Skip to main content

Full text of "إبراهيم اليوسف"

See other formats


هذه الحكايات نشرتها سابقاً على صفحتي الشخصية ف الفيسيوك عام 
#23 شهر رمضان المبارك: وعندما كتبتها لم يكن .4# تفكيري وتخطيطي 
أن أتشرها 4 كتاب. ولكني نشرتها 4 موعد محدد بعد صلاة التراويح: 
وكان يتابعها الأصدقاء كساسل اقتراضي ف شهر رمضان. كتبت ما كان 
يخطر على بالي من أحذاث. لهذا لم أعرف من أين أبداً المهم أن أنقل صوراً 
لما حدث 4 الثمانينات. 

الحكاية الأولى 

بما أن غالبية الشباب لا يعرفون كيف بدأت الثورة السورية عام 
٠‏ سوف أتحدث لكم بما أعرفه ويما سمعته من الشهيد إبراهيم حرفيا 
من دون تصرف والله على ما أقول شهيدء لأن حكاياتي هي تاريخ أكثر من 
أن تكون لتسليتكم 4 شهر رمضان المبارك. 

بعد استشهاد الشيخ مروان حديد تحت التعذيب قرر تلاميذه أن هذا 
النظام لايمكن أن يمحقط إلا بالقوة فأسسوا تنظيماً مسري كان الشيخ مروان 
حديد قد وضع أسسه. وأصبح ينضم إليه كل من كان يؤمن بأن هذا النظام لا 
يمكن أن يسقط سوى بالقوة: فكانوا يقومون بعمليات نوعية ضد شخصيات 


45 


معروفة بإجرامها أو بفكرها المحرض الإجراميء ولكن هذا التنظيم لاقى 
من جماعة الإخوان المسلمين اعتراضاً لأنهم لا يملكون القوة على المجابهة, 
وفضلوا الدعوةء وانشق الكثير من عناصر الجماعة وانضموا لرفاق مروان 
حديدء وقامت الجماعة بفصلهم من التنظيم,؛ ولكن النظام بعد فترة من 
النكران للذين يقومون بالعمليات فرروا مواجهة ومحاربة الذين يقومون 
بعمليات الاغتيال؛ فاعتقلوا الشيخ عبد الله طنطاوي وساوموه إما أن نعتقل 
جميع كوادركم أو تقل من يقوم بتلك العمليات. هنا قرر الشيخ أن هؤلاء 
الشباب منشقون عنا وهم قلة؛ واعتقالهم أقل كلفة من اعتقال جميع كوادر 
التنظيم: ووشى بأسماء الشباب الذين انشقوا عنهم والتحقوا بجماعة 
مروان حديد»: هنا اعتقل من اعتقل وهم فلة؛ وهرب من هرب ولكن النظام 
لم يفي بوعده وأصبح يعتقل كل من له علاقة بجماعة الإخوان» حتى ولولم 
يكن منظماء قريباً.... جارا... أها.... هذا نظامئا من يثق به فإئه غبي 
وأحمقء لايفي بأي تعهد يقطعه على نفسه مع الآخرين. 

وتواترت الأخبار عن التعذيب © السجون وعن الخديعة التي تعرضوا 





إبراهيم وعدنان عقلة ولآخرين أن المعركة هي حرب لاستتصال الإسلام 
والمسلمين: فقرروا القيام بعملية المدفمية رداً غلى النظام ولإيقاظ الشعب 
السوري بما يحاك:لهم بليل مظلم ومن وراء الكواليس. جن جنون النظام 
واستنكرت العملية حتى جماعة الإخوان. 


46 


مسموح للنظام أن يقتل أبناءناء ويعتقل من هب ودبء ولكن عندما 
ننتقم لهم نصبح مجرمين وطائفيين: وهكذا تفرق الشباب # الشوارع؛ لا 
يوجد من يؤيهم» وملاحقون حتى من أقرب الناس إليهم: واعتقل آباؤهم 
وإخوتهمء. وكان للشهيد إيراهيم حصة الأسد من اعتقال أهله وأقاربه: 
حاول النظام أن يساومهم بأن يسلموا ابراهيم وسيتم العفو عن باقي 
التنظيم» ولكن شباب مروان لا يمكن أن يقوموا بهكذا عملء وئن يسلموا أخأ 
لهم من أجل مصلحتهم, ولكن منهم من عرض عليه الخروج من سوريا. 
ولكنه رفض. قال لقد لن أخرج من سورياء إما أن أموت أو ننتصر. والتفت 
إلى من حوله قائلاً: «من يماهدني على الموت ا سبيل الله؟». قام عدة 
شباب ووضعوا يدهم بيده وعاهدوه على الموت. (أذكر متهم أيمن الخطيب 
- موفق سيرجيه عبد الله قدسي- عدنان عقلة - شاب من بيت أبوصالح 
- وآخرون وليعذرني الناس لنسياني باقي الأسماء). 

وأسسوا لحرب عصايات طويئة الأمد, وذلك بإنشاء قواعد سرية: ولم 
يكونوا يملكون إلا بعض روسيات ومسدسات. فكانوا يضربون دورية الأمن 
ويأخذون سلاحهم (أول بارودة غنمها الشهيد ابراهيم أهداها لشيخ 
مسجد الرحمن موفق سيرجيه) . 

وهكذا بدأ الناس يتعرفون على هؤلاء المجاهدينء وانتفضوا معهم. 
يقومون بالمظاهرات السلمية؛ ومنهم من يمدهم بالمالء ويدأت شوكتهم 
تقوى: وثورتهم تمتد من محافظة لمحافظة: ومن حي لحيء كان المجاهدون 


47 


يطلبون من الشعب الإضراب من خلال ملصقات على الجدران: فيستجيب 
الناس ويغلقون محالهمء فيحاول الأمن كسر أبواب محلاتهم ولكنهم لا 
يستجيبون ويبقون على إضرابهمء ليفهم التظام أن الشعب مع المجاهدين. 

كان الناس ينظرون للشباب على أنهم ملائكة, أو أن ملائكة من السماء 
تساندهم: ويقصون الحكايات. منها الصحيحة. ومنها الملفقة. وخرج 
حافظ المقبور. خطاب على التلفزيون يعلن أنه مسلمء كان خطابه خطاب 
رجل مهزوم. وشعر الكل بذلك؛ واستبشر الناس بالنصر القريب. ولكن 
يبدو أن الله يعلم نفوس الناسء فلم يكونوا يستأهلون هذا النصرء فأخذ 
من الشهداء من أخذء وابتلى آخرين بالإعتقال: وامتحنهم # ذلك. وخرج 


أخرون مشردين #4 بلاد اللّه. 


وللحديث بقية حكايا الحدة أم بأسر... 


48 


الحكاية الثانية 

مساء الخير المعطر بأحلى وأغلى العطور لكل مجاهد ترك عائلته 
ليجاهد # سبيل الله ويرفع الظلم عن المستضعفين. 

يوم تنفين عملية. المدفعية ظ 

السبت /7/1١7‏ 1915 خرج من بيته وهوينظر خلفه: يرى طقايه وهما 
يرفعان أيديهما الصغيرة يودعانه كعادتهما كل صباح.ء ولكنهما لا يعرفان 
أن هذا الوداع قد يكون الأخير؛ وسوف يكون غارقاً لهم 2 حياتهما وحياة 
أولادهما وحتى أحفادهماء هذا اليوم أخن قرارا سيبقى مثار جدل عبر 
تاريخ سوريا وسيكتبه التاريخ بأقلام شتى كل يراه من وجهة نظره؛ منهم 
من يراه بطلا ومنهم يراه مجرماً ومنهم مخطئا: ومنهم مصيباء ثم 
تختلف تلك الآراء حسب الزمان والأحداث. 

سار وهو يعرف أنه ترك عائلة ل مهب الريح فهو يضحي بكل شيىئ من 
أجل كل شيئ. 

وذهبت كمادتي لبيت أهلي؛ بت ليلتي عندهم» وعند الظهيزة كنت أغسل 
الأطفال بالحمامء وإذا بالباب يطرق عليء ويقول أحدهم: اخرجي ولا 
تخاك. 

خرجت وإذ ببيت أهلي يغص بالجنود المدججين بالسلاح: هذه أول مرة 
بحياتي أرى مثل هذا المشهد. ْ 


49 


نزلت أنا ووالدي وأخي الطبيبء وكان برفقتنا سيارات عديدة مدججة 
بالسلاح. 

وصلنا إلى مبنىء وقالوا إنه أمن الذولة: كانت وجوه الرجال ليست كأي 
وجوه كانوا يشبهون الرجال الذين قرأت عنهم بحكاية « البوابة السوداء ». 
ولكن تلك الوجوه ‏ مصر كيف أتت إلى هنا أيضأة 

كان الضباط يصرخون ويقولون ويشرحون ماذا فعل زوجي وأنا متبلدة 
المشاعرء أنظر إليهم ولا أرد ولا أشارك؛: فقالوا يبدو أنك لا تصدقين ما 
فعل؛ خذوها لترى بأم عينهاء عندها تكلمت وقلت لا لا أستطيع رؤية هذاء 
نعم كان حدثاً جللاً كان انتقاماً عظيماً لما حصبل وما يحصل؛ كيف عرف 
أن هؤلاء يجب قتلهم قبل أن يستفحل شرهم ذ البلاد55 , 

كيف استطاع أن يأخن قراراً كهنا؟؟ 

ألم يفكر نيع سينتقمون من عائلته8؟ 

كنت وقتها لم أتم العشرين بعد. وأنا حامل هذ الشهور الأولى؛ وبعد صراخ 
وكلذم من رجل يقف ٠‏ أمامي جاء رجال أخرون وأخدونا بسيارات مدججة 
أيضاً لكان أخن ؛ إنه الفرع العسكري. بما أن الشهيد كان عكري ودخلت 
غرفة رئيس الفرع وكان اسمه عدنان رام حمدانيء و الغفرفة حسن خلوف, 
وأليف وزة وابن عمتي عبد الجبار شيحان. فهو مسؤول رفيع بحزب البعث. 


وأصبحوا يشرحون لي ما قام به زوجيء ويجب أن أقول لهم عن كل من دخل 


50 


بيتنا وخرجء وأين يمكن أن يكون5؟ من هذه الساعة يجب أن يكون رأيي 
يشا مثل رأيهم. ويجب أن اعتبره مجبوماء وأن أقطع كل صلة ود به. 

قلت لهم لا يأتي لعندنا أحد» فبيتنا صغير لا يوجد به غير غرفة واحدة: 
ولا أعرف أين يوجد الآن. ولكن هذا الجواب لم يقنعهم؛ وبدؤوا يزبدون 
ويرعدون, تارة يكلمونني كأني طفلة صغيرة يريدون خداعهاء وتارة 
بالتهديد بالتعذيب: كنت خائفة 2 داخليء ولكن خارجي لا يوحي بذلك, 
مما جعلهم يحارون 4 أمريء لا التهديد ينفع معي؛ ولا الخداع. لهذه 
الساعة كانوا يستخدمون الأساليب النفسية معيء لأنهم يعرفون أني حامل. 
ويمكن أن لا أصمد تحت التعذيب وأموت. أو يحصل أي مضاعفات أخرى. 
ويبدو أنهم اتخذوا القرار الأول كان ابن عمتي يذهب لبيت أهلي ويسمع من 
إخوتي الصغار أحاديثهم: وعرف أنه كان عندنا ضيوف,. لم يسمح الشهيد 
لأي ضيف آخر برؤيتهم متمللاً بأي شيء؛ جاء ابن عمتي وكان يحضر 
التحقيقات معي: وقال من هؤلاء الضيوف الذين كانوا عندكم؟99 شعرت 
أني وقعت بحفرةء هاج الضباطء ووقف رئيس الفرع وهو يصرخ من هم5: 
لقد ألهمني الله فقلت ببراءة الأطفال: أني حدثتكم عنهم # المكان الأول, 
عندها هدؤوا قليلاً وقالوا كل شيء قلته هناك أعيديه هنا . « الحقيقة لم 
أذكر ذتك هناك» وبدا ت أحدثهم أنهم ضيوف من د مشقء: أحدهم مريض . 
بمرض القلب ويحمل كيس دواء بيده: كانوا ينظرون لبعضهم ويقولون 
هؤلاء جاؤوا ليخططوا للعملية. وسألوني عن أشكالهمء فأقول: «والله لا 


51 


أعرف, فأنا لا أظهر أمام الرجال». ولكنهم كانوا يريدون أي وصف مهما 
كلف الثمن. قلت: «رأيت ظهر أحدهم وهو ينزل من السطح, كان طويلاً 
نحيفاً: يتكلم اللهجة الشامية مع الأطفال وهو يداعبهم». ونزلت الكارثة 
فوق رأسيء لم يبق ضابط معتقل أو مشبوه إلا وسار أمامي مطمش العينين: 
ويسألونه حتى أسمع صوته. يا اللّها ما هذه الكارثة!. وكل واحد أظهر به 


يزه 


عيبا. 


خلال خمسة أيام كان التحقيق بمحاولات نفسية: ولكنهم كانوا يضمرون 
أمرا «لم يضعوني بالسجن ولكن # غرف العساكر. أنام وبرفقتي عنصر 
يجلس بقربي»: كان هذا العنصر المرافق يكلمني وكأنه متعاطف معي, 
ويسألني إذا كنت أريد أن أوصل خبراً لأهلي: ويكلمني عن ظلم المخابرات, 
وأنه يكرههم, ولكنه مجبر على تأدية خدمة العلم. # الحقيقة أني صدقته: 
ولكن ليس لدرجة أن أرسل معه أي خبر. كان جيبه مسجلة تسجل كل 
حديث معي وكان يدخل خلسة ويكلمني ويشد أزري: و إحدى المرات رآني 
أكاد يفمى غلي فجاءني خلسة بكأس عصيرء وجعلني أشربه بسرعة قبل أن 
يراه أحد #4 أحد ‏ المرات دخلت غرفة وكان ناكما فضربه الشايط 6 
خروج الضابط قال: «هل رأيت ظلمهم؟ ماذا فعلت ليضربني؟5» لقد كنت 
ةك حيزة عظيمة. سألني مرة قائلاً: اذا فعل زوجك55» قلت له: «يقولون 
قتل الضباط العلوية وترك السنة». وسألني لماذا لم يقوموا بتعذيبك. قلت: 


دلا أدري ريما سمع زوجي وقام بعمل آخر». 


52 


هذا كل ما حصلوا عليه # خمسة أيام؛ يستخدمون الحيلة معي؛ وذ 
اليوم الخامس وإذ بجميع الضياط يدخلون كالوحوشء وينهالون علي شري 
على وجهي: وعلى رأسيء العلوي منهم يقول: قتل العلوي وترك السنيء أما 
الضباط السنة فكانوا يقولون نحن نخاف من زوجك يا ---ويا--- وي|-- 

بكل ألفاظ الشوارع المنحطة, ودخل العنصر الذي كان يقوم بالمهمة 
القذرةء وجا , بدولاب سيارة ووضعوا رأسي وقدمي معأ بداخله: وبدأ ينهال 
علي ضرياء ثم جاء آخر يتنابون على سماخ الغنمة الأسيرة؛ وهم يسألون: 
«من تغرفين من أصدقائه: وأين هوالمجرم5... » وبقيت داخل الدولاب اتنا 
عشرة ساعةء حتى كاد يغمى علي فأتوا بكأس عصير يجب أن أشربه لأبقى 
صاحية ليكملوا المهمةء وضربوني حتى أشريه عشرات الضريات. وأخيراً 
شربته. كنت أسرخ يا الف ميتفرين باللهء كنت أقسم أت لا أعرف أين: 
ولم يعلمني بمكان: ولكنهم يستمرون بتهذيبي أكثر وأكثر. 

دخل عدنان رام حمدان وقال والله سوف أتي من يفعل كذا وكذا يك», 
يهددني بشر4ك: أي بالإغتصاب. عندما رأيت هذه الوجوه الكافرة المجرمة 
«كان قد دخل قلبي رحمة لمن قتلهم » شعرت وأيقنت أن ابراهيم على حق: 
وأن محارية هذه الوحوش واجبةء فكفرهم. باللّه على العلن. لا يمكن لمن 
بقلبه ذرة إيمان أن يرضى بذلكء ولكنهم يضحكون ويهللون لمن يكفر باللّه 
أكثر. لقد أخذت قرارا بداخلي وأنا تحت التعذيب لا يمكن بأي حالة أن 


أسلم زوجي أو أي أحدء فهم على حق وهؤلاء على باطل. 


53 


كان الهدوء 4 الفرع كهدوء المقابرء يقطعه صوت صراخي الذي بدأ 
بخقت 556 01 كنت أتمنى الموت؛: أتمنى أن أسقطل جنيني لأتخلاص 
من هذا العذاب: وحوش وقعوا على فريسة, لم أكن يومها باخرأة الممتاثة 
العامرة؛ وكانوا هم يملكون م الأجسام ما يفوقني بعشرات المرات: وهم 
لاايشدين ولأ يشبليخ من ابسانهم عل والشريه كلت فشارو سشير 
اجتمعت عليه وحوش الفابة؛ ينهشون لحمه وهو يستفيث ويصرخ. ولكنهم 


يتلذذون بصراخه وعذابه. وبقيت حتى ساعة متأخرة من الليل (يتبع ) 


وإلى حكاية من حكايا الجدة آم ياسر.... 


54 


الحكاية الثالثة 


مساء الثورة على كل الجلادين والسجانين بسوريا والوطن العربي 


نعم الثورة على كل هؤلاء الجلادين الذين رأيتهم بأم عيني, لا رحمة 2 
قلوبهم ولا شفقة ولا دين. ماذا يفعلون بهم ليصبحوا بتلك الوحشية؟؟ كنت 
أنظر إلى عيونهم: كنت أناققهم وأعرف أن تقارير تدهب للفرع بدلك, 
أردت أن أكتشف لماذا هم كذلك55 إنهم لا شيء, فراغ 2# العقلية والنفسية, 
استطاعوا أن يملؤوه بهذا الحقد والوحشية: كلمت أحد السجانين: طلبني 
للزواج وعرض علي كل المفريات حتى الهروب من السجنء قلت له: «لا 
يمكنني أن أتزوج سجاثاً وأصافح 5 ضريت وأهانت 586 كلهم عبيد 
وجبناءء يحاولون أن يظهروا العبودية بأي ثمن كان: حتى ولو كان الثمن 
كرامتهم: كنت أكرههم وأشفق عليهم. 

أعود لأستكمل تكك أحداث تلك الليلة؛ من كان سجيناً ذلك الوقت ا 
نفس الفرع أظن أنه لازال يسمع صوت صراخي بآذانه: لا أظنه ينسى صوت 
صراخ امرأة معذبةء يخفت صوتها شيكا فشيئا وتقول يالله. 

عندما رأوا أن العداب لم يخرج ما يريدون جاؤوا بألة ونها أشرطة: 
ربظوها بأصابع قدمي. وشغلوهاء وراح جسمي الصغير ينتفض»؛ ثم 
يكررونها ويكررونهاء وجنيني أبى إلا أن يظل صامدا مثل والديه؛ أنهكني 


55 


التعذيب؛ وانحسر الحجاب عن رأسي وأنا مطوية لنصفين 2 الدولاب: لا 
أستطيع أصف أكثرء. فهي المرة الأولى التي أتحدث فيها عن تعذيبي؟ 

كان ١‏ الدي رحمه الله لايريد أن أذكر السجن أمامه؛ أو أي شيء وكنت 
أحترم رغبته. وأشعر بما يشعر بهء فأنا أم ولدي أولاد. 

فجأة أخرجوني من الدولاب وتركوني: ولكن ضوضاء وجلية كبيرة 
عدت ان الطاصر يجليوت ألبسة ومخدوتيا بق القرفة التي أنا فيها. 
أتذكر نظرات كل العناصر نيء كانت مزيجاً من الحقد والسفالة: ولكنهم 
ممنوعون حتى من الحديث معيء وكانت هذه نعمة لم تحظ بها سجينة 
أخرى, لتلا يتطاول علي أحد منهم وأرد كيده وسفالته. 

جاء أحد العناصر وقال تعاليء حاولت النهوض والوقوف بصعوبة 
بالغة. ومشيت حافية القدمين: دخلت غرفة رئيس الفرع وإذ بين أيديهم 
البذلة العسكرية للشهيدء قالوا لي هل هذه بدلته95 قلت: «نعم »: قالوا: 
تكذبين55 قلت: «بها إشارة». قالوا ما هي؟؟ أعلمتهم بهاء فصدقوا أنها 
بذلته. فقالوا: «لقد كان هنا وهرب» « الحقيقة لم يكن هو موجود 4 هذا 
التو ابام و ام تن او لقي تركو 
4 العملية». أرجعوني لغرفة التعذيبء ولكن لم يقوموا بتعذيبيء غير أنهم 
كانوا يدخلون ويخرجون ويقومون بتهديدي. كنت ملقاة على الأرض, 
وضعت حذائي تحت رأسيء كنت متكورة على ذاتيء كان الهواء بالخارج 
يضرب الجدران والنوافذء ولم يكن يدخل منه شيء لصدريء أشعر أني 


56 


أكاد أختنق: وقلبي الصغير يخفق ويخفقء أضع يدي عليه لأسكته. وكان 
عنصران يجلسان أمامي يضحكان ويتسامران: وينتظران لحظة البدء 
بتعذيبي. كلما فتح الباب أرتجف كورقة خريف هزتها الريح لتقع على 
الأرض. كل لحظة يدخل ضابط ويهددنيء انتظريء لم تري بعد التعذيب 
الحقيقيء كل ما رأيته مزاح... وكنت أتمنى أن يعذبوني لأني أعرف أني لن 
أصمد كثيراً فجسدي النحيل لم يعد يحتمل: وأدعوا الله سري أن ينجيني 
من بين أيدي هؤلاء الظلمة؛ تقد أيقنت بعدالة ألقضية التي خرج من أجلها 
إبراهيم: كيف لايستحقون الموت وهم بهذا الكفر والإجرام5؟ وقررت قراراً 
لارجعة بعدهء وهو الوقوف مع القضية التي خرج من أجلها الشهيد. 

تلك الليلة هددوا والد همام الشامي إذا لم تقل أين ابنك سنأتي 
بزوجتك؛: وسمع صوتاً يقول أعطوها البتطال تلبسه «كانوا يحتفظون بشي 
من الشرف لا يعذبون أمرأة حتى يعطوها بثطالاً تليسه» 

فظن أنهم أتوا بزوجته فاعترف أين ابنه: كان المنزل # الأنصاري 
الشرقي. جعلوا انوالد درعاً لهم: واقتحموا المنزل؛ فقتل أحد الشباب 
المساعد وأصيب آخران: ولكنهم هربوا جميعهم: حتى الجريح: ورأوا بدلة 
الشهيد هناك فظنوا أنه هرب لهذا تعد هناك فائدة ترجى من تعذيبي. 

جاء أحد العساكر الذين شاركوا بالاقتحام وجسمه ملطخ بدماء رفيقه. 
ويحمل بيده بارودة برأسها حربة: ووجهها عليء وهو يبكي قائلاً واللّه لو 


57 


استدعاني أحد الضباط وقال لي: هل تعرفين من قتل؟5 قلت: مُن55 قال 
المساعد الذي حقق معك البارحة. تصنعت الإزعاج وقلت له كان لطيفاً معي 
رحمه الله قال: لتعلمي ماذا يفعل زوجك. 

سري فرحت فرحا عظيماً نمم كان لطيفاً كالذثب الذي ينظر لفريسته 
لياهمهاء عتدما خرج قال لرفاقة: سآتي براس غليص وكان هذا مسلملا 
يذاع بوقته» سمعت ذلك بأذنيء وقال لهم: سأقتل إبراهيم اليوسف وأعتدي 
على امرأته وأترك كل عناصر الفرع يعتدون عليها «المسدس الذي قتل به 
هوللشهيد كان يحمله قبل الحادثة واشتراه من راتبه فأرسل يقول قولوا لأم 
العز قتل ذلك المساعد بمسدسها» الكل ينتظر مقتل زوجي ليكملوا ذبح 
وأكل الفريسة. جبناء ومجرمون والحمد لله الذي نجاني من بين أيديهم 
وحمالن: 

و المساء جهزوا دورية وأخذوني لسجن حلب المركزي, كنت أذهب برتل 
مسلح وأرجع برتل مسلح؛ وأجلس وعن يميني عنصر مسلح وكذلك: عن 
يساري 2 توضع الكلبشات بيدي ولا الطميشة على عيني كنت محظوظة 
بذلك ك أيضاً 4 
_ودخلت لغرفة والدة زوجي.التى كانت ممتقلة أيضاء ورت العذاب على 
جسديء وبدأت تمسحه وتبكيء وتقول: «لا تحزني؛ هل قلت لهم أين 
إبراهيم »55 قلت لها: «لا أعرف, حتى لو عرفت لن أقول». كانت تريد أن 
تطلمكن: كاقت أمرأة طيبة جداء كانت أماء بحونه كباقي أمهات 


الأزواج: واللّه أترحم عليها ساها ومساء. 


58 


استليقت ونمت: وجلست أم الشهيد فوق رأسي تقرأ لي القرآن حتى 
غططت #ذ نوم عميق؛ لم أستيقظ إلا على صوت العناصر الذين جاؤوا 
لأخذي للفرع؛ قمت فزعة ولبست ثيابي ورجعت معهم للفرع: وأم الشهيد 
تقرأ القرآن وتنفخ علي: وتشد من أذريء: ولكن من الخوف شعرت وكأني 


سأقع أرضاء وسبحان الأه الذي أعطاني هذه القوة والجلد والتحمل. (يتيع) 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر... 


59 


الحكاية الرابعة 


لم يبقى لدي صباح أهديه لأحد: لقد ذبلت كل ورودي وأزهاري: ولم تعد 
صالحة للإهداء. لقد هرب الفرح من قلبي فلم يعد هناك شيء يفرحني, 
لقد استوطن الحزن قلبي وخاصة بعد الثورة. 

كيف أفرح وأنا أرى الأشلاء تتطاير والدماء تسيلء والأرواح تصعد إلى 
السماء جماعات جماعات5. وآنات المعذبين تسكن أذني؛ واستفاثة الجرحى 
المتألمين وصرخات وجعهم تهز وجدان وضمير كل مؤمن يرى عذاب الله 
وحسايه يقينا لأمهيد عثه. 

سأكمل حكايتيء التي أصبحت من أصغر الحكايات التي ستروى؛ مقارنة 
بما حدث الآن ف الثورة: نقد سمعت قصصا عن عذاب النساء والإعتداء 
على الفتيات يشيب لها شعر الولدان» ولكن تلك الفترة لم يحكى عنها سوى 
القليل. 

مساء الصبر والنصر لكل الثوار, والمجاهدين. 


اسباءة © مممحمدمة محصيمهة ممصيم #يه #متصيصم © موده ممم وومةه موده واي و و 0-7 0-3 6 


حكايتي هذه كان يجب أن تكون البارحة ولكن أخطأت بنشرها فاعذروني. 
لبست ملابسي وأعادوني للفرعء كان الخوف الذي تملكني كافياً نقتل 
إنسان» خوف من التعذيبء ومن تنفيذ تهديدهم بالإعتداء. وضلت الفرع 
وأمسظوتى إلى غرطة شايط عجقد اسمه مسحعون اسشيوتي: كان لطيفا 


060 


معي: وطمأنني أن التحقيق انتهى؛ ولا تخل؛ وسوف نوثق أقوالك: وهكذا 
حصل. كان يسأل وأجيب وهو يكتبء وبعد أن أنهى الكتابة وضعوني 2 
زنزانات السجن. بل 4 حمام السجنء ولكن من كثرة عدد المعتقلين لم 
يبق لي مكان.فقد كنت أنام سابقاً 4 غرف العساكر ومعهم. ويحرسني 
عسكري يجلس طوال الليل والنهار. ويتناوب مع رفاقه 4 ذلك. 

كان معي 4 السجن الشيخ محمد خير زيتوني: وكان يؤذن لكل صلاة: 
ويخرجه العناصر ويقوموا بضربه؛ ويمنعوه من الآذان: كنت أراه من خلال 
ثقوب الباب: التي أصبحت تسليتيء فأرى من يدخل ومن يخرجء رأيت 
الدكتور مصطفى عبود وهو عائد من التعذيب ويستفرغ دمأ من ضمه فوق 
الفسلة سيعت هديب الطالب الضابط من بيت النجارء يعذبونه فقط لأنه 
من خادف: ولأن الشهيد أهطاه إجاوة قبل العطلية: لقد عذيو عذابا ظوان 
أسبوع: لم أشهيد أحدا تعذب مثله. سمعت الطالب الديري الذي مسجل أسماء 
العلوية من السنة؛ قالوا له لماذا سجلت قال لهم أمر عسكريء وكذتك هذا 
الشاب لاقى من العذاب ما لاقى: وعلمت أن النظام أعدمهم: رحمهم الله. 

لم أعد أذكر المدة التي قضيتها 4 زنزانات الفرع: كنت أقرأ ما أحفظ 
من القرآن وأدعو الله أن ينجيني من بين أيديهم: لقد شعرت ببعض الهدوء 
والطمأنينة وأنا أرى الشباب المتدين الذي لا يمنعه العذاب من إقامة 
الصلاة. كنت أفرح لوجودي بينهمء كانوا وكأنهم يشدون من أزري ويرفعون 


من معنوياتي, وخاصة الشهيد إن شاء الله محمد خير زيتوني, لا زال وجهه 


61 


المنير الملائكي 2 مخيلتي, أحفظ كل ملامحه: والشجاعة التي يتمتع بها 
قل نظيرهاء رآيت والد أيمن خطيب الذي اشترك بالعملية: ووالد همام 
الشامي. 

وسمعت أن أخو الشهيد إبراهيم كان هناك لقد كتب على جدار 
( التواليت) ذلك. رأيت الكثيرين: ولكن. نسيت الأسماء. فقد مضى على 
هذه الأحداث أريع وثلاثون عاماً. 

وبعد عدة أيام أعادوني لسجن حلب المركزيء ولكن بغرفة مقفلة وحيدة 
وبعيدة عن والدة إبراهيمء. وممنوع الاقتراب لأي سجينة كانت الاقتراب 
منيء كانت التعليمات قاسية من بحقيء فهو سجن نساء فلماذا كل هذا 
التشديد؟9؟ 

غرفت مؤبفرا أنهم عندما أتوا بي للسجن من بعد التعذيب استلمني 
ضابط شرطة. ورآني بهذا المنظر المروع: لقد كان وجهي أزرق اللون وعيناي 
كذلكء هاله ما رأىء فقال لي ماذا تريدين5 وكان ذلك أمام عناصر 
الدورية قلت له أريد ابني الصغير (محمد ياسر) الذي كان عمره عامين 
وخمسة أشهر وقمت بفطامه من فترة قريبة: وكان متملقا بي أشن التلق: 
فقال للعختاصر:-سنأتى لها بابنها وما-ذنيها؟؟ ذهب عناصر- الدورية ووشوا 
به. وزادوا وأنقصوا بالكلام: وسألوني ماذا قال لك ضابط الشرطة؟ قلت 
لهم لم أرضابطاء رأيت رجلاً يلبس بيجاماء قالوا: هو ماذا قال لك55 قلت: 


لاشيءء أنا طلبت منه ابني. 


قالوا: ألم يقل لك حرام عليهم لماذا يعذبونك55 قلت لهم: لا. 


62 


لم أكن أعرف خافية تلك الحادثة: تقد استدعوم وقالوا له كلاما على 
نسائى لم أقله أيد أ ولا أعرف عته شيك وسجن الضايظ ويعرد هن رتيعه, 
لقد عرفت ذلك بعد سنينء وأقسمت أني لم أتكلم ولا كلمة, فأنا أعرف أن 
أي كلمة عند المخابرات محسوية عليء؛ لهذا آثرت الصمت. ولا أجيب إلا إذا 
سئلت وباختصار. لقد آلمني هذا عندما سمعته. كان برتبة رائد::ولم أعد 
أذكر اسمه للأسف. 

لهذا أصبحت وبرغم وجودي بين الكثيرات: ولكني وحيدة, لا تجرؤ أي 
سجينة أو شرطي على الاقتراب من غرفتيء يرمون لي الطعام وييتعدون, 
كانت بيني وبين السجينات خمس غرف فارغات, لقد كنت 2# منفى. 

لا يوجد أي وسيئة للعيش. لا نار ولا ماء ساخن للحمام؛ لقد نزل وزني 
لحدود مخيفةء حتى عناصر الفرع الذين رأوني لم يعرفوني, كت خامناة 
ولكن لم أعد أشعر بوجود الجنين, خطعام السجن لا أستطيع أكله. ولا يوجد 
طعام بديل له. 

وك أحد الأيام استدعاني المساعدء داخل السجنء فقد عملوا مفرزة 
4 السجن؛ كنت قبل الاعتقال قدمت امتحان الشهادة الثانوية فأتوا لي 
بالنتيجة؛ وكنت من الناجحات؛ فرحت لنجاحي أيما فرحة؛ لأني تزوجت 
بعد حصولي على الشهادة الإعدادية؛ وكان حلمي أن أكمل دراستي» ولكن 
عاداتنا البالية تفضل زواج الفتاة الصغيرة: ولهذا صممت على متابعة 
الدراسة وأنا متزوجة؛ كان حلمي أن أدرس الشريعة؛. وأتخصص يالفقه: 
لأني رأيت ضرورة لإجتهادات جديدة تواكب العصر وتجددها. (يتبع) 

وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدةأم ياسر 5 


63 


الحكاية الخامسة 


مساء الخير لكل المجاهدات الثاكرات ضد الكفر والظلم. : 

قبل أن أخرج لمقابلة المساعد بعدة أيام جاؤوا بعدة أخوات معتقلات, 
كن يعملن على إيواء الشباب الملاحقين. وخاصة المجموعة التي استشهدت 
بباب النصرء حيث كن يعملن على إيواتهم كل ليلة ب بيت. كانت مهمة 
شاقة: واعتقلن على أثر هذه المساعدةء الأخوات: ندى محوك وابنتها 
سوسن مرعشي. ثناء أبو صالح؛ نعمت قصاص وأختها سمية قصاص. 
سمر كيخيا. ولتعذرنيالأخوات إذا نسيت اسماأً. كن جميمهن خريجات 
جامعيات: وكن على قدر كبير من الدين والعلم والثقافة: وكنت أصغرهن 
عمرا. لقد تفاجأن بوجودي لأن النظام أشاع أن الشهيد أرسلني والأولاد 
لتركيا قبل العملية: ولم يعلم أحد بوجودي بالسجن إلا القليل من المقربين 
لعائلتي. 

فرحت وحزنت لوجود الأخوات, فكن يخرقن التوصيات ويأتين أملم 
غرفتي و ويرسلن الي الآشياء. وطلبت | الكت ندى من الضايظ أن يسم 
لآخيها بالذهاب ليعلم أهلي بالمجيء لزيارتي. كن على قدر كبير من 
الشجاعة. طلين لي الطبيب للوطمئنان على الحملء وكن يجبرنني على 
تناول الطعام الضروري لكل حاملء كن يخبئن الأطعمة ويؤثرنني بها أحمل 
لكل واحدة منهن ذكرى رائعة كن أخوات ف الله فعلاً لا قولاً فقط. «رأيت 


0604 


منهن فقط الخالة ندى محوك ولم أرى الأخوات طوال هذه المدة ولكن على 
القيس التقيت بالأخت ثناء أبو صالح» 

عندما أتيت من مقابلة المساعد أعلمت الجميع أني ناجحة: فرحن لي, 
واحتفلنا على طريقتنا بهذا النجاح: تمنيت أن يعرف الشهيد بنجاحي فقد 
كان يشجعني على الدراسة: وعندما أقصر بالدراسة يقول لي: «إذا رسبت 
سأوزع صينية من الشعيبيات على رسوبك ». كان ذلك من أجل تحفيزي 
أكثر على الدراسة: لم ينس وهو ملاحق أن يرسل من يأتي له بالنتيجة فهو 
يعرف قيمة العلم وتقاكسة على الأمسرة والمجتمع؛ كان يوفر من ثمن طعامه 
ويشتري كتبا من جميع العلوم الدينية والسياسية والتاريخية. وكنت من 
محبي القراءة: استطعت بزمن قصير أن أحصل على ثقافة عامة بحميع 
العلوم. ظ 

لقد ظلبت الأخوات مقابلة الضابط المسؤول عناء وطلين منه أن يخففوا 
عني. ويفتحوا لي باب الغرفة كبقية السجينات؛ فوافق. وأصبحت أخرج 
وأتجول # جناح السجن كالبقية. 

وقال لهم الضابط: هل تعلمن من كان ينام ضيفاً عندهاة؟ قلن: من؟؟ 
قال: حسني عابوء لقد اتفق مع زوجها أن يقولوا لها مريض من دمشق, 
هكذا قال باعترافاته. 

رعمك اللفيا أخي لقد أزلت عني أمراً عظيماً. لقد اقتنعوا أني لا علم لي 
بشيء وأني بريئة مما يظنون أني أخفيه عنهم. 


65 


فقالت له الأخوات: وما ذنبهاة زوجها أخفى عنها. ألم تروها صغيرة 
ولا يكن أن يعلمها زيجها يغييةة كال: تمم. هعذا قال حسنى عابو 
باعترافاته. وأصبحت أمضي يومي كله بين ومع الأخوات. وليلا أنام بغرفتي. 

حتى جاء اليوم الذي أخذوني ورآيت جثامين الشباب الخمسة الذين 
استشهدوا بباب النصر. لقد أعطيت أوصافهم للأخوات: فعلمن أن هؤلاء 
الشباب من كن يعملن على إيوائهم: وبعد اعتقال الأخوات لم يجدوا من 
يؤويهم فكشف مخبر مكانهم» وقاوموا واستشهدوا. 

لقد عم حزن شديد على استشهادهم» ولكنا لم نعلم والدة زوجي 
باستشهاد ابنها اسماعيل. كنت أغطي حزني عليها بأني مريضة: «وبالفعل 
كنت مريضة:؛ فرائحة الدم تزكم أنفيء ورؤيتهم ماثلة أمام عيني؛ وهم 
شهداء ومضرجون بدمائهم, وهي المرة الأولى التي أرى فيها بحياتي أمواتاً 
وعن قرب ». 

وطلبت الأخوات مقابلة الضابط المسؤول بإلحاح: وأنه لا يمكن أن أنام 
وحيدة ذ غرفتي وأنا على هذه الحالة من المرض والتعب النفسي» فوافق 
إتنا قتين وق قل اليج تنبت انك مع الأخوات وليس بمفردي. . 

مهما كتبت من كلمات فلا يمكن أن أوِك حق هؤلاء الأخوات. كنت معجبة 
بهن أشد الإعجابء. كانت كل واحدة منا تتكلم عن زوجها وأولادها وأهلهاء 
وعندما تكلمت لهم عن الشهيد قلن لي تقولين أنك تحبين عمز بن الخطاب 
وأنت عندك عمرا. تعلمت منهن الكثيرء وأكثر شيء تعلمته هو أني أضعت 


66 


فرصة كبيرة؛ وأن الشهيد كان زوجاً لامثيل له بين الأزواج: ولا بين الرجال: 
هكذا هي الزوجة الصغيرة: لهذا رفضت وأرفض زواج الفتيات الصغيرات. 

جميع الأخوات كانت تأتيهن زيارات إلا أناء فقد كان ابن عمتي البعثي 
الكبير يقول لوالدي لا تذهب لزيارتها خوفاً على الشباب. وكان يقول 
للضابط قل لها أهلها تبرؤوا منهاء كان من الحقارة بمكان, فولاؤه للنظام 
دعاه أن يتبرأ من شرفه؛ مع أننا تربينا كالأخوة. لكن الضابط كان أفضل 
منه فسمح لأخ الأخت ندى محمود أن يذهب بنفسه لأهلي ويطلب منهم 
زيارتي. 

وجاء أهلي بعد ثلاثة أشهر من اعتقالي. لم أر أولادي خلالها أبداً وهذه 
المرة الأولى التي سأراهمء ركضت صغيرتي فردوس وعانقتها وعانقتني 
وهي تحاول أن لا تبكي فقد أوصتها أمي أن لا تبكي أمامي؛ ولكن ياسر 
وقف واجما تقد كان غيابي وغياب أبيهم المفاجئٌ صدمة كبرى لم يستطيعوا 
تجاوزها إلى اليوم: فسألته من أنا9؟ فقال: ماما. لم يكن عندما تركته 
يتكلم جيداً ولكن الأن يتكلم بطلاقة: فرحت لسماعه؛ ولكنه كعادته إلى 
الأن يسمع أكثر من أن يتكلم: يسمع للجميع ويحلل ويفكر ثم إذا عرف أن 
كلامه يمكن أن يأتي بنتيجة يتكلم وإلا فيسكت. 

حاولت أن أبقى صامدة أمام أهلي لأرفع من معنوياتهم» وانتهت الزيارة 
وودعتهمء ولكن ناراً اشتعلت بقلبي أكثر من ذي قبل؛ كنت أنظر إلى 


السماء من خلال الثاغذة وأقول يا الله: معقول أن أيقى مدة أطول بعيدة 


67 


عن أطفالي55 كيف سأطفيى لهيب نار الأمومة المشتعل لذ قلبي؟5 ولكن 
الله تعالى استجاب دعائي وخرجت مع كل الأخوات بعفو عامء ولكن بقيت 
تحت الإقامة الجبرية: وكان من أجل وضعي وأنا حامل؛ لقد اجتاز جنيني 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر.... 
الحكاية السادسة 


صباح الخير لكل المستضعفين ‏ الأرض من الرجال والنساء والولدان. 

وهكذا فرج الله عني وعن الأخوات. فرحت للحرية:؛ ولكنها كانت مغلفة 
بخوف عميق أني سأعود يومأ للسجن كيف55 ولماذا55 وذ أي توقيت5؟ لا 
أعلم!. عشت ب# بيت أهلي كان والدي ووالدتي رحمهما الله يحبون الشهيد 
حبا كبيرا ويحترمانه. قبل الملاحقة ومنن_تزوجناء وبقيا. على هذ! الحب 
له كان والدي يؤثر ياسر عن أخي الصغير «عبد الله » وابنتي فردوس عن 
أختي الصغيرة «منار» لم نعرف أن والدي وضع أحد إخوتي الصفغار على 
أكتافه ولكنه كان يضع ياسر على كتفيه ويحمله. كان حنوناً كريماً رغم ضيق 
ذات اليد. وحضن أولادي بكل محبة وكرم؛ «لقد وضعت ابنتي فردوس ولد 


68 


وأسمته على اسمه اعترافاً بالجميل له» رغم كل ما أحاظوني به من رعاية 
وحنان ولكن الخوف بقي المسنيطر علي؛ كلما سمعت صوت الرصاص أو 
سمعت إشاعة أن الشهيد قد أصيبء وكلما رأيت دورية مخابرات تقف 
تحت عمازة بيتناء كان تأقير الغتاب على كبيراء وخاصة وأنا حامل: تقد 
تعرضنا لمحاولة اغتيال ولكن لم تنجح؛ أحد أخوة قتلى المخابرات يسكن 
4 بناية أمام عمارتناء وكان يراقبنا لتسنح له الفرصة ليقنص ياسر؛ فقد 
كان مستهدفاً حثى من أبناء عمتي البعثيين: كانت تأتيني التهديدات إذا 
قتل فلان فسوف نقتل له ابنه ياسر. كنت أنظر إلى ياسر ولم يتم بعد الثالثة 
من عمره فينتفض جسمي وأنا أتخيله مقتولا : كل تلك الظروف جعلتني له 
حالة نفسية سيئة للغاية. كانت دورية للمخابرات تحت عمارتنا ليل ونهار 
تنتظر خفية أن يقوم الشهيد بزيارتنا فيعمدوا لقتله؛ ولكن الشهيد لم يكن 
بهذه السذاجة والسطحية ليأتي لزيارتناء فقد ودعنا الوداع الأخير عندما 
قرر أن يقوم بالعملية. 

كانت حلب تفور وتغلي؛ لم يبق شارع ولا حارة ولا مسجد وإلا خرج الناس 
بمظاهرات فيع ضد النظام. لم أر يذ أي مظاهرة رجلاً يحمل شعارا أو 
راية» الكل يصدح بحنجرته وينشد الأناشيد الدينية» وينادون بعدنان عقلة 
رئيساً وإبراهيم اليوسف وزيراً للدفاع. ؤمع كل هذه الأجواء الرائعة التي 
تبشر بنصر قريب كان يراودني هاجس خوف وقلق, كنت أظنه ناجم عن 


69 


من أن أن طاغلا مشوها عن الكهرياء: وافخوف التق عقعف كان بجميع 
من حولي لديهم هذا الهاجس. وحان موعد ولادتيء والحمد لله رزقني الله 
طفلاًء كل من رآه يقول هذا ملاك وليس طفلا: فرحنا بمولده مع حزن 
عميق؛ وتناقل الناس الخبر بأن المجاهدين زادوا مجاهدا, ولكن فرحتنا لم 
تكتمل فقد استشهد ثمانية شباب بقاعدة الصاخورء وأذكر منهم: « أيمن 
الخطيب وموفق سيرجيه وستة آخرين لا أذكر أسماءهم». كانت ضربة 
موجعة للناسء فهم من خيزة المجاهديءن والشهيد موؤفق يعرفه غالبية 
أهل حلبء فهو خطيب وإمام مسجد الرحمنء كان المصلون يوم الجمعة 
يتقاطرون إلى مسجده لسماع خطبة الجمعة من جميع أنحاء حلب. خيم 
علينا حزن كبير. وطفى على فرحتنا بموئد اسماعيل: الذي تسمى على اسم 
عمه الشهيد. تقد سمع والده بمولده وفرح لذلك وتقبل التهاني من الناس 
كل مكان؛ وخاصة أنه لم يولد مشوهاً. على العكس كان طفلاً جميلاً 
وبصحة ممتازة: لقد عوضني الله به عن العذاب الذي لاقيته؛ ولكن أصبح 
مع أخيه مستهدفاً للانتقام. مر عشرون يوم على مولده. وكان ذهابي مع 
والده يسلية ثوعية كايو بهار ساسك عتهالايها ...به 


وإلى حكاية من حكايا الجدة أم ياسر.... 


0 


الحكانة السايعة 


حكايتنا اليوم تدور أحداثها يذ إحدى مراكز الطليعة المقأتلة» كان المركز 
عبارة عن بيت عربيء يقوم المجاهدون بعمل مخباً سري حسسب تصميم 
المنزلء ويقوم على خدمة المركز زوجة الآخ صاحب المنزل. 

جتت لهذا المركز بعد عملية نوعية قام بها الأخوة حتى استطاعوا إخراجي 
من منزل أهلي: لأن المخابرات وضعوا دورية مرابطة تحت عمارة أهلي: فقام 
الشباب وتنكروا وكأنهم من عناصر الأمنء. وشهروا أسلحتهم « لم يكوتوا 
مثل اليوم يحملون أسلحتهم علنا»؛ وطرفوا باب المنزلء وكان قائد الدورية 
شاب من اللاذقية اسمه (عبد الكريم منلا): وكان يتقن اللهجة العلوية, 
فقال: مطلوبة للأمن للتحقيق هي وأولادهاء وهكذا خرجت من منزل أهلي. 
كانت الدورية من أمن الدولة هي من ترابط تحت العمارة: فظنت أن الأمن 
المسسكري يريد اعتقالي؛ فقامت بتغريق الناس الذين تجمعوا. وكان باقي 
الشباب يحاصرون المنطقة سراء وهكذا انطلقت السيارات باتجاه كروم 
الفستق والزيتون: لقد أيقنت أن الموت والانتقام ينتظراني أنا وأولادي 
الثلاثةء وتوقفت السيارات: وإذا بزوجي ومعه الشباب المجاهدون: وراحوا 
يضحكون فرحا بالفوز والسلامة. وقال لي الأخ الذي يتقن اللهجة العلوية 
سامحينا يا أختي. وهكن! كت أنا والأخت صاحبة المنزل نتقوم بخدمة 
المجاهدين. وؤذ كثير من الأحيان نقوم بالحراسة عنهم؛ وبعد استشهاد 


71 


زوجي بقيت معهم أقوم بواجبي مع الأخت التنٍ كان لديها خمسة أطفال 
«زوج الأخت أحمد كريز»؛ كانت غرفة الأخوة مبنية على السطح: أما المخبأ 
فقد جهز ببناء جدار لي الغرفة التي تحت غرقتهم: وكانت فوهة المخبأ 
وراء باب غرفة الأخوة عبارة عن أربع بلاطات ملتصقات ببعضهن؛ وي 
المنتصف ثقب نضع فيه أنبوب ماء ليسهل رذعه؛ أثناء التفتيش ينزل جميع 
الأخوة مع أشيائهم لداخل المخيأء ونقوم بإغلاق الفوهة: ونضع خزانة 
صغيرة فوق الفوهة. وعندما يأتي الأمن للتفتيش العام يفتشون ما شاء الله 
لهم أن يفتشواء فلايعثرون على شيء» وبعد انتهاء حملات التفتيش نفتح 
الفوهة.. وتعود الحيأة كما كانت من قبل. 

4 الصباح درس الرياضة: ثم طعام الفطورء ثم يذهب كل واحب لعمله 
المنوط به ونحن نعد طعام الغداء ونقوم بغسل الملابس والإعتناء بالأطفال 
الثمانية: ولكن عندما يريد أحد الشباب الخروج من البيت يخرج الأطفال 
وإحدانا وراء هذا الأخ: لنوهم الجيران أنه عم الأولاد: وإذا كان هناك سلاح 
يراد جلبه نخرج جميعنا وراء الأخ وهو ذاهب؛ ونوصيه بصوت عال أن اجلب 





رية أوعرانيس الذرة: وب المساء تأتي الأكياسن 
التي تحوي الخضروات كما أوهمنا الجيران: فنحن عندنا أراض 57 
وهكذا تدخل الأسلحة وتخرج سر بالليل فرادى. وعندما تكون هناك عملية 
يريدون تنفيذها يكون جميع من المنزل ذ حالة استنفار. من اسماعيل 


وسمية حتى أمير المركزء كل له عمله» ونبقى بحالة قلق وحزن: ونسأل 


712 


أنفسنا من يا ترى سنفقد من هذه العائلة الرائعة المتماسكة المتحابة؟ نعد 
كل أخ باسمه من « أبو فيصل عبد الكريم دانيال - أو عبد الكريم منلا أبو 
قاسم -أو أحمد ريحاوي أبو عمر -أو أبو سليم نذير زنابيلي -أو أبوثابت 
لاأعرف اسمه الحقيقي إلى الأن - أو أبوهيثم شاب من منق ( عبد الرحمن 
عثمان) كان مهتدسا ؤراهيا - و أبوسالم عمر خشفة وقد اعتقل وأصبح 
عميلاً وهو حي إلى الأن - أو صاحب المنزل أو زوجي إبراهيم اليوسف 
أبو خليف أمير المركز» وهكذا حتى تنتهي العملية المخطط لهاء وعندما 
يرجعون سالمين تغمر الفرحة أركان المنزلء وتعم البهجة بالإنتصار والأمل 
أن الله سينصرنا مهما طال الزمن: ومهما قدمنا من تضحيات. كان الأخ 
أبوثابت هو أستاذ الأولاذ «لقد سمعت أنه الحي الوحيد من عائلتنا وأبحث 
عنه ولا أحد يجده اذ لا أعرف اسمه» لقد قال من الظلم أن يبقى الأولاد 
من دون تعليم: فاشترينا لوحأ كقييا: وي ساعة محددة يصعد الأولاد 
«فاطمة كريز - بدرية كريز - هدى كريز - فردوس اليوسف - ياسر 
اليوسف» يحملون دفاترهم وأقلامهم وهم بكامل النظافة والترتيب؛ ويقوم 
الأخ بتدريسهم» والكسول يعاقب, والمجد يكافأ. بقيت عائلتنا سعيدة رغم 


الخوف والقلق: حتى فقدنا أميرنا الشؤيد رحمه الله إبراهيم اليوسف. 


وإلى حكاية جديدة. من حكايا الجدة أم يأسر..... 


73 


الحكاية الثامنة 


مساؤكم خير محمل بعبق الورود الدمشقية الحمراء التي اصطبغت 
سوريا كلها بلونهاء لون دم الشهداء الأبرياء. 

حكايتي اليوم سأحاول فيها نقل صورة عن إحدى المعارك التي كان 
يخوضها شباب قاعدتنا بالتنسيق مع قواعد أخرىء وأتمنى أن أستطيع 
ذلك ببساطة ووضوح. 

العملية هي ضرب دوريات المخابرات على الطريق الواصل بين بستان 
القصر والطريق المؤدى لكاراجات الياصات. بدأ التحضير والتخطيط لعا 
قبل ثلاثة أياءم وذلك بالتنسيق مع قاعدة أبو ربيع وقواعد أخرى. صحيح 
أن جميع عملياتهم كانت ضرب الدوريات أينما وجدت,. ولكنهم الأن يجب 
أن يخططوا للعمليات لتكون الضربة أقوى وأقسى. كانت قاعدتنا مثل خلية 
النحلء فمنهم من يخرج ليكتشف أرض المعركة؛ وأين سيقف كل مجاهد. 
وكيف ستتم عملية الانسحاب؛ ذهي الأهم بعد انتهاء المعركة. وأي الطرق 
ملك قاذ يتبهم أحد سني يصاوا تولمدهم سالين. لم يكن الدوف 
من العدو هو الأهم ولكن الخوف الأكبر كان من المخبرين المنتشرين 4 كل 
حارة. لقد اشترى النظام ذممهم ببضع دريهمات كما اشترى الأن ذمم 
آخرين: فالنظام باع سوريا ليبقى 4 الحكمء وهو مستعد للتضحية بكل 


طاقات سوريا وتبديدها من أجل بقائه بالحكم. 


74 


كان كشف أي قاعدة مصيبة على كل التنظيم: فثمن المركز ممكن أن لا 
يعوضء والسلاح الذي سيبقى لأنهم لن يستطيعوا حمله: والشباب الذين 
سيتشردون من الصعب إيواؤهم 4# قواعد أخرى ريثما يتم تجهيز قاعدة 
جديدة لهم: غفي هذا خطر على القاعدتين إذا اعتقل أحد ماء لهذا كان 
الانسحاب بعد المعارك من أصعب مراحل المعركة. 

كان لهذه العملية صدى كبيراً ورهبة: فالشهيد إبراهيم لن يشارك بها 
بئفسة؛ ولكن سوف يقود المعركة عن طريق اللاسلكي؛ يوجه المجاهدين 
ويعطيهم الأوامرء وسيكون قريباً من أرض المعركة: 4# إحدى البيوت التي 
استضافته تذلك. 

هم الممركة رسمها الشهيد على الخريطة: وثبت عليها مكان كل مجناهد. 
وطرق الانسحاب. وهي منشورة على ما أظن بإحدى المجلات. 

كان شبابنا رحمهم الله على أتم استعدادء فليست هي المعركة الأولى التي 
يخوضونهاء ولكنها الأولى بدون الشهيد. 

أما نحن فكنا كعادة كل النساء ننظر للجميع نظرة مودع: ونقول من 
سنفقد منكم5؟5 ونحبس دموعنا لثلا يراها أحدء وكانت مهمتنا أن نقوم 
بالحراسة عوضاً عن الشباب؛ ونراقب باب المنزل لنستطيع إدخال الشباب 
من دون أن يلمحنا أو يشعر بنا أحد من الجيران. 

وخرج الشباب الواحد تلو الأخر؛ كل بطريقة ماء فالخروج والدخول 
للقاعدة من صعب المهام. من 5 أمن المركز. 


715 


انتشر الملجاهدون 4 مجموعات صغيرة: مؤلفة من خمسة مجاهدين, 
يربطون طريقاً طويلاً يوصل بين عدة مناطقء وبدأت المعركة بإطلاق 
إحدى المجموعات طلقات بالهواءء ليعلموا الأمن بوجودهم بتلك المنطقة, 
فيوقعهم بكمين نصب لهمء ثم يطلبون العون فتأتيهم المؤزارة من طريق 
آخرء فيقع الآخرون بكمين أخر نصب لهم على غير ذلك الطريقء؛ ومن ثم 
تطلق مجموعة أخرى الرصاص بالهواء فتأتي المؤازرة وتكون مجموعة من 
الشباب الآخرين قد نصبوا لهم كمينا آخرء وهكذا أوقعوا دوريات عديدة 
فخ لايستطيعون الخروج منه؛ وكل مؤازرة تأتيهم تقع ب كمائنهم. كان 
الشهيد يعطي التعليمات للمجاهدين عن طرق اللاسلكي؛ وكان الأمن 
يسمعون صوت إبراهيم اليوسف وهو يوجه شبابه؛ كان صوته رعباً آخر 
يفوق رعب الضربات. وانتهت المعركة بحصيلة وفيرة من القتلى: وانسحب 
الشباب بهدوء كل لقاعدته سالماء ولم يستشهد أي واحد منهم. وكانت هذه 
هي الفرحة الكبرى. وعم فرح كبير بالنصر والسلامة وكانت هذه المعركة 
علامة فارقة 4# الثورة. ش 

لقد عرف الللام أو الشباب © تطور كبير © إدارة المعارك؛ تام 
باعتقالات لأقارب إبراهيم: منهم إخوتن التلاتة الذين كان أكبرهم لا 
يتعدى الثامنة عشرء وقد قاموا بتعذيب أخي الصغير عذابا استغربه كبار 
السجناء © التنظيم. وذلك ليستطيعوا أخن معلومات عن مكان وجود 
الشهيدء وهل لهم صلة به وبي وأين55: ولكن الحقيقة لم تكن لي وله أي 
صلة بالأهل والأقارب خوفا من ذلك. 


6 


قد يقول أحد شباب اليوم أني أبالغ بما أتكلم به عن خوف النظام من 
الشهيدء ولكن الجيل الذي عاش تلك المرحلة يعرف صحة ذلكء تقد كان 
أسطورة للنظام والنقاس يتحدثون عنه ويطلقون لخيالهم العنان بوصفه. 
ولكنه كان مجاهدا عادياً لا يخاف خا الله لومة لائم: وكان جميع المجاهدين 
على هذه الدرجة من الإيمان والشجاعة. 

رحمهم الله جميعاً وحمى الله مجاهدينا الآن: ووحد صفوفهم: ونقاها 


من الحيف والغرور والأنانية. 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر 55 


77 


الحكاية التاسعة 


مساء الخير والبركة لكل إخوتي وأبنائي. 

سألني بعضن الأخوة أن أشرح لشباب اليوم الطريقة المتبيعة لعمل 
المجاهدين أيام الثورة الأولى. ظ 

كان كل سيمة أو ثماتية شياب يسكنون بيتأ يسمى قاعدة اتطللاق 
لعملياتهم» وتحتضنهم أسرة تغطي على وجودهم. أول قاعدة أسسها الشهيد 
بمنطقة الفردوس قرب مدرسة الصناعة؛ يعيش الشباب داخل المنزل حياة 
مسكرية يكل مآ الكلمة من ععنى. يحب أن كين الجاهؤية دائما موجودة: 
ويخطط القائد للعملية» ويقوم عدة شباب بالاستطلاع. قد تستغرق العملية 
أكثر من أسبوع إذا كان الهدف قبيراء وذلك توخياً للخذر من أن يصاب 
مدني واحد بالعملية. كانت عملياتهم على العالب تقوم على ضرب دوريات 
المخابرات بكل مكان وجدوا فيه؛ ولما عجز النظام عن اعتقال الشباب يكل 
الوسائل؛ جاء بوحداته الخاصة؛ ولكنهم لاقوا مصيراً أسود, فقرر إنزال 
الجيش وتطويق كل حلب وتفتيشها بيت بيتاء كنا نسكن بمنطقة تل الزرازير 
بالسكري, بالمركز التي حدثتكم عنه؛ وبدأت طائرات الهليوكبتر برمي 
المناشير. التي تعطي التعليمات للناس؛ ومنن الفجر قام الشباب بتجهيز 
كل أشيائهم وإنزالها للمخبأ. كان التطويق بعيداً عنا تقريباء ولكن وجود 
المنزل ذي الطابقين # مثل هذه الحارة الفقيرة كان محل شبهة: وفجأة 


78 


ونحن باتششاكةا طرق الباب: ولم يكن الشباب قد دخلوا المخبأ بعد. وركضت 
بئات صاحب المنزل نحو الياب» وقالوا لعناصر الجيش نبحث عن المفتاح, 
ركضت بسرعة البرقء ونزل الشباب إلى المخبأ وغطيت عليهم الفتحة: 
ووضعت خزانة صغيرة فوقها؛ وبما أننا تأخرنا بفتح الباب راحت دبابة 
تهدر أمام المنزل: وسيارة الإسعاف يدوي صوتها مرعبا القلوب. وصوت 
مايكريفون يطلب من الناس الابتعاد كانت غرفة الشباب تفص بأشياء تدل 
على وجودهم؛ استجمعت كل قواي وطرقت: على فوهة المخبأ أن استعدوا 
يمكن أنه كشف أمرناء فتحت الفتيات الباب وقال عناصر الأمن لهن هل 
ففيؤون سلاساء فلن لا ركنا آضطا مفتاع الفزق لثلذ يشرج أخوتنا. 
صعد العناصر السطح هما كان مني ويهداية من الله إلا أن حملت فراشاً 
كبيراً ووقفت بباب الغرفة؛ وقلت للعناصر نحن نقوم بتنظيف الغرفة «نعزل 
باللهجة الحلبية». 

سأل الضايظ صاحب المثزل هل عندك زوجتين قال له لا هذه أختي جاءت 
لمساعدتنا لأن زوجتي قد ولدتء قال له من هم أولادك قال هؤلاء وأشار 
إلى أولاده. سألهم هل يوجد لديكم مثل هذاء يقصد البارودة, قالت لا. 
سأله صاحب المنزل هذه طفلة, تخيل أنها قالت نعم ماذا كنتم ستفعلون؟: 
قال سنهدم المنزل فوق رؤوسكم. ونزل الضابط وعناصرهء وصعد آخرون, 
وبين أول دورية والأخرىء رأيت آذآ وطلقات ومجلات نسيهم الشباب, 


أخذهم أبق عصم ودفنهم بكومة تراب موجودة على السطح, وصعد أحد 


729 


العساكر ونظر لكومة التراب وأخرج المسدس والطلقات وأعطاهم لصاحب 
المنزل قائلاً ضعهم عند النساء؛ بكى أبوحسن وأراد تقبيل المجند المدجج 
بالسلاح؛ وقال لي أخفي هؤلاء وهؤلاء: وقال اتركوا باب المنزل مفتوحاً اثلا 
تأتي دورية أخرى تفتش؛ ونزل الدرج؛ ونحن 4 حالة ذهول؛ وهكذا أصيح 
فراش الأخت مليئاً بالذخائرء وكانت قد ولدت منذ أسبوع طفلة أسماها أبو 
قاسم (عبد الكريم منلا) سمية. 

ذغيت الديابة وجميع السكر عن حاركطاء تقد خلتوا آنا تشيع سلذها: 
لكنهم لم يروا شيئاء ورأوا أطفالاً ونساءً وامراة نفساء ب فراشهاء ونحن 
نلبس لباس القرويين الفقراء. كنت أقول والله هذا الضابط أعرف من هو 
ولكن من هول الموقف لم أتذكر أين رأيته: « كان ضابط المخابرات أليف وزة 
يحمل صورتي ويبحث بين النساء لم يخطر بباله أن هذه القروية هي أنا 
من يبخث عنها ليعلم مكان زوجي»: وبعد ساعة أصبح رتل العسكر بعيداً 
عن المنزل: فتحنا فوهة المخبأء كان ابراهيم الأول أعلى السلم؛ ويحمل 
قنبلة منزوعة الصاعق حتى لو كشف أمرهم يكون الأول ويرمي القنبلة: 


ويكون الفدائي الأول .خرج:-والدموع تملا عينيه-وهو د ل ست توت تاذن: 





اللهء منصورون, ثم خرج باقي الأخوة من المخبأ وتوضؤوا وصلوا شكرا لله. 

5-1 ع برا #ك يه إض 7 2 عيله 

وتلا ابراهيم أيات من سورة الأحزاب وذ جَاؤوكم من فَوْقكم ومن أَسَمَلَ 
و لله 


1 7 5 م ء 
منكمٌ وَإِذَ رَاغْتَ الأَيَصَادُ وَبَكَقَت العُلوبٌ الْحَنَاجِرَ وَتَظنُونَ بالله الظنونًا. 
هُنَالك ابثلي المؤمنونَ وَرْللوا زرالا شَدِيرٌ اي (الأحناب/2"73, حقاً لقد زلزلنا 


650 


زلزالاً شديدا وعرغنا أن كل احتياطاتنا لا تساوي شيئاً إذا لم يحفظنا الله 
ويرعانا. 

كانت مرجوحة صغيري أحد أطرافها مدقوق © جدار المخبأ وصوت 
صريرها يتناهى لوالده وهو يبكي» وأنا مشغولة عنه بغرفة الشباب ولملمة 
الأغراض وإخفائها. قال له «لك الله ياولدي لك الله ياولدي وعيناه تدمعان 
وهو يسمع بكاءه» أما الأخت صاحبة المنزل فكانت 2# كرب عظيم: وتخفي 
تحت فراشها مخزن أسلحة وأشياء وأشياء: لا أستطيع ببضع كلمات أن أصف 
حالة كل من بالمنزل» لقد عبرت عنا الآية الكريمة أشد تعبير وأصدقه.ء كان 
صوت هدير الدبابات يهز قلوب الناس هلعا وخوفاً فكيف نحن؟؟ مواجهة 
الموت ليست بالأمر السهل كما يظن الآخرون. فالمجاهدون يخافون وترتعد 
قلوبهم, ولكن هذا الخوف لايثنيهم عن خوض غمار الجهادء لقد عظم الله 
أجر الشهيد لعظم الموقف الذي يتعرض له: وهو بكامل إرادته, الاسميرا 
عليه. وانتهى هذا اليوم العصيب. ولاازل قلبي يخفق عند سماع صوت يشبه 


صوت سلاسل الديابة وهي تهدر. 


وإلى حكاية من حكايا الجدةأم ياسر 5-5 


81 


الحكاية العاشرة 


مساء الفل والياسمين لكل أحرارنا وثوارنا ومجاهدينا. 

اليوم سأخرج من أجواء الحزن والخيانة وسوف أحكي لكم ما كان 
يجري معنا من نهفات مضحكة: لا تظنوا أن كل حياتنا هم وقلق وحزن, 
على العكسء كنا نعيش لحظات فرح وسعادة كما كل الناس. 

ب أحد الأيام جاء لقاعدتنا اثنان من الشياب: ولكنهما لم يكونا مدربين 
على حمل السلاح؛ وبما أنه قد تمت تزكيتهما فقد وصلا إلينا «لأنه لا يمكن 
لأي أحد أن يأتي لقاعدتنا بدون تزكية من كثيرين» 

قرر أمير المركز ركان أنه يجب تدريب الشباب على الرمي: وكذلك 
أنه هذ اليوم التالي يجب أن نذهب نحن والشباب لحقل الرمي: جه جهزنا أنا 
والأخت بعض الطعام مما يوجد عندناء وك الصباح الباكر جاء أحد الأخوة 
«للأسف نسيت أسماء من رافقنا بتلك الرحلة ولو كانت الأخت أم حسن 
قريبة كانت ساعدعع ب« ذلك» بالطريزينة (وهي وسيلة نقل بدائية) ؛ 
وركبنا نحن والأطفال والأخوةء وسارت ينا ساعات حتى وصلنا المكان 
المطلوب» كان الحقل سهلاً واسعا بعيداً عن المدينة, وأخذ الأخ المدرب يعلم 
الأخوة. ومن ثم قام بتعليمنا فك وتركيب المسدس والبارودة الروسية؛ ثم 


52 


أخذ الأخوة يتدربون على الرميء وكنا نراقبهم ونعتني بالأطفال وطلباتهم, 
وجاء دورنا وتدرينا على الرميء؛ وأطلقنا الرصاص الحيء لم يكن الأمر 
سهلاً؛ لكنه كان ممتعا؛ وكانت نتائجنا ممتازة وكنت متفوقة يذ ذلك: لأني 
كنت أتدرب بالبيت على بارودة الصيد (الخردق): كان الشهيد يأمر الكل 
بالتدريب عليها؛ وانتهى الدرس وأكلنا ما جتنا به من طعام: وركض الأطفال 
هذه السهول وكأنهم كانوا ب سجن. وعند العصن لملمنا أشياءنا لنعود 
للبيت. وقبل ذلك كان أحد الأكوة قد ذهب وآتى يتكفة هملوءة بالمالقات 
لا أعرف من أين وبواريدء حاولنا أن تكون رحلتنا عادية لا تثير الشكوك: 
فالظاهر عليها رحلة عائلية فيها نساء وأطفال ورجالء كلنا يلبس اللياس 
القروي» ونحن # طريق عودتنا تعطلت الطريزينة: مالعمل؟ كيف يمكن 
لنا أن نركب غيرها؟ وكيف سننقل السلاح 'منها لسيارة أخرى قد يكون 
سسائقها مخيراً ويدال عليناة قكرنا كثيراً وضحكنا هذه السيارة الحديكة 
العجيبة. ونحن 2# ارتباكنا هذا مرت طريزينة أخرى عرض الأخوة على 
السائق أجرا مجزياً بأن يجرنا نحن وطريزينتناء وافق صاحبها دون 
تفكير: وطلب منا الأخوة أن لاننزل منها ونبقى بجانب السلاحء وحملوا 
رأس طريزنتنا ووضعوها خلف الأخرى, وأصبحنا وكأننا جلوس على سفح 
جبل: ولكم أن تتخيلوا هذا المنظرء كنا نضحك جميعنا على هذا المنظر 
الذي نحن ب.ه وسار السائق بنا وهويجرنا جميعاً دلم يجدوا حبلاً يربطوا 


الواحدة بالأخرى فوضعوا رأس هذه قوق الأخرى»: كنا كلما مررنا بجماعة 


53 


من الناس ينظرون إلينا باستغراب عجيب هل نحن أقرباء لجحا8؟ لم 
نستطع أن نتمالك أنفسنا من الضحك والقهقهة جميعناء كل ينظر لمنظر 
الآخر ويضحك. حتى مررنا على جمل حغلق ينأ ومد رأسه إلينا؛ كأنه 
استغرب هذا المنظرء وسائق الطريزينة يجر ويجر هذا الحمل الثقيل حتى 
وصلنا أمام المنزل, نزلنا منها وأنزل الأخوة السلاح الملفوف بأشيائناء كان 
الوقت قد أصبح متآخرا بعد المغرب: تقد بلغ قلق الأخوة أقصى درجاته: 
ولو تأخرنا بعد قليلاً لخرج الأخوة من المنزل احتياطأً خوفاً من أن نكون 
قد اعتقلناء وعاتبنا الأمير على تأخيرناء كان يؤنبنا والكل يضحك, غضب 
الأمير وبدأً يصرخ ما بكم؟5 واسة ستجمع الأخوة قواهم وحكوا له ما حصل 
اعد بر روص عا ا ا وه 
رأوناء وكأننا بذ حكاية من حكايات جحا. 


54 


صباح الخير محملة بعبير الشوق لكل الأحرار 

اعذروني يا أولادي ويا أخوتي فأنا أنبش الذكريات من ذاكرة غشاها 
النسيان. اليوم سأعود بالأحداث للوراء لتكتمل لديكم صورة ماحدث 
بثورة الثمانينيات: تقد كان عدنان عقلة (رحمه الله أو فرج الله كربه) 
قائد التنظيم ‏ مدينة حلب وكان الشهيد ابراهيم اليوسف 58 حمه الله ) 
القاقد السكري يذ مديلة حلي: ولثم لم أيدا أن خلاضاً حصل بينيسا: 
فهما يكملان بعضهماء وكل منهما غايته الجهاد لا المناصب الوهمية؛ ولا 
الزعامات: و4 إحدى المرات اشتد الخلاف بين عدنان عقلة والإخوان 
على رئاسة التنظيم: فهم يريدون أن يقودوا الثورة بما يرون: وأن شبابهم 
هم وقود هذه الثورة. وعدنان يرفض: لا حباً بالزعامة ولكنه لا يثق بهم: 
فهذه الثورة ولدث طفلاً ضعيقاً. والشباب هم من رعوها حتى كبرت. ولا 
يمكن أن يسلموها من كان لا يؤمن بهاء لهذا طلب عدنان من إبراهيم أن 
يسلمه القيادة فهو أحرصض الناس على هذه الثورة: فقال له أرجوك استلم 
عني وريحني من هذه المسؤولية؛ ولكن إبراهيم رفض قائلاً: أنا رجل 
عسكري وليس لي # السياسة. رجاه كثيراً أن يحمل عنه هذه المسؤولية, 
ولن يستطيع أحد منازعته على القيادة فهو محل خوف ورهبة؛ لقد أرهب 
ابراهيم الأصدقاء قبل الأعداء. باستقامته على الحق» وعدم المحاباة ب 


55 


دين الله. أذكر أني بعد خروجي من السجن الأول من كثرة ما سمعت من 
الأساطير عن الشهيد. بدأت أخافه وأقول معقول تغير وأصبح كما يروى 
عنه من الوحشية والإجرام (هكذا يقول النظام)»؛ ومن الشجاعة الخارقة 
الأسطورية (كما يقول الشعب) ؛ ظننت أني سأرى رجلاً آخر غير الذي كنت 
أعرهف ونكتى عتدما رأئته تظرت إليه لأرى أل الرعنين أصبهة؟ 

لم يكن هذا ولا ذاك. كان يرسل الرسائل للشخصيات التي تثبت حكم 
الأسد ويرجوهم الانشقاق عنهم: ويطلب منهم أن يتركوا هذا النظام الكافر 
الجائر قبل أن يهاجمهم: كان يحرص كل الحرص على الأرواح البريئة: لم 
يكن إذا أبداً هذا المجرم الذي يستهتر بأرواح اليشر. 

أنظر إليه لأرى ذاك الرجل الأسطوري الذي لا يخاف الموت, ولا 
شي ولعني أراد إتساناً عادياء يخاف وقد يطرق قلبه خوفاء ولكن هذا 
الخوف لايثنيه عن محابية طريقه كان حتونا, شتدما يذكر ألخام الشهيد 
تدمع عيناه. ويقول هذا اسماعيل الشهيد العفيف الشريفء كان يبكي لفقد 
عزيزء ولبكاء طفله الذي يعرف أنه سيتركه للقدر يفعل به ما يفعل؛ كان 
الزوج السريس عست 
أحد؛ فهو يخطط لها مستقبلهاء فهو اختار طريقه من دون أن يوقفه عن 
ذلك ما يمكن أن يحصل لها بعد استشهاده لهذا يجب أن يكون لها من 
تفكيره وتخطيطه نصيب. 


/ 





بل زوجته. وهو العيوز الي لايبتَارية ب غيرتة 


56 


4 إحدى المعارك التي كانوا ينوون القيام بهاء طلب الشياب المجاهدون 
منه أن لايشارك معهم: ورجوه 2# ذلك؛ وعندما ذهب الشباب لم يجلس 
أبداً على الأرضء كان يقف فوق تلة الحراسة ويصفي لصوت الرصاص: 
ليعرف كيف تدور المعركة. كان فلبه يخفق بصوت مسموع يسمعة من يقف 
بجوارهء وبقي على هذه الحالة حتى عادوا سالمين منصورينء واستقبلهم 
بالأحضان ودموعه تملأ مآقيه. كان رجلا يوقن ويؤمن أنه قام لاحباً بسفك 
الدماء. ولكن أمرأ من الله بجهاد من يحارب دينه ويظلم الناس؛ ويكرههم 
على الكفر. 

إحدى المرات كان له موعد مع عبد الله الطنطاويء والأخ أتى بصور 
لأولاد ابراهيم ظناً منه أن إبراهيم لا يراهم, فقال له ابراهيم الأولاد 
وأمهم أصبحوا عنديء (قال أم العز لا أراها إلا بعز), وشكره على الصور, 
وجاء ورمى لي الصور. 

والآن وبعد استشهاده لا يعرفه أحد55 هذا التشويه للشهيد وطمس 
جهاده وحياته لا يمكن أن ذقفره لهم الع تعمدوا ذلك من منهم لايعرفه 
( البيانوني الذي عندما لاحق النظام تنظيمه رجاه أن يساعده) أم من55 إن 
لم يكن هذا حق الناس فهو حق للعائلة التي فاقت تضحيتها كل التضحيات 
ذاك الوقتء هذا حق أولاده وأحفاده وهم يطالبونهم» لماذا تشويه وطمس 
سيرته؟ الشهيد لا يهمه من ذلك شيء فهو جاهد ليرضي اللّه وليس البشر 


ولكن هذا حق العائلة. 


57 


لقد جاء أحد الأيام والكآبة على محياه. سألته ما بك5 قال لم أصدق ما 
سمعت اليوم. قلت: ما هوة قال: يوجد للإخوان قواعد ولنا قواعد يعني أننا 
مقسمينء ويحاول عدنان الوحدة بيننا. قلت له: ولماذا؟ استدار بوجهه ولم 
يجبنيء ولكن خيبة كبيرة تبدو عليه. وأراد أن ينوي بالصلاة ليهرب من 
أسئلتي. قلت: له هل أنت نادم على انضمامكم للجماعة؟5 قال: لا ولكن 
كيف يمكن أن يحصل هذا ونحن بحالة جهاد؟ كيف نكون متفرقين؟5 وأكمل 
ماقكه: ويد السلةة يق سايجاً مثعرا هيا وكأخ نصيية حصاكت. 

الآن عرفت معنى هذا الفرقة والاختلاف. يعني الهزيمة. والخسارة 2 
المعركة؛ لقد استشعرها قبل أن تحصلء فهو يحفظ الآية الكريمة «ولاتنازعوا 
فتفشلوا وتذهب ريحكم». وحصلت والحمد للّه بعد استشهاده. ولم يريه اللّه 
ذلك اليوم الذي أعلن فيه حافظ المجرم أنه قضى على الجماعة المؤمنة 
اللجاهدة؛ وبحكم على كل من وقول رضيت يهذا الدين سياة كما بالوت 
أو بالسجنء إني أسوق تلك القصص لتكون للشباب الآن عغبرة وعظة: لماذا 
خسرنا ثورة الثمانينيات؟ نعم بتفرقنا واختلافنا على المناصب والقيادة, 


واليوم إذ! بقينا. ل عن ]شر قة و نسي لأسا اج كه اللمولرة قد 





لسنة الله تبديلاً: ولِن تجد لسنة الله تحويلاً. 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر.... 


58 


الحكاية الثانية عشر 


سياح الخير محا ببركات شهر رمضان الفصي ريسي الله أن يداه 
شهر وحدة ونصر وتمكين. كثيراً ما سثلت وطلب مني أن أكتب ماذا كان 
موقف الإخوان المسلمون من الثورة الأولى8؟ يا إخوتي ويا أبنائي لست 
منظرة ولا أجيد التحليلات السياسية:. ولا الإجتهادات الفقهية: وإنما أنا 
امرأة عاشت تلك الفترة قريبة من جميع الأحداث والشخصيات اليارزة 
4 الثورة: ومن هذا المنطلق أكتب ما رأيت وما سمعت فقط من تلك 
الشخصيات, ولا أستطيع الفوض أكثر وأعمق: وأقول رأيي الشخصي وأنا 
مسؤولة عنه أمام الله: من هم الإخوان: هم جماعة قامت بالدعوة لتحكيم 
شرع الله © الأرض وكان شعارها: الله غايتنا ومحمد قدوتنا والقرآن 
دستوزنا والجهاد سبيلنا وأللوت 4 سييل الله أحلى أمانينا. 

كان ينضم لها خيرة الشباب المؤمن المتدين لك سورياء وكانت تسعى 
للحكم بالدعوة التي تهيء الشعب لقبول تشريع الله ولكن عندما جاء 
حزب البعث للحكم قام بالمنعي لاستتصال كل ما هو متدين. وعمد إلى 
التضييق على شباب الدعوة؛: وسجن غالبية قادة الإخوان: من أجل ذلك 
كانت دعوة الشيخ مروان حديد رحمه الله ومن معه؛ واعتقادهم أن هدا 
النظام ينشر الكفر ويحارب الإسلام؛ ويجب جهاده بالقوة: فهو يحارينا 
بقوة الحكم الذي استولى عليه: ولكن كانت حجة القادة أننا غير مستعدين 


59 


لهذه المواجهة» ولا طاقة لنا بهاء ولكن الشيخ مروان بدأ يعد العدة لمواجهة 
هذا النظام: فاعتقلوه وعذبوه واستشهد بالسجن. 

كثير من شباب الإخوان الذين تربوا على تلك الشعارات رأوا أن الوقت 
حان لنعد العدة للجهاد ضد هذا النظام: ولكن تنظيم الإخوان فصلهم 
لأنهم خرجوا عن طاعته وأوامره. وتشكلت جماعة مروان حديد من شباب 
الإخوان الذين تربوا على الدين والخلق ف المساجدء وبدؤوا يعدون العدة 
سرآ بتنظيم صفوفهم وتدريبهم العسكريء وفرروا المواجهة السرية مع 
النظام؛ وذلك بالقيام بعمليات اغتيال لشخصيات مؤثرة ‏ النظام. بقي 
النظام يعرف ويؤجل المواجهة. وكان لايعرف من يقوم بتلك العمليات؛ 
ولكنه توصل أخيراً لفكرة شيطانية فاعتقل قادة من الإخوان ‏ مديثة 
حلب. وقايضهم بترك التنظيم وعدم اعتقال كوادره مقابل أن يعرف من 
يقوم بتلك الاغتيالات: فرأى الشيخ عبد الله طنطاوي « على حسب اجتهاده» 
أن يسلك أخف الضررين فاعترف بأسماء الشباب الذين انشقوا عنهم 
والتحتوا بجماعة مروان حديد. ولكنخ نظاماً كاشرا كنظامنا كن ينقذ اتفاقا, 
ففدر بالتنظيم.وأخن يعتقلء ليمن كل من .له .علاقة بالتنظيم. فقط. ولكن كل 
من كان يحضر جلسات القرآن بالمساجد؛ ومن كان يتهم بأداء الصلاة فهو 
متهم أنه إخوان: وهكذا اعتقل من شباب جماعة مروان من اعتقل وهرب 


من هرب. 


50 


أقولها وللتاريخ» ولتعلمها كل الأجيال؛ أن شباب الإخوان غالبيتهم كانوا 
وقود الثورة وقادتهاء وهم من رأى أن الجهاد الذي تربوا على حبه قد حان: 
.فضحوا بالنفوسء ولكن كان لقادتهم رأي آخر واجتهاد آخرء فوقفوا ضد 
الثورة. وخاصة بعد عملية المدفعيةء فقد استثكروها وأدانوها. ولايزالون 
حتى اليوم: وبذات الأساليب يستنكرونها علناً. ويقولون لأولادهم إن العملية 
كانت سبب تشردهمء مع العلم أن غالبية قادتهم كانوا يتسابقون للقاء 
الشهيد ابراهيم اليوسف. ولكن بعد استشهاده أنكروا كل معرفة به: أو 
من أي مدينة هوء ولكن شباب الإخوان لم يلتفتوا لقادتهم والتحقوا بالعمل 
العسكري. وكانوا خيرة المجاهدين بالخلق والدين والثقافة: كانوا يرون أن 
قادتهم يؤجلون الجهاد إلى أجل غير معلوم ولا يستعدون له. 

وحصات مفاوضات بين الجماعتين وتوحدوا للعمل ضد هذا النظام. 
ولكن هذا الإتفاق لم يدم كثيراًء وبسبب الإختلاف على القيادة؛ ومع من 
تكون القيادة8؟ فهم يريدون أن يستنسخواأ تجربة الخميني ويقودوا الثورة 
من الخارجء وعدنان عقلة يرى غير ذلك. وأن القيادة يجب أن تكون من 
الدآخل: 

أما الشهيد إبراهيم ظم يكن منظماً بالإخوان. ولكنه يحمل فكرهم 
وعقيدتهمء: غير أنه يرى كما كان مروان حديد أن لا سبيل لتحكيم شرع 
اللّه وهذا النظام موجود: فانضم تجماعة مروان حديد عن طريق صديق 


صباه عدنان عقلة؛ وحرص عدنان على إخفاته لأنه يعرف أن إبراهيم كتز 


01 


من الشجاعة والإخلاص والوفاء والدين: لهذا عندما قام بعملية المدفعية لم 
يكن يعرفه أحد. ولكن بعدها الكل عرفه. وأكبر شجاعته؛ ولكن لماذا أنكروا 
معرفته بعد استشهاده فهذا أمر يعود لهم ولا أعرف له سبباً!!! 

كان الشهيد إبراهيم قد التقى الكثير من قادة الإخوان» ورفض القيادة 
عندما طلب منه عدنان أن يستلمهاء لأن به قوة وبأسأ وهو يقود العمل 
العسكري بنجاحء وهكذا اختار الله إبراهيم للشهادة ولم يدخل فتنة 
الخلافات؛ ووقاه الله تلك الفتنة. 

هذا ما أعلمه وبكل بساطة ومن دون تعقيدات وتحليلات واجتهادات. 

نعم كان الشباب الذين رباهم تنظيم الإخوان 4 المساجد هم وقود الثورة: 
وهم قادتها. وهم الشهداء المنسيين وأطفالهم وآهاليهم: يحق لجماعة 
الإخوان أن تقول إنها هي من قدمت الشهداء 2 الثورة الأولى: ولكن ليس 
تحت جناحها وئيس بوقوفها بوجه النظام ومع المجاهدين. فمن خرج من 
سوريا لم بخرج ليعود ويشارك بالثورة: وإنما لأنه لا يريد أن يشارك: وهكذا 
انطفأت جذوة الثورة بآلاف الشهداء الذين لم تستثمر أرواحهم بالجهاد 
الوعود: وبق الجهاد عماراً يرود بالأفواة: والسيف تتهاراً عرستو عد 
الورق. هم يجتهدون ف ذلك ويرون أن لهم أجر المخطيّ إذا أخطؤواء والله 
يعلم المفسد من المصلح. ظ 

الكثير يطلب منهم فتح الماضي ووضع النقاط على الحروف: فهم أمام 


الشعب متهمون بالتقصيرء وحتى درجة الخيانة؛ واستغرب منهم لماذا 





02 


يتركون ذلك؛ لماذا يخافون من فتح ودراسة ومراجعة تلك الحقبة يما 
لها وما عليهاة5 هم كما يقولون اجتهدوا فأخطؤوا أين العيب ذ ذلك؟؟ 
نصحني الكثير وانتقدني كثرون لحديثي عن تلك المرحلة؛ وأستغرب ذلك 
منهم غلا يوجد لدي ما أخفيه أو أخافه, وليس لي مصلحة يمنازعة أحد 
على القيادة:؛ ولا أبغي تشويه سمعة أحد بما ليس فيه: فلماذا أخاف من 
الحديث55 أليس هذا من حقي8؟ آلا يحق لي أن أقول من منع الدعم عن 
القواعد لمجرد الخلاف على الزعامة. حتى أن شباب القواعد لم يعودوا 
يستطيعون شراء البيوت فتشتتوا 4 الشوارع: واستشهد من استشهد واعتقل 
من اعتقل؟5 ألا يكفي أحد عشر عاماً من السجن لنكون شجعاناً يز قول ما 
نريد58 لم يبق لي من العمر ما أخاف عليه ولا منصباً أسعي إليه: ولكن 
أشهد الله أني لم أقل إلا الصدق وما علمته: وهناك أمور أعرفها ولا أرى 


مصلحة للإسلام والمسلمين # ذكرها لا الأن ولا 4 المستقبل. 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر .... 


03 


الحكاية الثائثة عششر 


مساء الخير لكل الثوار والمجاهدين المجهولين الذين يعملون بصمت 
ولايعرف بهم أحد, ولكم إخوتي وأبنائي. حكايتنا اليوم هي من وحي العنوان 
الذي اخترته لأصبح عليكم: 

هناك من المجاهدين من يعمل والفضل الكبير يرجع له: ولكن لا أحد 
يعرف هؤلاء الجنود المجهولين؛ وبطل قصتنا واحد منهم؛ كان له فضل كبير 
على الثورة الأولى: ولكن لايعرفه أحد حتى أنا لا أعرف اسمه ومن يكون؟ 
وهل هو حي أم ميت5 سمعت حكايته من الشهيد وهو من قال « الفضل الذي 
نحن فيه يعود لهذا الرجل ولست أنا» هكذ! يروي الحكاية إبراهيم: 

كنا بعد عملية المدقفية مشردون تنام ليلة هنا ليلة هتاك. و إحدى 
المرات نمت فوق شجرة؛ كنت متعباء وحرست نفسيء ولكن النوم غلبني 
ولم أستيقظ إلا والشمس قد كشفتني. استيقظت فزعاء كان من الممكن 
أن يعتقلوني «لم يكن يخاف الموت» وأنا نائم؛ وسرت بشوارع حلب بياب 
ولكن لم أكد أخرج من الحارة إلا وقد أصبحت مطوقة بالجنود: استطعت 
الخروج من الطوق بسلامء لم يكن معنا شيء. لا مال ولا رجال ولا بيت 
يؤويناء نهيم على وجوهنا ل الطرقات. كل مسؤول عن نفسه؛ لقد ضاقت 
علي الدنيا بما رحبتء فلا أهل ولا زوجة ولا أولادء وأنا شريد طريد 2 


04 


الحارات والشوارع. وي أحد الأيام كنت أنا وعبد اللّه قدسي «الساعد 
الأيمن للشهيد والذي رافقه لشهور عديدة لا يفترقان حتى جاء أمر بأنه 
يجب أن يفترقا واستشهد بعده بيومين فقط» نسير ‏ كروم الزيتون على 
غير هدى: ونحن نتكلم: وإذ برجل يخرج عليناء وهو يحمل سلاحا يشهره 
وجوهناء فما كان مني وكرد فعل ويعفوية قلت له: إخوان أخي إخوان!, 
فرد علينا قائلاً: اللّه معكم. 

رجعت إلى البيت المقرر أن أنام فيه وأنا أفكر بهذا الرجلء: فهو ممن 
يتعاطف مع ثورتنا ضد هذا النظام. وقررت أني سألتقي به ب الصباح, 
حاول الشباب ثنيي عن الذهاب: ولكني أصررت: وقلت لعبد الله قدسي على 
ماذا نخاف؟5 على النوم فوق المزابل55 أو على الشجرة5 سأذهب. 

عندما لم يستطيعوا إقناعي بعدم الذهاب رافقني عبداللّه (شاب آخر 
نسيت اسمه) طرقنا الباب. فخرج وقال: من أنتم؟ قلنا. له نحن الذين 
مررنا بك البارحة ليلآً!. استقبلنا بفرح غامر وقبلنا والدموع تنهمر من 
غيكيه .ونكقه ملا منا طلباً بواجي آن تجييه بصدق: قال لوت على 
إبراهيم اليوسف لقد سمعنا أنه مصاب جريح. قال له الأخوة هو بخير 
«لايكشفون عن شخصيته أبدأ حتى المركز التي كنا فيها أول من كشف عن 
شخصيته أنا كنت أتاديه باسمه وليس أب و ياسر كم أن هودت على ذلك 


فعرفوه يقينا ولو أن الظن كان يفلب عليهم.فجئّت لأؤكد ظنونهم» فقال 


05 


له إبراهيم: أنا هو. وكشف له عن شخصيته: فقام الرجل يقبله وهو يبكي 
ويحمد الله تعالى. قال إبراهيم شعرت بثقل المسؤولية الملاقاة على عاتفي, 
فقد وضع الناس كل ثقتهم بأن أكون الرجل الذي يدافع عنهم ويخلصهم 
من هذا النظام المجرم الكافر. 

ويعد ذلك عرفنا أن الرجل يعمل بتهريب السلاح: وأصبح يجلب لنا 
السلاح على قدر المال الذي بحوزتنا وهو قليل: ولكن استطعنا أن نبدأ العمل 
ونؤسس لهء وكان له الفضل الأكبر كذ انتصاراتنا؛ ولكن بعد فترة سمع أنه 
اعتقل» لقد حزن عليه وتمنى أن تكون تهمته كأي مهرب سلاح وليس تهريب 
السلاح للمجاهدين. 

لقد روى لي الحكاية بتؤثر بالغ؛ وقال: هؤلاء الرجال يجب أن يمجدهم 
الناس ويتحدثوا عن بطولاتهم: وليس بطولاتنا نحن؛ فلولاهم كنا مانزال 
ننام على الشجرء ونسير 2# الطرقات على غير هدى. 

قد يكون هذا اترجل حيا قيقر كلماقى ويعرف أثنا لم نس فشله على 
الثورة الأولى, أويكون شهيدً أذكر به الناس ليطلبوا له الرحمة والمغفرة, 


0 له من فضل كبير خلال الثورة الأولى. ‏ 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر ... 


506 


الحكاية الرايبعة عشر 


حكايتي اليوم حزينة ولا تستطيع الكلمات وصفها. استمرت حياتنا 
بالمركز على هذا المنوال من خوف وقلق ورجاء وفرح ومحبة:؛ لا أظن أن 
هناك بيتاً ضم بين جدرانه أشخاصا من أماكن شتى يجمعهم حب وإخلاص 
كما كنا نحن كان الشهيد إبراهيم يرفض أن يتناول الطعام معي ومع أولاده 
حرصاً على مشاعر الأخوة: فهم لا زوجة لديهم ولا أولاد. كان يحمل الطعام 
لهم بيديهء يتناولون منه الطعام وهم يضحكونء ويقولون كيف يحمل القائد 
الطعام لجنودهة. كان يرفض أن يبقى ويخرج المجاهدون لتنفين العمليات. 
لقد طلب هنه عدتان عقلة أن لا يخرج قائلاً: نخاف عليك وعلى معتويات 
الناس إذا أصابك مكروه؛ ولكنه كان يرخض ذلك. طلب منه ابنه ياسر الذي 
لم يتجاوز الثلاثة أعوام لعبة فرفض قائلاً: هل كل أطفال الشهداء والمعتقلين 
اشترينا لهم ألعاباً حتى أشتري لابني؟!: وبقي ياسر يحلم بتلك اللمبة إلى 
الآنء كان بريد أن يقول اشترى لي أبي لعبة من يده. وي الثاني من شهر 
حزيران استيقظنا مثل كل يوم: وحمل إبراهيم طمام الإفطار للشباب: ومن 
ثم نزل بعد فترة قصيرة ليس كعادته. وبدأ يوصيني وصايا مودعء سألته 
ماذا هذا الكلام الآن؟ قال لقد رأيت رؤيا والعلم عند الله سأستشهد. وقد 
أوصيت الشباب. وها أنا أوصيك. فزعت من كلامه كأي امرأة: وبكيت. قال 
لا تبكي سوف تنسينء وإن أردت أن تتابعي طريق الجهاد بإمكانك أن تبقي 


567 


هنا المركزء واسترسل قائلاً: لقد جاءني سلاح جديد سيكون غارفا ب 
المعركة البركة بالشباب: واسترسل وهو ينعي نفسه قائلاً: إذا مات بلال 
بطل الآذان؟! إن لهذا الدين رب يحميه. 

كنت أنظر إليه والدموع تملا عيني, وهو يحمل الصغير إسماعيل الذي 
لم يتجاوز عمره الثلاثة أشهر قائلاً: لك الله ياولدي: لك الله ياولدي: 
وخرج من الغرفة قائلاً: لدي موعد. ومن ثم سآتي لآخذك لمنزل آخرء وسار 
باتجاه باب المنزل ثم التفت وراءه ينظر إلينا ونحن بباحة المنزل؛ ولكنه 
استدار صوب باب المنزل. عمل هذه الحركة مرتين: وقال انتظريني عند 
السكة أنت والأولاد عصراً لآخذكم إلى بيت آخر. لأن 2 حارتنا بلبلة» وقد 
يحدث تفتيش ويعرفتي أحد العناصر أو الضباط. 

وحان الموعد وخرجت للسكة الحديدية التي كانت وراء منزلناء ولكن 
بعد فترة قصيرة سمعت عدة رشقات من الرصاص أتية من طرف منطقة 
السالسين: (كثا شرف السيات اتنا كنا تساهه بالحراسة ). 

خفق قلبي وأصابتني حالة من الهيسترياء وبدأت أركض يمينا وشمالاً: 


ميحه وعم مه ع ممه ويه مدو مي محف فوكيه مومه #سيد ره وموم موه رركو كو مقن 


الم اتج ان اسم اواو ا 
وجهيء. لا أعرف ماذا أصابنيء جاء الأخ صاحب المنزل ورآني أصرخ 
بأولادي. قال: ما بك يا أختي5 قلت: سمعت رشقات رصاص. قال: من أي 
ناحية؟ قلت: من منطقة الصالحين. قال: معقول أنت تقولين ذلك5! صوت 


الرصاص بملاً الدنياء ما الفريب 4 ذلك5 نعرفك أقوى وأصلب وأصبر. 


08 


قالت الأخت زوجته: انظري لوجهك كيف أصبح لونه أصفرء لم يخفف 
عني كل ما قالوه, لأني شعرت أن الرصاصات اخترقت فلبيء وأشعر أني + 
النزع الأخيرء لم يأت أبوياسر وعدت أدراجي للمنزل؛ وتكلم الجميع عن 
حالتي ولم يعرفوا لها تفسيراً. وبعد قليل بدأ إطلاق الرصاص بالهواء من 
جميع أنحاء حلب: والألعاب الثارية ف السماءء استثفر كل الشياب ليعرفوا 
سبب إطلاق الرصاصء سألت الأخ أبو قاسم هل يوجد منزل يلتجيٌ إليه 
أبوياسرء قال صلي على النبي يا أختي: منازل حلب كلها مفتوحة له. قلت 
لهم: أيمكن أن أبو ياسر استشهد وهم يطلقون الرصاص فرحا أجابوني 
نفس الإجابة. واستمر:إطلاق الرصاض طوال الليل: ولم ينم أحد مناء كان 
قلبي يخفق ورجلاي ترتعشان. والكل مستغرب لحالتيء لم يروني منهارة 
مثل الآن. ومع الفجر هدأت أصوات الرصاص ونمناء فتحوا المذياع وإذ 
بالمذيع يقول: تمكنت قوات الأمن من قتل المجرم إبراهيم اليوسف. جاء الأخ 
صاحب المنزل وقال هل تستمعين إلى الراديوة قلت: لا. قال: هل ممكن أن 
تعطينا إياءة ناولته المذياع: أعطاه تلشباب: وخرج أحد الشباب مسرعاً ومن 
ثم عاد ثم ذهب الأخ صاحب المنزلء ولكن كانت الوجوه تخفي أمرأ جللاً: 
وجاء مسرعا وصعد لغرفة الشباب والدموع © عينيه. صمدت الدرج أنا 
والأخت ننتظر خروجه لنسأله. كان زاوية السطوح جرة ضفخار موضوعة 
بعناية هبت ريح وكسرتهاء نظرت للآخت وتشاءمت من ذلك: تح باب 


09 


ونزلوا الدرج ونحن ننزل وراءهمء ودخلوا غرفتيء وجلسوا والدموع تنزل 
من عيونهم. بدأ الأخ أبوقاسم بمقدمات, عرفت وكذبت نفسيء فلت له: 
أخي ماذا لديك؟ بدون مقدمات. قال لله ما أعطى ولله ما أخذء إن العين 
لتدمعء وإن القلب ليحزن وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون: وأجهشنا 
جميعنا 2 البكاء. قال يا أختي نريد أن نفادر المنزل بسرعة لأن اثنين من 
الشباب كانا يرافقانه ولا نعرف مصيرهما. (نذير زنابيلي وشاب من منق 
لا أذكر اسمه) ونحن 4 حالة صدمة وذهولء نريد أن نكفف دموعنا لكلا 
يرانا الجيران؛ ونريد أن نفادر المنزل بأقصى سرعة. قد يكونا معتقلين؛ 
من يدري5 وهكذا خرجنا من المنزل الواحد تلو الأخرء لمنزل احتياطي كان 
قد جهزه أبوياسر من أجل الطوارئ؛ ثم يكن يعلم أن استشهاده هو ذاك 
الطوارئ؛ نعم كانت ضربة قاصمة كما قال المقبور حافظء لقد كسرنا العمود 
الفقري للإخوان المسلمين. كان يظن أن الإخوان سيحزنوا على استشهاده 

ويجعلوا منه رمزأ للأجيالء ولكنهم أنكروه بعد استشهاده وأنكروا معرفتهم 
له وية: وبهذا تحققت رؤياء. وكا ينعو دائماً اللهم لا ت تتركني حيا لفتنة 
النصس-فاستجاب له ريه دعاءه... سسسع سس سس سس يس سس 


لف الحكاية التالية سأحكي كيف استشهد من :عدة رواة . 
وإلى حكاية من حكايا الجدة أم ياسر ... 


100 


الحكاية الخامسة عشر 


سأتابع رواية فصل من فصول التراجيديا السورية: لقد استقبلنا خبر 
الفاجعة ونحن 4 صدمة وذهول ويكاء. ركضنا بسرعة البرق لنلبس ثيابناء 
ونخرج من المنزل بأقصى سرعة ممكنة» تسألني ابنتي فردوس ( كان أسمها 
الحركي ليلى) ماما هل صحيح أن بابا مات؟ أجبتها والدموع تنهمر من 
عيني لا حبيبتي من قال هذا5: لقد سافر مثل سفره السابق «أقصد الفترة 
التي كنا عنه بعيدين قبل مجيئنا إليه»: قالت لماذا تبكين؟ قلت أبكي على 
عمو أبوسليم (نذير زنابيلي وعمو أبوهيثم (عبد الرحمن عثمان) لانعرف 
أين هم. خرج الشباب فرادى: وخرجنا أنا والأخت أم حسن والأطفال: رآنا 
الجيران قالوا ما بكم أجابتهم الأخت أن أخاها عمل حادث بالتراكتور وهو 
حالة خطر بالمشفى ونحن ذاهبون للقرية؛ وهكذا ذهبنا لمنزل قد أعده 
الشهيد احتياطاء أيضاً كان المنزل 4 منطقة الفردوس ف حارة شعبية, 
وقد حفروا به خزانا للمياه لأن المنٍطقة لم يصلها بعد مياه الشركة: ويعتمد 
الناس على تخزين ال مياه .ب خزانات محفورة تحت الأزضء ولكنا نحن لن 
نستخدمه للمياه وإتما ليختبأ به المجاهدون أثناء حملات التفتيش الكثيرة. 
لم يكن يوجد أي أثاث 4 المنزل سوى حصائر وبطانيات ووسادات فقطء 
وليس بالعدد الكاذ. أرخى الليل سدوله على الكون: ثم نكن أبداً نحن جزءاً 
منهء كنا خارج التاريخ والجغرافياء لم يكن يشعر أحد بناء كانت حلب هادئة 


101 


هدوءا عجيياً: وى اخدينة الشاحبة. إها ب حالة سيمة وذهول واتكمار 
لأن فارسها التي تروى عنه الأساطير قد رحلء: ومعه كل أسراره وحكاياته 
الأسطورية. كان الشباب # غرفتهم: وأنا والأخت معاء لم يكن يقطع هذا 
الصمت الرهيب سوى بكاء طفلي اسماعيل وسمية ابنة الأخت. نام الأطفال: 
ولكني كنت وحيدة تجتر ألمها ومصيبتها لوحدهاء تغفو عيني ثم أصحوء؛ 
وأسأل الأخت ألم يحن الفجر بعد5: فترد إنه بعيد. أعود للبكاء حتى أغفو 
مرة أخرى. وأعود للسؤال. لم أر ثيلاً طويلاً كهذا الليل؛ ما أطول الليل على 
الحزانى!. وطوى الليل سجادته السوداء, وأقبل فجر جديد. لن تعود تلك 
الليلة أيدا حت تعود الشهيد للحياة: وهذا أمر مستحيل: لقد أصبحت ذكرى 
وتاريخأ أرويه. وي الصباح أرسل أمير المركز شياباً ليستظلعوا ويعرفوا 
ماذا حل بالأخوة الذين كانوا يرافقون الشهيد. لقد أصبح نائب الشهيد هو 
القائد الآن «نعم القائد كان ونعم الأخ» إنه أبوقاسم عبد الكريم منلاء كنا 
مازلنا ِ حالة وجوم وصدمة لم نفق بعد من هولهاء كان الكل مشغول ببكاء 
أسماعيل فهو جائع: ومن الصدمة غار الحليب ‏ صدريء ولم يكن يرضى 
أن يشرب الحليب الصناعيء فهو أصيل يحب الأصالة..ولن يرضع إلا حليب 
أمه؛ كان يحمل من يد ليد؛ ولكنه يصرخ ويصرخ ليسمع كل الكون صراخه. 
عاد الشباب من جولة الاستطلاع يرافقهم الشباب المفقودون؛ فرحنا بهم 
قرحا عظيما. وروا لثا ماحدث: كانا يراطقان الشهيد ف كل مواعيده: ولكه 


عندما أراد الذهاب لاستطلاع اليبيت الذي حضره للطوارئ؛ ويسكن به رجل 


102 


عجوز ابنه معتقل؛ قأل للشباب انتظروني خارج المنطقة لتلا يعلموا المكان: 
ولكنهم تحقوا به وأصروا على ذلك؛ ولكنه منعهم وأمرهم بعدم مرافقته, 
وقف الشباب ينظرون إليه كيف يتركونه يذهب وحيداً فهم رضوا بأن يكونوا 
كبش الفداء أمامهء ولكنه استدار إليهم وقال إذا استشهدت فاقرؤوا على 
روحي الفاتحةء وهكذا غاب عن أعينهم 4# حارات كثيرة ضيقة: وإذ بهم 
يسمعون صوت إطلاق الرصاصء وذهبوا بعيدا ينتظرون ولكن أتت دوريات 
الأمن غذهبا واختباً + الكروم القريبة» لقد فتح الشهيد باب المنزل وإذ 
بدورية مخابرات أطلقوا عليه النار» وعندما عرق أنه كمين استدار ليخرج 
وأطلق عليهم النارء ولكن طلقة استقرت برأسه وأسلم روحه إلى بارتها. 
نقد أراد اللّه أن يريحه من عناء الجهاد؛ وقد أثيت إخلاصه وعمله: ونجح 
زلزلة عرش أكبر طاغية 4# هذا العصرء لهذا كافأه الله ورزقه الشهادة 
إن شاء الله .. 

اختبأ الشباب 2# بئر قديم» وهم مختبؤون بداخله مر جنديان للنظامء 
وأرادا إلقاء قنيلة 4 اليثر. والشابان يسمعان حديثهما؛ ولكن أحدهما منع 
رفيقه. ونجا الشابان وعادا إلينا سالمين. 

ومما روي بعدء أنهم أخذوا والده السجين ليتعرف عليه, وابنة خاله 
السجينة أيضاء وأخي الطبيب © مشفى الرازي أخرجوه من غرفة العمليات 
وكان خبير زوسي يجلس فوق رأسه ليتأكدو أنه هو «إبراهيم اليوسف العدو 


الأول لهم » 


103 


اعذروني أخوتي وأبنائي فأنا أعيش الآن أثناء الكتابة تلك الأحداث بكل 
مشاعري. لم يكن زوجأ ولكن كان أباء كنت صغيرة السن ومشاكسة ومتمردة 
فكان يعاملني كأبء تارة بالتنبيه وتارة بالضحك وامتصاص الغضب. 
عندما اعتقلت بعد المدفعية « الاعتقال الأول» كانت معي أخوات معتقلات, 
وكانت تدور بيننا أحاديث عن الأزواج: لم يكن ابراهيم كأي زوج منهم, 
شعرت يومها بقيمة ما فقدت: وحدثتهن عنه فيقلن لي تحبين شخصية 
عمر بن الخطاب؟ هو عندك!. ولكني كنت 4 حالة ندم ماذا ضيعت55 لقد 
قصرت معهء ولم أكن زوجة كياقي الزوجات؛ ولكنه لم يظهر لي امتعاضه 
أوغضبهء وكان يصر أن يسمع رأيي بكل الأمور. ويقول لي أنت صاحبة رأي 
صائبء وعندما أغضب منه أمنع ذلك الرأي ولا أبديه. كان يعتذر عني له 
إذا أنا أخطأت. : سري كنت أتمنى أن أكون قوية مثله فأعترف بخطئي 
وأعتذر.... المهم كان أبأ حنونا رحيماً لهذا شعرت .يندم عظيم ودعوت 
الله أن ألتقي به فقط لأكفر عن أخطائيء لقد استجاب الله لي والتقيت 
به ولكنه لم يكن يشعر يوم أني مخطتة أو مقصرة:ء لقد كان يضحك 
ويضحك كثيراً لما كنت أشعر به من ندم وتفصير؛ وعشت ممه ثلاثة أشهر 
فقط لم أتغير أنا وهو أيضا بقي ذلك الأب الموجه المسؤول ..لهذا أحسست 
عندما فقدته باليتم» لقد كنا أربعة أيتام أنا وأولاديء وذهب معيلنا ومعلمنا 
ومربيناء ما أصعب الشعور باليتم! نحن أحوج ما نكون للشفقة؛ نحن تائهون 
بحر الحياة ولا ربان لسفينتنا يقودنا لبر الأمان: وأنا على تلك الحالة 


104 


من الأحساس بالضياع كنت أحضر طعام الإفطار للمجاهدين. ولا يوجد 
لدينا الكثير عن أدوات المطبخ: حضوت إيريقاً كيرا من الشاق ووشعتة 
على الطاولة. ووضعت صحتاً كيرا عن الجين لتسخينه على غاز أرضي وأذ 
بإبريق الشاي المغلي والمحلى ينسكب ضوق رأسيء؛ كنت ألبس كوفية مثل نساء 
القرى صرخت أستنجد لرفعها فهي موضوعة على الرأس بإحكام ووضعت 
رأسي تحت الماء البارد؛ وركضت الأخت وركض الشباب يقفون خارج المطبخ 
لايدرون هاذ) يتابن نويسآلوتها عاذا حسدل؟ ويوجهدتو1 ماذا تعمل اف 
احترق رأسي ورقبتي وظهري يا الله ماذا يفعلون؟ أين يأخذوني والمخابرات 
مستنفرة بعد استشهاد إبراهيم؟! لقد خيم حزن آخر على المنزل: لقد 
نسينا الشهيد لأننا ب مصيبة أخرىء ولكن الشباب قالوا لصاحب المنزل 
اذهب وأحضر دواءٌ للحروق؛ لقد كان خروجه مخاطرة كبيرة؛ والحمد لله 
سلمه وعاد بالدواء: وعسى أن تكرهوا شيئا وهوخير لكم.ء كان الحرق هو 
ملهاة تنا عن مصيبتناء والحمد لله على كل الأحوال. 


وإلى حكاية من حكايا الجدة أم ياسر .... 


واعذروني عطي الإطالة 


105 


الحكاية السادسة عشر 


مساؤكم صبر وأمل وتفاؤل. 

بعد خمسة عشر يوم تقريباً أمضيناها يذ هذا المتزل بعد استشهاد 
إبراهيمء هدأت الأوضاع ب الشوارع. لأنهم كانوا © حالة استنفار كبيرة 
تكلا تكون هناك ردة فعل من الشارع على استشهاد ( أبو خليف هذا اسمه 
الحركي) وانتشرت الإشاعات منذ أول يوم أن الخبر عار عن الصحة؛ ولكن 
من أول يوم لاستشهاده طبع الأخوة ‏ القيادة منشورات ولصقوها على 
جدران الشوارع تنعيه تؤكد خبر استشهاده: ولكن المخابرات كانت تركض 
محمومة وتمزقها. وسرت الإشاعات بين مكذب ومصدق. لقد عم الحزن 
كل بيت. ويكته العيون المتعطشة للحرية والكرامة, فهو رمز لها ولكن لم 
يحدث أي شيء خاف منه النظامء لقد أحس الناس بالهزيمة المرتقبة 
ونصر النظام عليهم. لأنه كان الشعلة والقائد الذي يسير خلفه كل الأحرار 
والمجاهدين. 





لأن ذكرى الشهيد مازالت 2غ كل زاوية من المنزلء لقد عدنا جميعنا بخير إلا 
هوء لقد غادرنا إلى غير رجعة. غرفتنا التي لم يكن فيها من الأساس سوى 
جزء من خزانة اقتسمناها مع الأخت أم حسن: وفراش وحصيرة ومرجوحة 
4 زاوية الغرفة؛ هذا كل ما تركه من إرث. وبنطال كان قد علقه بيده (بقي 


106 


مجازتا حي خركتاء مع اللشؤق )قم ركو اتسخضماً عاديا؛ كان يتفقد كل صغيرة 
وكبيرة: ويمازح الكل» ويحل مشاكل الأطفال التي تحدث بينهم/ لقد حدث 
مرة أن الشياب كانوا يمزحون مع ياسرء وأثقلوا عليه بالمزاح فبكى متهم 
ولكنه تكلم عليهم يكلمة غير لاثقة: لقد قال «كلبين» ضحك الجميع لهذا 
الجمع؛ ولكن والده لم يضحك وناقشه.ك# هذا الكلمة البذيئة وطلب منه 
أن يعتذر للشباب: ولكن ياسر كان خصرأ أن يعتذروا هم منه. ومن ثم هو 
يعتذرء عاقبه والده بأن وقف على تلة رمل موجودة على السطح يقف الشياب 
عليها أثناء الحراسة: ولكنه لم يعتذر: فقاطعه جميع من المنزل ولكنه 
أصر على موقفه. كنا نضحك بسرنا على ثياته بالمطالبة بحقه « كان عمره 
ثلاث سنوات وأريعة أشهر»: وكثرت الشفاعات من كل الأطراف ليعفو والده 
عنه. ولم تنفع. كانت حرياً صامتة بين جيلين: ولكن يأس رصمد وصعد وهو 
يطالب بحقه أولاً. وانتهت المعركة بين الإثنين وخرج ياسر منتصراً لأنه يثق 
أنه هو صاحب الحقء فرحنا لصموده الأسطوري, ولكنه قال إنه لن يعيد 
التلفظ بهذه الكلمة البذيكئة. 

كان رحمه اللّه يتابع حتى أدق التفاصيل # المركز؛ الطعام: الفاكهة لكل 
واحد حبة واحدة, لهذا كان مكانه كبيراًء لا يمكن لأي شخص أن يملأه. 
جاء ذ أحد الأيام وقال لدي موعد واحد. وطلب مني مرافقته والأولاد 
لنخرج # رحلة. نظرت إليه باستغراب كيف58 قال نأخذ بعض الطعام 


ونمضى اليوم ب2 أحد البساتين, رفضت فال: تخافين أن تسيري معي؟ 


107 


كذبت وقلت: لا. قال: إذا ماذا يمنعك؟ وافقت لكلا أظهر جبانة: وحضرنا 
أشياء من المنزل وحملت مسدساً مثلهم ورافقنا الأخ وسايقاً نسيت اسمة 
ولكني نبشت الذاكرة أبوبصير أحمب جميل زرقا -وأبوسليم نذير زنابيلي» 
ذهبنا سيراً على الأقدام إلى أحد البساتين القريبة من المدينة: وجلسنا 
بطرفهاء وبعد فترة قصيرة جاء الرجل صاحب الموعد وقف بعيدا عنا لم 
نتأكد من ملامحه. وذهب أبوخليف ومعه مرافق, وبقي أبو بصير يرافقنا 
عن يمن كان صاحب اللوعد كنما أن يجاب ثنا عرسا مخ الوائم اللدتازة: 
فكنا نفرح لموعده وبالفعل لم ينس هذا الأخ الموالح: وبدأنا نتسلى ببعضها 
لنترك للآخرين: وطال الموعد وهم يتكلمون ويسيرون ببطء؛ والمرافق إما 
أمامهم أو خلفهم وانتهى الموعن «لا أعرف قد يكون هذا الأخ حياً فيقراً 
كلماتي ويعرف عن نفسه أو أنه استشهد رحمه الله» وتناولنا غداءناء الذي 
كان عبارة عن علب طون وبندورة وجبنة؛ واشترى لنا من صاحب البستان 
حساء ولكن صاحب اليستان ثم وألحن شفهاء كنت آنظر كه باستغراب 
فصوت الدبابات والحواجز والرصاص يملا الدنياء وأعرف أن الكل يبحثون 


نما 1 


عنهء كان الخوف يملاً قلبيء وهو شعر بذلك ولكنه يريد أن أكسر حاجز 
الخوف هذاء وعند المغيب انتهت رحلتناء ولكن أبؤخليف لا يمكن أن ينسى 
صاحب البستان الذي أهدانا الخس: فملاً له صحناً من الموالحء وأرسلها مع 
أبو بصير وأعطاه إياهاء ورجعنا سيراكما أتين٠‏ ولكن صاحب البستان لم 


تصدق عيناه هل هذه العائلة القروية تملك مثل هذه الموالح؟ وقف متسمرا 


108 


ينظر تارة للصحن وتارة إليناء كنا ننظر إلى استغرابه ونضحك ونراقبه 
سراً: وانتعدتا عنه وهو مازال واقنا كات وريصنا إلى البيت. ثن كب 
وأقول أني كنت سعيدة يك هذه الرحلة العجيبة: فالكل يحمل السلاح ما 
عدا الأطفال؛ من يدري ربما قام بها ليترك لنا ذكرى ورسالة أنه يتمنى أن 
يقدم لنا كل السعادة. نعم تقد أصبحت ذكرى جميلة مع أنها 4 ذاك الوقت 
لم تكن كذلك؛ هكذا هو الإنسان لايعرف معنى الأشياء إلا بعد أن تمضي. 

كان كل شيء حزين © المنزل؛ من سيحمل الطعام للشباب ضاحكا 
ممازحاًة؟ من سيحل مشاكل الأطفال؟ من سيخطط العمليات؟؟. نقد كان 
حملاً قتيلاً على الذي بمده ترك شراغا تن يستطيع أحد ملأ أبداً: واستام 
القيادة من بعده الأخ أبوقاسم (عبد الكريم مثلا) لقد كان سناعده الأيمن 
منن تأسيس أول قاعدة انطلاق للعمل العسكرءي فهو يعرف كل أسراره 
سرييا ونان الل واستطاع أن يسك القياية: وق آنيا لم فخ مون بنش 
من يحاول التمرد على بعض الأوامر؛ مع الشهيد لم يكن أحد منهم يعترض 
أو يرفضء لاخوفاً ولكن ثقة به. 

وحمت لحياتنا مثلما كانت: نحن نقوم بالخدمة والتفطية على الشياب,: 
وهم يقومون بواجبهم الجهاديء ممكن أن تستشهد جميعنا ونلحق به من 
يدريء فنحن مجاهدون, ننتظر النصر أو الشهادة: وهذه غاية كل مجاهد 
4 سبيل اللّه. 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر... 


109 


الحكاية السابعة عشر 


مساء الخير لكل من عاش زمن الانكسار. 

تمنيت أن أنقل ما حدث بكل أحاسيسي ولكن لم أستطع فانهمرت الدموع 
من عيوني وبكيت ويكيت زمن الهزيمة والانكسار والذل والهوان. كنا نعيش 
وكأننا آتون من كوكب آخرء ومن بلد ودين آخرء لم يكن يربطني بالعالم 
الخارجي سوى أم مكلومة وأب يعيش ذل وجود شرفه بين أيدي أقذر خلق 
الله. ولا يملك لها سوى الدعاءء وأخوة ملأ قلوبهم حقد لا يعرفون كيف 
ينثرونه على كل خلق الله. إلا على الشهيد فهو فا قلوبهم الطهر والتضحية 
والصدقء وما زالوا حتى اليوم لايرون أحداً مجاهدا © سبيل الله بإخلاص 
إلا هوء وعزفوا عن الاشتراك بالثورة الآن لأنهم ينظرون إلى المعارضة 
الخارجية كنظرتهم للنظام. كنت أستنكر ذلك منهم. كانوا يقولون هل 
نضحي من أجل أن يأتي هؤلاء ليحكمونتاة لقد كان غالبيتهم ذ سن 
المراهقة واعتقل وتعذب وأهين لسنوات وهو يرى شرفه بين أيدي النظام: 


5 نون من امال شيكا أبداء إتهم 





وكانوا-مسؤولين من تربية أطفال وهم 
شحايا كمعن اليزيمة والاتكسان كان هذا الغعون هو الباق قدس ظالبية 
الناس الذين اشترك أبناؤهم 2# الثورة لقد كانوا يشعرون أن الكل خانهم 
وخذلهم وأسلمهم لعدوهم, الكل خان دم الشهداء, الكل خان وترك عائلات 
الشهداء والمعتقلين لمصير أسودء فالنظام حارب تلك العائلات حتى بلقمة 


110 


عيش ترمى إليهم: تكفيهم ذل السؤال. كانت المخابرات تستدعي العائلات 
وتحقق من أين تعيشون؟؟ ومن يعطيكم؟5 وكيف55 كانت حريهم على 
اليتامى والأيامى والمشردين الذين صودرت بيوتهم. فالأم تعيش كثير من 
الحالات عند أهلهاء وأولادها عند بيوت جدهم أو أعمامهم؛ ومن ترفض 
ترك أولادها تتسول 4 الشوارع: لايقل أحد أن هذا لم يحصل لقد حصل 
وأعرفهم: لقد كانت عائلات الشهداء وكأنهم. مرض يهرب منهم أقرب 
الناس إليهم: إما عقوية لوالدهم على ما فعلء أو خوفاً من سؤال المخابرات 
وامسؤيلية: اقد كانت سرياً على اشر وماضي ومستغيل عاكلذت الشهداء 
والمعتقلين. 

كان هذا هوالجو السائد 4 ذلك الزمان, لازلت أذكر منذ خمس سنوات 
كانت ابنتي فردوس تحضر فرحأ وعرقت إحدى الحاضرات من هي فجاءت 
امرأة وقالت لها أأنت ابنة المجرم إبراهيم اليوسف55 أجابتها ودافعت عن 
والدها وؤجاءتي تبكي أبا نم يعرف الكثير قيمة جهاده. غالت لى: هل هؤلاء 
بشر يستاهل أن يضحي والدي بروحه وبئا من أجلهم 58 نعم إنها عاشت 
هذا الذل والإنكسار من بداية طفولتها الأولى: ألف نصر الآن لن يجبر ذلك 
الانكسار والخوف الذي عاشته ومارسه المجتمع عليها. لقد عاشت نقيضين, 
فهي تربت أن والدها بطل ورمزء لتخرج إلى المجتمع المنافق ليقول عنه ذلك 
المجرمء كيف لطفلة أن تعيش هذا التناقض؟5 


111 


أما ياسر فكان يعيش صمتا حزيناًء وحزياً ممن حوله عليه. وكان يجابه 
هذه الحرب بصمت الرجالء كان رجلاً صغيراً ب صبره وحلمه وأناته. 

البارحة واجهت معركة # البيت فالكل يطلب مني ترك الكتابة وترك 
النت؛ ولكني لم أستسلم لطلبهم, لقد أخرسنا النظام عشرات السنين ولم 
نستطع أن نبوح بما عانينا وجاءت الفرصة فهل أتركها؟8؟ أريد أن يعيش 
معي الناس آلامي: أن يواسونيء أن أجد كلمة عزاء كنت أود أن أسمعها منذ 
أربع وثلاثين عاما. ما أحكيه عن عائلتي ينطبق وينسحب على كل عائلات 
المجاهدين والشهداء. 

كل من بقي من ذلك العصر مشوهون من داخلهم, لا يمكن أن ينسوا 
تخاذل الناسء ولا يمكن أن يسامحوا من كل قلبهم من خذلهم وخان دم 
آبائهم. نعم يتصنعون السماح ويحاولون ذلكء ولكن إذا دخلت إلى أعماقهم 
لن ترى ذلك السماح البريء. 

أعرف أن كلامي هذا سيشعل غضباأ بذ نفوس الكثيرين؛ وسيتهموتني 
بأبشع الاتهامات: ولكني أريد أن أنفث جميع سموم الماضي على الورق 
وأتخلص منها إلى الأبد. 

إخوتي. .. أبنائي من هذا الجيل: هكذا كنا ازمن الاتكسارء ولهذا ؛ يجب 
أن لايعاد ذلك ١‏ د الزمن مهما كلفنا من تضحيات؛ فهل تعرفون ماذا نقلت لكم 
الحالة النفسية التي عاشها جيل الهزيمة والانكسارة أريد أن تتعلموا منهم 
أن لا تتركوا الراية والسلاح حتى يسقط.هذا النظام المجرم؛ الذي سيكتبه 
التاريخ كأبشع نظام مجرم على مر التاريخ الحديث والقديم. 

وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر ... 


112 


الحكاية الثامنة عشر 


مساؤكم خير ووحدة أيها الثوار المجاهدون. ' 

تتصارع الذكريات وتتزاحم. كل منها يود الخروج للنور: لقد ملت العتمة 
والإهمال والتهميش: أقول لها صبراً يا ذكرياتي فما زلنا ب بداية الثورة, 
فلتبتعد تلك الحزيتة منكم قليلاً. ولتقترب الفرحة؛ لكن للأسف أرأها 
فليلة. منذ يومين زارنا ابن سخال الشهيد إبراهيم: وكان مراهقاً أثناء الثورة 
الأولى «الكل يعرفه أبو النصر نصري». ونحن نتكلم بأحاديث الذكريات 
طلبت منه أن يروي لي كيف نجا من معركة استشهد يها إثنان من إخوته 
وأربعة من الشباب المجاهدين,؛ وانفتحت قريحته وبدأ يقص علي ما حدث 
حتى السحورء كهذا نجن جيل النكسة لا يلزمنا إلا إشارة من أحد بالحديث 
حتى نسرد الكلام ولا نتوقف. 

لا يمكن أن نذكر الثورة الأولى ولا نذكر «أبوربيع وليد حماد ابن خال 
الشهيد» كان هذا المجاهد من أوائل المنتسبين لجماعة مروان حديد؛ قبل 
ملاحقة النظام للتنظيم. وكان مقرباً من الشهيد ومن عدنان عقلة أيضاء 
عندما حدثت عملية المدفعية اعتقله الأمن مثلما اعتقل جميع أهل وأقارب 
الشهيد؛ لقد أظهر من الشجاعة النادرة بتحديه للسجانين وللضباط وكان 
يحاسيهم على اعتقاله فهو بريء»؛ كانوا يحاولون تهد أته, ولم يقوموا بتعذبيه 
كالآخرينء وأثناء اعتقاله جاء أحد السجانين ورأى بيد أخو إبراهيم ورقة 
مكتوب عليها شعر لهاشم الرفاعي: 

أبتاه ماذا قد يخط بناني والحبل والجلاد ينتظراني 


113 


فأخذها السجان ويدأً د يحقق معه حول من يرسل هذه الرسالة لأبيه «شيء 
مضحك فعلاً هي أبيات من الشعر كتبها المرحوم هاشم الرفاعي عندما 
كان سجينا» وأخرج مصطفى اليوسف للتحقيق؛ وعندما تأخر مصطفى 
قام أبو ربيع وبدأ يصرخ على السجانين؛ وهاج السجن صخباً وتعاطفاء 
وبدؤوا يطرقون الأبواب بالملاعق: حتى جاء أحد السجانين ووقف يشتمهم, 
فما كان من أبو ربيع ومن خلال قضبان الحديد إلا أن أمسك بتلابيب 
السجان وضربه ضربة أوصلته للحائط المقابل؛ ارتفعت معنويات السجناء 
لهذه الضربة وبدؤوا بالتكبير الله 'أكبر « ذاك الوقت كنت معتقلة مع 
ألخوات فق سجن النساء نا الذكبير وأصبهنا قلق ماذ! يحصل عند 
الشباب لتعلو أصواتهم بالتكبير». وأخبر السجانون الفرع, وجاءت دورية 
لتأخذ أبو ربيع» وخرج أبورميع غير مبال بما سيحصل له؛ وقابله رئيس 
الفرع سائلاً لماذا فعلت هذا يا وليد55 فأ جابه نحن أناس أبرياء ولا تزر 
وازرة وزر أخرى. هدأه الضابط والحمد لله لم يقم أحد يخبريه 11 تعديبة 


أثناء التحقيقات. 


كات نات اعتراقات الأمن عن فخصن بأوصاف معبنة: ولكن لم يطن 
أحد أن هذه الأوصاف تنطيق على أبو ربيع وهو موجود بين يديهم؛ المهم 
رجع أبو ربيع للسجن معززاً ومكرماً: وعمت الفرحة جميع أرجاء السجن 
بهذا النصر المؤزرء وتحسنت معاملة السجانين للسجناء بعد هذه الحادثة: 


وبعد أشهر خرج أبوربيع وعدد من أقارب إبراهيم من السجن « بقي من هو 


114 


قريب من الدرجة الأولى» ولكن أبو ربيع لم يهرب خارج سورياء بل أسس 
قاعدة وجاء بزوجته «رابعة حماد» لتقوم بخدمة المجاهدين والتغطية 
عليهم. وأثناء حملة التفتيش الكبرى 4 مدينة حلب و الصباح الباكر 
داهمت قوات النظام المركز وكان أبوربيع خارج المنزل يشتري لوازم البيت, 
لم يكن ف المركز مخبأ ليختبؤوا فيه. قال أحد الشباب للباقين أنتم اهريوا 
وأنا أغطي عليكم وأشتبك معهم « أحمد كرمو مهندس من تادف». وهذا 
ما حصل. حيث بقي يقاومء وتساعده أم ربيع وتملاً له مخازن البارودة 
حتى استشهد. وأصيبت أم الربيع بساعدها واعتقلها الأمن وترك طفليها 
بالشارع «أحمد وعبير»؛ ولكن أبو ربيع لم يثنه اعتقال زوجته ولا تشرد 
أولاده «أخذهم أحد الجيران وسأل عن بيت جدهم وأوصلوهم لهناك» 
ولكنه استمر بجهاده: وأمس قاعدة أخرى «لم يكن التأسيس يحصل 
مثل الآن ولكنه تحت إشراف القائد العام وهو إبراهيم »؛ وكانوا يقومون 
بالمعارك بالتنسيق مع القيادة والقواعد الأخرى. وخلال المغر كة يعر ف كل 
مجاهد أين يقف. وما هي مهمته؛ ومن يتهاون بتنفين مهمته يوبخه القائد 
توبيشا شديدا ويتخزه قاغلة: من يجاهد ذاتما يواعد لنقسه ومن لم بجد 
القدرة على العمل سأصرفةه من الاشتراك ياكمارك»: تحن يا حاكة جهاد 
وأي خطأ يعرض الآخرين والعمل كله للفشل. 


وهكذا كانوا: جيشا منظماً موحد القيادة والعمل. 


115 


المهم نرجع لأبو ربيع؛ كانت قاعدته : أحد كروم الزيتون والفستق 
الحلبيء وصاحب الكرم هو صاحب المنزل يغطي عليهم ومن الصعب المجيىٌ 
يامرأة تساعدهم ذ ذلك «كانت المرأة عنصراً أساسياً بذ الجهاد ‏ نلك 
الفروة ربعد أشي من امس المركزء استطاع أحد المخبرين بالصدفة أن 
يكتشف وجود عدد من الشباب # الكرمء فقام بإخبار الأمن بذلك «وأظن 
بشهر تموز حصل هذا» وي أحد الأيام وبعد صلاة الفجر نام الشباب, 
ماعدا الذي يقوم بالحراسة:» وإذ برجال يزحفون على أيديهم وأرجلهم مثل 
النمل بين الأشجارء أيقظ الحارس الآخرين: وظنوا ذ البداية أن تفتيشأ 
عام يحصل؛ وليسوا هم المطلويون: نزلوا للمخبأًء وبقي صاحب المنزل, 
وسمعوا إطلاق الرصاص فعرفوا أنهم هم المقصودون: واستشهد صاحب 
نشول 

كان أبوربيع قد زرع عبوات حول المنزل: فقام بتفجير العبوات. وتطاير 
الجنود. وابتعد الباقون: قاوم جميع الشباب وكانوا ثمانية هم :«وليد حماد 
أبوربيع. محمد حماد أبوعامر وهو أخ وليدء نذير زنابيلي أبو سليم: هذا 
الأخ كان من شباب قاعدتنا ولكن_.كسرت قدمه وغرفتهم. على السطح ولا 
يوجد دورة مياه فأخذوه لهذا المركزء أبوأحمد الدملخي. وحسين شاشو أبو 
قصيء وحسن شاشو أبوقصيء تسمى باسم أخيه بعد استشهاد أخيه؛ أبو 
مرعي صاحب البيت: محمود حماد أبو النصر أخو وليد أيضا» أصيب أبو 


ربيع بيده وقدمه؛ وطلب من الآخرين أن يهربوا وهويغطي عليهم: واستشهد 


116 


محمد حماد أمام أخوته وحسين شاشو وبقي أبو سليم وأبو ربيع يقاومان: 
وانسحب الأخوان الصغيران محمود حماد وحسن شاشو وبقي الأخوة 
يقاومون حتى استشهدوا جميعهم» واستطاع الأخوان النجاة: وروا تفاصيل 
ما حصملء لقد جاءنا خير استشهادهم وكنت أصوم ذلك اليوم على ما أذكر 
يوم الإثنين» بكاهم كل من # المنزل: فأبو سليم هو من شبابنا يعني أحد 
أفراد عائلتنا ع المركز وكنا ننتظر رجوعه إلينا سا ماً معاضى؛ نعم يمكن أن 
لا تصدقوا أننا كنا نشعر أننا عائلة واحدة؛ نحن أهلهم وإخوتهم ورفاقهم, 
لا يمكن أن أنسى وجوههم فدائكما أستحضرها خوفاً أن أنسى تلك الوجوه 
الغالية النيرة. ودعنا ثلة من فتية أمنوا بربهم وزادهم هدىء رحمهم الله 
جميعهم وألحقنا بهم شهداء مقبلين غير مدبرين: فقد طال الفراق. 

أيها الأحبة أبكيكم الآن كما بكيتكم زمن استشهادكم: يمكن أني لست 
أهلاً للشهادة: فأرجو الله أن تكونوا ني شفعاء يوم القيامة. 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر... 


« اعذروني للإطالة فهذه حكايا وذكرياث وأحداث لم أستطع اختصارها 
أكثر» 


117 


الحكاية التاسعة عشر 


صباح الخير لكل الشرفاء والمخلصين. 

وعدتكم البارحة ‏ منشور: أن أحكي لكم عن رجل اشتهر بخيانته للّه 
أولاًء فمن يجاهد ثم يخون فقد خان الله قبل الناسء ومن ثم لمن شاركهم 
الجهاد, ونام وأكل وشرب معهم لأكثر من عام ونصف. إنه: (عمر خشفة) 
رأيته أول مرة عندما جاء الشباب لإخراجي من بيت أهلي: 4 عملية نوعية, 
فكان أحد الشباب الذين اشتركوا كذ العملية. كان طويلاً أسمر اللون, 
عريض الكتفين: يوحي منظره الخارجي بالقوة والشجاعة. كان أحد شباب 
المركز الذي كنت موجودة فيها حتى ساعة اعتقالي: يسبب اعتقاله. 

لم أكن موجودة لحظة تأسيس المركز ولكن عرفت فيما بعد أنه أخوزوجة 
الأخ (عبد القادر حربلي): المسؤول التنظيمي السابق لإبراهيم. وأخته: 
(دلال خشفة): إحدى المعتقلات» وأخوه: منشد الثورة. ومحبوب الناس 


ذلك الزمان: (أبو دجانة). كل هذه المزايا جملته من شباب إبراهيم 


لا أحد من الشباب المجاهدين. كان يظن به أي سوءء وهو كان كذلك, 
ولكن ف إحدى المرات رأيته ذاهباً مع الشباب. إلى معركة؛ - وذكرتٌ سابقاً 
شكله الخارجي الذي يوحي بالقوة والشجاعة- فقلت لإبراهيم: 


118 


ما شاء اللها يبدو هذا المجاهد شجاعاً ويطلاً. ولكني فوجثت يجوابه, 
قال: « لايغرنك الطول ولا العرضء هل رأيت أبا قاسم- يقصد عبد الكريم 
منلاء وكان تحهفا مربوع القامة- هو أقوى منه شكيمة. وأشجع وأصلب 
بمائة مرة». لا أدري لماذا قام بعقد هذه المقارنة: ولكن بعد مدة من الزمن؛ 
عرفت كم كانت فراسته صادقة: إذ كان أبو قاسم. ممن حمل الراية من 
بعد الشهيد: كل آثناثة يسلايق عتى الختارهء الله شهيدا: أما أبو ساله 
(عمر خشفة) فكان كما ظنه الشهيد... 

بذ أحد الأيام كان لدى الشياب موعد معين؛ فجاء الأخ الشهيد (أحمد 
ريحاوي أبو عمر) سزماء والقلق والخوف على محياه؛ فكلمني والأخت 
قاكلاً: :يا أخواتي: يأقصى سرعة ممكنة: سنخرج من المركزء لقد اعتقل 
أبو سالم. صعقّنا الخيرء فقلنا: .وكيف وهو يحمل سلاحه55!! قال: كان 
لدينا موعدء ورأينا -عن بعد- ستة رجال أشداء أقوياء. جاؤوا من ورائه: 
وأمسكوا بيديه من الخلفء ولم نستطع أن نطلق الرصاص ونخلصه: لأن 
المكان يعج بالشباب المجاهدين. وسوف نعرض الجميع للخطر. 

كان أبوسالم أحدّ شباب إبراهيم: منن بداية الثورة. وهويعرف كل زاوية, 
ومكان يذهب إليه المجاهدون. ولا نعرف عن أي مكان سيكشف للمخابرات. 
لهذا يجب أن شرخ جميع الأماكنء لقل كارع اعتتانه ضرية قاصمة للثورة 
ولنا تحن قاعدةٌ الشهيد إبراهيع اليوسف. المعروفين بأعتنا المنضنظ جداء 


فلأكثر من عام كنا موجودين بقاعدة مساحة؛ يخرج منها الشباب ويعودون, 


119 


ويدخلون السلاح ويخرجونه: ولم يستطع الأمن كشف قاعدتناء على الرغم 
من كل بحثه. والفضل بذلك يعود إلى التزام الجميع بالأوامر؛ ولنا نحن 
النساء والأطفال, بتفطفيننا تكل سبثيرة وكبيرة أمام الجيراق: 

عم المركز اضطرابٌ, وحاولنا أن نحمل ملابس للأطفالء ولكنٌ الشباب 
قالوا: لا تحملوا شيئاً. وبسرعة, نراكم. بالوادي لنتفق: فهو أفضل من 
وجودنا بذ البيت: فقد تحاصّر جميعنا: ولا ينجو متا آحدء لا صقير ولا 
كبير.. وبالفعل خرجنا جميعناء والتقينا بالشباب # الوادي, واتفقنا أن 


نتفي بهم - إن شاء الله- # قاعدة أخرى. وودعناهم,: وكان الوداع الأخيرٌ 


لأنهم استشهدوا 00 
لن أتكلم اليوم عن معاناتناء أنا والأخت ا ذلك اليومء ولكن سأذكر تلك 
المعاناة .4 حديث آخر. 


المهم لم نفكر بذ حينها: لماذا هو بالذات يُعتقل بهذه الطريقة دون 
الآخرين؟؟! 

وبعد اعتقاله بثلاثة عشر يوماء اعتقلتٌ أنا والأخت أم حسن. ورأيناه 
وكم فرحنا لرؤيتة سالماً معافى. حيت لا يوجد عليه أثر للتعذيب؛ لم نظن ولا 
لحظة أنه خان الله ورسوله؛ وخان رفاق دربه. 

كان يطلب إسماعيل- طفلي الصغيرء الذي لم يبلغ من العمر تسعة 
أشهر- ليراه خلسة: ويقبله. 


110 


بعد ذلك افترقنا؛ فأخذوني أنا والأخت لسجن ثكنة هنانوء وبقي هو بذ 
الفرع: وتوالت الأخبار: كل يوم يُستشهد أحد الأخوة من قاعدتنا: (كانت 
ابنتي فردوس هي من تنقل لي أخبار استشهادهم: فكان كلما استشهد أن؛ 
يأتي إخوتي بالجريدة: ويسألونها: هل تعرطين هذاة فتقول: هذا عمو أبو 
فيصل: وهذا عمو أبوعمرء وهذا عمو أبوهيثم: وهذا عمو أبوقاسم.. كان 
عمرها خمس سئوات. وتعرف الإخوة معرفة جيدة. وعند زيارة أهلي لي 
كانوا يقولون لي: استتشهد من قاعدتكم فلان: وهكذا عرفت ينبأ استشهاد 
الجميع). 

كنت أشعر أن هناك أمرا ماء إذ كيف استطاعوا قتل الجميء؟5!! لقد 
تصيدوهم 4# مدة قصيرة؟!! ظ 

حتى تلك الساعة؛ لم أكن أظن بأبي سالم ظن السوءء ولكن بعد مدة قال 
لي أحد السجانين: إن عمر خشفة سيخرج من السجن. صعقني الخبر 
كيف5؟!! وهو من شارك بغالبية عمليات حلب ضد النظامة؟ قال: لقد 
شاو مبعتا لأقسى درحة: ومكافأة له يقل مديلة. 

لم أصدق أنه سيخلى سبيله من أجل معلومات قدمهاء فهناك الكثير 
ممن قدم معلومات. ولكنه سيق لتدمر. 

لقد سمعت أحدهم مرةً: يقول للعناصرء حين أرادوا تسفيره إلى تدمر: 
لقد تعاونت معكمء وأعطيتكم معلومات كثيرة: فلماذا ترسلوني إلى تدمر55!! 


فضربه أحدهم:» وقال: «يخرب بيته: ملأ خمسة عشر صفحة من المعلومات» 


121 


هذا يعني أن أبا سالم: قدم أكثر بكثير من هذا الشاب.. وبعد مدة سمعت 
أنه أخلي سبيله وأصبح عنصراً من عناصر فرع المخابرات العسكرية؛ وقد 
شوهد يشرب المسكرات. مع العناصرء ويحمل سلاحاً كأي واحد منهم؛ 
عندها عرفت كيف استشهد الشباب. 

كان هومن يدل قوات الأمنء على كل زاوية من الممكن أن يكون الشباب 
قد تحصنوا فيهاء وما خفي أعظم...ولقد قال لي أحد السجانين: كان هو 
من يقتل الشباب بيديه. وهذا نو بورق الشباب به عند رؤيته؛ فيقوم 
باغتيالهم.. 

وهكذا أمضى حياته. يحظى با مكانة الرفيعة لدى ضباط الفرع: يحسده 
عليها كل عناصر المخابراتء قفي إحدى المرات كان أحد السجانين يحدثني 
عنه. ويتباهى أنه صديقهء فقلت له: هل تعلم أني عشت معه لي بيت واحد 
تسعة أشهرء نطبخ له ونفسل ملابسه55! قال ولم يزرّك5!! قلت له: لا أريد 
55 قال: والله لأشتمنه على تقصيره هذاء وأطلب منه زيارتك. (كنت 
والسجانين أصدقاء, نتناقشء؛ ويثقون بي. ؤيسرّون إلي بمعلومات, لأنهم لا 
يخافون مني ولأنهم_يملمون أني لم أكن خائنة أبد »وا لحمسه للّه).........- 

أول مرة طلب عمر خشفة ورقة زيارة ليء ولكن رئيس الفرع: 
مصطفى التاجرء لم يسمح له بذلك. هكذا قال لي السجانء الذي قال 
له: «يا عاطلء؛ أم ياسر كانت معكء وتعتني بك. ولم تقم بزيارتها5!!» وبعد 


مد 6 جاء مع عناصر الفرع, وقد جليوا سجناء إلى السجن. ووقفف أمام 


122 


غرفتي. وسلّم علي كانت هذه أولّ مرة يقف بها أمامي هكذا؛ وجها لوجه. 
قارنته بالسجانين: فوجدتهم أكثر منه نوراًء كان يقف متمايلا 017 
ويضحك كالعاهرات. شعرت بالغثيان من رؤيته؛ وبعد مغادرته بكيت وبكيت: 
وأصابني دوار برأسيء لقد اغتالوه من داخله؛ لم يبق أيا سائم المجاهد, 
ولكن عمر خشفة الخائن العميل. 

حاولت أن أجد تفسيرا لتحوله هذاء كنت أجزم أن هناك شخصية كبيرة 
خائنة: واجهوه بهاء فانهار من داخلهء هذا كان تحليلي الأقوى: ومازلت 
مقتنعة بهء وستكشف الأيامء إن كنت مخطتة أم لا. 

أو أنه واجه الحقيقة؛ بأنه محكوم عليه بالإعدام لا محالة؛ وخضع 
للإغراءات. فهو لم يكن يتعدى العشرين من عمره (من مواليد١155)ء‏ 
لمهم أنه كان من أكبر الخونة للثورة وللمجاهدين رفاقه: ومنذ يومين 
سمحت غير أته موجود ا إحدى اقدن التركية: يبهم الثورة: ويرسل 
السيارات: وغيرٌ ذلك.. هل يمكن أن أقبل توبية من شخص.ء يداه ملطختان 
بدم المجاهدين58 الله هو من يقبل التوبة» وليس نحن. إنه أحد المجرمين. 
ويجب أن يعاقب ويحاكم؛ كغيره من المجرمين. إذ لا يوجد أحد من ثوار 
الثمانين؛ إلا ويعرف خيانته وعمالته. فمن يتعامل معه5؟ إنها شبكة خيانة, 
ولا أعلم الغيب: ولكن عقلي يقول هذاء فهل عرفتم أنه يجب تنظيف ثورتنا 
من أمثال عمر خشفة585 لهذا أدعو الثوار والمجاهدين إلى اعتقاله. فهو 
يملك مفاتيح السابق واللاحق. 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر 9 


123 


الحكاية العشرون 


مساؤكم مغفرة ورحمة بإذن الله. 
اليوم وأنا أنبش بذاكرتي لأستخرج تلك الصور من الماضي وأضعها بين 
أيديكم لتستطيعوا رسم الأحداث التي مضت. وأقول هل استطعت أن أرسم 
الصورة كاملة أم بقيت ناقصة5: تمنيت على أحدكم أن يسألني ليسهل علي 
المهمة ولكنكم مغذرون ‏ ذلك فهذه حياة انقضت هي ورجالها ولم يبق إلا 
أنا والأخت أم حسن وهي بعيدة لا أستطيع الإتصال بها لتساعدني 4 ذلك 
وأظن أني رسمت لكم صورة حية لما كان عليه الشهداء من حياة الجهاد 
التي عاشؤها. 
حكايتي اليوم تكملة لما حدث بعد اعتقال أبوسالم «وعمر خشفة» فيعد 
أن خرجنا جميعنا من المنزل نساء ورجالاً وأطفالاً وكان مكان الإجتماع بواد 
خلف بيتنا اتفقنا أن نذهب أنا والأخت لبيت تعرفه الأخت؛ أما الشياب 
فلا نعرف أين سيذهبون المهم لديهم أن نكون 55 النساء والأطفال 2 
أماكن آمنة؛ ودعناهم وافترقنا لم أعرف أنه سيكون الوداع الأخير ومشيت 
أنا والأخت أم حسن فهي حامل وتحمل طفلة وعلى رأسها كيس كبير من 
الملابس ويمسك بتلابيبها طفلها حسن وتسير الفتيات الثلاث وراءها 
يحملن أكياساً فيها حاجيات لهم, وأنا كنت أحمل اسماعيل بيد وييد أخرى 
صرة ملابس ويمسك بملحفتي ياسر وفردوس. كان الوقت عق الغروب 


124 


نسير بسرعة كبيرة لنخرج من الحارة قبل أن يأتي الأمن لمداهمة منزلئا 
وقفنا على موقف الباص نريد سيارة تحملتاء لكنهم عندما يرون عددنا 
كبيراً يمتنعون عن حملناء كان الخوف يعصف بنا وأرجلنا ترتجف خوفا 
من أن نعتقل؛ رأينا سيارة (سوزوكي) متوقفة على باب أحد المنازل فذهبت 
الأخت وطرقت الباب ورجته أن يحملنا فضحن © حزن لأن أخاها عمل 
حادث وهو.ي خطر «هكذا قالت للسائق لكلا يتساءل عن سبب القلق الذي 
نحن فيه» وافق الرجل وركبت الأخت بجانب السائق لتدله على الطريق 
فنحن سنذهب لأبو حسن لتعلمه بما حصلء وهو موجود 4 منزل يجهزه 
ليكون قاعدة: وأغمضت عيني لكلا أعرف أين نتجه هكذا هي تعليماتنا 
فنحن نمرفها من دون أن يطلب أحد منا ذلكء وصلنا المنزل ولكن أبوحسن 
لم يكن ودود وقانت لأحد العمال أن يقول له إن أخا زوجتك عمل حادذا 
ونحن ببيت أبوهاشم أخوها الآخرء هذة رموز ولكن أبو حسن سيعرف ماذا 
حصلء وعدنا أدراجنا لبيت أهل أحد الأخوة ومورييه ارقي مرق المتيرلاه 
لقد استقبلونا بحرارة فابئهم هاشم من الشباب المجاهد: وكان الشهيد 
إبراهيم وعبد الله قدسي يبيتون عندهم وقت الحاجة. 

ونحن يذ قلق ونتشاور قالت لي الأخت: المركز بالفردوس يعرفه أبو 
سالم وهم لا علم لهم باعتقاله؛ قلت لها نذهب ونعلمهم طلبنا من الأخ 
هاشم أن يرافقنا ويبقى خارج حدود المنطقة:ء وإذا أوقفتنا دورية نقول أننا 
نذهب لنأتي بقابلة قانونية: وانتظر الأخ ودخلنا حارات ضيقة كان السكون 
ينذر بالهدوء قيل العاصفة» طرقنا باب الجيران أولاً خوضا أن يكون أانزى 


125 


فيه كمين: وسلمنا على الجارة وسألناها عن جارتها فقالت ذهيت اليوم 
لبيت أهلهاء فعرفنا أن لا وجود للنساء ولن يفتح الشباب لناء طرقنا باب 
المركز ونحن نتكلم ليسمعوا ما نقول وأعلمناهم أن أبو سالم اعتقل وعليهم 
المغادرة. كنا نشعر أنهم يراقبون من يطرق الباب ولكنهم لا يردون عليناء 
ثم غادرنا أنا والأخت وكان هاشم (رحمه الله) بانتظارناء وعدنا أدراجنا 
ولم نكد نصل حتى سمعنا أصوات الرصاص والسيارات يملاً الدنيا صخياً 
وخوفا. وعرفنا أنه تم اقتحام المنزل الذي أردنا أن نوصل لهم الخبرء لقد 
انتابنا حزن كبير فهل استطاع الشباب الهروب قبل المداهمة أم أنهم هم 
من يقاوم؟5؟ كنا نستمع لأصوات الرصاص لتتعلم هل هي ضرب بالهواء أم 
تبادل لإطلاق الرصاص5 لم ننم تلك الليلة فقد طوق الأمن جميع المنطقة 
ومنعوا الناس من الخروج من منازلهم فعرفنا من ذلك أن الشباب هربوا 
وهم يبحثون عنهم. فرحنا تذلك: ولكن أصيحنا ذ كرب أعظم فأبو حسن 
ملاحق ونخاف عليه من الإعتقال لأن العناصر طلبوا هوية كل عويب عن 
المنزل: وحصل ما كنا نخافه جاء الجنود وأخذوا هويات كل الرجال بالمنزل 
الذي نحن فيه؛ ورأو أبو حسن رجلاً غريباً فاعتقلوه. قال لهم أنا أعمل 
بمعمل لأصحاب البيت ولم أستطع العودة لبيتي فهو القرية فبت ليلتي 
عندهم: ولكن الأوامر كانت اعتقال كل غريب موجود 2 البيوت. ووقعمت 
الكارثة فنحن امرأتين وثمانية أطفال 4 مهب الريح وانقطعت الصلة بيننا 
وبين الأخوة (يتبع) 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر .... 


126 


الحكاية الواحد والعشرون 


مساء الخير لكل المكلومين والحزانى. 

سوف أتابع بقية حكاية الأمس: 

اعتقل الجنود الأخ أبوحسن وأخذوه معهم, وأيقنا أننا أصبحنا وحيدتين 
ويجب أن نعتمد على أنفسنا ريثما نتصل بالأخوة؛ حاولنا أنا والأخت أن 
تخرج من الحارة بسجة شراء الخب وكلأمامال أول مرة متعوفاء ولكن توسلتا 
لهم فسمحوا لناء ركبثا سيارة وقصدنا محلاً تعرف أن صاحبه ممن يؤيد 
الثورة لتأمين مأوى لنا لآن البيت الذي نحن فيه غير آمن وأصحابه سوف 
يغادرونه لأن أبوسالم يعرفه أيضاء لأتهم خبؤوا فيه عبلاسا مق زعن ولية! 
سيقادر أصعاي اللقؤل أيضاً منزلهم ووالدة الخ حديثة الولادة فقد ولدت 
صبيا أسمته عبد الله (على اسم هيد الله قدسي) : رجعت والأخت خاتبتين 
ولم نتمكن من تأمين مأوى آخرء لقد عشنا ساعات عصيبة لا يعلم بها إلا 
الله نم يكن خوفنا من الموتٍ ولكن من الإعتقال؛ فقد جاءني خبر من داخل 
الفرع العسكري أنهم يتوعدون إذا ألقوا القبض علي بأن يجعلوا كل من 
الفرع يعتدي عليء والأخت تخاف فهي من كانت تؤوي إبراهيم اليوسف 
وعائلته, وهل يوجد جريمة أكبر من هذه الجريمة؟8؟ 


127 


ونحن 4 حالة يأس وإذ بالأطفال يركضون ويقولون جاء بابا لا يمكن أن 
أصف فرحتنا فأبوحسن هو أبو الجميع ونحن من دونه أيتام: جاء والفرحة 
على وجهه؛ سألناه كيف أخلوا سبيلك5 قال أحد الجنود نظر إلي وقال 
لرفيقه هل وجه هذا العم وجه مجرمين5 لا والله فأخلى سبيله «أخي أبو 
حسن رحمك الله كان نور الإيمان يشع من وجهك والبراءة والطهر واضح 
لكل ذوعين بصيرة كان يشهد له كل جندي يوقفه على حاجز كان أبوحسن 
عامل ذ سد الفرات كذ مدينة الطبقة بالرقة وكان يخطب الجمعة بذ 
أحد مساجدها كان من رجال الدعوة المخلصين وبعد قيام الثورة خطب 
خطبة خرج كل المضلين من المسجد إلا رجل واحد وأنهى أبو حسن خطبته 
لنهايتها وخرج واختفى لأن الأمن بدأ يلاحقه وهكذا كان أول عائلة لأول 
قاعدة عسكرية أسسها الشهيد إبراهيم كان من أشجع الشياب ولكن حبه 
للشهيد لا يسبقه أحد إليه كان له خمسة أطفال يقول كلهم فداء ب سبيل 
الله. أخي أبو حسن لا تستطيع الكلمات أن تفيك حقك فأنت فوق كل وصف 
يكفي أن أعداءك شهدوا لك بذلك قبل محبيك كنت رجلاً من رجال الله 
نور وجهك لا أنساه لا أنسى كيف اشتريت لياسر اللعبة التى طلبها من والده. 
ولم يشتريها له فاشتريتها ولم تشتري لوحيدك حسن » 

والله كل واحد من هؤلاء الشباب لا تكفيهم عشرات الصفحات لأكتب 
عنهم 

نعود لحكايتنا وسامحوني إذا استرسلت وخرجت عن سياق الأحداث. 


128 


جاء أبو حسن وقال سنذهب لبيت # قرية السفيرة هو بيت أختي من 
أمي. وهكذ! ركبنا سيارة بحجة أننا ضيوف وأنا جارة بيت أبوحسن جتّت 
لأتنزه معهمء كان المنزل كبير وتسكنه أربع عائلات الأب والأخوة ولكن 
البيوت منفصلة عن بعضها بأبواب فيما بينهم» يستطيع المرء التجول بين 
البيوت من دون أن يخرج للشارع: بعد يوم عرفت الأخت أننا ملاحقون 
وأظنها تعرف من البداية: ولكن تعود كل من يعمل بالثورة على السرية وعدم 
السؤال عما لا يعنيه تقد كانت ثقافة الثورة كلما عرفت معلومات أقل فأنت 
بأمان أكبرء ولكن بعد عدة أيام عرفت أن هذا البيت هو بيت جد الأخ أبو 
هاشم قلت لأبوحسن يا أخي أعلم الأخوة أننا لسنا بأمان لأن الأمن سوف 
يأتي يبحث عن أبو هاشم # بيت جده فيرانا نحنء قال أبو حسن إن شاء 
الله ب الموعد الآتي. كذا كل ليلة لا تنام؛ ونصغي لنسمع صوت السيارات إذا 
توقفت قريبة من المنزل» ونيقى هكذا حتى طلوع الشمس ثم ننام؛ جاء وقت 
موعد أبو حسن مع الشباب وعاد وهو يحمل لنا سلام الأخوة واطمئنانهم 
عليتاء سألته هل قلت للأغوة أثنا لسنا بأمان وأن هتاك شرقاً من طرف 
الأخ أبوهاشم؟ رد علي أبو حسن وقال والله نسيت ذلك # الموعد الآخر 
سأقول لهم؛ لقد نزل علي كلامه كالصاعقة؛ وأجبته كيف ذلك يا أخي كيف 
تقول للأخوة أننا ب أمان؟5رد قائلاً: والله يا أختي كانت المواضيع التي 
تحدثنا بها كبيرة ونحن بالشارع لا نستطيع أن نطيل الوقوفء ولكن إن شاء 
الله سنتدارك الأمر لاحقاء شعرت أنه لم يبق وقت وأن المصيبة قد وقعت 
وننتظر متى اليوم أوغداً أو بعد غد (يتبع ) 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم يأسر .... 


129 


الحكاية الثانية والعشرون 


مساء الخير لكل المعذبين والخائفين. 

بعد رجوع أبو حسن من الموعد مع الشياب ولم يخبرهم أننا بذ خطر 
أيقنت بهذا الخطر وبدأت أنتظرهء وأتخيل السيناريو الذي سيحصلء 
سيد اهمون منزل هاشم ويرونه فارغا من أهله وسوف يسألون عن أقاربه: 
ويد اهمون بيوتهم ء ونحن موجودون ببيت جده. وكأن لسان حالنا يقول تعالوا 
فنحن هنا موجودون ننتظركم لتعتقلونا 

يقول المثل «أم القتيل تنام ولكن أم المهدد لا تنام». هكذا كنا نقول 
سامحك الله يا أبا حسن على هذا الخطأ الفادح: ونسهر الليالي نستمع لكل 
همسة أو حركة خارج المنزل: كانت أخت أبو حسن قد علمت بما نحن فيه. 
فقلت لها إذا اعتقلنا فأنكري أي معرفة بثاء وأننا ضيوف أتوا لعندك فما 
ذنبها5؟ هل نرد معروفها بأنها آوتنا أن تعتقل؟؟ 

مضت أربع ليالي لم أنم فيها إلا ساعات قليلة جداء والإنتظار والخوف 
أخذ مني كل مأخذ. ولكن كنت أتسلى بالقيام على خدمة جميع من بالمنزل 
لأنسى ما أنتظرهء و صباح يوم ٠”‏ /كانون الأول/ 15/0 كنت أجهز بعض 
الأعمال أ المطبخ وخرجت من الباب لجلب حاجة ماء وإذ بجنود هبطوا 
من الدرج وكأنهم هبطوا من السماء لكثرتهم؛ رجعت اليطبيخ فهناك باب 


130 


مطل على الشارع لأهرب منه. ولكن الشارع كان يفص بالجئود المدججين 
بالسلاح: فقفلت راجعة: ودخل بعض الجتود وهم يقولون هنا بيت من55 هنا 
بيت هاشم « كنت لا أعلم اسم الأخ ولا اسم عائلته» فقلت لهم نعم؛ قالوا لي 
ادخلي هذه الغرفة ولا تخرجي منهاء كان معي الطفل حسن؛ ومتعوني من 
الخروج ولا أعلم ماذا حصل لأولادي. ولكن وبعد انتشارهم بالمنزل الكبير 
سمعت أصوات إطلاق رصاصء وهاج الجنود وجن جنونهم» وقالوا هناك 
رجل 4 الفرفة أطلق النار على المساعد سمير وقتله. وبدأت أسمع تبادل 
إطلاق الرصاص وصراخ الأطفال يملأ هذا الصباح الحزين: قلث لحسن 
يا حسن ييدو أنناستبقى وحيدين أنا من دون أولاد وأنت من دون أهل. 
عندما دخل الجنود يفتشون الغرفة الموجود فيها أبوحسن دخل المساعد 
فعاجله أبو حسن وقتله: وهنا تفاجأ الجنود: كانت غرفة أبو حسن ملاصقة 
لغرفة تسكنها زوجة أخ صاحب المنزلء وكانت نفساء فقاموا بجمع غالبية 
النساء والأطفال فيها ليكونوا دروعا بشرية لهم» وعند إطلاق الرصاص 
كان الأطفال بصرخون. كان ياسر وأخوه اسماعيل 4 غرفة أخرى مع 
طفلتين من بنات أبو حسن. وكان الخوف وصوت الرصاص يملا قلوبهم 
الصغيرة: كان الجنود يدخلون جد هاشم لغرفة أبو حسن ليقول لهم بأي 
زاوية هو موجود. وبعد زمن لا أعرف له تقديراً استشهد أبو حسن وجن 
جنون الجنود وهم يسألون من هذا الرجل55 قالت لهم صاحبة المنزل أخي 
جاء لزيارتي والله لا أعلم عنه شيثاء لقد قاموا بضريها بالبارودة على 


131 


رأسها وسال الدم على وجههاء وانهالوا عليها ضرباً كل سيأخن ثأر المساعد 
سميرء وجاءهم أمر باعتقال كل من بالمنزل؛: خرجت من غرفتي واجتمعت 
بأطفالي. حملت اسماعيل الذي لم يكن قد تجاوز الشهر التاسع: وتمسك 
ياسر بثيابي وأخته فردوسء: وحملت صرة ملابس, فأنا الوحيدة التي تعرف 
ماذا حصل ويحصلء قالت لي الأخت لماذا تحملين هذه الصرة سيقولون 
إننا جهزنا أنفسنا. قلت لها وهو كذلك ارجعي واجلبي ملابس للأطفال. 
ولكن الجنود منعوها وقالوا هم مجهزون أنفسهم!. لم أعط بالا لكلامهم 
ولكني كنت أفكر بحيلة أخرى لأهرب. كان اسماعيل. يضحك للجنود وكلما 
اقفترب مني جندي نرفرف له بيديه الصغيرتين ويضحك فيضحك الجندي 
ويبتعد عني. كنت الوحيدة التي لم يضربني أحد. 

«كان اسماعيل طفلا عسياة جد وكيا يدريا لقد أحبه حتى أعداء 
أبيه» وهكذا ركبنا السيارات: كانت تجلس أمامي المرأة النفساءء وقد 
أصيبت بشظايا ‏ أنفها. أقول لها من بيت من أنتم55 فتهز بكتفيها ممتنعة 
أن تقول لي من همء كنت أريد أن أقول أني أختها جئت لمساعدتها؛ كان 
الأعل- الوحيد نا ننجأة ولكنها-رة 
أن يصارع واستسلمت لقدري. كل لحظة يأتي أحد الضباط ويسألني من 





أنت55 فأقول أخت النفساء. 
يسألوني أين تسكنين أقول لهم بمنبج وزوجي يعمل بائع خضروات: كنت 
أعرف أكثر عناصر الفرع من اعتقالي السابق: ولكنهم لم يعرفوني فأنا 


132 


ألبس لباس امرأة قروية وأضع على رأسي كوفية سوداءء لهذا لم يخطر 
ببالهم أن أكون موجودة بين النساءء ثم يعود ذلك الضابط ويسألني نفس 
الأسئلة وأجيبه نفس الإجابات من خلال نافذة السيارة؛ ويتوعدني ويقول 
لي: «إن شاء الله تكوني كاذبة»!: فأرد عليه وأقول نعم سوف تعرفون إن 
كنت كاذبة؛ كنت أريد أن أصل للفرع لأني على يقين لو عرفوا شخصيتي 
فسوف يقومون بتعذيبي أمام القرية كلهاء وليس أمام الجموع الغفيرة من 
الجنود. وهكذا قاموا بسرقة المنازل جميعها. وكانوا يحملون أباريق المازوت 
ويرشونها على المنزل ويحرقونه أمام أعينناء لقد قاموا بضرب جد هاشم 
شرها عورهاء وكان رجلا عجوزاً طاعناً ب السنء. كم خزنت وأنا أرى كيف 
يركلونه بأرجلهم» وهكذا كانوا يتسابقون ب أعمال الإجرام والضرب»: 
لقد حاولوا الإقتراب مني ولكن اسماعيل كان يدافع عني بضحكات.ه 
وكأنه يقول لهم هذه أمي فأنا أضحك لكم لأغسل حقد قلويكم بالبراءة 
والطهارة فيقبلونه وينصرؤذون: وكأن الله يرسل لي إشارات بأن لا تخا 
فأنا معك وأنا من يحميك, لأنه الأعلم أني دون الآخرين ينتظرني عذاب 
طويل: وهكذ! وصلت السيارات للفرع العسكري تحمل الجثث والمعتقلين وأنا 
وأطفالي من بينهم (يتبع ) 


وإلى حكاية جديدة من حكايا الجدة أم ياسر.... 


133 


الحكاية الثالثة والعشرون 


مساء الخير لكل المعتقلين الذين يقبعون 2 سجون الظلم والقهر ب كل 
مكان. 

البارحة بعد أن أنهيت كتابة الحكاية جاء ابني ياسر يودعني ورآني قد 
أنهيت الكتابة فجلس بقربي وقرأ الحكاية وبدأ يتذكر ويصف لي الأماكن, 
كان لم يتجاوز الأربعة أعوام: كان يتذكر جميع التفاصيل وأوصاف البيت: 
وكيفية تعامل الجنود مع الناس؛ هاجت الذكريات © خاطري. وبكيت 2 
مرارة وكأني أعيش اللحظة, لحظة الانكسار والهزيمة: لقد حصل هذا أمام 
أهل القزية وأمام جنود يدعون أنهم ولدوا يذ بيت أناس مسلمين: أي إسلام 
كانوا يتبعون وأي قرآن يقرؤون؟5 أهو نفس القرآن الذي نقرؤه؟؟ 

سأتابع الحكاية وأتمنى أن لا أتأثر مثل البارحة. 

توقفت السيارات عند باب الفرع ونزل غالبية الموقوفين؛ نساء وأطفال 
وأجلسوا من كانوا ضيوفاً ‏ غرفة. وأصحاب المنزل * عرف أخرى, كنت 
أرى رق عتاصر الفرع : وأعرقيم. وأحداً وعدا ولكنهم لم يعرفطوني. كنت لحيل 
صرة فأخذوها للتفتيش ورأوا هوياتنا أنا والأخت ولكن بأسماء وهمية 
(هويات مزورة) جاء أحد المساعدين وقال من فاطمة واكيء: قلت: أناء 
قال: تعالي معي. صحبته وصعدنا الدرج الذي يؤدي لغرف رئيس الفرع 


134 


والضباطء دخلنا غرفة سألني من أنت قلت له زوجة إبراهيم اليوسف صعق 
ونظر إلي فهو يعرفني معرفة تامة: كان يوصلني من سجن حلب المركزي 
للفرع وبالعكس حملق إلي ليتبين الحقيقة وتركني وركض لغرفة رئيس 
الفرع: وكانت بجانب غزقفته قال سيدي عزيزة زوجة إبراهيم:» قال: نادهاء 
دخلت غرفة مصطفى التاجر وكانت أول مرة أراه بها فقد كان رئيس الفرع 
سايقاً عدنان راع حمدان» طليوا متي أن لا أقول أمام أحد من أنا وييقن 
الأمر سسراء كان الضابط اسمه أحمد المصري. قال: ماذا فعلت بجالك؟ 
والله لم أعرفك! ثم استدعاني رئيس الفرع وكان يحقق مع أخت أبوحسن, 
وهي تحلف له الأيمان أنها لا تعرف عنا شيثاً. قال لها كانت عندك زوجة 
إبراهيم اليوسف. نظرت إلي وقالت هذه أنت؟ وبصقت بوجهي صحيح أننا 
قلنا لها قولي ما شئت ولكن أن تبصق بوجهي وأمام رئيس الفرع له معنى 
آخرء بلعت الإهانة: وحاولت أن أتماسك وكأن الأمر لا يعنيني: كان ينظر 
إلي وهو يحدق بي وكأنه يراقب كل ردة فعلء قلت له المرأة لا تعرف من أنا 
ويهذا أصبحت المرأة بنظرهم ضحية بريئة الحمد لله. ثم استدعاني مرة 
أخرىء كان يحقق مع الأخت أم حسن ويسألها أين تسكنين فترد عليه لا 
أعرف أين أسكن فزوجي أتى بي من الطيقة ولا أعرف حلب: ويمنعني من 
الخروج: سألني أين تسكنون يا عزيزة قلت له ف السكري تل الزرازير 2 
البيت الذي ضريبتوه من عدة أيام: لم يكونوا بحاجة لكثير من المعلومات 


عني فأب و سالم موجود وهونبع معلومات؛ ولكن كانت أسئلتهم هل تتواصلين 


135 


مع عدنان عقلة؛ ووصل الأمر بهم أنهم يريدون عدنان عقلة مني؛ ولكن 
كانت منهم ضغطأ لا أكثر فهم يعرفون أن لا'صلة بيننا سوى رسالة أرسلها 
لي يعزيني بالشهيدء ثم جاء ضابط واستدعاني؛ دخلت غرفة وإذ بها زوج 
أخت أبوحسن وأخوه مطمشي العينين: وسألوا الأخ ألم ترى ف بيت أخيك 
شابة تتنقل55 قال لهم والله لم أر أحداء وكذلك زوج الأخت فهو عسكري 
يخدم بالجيشء قلت لهم لا أكلم أحدا ولا أظهر عليهم: كانت تهمة عظيمة 
فهم يؤون عائلة إبراهيم وهكذا برأت العائلة من كل معرفة بي. 

كان الأمر الوحيد الذي أعتبره نعمة أن التحقيق معي يكون من الضباط 
وليس المساعدين ولا العمناصرء وكانوا يمنعون أن يتكلم معي أي عنصر وأن 
يسألني أي سؤالء فكنت عندما أجلس بغرف العناصر بانتظار التحقيق 
يحاولون الدردشة معيء ولكن السؤال الذي يعجبني أجيبهمء. والذي 
لايعجبني أسكت. كانت مثل هذه التصرفات تفيظهم مني. المهم آخر النهار 
خرج كل الموقوظين ويغينا آنا والأخت أم بحسن وأولادتاء كانت الطفلة سمية 
تبكي طوال اليوم: وتطلب أمها حليب ولكنهم لايأتون لها بحليب: حتى انتهت 
التحقيقات أرضعتها مع اسماعيل: وأصبحت أخته بالرضاعة. بتنا ليلتنا يخ 
غرفة من غرف العساكر وليس السجن وذلك لوجود ثمانية من الأطفال. 
يذ اليوم الثاني طلبني العميد خالد العلي وبدأ يساومني على حريتي كانت 
الهمة مساعدقهم ياغتيان غصام المطان: أما القايل فيو وطيلة ؤراف 
شهري وزوج وحرس خوفاً من أن يفتالني الإخوآن» كان عرضاً مغرياً لم 
أناقشه ب فكري أبداء وقلت لهم أنا كنت زوجة فقط ولم أساعد أحداً؛ ولن 
أساعد أحداء قال لماذا بقيت بعد مقتل زوجك ولم ترجعي لأهلك؟؟ 


136 


قلت خفت منكم أن تعتقلوني مرة ثانية قال لا ولكن خفت على الرجال 
اللدرسين الاين سم يقيت الساوسات بوم كاملا خلال الأسييت 
استدعوا والدتي وأخي الطبيب وسلموهم أولادي «ياسر وفردوس» وبقي 
اسماعيل معي لأني قلت لوالدتي سراً لو حاولوا أن يعطوك إياه ارخضي: 
وهكذا رخفضت أمي استلامه؛ لأنه رضيع ولا تستطيع إعالته. 

وبعد الأسبوع أنهكت من الأخذ والرد # هذا الموضوع وأنتابنتي نوبة 
من العصبية وصرخت بوجه الضابط وأنا أعطيه قراري الأخير أنه لا 
يمكنني أن أقبل مثل هذه المهمة» عندما رآني بهذه الحالة قال ما بك نمزح 
معك وبدأ يضحك ليقنعني بذلك: وذ نهاية اليوم طلبنا رئيس الفرع أنا 
والأخت. وكان يرافقنا العميد خالد فقال له هذه درويشة عن الأخت «لقد 
استطاعت أن تقنعهم بذلك ولكنها من أذكى النساء وأشجعهن» أما عزيزة 
فلا وأشار باصيعه السبابة يميتاً ويسارا وهكذ! اتنيت التحقيقات معتاء 
لقد كانت عناية الله معي وما كنت أخافه لم يحصل منه شي مما زادني 
قوة وايماناً أن الله هوخير حافظأً وهو أرحم الراحمين. و المساء جهزوا 
سيارات ونقلونا لسجن تكنة هنانو. وما أدراك ما سجن هنانوء وانتهى قصل 
من فصول حياتي ذ الجهاد لأنام سجينة أحد عشر عاما وأحد عغشر يوماً 
4 سجون حافظ الأسد, والتهمة عدم التعاون مع الأمن وزوجة إبراهيم 
اليوسشة. 


وإلى حكاية من حكايات الجدة أم ياسر.... 


137 


ملاحظة :بعد فترة سمعت أن أخت أبوحسن أصبحت عميلة وجاسوسة 
بيرة تعمل مع المخابرات. حتى وشت بأخيها الذي يعمل بالسعودية؛ كانت 
تذهب وتلتقي بالناس بالخارج وتأتي بمعلومات وبأسماء الأشخاص الذين 
يتعاملون مع الناس داخل سورياء للأسف حزنت لذلكء؛ لقد كان موقفها 
عتدها بصقت بوجهي يوحي ضعقاً بالنغس لا خوفاًء كان بإمكائها أن تقول 
أي شيي ولا تفعل ذلكء أنا سامحتها ‏ ذلك الوقت. ولكن عندما 55 
أنها أصبحت عميلة». عرفت أن هناك أموراً صغيرة تدل على شخصية 


ونفسية كل منا. 


«كتبتها من عام تقريياً كنت عند ابني ياسر تركيا» 


1368 


)١( استدراك‎ 


أثناء تحضيري لطباعة الكتاب ظهر ميشيل كيلو وهو الشريك السياسي 
للأخوان يتحدث عن عملية المدفعية وعن الشهيدين ابراهيم اليوسف 
وعدنان عقلة بأنهما قاما بتلك العملية بإيعاز من المخابرات السورية فرددت 
عليه على الفيسبوك: 1 

ميشيل كيلو على العربية 2 برنامج الذاكرة السياسية يردد مثل الببغاء 
قول جماعة الإخوان المسلمين المشروخة والتي قالوا فيها إن إبراهيم 
اليوسف عميل مخابرات قام بعملية المدذعية من أجل إيجاد ذريعة لضرب 
جماعة الإخوان: هذا تزوير للتاريخ وتضليل للأجيالء لقد اعتقل النظام 
الإخوان قادة التنظيم قبل الثورة بعامين وملا السجون بعناصر الإخوان 
قبل ثلاثة أشهر من العملية» والإخوان هم من كشفوا تنظيم جماعة مروان 
حديد أي الطليعة: وإبراهيم اليوسف هو أحد أعضاء الطليعة والذي نفذ 
العملية قادة من الطليعة بمساعدة الشهيد» يبدو أن ميشيل كيلو إما دفع له 
الإخوان ليقول ذلك أو أنه خرّف ولم تسعفه الذاكرة للتحليل أو لإستقصاء 
المعلومات الحقيقية؛ إبراهيم لم يكن يومأ ضابط أمن المدرسة ولكن كان 
مغضوباً عليه لأنه متدين ويصلي ومن ثم هل يضحي رجل بأهله وزوجته 
وأطفاله من أجل أن يعطي النظام ذريعة ليضرب تنظيم الإخوان كفاكم 
مهزلة وتشويهاً لرجل عرف عهر وإجرام طائفة ونظام قبلكم بأربعين عاماً. 


139 


ميشيل كيلو أسمعه وهو يهرف بما لا يعرف ويحلل تحليلات ويصدر 
معلومات لا أساس لها من الصحة كان الأجدى به أن يتأكد منها متى كان 
عدنان عقلة مسؤولاً بافشايرات العسكرية؟ ومن ثم من اشترك بعملية 
المدفعية تسع شباب وليس فقط إبراهيم وعدنان؛ ألم يسأل نفسه ما ذنب 
كل معتقل عند المخابرات لأنه يصلي أو قريب لملاحق أو جارة ومن ثم من 
أجل المصداقية التاريخية لماذا كانت الأجواء محتقنة شعبياً وناذا تعاطف 
الشعب مع المسلحين المجرمين ومن ثم كيف استطاع مجرمان من المخابرات 
أن يقودا ثورة ويهزا أركان النظام ولم يسعدنا ميشيل بتحليلاته لماذا سار 
الآلاف من الشباب يهتفون للمجزمين عدنان وإبراهيم ‏ مدينة حلب ولم 
يخبرناء ويما أنه شاهد على العصر من أين كان يأتن. الدعم لهذين 
المجرمين5! لقد أضحكني بتحليلاته فهي شهادة مزورة وتضليل تاريخي 
للأجيالء كيف نرضى بمثلك ليحكمنا وأنت بهذا الكذب والتضليل! كفانا 
كذابين ---كفانا مضللين. 


140 


استدراك (؟) 


و برنامج الصندوق الأسود عن مجزرة حماه سئل علي بيانوني عن 
الشهيد ابراهيم اليوسف فقال هو بعثي سني ورددت عليه بهذا المقال: 
لا أعرف لماذا قيادة تنظيم الإخوان كلما سثلوا عن الشهيد إبراهيم 

اليوسف يقوئون بعثي ويصرون على هذا الصفة وهم يعلمون أن كل ضابط 
4 الجيش يجب أن يكون له سجل واسم # حزب البعث؛ فلو كان الشهيد 
يؤمن بالبعث ما انضم تلصفوف الطليعة المقاتلة «وجماعة مروان حديد» بذ 
وقت مبكر من عمر تأسيس التنظيم لماذا لا يقول أحد من الناس اليوم عن 
الضباط الشهداء بعثيون55 انما يقولون شهداء مجاهدون لماذا يسقطون 
عنه صفة الجها 85 حتى لا يظهروا متخاذلين عن الجهاد؟! هل هو معن 
ل شخصية الشهيد ؟! أم التعلل بعدم انتساب الشهيد لتنظيمهم ولعدم 
معرفتهم معرفة كافية؟5 ألا يذكر البيانوني أن أخاه رحمه الله التقى 
الشهيد ليلة كاملة ب بساتين حلب؟ ألم يسأل البيانوني رحمه الله هذا 
البعثي لماذا يحارب حزب البعث وهو البعثي؟ ألم يحاول التعرف عليه 
شخصياً فهو مجتمع معه للتنسيق فكيف لا يعرف عنه شيئًاً؟؟؟ لقد حاول 
التنسيق معه وطلب انضمام 8٠١‏ شاب من جماعة البيانوني وقد رد عليه 
الشهيد أن التنسيق يكون على مستوى القيادة وتوسيع التنظيم 2# ذلك 
الوقت غير مرغوب فيه خوفاً من الإختراقات والخيانة. ألا يذكر البيانوني 


141 


أنه عندما لاحق الأمن شبابهم نصحهم الشهيد أن يأخذوا الحذر والحيطة 
لأن النظام لديه خطط لإستئصال كل ما هوإسلامي ولكن جماعة البيانوني 
لم تقم بأي شيئ لحماية شبابهم من الإعتقال أو الملاحقة. فهرب الأخوان 
البيانوني وتركا الشباب لمصيرهم فمن اعتقل أعدمء ومن انضم للطليعة 
قتل 4# الشوارع؛ ونجا منهم من نجا. ألا يعتبر البيانوني أن هذا خيانة 
أم تقصيراً بحق شبابهم الذين كانوا 00055 ألا يعتبر 
البيانوني التنسيق مع الخدام الذي يتحمل وزر مجزرة حماة مع كل القادة 
الحكم خيانة555 يا قادة التنظيم كفوا عن الطعن ث الشهيد وقولوا خيراً 


أو اصمتوا. 


استدراك (") 
سئل عدنان سعد الدين الذي أوصى ألا تنشر مقابلته مع أحمد منصور 
4 برنامج شاهد على العصر إلا بعد وفاته عن الشهيد فأنكر معرفته وقال 
باستخفاف: (هو بدوي من الرقة ). 





حجتر أهل القهيد ل جتهجنا نون قهييتا يدوي وين الرقة قالير 
أهل الأصالة والعروبة ولكن لأنه تكلم باستخفاف واستعلاء ويتقليل من 
أهمية الشهيد. ووصفه بأنه بدوي أي لا يفقه شيئاً وبدائي, لم يسأل نفسه 
من هوهذا البدوي الذي هز أر كان النظام البعثي لمدة عام وكاد أن يسقطه 
لوامتد به العمر . 


102 


استدراك (5) 

وسئل فتحي يكن عن الشهيد بعد عملية المدفعية فقال: (هو من تادف 
التي يسكنها اليهود ) © إشارة وتلميح بأن الشهيد من أصل يهودي ( الشهيد 
من قبيلة قيس بني محمد) وبناء على قول فتحي يكن اعتمد مصطفى 
طلاس على ذلك وقال إن الشهيد يهودي وحن لأصله!. هكذا تكلم قادة 
الأخوان المسلمين عن الشهيد وبعد انطلاق الثورة كان هناك قرار قيادي 
بعدم التعامل بكل أشكاله مع عائلة الشهيد وخاصة مع ابنه محمذ ياسر 
الذي كان يقود عدة كتائب 4 حلب و ريفها. 

و برأيي الشخصي يقولون كل ذلك عن الشهيد حتى لا يظهروا أمام 
أبنائهم والأجيال الجديدة بأنهم هربوا من ساحات الجهاد ورفضوا مقاومة 


استدراك (ه) 
يقول أخو الشهيد خليل اليوسف لماذا يختلف تعامل الأخوان © السجن 
عن الأخوان ف الخارج ب نظرتهم للشهيد؟ 
لقد كان الشباب من الأخوان .© السجن يقدرون كل عاثلة الشهيد 
ابراهيم مع العلم أن كل عائلة الشهيد بعيدة كل البعد عن أي معرفة تخص 


الجماعة وكانوا يعاملونهم بكل احترام وتقدير. عرفانا وإجلالاً للشهيد . 


1435