاء فأماطته على الفور ونشرت 


رط 


شعرها. 

داهمه ألقها ونطح قلبه؛ وجه ساحر حتى الذهول. شعر فاحم 
ينسدل على الكتفين؛ جبين واسع. خدان هما لون التفاح الشاميء, 
أنف يرتفع بشموخ, شفتان ممتلئتان بصبغة الأرجوان. ذقن يشكل مع 
رقبتها ما يشبه الطريق إلى حريرها وياسمينها. 

كانت تطل عليه من عليائها غبر العالي» تنظر إليه وتشعله 
بالرغبة, وتحرك كوامن حنينه وأنينه. ارتبك وشعر بيديه تر تجفان. 
وخانه الكلام. 

أعادت لثامهاء وسمع صوقا قبل أن تغلق النافذة: اعتل السور 
وتعال إلى مخدعي عندما ينتصف الليل. 

أحكمت إغلاق النافذة. ذهبت؛ راحتء؛ اختفت. لحظة حلم, 
لحظة عبرت مثل لمعة برق أعقبها في أعماقه ما يشبه هدير رعد. 

ظل واقفًا بذهول. 

كان عليه أن يجلس بعد أن شعر بالدوار. نظر إلى الخائط أو 
السور الذي يفصل بين بيته وبيتها. وحاول أن يتخيل فناء البيست» 


178 


والنافورة. والحديقة, والباب الذي يتعين أن يكون مفتوحاء والسلالم 
التي يتعين أن يصعدها ليصل إلى مخدعهاء مخدعها بخريره وومائده 
وطنافسه وعطوره وغراياته. وذهب بعيدًا في التخيل حتى وصل إلى 
اللحظة التي يتذوق فيها عسيلتها وتتذوق عسيلته. 

مر وقت طويل وهو يخترع أحلاما يعجز الشيطان عن 


اختراعهاء أحلام يقظة أو أضغاث أحلام. كان الجتي قد حل ف 


صسدة تامًا. 


أنفق الوقت بالانتظار. ثم استحم وتعطر ونظف أسنانه بالمسواك 
ولس أفخر قمصانه الهندية. وأفضل سراويله الفارسية. وشذب 
شعره بالموسى وغمر وجهه وكتفيه وصدره بعطر الورد. وظل ينظر 
إلى المرآة يتفقد شاربه ولحيته وحاجبيه. 

جاء المساءء حلت العتمة. لكن منتصف الليل لا يزال بعيذدا. 
استلقى على سريرة» أتعبه الانتظا. أمضّه الخيال» أرهقه الترقب. 
الذي يحدث وراء تلك النافذة؟ أتراها تتزين وتتعطر, وتلبس فاخر 
الثياب., ما هو شفاف وخفيف؟ 

لا صوت من وراء النافذة. ولا رائحة. لعلها تتدخر الماورد 
والمسك والياسمين إلى الحظة العناق. 


أزفت اللحظة, وحان وقت الغامرة الجسورة. كل شيء على 
ما يرام. كل شيء أصبح في متناول اليد. كل شيء تسبقه اللهفة 
وسحر الغواية» وبذخ الخيال. ألقى على نفسه نظرة أخيرة في المرآة 
ولم ينس أن يضع فردة القرط في جيبه. 

تسلق الحائط. وبقفزة واحدة, أصبح في فناء دارها. كانت ثمة 
فوانيس تضيء على جانب السور ويعمل ضوؤها الشحيح إلى 
النافورة والمدخل, لكنه صعد الدرجات بخنفة دون أن يساوره خوف 
أو قلق. 

كان الباب مغلقًا. حاول أن يدفعه برفق لكنه لم يفتح. انتظر أن 
تأي وتفتحه. لكن الوقت يمر وهي لا تأيّ. فكر فيما يتوجب عليه أن 
يفعل؛ لم لا يطرق الباب برقّة ليشعرها بقدومه؟ كان كل شيء 
صاممًاء ولا حركة سوى حركة أغصان شجرة النارنج القريبة منه. 

طرق الباب طرقًا خفيفا وما من مجيب, فكّر أن يعود من حيث 
أتى, لكنه أبعد الفكرة. وني لحظة. وجد نفسه يطرق الباب بقوة. 
اندفاعة طائشة غير محسوبة, وواصل الطرق. 

أخيراء فتح الباب وأطل خادم عجوز يحمل شمعة وينظر إليه 
بدهشة, وفي الوقت نفسه. جاء جنود من الشرطة الذين يحرسون 
المكان وقد سمعوا طرقه للباب, ونظرت إليه الأعين شزرًا. 


الرجل العجوز ينظر إليه خورف وقلق, والشرطة الذين يلبسون 
الممري ويضعون على رؤوسهم القلبق وجهوا إليه طبنجاتهم. 


210 


وسأله الثابيء وهو ينظر إلى ثيابه الفاخرة, وكأنه يستتبعد أن 
يكون لصًا: هل أنت قريب البيك الأوضباشي؟ 


م يجب. شعر أنه وقع في فخ. وأنْ مكيدة قد برت له. ففل 
صامنًا. 
- هل أوقظ سعادته؟ 
سأل الخادم, فأجابه كبير ١‏ : لا. منأخذه إلى المخفر. 
مم س 
قال ذلك, ثم قام مساعداه بتكبيله واقتادوه إلى المخفر. 
ور واقغادو 


اشنا 


في المخفر. كان جنود عابسون من رتبة الصناجق يلبسون لباس 
الشرطة الأسود ويتعممود بالقلبق, وجندرمة يحملون العمي 
الغليظة» وبصاصون يلبسون الملابس المدنيةه وضباط من رتبة 
القلقات, فالمكان مكتظ. ويبدو أنه المخفر المناوب الذي تحال إليه 
جرائم المدينة ومشاكلها في ليلة النحس هذه. 

أناقته ووسامته ولبسه لفتت نظر الصناجق والبصاصين 
والقلقات, فيان كما لو أنّه ابن الوالي, أو ابن الشهبندر, أو ابن أغا 
المستحفظان. 


تم ال 


161 


عندما مثل أمام الضابط المناوب. عامله برقة. لكن الضابط 
عندما علم أنه دخل بيت الأوضباشي منتصف الليل خلسة, تجقم 
ووجّه إليه صفعة, وعامله بغلظة. 

م يحتاجوا لاستعمال أكفهم أو كرابيجهم لاستنطاقه؛ فقد سرد 
هم ما حدث بدقة, ووصف هم المرأة وصفًا دقيقا. وفهم من خلال 
غمزهم ولمزهم أن لها سوابق؛ وأن قضايا عديدة قد مرت على 
مخفرهم شبيهة بقضيته. 

وما دام الأمرلم يكن متعلفًا بالمس بصاحب السعادة 
الأوضباشي؛ أو سرقة بيته. فقد اكتفوا بجلده ثلاثين جلدة, ومصادرة 
قميصه الحندي, وإنذاره بالرحيل من بيته المجاور لبيت السيد المبجل 
في غضون يومين. 


الضم إلى مكتبة .. اضفط اللينك11/]_1201.] 


مي 


152 


الفصل الثامن عشر 
عاد إلى البيت منهكًا. صعد وسط عتمة حالكة, صعد السلالم 
بصعوبة. وبالكاد قادته قدماه إلى غرفة نومه, ارتمى على السرير, تمدد 
على بطنه وأمند رأمه في طيات الوسادة. كان الألم يترايد؛ 
الكرابيج أدمت جلده. أغمض عينيه وهو يفكر يُذا الكابوس الذي 


حضر في مخيلته أبوه أحمد آغا وأمه يُنانة» وحضرت صورة 
السيدة. سلسلة من الصور: بيت على التلال, قصر السيدة؛ عيناما 
الحانيتان» لوحتها ودفء روحها. عند القذارة نتذ كر الطهارة. مرت 
في مخيّلته صورة يافا: دكان في السوق. أبراج ومدافع. رائحة 
متدرجة حوفا سور شباك صيادين, رائحة سجق, غزل ونسسيج, 
فخار وحور معاصر زيت,. خشب أرزء صخرة أميرة. جامع كبيرء 
سبيل ماء. شجرة حرير. دودة قزء جبل ملح. 

عادت لذاكرته يافاء وبكى. 

بكى وداهمه حنين للسيدة ممزوج بالوجع, حنين لم يستيقظ في 
الكوابيس., والأحلام ذات الفك المفترس. رأى فيما يرى النائم أن 
الحوت ابتلعه وجاب به البحار ثم لفظه على شاطئ مهجور. كان 


153 


عاريّاء نبعت فوقه شجرة وظللته؛ أوراقها سترت عورته. عاد الحوت 
وأطلق نداء كالعويل؛ كان ينتظره ليعود إلى البحر ويبتلعه ثانية, 
ويتركه يسبح في أفار عروقه. خرج وحض هائل وجعل الأمواج 
تغرق الشاطئ والمدينة. التقطه الحوت وأدخله إلى بطنه دون أن بمزقه 
بأسنانه. وجاب به البحار, ثم لفظه قبالة سواحل الأناضولء فالتقطه 
بحارة يعملون في أحواض صناعة السفن, وهناك التقى بالجارية التي ما 
زالت تحتفظ بوشم شفتيه على نحرهاء وطلبت منه أن يطبع وشمه على 
خدها الآخر ثم ألقت بنفسها في البحرء. رمسسحبتها الأمواج إلى 
العمق» وتحولت إلى حورية. 

اكتظت أحلامه. وفي الصباح تبخرت؛ وحده حلوالمحوت 
الذي ظل عالقًا في ذاكرته عندما استيقظ. م ير المرأة في منامه. المرأة 
التي نصبت له كميئا ووجهت له لطمة هته وتركت آثارًا موجعة 
على ظهره. وني نفسه وقلبه. وغيرت مزاجه. وقلبت حياته. 


اغتسل, وبدّل ثابه. أشعل الموقد, شرب قهوته. 


لم يجرؤ على النظر إلى النافذة. جمع ملابسه وكتبه في حقالبه. 
وقرر أن يترك المكان ويرحل إلى أحد الخانات في حي باب شرقي 
البعيد. 


© جه كس 


استأجر غرفة في الخان الذي يؤمّه الغرباء في باب شرقيء الذين 

يصطحبون خيوهم وعرباتهم ومواشيهم, غرفة منعزلة بعيدة نوعًا ما 
عن الضجيج والإسطبل والروائح الكريهة. 

هناء لا فسقية ولا شجرة ليمون, لا عليّة ولا موقد. ولا نافدة 
تطل منها غواية. هنا يحس بالغربة والوحدة والعزلة. هناء لا يشذب 
شعر رأسه ولا شعر ذقنه. هنا. لا يشحذ ذهنه من أجل مهارات في 
فن العمارة, ولا انشداد لنقش وزوايا وأقواس وندمات وخط كوف 
وفسيفساء. هناء يحتاج إلى أن يهرب من الزمنء, ومن التفكير 
والتأمل. 

م يخرج لمدة يومين: وفي اليوم الثالث. ذهب لأداء صلاة الجمعة 
في المسجد الأموي. 


في اليوم الرابعء خرج يتمشى في الأسواق. وظل يعسكحع في 
شوارع الصالحية حتى حلول الظلام. 

في اليوم الخامس, عاد إلى مدرسته (مدرستي ملكي سلطاي). 
فاحتفى به رفاقه, وسألوه عن أسباب غيابه. وسألوه أسئلة أخرى, لم 
يجد لها جوابًا. 

ظل الحوت يواصل ابتلاعه في الليالي التاليِة ويقذفه على 
شواطئ الأناضول. ظل يصحو على صداع. 

صار مشغولاً بحلمه الذي لا يفارقه. وكان بوده أن ييجد مسن 


يفسّره له. 


21 


وقرأ ما ذكره من تفسير عن رؤية حيوانات البحرء بما فيها الحيتان. 
لكن ذلك لم يشف غليله. 


ذات يومء وبعد صلاة العصر. وقبل أن ينصرف. توجه إلى 
الإمام وانحنى ليقبل يديه. لكن الإمام أمسك به وقال له: اجلس يا 

استجاب وجلس قبالة الشيخ الجليل. نظر له الشيخ برقة, 
وقال: أيها الشاب! هل أنت غريب عن هذا البلد؟ 

هر رأسه ولم يقل شيئًا. لكن ملامحه كانت تقول كل شيء. 

قال له الشيخ: حضورك الدائم لفت نظريء ولفت نظري أنك 
مهموم يا بني. هل أمتطيع أن أساعدك؟ 
شيئًا. ولكني كنت أرغب في أن أطرح عليك سؤالاً. ولكني كنت في 
كل مرة أتردد. 

- على الرحب والسعة يا بني. 

قال الشيخ. فطرح يوسف سؤاله: 


- أرى فيما يرى النائم أحلامًا تؤرقني. 


الم 


ظل الشيخ يستمع؛ فأضاف: أرى كل ليلة أحلاما عجية, 
أغربما أن حوئًا يلاحقني ويبتلعني» ثم يقذفني من جوفه. 
- خير يا بني, خير إن شاء الله خير. 


قص يوسف على الشيخ حادث الحوت الذي جرى معه في بحر 
يافا. وقص له ما يحدث له هذه الأيام من رجوع الحوت إلى أحلامه. 


صمت الشيخ قليلاً. ثم قصّ عليه قصة النبي يونس: ارتبط اسم 
الحوت باسم النبي يونس عليه السلام, فعندما كان النبي يونس في 
الفلك, هبت الرياح والعواصف. وأشرف ركايما على الهلاك, فعملوا 
على تخفيف أحمالهاء ورموا كل ما هو ثقيل لكي لا تغرق, وقيل إفم 
أرادوا أيضًا تخفيف “ملها من الركاب؛ فطلبوا من يونس عليه السلام 
أن يقفز منهاء وقيل غير ذلك. لكن النبي يونس قفز إلى الماء والموج, 
فأرسل له الله سبحانه وتعالى حونًا التقطه وخبّأه في جوفه. ونقله إلى 
بر الأمان. وقذفه إلى شواطئ فلسطين. 

كان يوسف يعرف قصة النبي يونس, فكل أهالي يافا على 
معرفة يما. بل إهم يعتقدون أن الحوت قذفه على شاطئ يافاء ولذلك» 
سوا التلة التي قذفه عندها تلة يونس. وكان حادث الحوت الذى 
جرى معه قد صار ذكرى من ذاكرة المدينة. وللمدينة تراث وملاحم 
وأساطير. 


واصل الشيخ حدينه: لا تقلق يا بني, فإن مفسري الأحلام في 
تراثنا فسّروا رؤية الحوت تفسيرًا طيبّاك وقال معظمهمإن رؤية 


187١ 


الحوت تدل على دخول معابد الصالحين والمتعبدين. كما فسّروا أن 
رؤية حوت يونس في المنام تعني الفرّج بعد الشدة, والأمن بعد 
الخوف. والملك لمن يليق به الملك. فلعل ما رأيته هو حوت يونس. 
ويجمع الفقهاء على أن حوت يونس كتب له أن يظل حا حتى يوم 
القيامة. 

وأفى حديثه بقوله: قبل أن تنام, اقرأ سورة يونس, فهي سورة 
الرحمة التي تمنع عنك الرؤى غير المستحبة. 


السشينا 


خرج من المسجد وهو يفكر بكلام الشيخ. ولا بد أن بعسض 
الطمأنينة قد تسللت داخله, ليس لكلام الشيخ بحد ذاته لكن لأنه 
باح لأول مرة بشيء مما يقلقه ويعذبه. قرر أن يعمشى في حارات 
باب شرقي وأزقته قبل أن يعود للخان. 

مشى في طرقات لم يسبق له أن مشى يما؛ ساحات تعج بالباعة 
المتجولين وتغص أيضًا بالمتسوقين. رجال بقفاطينهم ونساء بعباءاائمن 
السوداء, بضائع مرصوصة بعضها إلى جانب بعض: فستق مقشور 
وفستق غير مقشور, زلابية تقلى في وجاق واسع. فواكه وتين مجفف. 
عراجين تمور معلقة. فطائر مغمورة بالزبدة, عطارون يبيعود عقار 
عودة الشيخ إلى صباه. وحدادون يحذون الخيل» وصتاع بييضون 
الأوابي النحاسية, ويجلخون المكاكين على حجر المسن. 


158 


اشترى فطيرة وجلس يأكلها على مطلع درج يفضي إلى زقاق. 
كان جائعًا فأكل بنهم. مثلما كان آخرون يأكلون بنهم وبلا حرج. 
وكان المارة يمرون, والكلاب والقطط تبحث عن رزقها دون أن 
ينهرها أحد. 

فجأة, هجمت عليه رائحة عطر نافذ. سقط أمامه أو حوله. 
وارتطم بأنفه ونفذ إلى صدره وعروقه وشرابيئه. كانت امرأة تتلفع 
بعباءة» وتغطي وجهها بالبرقع واليشمك. كانت تقف وتتأمل البضائع 
المعروضة على بعد أمتار منه وسط الزحام. ونداء الباعة. وهرج 
الناس ومرجهم. تقف دون أن ينتبه أو يكترث أحد بعطرهاء أو لعل 
عطرها خص به وحده. 

أمالت رأسها ونظرت إليه. وقعت عيناها عليه. وقع عطرهما 
مصحوبًا بلغة وحشية من عينيها. اتكسرت نظراته ولم يقوَ على أن 
يواصل التحديق. 

مشت خطوة. وعبرت من أمامه وغمزتسه بطرف جفنيهاء 
وتعمدت أن يمس طرف عباءقا ساعديه. وقالت بما يشبه الهمس: 


اتبعني . 


اهة 56 


159 


الفصل التاسح عشر 
تبعها دون تلكؤ. لم يفكر أو يتردد قليلا أو يشاور نفسه. أو 
يقرَ على مقاومة إغرائها. لم يكن في وضع يسمح له بتذكر صفعات 
ضابط القلقات أو كرابيج الصناجق أو أحلامه المشوشة. 
مشى خلفها وهي تتأود أمامه وتشد عباءقًا حول ومطها 
وخصرها النحيل؛ ما يبرز ردفيها. 


مشى كما لو كان بمشي وهو نائمء كأنها هو إبرة خياط عمياء 
يجذبما مغناطيس. مشى وراءها في الزقاق الضيق الذي تتجاور أبواب 
بيوته أو تتباعد. والذي تتدلى من شرفاته نباتات الزينة وزهورها ذات 
الألوان الفاقعة, أو تطل من وراء الشبابيك أصص العطرة والسجادة 
والأرطاسيا والورد الجوري. تمشي دون أن تلتفت إليه. دون أن تنظر 
إليه وترى إن كان يتبعها أم لا. كأنها تعتبر أن من يسير وراءها لا 
يستحق العناء. 

مرت من تحت قنطرة يعلو فوقها بيتان متصلان وقد صار 
الزقاق خاليا. توقفت لحظة, فتوقف تاركًا مسافة بينه وبينها. خطر له 
أفا ستستدير وتنظر إليه أو تكلّمه. لكنها م تفعل, ثم واصلت الشيء 
لكن مشيها لم يطل. توقفت أمام باب كبير, له باب صغير في وسطه 
(خويخة), وطرقت طرقتين فانفتح ودخلت وتجاهلته. وأغلقت الباب 
وراءها. 

وقف كالأبله. تسمّر مكانه. لم يكن ينتظر شيئا. كان قد أحب 
هذا العبث, وهذا الجنون الذي يعيده إلى وعيه. كأنما هو بحاجة إلى 


191 


هرّة جديدة تجعله يصحو من هرّة أفقدته توازنه. صار بامكانه أن 
يدرك أن عشرة النساء صعبة؛ وأئله صار بملول هذه المدييةالتي 
سمت من الحكمة والنظافة وجماليات الزوايا والأروقة والماذن. 

شعر للحظة أنه يفيق من غبوبة وأنْ عليه أن يعود أدراجه 
وياول فطيرة ثانية. لكن الباب انفتح فجأة وأطلت من وراء ضلفته 
يد تكسوها الأساور حتى رسغها. تشير إليه بالدخول. 

دخل وانحنى ليعبر باب الخويخة المنخفض. دخل فناء الدار 
الواسع. ومشت أمامه بعباءهًا وقبقاها ويشمكها. 

بالفناء. كسائر البيوت الدمشقية, فسقية ونافورة وياسميية 
وأصص مصفوفة على الجانبين مزروعة بالزهور والورود. خطوات 
قليلة ووصلت باب البيت. دخلت ودخل وراءها إلى صالة 
الاستقبال. قالت له دون أن تلتفت إليه: اجلس. 

جلس على أقرب أريكة. الصالة أنيقة؛ الأرائلك موزعة بانتظام 
وأناقة, وحوها في الروايا تحف فضّية. ونحاسية, وزجاجية, وجلدية. 

استدارت فجأة وخلعت العباءة دون أن تخلع البرقع 
واليشمك. ظهر ثوبا الجميلء رداء (اليلك) الطويل أزرق اللون, 


مطرز على الجانبين غيوط الفضة. واسع الأكمام واسع فتحة 
الصدر. 


102 


كان مبهورًا بفخامة الأثاث والتحف واتساع المكان, ومأخودًا 
بالمرأة التي ظلت واقفة تنظر إليه من عل بتحدٌ من عينين تشبهان عيني 
ذئبة تكمن لاصطياد الفريسة وتدشب في وجهه مخالب حدقتيها. 


لم تكن هاتان العينان غريبتين عليه. كأهما العينان اللتان أطلعا 
عليه من النافذة. وتساءل ف داخله: هل تتشابه العيون؟ 


أماطت البرقع ونزعت اليشمك, وأطلقت شذى أمسرارها. 
وافتر فمها عن ابتسامة وأسنان كاللؤل وواحدة من أسنافها كان 
ملبسة بالذهب. 


هي نفسهاء هي بجاذبيتهاء برقتها ومكر غوايتهاء بغموضهاء 
بنارهاء ؟مدوئها وعنفوافهاء بطهرها وفجورهاء بإنسيّتها ووحشيتها. 
قالت له: عرفتني الآن؟ 


هز رأسه. ولم ينبس ببنت شفة: على الرغم من أن سؤاها فتح 
له شهية الكلام. 


قالت: أنت غاضب لأ خدعتك, أليس كذلك؟ 

كان بوده أن يقول: لماذا فعلت ذلكء لكنه لم يقل. 

قالت: يلذ لي إذلال الرجال. تعمدت إذلالك. 

شعر آنذاك أنها امرأة صعبة. كانت تتحدث إليه من عل, فقرر 
أن يقف ويواجهها من عل أيضًا. 

قالت له: ابق جالسا. 


مه د« انه 


أجابها: أنت مغرورة, أنت أقل جمالا ثما توقعت. 


عرفت أنه يكذب, لأن ما شاهدته من انفعالات وجهه لحظة 
أماطت البرقع ونزعت اليشمك كان مختلفاء وإحسامها لا يكذب. 

جلست,. وقالت له بقسوة لا تخلو من الغنج: اجلس. 

تلكأ قليلاً ثم جلس. 

جلست قبالته تفصلها عنه طاولة قصيرة من خشب الأرزء 
فوقها مجموعة تمائيل صغيرة لخراف منحوتة من عظم العاج. 

بادرها بالكلام قبل أن تبادره, متسائلاً: من أنتء إنسية أم 


جنية؟ 


نظرت إليه كأفا تحاول اختبار قدرته على التحدي, ولاحظت 
أن صدرها يلفت نظره. وأله يختلس النظر إلى فتحة صدرها التي 
تفصل ما بين النهدين فأفسحت له مجالاً للمزيد من البصبصة, 
وصمتت قليلاً وبعد ذلك أجابت: الاثنان معًا؛ في النهار إنسية. وف 
الليل جنيّة. 

وأضافت: في النهار أكون سلسة, وفي الليل متوحشة. 

صمتت وهي تنشب مخالب عينيها في عينيه من جديد: أنا قاتلة 
الرجال؛ لا أذبحهم بالسكين, إغا أذبحهم بسلاح المتعة واللذة وطاقة 
الجماع. أذبحهم بناري وشبقي. أمتص كل الطاقة الكامنة في 
أجسادهم. أفكهم. فأنا بقوة عشر نساء. فهل أنت مستعد للمسوت 
اللذيذ؟ 


50 


الذهبية, وبدت إذ ذاك مثل ناب حية زرقاء. 

داشمه وجل. وبدت له قبيحة. 

فردت شعرهاء ونادت بصوت عال على خادمتها لتحضر 
الشراب. 

ظل صامئًا يفكر. وغض بصره. 

جاءت الخادمة بالشراب. خادمة بيضاء الوجه. شقراى 
صغيرة, دقيقة الملامح, لها خصر دقيق, ترتدي قفطائا نسائيًا يكشف 
جزءا من بطنها ويكشف سرّقاء وتضع قبّعة جميلة على رأسها تسمح 
لشعرها الأشقر بالانسدال بلا حرج. 

وضعت إبريق الشراب وعدة كؤوسء واستدارت برشاقة ثم 
انصرفت. 

وإذ لاحظت أن نظراته انتصبت على قامتها المبهجة. بادرتث 
بالقول: هل أعجبتك؟ 

ابتسم. وهز رأسه وأجاب: جميلة. لعلها جارية من بلاد الغال. 

ردت عليه على الفور: إها (هاوند). جارية تعكلم سبع لغات, 
وهي نتاج ليلة حب بين عسكري إنكشاري وغانية نمساوية في إحدى 
حانات القرم. 


وأضافت: هي لك إذا نجوت من الموت ليلة زفافنا. 


نز كنا 


105 


كان حائراء فما دار بخلده لحظة أنه سيواجه مثل هذه التجربة, 

أجابته: أنا الملكة. 

ووقفت. استدارت مستعرضة جمال قوامهاء ثم خلعت رداءها 
الفضفاض. فانكشفت ساقاها وذراعاهاء ومساحة من صدرهاء 
وانسدل شعرها على كتفيهاء ومن جديد., أطلقت شذى سحرها. 

- اسمك يوسف. أليس كذلك؟ 

أجابته: قلت لك إنني مزيج من الإنس والجان. أنا مارجة مسن 
اختلاط نار البراكين بسواد الدخان. أنا في النهار (أندروميدا). وفي 
الليل (ميدوسا). أندروميدا التي تسقيك من عينيها خمراء وفي الليلء 
ميدوسا التي تحولك إلى حجر. أنا ساحرة ومشعوذة أعلم ما في الغيب 
وأكون قبيحة وشريرة أحياناء وفي أحيان أخرى, أكون مشل قطعة 
نقود ذهبية سكّها الحاكم الإغريقي سكاريوس الذي حكم بلدكم 
يافا. أما أنت. فإنك في متزلة بين مترلتين» من جهة جميل ومذهل. 
ومن جهة ثانية قبيح وكاذب. يتعين أن تكون غامضًا ومختلفا منلي. 
شارك أسود., ومساؤك أبيض. 

تعمّدت إهانته, واعتبر ذلك لازمة من لوازم لعبتهاء وأدهشه 
كلامها الذي ينم عن معرفة بالأساطير. وفهم كلامها عن أسطورة 


© اه م 


106 


الأميرة أندروميداء الأسطورة التي يعرفها كل أهالي يافاء أيقن أنما 
تريد أن توحي له بمعرفة ودراية بذاكرة بلده. 

ظل صاممًاء وظل يتأملها وهي تقف وتتجول في الصالة كأفا 
تبحث عن شيء ماء ثم تذهب إلى داخل البيت. 

غابت وتركته لتداعياته. طال غيابها وفكر بالخروج. فككر 
بالهرب. لكنه قرر ألا ينتهى الأمر بهمزيعة. 

عندما عادتء» كان يسبقها عطرها النفاذ. وكانت قد استبدلت 
بردائها قميصًا شفَافًا يكشف عريها أكثر من السابق. عادت تحمل في 
يدها مروحة مفرودة على اتساعها مرسومًا عليها حىمات وزهرة 
الباقونياء وتزيدها ألهًا. 

جلست. وصبت له من الإبريق الزجاجي كأسًا من مشصروب 
الزنجبيل. 

- اشرب ولا تخف؛ الزنجبيل امحلى بالعسل يقوي الباه. أعني 
يقري طاقتك. 

لم تمعد يده إلى الكأس, وإغما قال مرة أخرى: من أنت؟ 

أجابته بدلال: أنا الملكة.. أبحث في رعيّتي من الرجال عمّن هو 
أكثر وسامة وأكثر جمالاً وأكثر رجولة وأصطاده وأروّضه وأتزوجه 
وأقيم له حفل زفاف. واقتله ليلتها. أميته مونًا لذيذًا, وأستمتع أكثر 


1 عاضا 


نظرت إليه نظرة لبؤة, وأضافت: أنا ملكة, أنا أشبه ملكة 
النحل. أرأيت كيف تستمتع ملكة انحل بالزفاف. يتنافس الذكور 
على خطب ودّهاء فتختار أجملهم وأكترهم قدرة وطاقة, ثم تبدأ رحلة 
السيطرة عليه, يتقرب إليهاء لكنها لا تستجيب. وتعمل على إذلاله 
وتلويعه, وبعد أن تخضعه. تبدأ معه رحلة حب في الفضاء. تطير 
فيلحقها. قرب منه فيتذلل لهاء وبعد أن تروضه تامًا. تسمح له أن 
يحتضنها في الفضاء ويسيطر عليهاء ثم قبط معه إلى غصن شجرة, 
وتسمح له بتلقيحها بكل جنونه؛ بينما هي مستمتعة بامتصاص طاقته 
حتى نفادهاء وما إن ينتهي منها حتى بموت وينقلب على ظهره؛ 
ويصبح طعامًا للدمل. 

هكذا أنا. . أنا الملكة. 


أدهشه كلامها مرة أخرى. وحدينها بلا مواربة, وجرأهقاء 
وراق له فجورهاء فقرر أن يواصل اللعبة معها. 

- ولماذا وكيف اخترتني من بين رعيتك من الذكور؟ 

وضعت رجلا على رجلء» وحرّكت المروحة بخفة ورشاقة 
وقالت: أنا صريحة لا أكذب مثلك. رأيتك مرة في زقاق المنطقة التي 
تسكنهاء كنت خارجًا لتوّك من بيتك. كنت أزور بينًا يبعد قليلاً عن 
بيتك.. سحرتني من النظرة الأولى.. حاولت أن ألفت نظرك وتركت 
العباءة تترلق عن كتفي لكنك ل تنتبه لي. ومنا. ذلك اليوم. صرت 
أتربص بك وأتابعك» وأعرف مواعيدك, وقررت أن أصطادك. 


لا ند ف 


108 


توقفت قليلاً وتناولت كأس الشرابء, وأخذت رشفة, 
وأشارت له أن يشرب, ثم أكملت حديثها: عشقتك. فأنت جقيل 
وغريب, وأنا يعجبني الغرباءء وقررت أن أوقع بكء. أن أهينك,. 
قنصبت لك فخا وعملت حيلة بمساعدة نهاوند, لا تسألني كيف 
صعدت إلى تلك الغرفة ذات النافذة التي أطللت عليك منهاء فأنا 
ساحرة ومشعوذة وتخيّل ما شعت أستطيع أن أمر من جانبك دون أن 
ترابيء أستطيع أن أدخل بيتك وأنام قربك دون أن تشعر بي بل إنني 
أستطيع أن أمارس قدران في التحوّل وأحولك من رجل إلى حيوان أو 
طائرء أستطيع أن أحوّلك إلى جرو أو بومة أو حشرة؛ وإذا طاوعتني 
وطلبت الرحمة, أحوّلك إلى حصان أو ثور أو ثعلب. 

- ألم تقولي إنك تريدين قتلي؟ 

ضحكت ضحكة ليس ها معنى. ضحكة اصطناعية, وقالت: 
إذا كنت فحلاً وتمكنت من الصمود أمامي, فسوف يتأجل موتك أو 
تحوّلك إلى ليلة أخرى. لكنني أفضّل أن تموت في تلك الليلة بين 
أحضاني, أليس الموت بين أحضانن هو الموت اللذيذ؟ 

اعتدلت, ثم انتقلت إلى أريكة ملاصقة لأريكته. وقالت: 
سيكون زفافنا في الموعد الذي أراه. أختار المكان والزمان» ونتزاوج 
كما تتزاوج ملكة النحل وذكرهاء نطير في أرجوحة, وعندما تمتلكني 
نذهب إلى المخدع. 

ضحك. وأجابها: أيتها الجنونة, تتحدثين كما لو أنني موافق 
على هذا الجنون. 


الم ليذ ما 


1009 


الرغبة بعطرها العميق, عطر مثيم 1 يسبق له أن شم متله.. لم يستطع 
المقاومة. 

ضمّها إلى صدره؛ فتمتعت, وانسلت من بين ذراعيه, وقالت: 
ليس الآن. 

ثم ابتعدت, وتناولت قميصها فلبسته. ووقفت وبخئنت عن 
عباءقّاء وارتدتها. أغلقت نوافذ غوايتها وأبوابها. وقالت بسبرة 
صارمة: انصرف الآن ولا تعد إلى بيتي الا حين آذن لك.. أعرف 
الخان الذي تترل فيه. ستأيَ إليك فهاوند وتخبرك عن موعدنا القادم. 

كانت وجنتاها محمرتين» وعيناها أيضًا. كان المساء يقعرب. 
ما اسعلك. 

أجابته بصوت خفيض: اذهب بدون إبطاء. 

أجابما: منذ اللحظة. سأسميك ذات السن الذهبية. 

دفعته بعصبية كي يخرج» فاستدار ومشىء عبر الباب إلى الفناء. 
في طريقه إلى الباب» كانت العتمة تكمن وراء باب الخويخة. 


عد عأ د 


© #©ا اد 


الفصل العشرون 

في باحة الخان, في المكان المخصص للطعام, كانت الموائد تمعد 
على شكل دائرة, وعلى الطاولات الصغيرة؛ كانت الأواني الفخارية 
مصفوفة ومليئة باللحم والمرق والخضارء وإلى جانبهاء صحون تحتوي 
على الثريد والمحمودية واللكباج: ويزيّن كل مائدة طبق فاكهة؛ وباقة 
من زهور البنفسج. 

المناسبة حفلة إفطار يقيمها صاحب الخان لمناسبة صوم يوم 
عاشوراء. 

وجد يوسف نفسه وسط مجموعة من التجار المسلمين القادمين 
من آسيا الصغرى, والصين, والهند, وامجر. والبلغار, وبلاد الألبانء 
ومعظمهم يتكلم جات عربيّة بحكم ترددهم على بلاد الشسام 
والحجاز وما بين النهرين ومصر وبلاد المغرب للتجارة والحج. كان 
ألبانيون يتاجرون مع دول أوروبا ويتاجرون أيضًا مع الدولة العلّة 
يتحدثون عن ثورة للدهماء في فرنسا أطاحت بالملك والنبلاء 
والإقطاعيين ورجال الكنيسة؛ ثورة أحدثت فوضى.ء وأوغلت في 
فصل الرؤوس بالمقصلة. ولم يعد الناس هناك يأمنون على حياتهم. 

كانوا يعحدثون أثناء انتظار موعد الإفطار. ورفع أذان المغرب. 
العديد من لديهم حب الاستطلاع وسماع الأخبار التي يأ بما التجار 
والرحالة استمعوا باهتمام. كان الناس يعرفون أخبار ما يجري في بلاد 
الواق واق أو بلاد ما وراء البحار من هؤلاء التجار الذين لا يكفون 
عن التنقل والارتحال. 


201 


عندما رفع الأذان, توقف الجميع عن الكلام واففمكوا في 
الأكل, أكلوا بشراهة. وابتلت لخحاهم بالثريد, وأياديهم بالمرق. 

كانت ثمة مائدة أخرى في ركن بعيد للنساء اللواتَ يرافقن 
أزواجهن. 

كانت المرة الأولى التي يجلس با يوسف في هذه الباحة الملحقة 
بالخان ويختلط بالغرباء المقيمين فيه, ويستجيب لدعوة صاحبه. هذه 
الباحة التي يجلسون بما لشرب العصائر أو المشاريب الساخنة؛ والتي 
تفضي إلى الحمام الذي يستحمون به. 

بعد تناول الإفطار, صلوا صلاة المغرب, ثم جلسوا لصساول 
الفواكه والقهوة, وعاد الحديث والمسامرة. 


بدأ التجار القادمون من الصين, ثمن اعتادوا على سلوك طريق 
الحرير. يتحدثون عن بضائعهم. وعن مغسامراتم الجسورة. وما 
يواجهونه من مصاعب ومكر وقرصنة. 

كما تحدث الأسيويون من الأوزيك والقازاخ والتعسار. 
القادمون من بخارى وسمرقند وطشقند وخوارزم وضفاف هر 
جيحون, ووادي فرغانة. استمع إليهم وإلى أحاديئهم. كانوا يلبسون 
ويتدثرون بمعاطف صوفية. ولا يتوقفون عن الحديث. يتحدثون عن 
حمال نساء الأوزبيك. ويتفاخر القادمون من ألما آتا) بشرب حليب 
الخيول الذي يقوّي بنيتهم ويجعل الواحد منهم أقوى من عشسرة 
أحصنة في سرير امرأة. ويتفاخر آخرون بحصادهم الوافر من القطن 


لد ضف 


20 


والجلود والحبوب والأرز الذي يملأ ممحافظهم بالفضة والليرات 
والذهب. وكان صاحب الخان يتنقل بين الجموع؛ ويرحب بكل 


يدانا 


وبعد الفاكهة والقهوة والحلوى, تجمّع أوزبيك وتعار آسيا 
الصغرى وشكلوا جوقة. يغني أحدهم. ثم يعطي الدور لرفيقه ثم 
يواصل الثالث, فالرابع. وهكذا. 

غتوا على إيقاع آلة تقليدية تشبه العود., أخرجها أحدهم مسن 
حقيبته. غنوا بلغة القفجاق القديمة أغابي الرعاة والحجاج والتجار 
الذين يعبرون مدينة تارازء محطتهم وهم يعبرون طريق الحرير. 

وعدد الغناء. اقتربت النساع. ووجدن فن أرائك قريبة فجلسن 
يستمعن وقد غطين وجوههن بالخمر. ول تبد للناظر إليهن سوى باقة 

امتد العزف والغناء. لم يفهم يوسف لغتهم, ولكنه شعر من 
خلال مساحات مقاماهم وتلاوينها وتدرجاقاء شعر وأحس بأحزاهم 
ومسراهم. وعشقهم وحنينهم. وجمال الكحل في عيون حبيياتم. 
واتساع المدى أمام قوافلهم. وسحر خيالهم الذي يعبر حدود 
المستحيل» وفضة أحلامهم المرشوشة بذهب الأساطير. 

وانتبه يوسف إلى رجلين تدل ملامحهما ولباسهما على أنهما من 
الهند. ينتحيان جانبّاء ولا يشاركان التتار بحفلة السمرء وإن كان 


203 


الغناء يصل إلى مسامعهما. أثار ذلك فضوله. فقرر أن ينعهز أول 
فرصة للانضمام إليهما. 

تسلل برفق واقترب منهماء حيّااما واستأذن بالجلوسء ردا له 
التحية. وأوسعا له مكانًا. 

جلس. وسأهما إن كانا يتكلمان العربية, فهر كبير هما رأسه 
بالإيجاب. وأضاف: نتكلم فجة أهل البحرين وشيئًا من هجة أهل 
الحجاز. 

عرف أنهما من كلكتاء وأن أحدثما مسلم والآخر من الديانة 
السيخية, وأن السيخي صام تضامئًا مع رفيقه وشريكه في التجارة, 
لكنهما لم يشاركا الآخرين الطعام لأنهما نباتيان ولا يأكلان اللحوم. 

كانا لطيفين» ويتاجران عبر طرق الحريرء يبيعان الحيوانسات 
والطيور النادرة والأعشاب الطبيّة. وذكرا له أسماء بضائعهم التي 
يتاجرون بماء مثل الضفد ع القرمزي. والنمور البنغالية» والنسانيس 
الية والنسر الأبيض, وكذلك عود البخور. والتين الهندي. 
والأحجار الكرية. 

وتحدثا عن الهند وأديافاء عن الديانات: الإسلامية, والمسيحية, 
واليهودية. والهندوسية. والبوذية. واجاينية, والسيخية, عما يبجمسع 
بينها وما يفرق. لكن الجميع متعايش بعضه مع بعض. 

وفهم من الحديث أن الديانة السيخية نقطة وسط بين الإسلام 


والهندوسية, فالسيخ موحدون يؤمنون بإله واحد ويتكرون عبادة 


204 


الأوثان؛ كما أفهم يؤمنون بالمساواة بين البشر, لكتهم كالهندوسء 
يقدّسون البقرة» ويؤمنون بتنامخ الأرواح. 

وقالا إنهما يتاجران بالولايات التركية؛ لأن الإنجليز يحتكرون 
التجارة في الهند. 

ولاحظ يومف أن بعض أعين النساء تنصب نظراتًا عليه لكن 
انتباهه كان مشدودًا إلى حديث الرجلين» وكان أحدلهماء وهو 
السيخي, يشرح في تلك اللحظة شيئًا عن تناسخ الأرواح. إذ عندما 
يموت الهندوسي أو السيخي: يحرقون جثته. فتصعد روحه من بين 
النار والدخان إلى السماء, تنعتق الروح وتبحث عن جسد آخر 
لتحل به وتبدأ حياة جديدة؛ فإذا كان صاحبها طب فإفها تحل في 
جسد طيب وتكون حياة جديدة سعيدة, وإذا كان شريرًاء فإله 
سيعيش في دورة حياة تعيسة في جسد كلب أو ضفدع أو ذبابة. 


م عاد الحديث عن الإنجليز وشركتهم التي صارت تحكم الهند 
وتحتكر تجارة البر والبحر. بل وتسمح للقراصنة الأوروبيين باختطاف 
فقراء القرى القريبة من السواحل, وبيعهم كعبيد. كما تسمح لهم 
بصيد الحيتان في عمق الياه الإقليمية. وهو ما لا تسمح به للصيادين 
الهنود. وهناء اغتنم يومف الفرصة, فجر الحديث إلى الحيتان 
وسيرقاء وذكر شيئا عن حوت يافا الذي شاهده بأم عينه. ورآه في 
منامه. لكن الرجلين لم تكن لديهما معرفة بعوالم الحيتانء فاكتفيا 
بالاستماع, وإبداء الدهشة. وعرج الحديث في فهاية الجلسة على 
القصور القديمة وتاج محل ومعمار الفرس والسلاجقة, وكتب الحكمة 


م205 


والأدب وسير الأباطرة في العصر الذهبي للهند, والأساطير والملاحم 

الواردة في ملحمة (الماهابمارتا) التي تتعلق بما قلوب الشعب الهندي. 

وعندما عاد إلى غرفته. كان ممتلنًا بسلام نفسي وسكينة غامرة 
يا لهؤلاء الرحالة الذين يذرعون العالم للتجارة والمتعةايا 


لغامراتهم الجسورة والشيّقة, المقعرنة بالبهجة والمعرفة والاطلاع على 
أغاط التفكير وأساليب الحياة والعادات والتقاليد وثقافة الطعام 


والملبسء وتنوّع السلع النفيسة؛ واختلاف المدن والفصول والنساء 
والوجوه والحكايات؛ والأديان والعبادات والمعتقدات! 

ظل يحدث نفسه. ويعيد. صار مفتونًا بفكرة السفر والرحيل. 

ظل يعيش في هالة العوالم التي رسموها في مخيلته. حتى إنه كاد 
ينسى ما حدث له مع ذات السن الذهبية. 

نام دون أن يطفئ السراج الذي كانت ذبالته على وشنك 
الانطفاء. 

نام نوما عميقاء وغلبت أحلام اليقظة أحلام ما يراه النائم. 

كانت أحلامه بلون وردة جورية وزهرة لوتس, انتشى بوم 
عميق ولذيد. 

وعندما صحا من نومه. صحا نشيطاء فاغتسل وشرب قهوته. 


ثم أخذ يفكر مليًا بالرحيل والسفر وركوب الريح. 


الفصل الحادي والعشرون 

تسير العربة التي يجرها حصان بين البساتين في طريق يضيق 
أحياناء ويتسع أحيانًا أخرى. يمشي الحصان خببًا ثم يتباطأ. 

بساتين تتدلى من على أسوارها وعلى الجانبين نبانات تطلق 
زهورًا قانية. وتطل من ورائها شرفات بيوت ها نوافذ بزجاج معشّق. 

وبساتين بلا أسوار مزروعة بالخضار وأشجار الرمّان وقد 
حيّلات أغصافا ببراعم وبنوار أجمر قان, وعلى امتداد البصر مروج 
مطرزة بالزهور البرية: نرجس وحبق وقرنفل وعرف الديك وقرن 
الغزال, ومن ورائها نباتات عبّاد الشمس ترسم بساطًا أصفر فاقعًا 
للغاية, وعن بمين العربة تتدفق مياه النهر. وعلى الضفاف تنمو 
الأعشاب وأشجار شوكية. 


الطقس بميل إلى البرودة» والأفق مغلق بغيوم سوداء على الرغم 
من أن الفصل ربيعي. 
تسير العربة التي يسوقها حوذي يصمت طوال الطريقء ولا 


يجيب عن أسئلته. يجلس يوسف يمتع بصره تارة, ويفكر بما ينتظره من 
هذا اللقاء الذي عاند نفسه وسعى إليه. 


الطريق إلى بساتين وادي بردى طويل. وهو يلقي نظرة إلى 
البساتين والمروجء؛ ونظرة إلى ما وراءهاء ونظرة ثالثة إلى ما في أعماقه 
من برازخ وأرخبيلات وجزر بعيذة. ونساء بيون مكحولة., 
وحواجب مزجّجة: وذراعين كشجرتين تتفرع من كل منهما أربع 


ه2 ين 82 


2007 


أذرع تمسك أصابعها بكتاب الحكمة, وزنابق الشهوة, وأساور لها 


رؤوس الأفاعي, وصوججان الحياة والموت. 


يفكر ويرسم في خياله كل ما هو محري وجسوي وعبغنسي 
وشيطائني, كل ما يتسم بالمكر والغدر والنطع والسيف والترال 
والمبارزة والطعن والخسارة والفوز. 

لم يستعد لهذا اللقاء. لكته قرر أن تكون له فاية, فاية ما مثل 
حقيقة ماء أو أكذوبة ما أو ضحكة ماء أو دمعة ما. 

في جيبه فردة الحلق ذات الحجر الكريم بلونه الزبرجدي. 
وضعها في جيب قفطانه. فقد صاحبته من نقطة البداية. ويتعيّن أن 
تكف عن مرافقته في تراجيديا النهاية. 


طاردته ذات السن الذهبية بكل جنون. قَرّب منهاء فلاحققه 
حتى داخل حرم "مدرستي ملكي سلطاني". وضعته في مآزق في 
الشوار ع, وفضحته في سوق الصاحية التي تزدحم بالمارة» وادّعت أنه 
تحرش بماء وناله وابل من الصفعات من أولئك الغيورين؛ فهرب 
وأطلق ساقيه للريح قبل أن يأب البصاصون والصناجق. 

ترك الخان وسكن في مرتفعات (تل منين)؛ فسبقته إلى هناك 
وهددته بفضيحة أمام الأهالي. 

قالت له: سأذلك قبل أن أمنحك جسدي. قالت له: سأمنحك 
قبلة الموت. قالت له: أيها الجبان! لماذا تخاف من منازلتي؟ 


208 


سببت له القلق والصداع: فخطر له أن يترك المدينة ويعود إلى 
يافاء بل إنه مر على خانات باب شرقي وباب توما والمرجة والشيخ 
محبي الدين. بحثا عن قافلة متوجهة إلى شرق الأردن أو القدس 
الشريف. ووجد قافلة تجار متوجهة إلى طبرية عبر مناطق الجولان, 
فقرر أن يرافقها. 

لكنها ظهرت له وأبلغته أنها ستلحق به إلى المدينة التي ولدت 
فيها روحها منذ آلاف السنين, روحها التي انتقلت إليها بالتداسخ عبر 
أجيال وأجيال من النساء الشريرات»؛ وحلت بجسدها. قالت له: ألا 
تذكر أنني أخبرتك أن روحي تناسخت من روح ميدوسا التي تحوّل 
البشر إلى تماثيل من الحجارة. ميدوسا التي أغرقت مدينتكم يافا 
بأمواج البحر. وحوّلت بخارتكم وسفنكم إلى تمائيل حجرية؟ 

ها هو يذهب بخياره إلى حتفه أو حتفها. وها هي الرياح تشتد 
ويشعر برجفة. هل ارتجف من البرد : ارتجف خوفا من عواقب 
منازلته لذات السن الذهبية التي د تسكنها البراكين والشياطين ونفر من 
الجن؟! 

مزق الأفق رعد انفجر فجأة. ولمع الضوء على امتداد البصر. 
هطل المطر مدرارًا. ابتل وابتل الحوذي والحصان, وابتلت العربة. 

قال للحوذي أو قال لنفسه: أمطار تأي في غير وقتها. 


تنحنح الحوذي, وبدا كما لو أنه سيتكلم. لم يتكلم على الفور, 
وإغا تكلم بعد هنيهة, وقال: يحدث ذلك يا سيدي في ليلة عرس 


الى 22 © 


209 


الذئب. هكذا تمتلى السماء بالغيوم وتمطر الدنيا في غير الأوان ليلة 

ما الذي يعنيه هذا الحوذي اللعين؟ أهو يشير إلى عرسه مع 
الذئبة ذات السن الذهبية؟ أم أنه يطلق الكلام على عواهنه؟! 

وصل المزرعة بعد أن توقفت الأمطار. 

استقبلته ثلة من الجواري اللوايَ يلبسن أفخر الثياب, ويمتلكن 
أججمل العيون, وأكثر القامات رشاقة. ولمح من بينهن فاوند. 

هبط من العربة. سارت الجواري أمامه وحوله. مشى باتجاه 
قصر ريفي واسع. لمدخله رواق وأعمدة تعلوها تيبجان حجرية: 
وسيراميك وغهدمة ورسوم تمثل مثلشات ونجومًا وغزلانًا. 

دخل الصالة الواسعة المعدة هذه المناسبة, حيث تمتلئ بالأئاث 
والطنافس والسجاد ونباتات الزينة والأرائك والنمارق. 

قادته فاوند إلى الداخلء إلى غرفة الحمام, وقدمت له المناشف 
والصابون والليفة وزجاجة عطر. وملابس داخلية, وقفطائا من قماش 
القطيفة بلون البنفسج, وطلبت منه أن يستحم ويبدل ثيابه» ويلبس 


القفطان, ثوبه في هذا العرس. استحم ولبس قفطانه الجديد. وخرج 
من طيات البخار, وعاد مع اوند ورفيقاها. 


أجلسسه على أريكة مفروشة بأوراق الورد. بينما أريكة ثمانلة 
فارغة إلى جانبه تنتظر من ستجلس عليها. 


يد عاد د 


دخلت ذات السن الذهبية. دخلت ملكة بثوب من الديباج 
والأطلس المموّجء منسوج بخيوط الذهب. ومطرز على الصدر 
والأكمام خيوط الفضة. وملوّن بزرخرف وغنمات متناسقة الألوان. 

يلتف حول خصرها الدقيق حزام من قماش الدمقس. 

تغطي رأسها بشال من قماش الألاجا مطرز بزخارف ساحرة. 

قامتها عالية» ينسدل ثوبما الطويل ليصل إلى أطراف حذائها 

دخلت معطرة. دخلت بوجه مزجّج الحواجب. كحيل العينين, 
أسيل الخدين, وأنف شامخ العرنين» وشفاه رقيقة مصبوغة. 

دخلت تحف يما الجواري. تقدمت وحيته وجلست إلى جانبه. 

عند ذلك جلست الجواري على الجانبين» وتناولت كل منهن 
آلتها الموسيقية. وعندما أعطت فهاوند الإشارة.» صدحت الموسسيقى. 
شارك الناي والطنبور والعود والدف والرباب والسنتور في إطلاق 
المقامات. وعلى الإيقاع الغري: قامت فهشاوند ودخلت وسط الديوان 
بملابسها الرقيقة والشفافة التي تكشف بطنها وسرقاء وبدأت ترقص 
بخفة فراشة, وعنفوان لبؤة. 


عا 


كه © ©« 


211 


انتهى حفل الزفاف, وحل وقت الدخلة. الجواري انصرفن بعد 
أن فرشن المائدة وسلة فاكهة. وحدها فهاوند بقيت بالجوار تنتظر. 
كان مسحورًا بما يحخيط به من أجواء سحرية. لم يفكر بعد بالخطوة 
التالية» لكنها كانت تعرف, فأعطت إشارة إلى جاريتها الأقرب إلى 
قلبها. خرجت فاوند وعادت بسرعة, وقالت: الحصان امجتح ينتظر. 

كان حصانئًا من البلور بجناحين, يبدو كما لو أله مخلوق من 
خخاصرة جبال الثلج. وكان يتأهب ويدق الأرض بحافره كأنه في 

قالت له: آن لنا أن نطير. 
أنني مثل ملكة النحل التي ستلوّعك قبل أن تظفر بما؟ 

فكر فيما يتعيّن عليه أن يفعل. صهل الحصان مرتين. وهو 
يفكر. استعجلته وعتفته, وهو يفكر. لن ينقاد ولن ينحني. كانت 
عيناها تخلبان مميّلته. اقترب منها ورفع غطاء رأسها وسمح لشعرها 
وجديلتيها بالتحرر. لم تعترض. فك أزرار ثوبها فاستسلمت. 

قال لها: سنطير في مخدعك. 


تمنعت وأبعدت يديه عن صدرهاء وقاومت اندفاعته. 


رفع يده عاليًا وصفعها. سخن أكثر. امتزج هياجه بلهيب في 
دمه. أدارت له خدها الآخر فصفعها. ومع الصفعة الثانة, غلى 


اه ال جه 


بركان بداخله. وصلت الشهوة مداها. بدأت شفتاه تتحولان إلى 
جمرتين. طاوعته ومشت نحو المخدع. 

على السريرء كانت نصف عارية. احتضنها فتشبثت به. اندفع 
بناره إلى خديها وشفتيها ورقبتها وصدرها. اندلع حريق في وجههاء 
واشتعل اللهب في شعرهاء وانتقلت النيران إلى بدفاء فصرختء 
وصرخت عاليّا. صرخات عكعواء ذئبة صرخت وهي تتحول إلى فحم 
ودخان. وتنتقل النار إلى صوف فرشتها وقطن مخدقا وحرير ثيابها. 


عند ذلك, استيقظ من نومه. 


استيقظ من نومه على صدى صرخة. استيقظ فتوقف كل شيء 
وساد الصمت,ء مر وقت قد يكون طال أو قصر حتى أدرك أن كل 
ما حدث هو حلم ومنام وكابوس. كانت الدماء لا تزال تغلي في 
عروقه. وتنتقل إلى شفتيه ورؤوس أصابعه. 

وكان الفجر يشقشق. ومن وراء ستارة النافذة الشفافة في 
غرفته في الخان, كان الفضاء يطل ويشي بصباح يوم آخر. 

انسل ببطء من فراشه. وألقى نظرة على الأشياء في الغرفة؛ 
ليتأكد من أن ما حدث ليس إلا حلمًا من الأحلام التي يراها النائم 
في منامه. لم يركب عربة. لم تحط به الجواري. لم تكن الملكة حقيقة. لم 
يذهب معها إلى المخدع. لم يندفع إلى شفتيها وخديها ورقبعها بنيرانه. 


دس 001 كا 


2013 


قام وتناول إبريق الفخار وشرب جرعة مال وأدار على رأسه 
ما تبقى فيه. كي يدرك أن ما رآة مجرد أضغاث أحلام. 

اقترب من النافذة وأزاح الستارة. عدد ذلك. شم رائحة تشبه 
رائحة دخان وحريق ممزوج بفتيت المسك؛, فيدو تارة برائحة 
البخور, وتارة أخرى برائحة الفحم. عند ذلك, انتد إلى أن ثيابه 
مصبوغة بلون البنفسج. وأن فردة الحلق في جيبه قد تحولت مسن 
ذهب إلى تنك وأن حجر الزبرجد أصبح مجرد حجر من اجير. 

يا لهذا الحلم المخيف الذي خرج من إست ليل أسود. أدج 
قاتم,» أسحم, أحتم, سحكوك, غدافي. حلبوب: غرابي: وأدهم! 


دع 


#» جم م 


214 


الفصل الثاني والعشرون 
في باحة الخان ضوضاء يثيرها الأوزبيك والقازاخ والتتار وهم 


يتهيأون للرحيل. يثيرون المرح وهم ينقلون متاعهم إلى ظهور الجمال 
ذات السنامين التي تبرك في الساحة الخلفية. 


متينة» وصدور واسعة. وعضلات مفتولة, في لباس تقليدي وطواق 
مزركشة., وبعضهم لا يكف عن الغناء. 


يا لروعة إطلالتهم. وعذب كلامهم وهم يتحدثون عن النساء 
والخيول واتساع المدى وقدرتهم على التحمّل وهم يوغلون في السفر 
بقرافلهم! يا لرقة غنائهم. وروعة تقاليدهم. وجمال بلادهم في بخارى 
وسمرقند وخوارزم ووادي فرغانة! 

ودَ في تلك اللحظة لو يكون معهم في ذلك التجوال الذي لا 
ينتهي. وأن يشرب معهم حليب الخيول؛ وينشد أناشيدهم؛ ويغفني 
معهم أغانٍ الرعاة من القفجاق, التي تتشوق إلى الكحل في عيون 
النساء. والرزق الحلال من أرجل العير. ومن امعداد السهول في 
طريق الحرير. 


جلس في الباحة يشاهد ويتأمّل, ويراقبهم ويتلقى تلوبحات من 
أياديهم. وكم كان بوده لو جالسهم وقص عليهم قصته. وطلب 


ج الس# 


رحلوا ولوّحوا له بأياديهم وهم يطلقفون كلمات الوداع 
بلغتهم؛ وتركوا صمئًا وفراغا. 


كم صارت القاعة موحشة! واكم مرت في ذاكرته من صور 
وتداعيات! وفجأة, دخل إلى الباحة النديّان: المسلم والسيخي. جاءا 
بلباسهما الزاهي والعمامة الهندية على رأسيهما. أشار لهماء فانضمًا 
إليه وجالساه. 


بدا الحديث معهما عاديّاء كلام عن الطقس: وعسن اخستلاف 
الفصول. وعن تجارقما ني بيع الحيوانات والطيور النادرة؛ وعسن 
الأعشاب وأنواعها وفوائدهاء وترد في أحاديثهما الفوائد الطبية 
للزنجبيل وإكليل الجبل والبابونج واليانسون وأعشاب أخرى. فحان 
الوقت عند ذلك للحديث الجاد. 


شرح هما حكايته مع الجني الذي يسكن جسدة. وسأهما إن 
كان هناك دواء لمعضلته من خلال العداوي بالأعشاب. 


ضحك السيخي ومازحه بالقول إن ما بداخله طاقة مغناطيسية 
هائلة» وليست طاقة شخص غيره. وإن عليه أن يحافظ عليها ولا 
يبددها. فيما تحدث إليه اندي المسلم بجدية قائلاً: لقد واجهسا في 
رحلاتنا حالات كثيرة مثل حالتك؛ وهذه الحالة لها أثر سلبي. وفي 
الوقت نفسهء ها أثر إيجابي. ولكن لها علاج ينظمها ويقلل من 
ملياقا. 


نه «م مج 


16م 


كان يستمع بلهفة. وكان يستمع بانتباه بكل جوارحه. ووجد 
في كلامهما ما أدهشه وأدخل الطمأنينة إلى قلبه. 


هذا العلاج؟ 

هرّ المهندي الآخر رأسه. وقد اكتسى وجهه بالرزانة والحكمة, 
وقال: هل تسمعنا أولاً؟ 

أجاب على الفور: أنا أسمعكما. 

قال الهندي المسلم: أنا وصديقي (آرام) كنا بصدد الحديث 
معك بشأن ذي صلة, فإنا نبحث عن رسام يتقن الخط والرقش 
والتزيين. وعلمنا أنك تتقن ذلك. فهل تقبل عرضنا؟ 

قال: وما علاقة ذلك بموضوعنا؟ 

أجاب الهندي السيخي: اصبر قليلاً. واسمضاء ولن ننسى 
موضوعك. فسأل مستغربًا: ماذا سأرسم أو أخطط. مززلاً أم قصرًا 
أم بيت عبادة, أم غير ذلك؟ 

أجابه الهندي السيخي: كتابّاء الذي تسمونه مخطوطا. 

فكّر قليلاً. وقال: سبق لي أن نسخت كتاب "دلائل الخيرات" 
وزيّنته برخحرف ليس له مثيل. 

قال الهندي المسلم: هذا ما نريده؛ نسخ كتاب بخط الثلث. 


217 


وأضاف: كتاب مهم جذدًا ألفه حكيم وفيلسوف وطبيب وعالم 
فلك وخببر بالموسيقى الروحية. 
كيف يمكن أن يجد حلاً للجتي ابن الكلب الذي ينغص حياته, فقال 
حالتي. 

قال الهندي السيخي: ولم العجلة أيها الشاب؟ 


أير ضيكما ذلك؟ 


وق اننا تن الف تون ]لان ولي متهك 
إجابة: موافق أم غير موافق؟ وإن وافقت, فهل تحفظ السر؟ وإن 
عرفت أسرارناء فهل ستستحسنها أم تستهجنها؟ 

ضاق ذرعاء وخطر له أن هذين الرجلين يسخران منة وأهما 
يطلقان الكلام على عواهنه. وهم بالوقوف والخروج.ء لكن المفدي 
المسلم الذي يتحلى بالرزانة قال: تمهّل. نحن نتحدث معك بشأن ذي 

لم يدخل كلام الرجل الطمأنينة إلى قلبه.ى ومعذلك قال: 
العلاج أولاً. والنسخ ثانيًا. 


218 


هرا رأسيهما معًاء وقال المسلم: سيكون لك ذلك. لكن يتعيّن 
أن تسافر معنا إلى حيث يوجد الفيلسوف. وهوء كما قلناء فيلسوف 
وطبيب. وهو الطبيب الذي سيعالجك. 

- أسافر؟ إلى أين؟ 

- فيلسوفنا يعيش الآن في إقامته المؤقتة في جبل من جبال 
الأناضول. نصطحبك معنا منذ الغد. 
يضمن ألا يخطفاه في الطريق ويكبلاه بالسلاسل؛ ويسوقاه إلى أسواق 
الرقيق, ويبيعاه كعبد؟ من يضمن؟ 

فكر فيما يتعيّن عليه أن يفعل. ووجد أله بحاجة إلى مهلة ليفكّر 
أكثر فقال: يتعيّن أن أتدبر أموري, وأن اخذ إجازة من المدرسة, 
وسأردٌ عليكم في أقرب وقت. 

قال السيخي: لا تضيّع هذه الفرصة أيها الشاب. ستعمل عملاً 
يفيد الشرق كله فضلاً عن أن مكافأتك ستكون مجزية. 

وأضاف: وستجد العلاج على يد فيلسوفنا وطبيبنا. 

هب واقفًا. حمل مخلاته وانصرف دون أن يودّعهماء ومضى في 
طريقه. لقد قرّر أن يفعل شينًا! 


219 


اكترى من الخان حصائاء وانطلق إلى الطريق المؤدي إلى وادي 
بردى. سلك الطريق الذي سلكته العربة التي يقردها حوذي عجوز. 
لقد ذهب في حلمه بعيداء وعليه أن يبحث عن الحقيقة. تذكّر كلام 
الحوذي عندما تساقط المطر في غير أوانه: "يحدث ذلك, يا سيدي, في 
ليلة عرس الذئب". قطع الطريق الواسع والحمان يمشي خيببًّا. 
الدرب واسع. ودرب الحلم ضيق. البساتين متباع دة, ولا أثر 
للمروج المطرّزة بنوار أحمر قان. لا مزرعة في فاية الطريق. لا ملكة 
نحل بسن ذهبيّة. ولا فهاوند بملابس شفافة تكشف بطنها وسرّقًا. لا 
جواري يعزفن على الناي والطنبور والسنتور والدف. لا امرأة بغوب 
من الديباج والأطلس المموج بخيوط من الذهب. لا لبؤة تغطي رأمها 
بشال من قماش الألاجا مطرّز بزخارف ساحرة. جال بحصانه في كل 
الأماكن. لا حس ولا صوت سوى خرير النهر. لا أثر الحصان يجح 
من البلور. لا أثر لحريق ولا بقايا دخان, ولا عواء ذلبة. 

عاد من حيث أتى. عاد موقنًا أن الحلم خيال. أن الحلم خديعة, 
أن الحلم فعل من أفعال السّحرة. 

ذهب إلى الساحة التي تفضي إلى بيتها. كان بائع الزلابية لا 
يزال في مكانه. وباعة الخضار والفواكه يقفون أمام بسطاتهم. وكان 
بائع البرسيم ينزوي في مكانه. 


ربط الحصان. ودخل في الزقاق الذي يؤدي إلى بيتها. مشى في 
الزقاق الضيّق الذي تتدلى من شرفاته نباتات الزينة» وتطل أيضًا من 
وراء نوافذه أصص العطرة والسجّادة والأرطاسيا. 


عله هر 


200 


مر من تحت القنطرة» ووصل إلى بيتها. وصل إلى الباب الكبير 
الذي يتوسطه الباب الصغير الذي يسمى "الخويخة". طرق طرقتين» 
وانتظر أن ينفتح وتطل من ورائه شاوند. لكن الباب عندما انفتح. 
أطل من ورائه رجل جليل بعمامة على رأمه. ولحية بيضاء طويلة 
تكسبه مهابة. ومن وراء الشيخ. كان أطفال يلعبون في الفناء حول 
النافورة والفسقية, وسيّدة تندشر الغسيل. 

فوجئ وأرتج عليه ولم يدر ما يقوله. فتراجع خطوة إلى 
الخلف؛ واستدار عائدًا. 

يا هذه الألغاز التي لا يفعلها إلا العفاريت والسّحرة والجيّات 
الماككرات! 

عندما عاد إلى غرفته في الخان. وجد القرط وقد عاد إلى لونه 
الذهبي, وحجرة الكريم من الزبرجد وقد عاد إلى لونه الأخضر 
اللامع. ومنامته عادت إلى لوا الطبيعي. وغاب عنها ذلك اللون 
القرمزي الكريه. 

قال لنفسه: ينتهي مفعول السحر عند هذا الحد. ويتعيّن أن 
أطرد ذلك الشرير من بدني اعتمادًا على إرادي. 


في تلك الليلة. داثمه حنين جارف للسيدة العيطموسء الطيبية 
والحنونة والقريبة من القلب. تذكر كل لممة ود منحمه إياهاء 


ليد يد مذ 


2021 


وأخرجت الذاكرة ذهب الكلام الحميم الذي كان يدور في إيوان 
قصرها الصغير. ذهب الكلام الحميم في غرفة مطلّة على الشرفة» 
وحكايات تسردها الخادمات الجميلات ني الحديقة لطرهد السأم 
والملل» ونزهة على ضفاف فير خريشة مكللة بزهور السرجس 
وشقائق النعمان والأقحوان والخرامى والسوسن والزنبق البري. 

وأخرجت الذاكرة من داخل السياق سيرة طفلة اختطفها 
قراصنة, انتزعت من كبد المأساة. وبيعت كرقيق إلى البشاوات» 
وتنقلت كجارية مستعبدة في رواق الحرملك, ومكر دسائس 
السلطانات, واغتصاب الأمراء ووحوش الإنكشارية, ووجدت الرأفة 
عند السلطانة نخشديل, والحماية عند جركس باشاء والود وامحبة من 
وصيفة سمراء جميلة الروح, وعاشت في القصر وهي تشتهي العيش في 
بيت ريفي يوفر لها هدوء البال. 

واندلقت من الذاكرة ألوان وريشة وخطوط ووجه يحفظه عن 
ظهر قلب. ومزيج من التزيين والتزويق والكحل وظلال على 
الرموش. وثوب من حرير الدمقس, وقبعة. وثوب سلطايء وحذاء 
ذو كعب عال, ولوحة مصمودة على الخائط مثل عروس في حتائها 
وزيئة جلوقا. 

انثالت الذكريات؛ وتنقلت ما بين قصر السيدة إلى طفولة 
وشباب مبكر وقفز من أعالي السور إلى البحر. وشاطئ يطل على 
منارة وسفن تمخر عباب الأمواج. وأناس طيّبِينِء وعمال المدابغ, 
وباعة سجق وحمورء وصيادين يصنعون الشباك ويوغلون في عمق 


جا سم الل 


222 


البحرء وجواري القصر اللواي يطللن عليه من شرفات السرايا 
ورواق الحرملك؛ وغواية في بستان برتقال أيقظت الجن الذي يلازمه 
فطبع قبلة حارقة على نحر واحدة منهن؛ وترك وشماء وألعاب علسى 
الشاطئ مع ابنة القنصل ورفيقاقاء وقصور لا تحصى من الرمالء» 
وبازار ذي معمار تملوكي في مديئة تزهو بما القباب والأروقة 
والأعمدة والأقواس والتيجان والمآذن والأسوار والأسواق 
والباحات, وصباح من ندى يتوكل فيه على المولى ساعون للأرزاق» 
وتبدو في ضحاه وجوه حجّاج وسيّاح وبشاوات وأغاوات وجندرمة 


ومناجق, وطابور من جند الحامية. 


وأغفى على رضىء ونام نوما عميقاء لا كوابيس فيه. ولا أرق. 


هه سداد 


2003 


الفصل الثالث والعشرون 

في الصباح., بينما كان يتناول فطوره في الباحة, جاءة صاحب 
الخان. رجل دمشقي بلحية شقراء خفيفة, على رأسه عمامة مراءء. 
ويلبس سروالا وقميصا من الحرير. وملامح وجهه ودودة. 

جلس بجانبه وتحدّث إليه. كان يتوسط للهنديين. قال له إإفهما 
مألا عنه في "مدرستي ملكي سلطاي", وقيل هما إنك من أفضل 
الخطاطين, وإنك خبير ني الرقش والعريين» ولذلك, هما معمسكان 
بك. 

وقال له: إن هدفهما نبيل. وهو كتابة نسخة عربية من كتاب 
عن حكمة الشرق؛ وحدثاني عن الكتاب وكاتبه لأنهما يثقان بي. كما 
أنني أعر فهما وأثق يمماء ويتعاملان معي منذ سنوات طويلة. 

وأبلغه أنه يكفلهماء وسيوقعان اتفاقية معه. ويكون هو شاهدًا 
عليها. ولن تستغرق مهمته أكثر من شهر. وما إن تنتهي العطلة 
الصيفية, حتى يكون قد انتهى منها, وعاد إلى مدرسته في دمشق. 

تحدث صاحب الخان بحيوية وجديّة: ودف على صدره. وأاكد 
أله سيكون مسؤولاً عن سلامته في الذهاب والإيابء, وأن المكان 


الذي سيذهب إليه ليس بعيدًاء فهو في "أضنة". وليست بعيدة عن 


225 


اللاذقية, وجباها الشاهقة تطل على البحر المتوسطه أي أنها إلى 
الشرق من بلاد الشام. 
هكذا بدأت الصفقة, وهكذا انضم الحنديان إيهماء وأبرم 


الاتفاق. 


تحركت القافلة المكونة من ثلاثة جمال وحمار وعربتين تجرهما 
خيول؛ واحدة تحمل أقفاصا فيها حيوانات السمور والقطط السيامية 
وغزلان المستنقع الهندي وطاووس ذكر وأنقاه. والأخرى تحمل 
العموين والمتاع. 

أما الجمال ذات السنامين؛ فقد كانت محمّلة بالجلود والتوابل 
والأعشاب الطبية. 

كان المهنديان رفيقي سفر مريحين. كانا يتسمان بالدماثة والخلق 
الكريم. ومعهماء كان خدم يقومون على الاعساء بالحيوانات» وإعداد 
الطعام, وخدمات أخرى. 

تمشي القافلة على طول المدى, تعبر تلالاً ووهادًاء وتتوقف عند 
الأفر والينابيع. وتنصب الخيام إذا ما أدركها التعب عند أماكن 
الإيواء التي أعدّها تجار طرق الحرير على مدى الزمن. 

في تلك الأماكن. يتناولون الطعام معّاء ويتحادثون ويتسامرون, 


ويطعمون السمور والغزلان والقطط السيامية ذات العيون الزرقاءء. 


«> ©<> © 


216 


والجمال ذات السنامين» والطاووس الذكر الذي يفردريشه 
المرركش بألوانه البهيجة, ويشبه مروحة المرزبان» بينما أنشاه تغخفو 
هادئة» وتنكمش في زاوية القفص. بل ويخرجون الحيوانات 
والطاووس وأنتاه من أقفاصها لتشرب الماء وتغمر أجسادها بالميساه 
المتدفقة لكي تبترد. 

كانت تلك الحيوانات الشمينة والنادرة تبدو كما لوأئلها 
مدجّنة أو أنما اعتاد بعضها على بعضء ونشأت بينها مودّة 
وأصبحت قطيعًا صغيرًا يتعايش, ويتحمّل مشقة السفر. 


٠. 
0 بيبانا 0 ) م‎ 


لط اإعطط ا 

بلاد تشيل؛ وبلاد تحط. ويوسف يعتاد على ركوب صل 
بسنامين, واعتاد على هذه الرفقة الطيبة. واستمتع بما يقوم به الهنديان 
في المناطق الآهلة وني المدن الصغيرة حين يعرضان بضائعهما من 
الأعشاب والبهار في الأسواق. ويجمعان دنانير وليرات ذهبية 
وعملات أخرى. لم يكونا يعرضان بضائعهما الأخرى من الحيوانات 
وطير الطاووس, فهذه مبيعة ومجلوبة خصيصا لحديقة قصر السلطان 
الصيفي على ضفاف فهر سيحان؛ فزوجة السلطان تحرص على أن 
تكون هناك حديقة حيوانات وطيور فريدة ونادرة ملحقة بقصرها. 
كما أهُما لم يكونا يعرضان حمولتهما من الجلود. ولم يفصحا له عن 
سبب ذلك, كما أله لم يساهما. 


في محطة استراحة بجانب نبع ماء على سفح جبل يحاذي غابة, 
بينما كان الخدم يطعمون الحيوانات, جرى حديث عن طباعها 
وأنواعها وقيمتها. 

السمّور من أجمل الحيوانات وأندرهاء ويتميّز بألوانه الجميلة 
التي يتدرّج ويتمازج فيها البني الفاتح مع البني الغامق. وهناك أنواع 
فراؤها أبيض, وكاد هذا الحيوان الصغير ينقرض لكثرة مطاردة 
الصيادين له؛ ففروته من أغلى أنواع الفراءء وهو يعيش في الغابات 
ويقعات على الخحيوانات الصغيرة كالجرذان والسحالي وبيض الطيور, 
وهو حذر وليس سهل المنال؛ يعرف متى يختبى وراء الصغور أو 
وسط أغصان الشجر الكثيفة إذا ما حاول النسر اصطاده. لكن 
الصيادين من البشر يبرعون في اخقراع الخيل لاصطياده حيّا 
للحصول على فروته دون خدوش. 

أما الغزال المندي, الذي يسمونه غزال المستنقعات» كونه 
يعيش في مناطق مليئة بلمياه الراكدة, فهو من أجمل الغزلان التي تفخر 
يما الهند. ويميّزه عن غيره من الغزلان والأيائل قرنان طويلان ينتهيان 
بشعب ثلاث. ويشبهان أشجارًا ذات أغصان ثلاثة. وقد جردها 
الخريف من الأوراق وتركها عارية. 

وأما القطط السيامية ذات العيون الزرقاء. فهي من القطط التي 
يقتيها مكان القصور, نظرًا مجمالهاء وحسن طباعهاء وروعة ألوان 
فرائها. يقتيها الأغنياء كما يقتنون اللوحات الفنية والتحف النادرة. 


وللطاووس المحندي جماله المبهر؛ فهو أزرق اللون. ولذلك 
يسمونه الطاووس الأزرقء وعندما ينشر ريش ظهره الذي يشبه 
مراوح الأثرياء تبدو النقوش الساحرة الفريدة كلوحة يعجز أمهر 
الرسّامين أو الرقاشين عن صنعهاء وفي العادة. ينشر ريشه على هذا 
النحو أمام أنثاه. إذ يستعرض أناقته في مواسم التراوج, وهو أجمل من 
أنثاه التي يكون لوفا بن وليس ها ريش على شكل مروحة كريشه. 
وللطاووس مكانة خاصة في التراث والأساطير والملاحم في الحضارات 
القديمة. 


في ذلك اليوم, أخرج الخدم الحيوانات من أقفاصها بعسد 
إطعامها. أخرجوها لتستمتع بشرب اللماء من البع وتبترد في جو 
ومناخ حار. 

كانت الحيوانات شبه داجنة ولا تفكر بالهرب. 

وبينما كانت الغزلان ترتوي, فجأة, أصابما ذعر. شت بحواسها 
رائحة خطر. انتقل الذعر بالعدوى إلى الجمال والأحصنة والسمور 
والقطط. 

كان يوسف والمنديان يواصلان الحديث؛ وفجأة, تحوّل الذعر 
إلى اضطراب. انتبه الرجال؛ وبدا لهم عن بعد حيوان فهد مفترس. 

كان الفهد يتقدّم زحفا وهو يلصق صدره بالأرض. 

ابتعد أحد الغزلان عن القطيع, ثم أطلق ساقيه للريح. 


© © جم 


2029م 


وقف الحنديّان وكانا مرتبكين. 

في تلك اللحظة, اعتدل الفهد وححق بالغزال. كانت قفزات 
الفهد واسعة. 

وقف يوسف. ودون أن ينبس بكلمة, اتقط السوط الذي 
يحمله عادة سائق العربة. 


لوّح يوسف بسوطه. وقفز إلى الأرض العشبية التي تجاور النبع. 
جرى قليلاً وهو يتابع قفزات الفهد وراء الغزال. 

صارت المسافة قريبة بين الفهد والغزال, الذي يعدو ويراوغ 
مينًا وشمالاً. والفهد يلاحقه من كل اتجاه. 

فجأة, داهمت السخونة جسد يومسف: اشتعلت نيران بداخله, 
واعتلى الريح, وطار في الهواء عاليّا. رحط على الأرض على بعد 
خطوة من الفهد الذي كان قد قبض على الغزال وأوشك أن ينشب 
أنيابه في حنجرته. 

رفع السوط الذي داخله شواظ من نار عاليّا. وبيد من حديد. 
ضرب الفهد الذي يوشك على الفتك بالفريسة. ضربه على رأمه 
وطرحه أرضًا وصار يتفعفل بدمائه. 

نجا الغزال, ووقف على قوائمه. بينما قرناه ينتصبان تعبيرًا عن 
دهشة, وكان جسده ما زال يرتعد. ونفسه يتقطع. 


0210م 


ظل الفهد يتفعفل ثم همد. كانت عينا الغزال تنظران ول يحاول 
الابتعاد. 

ظل كلاثما ينظر إلى الآخر. وعندما استعاد يوسف أنفاسه؛ 
وعادت نبضات قلبه إلى وضعهاء نحى السوط جانبًا وجل الغفزال 
الذي لم يقاوم, وإنما بدا مثل طفل صغير شعر بالطمأنينة عندما شم 
رائحة أبيه. 

عاد يسير الهوينا. وعندما وصلء كان المهنديان والخدم ينظرون 
إليه بذهول, ينظرون إلى يديه المنتفختين. وإلى عينيه الحمراوين؛ وإلى 
ملامح وجهه العابسة التي لم يفارقها بعد الغضب. وخيّل هم أن هالة 

أنزل حمله إلى الأرض. 


ظل الغزال واقفا وساكنًا وهادنًا وقد خفت ارتعاشته. 


استدار يوسف ومضى إلى النبع. خلع ملابسه وغطس بالماء. 
ظل يبترد بيدما أعاد الخدم الحيوانات إلى أقفاصها. 


م يعيدوا الغزال الناجي, تركوه يتوجه إلى النبع» لا ليبشربء 


ومنذ ذلك الحين. صاروا يطلقون على هذا الغزال اسمًا جديدًا؛ 
يدانا 
© © © 


بلاد تشيلء وبلاد خط والقافلة تسير. وتسير معها الوديان 
والينابيع وروافد الأغر. والعلال والغاباءت, راجبال. ريوسف يتأمل. 
وغزال يوسف لا يبتعد عنه؛ ينام قربه في العربة التي يظللها غطاء من 
قماش الشادر. 

في محطة استراحة. أسند يوسف ظهره إلى مساق شجرة 
صفصاف. وركن مخلاته إلى جانبه, وأخذ يتأمل الطبيعة» ينما غزاله 

كان الخدم يحرسون القطيع الصغير. وافندي الملم يطعم 


حيوانات السمور, بحفنتيه, حبات العوت المفضلة إليها. 

اقترب منه الهندي السيخي, وجلس إلى جانبه. 

لم يشعر به يوسف في البداية. كان ينظر إلى المشهد من عل. 
كان النهر يبدوء وهو يشق طريقه بين التلال. متعرجًاء وكانت غيوم 
عابرة تضفي على المشهد رونقًا وهي تتشكل على هيئة خيول. 

صار الحنديّان ينظران إليه بمهابة. وبعن الرضى. أما الخقدم. 
وأغلبهم من ال هندوس, فقد كانوا ينظرون إليه نظرة قدامة بعد أن 
شاهدوا قفزرته المذهلة وركوبه للرياح التي هيت فجأة وأشعلت 
الفضاء الفسيح باللهب, وتحوّل السوط الذي يحمله إلى سفود عندما 
أجهز على الفهد المفترس بضربة واحدة. 


ه© جه 


013 


جلس المهندي السيخي إلى جانبه صامنًا. تركه يتأمل الطبيعة 
واحترم خلوته. جاء الهندي المسلم بعد أن أطعم المسمور وجلس 
شدوء وحذر. وظل صامنًا أيضًا. 


انتبه يوسف إليهماء وكانت تدور في خلده أسئلة. 


تشجّع السيخي. وطرح عليه السلام, ثم أشار بيده إلى تلة 
ثم نصعد إلى التلة التي اختارها الحكيم. 

وإذ ذاك. حان وقت طرح الأسئلة المؤجّلة. فأظهر لهما 
البشاشة؛ ولاطفهماء ثم طرح أسئلته ليعرف شيئا عن هذا الحكيم 

كان الطقس لطيفًا هنا في الأعالي. وكانت مجموعة الغزلان 
منهمكة في اللعب, وتتناطح بقروها الجميلة على سبيل اللهو. وكان 
غزال يوسف أيضًا يمارس رياضته في القفز والمشاكسة. 

أخذ الهندي المسلم الكلام, وتحدث بوقار واسترسل في 
الحديث: الحكيم باهر من الحكماء الذين عر نظيرهم. يعيش ويتنقل 
في قرى سفوح همالاياء ورسالته هي الدعوة إلى انبة والسلام 
واحترام الحياة. ووقف القعل. 

ينامض سيامات الحيمنة الغربية, ويدافع عن تنووع الشرق 
الديني والفلسفي. وهو من المناهضين للاحتلال الإنجليزي الممفل 

00313 


بشركة الهند الشرقية. ويرى أن دول الغرب. وعلى رأسها إنجلعرا 
وفرنسا والبرتغال وهولنداء تجهز الغزوات للهند» وترسل السفن 
التجارية تحت مسمى تجارة التوابل والقطن واللهار والشاي 
والأفيون. في حين أنْ هدفها الحقيقي استعباد المند, تمهيدًا لاستعباد 
الشرق بأكمله. الأقصى منه والأديى. 

وهو لا يدافع عن حكمة المند فقطء. فاففد نفوذج لتعدد 
الأديان والمعتقدات والفلسفات, وهي مكوّن من مكونات الشرق 
الكبير. وتاريخه الحضاري. ويّذاء فهو يدافع عن الشرق وحكمعه 
وقيمه وعلومه وثقافته في مواجهة التوحش الغربي الذي تمثله إنجلعرا 
وفرنسا. 

الحكيم باهر زار البلدان العربية» ودرس وأتقن لغة العرب. 
وهو يتقن لغات أخرى من لغات الشرق, منها التركية والفارسية. 
كما أنه معجب بالآداب والفنون والعلوم وحركة الترجمة للدولة 
الأموية والعباسية والفاطمية. 


الحكيم باهر جمع نصوصا في كتاب, اختارها من القرآن 
والإنجيل والتوراة ومعتقدات الحند الهددوسية والبوذية والجيية 
والسيخية, ومن معتقد الزرادشتية الفارسي؛ نصوصا تعبر عن احترام 
هذه الأديان لكرامة الإنسان وحريّته ورفاهيته ورياضاته الروحيّة. 

وقد عمل ها تلخيصا وترجمة, تحديدًا إلى اللغة الفرنسية؛ لأن 
فرنسا تشهد الآن ثورة لتحرير الإنسان من هيمنة الأثرياء والنبلاء 
وكبار ملاك الأراضي ورجال الدين. وتطالب بالحريّة والمساواة 


جه لس اس 


234 


وحقوق المواطنين» ويريد أن يرسل كتابه في قيم الشرق إلى 
الفرنسيين؛ لعلّهم يلتقون مع هذه القيم. ويكون ذلك فرصة للقاء 
بين الشرق والغرب على قيم مشتركة, وفرصة في حظة تاريخية كي 
يغيّر الغرب نظرته إلى الشرق, ولا تكون علاقة الغرب مع الشرق 
علاقة أسياد بعبيد. 

وهو يعتبر المعتقدات بالتحديد., ترانًا إنسائًا اجتهد فيه الإنسان 
قبل مرحلة الإيمان السماوي الممثل بالأديان في البحث عن الحقيقة. 


لذلك, اختار أن يرسل هذه الرسالة من الأناضول المطل على 
بقعة من البحر المتوسط. هي منطقة بحر إيجة, التي تشكّل نقطة التقاء 
بين الشرق والغرب. 

تحدّث المحندي المسلم وأسهب. وعندما أفى كلامه أخحذل 
السيخي الكلام: ولعلّك هنا تسأل عن دورك ما دام الحكيم يريد أن 
يرسل نسخمًا من كتابه إلى حكماء فرنسا. وأقول لك إله سسيطلب 
منك نسخ كتابه عن الدسخة العربية, لأنه يريد أيضًا أن يرسل معك 
نسخة لحكماء بلاد الشام. 


وأضاف الحندي الأول: وسيكون لك دور في تزيين الكتساب 
باللغة الفرنسية بأنواع من الرقش الشرقي الإسلامي؛ لأن ذلك جزء 


يد الحم اع 


235 


كان يوسف يستمع؛ وكان الغزال الذي اقرب دون أن 
يلحظوة يستمع. وكان النبع يستمع. والشجرة تستمع. والفضاء 
يستمع ‏ والغيوم الضّالة في الأفق تستمع. 


236 


الفصل الرابع والعشرون 

توقفت القافلة عند مفترق طرق. فانقسمت إلى قافلتين: واحدة 
سلكت الطريق المؤدي إلى الجبل؛ حيث يمكث الحكيم باهرء والثانية 
ملكت الطريق المؤدي إلى قصر السلطانة الميفي على الضفة 
الأخرى من فهر سيحان. 

قافلة الجبل كان يقودها الحندي المسلمء وتضم الجمال المحمّلة 
بالجلود وأحصنة وعربة فيها قائدها ويوسف والغزال وأكياس مسن 
الأعشاب, وما خف من المتاع. 

أما قافلة القصر. فقد قادها الحندي السيخي. وضمت العربة 
بأقفاصها وحيواناقاء وأكياسًا من البهارء وقوارير معبأة بريوت 
ودهون لامتعمال النساءء, للتطرية بعد الاستحمام. 

توقفت القافلة التي صعدت إلى الجبل أمام بيت ريفي واسع له 
حديقة ويكتظ برجال تدل وجوههم وملابسهم على ألّهم ذرر 
شأن, وبخدم من رجال ونساء يلبسون ملابس هنديّة بيضاء نظيفة. 

كانت تفوح من المكان رائحة طبخ تختلط برائحة حبر. وكان 
في الساحة التي توقفت فيها العربة دجاجات وديك وثلاث من الماعز. 

"وصلنا". قال الحندي, فهيّا يوسف نفسه للتزول. حمل مخلاته 
ونزل؛ وساعد الغزال على الترول. 


لذ ا اله 


217 


أشار الهندي إلى الخدم بإنتزال الحمولة من الجلود, والاعتناء 
بالجمال والخيول والغزال, واصطحب يوسف إلى الداخل. 

ثمر طويل على جانبيه غرف مغلقة وأخرى مفتوحة. 

في الغرف المفتوحة خطاطون ينسخون. ورائحة الحبر تملا 
المكان. وفي الممر حركة نشطة من الرجال ذوي الشأن. وفي ففاية 
الممر سلّم خشبي يقود إلى طابق علوي. 

في الطابق العلويء قابلا السيّدة التي تعنى بشؤون المزل والتي 
قادت يوسف إلى غرفة نومه في ذلك الممر الأعلى. وشرحت له نظام 
الإقامة والطعام بلغتها الهندية, وترجم له اللفدي كلامها. وقبل 
انصرافه, أخبره أن هناك من سيقابله في وقت لاحق بعد أن يأخذ 
قسطًا من الراحة. 

قبل الغروب. جاء أحد أوتك الرجال من ذوي الشأن, 
واصطحبه إلى تلة مرتفعة لا تبعد كثيرًا عن المكان. 

هناك, كان يجلس على سطح صخرة ملساء الحكيم أو المعلم, 
كما خاطبه المرافق. 


مشذّب, وشاربه طويل يغطي شفته العلياء ولحية بيضاء طويلة 


07 لذ نا 


تسترسل من ذقنه حتى أسفل صدره. يرتدي سروالاء وقميصًا طويلاً 
يغطيه حتى ركبتيه, ويلفَ حول رقبته ووسطه رداء "الدو". 


عندما وصلاء انحنى مرافقه ولمس الرداء تبرّكاء ثم اعتدل 
وعرّف بيوسف القادم من بلاد الشام والأراضي المقدّآمة, وكان 
صادفه في الطريق, وربما عن الطاقة الكامنة بداخله. 

كان الحكيم, كما يبدو. قد أفهى فترة التأمل في هذا المكان 
المرتفع, الذي يبدو ما وراءه طبيعة عذراء لا تزال كما هي. وكما 

أفهى مرافقه الحديث» وانصرف. 

رحب الحكيم بيوسف بلغة عربية فصحىء, وأشار له بالجلوس. 

كان الحكيم سمح الوجه. ودود الملامح. 

دقق يوسف في شعر رأسه وشاربه ولحيته الطويلة, كما لاحظ 
أنه لم يقص أظافره منذ مدة, فأخرج يوسف من مخلاته ما يحمله مسن 
لوازم السفر: موسى الحلاقة ومقصضًا ومرآة صغيرة. 


قال: هل تأذن لي يا سيدي؟ 


© 290 انه 


ودوث أن ينتظر إجابة من المعلّم. صعد إلى الصخرة, وجلس 
قالعه. وبدأ بعشذيب شعر الرأس ثم شعر اللحية دون أن يعترض 
المعلم. شذب بمهارة ورقة, بيئما الرجل يرمم على شفتيه ابعسامة 
رقيقة, ويستسلم هذا التشذيب. 

بعد أن أكمل عمله, رفع المرآة ليرى المعلم هينته الجديدة. 

بدا على المعلّم الرضىء فانتقل يوسف إلى الأظافر. فقلمها 
بالمقص بلطف ونعومة. 

قال الحكيم: بارك الله بك يا بني» لقد أدخلت إلى قلبي 
السرور. 

وصمت قليلاً وأضاف: تعاملت معي كإنسان يحصاج إلى 
النصح. 

قال يوسف: يا سيدي, أنت مفكر ومتصوّف. وتعتبر الاهتمام 
بالنفس أمرًا ليس ذا صلة. لكنني تطفلت وأحببت أن يكون مظهرك 
جميلاً كعلمك أيَها المعلم. 

قال الحكيم: لا بأس من المظهر المقبول وأنت تمارس رياضة 


السيطرة على النفس. قل لي وأخبرن. كيف هي الحال في بلاد 
الشام؟ 


لح اعم لج 


- والله يا سيدي إن الشمس لا تزال تشرقء والحياة تمضي. 
ندفع الضرائب. ونواجه إنكشارية متطرفة؛ ونحب الحياة, ونحب 


تراب بلدنا في الوقت نفسه. 


هرّ الحكيم المعلّم رأسه. وسأل: علمت يا بني أنك خطاط تتقن 
رسم الحروف ببراعة. وأنك رقاش تتقن التزويق. وجودك معنا 
سيكون له أثر طيّب. 

وصمت قليلاً. وأضاف: نحن لدينا رسالة, رسالة محبة ومساواة 
وسلام. نحن نبشّر بالأخوّة وامحبّة بين بني البشر, فالناس في دينكم هم 
عيال الله وهذه الأرض التي يتقاتلون عليها هي أرض الله. والبلاد في 
الشرق والغرب هي ملك الخالق, وهو الذي يرث الأرض وما عليها 
يوم القيامة. 


كان يوسف يمستمع. ويشعر بالألفة, وينتظر المزيد: قد لا 
تفهمني الآن. لكتك ستقرأ ما ستنسخه. وتطلع على مضمون 
رسالتنا. الظلم وخيم. والحروب لا تتوقف, والغرب الذي يغفزو 
الشرق لا يعرف شيئًا عن حكمة الشرق؛ يأنَ إلينا بالمفن عسبر 
البحار والمحيطات ليستعبدنا وينهب خبراتناء ويذل حضاراتنا وأدياننا 
ومعتقداتناء ويسوق رجالنا ونساءنا للبيع في أسواق الرقيق. ورسالا 
بمثابة اليد الممدودة له للسلام والأخوة من موقع الند والتكافؤ. مل 
فهمتني؟ 


© هج هوه 


241 


هر يوسف رأسه. وأجاب بصوت خفيض: فهمتك يا سيدي. 


جمّع الحكيم نفسه متهيئًا للوقوف. فسارع يوسف إلى مساعدته 
ونفض ما علق بثيابه من الشعر الذي تساقط أثناء التشذيب. 

وقف الحكيم وقال: هيا نتمشى قليلاً في هذا المسرب. 

سارا في طريق تحف به أشجار وأعشاب ونباتات شوكيّة) وفي 
الأعالي» يرفرف سرب من الطيور. سارا كصديقين. بسط له الحكيم 
بساط الألفة. وأشعره بالطمانينة, فأحبّه وأحب هذه اليرّهة الروحية 
في بساتين الرب الواسعة. 

قال الحكيم, والشفق يؤذن باقتراب المغيب: لقد علمت شيا 
عن الطاقة التي وهبك الله إيَاهاء والتي مكنتك من القفز في المهواء 
وإنقاذ الغزال. 

ثم انحنى, والتقط حجرًاء وناوله ليوسف: ارم يا بني. هذا 
الحجر على تلك الصخرة بقوة وعزم. 
بقوّة وعزم, وما إن اصطدم الحجر بالصخرة؛ حتى اندلع من الصخرة 
الشرار الناري. 

قال الحكيم: في قلب الحجارة يا بني» تكمن نار. والنار التي 
تسكنك هي ذاهًا الطاقة التي تسكن الأشياء في هذا الكون. 


0م20 


وعبّأ صدره بالهواء الذي هب فجأة, وأضاف: لا أريد 
التحدث الآن في هذا الأمر. لكنني, من حيث البدأء أحببت أن 
أطمندك: فالطاقة هبة من رب العالمين» فكيف نوجهها لما هو نافع لا 
للا هو ضار؟ 

ظل يوسف صاممّء كانا قد قطعا شوطًا لا بأس به في المشي. 
وعند ذلك, استدار الحكيم وقال: هيا لنعد قبل أن يحل الظلام. 


سينا 


عندما وصلا البيت الريفي, كان الظلام قد حل وكان الخدم 
قد علّقوا القناديل في الخارج. وأضاءوا الفوانيس في الداخل. 

ساحة المدخل مضاءة. عادت الطيور إلى مبييهاء. وكذلك 
الماعز. وحده الغزال كان في الساحة واقفاء يقف وحيدًا منكّسًا 
رأسه. معبّرًا عن قلقه بحفر الأرض بظلفه. 

ما إن دخل برفقة الحكيم. حتى هش الغزال؛ وبدا عليه 
الانشراح والفرح والسرور. ومشى دون إبطاء نحو صاحبه؛ وتمسح 


به بلطف وعذوبة. 


مسح يوسف على ظهره بباطن كفه. كما لو أنه يقول: لن 
أنساك, ولن أتركك وحيدًا بعد الآن. 


2003 


ونظر الحكيم إلى المشهد بحنو ورأفة» ومد كفه ووضعها على 
رأس الغزال» كما لو أنه يباركه, ثم أشار إلى الخدم الذين وقفوا 
احترامًا وتبجيلاً وقال لهم: أكرموا هذا الضيف اللطيف. 

قال يوسف: سأبقى مع الغزال قليلاً يا سيدي. 


أجابه الحكيم: ننتظرك لتناول العشاءء فلا تتأخر. 


يننا 


تمشى, والغزال يتمشى ويدور حوله. 

يا هذا المعلّم الذي يخفف من الإحساس بالغربة» ويخفف ما 
عانيت من بعد المسافة ووحشة الطريق! 

يا صديقي "ذا القرنين"؛ مثلك أنا غريب. منلك وحيد. ولم 
أعتد على الحياة في هذه البقعة بعد. لعلك تشتق إلى البراري 
وأسوار وبازار وبيت ذي معمار تملوكي فيه بمنانة وأحمد آغاء وإلى 
قصر صغير له شرفة تطل على البحر. وسيدة جميلة ومؤنمة وطيبة 
القلب. ووصيفة خلاسية يفيض من عينيها الحنان. 

يا صديقي "ذا القرنين". ابق معي ولنكن صديقين فعلاً في هذه 
الغربة, فأنا أشعر بدفء قلبك, ولعلك تشعر بدفء قلبي. 


تعال لتشد أزريء. وأشد أزرك, لأشكو لك وأبوح بآلامي, 
وتبوح لي بحنينك. 

يا صديقي "ذا القرنين", لك قلب إنسان ولي قلب غزال. 

لك ذكريات لا أعرفهاء ولي ذكريات لا تعرفني. 

لك بصحبتي السلام, ولي بصحبتك المسرة. 

فجأة. أطلت المشرفة على المزل. شاهدها هوء وشاهدها 
الغزال ورنا إليها. 

كانت تلبس الساري. وتلف شعرها بغطاء أحمر, وتبدو من 
خلال الضوء الساطع المندلق من الممر حيوية وشابّة وجميلة ومهفهفة 
الخصر. 

إنها تلك المرأة التي استقبلته بثياب العمل لدى وصوله. كيف 
م ينتبه لجمالها الأخَاذ؟ لعل التعب ووعاء السفر غيّبا عنه الوعي يمذا 
السحر. توجّهت وكلمته بلغتها النديّة, وعندما لم يفهم, كلمته بلغة 
الإشارة؛ ففهم ألهم ينتظرونه لتناول العشاء. 


## د 


في غرفة الطعام مائدتان: مائدة للنباتيين» ومائدة أخحرى لمن 
يأكلون اللحوم. حتى على المائدة, تتعايش معتقدات وعادات 
وطبقات وتقاليد. يجلس على المائدة رجال ذوو شأنء ونساخون 
وخدم, مائدة الطعام النباي يسودها الشدوى. ومائدة الطعام الأخرى 
تشتعل بالفلفل الحار والتوابل والكاري وسلطة الريتا وصواني لحم 
الضأن والطيور. 

الحكيم المعلّم يتوسط مائدة الخضار والنباتات؛ تصطف فيها 
خضار ورقية من السبانخ والزهرة والبقول اخليّة والرز المطبوخ على 
الخضار. 

كان يوسف يجلس على مائدة الطعاه التي تشتعل بالفلفل الخار. 

كان الجميع يأكلون ويتحدثون, يتناولون الطعام بأياديهم. 
وكان المرق يسيل حتى أكواعهم. 

أكل يوسف كما يأكلون. لدغت فمه ولسانه قرون الفلمل. 
دمعت عيناة من رائحة الكاري. ومع ذلك. أكل بنهم؛ فقدكان 
جائعًاء وعندما يجوع, لا يستطيع أن يفكر أو يتأمل. 

كان يني ظهره خو الطعام, لذا. عندما شبع ورفع رأسه انتبه 
إلى وجود المرأة ذاهَا تجلس على الطاولة المقابلة. حالما التقت عيناه 


بعينيها, غضّت بصرها وانحنت على طعامها, وكان غطاء رأسها 
الأحمر يغطي رأسها بإحكام. 

لعلها كانت تراقبه وهو يأكل بنهم. لعله أكل كذئب جائع. 
لعلّها استهجنت طريقته في الأكل. أية صورة رسمتها له في خياها؟ 

كانت تنحني على صحنهاء وبين الآونة والأخرى, ترفع رأسها 
وتنظر نظرة خاطفة, وعندما تراه ينظر إليها. تغض بصرهاء وتلهمفت 
إلى جهة أخرى. 

حدّث نفسه: أيها الجتي الساكن في قلبي, أما آن لك أن تغض 
البصر؟ أما آن لك أن تدرك أن عشرة النساء صعبة, وأن العشق 


الجنوني مرتعه وخيم؟! 


انتهى العشاء. وكان يتعيّن على الجميع تنظيف المكان وغسل 
الصحون, والعودة إلى عملهم. ومن لم يكن له عملء يتريّض في 
الحديقة الخلفية, أو يذهب إلى مهجعه. 


وفي الحديقة الخلفية, وجدوا مأوى للغزال» وخزّنوا حمولة 
الجمال من الجلود. 


كانت جلودًا نظيفة. ومعالجة, ومعدّة للامتعمال. 


كانت رقاعًا للنسخ, ينسخون عليها المخطوط المعد لإرساله إلى 
الدول والأقاليم. 

في تلك الليلة» اجتمع يوسف مع الحكيم بحضور بعض 
مساعديه. وتم تكليفه بشغل الرقش والتزيين لمفحات مخطوط باللغة 
الفرنسية, وكان موجهًا لقائد الجيوش الفرنسية الذي ذاع صيته: 


نابليون بونابرت. 


248 


الفصل الخامس والعشرون 

عكف يوسف على تزيين مخطوط (الشرق حكمة ومحبة 
وسلام). بتزيين حوافه ومتنه. وزخرفته. 

ابتكر وغق نقوشًا مستوحاة ثما تختزنه ذاكرته. وثما هو مسكون 
في وعيه من تجريد مطلق. وحدس روحي. وصيغ جمالية حفظها عن 
ظهر قلب. تزين جدران المساجد, وبوابات القصور. وسور المصحف 
الشريف. 

ابتكر صيفًا هندسية؛ فمزج بين المثلغات والمربعات, وصنع 
نجومًا ثانية, ومتواليات ذات سحرء وأضاف عليها رمورًا طبيعية من 
خلال التشجبر بأوراق نباتية وورود وزهور. 

منح رقوشه أبعادًا روحية. وعلى امعداد الكتاب بترجمته 
الفرنسية. ظل يتكر وينمّق ويستبطن شفافية الشعرء وتجليات 
الصوفية. 

حول رقشه إلى رموز ودلالات وصلاة وتبتل وتجويد وصوت 
أذان, وجلال المساجد. والكنائس» والمعايد. 

أدخل الخط العربي برقة ولين داخل رسومه. لندمج. كما 
يِل بحكمة النص المكتوب, وللإيحاء بالتنوع. ولقاء الأرض 
بالسماء. والشرق بالغرب. 


2049 


وعن الأكل والشرب والنوم العميق, وتوّحد مع جوهر الفكرة 
والرسالة, وأدخل نفسه في مساحة التأمّل الروحي. 

وعمل في المحواء الطلق: هناك, حيث كان يمارس الحكيم المعلم 
رياضته الروحية. هناك في الأعالي. قريبّا من السماء والطبيعة, 
مصطحبًا معه غزاله الجميل العاقل الذي لا يشاكس ولاا يشير 
الضوضاء. كما لو أنه تحلّى بالحكمة التي تظلل الفضاء. 


م يحسب الزمن, ولم يعد الأيام. 


اشتغل في هذا البيت الريفي دون أن يفكر بشيء غير عمله. 
كان يصحو ويستحم, ثم يدخل المطبخ, فيشرب حليبه المسباحيء 
ويتناول حبات من التمر. 

لم يلتق في المطبخ بالمرأة التي أثارت خياله. وعندما سأل عنهاء 
قالوا له إنها ذهبت إلى أضنة لشراء تموين البيت, وحاجياته. وبعد 
ذلك. لم يعد يأبه لغيابها. 

كان يلقي نظرة على ذي القرنين قبل أن يبدأ العمل. يطعمه 
بيده ويسقيه. وبمسح فروته الناعمة, ويمنحه بعض الدفء والحنو. 

وعندما قرر أن يرسم في الخلاء. راق مزاجه, وتحسّن رقشه. 
ودخلت الحكمة صدره. 


ج ‏ ل# المع 


مر الوقت الطويل وهو يرافق الكاغد والجلود والمداد والقلم 
والألوان, واستعان بخبير من طاقم الحكيم لمساعدته في عملية تثبيت 
الألوان وتذهيب الأطراف. وعندما أفى كل شيء. حان وقلت 
نقشه وزيّنه بألوان مذهّبة ليعبر عن الجوهر المكنون في متن الكتاب» 
وقام بتجليده وربط صفحاته, وأخاطها بتناسق ومهنيّة. 

وقد حان الوقت في فهاية المطاف ليعرض عمله ويطلع الحكيم 
على إنجازه. 

تحدد الموعد. وكان عليه أن بمثل أمام لجنة من أعضاء فريق 
الترجمة ورسم الخطوط وخبراء الأحبار والألوان والرقش. 

لف يوسف الكتاب بقماش من المخمل الأحمر. وتوجّه إلى قاعة 
الاجتماع. 

قاعة صغيرة مفروشة بأثاث بسيط. تتوسطها طاولة عليها 

وفي طريقه إلى القاعة حاملاً المخطوط؛ لمح عن بُعد. المرأة ذات 
الساري الأخضر والشال الشفاف الأحمر منهمكة في الحديث مع 
واحدة من الخدم. 

توقف قليلاً. فانتبهت إيه. التقت عيناهماء فتركت محدثههاء 


هزت له رأسها بالتحية,» وبدت بشوشة ويانعة كعروق النعنع. 


012561 


أشارت إلى باب القاعة, ودعته للدخول. كان لها دور بي هذا 
المحفل. 

دخل وفي أعماقه قيب وقلق. 

الحكيم يتصدر القاعة, وحوله أربعة رجال من ذوي الشأن. 

طرح السلام. فاستقبله الحكيم باحترام؛ ونظر إليه الآخرون 
نظرة تفحص لا تخلو من الشك. 

نزع قماش المخمل عن الكتاب, وثبّته على الحامل الخشبيء 
ونظر إليهم يتفخص بدوره وجوههم. التي لم تكن تشي بشيء. 

عرض في البداية نه في التجليد. وشرح شيئًا عن الأسلوب 
الذي اتبعه في التخريم والحبك, وما استعمله من الصمغ الطبيعي 
والغراء. وطريقة تجهيز كسوة الغفلاف الذي زيّنه بالزخرف 

بدا على الوجوه الاهتمام, وصارت الأنظار مشدودة إلى 
زخرف الغلاف الذي يوائم مضمون الكتاب ويعبر عن جوهره. 

وبدأ هؤلاء المحكمون يتبادلون نظرات الاستحسان بين 
بعضهم. وصارت نظراقم تنم عن دهشة. أمّا الحكيم». ققد كان 
مستغرقًا في تأمل ما يراه. 


252 


ثم أخذ يقلّب الصفحات, ويشير إلى الترويق في زوايا المونء 
ويشرح دلالة كل رقشة وتعبيرها عن سمو ما كتب فيها من كلام, 
وما فعله من رقش ونقش وتوشيح وتوريق وتشجير وزخارف 
هندسية أعطت باء ورونقا لكل صفحة. وعبأت الفراغ بشكل 
مدروسء. ومنحت الألوان للمتصفح متعة بصرية وجمالية, وزادها 
التذهيب سحراء خصوصا أن الرسوم راعت تناغم الخط مع المساحة 
والحركة والإيقاع. 

عمّ الذهول القاعة, وخرج المحكمون عن صمتهم. وأطلقوا 
كلمات الإعجاب. وأثنواء بحماسة. على هذا العمل الذي حوّل 
الكتاب إلى تحفة فكريّة فنيّة تليق بخزائن الملوك؛ ويعرٌ نظير مسن 
صنعها. 


تنفس يوسف بعمق., ونظر إليهم غير مصذق هذا الإطناب في 
المديح. وبحث عن المرأة, فوجدها تقف خلفهم. وعندما وقع بصره 
عليهاء أرسلت له من عينيها ومن يدها المخضبة بالحتاء تلويحة رضى 


وإعجاب وأكثر. 


ربت الحكيم على كتفه مباركًا هذا العمل المكتملء وشكره. 
وطلب منه أن يختم جهده بصنع حافظة وصندوق موشّى بقمساش 
الحرير. لحفظ كتاب الحكمة هذا ونقله إلى من يمستحق الاطلاع 
عليه. 


وأضاف الحكيم وهو يشير إلى المرأة: وستساعدك (فيديا) في 


عوااكه 


نظر إليها. ها هو يعرف اسمهاء فافترّت شفتاها عن ابتسامة, 
وهرّت رأسها مرحبّة. 

لم يدر لأول وهلة ما يقوله لنفسه. وعندما اختلى بالحكيم, 
قال: ولكن يا سيدي, كيف أتفاهم معها وهي لا تتقن لغتي. وأنا لا 
أتقن لغتها. 

ابتسم الحكيم وقال: عالم المعاني العميقة يفهمه القلب. والمعرفة 
شيء ملموس. 

م يفهم ما يقصده الحكيم؛ لكنه سكت وترك الأمور تير 
على هواها. 


احتفظ الحكيم بالكتاب في خزانته. 

انشغل يوسف بالتفكير في صنع صندوق يليق بكتاب الحكمة. 

قرر أن يصممه بنفسه؛ فرسمه أولا على الورق؛ ثم رسم على 
حوافه منمنمات ليبرزها بالحفر على الخشب, وكذا الغطاء. ورأى أن 
يكون الخشب من شجر السنديان الأحمر, مبطْنًا من الداخل بقماش 
الحرير؛ وهنا يأيّ دور فيدياء ذات الساري الجميل والعينين 
الحوراوين. 

وكان لا بد له أن يعرف شيئا عن فيديا هذه. فلم هي المرأة 


التي تحظى برعاية خاصة من الحكيم؟ 


0254 


قرر أن يدخل في صحبة مع الخطاطين الذين يتعكلمون اللغفة 
التركية, وأن يعرف أكثر عن هذه الوجوه التي يراهاء وخصوصًا 
أولئك الرجال الذين يدل مظهرهم على ألهم من علية القوم. 

وكان حسين. الشاب الهندي الذي يبرع في رسم الخطوط 
الهندية, الأقرب إلى قلبه. وكان من أكثر المعجبين بما فعله يوسف من 
رقش. 

كانا بمضيان كثيرًا في نرهات مسائية بصحبة الغزال, ويتحدثان 
بالتركيّة, وكان دائم التحدث عن أسرته التي تعيش في كلكتاء وعن 
الفتاة التي يحبها. وكم كان يتشوّق ويحن للعودة إلى بلاده. 

وعندما سأله عن أولئك الرجال الذين يعملون مع الحكيم. قال 
له إنهم من مشاهير الأطباء والمهندسين والعلماء وكبار التجّار الذين 
يؤمنون بأفكاره ويسعون لنشرها وتعميمهاء وبموّلوفما. ويدعمون 
رسالته في التواد والتوحد بين مكونات الشرق الدينية والعقائدية التي 
تجمعها المساواة وامحبة ومكارم الأخلاق. وحب الحرية, ومقاومة 
الاستبداد. والقيم الروحية, وسمو التوحد بين الأرض والسماء. 
فهناك ما يجمع بين حضارات الشرق من حكمة ومعرفة وفكر وتنوير 
ونظم الحياة. 

وعندما تعززت الصداقة, حدثه كثيرًا عن رسالة الحكيم باهر 
للتقريب بين أبناء البشر. وخصوصا بين الشرق والغربء. ورسالته 
موجهة بالدرجة الأولى إلى الغرب الذي يرسل سفنه وجبوهه إلى 
الشرق الأقصى والأدئ للهيمنة على الشعوب. وخصوصًا شركة 


ا عليه جم 


255 


الهند الشرقية التي يملكها البريطانيون, والتي قيمن على أجزاء من 
البلاد. وتطلق يد القراصنة لخطف الرجال والنساء وبيعهم في أسواق 
الرقيق. 


وعندما سمع الحكيم عن الثورة الفرنسية التي أطاحت بالنظام 
الملكي, والإعلان عن النظام الجمهوري, وما تسرب من كلام عن 
إطاحة الثورة بطبقة النبلاء وحلفائهم من رجال الكنيسة, وتقسويض 
سلطاهم. وإبعاد سلطة الدين عن سلطة الدولة؛ وما تسرب أيضًا عن 
مدونة الثورة حول حقوق الإنسان؛ عند ذلك. تفاءل الحكيم بمذا 
التغييرء ورأى أنه من الممكن أن تكون علاقة الشرق بالغرب علاقة 
تحالف وحوار, لا علاقة تنافر وصدام وهيمنة. إذ يتعيّن أن تلتقي 
حكمة الشرق بالرؤى التنويرية التي يشهدها الغرب من خلال الثورة 
في فرنسا. 


ويرى الحكيم باهر أن ما يقوم به هو مساهمة جادة يتوجب أن 
تساندها جهود أخرى من مراكز التأثير في الشرق العربي. وخصوضًا 
من الأزهر الشريف. والقدس الشريف. والجامع الأموي الشريف. 
ومن حكماء مكّة والمدينة والنجف والأستانة وعلماء بلاد الشام 
والعراق وبلاد فارس. 

وقال الهندي: إن هذه الدعوة وجدت صدى واسعا في أوساط 
النخبة في عموم الهند. ومنهم هؤلاء الذين تراهم من علية القوم. وقد 
تم إعداد نسخ كثيرة من هذا الكتاب بمختلف اللغات. وهو بمنابة 
دعوة لتضافر الجهود من أجل السلام ووقف سفك الدماء, وللمحبّة 


ا 0 


256 


والمساواة والأخوة بين بني البشرء وقد استهل كتابه باقتباسات من 
القرآن الكريم ومن أحاديث للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- 
عن حق الحياة وكرامة الإنسان؛ إذ إنه (مَن قَعَلَ فسا بغَيْر نفس أو 
فَسَادٍ فِي الأرض فَكأْئَمًا قعل الثّاس جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيّاهَا فكَأَئَمًا أَضِ 
النَّاسَ جَمِيعًا). والخلق كلهم عيال الله. والناس سواسية كأسنان 
المشط. 


وني نزهة ماء سأله يوسف عن فيدياء وأن رغبته في معرفتها من 
اب حب الاستطلاع: كوفا ستكون معاونه في إعسداد صستدوق 
الكتاب. 


قال له حسين إِنه لا يعرف الكثير عنهاء لكن سمع أفها كانت 
منبوذة من قومها لأها رفضت أن تحرق نفسها مع جئة زوجها؛ فأهل 
الحند من الهندوس لا يدفنون الميت كما يفعل المسلمون والمسيحيون 
واليهود. وإنما يحرقونه ويذرون رماده أو يحتفظون بالرماد في زجاجة. 
وف العادات والتقاليد: يتعيّن على المرأة أن تحرق نفسها معه كنوع 
من الوفاء. لكتها رفضت. وعندما ترفض ال مرأة, ينبذها قومهاء 
ويعاملوفها باحتقار. وكما تعلم. فإنَ رسالة الحكيم هي حماية الحق في 
الحياة» وإله يقف إلى جانب المهمّشين والمنبوذين. وعندما لجأت إليه, 
رعاها وكرّمها وصارت جزءا من فريقه. 


اسطسنيا 


خ#ه©» له 


17ذظم2 


في المشغل الملحق بالقبو والمخصص لأعمال النجارة. عكف 
يوسف على صنع الصندوق بنفسه. ساعدة العاملون ف القص وتوفير 
أدوات الحفر على الخنشب. 

أمضى ارين في الترقيق والحفر والتركيب. وجمع أجزائه 
ولصقها بعضها بعض بالغراء, وني هار ثالث, كان الغراء قد جف» 
وصار هناك صندوق بالغ الأناقة ومتين. 

بحث عن فيدياء فوجدها في القاعة الكبيرة. 

عرض عليها الصندوق, فعبرت عيناها عن إعجاب وسرور. 

قالت كلاما بلغتها. وعندما أدركت آنتهلميفهم رمت 
بأصابعها شكل وردة. ابتسم, فأغلق يده ورفعهاء وحرر منها إصبع 
الإيمام ووجهها إليها. 

تفاهما بسرعة. تحدثا تارة بلغة الأصابع, وتارة أخرى بلغة 
العيون. 

بدأت تقيس أبعاد الصندوق شيرًا شبراء م حملعه. وقالت 
عيناها إنها ستقوم بعملها لكسوة الصندوق بقماش الحريرء وأشارت 
إلى حجر كريم يتوسط خاتًا في إصبعها بلون الزمرد, ففهم أنما 
ستكسوه بلون الخرير الأخضر. 


ثم هرّت له رأسها احترامّاء وحملت الصندوق وخرجت. 


نا نا يمنا 


258 


عندما خرجت,ء تذكر قرل الحكيم: عالم لمعا العميق يفهمه 
القلب». والمعرفة شيء ملموس. 

ابتسم. وخيل إليه أنه بدأ يتهجى شيئًا من حروف هذا العام 
العميق. 


عندما خرج إلى الساحة الخارجية, وجد أمامه صاحبيه في 
الرحلة الطويلة: الحندي المسلم. والهندي السيخي. 

استقبلهما بالأحضان. كانا عائدين في ذلك اليوم من مكان ماء 
وكانا متعبين. كانا ببحاجة للطعام والنوم. وكانا يحثان عن فيديا. 

كانت فيديا تنتظرهماء فأطلت بعد هنيهة, وأقبلت نحوهماء 
وتكلمت معهما. وقادقما إلى الداخل. وقبل أن تغيب» تلفتت غحوه. 
بدا له أها لم تلتفت هي. وإغغا تلفت قلبها. 


لديا 


© © 


259 


الفصل السادس والعشرون 

أنهت فيديا ترويق الصندوق الأنيق المصنوع من خشب الزان 
البني بقماش الحرير الأخضر. 

التقى يما في مجلس الحكيم. وصل يوسف قبلهاء ثم دخلت بعد 

كانت تلبس "الساري" بألوان زاهية ومزركشة ونقوش 
زخرفية. يلتف حول جسمها ويبرز خصرهاء ويغطي جزءا مسن 
شعرهاء وتبدو فيه نمشوقة القوام. 

كان وجهها متوردًا, فلعلها وضعت عليه بعض مساحيق 
التطرية. وكانت عيناها مكحولتين. 

وعلى جبينهاء وضعت نقطة حمراء. فزادها ذلك ألقَا ونمجة, 
ولعل الحكيم فوجى هذه الأناقة, واللباس الزاهي, وكذا يوسف. 

دخلت تحمل الصندوق بتؤدة. وبخطوات بطيئة. دخلت بكامل 
هائها. وعندما وصلت. وضعت الصندوق على الطاولة. وبيد مخضبة 
ومزيّئة بالحتاء فتحت الصندوقء. ورفعت الغطاء. 

بدا الحرير في باطن الصندوق وعلى حوافه فارماء ومنسَقاء 


ومتدرّجّء ويزهو بلونه الزمردي الساحر. 


نظر الحكيم إلى هذا م وهر رأسه إعجاباء وعمدإلى 
خزانة في مجلسه ففتحهاء وأخرج الكتاب. وحمله بخقة ولطفء 
وأسكنه الصندوق, وتأمله قليلاًء ثم أغلق الصندوق. 


نظر إليهما نظرة أب جليل القدر. وقال: لا أجد كلمات بليغة 
لأشكركما. 

وتحول إلى يوسف. وقال بالعرية: أنت يا بني» قطعت مسافات 
طويلة وتجشّمت عناء السفر. وأكرمتنا بعملك الديع الذي لا 
يضاهى. وساامت معنا في هذه الرسالة التي تدعو إلى عالم أكثر عدلاً 
ومحبة وسلامّاء فلك الشكر. 


وتحول إلى فيدياء وعلى شفتيه ابتسامة. وتحدّث معها بالهنديية, 
فضحكت واحمرّ وجههاء وأجابته بالهنديّة. ففحك الحكيم ورد 
عليهاء ثم ردت عليه بالغناء. وغتت مقطعًا من أغنية هندية. كان 
صوقا لا يقل سحرًا وعذوبة عن وسامتها ورقتها. كان يوسف يسمع 
بابهار. بعد أن أتمت غناءهاء تحوّل الحكيم إليه وترجم له: سألتها عن 
سر هذه الأناقة» وسر هذا الثوب المبهج. وهذا الوجه المرجج 
الحاجبين, والكحيل العينين» فذكرتني بأن اللينة هي ليلة عيد 
(المهولي)؛ عيد الإله الهندوسي (كريشنا). ويسمونه أيضًا عيد الألوان, 
حيث يلبسون أفخر الثياب ويتزلون إلى الشوارع للغغاء وهم 
يصبغون الساحات بالألوان. وستشهد. يا بني» هذه الليلة حفلاً 
ينظمه رفاقنا من الديانة الهندوسية في هذه المناسبة؛, وقالت إننا 


هه 82 اله 


مدعوان للحضور. نحن في تَمّعنا من الأديان والمعتقدات نتشارك في 
كل مناسباتناء ونحتفل بما تعبيرًا عن احترامنا للتنوع العظيم في الهند. 

ثم طلب منهما أن يجلسا. 

جلس يوسف ونظر إليها بعينين حنونتين؛ ونظرت إليه بعيدين 
حوراوين. التقت العيون برهة, ثم غضّت بصرها خحلا, لكن عينيها 
كانتا لغة, كانتا كلاماء وشعر بعنفقة قلب» ورعشة حنين. 

خاطبه الحكيم قائلاً: تمكث عندنا شهرًا آخر, تُعلم رفاقا 
العاملين فن التزويق والتزيين والرقش العربي الإسلامي في الصباحء» 
وأعلّمك علم الطاقة وفن الدفاع عن النفس وقت العصر. 

وأضاف مداعبًا: وربما ترغب فيديا أيضًا في تعلم فن الترويق 


العربي. 


في المساءء كانت الساحة قد رشّت بلماء» وكنستء وأضيئت 


بالمشاعل» وأشعلت في وسطها النار التي تطرد الأرواح الشريرة, 
وغصت بسكان هذا البيت الريفي. ومن يعملون به من خدم القربة 
المجاورة. 


كان في وسطها أيضًا تمثال يمثل الإله كريشنا. 


وفي إحدى الزواياء كان عازفر آلات السارود والسيتار 
والقيئارة والطبل والأجراس يلبسود 3 موحد من القمصان 
والسراويل البيضاءء وعلى صدورهم تتدلى قلائد الورود والزهور. 


وفي الركن الأعن. تصطف أوانٍ نحاسية نملوءة عياه ملونة. 


غصت القاعة بالحضور الذين يتهيأون للاحتفال بعيد الهولي: 
عيد الألوان والربيع والخصب وأمنيات الحصاد الوافر 


وعندما دخل الحكيم والرجال ذوو الشأن ويوسف. وجلسوا 
على المفارش المزيّنة بدأ الحفل؛ فعلى أنغام الموسيقى. دخلت النساء 
العاملات؛ الأولى تسوق عدرة سوداء مزيّئة بقماش يكسو ظهرهاء 
ووجهها ملوّن بالمساحيق. الثانية دخلت تسوق حمارًا على ظهره 
بردعة فاقعة اللون. وحول عينيه مساحيق من شت الألوان. الثالفة 
دخلت تسوق خروفًا لطّخت فروته البيضاء بألوان قوس قزح., ثم 
دخلت فيديا بثيابها الزاهية, وطلتها الساحرة. تسوق غزال يوسفء 
وقد لون قرناه ورُضعت في عنقه قلادة. 

كان يوسف يراقب. وأسعده أن فيديا تعتني بالغزال. ولعل 


ذلك رسالة ذات مغزى. 


وكان الحضور يصفقون لمرأى الحيوانات التي أفلتت وصارت 
جزءًا من المشهد. 


له الجمهور. وفهم يوسف أله يقدم فيديا لتبدأ الغناء. 


7“ © © 


264 


عزفت الآلات. وصدحت الموسيقى يايقاعات صقل الروح. 
ومن أمام تمثال كريشناء غتّت فيديا أغنية قال الحكيم إها تستمد 
عذوبتها من المطلق الروحاني, وملأ صوقا الفضاء وسط صمت فيه 
خشوع. 

لم يفهم يوسف كلمات الأغنية. لكته قارفا بأناشيد الأذكار 
الصوفية. 

وعندما انتهت الأغنية: صفق الجميع: وتبادلوا التهابي. 
ثم دعا فيديا لللزول إلى الحلبة. 

أشارت فيديا للفرقة الموميقية للكف عن العزف, وتقدم أحد 
الخدم وقدّم لها صينية عليها مساحيق الألوان. تناولتها وتقدمت مسن 
الحكيم ومن يجلس حوله. طلبت منهم أن يغمسوا أكفهم باللون 
الذي يروق همء وكان الحكيم أول من غمس يده باللون البرتقاليء 
وتبعه يوسف والرجال ذوو الشأن. ثم أعادت الصينية إلى الخادمة, 
وأشارت إلى فرقة الموسيقى لمعاودة العزف. وأعلنت. كما تبيّن» عن 
افتتاح حفلة التراشق بالألوان. وعندهاء هجم الجميع على الأوان 
وأخذوا يلطّخون وجوههم وملابسهم. 

عزفت الفرقة هذه المرة موسيقى ترويض الجسد ذات الإيقفاع 
العالي» فبدأات فيديا الغناء وهي ترقص وتتلوى على الإيقاع وتبدو 


265 


النقطة الحمراء على جبينهاء فوق حاجبيهاء مثل نجمة عنيدة» والتحق 
يما الحضور, وهم يرشون الياه الملونة بعضهم على بعضء وتحوّل 
الحفل إلى مهرجان للبهجة والفرح وأقصى درجات المرح. 

ولم يبقّ أحد خارج الحلبة» فقد شارك الحكيم في الرقص 
الرشيق وبدا نشيطًا وحيويًا كما لو كان شابًا في العشرين؛ وتبعه 
يوسف والرجال الآخرون, وأثناء ذلك, اقتربت فيديا من يوسف 
الذي يتعثر في تنقيل خطواته. وأمسكت يده برقة وعلّمته كيف ينقل 
خطواته حسب إيقاع الموسيقى: وكيف يهز كتفيه وذراعيه. وعندما 
أمسكت بكفه. اختلطت ألوان كفها بكفه. وأحسء. وهو تمسك 
بكفها والدماء الحارة تسري في عروقهاء كأله يمسك عصفورًا ينبض 
ف يدة, 

أحس بما. أحس برسائل الود التي ترسلها إليهه. باللمسات 
الرقيقة. والنظرات العميقة. 

كان يخشى من هذه المغامرة. كان عليه أن يفكر أكثرء وأن 
يتصرف بحكمة, فلماذا تلاحقه نزوة المغامرة أينما ذهبء وحيئما 
حل؟! 


طال الرقص ولمرح والتراشق بالألوان. وجنون ترويض 
الجسد. وصخب الموسيقى. 


هم 0ه سر 


20066 


انتهت الحفلة في وقت متأخر من الليل. شعر يوسف بالإفاك, 
وبدأ الجمع ينسحبء وعاد الحكيم إلى مهجعه. وكذايوسفء 
والرجال ذوو الشأن. وعندما وصل غرفته. ارتمى على سريره ونام 
دون أن يتناول عشاءه. 


أفاق متأخرًا. قام يقضي شؤونه ويغتسل. استبدل ثيابه. اليوم, 
ليس لديه ما يعمله. مشط شعره. وشذب لحيته الخفيفة» وبدت له 
بعض الشعيرات البيضاء التي تندس بين شعره. ها هو يقعقرب من 
الثلاثين دون أن يشعر أن الزمن يحضي بسرعة. 

رأى أن عليه اليوم أن يخرج للترهة وحده. كان بحاجة لوقفة, 
للحظات تأمّل» ليعقد اجتماعًا مع نفسه, ليتذكر أحبابه الذين يغيبون 
عن ذاكرته. فماذا حل يمم؟ أحسّ بحنين لوالده أحمد آغاء وأمّه يمنانة. 

أحس بشوق جارف للسيدة في ذلك القصر الصغير وشرفته 
المطلة على بحر يافا. أحس بحنين لوجه العيطموس وعينيها ودفء 
روحهاء وحنين لبناتًا الجميلات؛ ولأسرار الخلاسية وغمازتيها على 
الخدين. 

خرج إلى التلة العالية التي تحاذيها الأحراش وتطل على الججبال 
وآخر المدى. 


جم اع« هد 


7ؤ0م20 


كان مسكونًا بما تسلل إلى قلبه من حكمة ذلك الحكيم المعلم 
ومن أحاديثه في الفلسفة والروحانيات, برمالة امحبة, وتوححّد الشرق. 
والتوق إلى الحريّة والمساواة والحريّة بين بني البشر حيثما كانوا. 

شعر أن كل ما في داخله يتحرّك. وأن الزمن يعدقق ويندفع 
مثل الشلال. لم يعد يشعر أن الحياة راكدة, وأحس أنه يتعيّن عليه أن 
يكون حياته معنى. وأن يتعلم من حركة الحياة أكثر. 

عاد سالكًا الطريق ذاته. كان هواء لطيف يرسل نسيمه في 
الجو. وعندما اقترب من الصخرة, رأى الحكيم جالسًا وإلى جانبه 
فيديا والغزال. 

عندما وصل. توقف وطرح السلام. 

كان الحكيم يبدو مبتهجًا. وكانت فيديا تداعب الغزال الذي 
وقف مستكيًا. وكانت تلبس ملابس العمل. وكانت النقطة الجمراء 
لا تزال على جبينها. 

قال له الحكيم مداعبًا: شاهدناك عندما خرجت من باب 
الإقامة. فلم نرد إيقافك وحرمانك من نزهة تحتاجها. 

وأضاف: وفيديا رأت أن غزالك حزين, ربما لألك ل تعد تعتني 
بى فاصطحبته في نزهة. 

ثم أشار له بالجلوس, فجلس. 


0 


268 


تحوّل الحكيم من حديث الهزل إلى حديث الجدء وقال: يا بني, 
كان يتوجب عليك هذا الصباح أن تعطي رفاقك في العمل درسًا في 
فن الرقش العربي الإسلامي كما اتفقناء وقد وجّهت اللوم إلى فيديا 
لأنها لم توقظك باكرء وتتدبر الأمر. 

وصمت لحظات, ثم نظر إلى فيديا: فيديا تقوم بتتظيم كل 
شؤون الدار الكبيرة؛ شؤون النوم والميشة., وشؤون العمل. 
واستقبال قوافلنا التي تنقل المعرفة. 

وقال الحكيم: وحان الآن موعدك ف العلاج بالطاقة. 

أجابه يوسف: ها أنا بين يديك. 

كان الغزال يلتقط الحشائش. ويدور برشاقة هنا وهناك. 
وكانت فيديا ترعاه ولا تبعد نظرها عنه. 

أشار الحكيم إلى فيدياء وقال: انظر إلى النقطة الحمراء على 
جبين فيديا. 

نظر إلى تلك النقطة الحمراء التي تتوسط جبينها. ولعل فيديا 
التي لم تكن تفهم ما يقولانه ارتبكت عندما رأت يوسف ينظر إليها 
بكل جرأة. 

قال الحكيم: هناء عند تلك النقطة. مفتاح الطاقة. 


03 يد ا 


269 


قال الحكيم: اهدأ قليلاً. وتخيّل أن لك عينا الشة فوق 
حاجبيك. وأثناء ذلك تنفس يهدوء. 

- ركز وانظر في أعماقك من عينك الثالثة. 

مرت لحظات صمت. فقال الحكيم: لا تشغل عقلك بالتفكير 
بالشوائب. اترك عقلك يفكر بطاقتك الداخلية» وبتلك القوّة التي 
تَكّنك من فعل كل ما هو خارق. ابحث عنها. انظر إليها من عينك 
الثالفة, من النقطة الجمراء التي تضعها الحسناء على جبينها, أي فوق 
حاجبيها. من هناك مفتاح الطاقة الكامنة في داخلك. جده واعثر 
عليه وستشعر بنوع من السخونة. ستشعر بدبيب نمل يسري على 
جسدك. ستحس أن جسدك يتضخم. 

وصمت الحكيم. وتعلقت عينا فيديا بوجه يوسف. ومرّ وقت 
طويل ارتجف به يوسف وعبرت جسده قشعريرة. 

فجأة. قال الحكيم: قف. وبكل هدوى افتح عينيك. 

فتح عينيه وقد احمرّ وجهه. ومرّت لحظات صمت عاد خلانلها 
يوسف إلى وضعه الطبيعي. 

سأله ١‏ لحكيم: لقد و صلت إلى معرفة مركز طاقت قعك التي 
ستتحكم بما. وستتمكن من ذلك بعد استكمال مجموعة من التمارين. 


ننا ‏ الا 


2000م 


عليك أن تتدرّب على هذا التمرين اليوم وغدًا وبعد غد. وبعدهاء 
ننتقل إلى تمارين جديدة في السفس والتامّل. 
دخل يرسف في حالة صمت وهدوى. وأحس أن عضلاته 


وضع الحكيم يده على رأسه. ومرر كفه على شعره وقال: 
الطاقة قوّة موجودة داخل الحجارة والأشجار والحيوانات والطيور 
والإنسان؛ قوّة مغناطيسية داخل الإنسان مرتبطة بالدماغ, أي 
بالعقل, أي بالتفكير. طاقة يمكن بالعقل السليم؛ والرياضة الفكرية 
والروحية أن ننقيها من الشوائب, من مظاهر العدوان. ومن مظاهر 
الكذب والنفاق والاعتلال. ومن الزمن الرتيب. علم الطاقة هو علم 
البحث عن المعان العميقة, علم تحويل الإنسان إلى كائن نزيه. علم 
الطاقة يرتبط بالتأمل والحكمة؛ وفي التفكر بعالم تنتفي منه الخطايا. 
اسمع صوتك الداخلي يا بني؛ فثمة أشياء مغلقة يجب أن تفتحهاء غمة 
نوافذ يتعيّن أن تفتح لتدخل منها الشمسء ثمة ما يجب عمله ليمتلسئ 
القلب بكل ما هو روحيء وثمة أشياء فارغة في دواخلنا يجسب أن 
غلأها بالحكمة. 


اه ب# اس 


271 


الفصل السابع والعشرون 

بدأت دروس الرقش في غرفة المعمل. 

كان المتدرّبون ثلاثة. أحدهم صديقه حسين الذي يتقن اللفة 
التركية, والذي يقوم بمهمة الترجمة. 

في اليوم الأول. لم تشارك فيديا. في اليوم الأول. وضع يوسف 
الإطار العام لدروس فن الرقش العربي. 

نشر على الطاولة أقلاه الفحم: والمسطرة والفرجار والمتتثء, 
وأقلام القصب البراة, وزجاجات الحبرء ومعجون الألوان المستخرجة 
من الزهور, وأدوات الحفر والنقش, وقطع الصدف والعاج؛ وبعض 
الأحجار الكريمة. 

بدأ في التعريف بمذا الفن وتاريخه. وتحدث عن رسم الأشكال 
المندسية المصحوبة بالخط العربي. واستحضار التوريق, أي الأشكال 
الباتية؛ وارتباط ذلك برؤية الفنان المسلم لطبيعة المكان الثقاففة 
ودلالات المطلق الزماي. 

وتحددث عن تزيين البيوت والقصور والمساجد, وكيفية إبراز 
جماليات الزخرف والرسوم والخط والتعشيق والنقش والتطعيم. 

كما حدثهم عن المواد المساندة للرقش, مثل الصدف والخشب 
والمعادن والأصباغ, والذهب. 


20213 


وبدأ في تعليمهم رسم الأشكال الهندسية, من متواليات هندسية 
تصنع المثلثات والنجوم وأشكالاً مخروطية وتكوينات فنية أخرى. من 
زخارف وزينة يستبطن فيها الفنان المسلم روحانية تمجحّد عظمة 
الخالق. 

كان صباحًا مفعمًا بالفرح. وكان المشاركون يقبلون بحماسة 
على المتابعة والتعلم. وكان صديقه حسين يترجم من التركية بطلاقة. 

في اليوم الثاي, جاءت فيدياء واستمعت إلى الشرح. وشاهدت 
يوسف وهو يرسمء ويستعمل أدوات الرسم, ويلوّن رسومه بشكل 
رشيق وجميل. 

عندما انتهى الدرسء» وقفت ووقف معها صديقه حسين. لم 
تتكلم؛ وإنما تكلم حسين: طلبت مني فيديا أن أخبرك أنها ترغب في 
تعلّم لغتك العربية. 

ممح يوسف يديه بالمنشفة: وابتسم. وأبدى اهتماما. 

خاطبها مباشرة بالتركية: ولماذا تم بتعلّمها؟ 

ضحكت ضحكة خجولة: وأجابت» فترجم حسين: تقول إلها 
أحبتها وأنت تتكلّمهاء ولأنها سترافق الحكيم في رحلته إلى بلاد الشام 

نظر إلى عينيها. كم يحب هذا البياض! كميحب هلين 
البؤبؤوين! 


وكانت النقطة الحمراء لا تزال مطبوعة على جبينها. 


د عد د 
في المساء. ذهب إلى خلوة التأمّل. 


هناك يتوحد الحكيم مع الطبيعة, ويستغرق في التأمّل» وينشد 
عميقا النمو الروحي. والصحة النفسية. 
هناك, في بساتين الله الواسعة, بعد التمارين الروحية للطاقة. 


وني لحظات صفاء, كان الحكيم يتكلم ويجيب عن أسئلة يوسف: 


الهند. يا بني, فيها تنوّع ديني وثقاني. وهي مهد حضارات» 
وطريق التجارة منذ أقدم الأزمنة. وظهرت فيها أديان قديمة, وجاءت 
إليها أديان سماوية؛ ففيها الهندوسية والبوذية واججاينية والسيخية 
والزرادشتية والإسلام والمسيحية واليهودية. تتعايش فيها هذه الأديان 
والمعتقدات منذ آلاف السنين. تتالف أحياناء وتتصارع أحيانًا أخرى. 
والمشكلة ليست في الدين أو المعتقد, المشكلة في الفقهاء والرههان 
والقائمين على بعض العابد المتشددين والمتعصبين الذين يعتبرون 
أنفسهم ممثلي الرب على الأرض. 

وحدئت في تاريخ الهند محاولة لدمج كل هذه الأديان بدين 
جديد., هو مزيج من تلك الديانات. وقام يذه المغامرة الملك المغولي 
جلال الدين أكبرء الذي كان أميّا حين استلم الحكم؛ لكنهأحب 


لل مد نا 


275 


الفلاسفة والرسامين والخطاطين. وجمع في بلاطه فلاسفة ينتمون إلى 
كل الديانات الندية. 


كان أكبر مسلمًا يميل إلى التصوّف. ورغم ذلك, أعجب با في 
العقائد الأخرى من فكرء وتأثر بالمناقشات التي كانت تدور في قصره 
بين العلماء والمفكرين من شتى التوجهات, فقرر أن يؤسس ديا 
جديدًا يوحَّد الهند, وسقى هذا الدين (الدين الإغهي). وكان مزيًا من 
كل ديانات الهند. وفرضه بالقرّة. لكن هذا الدين لم يعمّر طويلاً 


فانتهى بوفاته. وبعد ذلك. عاد أتباع هذا الدين إلى دياناقم. 


نحن مثلكم يا بني, نعتقد أنه لا إكراه في الدين» ولذلك؛ ندعو 
إلى التعايش بين الأديان, سواء كانت سماوية أو وضعية» ففي كل 
منها حكم وعدل ومساواة وحرية وسلام ومحبة وأخلاق وتنويرء 
وهذا التسوع يشري احياة, ويغني الثقافة» ويبعث على الإعجاب., 


ويغري بالتأمّل. 


نحن ندعو إلى التعايش وابة بين أبناء هذا الشرق الغني بتراثه 
وتاريخه الحضاري والإنسان من جهة؛ وندعو إلى أن يعود الغرب إلى 
رشده. ويكف عن غزو الشرق واضطهاده والهيمنة على خيراته, 
ومعاملة هذا الشرق معاملة السادة للعبيد. 


الغرب, يا بني. فقد رشده. في الغرب مفككرون وفلاسفة 
تنويريون, لكن هذا التنوير متخصص همء لهم وحدهمء وليس لشعوب 


2/6 


الشرق. ونحن نريد أن نبعث رسائل لهذا الغربء لعله يعود إلى 


رشده. هل فهمت يا بني؟ 


كان يوسف يستمع ويعي ويعجب بكلام الحكيم المعلم. 
شيشا 

فار كان رائقا ونظيقًا في الصباح, اتسخ في المساء. 

بينما كان يكتب لفيديا الحروف الأبجدية العربية, ويعلّمها 
كيف تنطق كل حرف بوجود المترجم حسين. جاء أحد الخدم ونقل 
النبأ الذي عكر كل شيء: الغزال يتمدد في الساحة جتّة هامدة. 

وقع النبأ وقوع صاعقة وكارثة وهرّة أرضية. 

توقف كل شيء. وهب يوسف واقفاء وتبعته فيدياء وربما 

في الساحة. كان الغزال ممدَدًاء والزبد يملأ شدقيه. قرناه مفل 
جذدع شجرة يابسة, وعيناه مفتوحتان على ألم. 

قالت فيديا ما مفاده أله لم يمت؛ فجسده يرتعد, وهذا يعني أنه 


لم عمت. 


الحنى يوسف وحمله ونقله إلى الظل, وأحسّ أن قليه مازال 


اعد © *<*« 


217 


قالت فيديا ما ترجه حسين بأنْ هناك حشرة معروفة تلسع 
الدواب لسعات ثميتة قد تكون لسعته. وأن لديها الدواء. 

كان يوسف مهزورًا. وتعطل تفكيرة. وأرتج عليه فلم يستطع 
أن يقول شيئًا. 

تركته فيديا يحرن على طريقته الخاصة. ومضت إلى الداخل. 
وانشغل عنه. ش 
بداخلها. 

حقنت الغزال بالدواء, ثم بشت في جسد الغزال؛ ووجدت 
مكان اللسعة المنتفخ. وجرحته بالسكين. وانحنت تمتص الدم الفاسد 
وتبصقه, ثم ضمّدت الجرح. وطلبت من يومف أن يدخل الغزال إلى 
غرفة في الداخل. 


صار مرض الغزال موضوع الساعة. انتبه سكان البيت الكبير 
إلى وجود كائن لطيف يشاركهم السكن. توقف النسخ والنقش 
والرقش والطبخ والغسيل والتأمّل. 


صلى أتباع الديانات جميعًا من أجل شفائه. 


© © جه 


كان يوسف يراقبه وهو ينام على فرش من التبن الطري. كما 

كان الغزال يسند رأسه على التبن ويغمض عينيه, كان قرناه 

عينا فيديا تذرفان» وقلب يوسف يذرف. والحكيم الذي كان 
اللحظة قد أنسنت هذا الكائن في تلك اللحظة. 

دخل المنديّان -رفيقا السفر- إلى الغرفة, أحدهماء السيخي. 
كان خبيرًا بالبيطرة, دخل ومعه قارورة دوا ودون أن يستأذن, 
ركع على ر كبتيه. ودهن جمم الغزال بمعجون بلون الحليب» دهن 
رأسه وفروته وقوائمه., م دلك الفروة بلطف وخفة. وبعد أن أفى 
عمله. رفع رأسه وطلب دثارًا ليغطيه. 

خلعت فيديا شالها وقامت بنفسها بتغطية الغزال الغائب عن 
الوعي. غطته برفق وحنو. 


وقف السيخي. التقط أنفاسه وقال: أرجو أن تذهبوا إلى 
مهاجعكم وتتركوا هذا الفتى ينام. اتركوا المحواء النقي يدخل إليه. 
ودعوا شمس الصباح تمنحه دفنًا مثل دفء قلوبكم هذا الغزال ابن 
الطبيعة والبراري والغابات, وهناك؛ لا يوجد أطبّاء. هناكك. تمبحه 


الطبيعة مناعة. وفي الصباح, سأحمله إلى البراري. وسترون النتيجة. 
اتركوا لي العناية يمذا الفتى, واذهبوا الآن الى غرف نومكم. 

ربت الحكيم المعلّم على كتف يوسف. وهمس له: هيًا. 

أمسكت فيديا بيد يوسف بلطف بكلتا يديها. كما لو أنتها 
ترجوه, ثم سحتهما بلطف. خرج طلبته من الخطاطين. خرج الحكيم 
وخرج يوسفء وبقي الهنديان. 


في الليل؛ رأى يوسف فيما يرى النانم. أو خيّل إليه أن الغزال 
استيقظ عفيّ ونبت له جناحان, وطار في الفضاء مثلما تطبر النسور. 
وني طريقه. طوى المسافات؛ ومرّ على بلاد الشام. ورفرف فوق 
أسوار يافاء وحط في باحة قصر له شرفة نطل على بحر وشاطئ وسماء 
صافية, ومكث هنيهة عند روح وريحان وجنة نعيم. فأطلّت عليه من 
النوافذ عيون الحور العين. وجرت من تحته الأغار. وهبت عليه نسائم 
من برتقال وليمون. وأطلّت وصيفة ولوّحت له باليد. ومن ورائها 
سيدة أطعمته اللوز بالسكرء و“قلته السلام السليم الأرق من 
النسيم. وبعدهاء فرد جناحيه ورفرف مصحوبًا بالسلامة؛ وعاد 
ليطوي المسافات طيّاء وفي طريقه. حط في غابة؛ وفي الغابة؛ رأى 
غزالة» فأدركه الشوق والحنين, فذهب إليها ومشى معها إلى نبع ماء؛ 
شربت وشربء واقترب منها واقتربت منه. تعانقا بك كل منهما 
رقبته برقبة الآخر ثم وقفا وجها لوجه ينظر كل منهما للآخر؛ تنظر 
إلى قرنيه كما تنظر ملكة إلى تاج ملك وينظر إلى عينيها فتلتمع 


هت عم 


10ظ20 


مقلتاه بالبريق كما تلتمع عيناها. مشت ودعته أن يساكنها الغابة. 
خلع جناحيه واختار البقاء معها. 

استيقظ دون أن يدري: أهو حلم الذي خيّل إليه في االمام؟ أم 
أن عقله الباطن نسج حكاية وأدارها في خَلّده؟ أيرغب حقًا في دفع 
الغزال إلى الغابة ليعيش في بيئته ويجد قطيعًا ينضم إليه؟! 

ولماذا جعل الغزال يطير إلى بلاد الشام ويحط رحاله في يافا؟ 
ولماذا استحضر السيدة ووصيفتهاء واستحضر الروح والريحان وجنة 
النعيم؟ ولماذا أطعمته اللوز والسكر. وحمّلته سلامًا أرق من النسيم؟ 

أيكون ذلك إشارة حنين للعودة إلى يافا؛ ولأيامها وطقسها 
وتضاريسها وبحرهاء وعشقها. وقلائد بناها وأساور نسائهاء ويمار 
أسواقها. وتنوّع معمارهاء وحنينه إلى السيدة وبناقًا والحكاياالتي 
تطرد الألم والسأم؟ 

هل يشعر في لاوعيه بالعزلة مثل غزاله؟ ومثل غزاله يمحن إلى 
قطيع؛ بل مثل عصافير الفضاء يحن إلى سرب؟ 


##« ع د 


في مساء اليوم التالي. أفاق الغزال من سباته. حمله النديّان - 
رفيقا السفر- إلى الغابة, وتحت شمس ربيعية: تركاه يأخذ قسطًا مسن 
نقاهة. 

ولحقت بمما فيديا. ووضعت يدها على جسم الغزال لتمدحه 


شيئا من طاقتها. 


281 


في اليوم الذي يليه. وقف على قوائمه ومشى خطواته بتعفر. 
وني اليوم التالي مشى بصلابة» وأخذه يوسف معه إلى جلسة التأمل 
ورياضة الطاقة. 

ثم صار المنديان يعنيان به. وقد حاز ذلك على رضاه؛ لأئه لا 
يريد أن يكون الغزال عائقًا أمام رحيله من هذا البيت الكبير. 

كان قد قطع شوطًا كبيرًا في الرياضة الروحية والتحكم 
بالطاقة, وكان عليه أن ينتهي منهاء فلقد حان الوقت الذي يتعيّن فيه 
أن يعود إلى دمشق ويافاء فلن يأبه بتهديد الإنكشارية والوالي. 

سيعود لأن البلاد طلبت أهلهاء ولأئه لا بد من يافاء وإن طال 
السفر. 


اخ »© هه 


الفصل الثامن والعشرون 

في التأمل والتدريب. يعود الحكيم شابّاءٍ يلقي قميصه جاتباء 
ويبقى بالصديريء. والسروال الفضفاض الذي يشده إلى جسده حزام 
عريض. 

يرفع رأسه عاليًا وينظر إلى السماء. 

ثم يلعفت إلى يوسف». ويقول له بصرامة: ارفع رأسك وثد 
ظهرك, واعتدل. 

يستجيب يوسف ويشد ظهره: ويجلس قبالة الحكيم. 

هكذا كانت تبدأ تمارين الطاقة والتنفس. هكذا كانت الأمور 
تأخذ منحاها الجدّي. 

وكان يقول: الطاقة كامنة في الإنسان. وتستطيع؛ من خلال 
التمارين, أن تتحكم بماء وأن تستخرجها من أجل تحسسين حياتك 
وصحتك ومزاجك. وأن تطوّرها للمحافظة على شبابك. 

وهكذا كان يقول: التأمل والنظر من خلال العين الثالئة تنشيط 
لفكرك وتثقيف لعقلك. 

ويقول: تعلّم أساليب التنفس وإطلاق الشهيق والزفير. 

علمه التمارين النوعية, تمارين الاستلقاء على الظهر. وتمارين 
مد الرجلين وفرد الذراعين. وشد عضلات اللبطن. وشد عضلات 
القدمين والذراعين وعلّمه فن الاسترخاء. وعلّمه فن القفز في الهواء 


2 


003 


عن طريق شحن الطاقة المغناطيسية في الجسم بنفس شحنات 
مغناطيسية الأرض لإحداث تنافر يؤدي للتخلّص قليلاً من الجاذبية. 


وعندما أهى تدريبات الطاقة والتنفسء علمه فنون الدفاع عن 
النفس. 


درّبه على إرسال الطاقة إلى رؤوس الأصابع لتتحول إلى صلابة 


وعلّمه فنون القتال بالسيف والخنجر والعصا والسوطء وفن 
حركات السرعة؛ الحركات الخاطفة وشل العدوء. وإفقاده طاقهه. 
والضغط على نقاط ضعفه. 

لم يكن شيخًا هذا الذي يعلّمه. بل كان شخصًا آخر يتمع 
بالحيوية والرشاقة والقوة الخارقة. 

لم يعد يفكر بعد شفاء الغزال بالتعلق بالمرأة والساري الذي 
تلبسه, والنقطة الحمراء على جبينها. 

التمارين والتأمل وتطوير الطاقة والتحكم بما غمرت قلبه 
بالهدوء والسكينة, وشوقه للعودة إلى يافا عبأ مساحة الرغبة والمراودة 
ف أحاسيسه تجاه المرأة وجاذبيتها. 

حتى الغزال؛ تركه في رعاية رفاق السفر, ولم يعد يرغب في 
التعلق به. 


شين 5 


284 


كان السفر يلح عليه. وكان ينوي مفاتحة الحكيم المعلّم كمذه 
الرغبة» قبل أن توقظه فيديا من النوم ذات ليلة لمقابلة الحكيم على 


كان الحكيم المعلم في غرفته يجلس على البساط ينكبّ على 
قراءة الرسائل. رسائل وصلته للتو. 

كان وجهه متجهما. بل مكفهرا. واصل الحكيم تدقيق النظر 
في أوراق البريد. وبعد صمت. قال: نابليون الفرنسي احتل مصر منذ 
أشهر, وهو يتوجه الآن إلى إيالات فلسطين ووصل قضاء يافا. 

وقع الخبر عليه مثل سقوط جدار. 

- حروب نابليون انتقلت من غزو دول الغرب إلى غعزو 
الشرق. 

- وربما يحل كل شواطئ شرق المتوسط ليصل إلى الأستانة. 

كان يوسف لا يزال مذهولاً. لم تعد ساقاه تحملانه. فجلس 
على البساط بصعوبة. 

نظر إليه الحكيم. وقال: تحكم بطاقتك. يتعيّن أن يكون عقلك 
سليمًا لتفكر معي, فأنت ابن تلك البلاد وعليك أنت أن تدلني. 

كانت فيديا تنتظر قرب الباب. خاطبها الحكيم فغابت برهة من 
الزمن, ثم عادت وبصحبتها ثلّة من الرجال ذوي الشأن. 


اقه اضه ‏ ف 


285 


جلسوا على الفرش المخاط بالمساند, وبدأ الحكيم يتحدث معهم 
بلغتهم, بينما يوسف يستمع. وجرى نقاش طويل ويوسف يستمع. 
وتوصلواء كما بداء إلى اتفاق. ويوسف ينظر ويستمع وتدور في 

وانتبه الحكيم إلى أن يوسف لم يشارك, وأئه لم يفهم. فتوجّه إليه 
بالكلام: تحدثنا في أمور تتعلق بغزو نابليون وتأثيره على رسالتنا. 
وأجمع الرفاق على أن نذهب للالتقاء به. ونقدم له كتابناء ونذكره 

قال ذلك والتفت إلى الرجال؛ وتكلم. ثم دخلت فيديا تحمل 
المندوق. صندوق خشب الزان البني» المرقشء والمزوّق. وعليه 
الحفر على شكل مثلئات ونجوم. 

تعلّقت عينا يوسف بالصندوق, ثم لما فتحه الحكيم تعلّقت عيناه 
بالبطانة الحريرية؛ ثم لما رفع الحكيم الكتاب. تعلّقت عيناه بالغلاف. 

تمنى في تلك اللحظة أن يحتضن الكتاب ويفتحه صفحة صفحة, 
ويعاود تأمّله رسمة رسمة؛ وترويقة تزويقة؛ ونجمة نجمة. 

## د 
أجمعوا أمرهم؛ وفي الصباح, كانت هم ضوضاء. 
جماهم تبرك في الساحة مئقلة بالأجمال؛ ومتاع يحمّل بالعربات, 


رجال وخدم بين غاد ورائح. 


2 ة©» عه 


256 


حوذي الجمال يغتي, وحوذي العربة يردد وأيمن بنظر إلى كبد 
السماء. وأيسر يطلب من الخدم شد الهمة. 


القافلة صارت جاهزة للتحرّك, والحكيم وصحبه من الرجال 
ذوي الشأن لم يظهروا بعد. 

كانوا منشغلين في النقاش, فانسل يوسف من بينهم ومضى إلى 
غرفته. وحمل المخلاة وحقيبة ملابسه الخفيفة التي كان قد أعدها ليلة 
أمس . 

حملها وهبط إلى الساحة. وجد أمامه ضوضاء وهرجًا ومرجّالء 
وكانت فيديا تراقب التجهيزات عن كثب ومعها الهفنديان رفيقا 
السفر وراعيا الغزال. 

عندما شاهدته: أقبلت عليه. وأمرت إحدى الخادمات بتسلم 
حقيبته إلا أنه تشبث بالحقيبة» بل ومشى بما إلى الخارج. ذهلت 
المرأة واستنجدت بالهنديين اللذين لححقا به. 


لم يتعوقف يوسف», وواصل سيرة. ودون أن يلوي على شيى. 
قال لهما: أبلغا الحكيم أنني سأذهب إلى أضنة؛ وأعود إلى يافا عن 
طريق البحر. 

وقفا مشُدوهين. ومن خحلفهما. وقفت فيديا ف حالة من 
الذهول. مشى إلى المنحدر الذي يفضي إلى القرية القريبة. 


اتخذ طريقه بين الصخور والأشواك, وكان يقفز أحياناء ويمارس 
طقوس التحرر من جاذبية الأرض ويركب الريح ويطوي المسافات. 


> © هه« 


57م 


صار بعيدًا. اختفى وسط الأراضي والصخور الصمّاء. وعندما 
صارت الحقيبة عبئاء ألقاها جانبًا وواصل الرحلة. 


نينا 


من أضنة, توجّه إلى الميناء الذي لا يبعد كثيرًا. اكترى عربة 
أوصلته إلى منطقة بوتاش, حيث المراكب التي تنقل البضائع. 

كانت معظم المراكب تتوجه إلى بحر إيجة. غيّرت مسارها لأن 
الأساطيل الفرنسية والبريطانية والروسية تجوب ضفاف شرق 
المترسط. كانت موانئ يافا وعكا مناطق حرب. 

نام على الرصيف ليالي عدة. كان الميناء مكتظًا بأناس من بلاد 
الشام انقطعت بهم السبل. 


وجاء الفرج عندما تطوّع زورق صيد لنقله ونقل الآخرين إلى 
ميناء اللاذقية لقاء أجر بسيط. 


من اللاذقية» أكمل رحلته في زورق آخر إلى ببسيروت. ومن 
بيروت. توجه جنوبًا نحو جبل عامل. ومن جبل عامل الى إصبع 
الجليل. ومن هناك, توجه نحو عكا مشيًا على الأقدام. كانت أصوات 
المدافع تملأ الفضاء. وكان سكان القرى التي يمر منها يحذرونه مسن 
الاقتراب من عكا. وقالوا له إن نابليون قد احتل يافاء وارتكب مجازر 


دموية, وإن حامية يافا قد استسلمت». وإن جنودها. وعددهم أربعة 


288 


آلاف. قد أعدموا بالرصاص والسلاح الأبيض, وإن الجحثث تراكمت 
على رمال الشاطئ, فانتشر وباء الطاعون. وهجرها معظم أهلها. 

وطلبوا منه أخذ الحيطة والحذر, لأن جنود الجنرال كليبر. 
مساعد نابليون. ينتشرون في القرى امحيطة بعكاء ويغيرون عليهاء 
ويصادرون القمح والطحين والماشية. 


وسمع أيضًا عن استبسال حاكم عكا في الدفاع عن المدينة» وأن 
جنودًا من الجيش العثمابي يتبعون للقائد الشجاع كوشك حسين باشا 
يقاتلون بشجاعة خلف خطوط الفرنسيين الغزاة. 

كل خبر تسبب بندبة في روحه. كل خبر جعله يسخن ويتحوّل 
إلى سفود من الغضب. وكل خبر اعتصر قلبه وحوّل أصابعه إلى 
مشطين من الحديد. 


فكر في يمنانة وأحمد آغا. فكر في الناس والبازار. وفكر في 
العيطموس وأسرار. وفكر في الأسوار والقلعة والأسواق. وفكر في 
كل من يقلق عليهم. 

كان يبحث عن طريق سالك إلى يافا. أرشده سكان القرى إلى 
طريق قريب من قلقيلية: لكن عليه أن يكون حذرًا. 

قطع طرقًا ضيقة من بين الجبال» وطرقًا وعرة في المنحدرات. 
نام ليلتين في الخلاء. وأكل البقول البرية عندما نفدت زوادته. 


وعند اقتراب الغروب» وصل تلة قريبة من قرية عرّون. 


فنا ١0‏ يا 


9ؤم 


كان هناك تجمع كبير من الرجال الذين يحملون الطبنبجات 
والخناجر ويلبسون ملابس قروية؛ ويعتمرون الطواقي والحطات 
البيضاءء فتوجّه إليهم. 

هبط من المرتفع ثلاثة رجال, وطلبوا منه التوقف. 

توقف, فسألوه من أين أتى وإلى أين يذهب؟ 

أجاب عن مؤالهم, فسمحوا له بالتقدم. 


كانوا من المجاهدين الذين يقطعون الطريق على الجيش الفرنسي 
المتوجه لاحتلال نابلس. 

طلب أن ينضم إليهم, فتشاور كبيرهم مع من حوله. فتوافقوا 
على قبوله. 

عرف في وقت لاحق ألهم من قرى بني صعب التي تضم عزون 
وقرى أخرى. وعرف أن هذه الليلة ستشهد معركة فاصلة مع جيش 
نابليوت. 

سألوه عن خبراته في القتال» فأخبرهم عن التمارين التي تعلمها 
على يد الحكيم المعلم؛ تمارين القتال بالسيف والخنجر والعصا 
والسوط. والاشتباك مع العدو باليد, وفن الحركات الخاطفة وثل 
العدو وإفقاده طاقته, والضغط على نقاط ضعفه فرع كبيرهم 
خنجره عن وسطه وقدمه له. 


00م 


لم يكن هؤلاء الرجال مدربين على قتال الجيوش. لكتّهم كانوا 
يريدون إنزال الهزيمة بيش نابليون المتوجه إلى مدينة نابلس. ككانوا 
يعتلكون الشجاعة ورباطة الجأش. وكانوا يحملون الأسلحة البيضاء 
والعصي, وقلّة منهم كانوا يمتلكون الطبنجات. 

قال وجيه القوم وقائدهم عابد إِنْ فرقة الجيش الفرنسي تعسكر 
في وادي عرّون, وإلهم ينتظرون حلول الظلام ليدأوا هجومهم. 
فالليل أخفى للويل. 
حطين التي انتصر فيها صلاح الدين الأيوبي على الصليبيين» وإد هذه 
الفزعة من عرّون والقرى المجاورة ستقسّم إلى قوة ميسرة وقوّة ميمنة, 
وقوة في الوسط. وكل القوى تنقضّ في الوقت المناسب على العدو. 

عندما اشتدت حلكة الليل. تحركوا. وتحرّك يوسف معهم. 
كانوا يتسابقون للوصول إلى قمّة الوادي,. وهناك كمنوا ينتظرون 
إشارة كبيرهم. 

كان عابد يمتلك ذكاء فطريًا. وكان توقيت الهجوم ينم عن 
هذا الذكاء الفطري. 

عامل يوسف كما يعامل الفلاحون ضيوفهمء فالضيف يكرم 
ويعرز. ولذلك اصطفاه ليكون مع الوجهاء الذين لهم العقد والعزم. 


نصبوا كمائنهم فوق الجبل» وانتظروا الإشارة. 


كان المعسكر مكشوفاء. وكانوا يشعلون النار للإضاءة؛ وكانوا 
ينتظرون وجبة العشاء. 

بذكائه الفطري. قال لمن حوله: منفاجئهم وقت تناول الطعام. 

وقال: سأطلق النار من هذه الطبنجة على أول ضابط يقدمون 
له الطعام, فلا بد أن يكون هو قائدهم, فإذا قتلنا القائند. تدب 
الفوضى وهجم عليهم ونحن على قلب رجل واحد. 

مر الوقت بطيئاء ويوسف يراقب خيام المعسكرء والجبود. 
ببنادقهم الطويلة المركبة عليها مُدىء كانوا يلبسون ملابس الجسيش» 
ويعتمرون قبّعات مزيّنة بشريط أجمر. 

أخيراء حان وقت وجبة الطعام. نشروا صناديق الذخيرة على 
شكل مقاعد وطاولات, وجاء كبار الضباط إلى المكان الذي تضيئه 
نار الحطب» وتوزعوا على المقاعد. وتصدر أحدهم الجلسة وعنتلما 
قدّم الجنود القائمون على الطبخ طبق الحساء الأول للضابط المتصدر 
الجلسة, قام الوجيه عابد بتسديد الطبنجة نحوه وضغط على الزنادء 
فأصابه في رأسه. وانقلب على ظهره والدم يغطي وجهه. 


وبدا المشهد كما هو متوقع؛ حدث ذعر وارتاك. وحاول 
الآخرون النجاة بأنفسهم. وقبل أن يولوا الأدبارء كانوا من الميمسة 
والميسرة قد هبطوا المنحدر ووصلوا إلى المعسكر, أما قوّة الجباح 
الأوسط. فقد هبطوا خفافا ليكملوا على قادة الفرقة, وكان أولهم 
يوسف, الذي وصل بقفزة واحدة, وتحكم في طاقته. وتحولت أصابعه 


0 


إلى صلابة الحديد. وأعمل فيهم ضربًا بحركات خاطفة:؛ فشل 
قدراتهم, وأفقدهم توازنهم. وضغط على نقاط ضعفهم. واأكمل 
الرجال بعصيّهم وخناجرهم على من تبقى. 

سمع دوي طلقات قليلة؛ لم يمكن الفلاحون الجنود من استعمال 
بنادقهم, غير أن قوَة المدفعية في النطاق العالي من المعسكر أطلقفت 
بعض القذائف. وكان عددهم قليلاً فاندفع يوسف إليها. ركز 
وشحن جسده بطاقة مغناطيسية تعادل القوّة المغناطيسية للأرض» 
فانفلت من الجاذبية» وبقفزة واحدة كان في أعلى الجبلء وأعمل 
بأصابع يده الحديدية توجيه الطعنات إلى الجنود الذين يتهيأون لتلقيم 
المدفع. وبقفزة أخرى. أجهز على آخرين» وولى من تبقى الأدبار. 

وانتقلت عدوى الهروب للجنود الذين فقدوا قادتم. وماإن 
انتصف الليل؛ حتى كان أهالي عزون من بني صعب قد سيطروا على 
الموقف وألحقوا لهزيمة بالفرقة العسكرية. 


> هم ع 


003 


الفصل التاسح والعشرون 

كانت هزيمة مدويّة للجيش الفرنسي الغازي؛ أبدى بما 
المقاومون شجاعة: ونبغ فيها يوسف. طبّقت أخبارها الآفاق, وتغنى 
كما الشعراء الشعبيون. 

وصار الرواة يرووفا ف اجالس والمضافات على نغمئمات 
الربابة. 

وذاع صيت يوسف وبسالته. وسجت عنه القصص 
والحكايات, وسمّوه في سيرهم وحكاياقم يوسف اليافاوي؛ وبعضهم 
ماه يوسف الذي يركب الريح. أما الرواة وعازفو الرباب. فقد 
أطلقوا عليه اسم: راكب الريح. وني قرى الخليل» أضافوا كلمة 
"صندلاوي": فصار "راكب الريح صندلاوي", أي راكب الريح 
جتابيء وهو يضع رجلاً فوق أخرى. دلالة على أنه في ذروة مجده 
"فوق الريح". 

بعد معركة عزّون, انضم إلى فرقة عسكريّة تابعة للقائند 
العثماي كوشك حسين باشا. 

كانت الفرقة تعمل وراء الخطوط, وتقطع الإمدادات: وهاجم 
مرابض المدافع. 

وتخصص يوسف في عمليات الإغارة على رماة المدفعية التي 


كالنمر. ويجهز عليهم بذراعيه, ويمرّقهم بأصابعه العشر. فكل إصبع 
مدية أو خنجر. 

وشارك في المعركة عندما أحدث الفرنسيون ثفرة في السورء 
واندفعوا لاقتحام المدينة» فواجههم رجال أ-قد باشا من الأمام 
وهاجمتهم جماعة القائد العثماي كوشك حسيّ باشا من الخلفء 
وكانت هزعتهم مذلة. ا 


قال الرواة: انتشر الطاعون بين جود نابليون. نقلوه معهم من 
يافا إلى عكاء وصار وباء. 

أحدث نابليون مستشفيات ميدانية لمعالجة المابين في دير 
للرهبان في حيفاء وفي مبنى السراي في قرية شما عمرو قرب الناصرة, 
ولم يكن ثم من علاج سوى الأفيون: لم يكن الأفيون علاجاء كان 
يخفف الآلام فقط. 
البيمارستانات, امتلأت الوجوه والأجساد بالدمامل والقيح. وكان 
الناس يسمعون صراخ المرضى وتأوهاقم بسبب الآلام والأوجاع. 

كان طلب نابليون من الأطباء زيادة جرعة الأفيون لمن حالتهم 
ميئوس منها من أجل التخلص منهم. 


مرّ شهران دون أن تتعمكن مدافع نابليون من اختراق الأسوار 
ودون أن يتمكن جيشه من دخول المدينة. كانت مدافع أحمد باشا 
ترد على مدافع نابليون» وظل جنوده ومغاويره يهاجمون الأطراف. 

وني اليوم الستين للحصار. كانت خسائر القوات الفرنسية 
كبيرة. ورافق ذلك نقص في التموين والإمداد, ومرعة انتشار الوباء. 

في اليوم الحادي والستين. أشعل الفرنسيون مشاعل هائلة على 
امتداد السورء وبدأوا القصف ليلاً من جميع المدافع بلا توقف. 
وواصلوا القصف ارا وأفرغوا كل ما لديهم من قذائف وقنابل. 


أفرغوا ترسانتهم, وتوقفوا. لقد أقرّوا بالهزيعة. 
الياندياننة 
قال الرواة: 
إن الفرنسيين بدأوا في الانسحاب؛ أخلوا مواقعهم. وأغرقوا 
أملحتهم الثقيلة في البحرء وتخلصوا من جنودهم المرضى بالطاعون 
بحقنهم بجرعات كبيرة من الأفيون. وحملوا عددًا كبيرًا من الجرحى في 
رحلة العودة الشاقة إلى مصر. وإن نابليون عاد مهزومًا مغل ذئب 


جريح. 


اع اس احنى 


207 


على طول الطريق الساحلي؛ يغص الطريق بطابور من العربات 
والجنود المشاة. يسيرون وقد أفكهم التعب, كأغا يخوضون في وحول 
الحر ودبق رطوبة البحر. 
أحذيتهم بالية, وملابسهم متسخة وقليل منهم يمتلك قبعة تقيه حر 
الشمس. 

تسبقهم العربات التي تحمل قادهم. وجرحاهم. ولا يأيمون 


بابتعادها. 

البنادق على أكتافهم مثل غصن شجرة يابس, وكلّما مروا 
بقرية أو مضارب البدو. توقفوا ليتزودوا بالزاد والماءء بالحسبى أو 
بالعسنف. 

توقفوا في حيفاء وكانت العربات تنتظرهم. انتشروا على طول 
الشاطئ, بعضهم خلع ملابسه وسبح على الشاطئ ليبترد. وبعضهم 
الآخر تمدد تحت ظلال أشجار السرو والصنوبر على التلة المقابلة, 
ونام. 

كان أهالي حيفا يطلون من نوافذهم على المشهد. دون أن 
يعرفوا أن الحرب انتهت. كانت تغزوهم الهواجسء ويقتحم قلويهم 


الخوف ما يحبا لهم من هذا الزحف. 


اع هسه 


هناك على سفح جبل الكرملء كانت تحدث في الدير عملية 
إعدام لمرضى وباء الطاعون. كانوا يحقنوفهم بجمرعات عالية من 
الأفيون, دون أن يفرقوا بين من هو ميئوس منه. وبين من يتمائل 
للشفاء. كانوا في عجلة من أمرهم, ويريدون الرحيل دون إبطاء. 

غافل مريض يتمائل للشفاءء وهو أشقرء وأزرق العينين, الجنود 
والأطباء. وهرب من الموت بملابسه الرثة. قفز من النافذة. وركض 
نحو الكنيسة الملحقة بالدير. 

خبأه الرهبان وقدموا له الطعام, وعزلوه في غرفة في باحة 
خلفية» وقدمت له الراهبات المساعدة. وزودنه بمنقوع البابونج لمسح 
الجراح والصديد الذي يتر من الدمامل في جسمه. 


وعلى الشاطئ. وزعوا الطعام على الجنود الذين بدت 
وجوههم مصفرة, وبان عليهم الهزال والضعف. 


وبعد حين, اصطفوا في الطوابيرء وتقدمتهم العربات؛ وواصلوا 
السير جنوبًا بمحاذاة الشاطئ. 


في عكاء خلع يوسف ملابسه العسكرية, ولبس ثيابه المدنية» 
وركب حصانه الذي وهبه له قائد فرقة القائد كوشك حسين باشا. 


جو اط اص 


كانت عكا تشهد احتفالات النصر؛ تتجمّع الحشود عند جامع 
أحمد باشاء فيهتفون ويرقصون ويطلقون موسيقى الطبول والمزامير 
والشبّابة» ويحملون على أكتافهم الجنود الذين دافعوا عن المدينة. 

عَبَر يوسف من على أطراف ساحة الاحتفال, وخرج من بين 
المبابي ذات المعمار المملوكي والعثمابي. وهو يلقي نظرة وداع على 
الشرفات امحترقة التي لا تزال تتدلى منها نباتات الزينة., وكانت 
القنابل لا تزال تترك آثارها على أبراج السور. 

خرج من البوابة بحصانه الأبيض متين البنية؛ وعبر تلة الفخار 
التي لا تزال بها آثار السواتر الترابية ومخلفات القذائف وبقايا 
الخنادق, وأطلق لحصانه العنان متوجهًا نحو الجنوب. في الطريق إلى 
يافا. 


كانت الطرق لا تزال غير آمنة, لكته. مدفوعا بحنينه وبوصلة 
وأحبابه. 

الطريق موحش. لكن حصانه يطوي الأرض طيا. مر في قرى 
بائسة, وبطرق على جانبيها بقايا مدافع هالكة. وشظيا متسائرة, 
ودواب ميتة ينغل ف أجسادها الدود. وزمازم ماع وأحزمة رصاص. 
وأحذية بالية, وخوذ حربية وسقط متاع من مخلفات طوابير الجسيش 


الفرنسي. 


ابه اعم 


عندما وصل منطقة العتيقة في مدينة حيفا خارج أسوار المدينة 
ربط حصانه, وقرّر أن يأخذ قسطًا من الراحة. 


كان طابور الجيش المنسحب لا يزال على الشاطئ؛ وكانت 
العتيقة خالية ومليئة بالخضرة والأشجار الكثيفة. 


قلب أمره في الطريق الآمن الذي يتعيّن عليه أن يسلكه. 


ركب حصانه وسلك طريق البر. صعد إلى جل الكرمل 
بمحاذاة السورء وسلك طريق قمة عين الحايك؛ ميممًا نحو أحراش 
الجبل في جنوبه الشرقي, واخترق المسارب التي تشق غابات البلوط 
واللوز وكروم العسب. 

سلك طريقا التفافيًا لا تسلكه طوابير الجيش المنسحب. 

وف طريقه. مر على قرية وتزوّد بالخبز واللبنء وتزوّد ببرسيم 
لإطعام الخحصان. 

سلك طرقًا وعرة. وعندما استوت الأرض في منطقة مسهلية, 
وجد عند منعطف جنديين مصابين بالوباء هائمين وهاربين من الموت 
على قارعة الطريق يتسولان بملابس رثة؛ فتوقف وأعطاهما زوّادته. 
وشعر تجاههما بالأسى. 

وقال لنفسه إن المرض سيحوفما إلى هيكلين عظميين قل 
بروغ فجر يوم جديد. 


ال اج اج 


301 


الحرب هي الحرب؛ موت وأوجاع وتوحشء وأمجاد عسكرية 

كم من الدماء سالت على كوكب الأرض في تاريخ الكونء 
كل عصر أكثر وحشيّة من العصر الذي سبقه؟ وكم من مذابح 
سترتكب إلى أن يرث الرب الأرض وما عليها؟ 

خواطر كثيرة خطرت بباله وحصانه يعدو في الأرض المنبسطة, 
ويقطع المسافات: وعلى الجانبين خراب ودمار ووحشة. 

في روحه أشواق, وفي أحاسيسه حنين, وفي القلب جمرة. فيا 
ويا لسوء المنقلب! 


302 


الفصل الثلاثون 

بديع هذا الحصان, بديعة قوائمه وسابكه. بديعة جبهته 
العريضة التي تزيّنها غرّة تشق وتخترق الحواء المعاكس. بديع ذيله 
المرفوع كعامود راية. صبور هذا الحصان الرشيق الجميل, يتلاعب 
الهواء بشعر ناصيته, ولعينيه بعد نظر. وجلده نعومة وبريق. ولأذنيه 
انتصاب, ولعنقه الطويل شموخ. 

يا لهذا الرفيق الذي يؤنس الوحشة! تعب راكب السرج وهو لم 
يتعب. تعب ماسك اللجام وهو لم يتعب. فيا لعنفوانه وصلابته وقوته! 

شعر يوسف بألفة مع هذا الرفيق الصبور والرشيق. مع هذا 
الكائن الضامر الخصر. 

وصل وحصانه مشارف يافا. بدت الأسوار من بعيد والغيوم 
تحشر وتتمدد في السماء. وكان الوقت وقت الغروب. 

خفف من سرعة الحصان, وقلبه المضنى يخفق. 

افتحي لي ذراعيك يا بمنانة» وشدَني إلى صدرك يا أبتاه. 


اغفري لي يا أمَّي. ويا مدينتي المكلورمة, وياأهل بلدي 
المطاء. 


دخل بوابة المدينة. 
أبراج منهارة ثغرات وافيارات في المور, آثار القنابل وحريق 
في الأسواق والبيوت المهجورة, حفر عميقة في الشوارع, آثار دم 


جاف على الحيطان, دواب نافقة على الطرق. دجاج ضال يجول في 


و ص مر 


23203 


الحارات: قطط فقدت القدرة على المواء. وكلاب تجوس بين الأزقة 
تلهث ويدو عليها الهزال, أشجار مائلة وأعناقها مكسورة, أكوام 
نفايات يحط فوقها ذباب أسود. فوانيس إضاءة مكسّرة يشنائر 
زجاجها على قارعة الطرق, دبابير خارجة من أوكارهاء أبواب بيوت 
مخلوعة وبقايا نوافذ محترقة» روائح كريهة تنتشر في الهواء. رعب 
خفي في الحارات ينم عنه صمت ووحشة. كأن نعيق غربان ظلل 
المدينة بالسواد. كأن الأشياء تحتضر. كأنما الموت طحن المدينة 

يمشي ويمشي معه الحصان, يحترق قلبه. ويجفل الحصان في كل 
خطوة. 

المشهد يتسع على وجع. على بقايا جثث, وعلى بحر متسخ. 
سواري ولا مجاديف. وعلى أبراج سقطت من على الصخور وتنائرت 
أحجارهاء وعلى ليل شديد السواد يرخي سدوله على خوف. ويغلق 
رتاجه على فرع. 

يصل بعد لأي إلى الخارة التي تغيْرت معالمهاء وأصبحت 
مهجورة. 

يصل بعد لأي إلى بيت أحمد آغا وينانة. 


الدياددياننا 


م يكن هناك باب كي يطرقه. ولم تكن هناك حديقة. كان ركام 
يسد المدخل ولا يوحي بأن وراءه بينًا. 


جه اك 


5304 


نول عن الخضاد واعى إلى الظلمةء ودع وهر مني علد 
يديه فوق الركام بحثا عن بقايا بيت. امتلاً بالمواجسء وخيّل إليهأن 
أبويه رما يكونان جنتين تحت هذه الأنقاض. 

حبا خطوة خطوة. حبا صاعدًا إلى أعلى. علق سرواله بخشبة 
مرّقت السروال وجرحت فخذه., كاد يزلق إلى الخلف ويسقط. 
تشبّث بتراب وحصى. انتتر ومد يده إلى آخر مدى ممكن. وأمسك 
بما يشبه صخرة. صعد إلى أعلى. أصبح بإمكانه أن يطل على الجهة 
الأخرى. في الأسفل بقايا بيت أو بقايا أعمدة. لا ضوء ولا بصيص, 
عتمة مطبقة, و كابة منظر. 

اكور على انمه لجرك رحد الفسية ل لزاع تمي فيا 
يمكن أن تصل إليه يداه. خيّل إليه أن أمامه كتلاً من الث واللا 
شيء. كاد يصل إلى اليأس. أغمض عينيه وحاول أن يرى من العسين 
الثالئة. حتى العين الثالثة لم تسعفه. 

توقف دون أن يدري ما الذي يتعيّن عليه أن يفعله. وعندما 
اعتاد على العتمة. تسرب ضوء ماء غيمة تفتتت وابتعدت عن القمرء 
وصار بإمكانه أن يرى المزيد من الحطام. 


بكى وجنا على ركبتيه. جنا ونثر التراب بيديه. كأنما يريد أن 
52-7 


هل هي فاية الرحلة؟ هل انتهى كل شيء؟ 


اه مه مس 


تسلّق الركام عائدًا إلى حصانه, وعائدًا إلى المدينة المذبوحة, 
المدينة التي تتدثر بالعزلة والهواء الأسود. 


المانيينا 


أصبح الجامع الكبير أمامه. 


ترجّل عن الحصان. ومشى وعبر الباب إلى الفناء. وعلى الرغم 
من العتمة. توجه بالحدس إلى ماء المبيل, وشرب وبلل حلقه الجاف. 

صفير ريح في ساحة المسجد السماوية. كان يحفظ محصوى 
المسجد ذي المعمار العثمان عن ظهر قلب؛ يستطيع أن يحده مكان 
المزولة الشمسية. ومكان المتوضا. ومكان الحمامات, ومكان المكتبة 
فمشى نحو الرواق الأول دون عناء؛ كان يتوقع أن يجد أحدًا من 
حرس الجامع, خدم الجامع. مؤذن الجامع. شيخ الجامع وإمامه. 
فمشى دون عناء وسط هذه العتمة. كان يعرف كل عقد من العقود, 
وكل زخرف على الجدران. زخارف بآيات قرآنية أو برخارف نباتية. 
وكان يستطيع أن يصل وهو مغمض العينين إلى كل ليوان من لواوين 
الجامع. 

دخل الرواق الذي يحتوي على غرف العاملين ذات التوافط. 
التي تحيطها عقود نصف دائرية: وأطل من نوافذ الغرف ونادى 
بصوت عالء, لكن أحذا لم يجبه. 

توجّه إلى داخل المسجد. خطا بضع خطوات ونادى إن كان 
أحد هناك تردد صدى صوته بين جنبات القاعة الواسعة التي تعلوها 
قبب مزخرفة. 


306 


أضاءت ششمعة حيث يوم الإمام, وسمع صوئًا آدميًا شديد الحذر, 
ثم أقبل الضوء غوه, وعندما اقترب. انفرجت ملامح حامل الضوءع. 
وقال لمن يجلس هناك: إنه يوسف اغا يا سيدي. 

مشى نحو المنبر يسبقه الخادم: ولعله أحس بالسكينة, وشم 
رائحة الإنسان, فأقبل على شيخ الجامع وإمامه ولشم ظاهر يده. 

عانقه الشيخ وقد عرفه. وكان ضوء الشمعة يتراقص وتتراقص 
معه الظلال. 

- متى عدت يا بني؟ 

سأله الشيخ. فأجاب: منذ ساعة يا سيدنا. 

صمت الشيخ مثل صمت الأعمدة والتيجان والعقود والرخام. 

- وجدت بيتنا ركاماء ولم أجد والدي. قل لي يا سيدنا أين 
أبي؟ ألا يتردد على الجامع؟ 

بكى خادم الجامع: بكى بحرقة. وبكى الشيخ. 

غاص قلبه. بل انخلع. جف حلقه ودمعت عيناة, وأرتج عليه 
وانثالت دموعه مرارة وملوحة. وسرت الرعشات في بدنه. 

وضع الشيخ يده على رأسه وتمتم بآيات من القرآن ليرل 
السكينة عليه. 


قام الخادم وهو بمسح دموعه. وغادر المكان» م عاد بعد حين 
وهو يحمل أكوابًا محلاة من منقوع الأعشاب. 


8 فم ا« 


كان يوسف يطأطئ رأسه. بينما الشيخ يواصل تتمته. 

وعندما أفى تتمته بقراءة الفاتحة, توقف وقال: تناول الشراب 

رفع رأسه؛ وهو يحس بغصّة. وسأل: كيف مات والدي؟ 

أجاب الشيخ: مات كما مات أكثر من أربعة آلاف يافاوي 
بالقصف أو بالإعدام. صخرة الأقدار سقطت على رؤوس الجميع. 

- هل مات في قصف القنابل أم بالإعدام؟ 

قال خادم الجامع: أعطى ساري عسكر الفرنساوية الأمسان 
للجنود الذين استسلمواء وأعطى الأمان للسكان, لكنه غدر يمم 
وبالوجهاء من المدنيين؛ قتل الجنود بالرصاص والخناجر والسيوفء, 
وكذلك قتل الآغاوات والباشاوات وثمثلي الطوائف الدينية. 

قال الشيخ: صه يا رجل, صه. 

تدخل يوسف: دعه يكمل يا سيدنا. لقد وقع الفأس بالرأس 
وانتهى الأمر. 

صمت الخادم, فوجد الشيخ أنه ملزم بعكملة الكلام. 

- جمعوا الوجهاء وبدأوا عمليات الإعدام بالسيوف. وكان 
المشهد مرعبّاء فطلب عدد من الوجهاء أن يختاروا بأنفسهم طريقة 


موقم, وألاً يسمحوا للجلادين بذهم بالسيوف والخناجر. فحفر 


كل منهم قبره في الرمال, وطلبوا من الجلادين إهالة التراب عليهم. 
وكان والدك من بين من اختاروا هذه الميتة. 

اكتست ملامح يوسف بحزن وغضب. اشتعلت نار في جوفه. 
أحس بأنّه يتحول إلى سفود, وسكنه زلزال ود لو كان أمامه ما 
خطمه. وظل يستمع إلى كلام الشيخ: أما السيدة بنانة» فقد اهار 
عليها البيت وأخرجناها من بين الركام, ودفتاها في مقبرة الطابية. 

بدت عليه أعراض القرين أو ارتفاع منسوب الطاقة,. وبذل 
جهدا ليتحكّم بطاقته. أحس أنه يغيب, وأحسّ بالدوخة والمداعء 
ووجد نفسه يتمدد على سجاد المسجد, ويغمض عينيه. 

على الرغم من شح الضوء, بدا الشيخ وخادم الجامع محزونين 
وخائفين. 

مر الوقت ثقيلاً قبل أن يستيقظ يوسف من غفوته. 

استيقظ وذبالة الضوء توشك على الانطفاء. فقام وودع 
الرجلين. وخرج بمشي بتؤدة دون أن يخف الصداع. 

ركب حصانه. ومضى يخوض في زمن المدينة المر. 

مم يكن هناك من أحد, ولا حتى جنود الفرنساوية. 

كانت المدينة فارغة, لا هبوب ولا دبوب؛ لا صوت سوى 
نباح الكلاب المسعورة, وصدى ثغاء الخراف التي سيقت إلى المسالخ, 
ومأمأة العترات المذبوحة التي تسخر من العترات المسلوخة. 


هواء ساخر مسموم يحوم فوق الأمواج. وحول الجثث الملقساة 
بعضها فوق بعضء والجفث التي تتناوشها الضباع وبنات آوى. هواء 
ساخر يمل شقوق الأبواب المحطمة وتهاويف ما تفى من ماذن وأبراج 
أجراس» وفوائيس منارة مطفأة. هواء مسموع. عندما يدركه السأم, 
يارس العبث ويتلاعب بأوراق الشجر المتساقطة. 

ما الذي بقي من المدينة» وإلى أين تذهب؟ وعندما يهاجمك 
التوحخش عن بمينك» ويهاحمك عن يسارك ويهاجمك من خلفكء. 
فعلى أي جانبيك تيل؟! 


قادته قدماه وسنابك الحصان إلى ذلك القصر الصغير ذي 
الشرفة المطلة على البحر. 

كان مستنفدل فارغ الأحاسيس. ميت العراطف. كان مستلبًا 
ومصدومًا ومجوفا. 

وقف على مقربة» ووقف معه الحصان. وكانت الغيوم الرقيقة 
تسمح بمرور ضوء القمر عبرها. 


كان ذلك القصر يبدو له فارغًا وموحشا. لم يشعر برعشة. ول 
هَرهِ ذكرى. 


ما الذي أتى به إلى هذا المكان. الذي كان مكانا؟ 


5 »© 8 


ما دامت كنانة غائبة, وأحمد آغا غائباء فلمن تنادي الماذن, 
ولمن تقرع الأجراسء ولمن تورق الأشجار, ولمن ترفرف العصافيرء 
ومن تقرع الطبولء ولمن يرسم الرسامون. ويرقش الرقاشون؛ ولن 
تسرد الحكاياء ولمن يصبح الصباح, ويمسي الممساء؟ 


كان القصر الصغير يبدو له كقلعة في صحراءء قلعة مهجورة 
صامتة لها حديقة مزروعة بالرماح. 


ظل واقفاء يعتلي السرج وتأخذه التداعيات كل مأخذ, ولعل 
السأم أو التعب أدرك حصانه, فأطلق جمحمة ثم صهيلاً. 


عندهال وبعد هنيهة, أطل ضوء مراج. ضوء شحيح. لكته 
بدا وقد حجبت الغيوم ضوء القمر, مراجًا منيرًا. 


تقدم الضوء غوه. تقدّم بوجل. وعندما اقترب, ظهرت خلفه 
الوصيفة الخلاسية. 


رغم العتمة وصعوبة الرؤية. أحسّت به شت رائحته, رأته 
ببصبرتًا وليس ببصرها. سقط السراج من يدها وانطفاً. 


جثت على ركبتيها وافهارت بالبكاء. فترجّل عن حصانه, 
ومشى إليهاء فكقت عن البكاء ووقفت وعانقته. 


وفيما كانت تحضنه. شاهد من خلفها شبحًا ينتظر في الردهة. 


كفكفت الوصيفة دموعها.ء وأمسكت يده ومشى معها إلى 
الداخل. 


311 


فجأة, أضيء فانرس ذو ضوء ساطع. فاجأه الضوء فأغلق 
عينيه نصف إغماضة, ومرّ وقت قصير قبل أن يعتاد عليه. 

عندما دخل ما ظنْ أله الليوان. فتح عينيه ججَذاء فأبصر 
العيطموس. أبصرهاء ولكنها بدت بلا ملامح. 

كانت روحه إذ ذاك مطفأة, وكانت روح العيطموس. كما بدا 
له مطفأة أيضا. 

عندما وقعت عيناها عليه. أققبلت وجنت على ركبتيها وبكت 
أمامه بحرقة. 


ظل واقفًا أمامها وكأنه شخص آخر. / يدر ما يفعل. الكارثئة 
كسّرت العواطف؛, وأطاحت برعشات القلوب. 

وجد نفسه. أو وجد من كان يعتقد أنه قرين يركع قبالعهاء 
ويمسك يديهاء ويضمها إلى صدره ويقبّل رأسها. لكنها سحبت يديها 
من يديه بارتباك, وأبعدته عنها. ثم وقفت وولت هاربة إلى غرفتها. 


دع 


2 © هد 


312 


الفصل الحادي والثلاثون 
وت هاربة, ودخلت غرفتها وأغلقت الباب وراءها. 


تقدّمت الوصيفة أسرار ودمعة تغرغرت في ماآقيها, وارتجفت 
شفتاها وهي تقول: لا تترعج. السيدة لا تريد أن تنتقل العدوى 
إليك. 


فوجئ. ودخل قلبه الجرع. بحث عن مكان يجلس عليه فلم 
يا هذه الليلة الداجية! يا هذا السواد المرير! يا لهذه الأقدار 
الخشنة والحافة! 


سارعت أسرارء وجلبت ومادة سميكة فجلس عليها. كان 
الفانئورس ينوس وتخفت إضاءته. ومع ذلك. انتبه أن الليوان عار, ولا 
أثر للمقاعد الفارهة المذهّبة. 

انطفاً الفانوس. نفد زيته. فاقترحت أسرار الخروج إلى الباحة. 

في الباحة, تتناثر كراسي هنا وهناك. يبدو المكان خربّاء وخاليًا 
من نباتات الزينة. 

لاحظ ذلك على الرغم من أنه كان مهمومًا وحزيئا ومستلبًاء 
أفكار هوجاء كانت تتلاطم مثل الأمواج في ذهنه. موت ووباء 
وهواء أصفر. كل ما يدور حوله أقسى هما تتحمله المخيّلة. 

جلست أسرار أمامه تحت ضوء قمر شاحب وقد انطفاً ذلك 
البريق الذي كان يشع في وجههاء واختفت الغمازتاك. 


2000 عه 


3213 


جلسا صامتين. هي تضع يدها تحت ذقنها وتحرن على طريقتها. 
وهو يذهب بعيدًا. هو حاضر الذقن وغائب الذهن. 

قالت فجأة: انتقلت إليها العدوى منذ أسبوع. حصد الوباء 
أرواح البنات اللوايَ يعملن معنا. واحدة منهن نجت وتركتنا وذهبت 
في حال سبيلها. 

كان ينظر إليهاء ويستمع كما لو كان غائبًا عن التركيز. 

وقالت: عشنا أسوأ الأيام منذ اليوم الأول للغزو. 

صمتت ول يبد منه رد فعل, فأكملت: لم نجد من يدافع عتا. 
جنود الحامية استسلمواء فدخل جيش الفرنساوية واستباح جنوده 
وأثاث. واغتصبوا النساء. حتى نساء الحرملك. م يسلمن من 
الاغتصاب. 

هزّ رأسه. وحاول أن يستوعب كلامها. فواصلت القول: 
داشموا قصرناء قبل أن يصلوناء تناهى إلى أسماعنا صريخ واستغاثة من 
نساء البيوت امجاورة, فهربنا إلى حظيرة مواشي قريية, السيدة 
والبنات وأنا لطّخنا أجسامنا بروث البقر. ولطخنا وجوهناأيضًا 
لعجو من عمليات الاغتصاب. لكتهم لم يفطنوا لناء إذ انشغلوا 
بسرقة القطيع. 

كان قد سمع كثيرًا عن مثل هذه الأهوال؛ فظل صامنًا. ولعله 
في تلك اللحظة فقط فكر فيما يتعيّن عليه أن يفعل من أجل السيّدة. 

ثم حاولت أن تخقف عنه ما استطاعت: سرقوا كل محتويات 
القصر. ولكنّ شيئا واحدًا لم يسرق. 


5 هداعس 


314 


وصمتت, ثم أكملت: لم يمرقوا اللوحة التي رسمتها للسيدة؛ 
لأننا خبأناها في بساتين البرتقال. 


الأقدارء ولا بد من أن يتصرف كيافاوي أصيل. أيقن أن الكارئة 
سحقت الجميع: وتقضي الرجولة أن يستجمع قواه ويفعل شيئًا. 

قال لها: احكي لي عن مرض السيدة. 

قالت: المرض ينتشر في أجزاء من جسمها. ثم دمامل وشور 
تنتشر. نعالجها بالأعشاب, ونطهّر جروحها بمحلول عشبة البابونج, 

ثم بكت وشرقت بالدمع وهي تقول: لم نعد نملك مالا. نحسن 
نقتات من البقول البريّة. والسيدة لا تجد طعامًا يقري مناعتها. 

صهل الحصان في العتمة. صهل كما لو أنه يستحث صساحبه. 

مد يده إلى المخلاة, وأخرج نقودًا. ما زال يملك ما تيسّر مسن 
البارات والليرات الفضيّة والذهبية. 
فالحوانيت مغلقة. 

وقف. وضع المخلاة على كتفه. وقال: سأعود غدًا. وسنرى 
ماذا نستطيع أن نفعل. 


اج اه ود 


315 


قال ذلك ومشى نحو الحصان. وظلّت الوصيفة واقفة إلى أن 
سبعت وقع حوافر الحصان وهو يعدو وتطويه العتمة تمامًا. 
عه عاد عد 
عاد يوسف إلى الجامع الكبير. كان الشيخ وخادم الجامع 
نائمين. 
وفرك عينيه. 
- هل أفرش لك فرشة لتنام يا سيدي؟ 


أجابه: أجل, ولكن قبل ذلك. هل لديك ما يطعمني ويطعم 


حصابي؟ 
- سأتدبّر الأمر يا سيدي. 
- من أين تحصلون على الزاد؟ 
- بعض الأجاويد يحضرونه لنا ثمن تبقى من الأهالي. كما 


نشتري من بعض أصحاب الحوانيت الذين أغلقوا حوانيتهم؛ وصاروا 


- بعد صلاة الفجر. تذهب وتشتري لي خضارًا ولحومًا وزيا 
وفواكه. كمية تكفي عائلة لمدة أسبوع. 

- أنا في خدمتك يا سيدي. 

قال ذلك وأعطى الخادم النقود فأخذهاء وأسرع ليعدّ له 
فراشًا ينام عليه. 


أفاق قبل صلاة الفجر. صلَى الفجر مع الشيخ والخادم أمام 
امحراب. وطلب من الخادم أن يخفَ سريعًا للشراء, ثم حمل مخلاته 
وخرج. ركب حصانه الأبيض ويمم شطر مقبرة الطابية. 

أرشده حارس المقبرة إلى قبر يمنانة. كان مغطى بالتراب. 
وحجارة صغيرة تحيط به. 

بكى ثم تحدث إليها كما لو كانت تجالسه. بكى وقال لها: 
اغفري لي إن كنت نسيت أو أخطأت. لا ظل إلا ظلك يا أماه. 
انهضي يا سيدة الروح. افهضي يا سيدة الدفء والطيبة. ااهضي يا من 
قلبك معبد للمحبة. انهضي يا سيدة الأيائل وحوريات النجوم. 
اهضي لتنهض يافا من جديد. 

واصل حديثه. وهو يبكي تارة. ويصمت تارة, ويمرّغ وجهه 

صهل الحصان كأنه موكل بإيقاظه, فقبّل ترابما ووقف. ولوّح 
بيده تلويحة وداع. 

عاد إلى الجامع. كانت أكياس التموين جاهزة. حمّلها على 
خرج حصانه. ركب وأطلق له العنان. 


لمياندياننا 


في وضح النهارء شاهد بؤس القصر. كان محطّم الأبواب 
والنوافذ. آثار العبث والتكسير في كل الغرف التي صارت عارية. 
سرقوا التحف واللوحات والسيوف الئثمينة المعلقة للزينة. سرقوا 


317 


الأثاث الثمين. سرقوا ما ني الخزائن من ملابس. سرقوا الأساور 
والخواتم والقلائد والأحجار الكريمة. ولم يبق في القصر إلا سقط 
المتاع. 

تحوّل القصر إلى ما يشبه مغارة مهجورة. السيدة على فراشفها 
تغيب في متاهة أحزاها. وهذه المرأة الطيبة التي تمتلك قليًا من ذهب 
هي التي تفوح منها رائحة الإنسان في هذا الفراغ. 

أدخل بنفسه ما جلبه من مؤن إلى الداخل, فوقفت تنظر إليها 
نظرة يتيم؛ يتيم مكسور الخاطر. ومكسور الجناح. 

قال لها: أريد أن أرى السيدة. 

هرّت رأسها. بدت كما لو أهها تعيش في تلك اللحظة عزلتها 

أشارت له بالجلوس. تبّه إلى أفها فرشت ركنا في الصالون بما 
تبقى من سجاد وطراريح وحشايا ووسائد. فبدا الركن أنيقًا. 

ذهبت وغابت قليلاً: السيدة تبدّل ثيامماء وستأتيك بعد قليل. 

قالت ذلك. وانصرفت إلى الداخلء ربّما لتفرّغ أكياس ما 
جلبه من تموين. 

دخلت العيطموس بعد قليلء برداء أبيض. وجهها شاحبء» 

دخلت تنقل خطواقا ببطء. فخف إليها وساعدها. 

جلست على الطراحة, فأسند ظهرها بالوسادة. وقيأ للجلوس 
بجانبهاء فعاجلته بالقول: إذا كنت تودّي, فابتعد عني قليلً. 


اخ #0 اعم 


32156 


عرف أفا تخشى عليه من العدوىء, فاستجاب وجلس على بعد 
ذراعين. 

قالت: ما كنت أرغب في أن تراني في هذا الوضع. 

وقالت بعد صمت: كم افتقدتك أثناء احتلال الفرنماوية 
للمدينة. 


وأضافت, وهي تغص بالكلام: حدثت خيانة. الوالي عبد الله 
بيك كان جبائًا وقبل الاستسلام, في الوقت الذي كانت فيه فرق من 
اجنود يقاتلون ويتصدون ببسالة. قبل الاستسلام بذريعة سلامة 
الحامية والسكان. 

وقالت: لكتهم نكثوا العهد وتوحشوا في القعل. 
صرخات المغلوبين» فتحدّئت بلا توقف. وقالت وواصلت القول: أما 
كان من الأجدر أن يقضوا وهم يقاتلون بدلاً من أن يذبحوا كالتعاج. 
حتى الوالي الجبان لم يرحموه. ولم يرحموا نساءه. . تفو عليه. 


افتقدتك, لأنك أحد شجعان هذه المدينة. 


وبكت بحرقة, وهي تشرق وتغص: كنا نسمع صرخاقهم وهم 
يرتعشون تحت الذبح بالسلاح الأبيض. ذبحوهم ذبحًا يوقروا 
الرصاص. وسمحوا للوجهاء أن يختاروا طريقة موقّم. وأن يحفروا 
قبورهم بأيديهم ثم يهيلوا عليهم العراب. 

تدحّلء وقلبه المضنى يعتصرء وقال لها: كفى. كفى. ار حمي 


أجابت» وهي على شفا الافيار: ليتني أموت.. ليتني أموت . 

قال لا: قلبي موجوع. فقدت كل شيء. فقدت هنانة. فقدت 
أحهد آغا. فقدت كل شيء. 

توقفت قليلاً كأغا تحاول أن تستوعب ما قاله. ثم بدأت تلطم 
خديهال وتنتحب. 

دخلت أسرار بارتباك وعجلة. لعلها معت النحيب. وبادرت 
إلى احتضان السيدة, وإيقافهاء ونقلها إلى الغرفة. ومذها على 
السرير. وتغطيتها. 


عندما خرجت,. قالت له: إنا تمر دائمًا بحالات اكتئاب مؤقتة. 


صهل الحصان. ووصل الصهيل إلى مسامعه. فحمل مخلاته 
عجلة من أمره. وإِنْ ة ما يتعيّن عليه أن يفعله. 


ركب الحصان, وحثه على العَدُو. 


اندفع باتجاه الشاطى. باتجاه أبراج السور. هناك فوق الصخور 
المطلة على الغرب. إلى الشاطئ حيث صخرة الأميرة وميناء 
الصيادين» وحوانيت اليونانيين» وجامع البحر. 

مضى مسكونًا بجمرة نار تحرق القلب حزنًا وحنيئًا وهبًا. مضى 
مدفوعًا بحرقة وغضب ومكابدة. وأصبح يطل من عل, ومن قربء 
على المشهد. 

مشهد مفزع جعل الحصان يجفل. ويتوقف ويدور حول نفسه. 


#6 هم 


2300 


اندفعت مع الحواء رائحة الجثث. جعث تصطف بفوضى على 
امتداد الشاطئ متحللة وتطلق رائحة موت شديد السواد. 

جنث فوق جنثث. بعضها برؤوس, وبعضها الآحر من دون 
رؤوسء وبعضها بلا أطراف. جنث لا تعد. جدشث بشرية مذبوحة 
ومشوّهة. تطل على بحر فقد رونقه وتحمّدت على رماله الدماء. 

كانت جثث ملقاة على الرمال المتسخة 


تغسل الأمواج بعض القتلى في حركة اندفاعها والنمحسارها. 
وتبقى الجنث عطشى كأفا لا تستسيغ ملوحة الماءء» كأن طائرًا غخرج 
من هاماهًا ويقول: اسقوبي. 

طيور النوارس والبواشق ابتعدت عن الشاطئ؛ ولم تظهر عن 
بعد سوى البوارج الحربية. 

جفل الخصان. وظل يدور حول نفسه. ولم يعد بوسعه أن يتقدم 
خطوة واحدة. 

نزل يوسف عن حصانه. كان الهواء الأسود يحمل رائحة لا 
تطاق. كان المهواء يصفع الناصية. بل يصفع الروح., كأنه ريح 
صرصر عاتية. 

ظلت عيناه تمسحان الشاطئ؛ وتستحضران المشهد بأحاسيس 
قاسية. توجعه بلا هوادة. 

كان يبحث عن قبر في تلك الرمال؛ قبر بلا شاهد. وبلا معفة 
نخيل ينام وسط رماله أحمد آغا مثئل حبة قمح. 


321 


أدرك أنه لن يستطيع أن يعبر إلى الأمام بوصة واحدة. وكان 
الحصان يجمحم بتذمّر, فألقى نظرته الأخيرة, ثم استدار ووضع قدمه 
في ال ركاب واعتلى الحصان,. وصعد نحو مركز المدينة. 


لماندسيا 


الفصل الثاني والثلاثون 
الباب الكبير للجامع الكبير يظل مفتوحًاء باب لكل من تغلق 
في وجوههم الأبواب. 
ربط الحصان في الخارج, ودخل إلى الباحة. توجه إلى المتوضاً. 
ثم توجّه إلى حرم الجامع. 
عند باب الرواق, أقبل عليه خادم الجامع بلهفة. وأخبره أن 
ضيوفًا من الحند حلوا في الجامع ويسألون عنه. 


يكن هناك ما يثير المفاجأة والدهشة, فلا بد أن الحكيم المع 
يثير و 


قد وصل يافا. 
في غرفة شيخ الجامع, كانوا يجلسون: الحكيم واثنان من ذوي 
الشأن وفيديا. 


عندما دخل, هبوا واقفين. وسلموا عليه بحرارة. ودعاه شيخ 
الجامع للجلوس. 

كان الحكيم مكدودًا. وتبدو على ملامحه آثار تعب وإرهاقء 
ربما بسبب السفر, أو لما رآه أو سمع عنه من أهوال الحرب. ولم يد 
على الرجلين المرافقين ما يشير إلى تعب. بل إن أحدهماء وهو داكن 
البشرة. كان يبتسمء كما لو أنه يعلن عن سعادته. وأما فيديا. ققد 
كانت لا تزال بالساري الهندي, والنقطة الحمراء فوق حاجبيها تحتفظ 
بجمال وألق. 


هك ه. هه 


303 


كان شيخ الجامع قد حدّثهم عما فعله الفرنساوية في يافا. وم 
يكن ذلك معلومة جديدة عليهم؛ فقد انتشرت أخبار مذابح المديسنة 
في كل بلاد الشام. 

لذا. فحين جلس يوسف, بادره الحكيم بالقول: أنا وصحبي 
نقدم لكم المواساة والعزاء. 

نظرت إليه فيديا نظرة تعاطف. فيما ظل الرجلان صامتين. 

هر يوسف رأسه بلامبالاة, واكتفى بالصمت. 

وأضاف الحكيم: أعدنا غزالك إلى موطنه في الهند. 

لم يعلق يوسف. ولم يبد سه ما يشي إلى استحسان أو 
استهجان. عند ذلك عاد الحكيم ليصل ما انقطع من حديشه مع 
شيخ الجامع. 

وفيما كان الحكيم يشرح رسالته عن حكمة الشرق. انقغل 

لم يعد مشدودًا إلى الأحلام والرحيل والمغامرة وركوب الريح, 
م يعد يأبه بالعشق والغواية ومعاشرة النساء. خسر كل شيء. ول يعد 
ما يربطه بهذا العالم سوى لملمة جراح المدينة, وشفاء السيدة. 
استقبل الكلام للمجاملة؛ ولم يبد رأيّاء فتلفت الحكيم إليه. وقال: 


وصديقنا الكبير يوسف يدعم جهودناء ويؤمن برسالتا. 


2324 


توجهت الأنظار إليه. فصمت قليلاً ثم قال: يا سيدي, لم يعد 


هناك ما أؤمن به. 

تلقى الحكيم رده بابتسامة, فمنذ أن ترك الت الكبير» ورفض 
مرافقة القافلة, عرف الحكيم أن هذا الشاب مختلف, ويحتاج إلى كثير 

وبعد هنيهة, قال: يا سّيدي, إذا كنت حقًا تودي» فأرجوأن 
تسدي لي خدمة. 

أجابه الحكيم: لك ما تريد يا بني. 


تفحصته العيون. فقال وهو يسدد نظره على وجه الحكيم: 
هناك مريضة بوباء الطاعون تحتاج إلى علاج؛ فهل يمكن علاجها 
بالطاقة؟ 

ارتسمت الوداعة على وجه الحكيم. وقال برزانة وهدوء: 
نعالجها بالدواء والطاقة. لدى فيديا الدواء. ولدي العلاج بتعريز 
الطاقة. 


هرّت فيديا رأسهاء وأعطته إشارة بالموافقة. 

كيف فهمت ما قاله الحكيم الذي كان يتحذث بالعربية: بينما 
لم يفهم الرجلان ما يقال. 

قال ها: هل فهمت ما نقول؟ 

أخرجت من حقيبتها دفتراء ونظرت به ثم قالت: أجل. 


© م 


325 


وعلّق الحكيم قائلاً: هل نسيت أنك كتبت لها حروف الألسف 
باء؟ 

وفي الأشناى دخل خادم الجامع. وانحنى على شيخه: و همس في 
أذنه» فانفرجت أسارير الشيخ. وقال للضيوف: الغداء جاهز. 
تفضّلوا على ما قُسم. المائدة في غرفة الطعام. 

كانوا جياعا, وكانوا ضيوفا بارعين في مدالجسور مع 
الآخرين. لذ وقفوا وتوجهوا بلا حرج إلى المائدة. 


وني الطريق إلى المائدة, قال الحكيم: نذهب لعاينة المريضة بعد 
الغداء. 


في ذلك القصر الصغير الذي لا يبدو قصرًا بعد ما لحق به من 
خراب؛ حل الضيوف ومعهم يوسف. 

ظل الحكيم ويوسف في الخارج. ودخلت فيديا تحمل حقيبة 
الدواء. 

عقمت البيت من الداخل باغخاليل التي جلبتها, وعقمت يدي 
للدخول إلى ركن الجلوس. 


© © ا 


كانت تعمل ببراعة ورشاقة, وقد اكتسى وجهها بالصرامة 
واججدية. 


وكانت أسرار تقف ببلاهة. 

دخلت فيديا غرفة السيدة, وأدخلت معها حقيبتها. 

قال الحكيم: فيديا تحتاج إلى ساعة من الزمن, فهيًا نتمثشى في 
الخارج. 

ف الخارجء كان الهواء راكداء وكانت المدينة صامتة, وكان 
الوقت عصرًا. 


قال الحكيم: لا تقلق. فيديا خبيرة بالطب الشعبي. ولا تنس 
أنها كانت تعيش في منطقة كثيرة المستنقعات تتعرض دائمًا للأوبئة. 


ثم انتقل الحديث إلى الصندوق الذي يحتوي على الكتاب. 
كان يوسف يتمنى لو أنه ينسئ ذلك الكتاب إلى الأبد. لذاء 


استمع إلى الحكيم المعلم الذي يصرّ على تسليم الكتاب إلى ساري 
العسكر نابليون بونابرت, ويصر على الالتقاء به ومحادثته. 


- سيكون هذا الضابط شأن كبير في فرنساء وقد يصغي جيدًا 
لرسالتنا. 


-يا سيديء المدافع لا تجيد القراءة. 


طبطب الحكيم على كتفه. وقال: علينا ألا نفقد الأمل. 


5327 


حل الغروب» وبدات العتمة تنتشر. وعندما جاءت فيديالء 
طلبت من الحكيم أن يرافقها إلى غرفة السيدة. 


بقي يوسف ينتظر, لككن لم يطل انتظاره. فقد عادت فيديا 
وتركت الحكيم يعالج السيدة. 


وجد نفسه وحيدًا مع هذه الهندية ذات العينين الساحرتين. 

قالت بالعربية: السلام عليكم. 

قالتها بلكنة هندية, وكانت النقطة الحمراء قد اختفت بفعل 
التعقيم. 

رد السلام. وقال: شكرًا لك. 

أخر جت دفترهاء ودققت به وقالت: لا شكر على واجب. 

كانت تفهم الكلام, ولا تحسن الحديث. 

ودققت مرة أخرى في دفترهاء. وقالت: إنها سيدة جميلة. 

ابتسم وأجاب: جميلة جدًا. 

ابتسمت بدورهاء وقالت: ما تخاف. هي راح تكون مبسوطة. 

هكذا قالت دون أن تدقق في دفترها. 

وفي تلك اللحظة: انضمت إليهما أسرارء فبدأت تتحادث مع 


أسرار باللغة الهندية. 


© © خم 


يا للمفاجأة! لم يكن يخطر بباله أن أسرار تتقن تلك اللغة. 

أبدى دهشته., فقالت له أسرار: كانت معنافي الحرملك 
جاريات هنديّات؛ وتعلّمنا منهن شيئًا من هذه اللغة. 

مأنها إن كانت السيدة تتقن النديّة, فأجابت ألها تتقنها قليلاً. 

وأثناء ذلك. ظلت فيديا تنظر إليه. وعندما تقع عيناه على 
عينيهاء تسقيه من عينيها حمرًا وتطلق منهما سهما. 

لبسانديانننا 

خلال أيام قليلة, تحمّن حال السيدة. 

جفت البثور والدمامل: ونقل لها الحكيم بعضًا من طاقته:. 
ودرا على نظرية العين الثالنة. 

وتوطدت العلاقة بين فيديا والحكيم وأسرار والرجلين 
المرافقين. وصار الجميع يتصرفون كما لو كانوا من أهل البيت. 

أما السيدة فقد كان العلاج يتطلب عزها إلى حين شفائها 
تامّاء ولم يسمح لأحد بزيارقا. أما يوسف. فقد كان يفتح الباب 
ويلقي عليها نظرة عن بعد. 

صارت أسرار عمود البيت. تعد الطعام للسيدة والضيوف. 
وكانت فيديا تطعم السيدة وتعتني يا. 


3229 


وف الباحة؛ تتكلم أسرار معهم وتلاطفهم, ويبدو أن خروجها 
من عزلتها وتحسّن صحة السيدة قد أعاد لما بعض الألق: إذ أصبح 
وجهها رائقاء وعاد لغمازتيها الذكاء. 

كان يوسف يتحاشى نظرات فيديا. لم يكن في وضع يسمح له 
بسلوك طريق الغواية أو حتى التفكير بذلك. 

تحمّست حالة السيدة, وصار بالإمكان السماح لها بالخروج 
للتريّض في الليوان أو الجلوس قليلاً في الخارج لتحصل على دفقة 
هواء نقي, وحزمة همس رقيقة. 

أما فيدياء فقد حاولت مرارًا الاستفراد به والتحدث إليه. غير 
أله كان يتهرّب, وقد طلب من أسرار أن تبقى بجانبه طوال الوقست» 
غير أن أسرار كانت تتهرب لأنها كانت قد تعلقت بالرجل ذي 
السحنة الداكنة. 

كانت تحدث حكاية حب صامتة في هذا القصر العاري بين 
أسرار وذلك الرجل الأسمر الذي يعد من علية القوم. 

وذات صباح. افتقد أسرار. بحث عنها في الغرف والليوان 
وغرفة السيدة: فلم يجدها. وتبيّن أها خرجت مع صديقها الأسمر في 
نرهة خارج المكان. 

م يكن يعارض تقربها من ذلك الرجل الذي يبدو طيبًا وجادّاء 
وربما أسعده التحوّل الذي بدأ يطرأ على مزاجها وسلوكهاء ورأى أن 


مك ال 


0000 


من حقها أن تجد خيارًا يحدد مصيرها فيما لو طرأ طارئ على 
السيدة: أن تجد خيارًا غير خيار العودة إلى الحرملك. 

وذات شار حاءت أسرار لعخبره أن السكان الدين غادروا 
المدينة بعد المذبحة بدأوا يعردود إليها وأن السكان القريبين من 
القصر عادوا ينحملون فراشهم وأثائهم ويسوقون أغخامهم 
ويصطحبون أطفاهم. 

وتسنى له أن يرى البريق في عينيهاء والسحر في غمازتيها. بل 
إنه لاحظ أها تضع على خديها مساحيق خفيفة. 

تحسّنت السيدة, ودخلت ف مرحلة النقاهة. وحان الوقفت 
الذي تنعيّن فيه مغادرة الضيوف. ليواصلوا رحلتهم إلى مصر. 

أخرج الحكيم الصندوق الأنيق وبداخله الكتاب المرقشء وقال 
ليوسف: هل ترافقنا إلى مصر؟ سنلتقي بساري العسكر وهو مهزوم, 
نتحدّث معه ندا لند. 

أجابه يوسف محاولاً تخفيف حدة موقفه: لا كلام ولا صلح مع 
من ذبحوا والدي وأهل مدينتي. 

- لقد ارتكب جريمة خارجة عن مبادئ الثورة الفرنسية. هذا 
ما سنقوله له. وسنقول له أيضًا إن غزو هذه الأرض المقدسة هو غزو 
لقلب الشرق. 


331 


وصمت الحكيم قليلاً. فلعل الحكمة التي يتحلى بها اهمصرّت. 
صمت وقلّب أمره ثم قال: غزو الشرق الأدئ هو غزو للشرق كله. 
هذه البلاد تدفع تمن موقعها في قلب العالم. وتدفع تمن قداستها؛ فمنها 
انطلقت الرسالات المماويةء ولقد عبرها حكماء وحاملو قناديل 
معرفة, وعبرقها رماح وسيوف ومنجنيقات. لكن غزاقًا مضوا وعبروا 
تاركين عمائرهم أطلالاً. 

هذه المدينة تعرضت لغزوات على مدى القرون. ومذابح لا 
تحصى. وستتعرض لغزوات أخرى في القرون القادمة, طلما أن الظلم 
قائم. والقلوب موداء. إنه الغرب الظالم الذي يفقد رشده. 

يا بني» علينا أن نخاطب الغرب الذي يقسّم العالم إلى شرق 
وغرب, وقد يقسم العالم إلى تمال وجنوب, وقد يعتبر نفسه المركز 
وشعوب العالم هي الأطراف. علينا أن نخاطبهم ونتحاور معهم بلغة 
الحكمة؛ لعلّنا نلتقي معهم عند منتصف الطريق. 

يا بني» الطغاة يموتون؛ لكن الحكمة لا تموت. 


يديا 


الس اع 


332 


الفصل الثالث والثلاثون 


عاد المهجّرون. ودارت حركة الحياة. رحل الحاكم الفرنسيء 
ورحل معه الوباء. 


بسط حاكم عكا نفوذه على يافاء وأرسل السفن التي تحمل 
الأغذية والمساعدات, وأمر بتنظيف الشاطى, ودفن القتلى. 


تحوّلت المدينة إلى ورشة إصلاح وترميم. فتحت الحوانيت 
أبواهها. 


دبت حركة ف الأحياء والحارات» وفي دور العبادة والأسواق, 
وعلى الشاطئ والميناء: لكنَ خراب الأسوار والأبراج ما زال مائلاً. 

عاد يوسف لتوه من البازار بعد ترميمه. 

عاد عصرًا إلى المكان الذي كان قصرًا صغيرًا. وكانت السيدة 
قد أعادت فرش بعض غرفه وصالته الصغيرة. 

عاد متعبًا وجائعًاء وكانت أسرار بالانتظار» والسيدة التي 
شفيت تهامًا تستحم وتُعدَ نفسها للسفر. 

كان جركس باشا قد أرسل باخرة لتقلّها مع نساء حرملك 
قصر الوالي إلى الأستانة وإزمير. 


غسل وجهه. ونفض عن ثيابه الغبار. 


333 


خرجت السيدة من الحمام تلف جسدها بالمنشفة نضرة تفوح 
من شعرها رائحة الصابون الممزوج بالعطر والزيوت الطبيعية. 

عانقته بحرارة, فامتلأت حواسه برائحة ماء الورد الملمزوج 
بالعسل المنبعث من منشفتها وأكتافها وصدرها. وعندما لاحظت أن 
ثيابه متسخة., نادت أسرارء وقالت: أعدي الحمام. 

قالت له: ثيابك متسخة وعليك أن تغتسل. أريد أن أحتفظ 
بصورتك أثناء سفري وأنت في هيئة أمير. 

كانت أسرار تمر في مرحلة تحوّل. كان قلبها قد اكتشف دقاته 
عندما عرفت الحب. أمضت حياقًا تعطي ولا تأخذ. وحان الوقت 
الذي يتعيّن عليها أن تجد ما يستحق أن تأخذه من هذه الدنيا. 

رحل صديقها ذو البشرة الداكنة, وأكد ها أله سيعود. 

ورحلت فيديا والحكيم وقالا إفهما سيعودان. 

رحلوا يحملون كتاب الحكمة في صندوقه. مثلما يتحمل تجار 
طريق الحرير العطور في قواريرها. 


قالت السيدة: أريد أن أراك بثياب الأمراء. 


وغمزت أسرار بطرف عينها اليسرى, فهزّت رأسها وغاببت 
قليلاً وعادت تحمل ثوب أمير. 


طم الظد هاه 


334 


نظر إلى الملابس التي فردقًا أسرار؛ قميص موشى بخيوط ذهبية, 
قفطان واسع بلون البن. صديري وعمامة فاحرة. إنها الملابس التي 
أحضرقًا السيدة من عكا ذات يوم, والتي نسيها أو تناساهاء وبقيت 
في خزانة السيدة. 

قالت أسرار: خبّأت السيدة الملابس في المكان الذي خبّأت فيه 
اللوحة. خبّأت أشياءك ول تخبئ الجواهر والأساور. 

دخل الحمّام. فيما دخلت السيدة غرفتها لاستكمال زينتهاء 
ولحقت يما أسرار. 

الحمام ما زال دافن ما زال البخار يملا أجواءه. وتفوح رائحة 
الصابون السائل» وعند الحوض الليفة, وعلى المشلجب المنائف 
المعطرة. 

استحم بالماء الساخن, دعك جسده بالليفة. منذ زمن, لويتح 
له أن يستحم بكل هذه البذاخة. 

استحم ثم لف نفسه بالمنشفة. جفف شعره. ولبس الثياب 
الجديدة, وأطل على المرآة» ورأى نفسه بالقميص والصديري 
والسروال والعمامة غريبًا وعجيبًا. لكته قبل بما إرضاء للسيدة التي 

خرج. فكانت السيدة قد امتكملت زينتهال ولبست ثوبمفالء 
ثوب اليلك من الكشمير, ترتديه فوق قميص من التفتاء مفتوح عند 
الصدر. وأكمامه طويلة حتى الرسغ. ويلف خصرها حزام من 
الخرير. 


335 


قالت: ها أنت مغل أمير جميل. 

ضحك وقال: وأنت مغل ملكة. 

ضحكت وأجابت: أريد أن أكون مثل سيدة بيت يافاوية 

ورد عليها: وأنا أحب أن أكون شيخ شباب. ألم تقولي ذلك في 
حينها؟ 

وانتقلا إلى مائدة الطعام وكانت أسرار معهما. لقد انتهى 
وقت الإتيكيت والمظاهر, وألغيت المسافة بين السيدة والوصيفة. 
أكلوا جميعًا من قصعة واحدة طعامًا بسيطاء وانتقلوا إلى الصالة. 

قالت السيدة, بينما أسرار تعد القهوة: نريد أن نجلس مثل أيام 
زمان. تحكي لنا حكايات طريفة عن رحلتك أيها السندباد؛ للنسى 
الألم والمرض والسأم. أنا وأسرار وأنت. وها إك ترى أن أمسرار 
زيّنت المكان بالزهور. 

ودخلت أسرار تحمل اللوحة بدلاً من القهوة. 

نظر إليهاء كأنه يشاهدها لأول مرة. كأن سواه رسمها. 

يا لبذخ الألوان, وانسياب الجسدء وانسياب الثوب السلطانيء 
والقبّعة السلطانية! يا للعينين والشفتين والأنف والرقبة والأقراط 
والحذاء! 

أسندًا إلى الخائط. فقال: كنت قد وعدت بتحويلها إلى 
فسيفساىى ولا بد أن أفعل. 


ا ا ا 


0116 


أجابت: لا.. لن تكون بالفسيفساء أجمل من رسمها بروحك. 
الفسيفساء للأيقونات. وأنا لا أريد أن أكون أيقونة. أريد أن أكون 
روحًا هائمة في هذا الفضاء الفسيح. 

قالت ذلك ثم جلست على حاشية مطرزة. فجلس قريماء 
وجلست أسرار قبالتهما. 

قالت السيدة: أسرار هي الملكة. هيا أيتها الملكة. 

قالت أسرار الملكة: والآن أيها السندباد. احك لنا حكاية 
غواياتك مع النساء في ديار الغربة. وعليك الأمان. 

قهقه ضاحكاء وقال تمازحًا: هل هذا فخ؟ 

أجابت: ليس فحًا. إله البوح. ألا مهلك الشجاعة لتبوح لنا 
بأسرارك. 

اعتدل في جلسته. وبدا كأنه يقلب أمره. ثم تتحنح. وسرد 
هماء بكل صدق وخفة ورشاقة: حكايته مع ذات السن الذهبية, 
المرأة المسكونة بالشبق والجنون. فهي مثل ملكة النحل تتلذذ موت 
الرجال بين أحضافا مونًا لذيذا. حكى عن جمالها ومكرها وشياطينها 
وغوايتها. وحكى كيف صعقها وأحرقها ما بين الحلم واليقظة. بل 
القرين الشهوابي الذي يطلق طاقته النارية ويحرق خدود النساء 
على طرفه. 


عه لبه ارما 


أصغتا بانتباه» وأشعل خياليهما لهب المرأة ونارهاء وفي النهاية, 
أطلقتا ضحكات مجلجلة: وأطلقتا التعليقات المرحة. 

ثم اكتست ملامح الملكة أسرار بالمرح: وقالت: بقي أن تحدثنا 
عن المرأة ذات النقطة الحمراء التي تعلو حاجبيها. 

ضحك. وقال إن عشرة النساء صعبة, وإلهما -السيدة 
والوصيفة- ماكرتان, وتريدان جرجرته إلى متاهات. 

ثم قال: ننتقل من الهزل إلى الجد. 

وقال إِنَ القرين الذي كان يسكن جسده اشتهاها. لكنّه بعد 
أن تعالج بالطاقة» خرج القرين من جسده. واستطاع أن ينتصر عليه 
ولم يعد يشتهيهاء وإله يشعر أنها تديم النظر إليه. لكسن الأمور لا 
تتعدى ذلك. 

ضحكت السيدة وعلقت قائلة: هي تكتفي بقول الشاعر: 
منكم الحسن ومن عيني النظر. 

ضحكناء وبعد ذلك. أعلنت الملكة أن الحديث الآن سيكون 


أبديا الحماس والإعجاب, فماذا ستقول أسرار؟ 

عندما تحدئت؛ ذكركما بالحكاية التي مردقا السيدة في جلسة 
طرد الملل والسأم. حكاية إيمي التي خطفها القراصنة من البحر 
وباعوها لداي الجزائرء وأهداها الداي للسلطان, وأحبّها السلطان 
وعاشرها وأنجيت منه ولذدّاء فصارت سلطانة الشرق, وأصبح نا اسم 


©## وا 


5338 


آخرء ألا وهو السلطانة نخشديل. وهكذا صدقت نبوءة العرّاف 
عليها. أما ابنة عمها التي تبأ لها العراف بأنها ستكون ملكة الغرب 
فهي ماري روزء التي هاجرت هن جزر المارتنيك إلى باريس. وهناك, 
انغمست بالشهوات والرذيلة. وتزوجت من ضابط في الجيش» 
يومهاء وظلّت تأمل أن تتحقق نبوءة العرّاف. 
تتخيّل فاية لحكاية ماري روز؟ 
تزوجته هو نابليون بونابرت؛ تزوّجها وأطلق عليها اسمًا جديدًا هو 
(جوزفين). نابليون غادر مصر عائدًا إلى فرنساء وهذا الضابط 
الطموح إذا ما حكم فرنسا. فستصبح جوزفين» أعني ماري روزء 
ملكة فرنساء أي ملكة الغرب؛ وبذلك, تتحقق نبوءة العرّاف. 
استغرقت السيدة بالضحك. وقالت ها: ما أوسع خيالك! 
لنترك ماري روز جانبّاء وحذئينا عن الحب الذي طرق بابك. حدثينا 
عن ذلك الرجل داكن البشرة. هل سيعود إليك حقًا كما وعد؟ 
فكّرت أسرار قليلاً. وأجابت: لا يهمني إن عاد أو لم يعد. المهم 
أنه أدخل الأشواق إلى قلبي. وجعل نبضاته تدق صباحًا ومساء. 
ثم اكتسى وجهها بالجد وقالت: والآن دور السيدة في الكلام. 
تأهّبت السيدة للحديث؛ كان وجهها متورّدًاء وكانت تبدو 
مبهجة بفستان اليلك البني, وبالقميص الأبيض الموتّى يخيوط 
الذهب. دارت بمحجريها على جدران القاعة الصغيرة, الجدران 


ج اوه 


339 


المعطّلة من الزينة والتزويق. فرغم الزهور التي نثرتها أسرار هنا 
وهناكء لم تعد هناك نباتات زينة تطل من النافذة, ولا نغدمات هندسية 
تمنح القاعة جمالً. ولا كتب ومخطوطات في غرفة المكتبة, ولا 
خادمات بزي موحّدء ولا نماذج من أسلحة ودروع تزيّن الجدران. 
مسحت بعينيها الجدران, ثم نظرت إليهماء وتحدثت: رما يكون 
لقاؤنا هذا هو آخر لقاء لنا في هذا المكان. لكنني سأحفظ عن ظهر 
قلب كل أنفاس سكانه. كل لحظة فرح عشناها. كل دقة قلب 
نبضت في العروق. وماحتفظ هذه اللوحة التي رسمها يوسف بيديه 
وعينيه ورموشه وروحه الجميلة. 


سأقول ليوسف إنني أحبك من أعماق قلبي؛ وكل الدماء الستي 
تسري في شراييني تحن إليك, فأنت من أعاد لي إحساسي بالحريّة 
والأمان, وأخرجني من عتمة الأحاسيس القديمة. الليلة تقلني الباخرة 
إلى مدينتي إزمير؛ أعود إلى عائلتي بقلب أبيض ناصع, أعود امرأة 
عادية, حرّة وتمتلك حق الاختيار وتقرير مصيرها ولا تترك الأقدار 
تحدد ذلك المصير. 

ستكون أسرار معي حرة. عائلتي عائلتهاء وبيتي بينهاء وها 
الخيار في أن تقرر ما تريد. نعيش معاء نزرع الأرض معاء ونقطلف 
الثمار معًاء ونبيع الخضار والفواكه معًاء كما تفعل فلاحات يافا. 

لا أريد أن أرى وجه نخشديلء ولا أريد حماية جركس باشاء 
وأريد أن أمسح من ذاكرنيَ كل ما يمت بصلة للحرملك ودسائسه 
وعنفه وقسوته. 


20 


أريد أن أفتح صدري في فضاء تلك الجبال لأستنشق الحرية 
الصافية. 

أما أنت يا يوسف. فإنك حصان. بل مهر من أمهار السبراري» 
مهر غبر مدجن يرمح ويعدو على طريق البحث عن الحقيقة والمعرفة 
من خلال الرقش والتزيين والتوريق والتوشيح والتذهيب والترصيع 
والترجيج والعشجير والتزهير. وفي طريقه البكر, يتعراف على لذة 
المغامرة, وحسن الغواية, ويركب الريح, ويعلو.. ويعلو. 

أنت خلقت من ضلع هذه المدية, وأنت عنوان جماهها 
وأماطيرها ومخرود ذاكرقًا وترائهاء ولا عشق لك بعد الآن سوى 
عشق بحرهاء, ومآذفاء. ومعمارهاء ومنارقًا. وأسواقهاء. وأسوارهاء 
وأبراجها. وأروقة مساجدها. 

عش كمهر غير مدجّن: فأنا أيضًا أرغب في أن أكون مهرة 
متحررة من العبودية, مهرة خارجة إلى الأبد من أسواق الرقيق؛ ومن 
عبودية الحرملك. ومن أقفاص القصور. 

كان يوسف يستمع. وكان واقعًا تحت تأثير وجع الرحيل. 

كان يتوقع مثل هذه النهايات. وكان يود ألا تكون النهايات 

أطلقت باخرة في الميناء بوقها. فعرف أن الوقت قد أزف. 


كانت السيدة قد حزمت حقائبهاء وكذدلك أسرار. 


241 


كان مرتبكًا وحزيئاء لكن. يتعيّن على النهايات ألا تكون 
حزينة؛ فحاول أن يفعل ما من شأنه تخهيف وقع الأحزان والآلام على 
الجميع, فقال للسيدة ممازحًا: لي عليك دين. وحان سدادة. 
الفراق, فقالت بذكاء: له دين عليك, وعدته بقبلة لقاء أتعابه في 
رسم اللوحة. 
فالتمعت عيناها ببريق أخاذ؛ ثم ارتسست على شفتيها ابتسامة, 
وقالت: تريد أن تترك على خدّي وشها؟ 

ضحك وقهقه. وأجاب: لقد رحل القسرين. ذلك الجبي, 
وانتصرت عليه. ولن تترك شفتاي أثرًا. 

قال: لا.. ليس الخد. 


قالت السيدة: ماذا تريد. 

وقف. وسدد نظراته على اللوحة التي تزهو بألواففاء والتي 
ينساب فيها جمد السيدة بالثئوب السلطائ. ويدو فيهاالوجه 
متوردًا وساحراء ويبدو البؤبؤان سوداوين حيط هما حور شديد 
البياض؛ وقال: ألم تقولي إن كتب الحب المدديّة تمجّد قبلة الحبييب 
لصورة حبيبته. ولا أدري ماذا يسموها. 


قالت السيدة: قبلة النوايا الحسنة. 


© ال م 


302 


اقترب من اللوحة, مد رأسه نحوهاء ألصق شفتيه بشفتيهاء 
وأطال التقبيل» 09 ابتعد. واستدار وها وقال: هكذا تكونين قد 
سددت دينك. 

اغرورقت عيناهاء وجاء من جهة البحر بوق الباخرة من 
جديد. 

قال: لا أحب الوداع. عمًا قريبء تأي العربة التي تنقلكما إلى 
الميناع وعلي أن أغادر. 

وقبل أن يمضي. التفت إليهماء وقال: يكفي أن لك قلبًا ينبض 
بالحب. ويكفي أن يكون لأسرار قلب ينبض بالشوق؛. ويكفي أن 
تكون لقلبي رعشة حنين, فهذا يجعل للنهايات زينة وتزويقا. 

ركب حصانه وأرخى له العنان. كان الليل قد حل, وكانت 
يوت يافا مضاءة, والخارة مضاءة. والنسيم الآيَّ من البحر يحمل 

وفيما كان الحصان يعدو غو وسط المدينة, والنسيم تلاعكب 
بشعر ناصيته. حدث نفسه: ما دمت تملك ريشة وفرشاةة, وقلمًا 
وألوانا. فارسمها جنّة الله على الأرض, وادخلها بسلام. 


دع 


الضم إلى مكتبة .. اضفط اللينك0©/]_01.] 


لعن ب ين 


2303 


جتب ا لماع 
هذه الرواية - حكاية رجل وتاريخ 


هذه رواية رجل يخرج من أساطير يسافا وبحرا وأسوارهسا ٠‏ ومن حكايا الولاة والسلاطين والإنكشارية والحرملك والجواري 
والغوايسة ودسائس القصور . كانت بسافا لؤلؤة البحر المتوسط ونافذة الشرق على الغرب ؛ وكان الرجل (بوسف) لؤلؤة المدينسة 
وقمرها وفتى ذلك الزمن ٠‏ في روهحه ففن ورقش ورسم وخطوط وعشق وغواية ٠‏ وفي جسده نار وطاقفة وقريسن . 
رجل يسير بحثا عن الحقيقة والحكمة وأسرار الخياة ٠‏ ويتنقل عبر الأمكنة مثقلاً بالخكايات والنزوات والمغامرات ؛ حاملاً ياقا 
ايقونة تنوّعها وحنينها واتينها وعبقرية مكقنها . وتوحش حثامها وغزاتها. 

من عشق حارق ؛ إلى عشق وحشي ؛ ومن حلاوة الانسجام النفسي : إلى مرارة القرين الذي يسكن داخله ٠‏ ومن إبداع الرسم 
والرقش والتزويق والتزيين والتذهيب والتشجير ؛ تولد حكاية ناره الملتهبة التي لا تنطفىء ؛ وحكاية ركوبه رياح المفامرة وعصفها . 
تتوالد الحكايات . حكاية وراء حكاية ٠‏ تراجيديا السيدة عالية القامة القادمة من حرملك السلطان ٠‏ إلى المرأة ذات السن الذهبية 
المسكونة بالشياطين والأبالسة ٠‏ إلى المرأة الهندية ذات النقطة الحمراء على الجبين ؛ تتغير الأزمنة والمناخات والتضاريس 
والنهايات ٠‏ من نبوءة العراف التي تجعل إيمي سلطانة الشرق . وابنة عمها ماري روز إمبراطورة الغرب ؛ إلى لعنة للطاعون التي 
أودت بحياة جنود نابليون على مشارف عكا . 

من هذا وذاك ٠‏ ومن هنا وهناك ٠‏ يحعصد يوسف ما تنثره الحياة أامامه على طريق العمر . 

في محطته الأخيرة ؛ يتوقف عند التامّل والحكمة وبلاغة الرسانة ؛ رسافة الشرق إلى الغرب من أجل التعايش والسلام والمساواة 
واحترام كرامة الإنسان ٠‏ فهل تصل الرسالة ؟ , 

هل ينتقي كناب الحكمة الشرقي مع مدوّنة الثورة الفرنسية التنويرية ؟ 

هل تتقنص الفجوة بين الأنا والآخر ؟ أم تتصع حتى اللاتلااقي ؟ 

يموت الطفساة ٠‏ لكن الحكسة والتنوير لا يموتان . 


إنبمايفا التي لق يوسف من ضلعها ؛ فكسان عنوان جمانها وأساطير ها وغوايتها وتراثها وزخرفها .